Полный текст (1 122 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
.......................................................................
الحواشي
(١) ابن القيم: بأن الإنسان إذا سلم على شخص يعرفه في الدنيا رد الله عليه روحه فرد السلام١ وعلى تقدير صحة هذا الحديث إذا كانوا يسمعون السلام ويردونه، فلا يلزم أن يسمعوا كل شيء، ثم لو فرض أنهم يسمعون غير السلام، فإن الله صرح بأن المدعوين من دون الله لا يسمعون دعاء من يدعوهم، فلا يمكن أن نقول: إنهم يسمعون دعاء من يدعوهم، لأن هذا كفر بالقرآن، فتبين بهذا أنه لا تعارض بين قوله ﷺ " السلام عليكم دار قوم مؤمنين "٢ وبين هذه الآية.
وأما قول: " ولو سمعوا " فمعناه: لو سمعوا فرضا ما استجابوا لكم، لأنهم لا يستطيعون.
القول الثاني: أن الأموات يسمعون. واستدلوا على ذلك بالخطاب الواقع في سلام الزائر لهم بالمقبرة. وبما ثبت في "الصحيح" من أن المشيعين إذا انصرفوا سمع المشيع قرع نعالهم٣.
والجواب عن هذين الدليلين: أما الأول، فإنه لا يلزم من السلام عليهم أن يسمعوا، ولهذا كان المسلمون يسلمون على النبي ﷺ في حياته في التشهد٤ وهو لا يسمعهم قطعا.
_________
١ "الاستذكار" لابن عبد البر (الجزء الأول, باب جامع الوضوء) .
٢ من حديث عائثة, رواه: مسلم (كتاب الجنائز, باب ما يقال عند دخول القبور, ٢/ ٦٦٩) .
٣ من حديث أنس, رواه: البخاري (كتاب الجنائز, باب الميت يسمع خفق النعال, ١/ ٤١٠) .
٤ من حديث ابن مسعود, رواه: البخاري (كتاب الاستئذان, باب السلام اسم من أسماء الله تعالى, ٤/١٣٦) , ومسلم (كتاب الصلاة, باب التشهد في الصلاة, ١/٣٠١) .стр. 282
وفي الصحيح عن أنس، قال: " شج النبي ﷺ يوم أحد، وكسرت رباعيته.
الحواشي
(١) أما الثاني، فهو وارد في وقت خاص، وهو انصراف، المشيعين بعد الدفن. وعلى كل، فالقولان متكافئان، والله أعلم بالحال.
قوله: "وفي الصحيح": سبق الكلام على مثل هذا التعبير في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: "أحد": جبل معروف شمالي المدينة، ولا يقال: المنورة، لأن كل بلد دخله الإسلام فهو منور بالإسلام، ولأن ذلك لم يكن معروفا عند السلف، وكذلك جاء اسمها في القرآن بالمدينة فقط، لكن لو قيل: المدينة النبوية لحاجة تمييزها; فلا بأس، وهذا الجبل حصلت فيه وقعة في السنة الثالثة من الهجرة في شوال هزم فيها المسلمون بسبب ما حصل منهم من مخالفة أمر النبي ﷺ كما أشار الله إلى ذلك بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ ١ وجواب الشرط محذوف تقديره: حصل لكم ما تكرهون.
وقد حصلت هزيمة المسلمين لمعصية واحدة، ونحن الآن نريد الانتصار والمعاصي كثيرة عندنا، ولهذا لا يمكن أن نفرح بنصر ما دمنا على هذه الحال، إلا أن يرفق الله بنا ويصلحنا جميعا.
قوله: "شج": الشجة: الجرح في الرأس والوجه خاصة.
قوله: " وكسرت رباعيته ": السنان المتوسطان يسميان ثنايا، وما يليهما يسميان رباعيتين.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٢.стр. 283
فقال: كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ "٢.
الحواشي
(١٧٩١) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٠٢) , وابن ماجه: الفتن(٤٠٢٧) , وأحمد (٣/٢٥٣) .
٤ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
٥ مسلم: الجهاد والسير(١٧٩١) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٠٢) , وابن ماجه: الفتن(٤٠٢٧) , وأحمد (٣/٢٥٣) .
٦ سورة آل عمران آية: ١٢٨.стр. 284
وفيه عن ابن عمر ﵄: " أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر:......................
الحواشي
(١٧٩١) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٠٢) , وابن ماجه: الفتن(٤٠٢٧) , وأحمد (٣/٢٥٣) .
٣ البخاري: المغازي(٤٠٧٠) , وأحمد (٢/١٤٧) .стр. 285
اللهم العن فلانا وفلانا، بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " ١.
وفي رواية: " يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ " ٢.
الحواشي
(١) قوله: "يقول: اللهم العن فلانا وفلانا ": اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، أي: أبعدهم عن رحمتك، واطردهم منها.
و"فلانا وفلانا": بينه في الرواية الثانية أنهم: صفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، والحارث بن هشام.
قوله: "بعدما يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد": أي: يقول ذلك إذا رفع رأسه وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد.
قوله: "فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ هنا قال: "فأنزل"، وفي الحديث السابق قال: "فنزلت"، وكلها بالفاء، وعلى هذا يكون سبب نزول الآية دعوة النبي ﷺ على هؤلاء، وقوله: " كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ " ولا مانع أن يكون لنزول الآية سببان.
وقد أسلم هؤلاء الثلاثة وحسن إسلامهم ﵃، فتأمل الآن أن العداوة قد تنقلب ولاية; لأن القلوب بيد الله- ، ولو أن الأمر كان على ظن النبي ﷺ لبقي هؤلاء على الكفر حتى
_________
١ رواه: البخاري (كتاب المغازي, باب ليس لك من الأمر شيء, ٣/١٠٨) .
٢ رواها: البخاري (كتاب المغازي, باب ليس لك من الأمر شيء, ٣/١٠٨) - وهي مرسلة عن سالم بن عبد الله, وقد وصلها أحمد; كما في "المسند" (٢/٩٣) -, والترمذي (رقم ٣٠٠٤) , وابن جرير في "تفسيره" (٤/٥٨) ; من طريق عمر بن حمزة, عن سالم, عن ابن عمر. وعمر ضعيف; كما في "التقريب" (٢/٥٣) .стр. 286
وفيه عن أبي هريرةرضي الله عنهقال: " قام
الحواشي
(١) الموت، إذ لو قبلت الدعوة عليهم، وطردوا عن الرحمة، لم يبق إلا العذاب.
ولكن النبي ﷺ ليس له من الأمر شيء، فالأمر كله لله، ولهذا هدى الله هؤلاء القوم، وصاروا من أولياء الله الذابين عن دينه، بعد أن كانوا من أعداء الله القائمين ضده، والله- سبحانه- يمن على من يشاء من عباده.
