Полный текст (1 122 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
الثالثة. تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ .
الرابعة. سبب سؤالهم عن ذلك.
الخامسة. أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: " قال كذا وكذا".
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه.
الحواشي
(١) ولذلك قيل: إن هذه الآية هي التي تقطع عروق الشرك من القلب; لأن الإنسان إذا عرف عظمة الرب سبحانه؛ حيث ترتجف السماوات ويصعق أهلها بمجرد تكلمه بالوحي; فكيف يمكن للإنسان أن يشرك بالله شيئا مخلوقا ربما يصنعه بيده حتى كان جهال العرب يصنعون آلهة من التمر إذا جاع أحدهم أكلها؟ ! وينزل أحدهم بالوادي فيأخذ أربعة أحجار: ثلاثة يجعلها تحت القدر، والرابع - وهو أحسنها - يجعله إلها له.
الثالثة: تفسير قوله: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ وسبق تفسيرها.
الرابعة: سبب سؤالهم عن ذلك: فالسؤال: ماذا قال ربكم؟ وسببه شدة خوفهم منه وفزعهم خوفا من أن يكون قد قال فيهم ما لا يطيقونه من التعذيب.
الخامسة: أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله: قال كذا وكذا; أي: يقول: قال الحق.
السادسة: ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل: لحديث النواس بن سمعان، وفيه فضيلة جبريل.
السابعة: أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه: وفي هذا دليل على عظمته بينهم.стр. 317
الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم.
التاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي يتتهي بالوحي إلى حيث أمره الله.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب.
الحواشي
(١) الثامنة: أن الغشي يعم أهل السماوات كلهم: تؤخذ من قوله: "فإذا سمع ذلك أهل السماوات; صعقوا وخروا لله سجدا".
لتاسعة: ارتجاف السماوات لكلام الله: لقوله: "أخذت السماوات منه رجفة"; أي: لأجله تعظيما لله.
العاشرة: أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره: أي: لا أحد يتولى إيصال الوحي غير جبريل حتى يوصله إلى حيث أمره به; لأنه الأمين على الوحي.
الحادية عشرة: ذكر استراق الشياطين: أي: الذين يسترقون ما يسمع في السماوات، فيلقونه على الكهان، فيزيد فيه الكهان وينقصون.
الثانية عشرة: صفة ركوب بعضهم بعضا: وصفها سفيان ﵀ بأن حرف يده وبدد بين أصابعه.
الثالثة عشرة: إرسال الشهب: يعني: التي تحرق مسترقي السمع، قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ﴾ ١.
_________
١ سورة الحجر آية: ١٨.стр. 318
الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مئة كذبة.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء.
الحواشي
(١) الرابعة عشرة: أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس قبل أن يدركه.
الخامسة عشرة: كون الكاهن يصدق بعض الأحيان: لأنه يأتي بما سمع من السماء ويزيد عليه، وإذا وقع ما في السماء; صار صادقا. اعتراض وجوابه: كيف يسمع المسترقون الكلمة وعندما يسأل الملائكة جبريل يجابون بقال الحق فقط؟
والجواب: إن الوحي لا يعلمه أهل السماء، بل هو من الله إلى جبريل إلى النبي ﷺ أما الأمور القدرية التي يتكلم الله بها; فليست خاصة بجبريل. بل ربما يعلمها أهل السماء مفصلة، ثم يسمعها مسترقو السمع.
السادسة عشرة: كونه يكذب معها مئة كذبة: أي: يكذب مع الكلمة التي تلقاها من المسترق. وقوله:"مئة كذبة": هذا على سبيل المبالغة كما سبق وليس على سبيل التحديد.
السابعة عشرة: أنه لم يصدق إلا بتلك الكلمة التي سمعت منстр. 319
الثامنة عشرة. قبول النفوس للباطل! كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة؟ !
التاسعة عشرة. كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ويستدلون بها.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة.
الحواشي
(١) السماء: وأما ما قاله من عنده; فهو تخرص; فالكلمة التي سمعها تصدق، والذي يضيفه كله كذب يموه به على الناس.