وليس بعيدا من ذلك قصة أصيرم بن عبد الأشهل١ الأنصاري، حيث كان معروفا بالعداوة لما جاء به الرسول ﷺ فلما جاءت وقعة أحد ألقى الله الإسلام في قلبه دون أن يعلم به النبي ﷺ أو أحد من قومه، وخرج للجهاد وقتل شهيدا، فلما انتهت المعركة جعل الناس يتفقدون قتلاهم، فإذا هو في آخر رمق، فقالوا: ما جاء بك يا فلان؟ أحدب على قومك، أم رغبة في الإسلام؟ قال: بل رغبة في الإسلام، وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فأخبروا عني رسول الله ﷺ فأخبروه، فقال: " هو من أهل الجنة " فهذا الرجل لم يصل لله ركعة واحدة، ومع هذا جعله الله من أهل الجنة، فالله حكيم يهدي من يشاء لحكمة، ويضل من يشاء لحكمة، فالمهم أننا لا نستبعد رحمة الله- من أي إنسان.
قوله: "قام": أي: خطيبا.
_________
١ رواه: ابن هشام (٢/٩٠) , وأحمد في "المسند" (٥/٤٢٨, ٤٢٩) . وفي "حاشية زاد المعاد" (٣/٢٠١) : "وسنده قوي".стр. 287
رسول الله ﷺ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ١ فقال: يا معشر قريش (أو كلمة نحوها) اشتروا أنفسكم،.........................
الحواشي
(١) قوله: "أنزل عليه": أي: أنزل عليه بواسطة جبريل: (وأنذر عشيرتك. قوله: (وأنذر) : أي: حذر وخوف، والإنذار: الإعلام المقرون بتخويف. قوله: (عشيرتك) : العشيرة: قبيلة الرجل من الجد الرابع فما دون.
قوله: (الأقربين) : أي: الأقرب فالأقرب، فأول من يدخل في عشيرة الرجل أولاده، ثم آباؤه، ثم إخوانه، ثم أعمامه، وهكذا. ويؤخذ من هذا أن الأقرب فالأقرب أولى بالإنذار، لأن الحكم المعلق على وصف يقوى بقوة هذا الوصف، وذلك أن الوصف الموجب للحكم كلما كان أظهر وأبين، كان الحكم فيه أظهر وأبين
وقوله: "حين أنزل عليه" يفيد أنه لم يتأخر ﷺ بل قام، فقال: "يا معشر قريش! " أي: يا جماعة قريش. وقريش: هو فهر بن النضر بن مالك، أحد أجداد الرسول ﷺ
قوله: "أو كلمة نحوها": أي: أو قال كلمة نحوها، أي شبهها، وهذا من احتراز الرواة أنهم إذا شكوا أدنى شك قالوا: أو كما قال، أو كلمة نحوها، وما أشبه ذلك! وعليه ف "أو": للشك والتردد.
قوله: "اشتروا أنفسكم": أي: أنقذوها، لأن المشتري نفسه كأنه أنقذها من هلاك، والمشتري راغب، ولهذا عبر بالاشتراء كأنه يقول: اشتروا أنفسكم راغبين.
_________
١ سورة الشعراء آية: ٢١٤.стр. 288
..
لا أغني عنكم من الله شيئا.
يا عباس بن عبد المطلب!...........................................
الحواشي
(٢٨٦٤) , ومسلم: الجهاد والسير(١٧٧٦) , والترمذي: الجهاد(١٦٨٨) , وأحمد (٤/٢٨٠ ,٤/٢٨١ ,٤/٢٨٩ ,٤/٣٠٤) .
٣ من حديث البراء بن عازب, رواه: البخاري (كتاب الجهاد, باب من صف أصحابه عند الهزيمة, ٢/٣٤٠) , ومسلم (كتاب الجهاد, باب غزوة حنين, ٣/١٤٠٠) .стр. 289
لا أغني عنك من الله شيئا. يا صفية عمة رسول الله ﷺ لا أغني عنك من الله شيئا. ويا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئا "١.
الحواشي
(١) فلو فرض أن لك أبا يسمى عبد المطلب، أو عبد العزى; فإنك تنتسب إليه، ولا يعد هذا إقرارا، ولكنه خبر عن أمر واقع; كما لو قلت: كفر فلان، ونافق فلان، وما أشبه ذلك، ولكن إذا كان موجودا غيرنا اسمه إذا كان لا يجوز.
قوله: لا أغني عنك من الله شيئا: أي: لا أنفعك بشيء دون الله، ولا أمنعك من شيء أراده الله لك; فالنبي ﷺ لا يغني عن أحد شيئا حتى عن أبيه وأمه.
قوله: يا صفية عمة رسول الله!: يقال في إعرابها كما قيل في عباس بن عبد المطلب. قوله: يا فاطمة بنت محمد! سليني من مالي ما شئت: أي: اطلبيني من مالي ما شئت; فلن أمنعك لأنه ﷺ مالك لماله، ولكن بالنسبة لحق الله قال: لا أغني عنك من الله شيئا.
فهذا كلام النبي ﷺ لأقاربه الأقربين: عمه، وعمته، وابنته; فما بالك بمن هم أبعد؟! فعدم إغنائه عنهم شيئا من باب أولى; فهؤلاء الذين يتعلقون بالرسول ﷺ ويلوذون به ويستجيرون به الموجودون في هذا الزمن وقبله قد غرهم الشيطان واجتالهم عن طريق الحق، لأنهم تعلقوا بما ليس بمتعلق، إذ الذي ينفع بالنسبة للرسول ﷺ هو الإيمان به واتباعه.
١ رواه: البخاري (كتاب التفسير, باب وأنذر عشيرتك الأقربين , ٣/٢٧٢) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب وأنذر عشيرتك الأقربين , ١/١٩٢) .стр. 290
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين.
الثانية: قصة أحد.
الحواشي
(١) أما دعاؤه والتعلق به ورجاؤه فيما يؤمل، وخشيته فيما يخاف منه، فهذا شرك بالله، وهو مما يبعد عن الرسول ﷺ وعن النجاة من عذاب الله.
ففي الحديث امتثال النبي ﷺ لأمر ربه في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ ١ فإنه قام بهذا الأمر أتم القيام، فدعا وعم وخصص، وبين أنه لا ينجي أحدا من عذاب الله بأي وسيلة، بل الذي ينجي هو الإيمان به واتباع ما جاء به.
وإذا كان القرب من النبي ﷺ لا يغني عن القريب شيئا، دل ذلك على منع التوسل بجاه النبي ﷺ لأن جاه النبي ﷺ لا ينتفع به إلا النبي ﷺ ولهذا كان أصح قولي أهل العلم تحريم التوسل بجاه النبي ﷺ
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين: وهما آيتا الأعراف، وسبق ذلك في أول الباب، والاستفهام فيهما للتوبيخ والإنكار، وكذلك سبق تفسير الآية الثالثة آية فاطر.
الثانية: قصة أحد: يعني: حيث شج النبي ﷺ .. الحديث.
_________
١ سورة الشعراء آية: ٢١٤.стр. 291
الثالثة: قنوت سيد المرسلين وخلفه سادات الأولياء يؤمنون في الصلاة.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار.
الحواشي
(١) الثالثة: قنوت سيد المرسلين ... إلخ: أراد المؤلف بهذه المسألة أن النبي ﷺ سيد المرسلين، وأصحابه سادات الأولياء، ومع هذا ما أنقذوا أنفسهم، فكيف ينقذون غيرهم؟! وليس مراده ﵀ مجرد إثبات القنوت والتأمين عليه، ولهذا جاءت العبارات بسيد وسادات؟ فلا أحد من هذه الأمة أقرب إلى الله من الرسول وأصحابه، ومع ذلك يلجؤون إلى الله- سبحانه- في كشف الكربات، ومن كانت هذه حاله، فكيف يمكن أن يلجأ إليه في كشف الكربات؟! فليس مراد المؤلف إثبات مسألة فقهية.
الرابعة: أن المدعو عليهم كفار: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ، فهذا دليل على أنهم الآن ليسوا على حال مرضية، ومن المعلوم أن صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام وقت الدعاء عليهم كانوا كفارا.
وهذه المسألة- أي أن المدعو عليهم كفار- ترمي إلى أن الرسول ﷺ وإن كان يرى أنه دعا عليهم بحق، فقد قطع الله- أن يكون له من الأمر شيء لأنه قد يقول قائل: إذا كانوا كفارا، أليس يملك الرسول ﷺ أن يدعو عليهم؟
نقول: حتى في هذه الحال لا يملك من أمرهم شيئا، هذا وجه قول المؤلف أن المدعو عليهم كفار، وليس مراده الإعلام بكفرهم، لأن هذا معلوم لا يستحق أن يعنون له، بل المراد في هذه الحال الذتي كان فيها هؤلاء كفارا لم يملك النبي شيئا بالنسبة إليهم.стр. 292
الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار، منها: شجهم نبيهم، وحرصهم على قتله، ومنها التمثيل بالقتلى مع أنهم بنو عمهم.
السادسة: أنزل الله عليه في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾
السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ ، فتاب عليهم فآمنوا.
الحواشي
(١) الخامسة: أنهم فعلوا أشياء ما فعلها غالب الكفار ... : أي: إنهم مع كفرهم كانوا معتدين، ومع ذلك قيل له في حقهم: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وإلا، فهم شجوا النبي ﷺ ومثلوا بالقتلى مثل حمزة بن عبد المطلب، وكذلك أيضا حرصوا على قتل النبي ﷺ مع أن كل هؤلاء فيهم من بني عمهم، وفيهم من الأنصار.
السادسة: أنزل الله ﷺ في ذلك: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ١ أي: مع ما تقدم من الأمور التي تقتضي أن يكون للنبي ﷺ حق بأن يدعو عليهم أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٢ فالأمر لله وحده، فإذا كان الرسول ﷺ قد قطع عنه هذا الشيء، فغيره من باب أولى.
السابعة: قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ ٣ فتاب عليهم، فآمنوا: وهذا دليل على كمال سلطان الله وقدرته، فهؤلاء الذين جرى منهم ما جرى تاب الله عليهم وآمنوا، لأن الأمر كله بيده سبحانه، وهو الذي يذل من يشاء ويعز من يشاء، ومن ذلك ما جرى من عمررضي الله عنهقبل إسلامه من العداوة الظاهرة للإسلام، وما جرى منه بعد إسلامه من الولاية والنصرة لدين الله تعالى، فرسول الله ﷺ ومن دونه لا يستطيعون أن يغيروا شيئا من أمر الله.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
٢ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
٣ سورة آل عمران آية: ١٢٨.стр. 293
الثامنة: القنوت في النوازل
الحواشي
(١) رواه: أحمد في "المسند" (١/ ٣٠١) ، وأبو داود (كتاب الصلاة، باب القنوت في الصلاة، رقم ١٤٤٣) - وسكت عنه-، والحاكم (١/ ٢٥٥) . وصححه ووافقه الذهبي.
(٢ (رواه: البخاري (كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، ٤/ ٤١) ، ومسلم (كتاب السلام، باب الطاعون والطيرة، رقم ٢٢١٨) .стр. 294
التاسعة: تسمية المدعو عليهم في الصلاة بأسمائهم وأسماء آبائهم.
الحواشي
(١) من حديث مالك بن الحويرث، رواه: البخاري (كتاب الأذان، باب الأذان للمسافرين، ١/٢١٢) .
٢ من حديث معاوية بن الحكم السلمي, رواه: مسلم (كتاب المساجد, باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته, ١/٣٨١, ٣٨٢) .
٣ ولفظ ما ورد عن أبي هريرة ﵁; أنه قال: "لأقربن صلاة النبي ﷺ , فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخرى من صلاة الظهر وصلاة العشاء وصلاة الصبح بعدما يقول: سمع الله لمن حمده; فيدعو للمؤمنين ويلعن الكفار". أخرجه: البخاري في (الأذان, باب فضل اللهم ربنا ولك الحمد, ٧٩٧) , ومسلم في (المساجد, باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة, ٦٧٦) ,.стр. 295
......................................................................
الحواشي
(١) أما الدعاء بالهلاك لعموم الكفار; فإنه محل نظر، ولهذا لم يدع النبي ﷺ على قريش بالهلاك، بل قال: " اللهم! عليك بهم، اللهم! اجعلها عليهم سنين كسني يوسف "١ وهذا دعاء عليهم بالتضييق، والتضييق قد يكون من مصلحة الظالم بحيث يرجع إلى الله عن ظلمه.
فالمهم أن الدعاء بالهلاك لجميع الكفار عندي تردد فيه. وقد يستدل بدعاء خبيب حيث قال: "اللهم أحصهم عددا، ولا تبق منهم أحدا" ٢ على جواز ذلك; لأنه وقع في عهد الرسول ﷺ ولأن الأمر وقع كما دعا; فإنه ما بقي منهم أحد على رأس الحول، ولم ينكر الله تعالى ذلك، ولا أنكره النبي ﷺ بل إن إجابة الله دعاءه يدل على رضاه به وإقراره عليه.
فهذا قد يستدل به على جواز الدعاء على الكفار بالهلاك، لكن يحتاج أن ينظر في القصة; فقد يكون لها أسباب خاصة، لا تتأتى في كل شيء. ثم إن خبيبا دعا بالهلاك لفئة محصورة من الكفار لا لجميع الكفار.
وفيه أيضا إن صح الحديث: دعاؤه على عتبة بن أبي لهب: " اللهم! سلط عليه كلبا من كلابك "٣ فيه دليل على الدعاء بالهلاك، لكن هذا على شخص معين لا على جميع الكفار.
_________
١ من حديث ابن مسعود, رواه: البخاري (كتاب التفسير, باب سورة الدخان, ٣/٢٨٩) , ومسلم (كتاب صفات المنافقين, باب الدخان, ٤/٢١٥٥) .
٢ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب المغازي, ٣/٨٩) .
٣ رواه; ابن عساكر في ترجمة عتبة بن أبي لهب. وفيه عنعنة ابن إسحاق. ورواه: الحاكم في "المستدرك" من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه (كتاب التفسير, تفسير سورة أبي لهب, ٢/٥٣٩) , وقال: "صحيح الإسناد,. ولم يخرجاه", ووافقه الذهبي, وحسنه ابن حجر في "فتح الباري" (٤/٣٩) .стр. 296
العاشرة: لعن المعين في القنوت.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١.
الثانية عشرة: جده ﷺ في هذا الأمر; بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، وكذلك لو يفعله مسلم الآن.
الحواشي
(١) العاشرة: لعن المعين في القنوت هذا غريب، فإن أراد المؤلف ﵀ أن هذا أمر وقع، ثم نهي عنه; فلا إشكال، وإن أراد أنه يستفاد من هذا جواز لعن المعين في القنوت أبدا; فهذا فيه نظر لأن النبي ﷺ نهى عن ذلك.
الحادية عشرة: قصته ﷺ لما أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ وهي أنه لما نزلت عليه الآية نادى قريشا; فعم، ثم خص، فامتثل أمر الله في هذه الآية.
الثانية عشرة: جده ﷺ في هذا الأمر، بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون: أي: اجتهاده ﷺ في هذا الأمر، بحيث قالوا: إن محمدا جن، كيف يجمعنا وينادينا هذا النداء؟ !
وقوله: "وكذلك لو يفعله مسلم الآن": أي: لو أن إنسانا جمع الناس، ثم قام يحذرهم كتحذير النبي ﷺ لقالوا: مجنون. إلا إذا كان معتادا عند الناس، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ٣ فهذا يختلف باختلاف البلاد والزمان، ثم إنه يجب على الإنسان أن يبذل جهده واجتهاده في الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والنبي ﷺ قام بهذا الأمر ولم يبال بما رمي به من الجنون.
_________
١ سورة الشعراء آية: ٢١٤.
٢ سورة آل عمران آية: ١٤٠.
٣ سورة النور آية: ٤٤.стр. 297
الثالثة عشرة: قوله للأبعد والأقرب: " لا أغني عنك من الله شيئا " حتى قال: " يا فاطمة بنت محمد! لا أغني عنك من الله شيئا "١ فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين، وآمن الإنسان بأنه لا يقول إلا الحق. ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس اليوم; تبين له ترك التوحيد وغربة الدين.
الحواشي
(٢٧٥٣) , ومسلم: الإيمان (٢٠٤ ,٢٠٦) , والنسائي: الوصايا (٣٦٤٦ ,٣٦٤٧) , وأحمد (٢/٤٤٨) , والدارمي: الرقاق(٢٧٣٢) .
٢ سورة البقرة آية: ١٤٥.стр. 298
.......................................................................
الحواشي
(١) دل عليه الكتاب والسنة وأيده العقل الصريح السالم من الشبهات والشهوات.
ولهذا نعى الله - سبحانه - على الكفار الذين اتبعوا ما ألفوا عليه آباءهم بأنهم لا يعقلون، وكلام المؤلف حق; فإن من تأمل ما عليه الناس اليوم في كثير من البلدان الإسلامية تبين له ترك التوحيد وغربة الدين.стр. 299
باب قول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١.
الحواشي
(١) مناسبة الترجمة
أن هذا من البراهين الدالة على أنه لا يستحق أحد أن يكون شريكا مع الله; لأن الملائكة وهم أقرب ما يكون من الخلق لله عزوجل ما عدا خواص بني آدم يحصل منهم عند كلام الله - سبحانه - الفزع.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ، قال ذلك ولم يقل: "فزعت قلوبهم"; إذ عن تفيد المجاوزة، والمعنى: جاوز الفزع قلوبهم; أي: أزيل الفزع عن قلوبهم. والفزع: الخوف المفاجئ; لأن الخوف المستمر لا يسمى فزعا. وأصله: النهوض من الخوف.
وقوله: "عن قلوبهم"; أي: قلوب الملائكة; لأن الضمير يعود عليهم بدليل ما سيأتي من حديث أبي هريرة، ولا أحد من الخلق أعلم بتفسير القرآن من رسول الله ﷺ
قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ، جواب الشرط: والمعنى: قال بعضهم لبعض: وإنما قلنا ذلك لأن في الكلام قائلا ومقولا له، فلو جعلنا
_________
١ سورة سبأ آية: ٢٣.стр. 300
.......................................................................
الحواشي
(١) الضمير في قالوا عائدا على الجميع; فأين المقول له؟ والمعنى: أي شيء قال ربكم؟
وإعراب ماذا على أوجه:
١. ما: اسم استفهام مبتدأ، وذا: اسم موصول خبر; أي: ما الذي.
٢. ماذا: اسم استفهام مركب من ما وذا.
٣. ما: اسم استفهام، وذا زائدة. قال ابن مالك:
ومثل ماذا بعدما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام
وقوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قال المسئولون. والحق: صفة لمصدر محذوف مع عامله، والتقدير قال القول الحق.
والمعنى: أن الله - سبحانه - قال القول الحق لأنه سبحانه هو الحق، ولا يصدر عنه إلا الحق ولا يقول ولا يفعل إلا الحق. والحق في الكلام هو الصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام; كما قال الله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ١. ولا يفهم من قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أنه قد يكون قوله باطلا، بل هو بيان للواقع، فإن قيل: ما دام بيانا للواقع ومعروفا عند الملائكة أنه لا يقول إلا الحق; فلماذا الاستفهام؟ !
أجيب: أن هذا من باب الثناء على الله بما قال، وأنه سبحانه لا يقول إلا الحق.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ، أي: العلي في ذاته وصفاته، والكبير: ذو الكبرياء، وهي العظمة التي لا يدانيها شيء، أي العظيم الذي لا أعظم منه.
_________
١ سورة الأنعام آية: ١١٥.стр. 301
............................................................
الحواشي
(١) مناسبة الآية للتوحيد: أنه إذا كان منفردا في العظمة والكبرياء; فيجب أن يكون منفردا في العبادة.
والعلو قسمان:
الأول: علو الصفات، وقد أجمع عليه كل من ينتسب للإسلام حتى الجهمية ونحوهم.
الثاني: علو الذات، وقد أنكره كثير من المنتسبين للإسلام مثل الجهمية وبعض الأشاعرة غير المحققين منهم; فإن المحققين منهم أثبتوا علو الذات. وعلوه لا ينافي كونه مع الخلق يعلمهم ويسمعهم ويراهم; لأنه ليس كمثله شيء في جميع صفاته.
وفي الآية فوائد:
١. أن الملائكة يخافون الله; كما قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ ١.
٢. إثبات القلوب للملائكة; لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ٢.
٣. إثبات أنهم أجسام وليسوا أرواحا مجردة من الجسمية، وهو أمر معلوم بالضرورة، قال تعالى: ﴿جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ ٣، وقد رأى النبي ﷺ جبريل له ست مئة جناح قد سد الأفق٤ فالقول بأنهم أرواح فقط إنكار لهم في الواقع، وهو قول باطل. لكنهم لا يأكلون ولا يشربون، وإنما أكلهم وشربهم التسبيح بدليل قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ٥، ففي هذا
_________
١ سورة النحل آية: ٥٠.
٢ سورة سبأ آية: ٢٣.
٣ سورة فاطر آية: ١.
٤ رواه: البخاري من حديث عائشة (كتاب بدء الخلق, باب إذا قال أحدكم آمين, ٢/٤٢٧) , مسالم (كتاب الإيمان, باب معنى قول الله : ولقد رآه نزلة أخرى , ١/ ١٥٨) .
٥ سورة الأنبياء آية: ٢٠.стр. 302
.......................................................................
الحواشي
(١) دليل على أن ليلهم ونهارهم مملوءان بذلك، ولهذا جاء: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ﴾ ولم يقل: يسبحون في الليل; أي: أن تسبيحهم دائم، والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.
٤. أن لهم عقولا; إذ إن القلوب هي محل العقول خلافا لمن قال: إنهم لا يعقلون، ولأنهم يسبحون الله، ويطوفون بالبيت المعمور.
٥. إثبات القول لله ، وأنه متعلق بمشيئته; لأنه جاء بالشرط: إذا فزع، وإذا الشرطية تدل على حدوث الشرط والمشروط، خلافا للأشاعرة الذين يقولون: إن الله لا يتكلم بمشيئة، وإنما كلامه هو المعنى القائم بنفسه; فهو قائم بالله أزلي أبدي; كقيام العلم والقدرة والسمع والبصر. ولا ريب أن هذا باطل، وأن حقيقته إنكار كلام الله، ولهذا يقولون: إن الله يتكلم بكلام نفسي أزلي أبدي، كما يقولون: هذا الكلام الذي سمعه موسى، وسمعه النبي ﷺ ونزل به جبريل على الرسول ﷺ شيء مخلوق للتعبير عن كلام الله القائم بنفسه. وهذا في الحقيقة قول الجهمية; كما قال بعض المحققين من الأشاعرة: ليس بيننا وبين الجهمية فرق، فإننا اتفقنا على أن هذا الذي بين دفتي المصحف مخلوق، لكن نحن قلنا عبارة عن كلام الله، وهم قالوا: هو كلام الله. فالجهمية خير منهم في أنهم يقولون: هذا كلام الله، لكنهم شر منهم في كونهم يصرحون أن كلام الله مخلوق.
٦. إثبات أن قول الله حق، وهذا جاء في القرآن: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ ١، وقال: ﴿فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ﴾ ٢ ; فالله تعالى لا يقول إلا حقا; لأنه هو الحق، ولا يصدر عن الحق إلا الحق.
_________
١ سورة الأحزاب آية: ٤.
٢ سورة ص آية: ٨٤.стр. 303
وفي الصحيح عن أبي هريرةرضي الله عنهعن النبي ﷺ قال: " إذا قضى الله الأمر في السماء; ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك "١........................................
الحواشي
(٤٨٠٠) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٢٢٣) , وابن ماجه: المقدمة(١٩٤) .
٢ سورة البقرة آية: ١١٧.
٣ سورة الشورى آية: ١١.
٤ سورة سبأ آية: ٢٣.
٥ سورة سبأ آية: ٢٣.стр. 304
﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ١
الحواشي
(١) الحق، وهذا الجواب الذي يقولونه هل هم يقولونه لأنهم سمعوا ما قال وعلموا أنه حق، أو أنهم كانوا يعلمون أنه لا يقول إلا الحق؟ يحتمل أن يكونوا قد علموا ما قال، وقالوا: إنه الحق; فيكون هذا عائدا إلى الوحي الذي تكلم الله به. ويحتمل أنهم قالوا ذلك لعلمهم أن الله - سبحانه - لا يقول إلا الحق; فلذلك قالوا هذا لأن ذلك صفته .
وهذا الحديث مطابق للآية تماما، وعلى هذا يجب أن يكون هذا تفسير الآية، ولا يقبل لأي قائل أن يفسرها بغيره; لأن تفسير القرآن إذا كان بالقرآن أو السنة; فإنه نص لا يمكن لأحد أن يتجاوزه.
وأما تفسير الصحابي; فإنه حجة عند أكثر المفسرين، وأما التابعين; فإن أكثر العلماء يقول: إنه ليس بحجة إلا من اختص منهم بشيء; كمجاهد; فإنه عرض المصحف على ابن عباس عشرين مرة أو أكثر، يقف عند كل آية ويسأله عن معناها، وأما من بعد التابعين; فليس تفسيره حجة على غيره، لكن إن أيده سياق القرآن كان العمدة سياق القرآن.
فلا يقبل أن يقال: إذا فزع عن قلوب الناس يوم القيامة، بل نقول: الرسول ﷺ فسر الآية بتفسير غيبي لا مجال للاجتهاد فيه، وما كان غيبيا وجاء به النص; فالواجب علينا قبوله، ولهذا نقول في مسألة ما يعذر فيه بالاجتهاد وما لا يعذر: إنه ليس عائدا على أن هذا من الأصول وهذا من الفروع; كما قال بعض العلماء: الأصول لا مجال للاجتهاد فيها، ويخطئ المخالف مطلقا، بخلاف الفروع.
_________
١ سورة سبأ آية: ٢٣.стр. 305
فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض،....
الحواشي
(١) لكن شيخ الإسلام ابن تيمية أنكر تقسيم الدين إلى أصول وفروع، ويدل على بطلان هذا التقسيم: أن الصلاة عند الذين يقسمون من الفروع مع أنها من أجل الأصول.
والصواب: أن مدار الإنكار على ما للاجتهاد فيه مجال وما لا مجال فيه، فالأمور الغيبية ينكر على المخالف فيها ولا يعذر، سواء كانت تتعلق بصفات الله أو اليوم الآخر أو غير ذلك، لأنه لا مجال للاجتهاد فيها.
أما الأمور العملية التي للاجتهاد فيها مجال; فلا ينكر على المخالف فيها إلا إذا خالف نصا صريحا، وإن كان يصح تضليله بهذه المخالفة; كقول ابن مسعود في بنت وبنت ابن وأخت: للبنت النصف، ولابنة الابن السدس، تكملة الثلثين، وما بقي; فللأخت وذكر له قسمة أبي موسى: للابنة النصف، وللأخت النصف وقوله: ائت ابن مسعود; فسيتابعني فأخبر ابن مسعود بذلك، فقال: قد ضللت إذا، وما أنا من المهتدين١.
قوله: "فيسمعها مسترق السمع": أي: هذه الكلمة التي تكلمت بها الملائكة. و "مسترق": مفرد مضاف; فيعم جميع المسترقين. وتأمل كلمة "مسترق"; ففيها دليل على أنه يبادر، فكأنه يختلسها اختلاسا بسرعة، ويؤيده قوله: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ ٢.
قوله: " ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض ": يحتمل أن يكون
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الفرائض, باب ميراث ابنة ابن مع ابنة, ٤/٢٣٨) .
٢ سورة الصافات آية: ١٠.стр. 306
وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته.
ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن،.....
الحواشي
(١) هذا من كلامه ﷺ أو من كلام أبي هريرة، أو من كلام سفيان. قوله: "وصفه سفيان بكفه": أي: أنها واحد فوق الثاني، أي الأصابع; فالجن يتراكبون واحدا فوق الآخر، إلى أن يصلوا إلى السماء، فيقعدون لكل واحد مقعد خاص، قال تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ ١.
قوله: " فيسمع الكلمة، فيلقيها إلى من تحته ": أي: يسمع أعلى المسترقين الكلمة، فيلقيها إلى من تحته; أي: يخبره بها، و"من": اسم موصول، وقوله: "تحته" شبه جملة صلة الموصول لأنه ظرف.
قوله: " ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها ": أي: يلقي الكلمة آخرهم الذي في الأرض على لسان الساحر أو الكاهن. والسحر عزائم ورقى وتعوذات تؤثر في بدن المسحور وقلبه وعقله وتفكيره. والكاهن: هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل. وقد التبس على بعض طلبة العلم; فظنوا أنه كل من يخبر عن الغيب ولو فيما مضى; فهو كاهن، لكن ما مضى مما يقع في الأرض ليس غيبا مطلقا، بل هو غيب نسبي، مثل ما يقع في المسجد يعد غيبا بالنسبة لمن في الشارع، وليس غيبا بالنسبة لمن في المسجد. وقد يتصل الإنسان بجني، فيخبره عما حدث في الأرض ولو كان بعيدا; فيستخدم الجن، لكن ليس على وجه.
_________
١ سورة الجن آية: ٩.стр. 307
فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها،...............................
الحواشي
(١) محرم; فلا يسمى كاهنا; لأن الكاهن من يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وقيل: الذي يخبر عما في الضمير، وهو نوع من الكهانة في الواقع، إذا لم يستند إلى فراسة ثاقبة، أما إذا كان يخبر عما في الضمير استنادا إلى فراسة; فإنه ليس من الكهانة في شيء; لأن بعض الناس قد يفهم ما في الإنسان اعتمادا على أسارير وجهه ولمحاته، وإن كان لا يعلمه على وجه التفصيل، لكن يعلمه على سبيل الإجمال.
فمن يخبر عما وقع في الأرض ليس من الكهان، ولكن ينظر في حاله، فإذا كان غير موثوق في دينه; فإننا لا نصدقه; لأن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ ١. وإن كان موثوقا في دينه، ونعلم أنه لا يتوصل إلى ذلك بمحرم من شرك أو غيره; فإننا لا ندخله في الكهان الذين يحرم الرجوع إلى قولهم، ومن يخبر بأشياء وقعت في مكان ولم يطلع عليها أحد دون أن يكون موجودا فيه; فلا يسمى كاهنا; لأنه لم يخبر عن مغيب مستقبل يمكن أن يكون عنده جني يخبره، والجني قد يخدم بني آدم بغير المحرم; إما محبة لله عزوجل أو لعلم يحصله منه، أو لغير ذلك من الأغراض المباحة.
والسحرة قد يكون لهم من الجن من يسترق لهم السمع. ولا يصل هؤلاء المسترقون إلا إلى السماء الدنيا; لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ ٢; فلا يمكن نفوذه إلى ما فوق.
قوله: "فربما أدركه الشهاب ... " إلخ: الشهاب: جزء منفصل من النجوم، ثاقب، قوي، ينفذ فيما يصطدم به.
قال العلماء في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ
_________
١ سورة الحجرات آية: ٦.
٢ سورة الأنبياء آية: ٣٢.стр. 308
وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مئة كذبة.
فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء "١.
الحواشي
(١) وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ ٢أي: جعلنا شهابها الذي ينطلق منها; فهذا من باب عود الضمير إلى الجزء لا إلى الكل. فالشهب: نيازك تنطلق من النجوم. وهي كما قال أهل الفلك: تنزل إلى الأرض، وقد تحدث تصدعا فيها. أما النجم، فلو وصل إلى الأرض; لأحرقها.
واختلف العلماء: هل المسترقون انقطعوا عن الاستراق بعد بعثة الرسول ﷺ إلى الأبد أو انقطعوا في وقته فقط؟ والثاني هو الأقرب: أنهم انقطعوا في وقت البعثة فقط، حتى لا يلتبس كلام الكهان بالوحي، ثم بعد ذلك زال السبب الذي من أجله انقطعوا.
قوله: "فيكذب معها مئة كذبة ": هل هذا على سبيل التحديد، أو المراد المبالغة، أي أنه يكذب معها كذبات كثيرة؟ الثاني هو الأقرب، وقد تزيد عن ذلك وقد تنقص; فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ والناس في هذه الأمور الغريبة على حسب ما أخبر به المخبر يأخذون كل ما يقوله صدقا، فإذا أخبر بشيء فوقع، ثم أخبر بشيء ثان; قالوا: إذن لا بد أن يصدق.
فوائد الحديث:
١. إثبات القول لله عزوجل
٢. عظمة الله .
_________
١ سورة الملك آية: ٥.
٢ رواه: البخاري (كتاب التفسير, باب "إلا من استرق السمع" , ٣/٢٤٧) .стр. 309
......................................................................
الحواشي
(١) ٣. إثبات الأجنحة للملائكة.
٤. خوف الملائكة من الله عزوجل وخضوعهم له.
٥. أن الملائكة يتكلمون ويعقلون.
٦. أنه لا يصدر عن الله إلا الحق.
٧. أن الله - سبحانه - يمكن هؤلاء الجن من الوصول إلى السماء فتنة للناس، وهي ما يلقونه على الكهان، فيحصل بذلك فتنة، والله عزوجل حكيم.
وقد يوجد الله أشياء تكون ضلالا لبعض الناس، لكنها لبعضهم هدى امتحانا وابتلاء.
٨. كثرة الجن; لأنهم يترادفون إلى السماء، ومعنى ذلك أنهم كثيرون جدا، وأجسامهم خفيفة يطيرون طيرانا.
وذكر ذلك عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية في السحرة الذين يستخدمون الجن وتطير بهم: أنهم يصبحون يوم عرفة في بلادهم ويقفون مع الناس في عرفة، وهذا ممكن الآن في الطائرات، لكن في ذلك الوقت ليس هناك طائرات; فتحملهم الشياطين، ويجعلون للناس المكانس التي تكنس بها البيوت، ويقول: أنا أركب المكنسة وأطير بها إلى مكة، فيفعلون هذا، وشيخ الإسلام يقول: إن هؤلاء كذبة ومستخدمون للشياطين، ويسيئون حتى من الناحية العملية; لأنهم يمرون الميقات ولا يحرمون منه.
٩. أن الكهان من أكذب الناس، ولهذا يضيفون إلى ما سمعوا كذبات كثيرة يضللون بها الناس، ويتوصلون بها إلى باطلهم تارة بالترهيبстр. 310
وعن النواس بن سمعان () ; قال: قال رسول الله ﷺ " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر; تكلم بالوحي ;
الحواشي
(١) وتارة بالترغيب، كأن يقولوا: ستقوم القيامة يوم كذا وكذا، وسيجري عليك كذا من موت أو سرقة مال ونحو ذلك.
١٠. أن الساحر يصور للمسحور غير الواقع، وفي هذا تحذير من أهل التمويه والتلبيس، وأنهم إن صدقوا في شيء; فيجب الحذر منهم بكل حال.
قوله: "وعن النواس ... ": هذا الحديث لم يخرجه المؤلف، لكن قد ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم، وذكر فيه علة، وهي أن في سنده الوليد بن مسلم، وهو مدلس وقد رواه عن شيخه بالعنعنة; فيكون في الحديث ضعف، إلا أنه قد روى مسلم١ وأحمد من حديث ابن عباس حديثا قد يكون شاهدا له، حيث أخبر أن الله إذا تكلم بالوحي سمعه حملة العرش، فسبحوا، ثم سمعه أهل كل سماء، فيسبحون كما سبح أهل السماء السابعة، حتى يصل إلى السماء الدنيا، فتخطفه الجن أو الشياطين. وهذا وإن لم يكن فيه ذكر رجفة السماء أو السجود; لكن يدل على أن له أصلا.
قوله: " إذا أراد أن يوحي بالأمر": أي: بالشأن.
قوله: "تكلم بالوحي ": جملة شرطية تقتضي تأخر المشروط عن
_________
١ في (كتاب السلام, باب تحريم الكهانة, ٤/١٧٥٠) .стр. 311
أخذت السماوات منه رجفة (أو قال: رعدة شديدة) خوفا من الله عزوجل.
فإذا سمع ذلك أهل السماوات; صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد،
الحواشي
(١) الشرط; فالإرادة سابقة، والكلام لاحق; فيكون فيه رد على الأشاعرة الذين يقولون: إن الله لا يتكلم بإرادة، وإن كلامه أزلي; كالسمع والبصر; ففيه إثبات الكلام الحادث، ولا ينقص كمال الله إذا قلنا: إنه يتكلم بما شاء، كيف شاء، متى شاء، بل هذا صفة كمال، لكن النقص أن يقال: إنه لا يتكلم بحرف وصوت، إنما الكلام معنى قائم بنفسه.
قوله: "أخذت السماوات منه رجفة": السماوات: مفعول به جمع مؤنث سالم، أو ملحق به; فيكون منصوبا بالكسرة. ورجفة: فاعل.
قوله: "أو قال: رعدة شديدة ": شك من الراوي، وإنما تأخذ السماوات الرجفة أو الرعدة; لأنه سبحانه عظيم يخافه كل شيء، حتى السماوات التي ليس فيها روح.
قوله: " فإذا سمع ذلك أهل السماوات; صعقوا وخروا لله سجدا ": فإن قيل: كيف يمكن أن يصعقوا ويخروا سجدا؟
فالجواب: أن الصعق هنا - والله أعلم - يكون قبل السجود، فإذا أفاقوا سجدوا.
قوله:" فيكون أول من يرفع رأسه جبريل ": أول: بالنصب على أنها خبر مقدم، وجبريل بالرفع على أنها اسم يكون مؤخرا.
قوله: "بما أراد": أي: بما شاء; لأن الله تعالى يتكلم بمشيئة.стр. 312
ثم يمر جبريل على الملائكة، كلما مر بسماء، سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟
فيقول: قال الحق، وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عزوجل "١.
الحواشي
(٥١٥) , والطبري في "تفسيره" (٢٢/٦٣) , وابن أبي حاتم; كما في "تفسير ابن كثير" (٣/٥٣٧) , وابن خزيمة في "التوحيد" (ص ١٤٤) , والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٢٠٢) , والبغوي في "تفسيره" (٥/٢٩٠) . والحديث في إسناده نعيم بن حماد, ضعيف. "تهذيب التهذيب" (١٠/٤٥٨) . والوليد بن مسلم وهو مدلس, وقد عنعنه. انظر: "تقريب التهذيب" (٢/٣٣٦) .стр. 313
.......................................................................
الحواشي
(١) من فوائد الحديث:
١. إثبات الإرادة؛ لقوله: "إذا أراد الله"، وهي قسمان: شرعية، وكونية.
والفرق بينهما.
أولا: من حيث المتعلق; فالإرادة الشرعية تتعلق بما يحبه الله عزوجل سواء وقع أو لم يقع، وأما الكونية; فتتعلق بما يقع، سواء كان مما يحبه الله أو مما لا يحبه.
ثانيا: الفرق بينهما من حيث الحكم، أي حصول المراد; فالشرعية لا يلزم منها وقوع المراد، أما الكونية; فيلزم منها وقوع المراد. فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ١ هذه إرادة شرعية; لأنها لو كانت كونية لتاب على كل الناس، وأيضا متعلقها فيما يحبه الله وهو التوبة.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ ٢ هذه كونية; لأن الله لا يريد الإغواء شرعا، أما كونا وقدرا فقد يريده.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ٣ هذه كونية، لكنها في الأصل شرعية; لأنه قال: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ وقوله تعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ٤ هذه شرعية; لأن قوله: ﴿وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ، لا يمكن أن تكون كونية; إذ إن العسر يقع، ولو كان الله لا يريده قدرا وكونا; لم يقع.
٢. أن المخلوقات وإن كانت جمادا تحس بعظمة الخالق، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ٥.
_________
١ سورة النساء آية: ٢٧.
٢ سورة هود آية: ٣٤.
٣ سورة النساء آية: ٢٦.
٤ سورة البقرة آية: ١٨٥.
٥ سورة الإسراء آية: ٤٤.стр. 314
.......................................................................
الحواشي
(١) ٣. إثبات أن الملائكة يتكلمون، ويفهمون، ويعقلون؛ لأنهم يسألون: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ ١؟ ويجابون: قال: "الحق"، خلافا لمن قال: إنهم لا يوصفون بذلك; فيلزم من قولهم هذا أننا تلقينا الشريعة ممن لا عقول لهم، وهذا قدح في الشريعة بلا ريب.
٤. إثبات تعدد السماوات; لقوله: "كلما مر بسماء".
٥. أن لكل سماء ملائكة مخصصين; لقوله: "سأله ملائكتها".
٦. فضيلة جبريل ﵇ حيث إنه المعروف بأمانة الوحي، ولهذا قال ورقة بن نوفل: "هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى"٢، والناموس بالعبرية بمعنى صاحب السر.
٧. أمانة جبريل ﵇، حيث ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله عزوجل، فيكون فيه رد على الرافضة الكفرة الذين يقولون: بأن جبريل أمر أن يوحي إلى علي فأوحى إلى محمد ﷺ ويقولون: خان الأمين فصدها عن حيدرة، وحيدرة لقب لعلي بن أبي طالب; لأنه كان يقول في غزوة خيبر: أنا الذي سمتني أمي حيدرة٣. وفي هذا تناقض منهم; لأن وصفه بالأمانة يقتضي عدم الخيانة.
٨. إثبات العزة والجلال لله عزوجل لقوله: " "، والعزة بمعنى الغلبة والقوة، وللعزيز ثلاثة معان:
١. عزيز: بمعنى ممتنع أن يناله أحد بسوء.
_________
١ سورة سبأ آية: ٢٣.
٢ من حديث عائشة, رواه: البخاري (كتاب بدء الوحي, باب حدثنا يحيى بن بكير, ١/ ١٤) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب بدء الوحي, ١/١٣٩) .
٣ رواه: مسلم (كتاب الجهاد, باب غزوة ذي قرد, ٣/١٤٤١) .стр. 315
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا من تعلق على الصالحين، وهي الآية التي قيل: إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب.
الحواشي
(١) ٢. عزيز: بمعنى ذي قدر لا يشاركه فيه أحد.
٣. عزيز: بمعنى غالب قاهر.
قال ابن القيم في النونية:
وهو العزيز فلن يرام جنابه ... أنى يرام جناب ذي السلطان
وهو العزيز القاهر الغلاب لم ... يغلبه شيء هذه صفتان
وهو العزيز بقوة هي وصفه ... فالعز حينئذ ثلاث معان
وأما "جل": فالجلال بمعنى العظمة التي ليس فوقها عظمة.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية: أي: قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ ، الآية، وقد سبق تفسيرها.
الثانية: ما فيها من الحجة على إبطال الشرك: وذلك أن الملائكة وهم من هم في القوة والعظمة يصعقون ويفزعون من تعظيم الله; فكيف بالأصنام التي تعبد من دون الله وهي أقل منهم بكثير; فكيف يتعلق الإنسان بها؟ !стр. 316
الثالثة. تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .
الرابعة. سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة. أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: " قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه.
الحواشي
(١) ولذلك قيل: إن هذه الآية هي التي تقطع عروق الشرك من القلب; لأن الإنسان إذا عرف عظمة الرب سبحانه؛ حيث ترتجف السماوات ويصعق أهلها بمجرد تكلمه بالوحي; فكيف يمكن للإنسان أن يشرك بالله شيئا مخلوقا ربما يصنعه بيده حتى كان جهال العرب يصنعون آلهة من التمر إذا جاع أحدهم أكلها؟ ! وينزل أحدهم بالوادي فيأخذ أربعة أحجار: ثلاثة يجعلها تحت القدر، والرابع - وهو أحسنها - يجعله إلها له.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وسبق تفسيرها.
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك: فالسؤال: ماذا قال ربكم؟ وسببه شدة خوفهم منه وفزعهم خوفا من أن يكون قد قال فيهم ما لا يطيقونه من التعذيب.
الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال كذا وكذا; أي: يقول: قال الحق.
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل: لحديث النواس بن سمعان، وفيه فضيلة جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه: وفي هذا دليل على عظمته بينهم.стр. 317
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي يتتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الحواشي
(١) الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم: تؤخذ من قوله: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات; صعقوا وخروا لله سجدا".
لتاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله: لقوله: "أخذت السماوات منه رجفة"; أي: لأجله تعظيما لله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره: أي: لا أحد يتولى إيصال الوحي غير جبريل حتى يوصله إلى حيث أمره به; لأنه الأمين على الوحي.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين: أي: الذين يسترقون ما يسمع في السماوات، فيلقونه على الكهان، فيزيد فيه الكهان وينقصون.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا: وصفها سفيان ﵀ بأن حرف يده وبدد بين أصابعه.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب: يعني: التي تحرق مسترقي السمع، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ١.
_________
١ سورة الحجر آية: ١٨.стр. 318
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مئة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الحواشي
(١) الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان: لأنه يأتي بما سمع من السماء ويزيد عليه، وإذا وقع ما في السماء; صار صادقا. اعتراض وجوابه: كيف يسمع المسترقون الكلمة وعندما يسأل الملائكة جبريل يجابون بقال الحق فقط؟
والجواب: إن الوحي لا يعلمه أهل السماء، بل هو من الله إلى جبريل إلى النبي ﷺ أما الأمور القدرية التي يتكلم الله بها; فليست خاصة بجبريل. بل ربما يعلمها أهل السماء مفصلة، ثم يسمعها مسترقو السمع.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مئة كذبة: أي: يكذب مع الكلمة التي تلقاها من المسترق. وقوله:"مئة كذبة": هذا على سبيل المبالغة كما سبق وليس على سبيل التحديد.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق إلا بتلك الكلمة التي سمعت منстр. 319
الثامنة عشرة. قبول النفوس للباطل! كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة؟ !
التاسعة عشرة. كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة.
الحواشي
(١) السماء: وأما ما قاله من عنده; فهو تخرص; فالكلمة التي سمعها تصدق، والذي يضيفه كله كذب يموه به على الناس.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة؟ !: وهذا صحيح، وليس صفة عامة لعامة الناس، بل لأهل الجهل والسفه; فهم يتعلقون بالكاهن من أجل صدقه مرة واحدة، وأما مئة كذبة، فلا يعتبرون بها، ولا شك أن بعض السفهاء يغترون بالصالح المغمور بالمفاسد، ولكن لا يغتر به أهل العقل والإيمان، ولهذا لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١ تركهما كثير من الصحابة اعتبارا بالموازنة، والعاقل لا يمكن إذا وازن بين الأشياء أن يرجح جانب المفسدة; فهو وإن لم يأت الشرع بالتعيين يعرف ويميز بين المضار والمنافع.
التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ... إلخ: الكلمة: هي الصدق; لأنها هي التي تروج بضاعتهم، ولو كانت بضاعتهم كلها كذبا ما راجت بين الناس.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة: الأشعرية: هم الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري وسموا معطلة لأنهم يعطلون
_________
١ سورة البقرة آية: ٢١٩.стр. 320
.......................................................................
الحواشي
(١) النصوص عن المعنى المراد بها ويعطلون ما وصف الله به نفسه. والمراد تعطيل أكثر ذلك فإنهم يعطلون أكثر الصفات ولا يعطلون جميعها، بخلاف المعتزلة; فالمعتزلة ينكرون الصفات ويؤمنون بالأسماء، هؤلاء عامتهم، وإلا; فغلاتهم ينكرون حتى الأسماء، وأما الأشاعرة; فهم معطلة اعتبارا بالأكثر; لأنهم لا يثبتون من الصفات إلا سبعا. وصفاته تعالى لا تحصى، وإثباتهم لهذه السبع ليس كإثبات السلف; فمثلا: الكلام عند أهل السنة: أن الله يتكلم بمشيئته بصوت وحرف. والأشاعرة قالوا: الكلام لازم لذاته كلزوم الحياة والعلم، ولا يتكلم بمشيئة، وهذا الذي يسمع عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، بل هو مخلوق; فحقيقة الأمر أنهم لم يثبتوا الكلام، ولهذا قال بعضهم: إنه لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله; لأننا أجمعنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق، وحجتهم في إثبات الصفات السبع: أن العقل دل عليها. وشبهتهم في إنكار البقية: زعموا أن العقل لا يدل عليها.
والرد عليهم بما يلي:
١- أن كون العقل يدل على الصفات السبع لا يدل على انتفاء ما سواها; فإن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول; فهب أن العقل لا يدل على بقية الصفات، لكن السمع دل عليها; فنثبتها بالدليل السمعي.
٢- أنها ثابتة بالدليل العقلي بنظير ما أثبتم به هذه السبع; فمثلا: الإرادة ثابتة لله عندهم بدليل التخصيص، حيث إن الله جعل الشمس شمسا، والقمر قمرا، والسماء سماء والأرض أرضا، وكونه يميز بين ذلك؛ معناه: أنه يريد; إذ لولا الإرادة; لكانت الدنيا كلها سواء، فأثبتوها؛ لأن العقل دل عليها. فنقول لهم: الرحمة لا تمضي لحظة علىследующие страницы →