الثامنة عشرة: قبول النفوس للباطل كيف يتعلقون بواحدة ولا يعتبرون بمئة؟ !: وهذا صحيح، وليس صفة عامة لعامة الناس، بل لأهل الجهل والسفه; فهم يتعلقون بالكاهن من أجل صدقه مرة واحدة، وأما مئة كذبة، فلا يعتبرون بها، ولا شك أن بعض السفهاء يغترون بالصالح المغمور بالمفاسد، ولكن لا يغتر به أهل العقل والإيمان، ولهذا لما نزل قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ١ تركهما كثير من الصحابة اعتبارا بالموازنة، والعاقل لا يمكن إذا وازن بين الأشياء أن يرجح جانب المفسدة; فهو وإن لم يأت الشرع بالتعيين يعرف ويميز بين المضار والمنافع.
التاسعة عشرة: كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكلمة ويحفظونها ... إلخ: الكلمة: هي الصدق; لأنها هي التي تروج بضاعتهم، ولو كانت بضاعتهم كلها كذبا ما راجت بين الناس.
العشرون: إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة: الأشعرية: هم الذين ينتسبون إلى أبي الحسن الأشعري وسموا معطلة لأنهم يعطلون
_________
١ سورة البقرة آية: ٢١٩.стр. 320
.......................................................................
الحواشي
(١) النصوص عن المعنى المراد بها ويعطلون ما وصف الله به نفسه. والمراد تعطيل أكثر ذلك فإنهم يعطلون أكثر الصفات ولا يعطلون جميعها، بخلاف المعتزلة; فالمعتزلة ينكرون الصفات ويؤمنون بالأسماء، هؤلاء عامتهم، وإلا; فغلاتهم ينكرون حتى الأسماء، وأما الأشاعرة; فهم معطلة اعتبارا بالأكثر; لأنهم لا يثبتون من الصفات إلا سبعا. وصفاته تعالى لا تحصى، وإثباتهم لهذه السبع ليس كإثبات السلف; فمثلا: الكلام عند أهل السنة: أن الله يتكلم بمشيئته بصوت وحرف. والأشاعرة قالوا: الكلام لازم لذاته كلزوم الحياة والعلم، ولا يتكلم بمشيئة، وهذا الذي يسمع عبارة عن كلام الله وليس كلام الله، بل هو مخلوق; فحقيقة الأمر أنهم لم يثبتوا الكلام، ولهذا قال بعضهم: إنه لا فرق بيننا وبين المعتزلة في كلام الله; لأننا أجمعنا على أن ما بين دفتي المصحف مخلوق، وحجتهم في إثبات الصفات السبع: أن العقل دل عليها. وشبهتهم في إنكار البقية: زعموا أن العقل لا يدل عليها.
والرد عليهم بما يلي:
١- أن كون العقل يدل على الصفات السبع لا يدل على انتفاء ما سواها; فإن انتفاء الدليل المعين لا يستلزم انتفاء المدلول; فهب أن العقل لا يدل على بقية الصفات، لكن السمع دل عليها; فنثبتها بالدليل السمعي.
٢- أنها ثابتة بالدليل العقلي بنظير ما أثبتم به هذه السبع; فمثلا: الإرادة ثابتة لله عندهم بدليل التخصيص، حيث إن الله جعل الشمس شمسا، والقمر قمرا، والسماء سماء والأرض أرضا، وكونه يميز بين ذلك؛ معناه: أنه يريد; إذ لولا الإرادة; لكانت الدنيا كلها سواء، فأثبتوها؛ لأن العقل دل عليها. فنقول لهم: الرحمة لا تمضي لحظة علىстр. 321
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله عزوجل
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا.
الحواشي
(١) الخلق إلا وهم في نعمة من الله; فهذه النعم العظيمة من الله تدل على رحمته لخلقه أدل من التخصيص على الإرادة. والانتقام من العصاة يدل على بغضه لهم، وإثابة الطائعين ورفع درجاتهم في الدنيا والآخرة يدل على محبته لهم أدل على التخصيص من الإرادة، وعلى هذا فقس; فالمؤلف ﵀ لما كان الأشعرية لا يثبتون إلا سبع صفات على خلاف في إثباتها مع أهل السنة جعلهم معطلة على سبيل الإطلاق، وإلا; فالحقيقة أنهم ليسوا معطلة على سبيل الإطلاق.
الحادية والعشرون: التصريح بأن تلك الرجفة والغشي خوفا من الله عزوجل فيدل على عظمة الخالق جل وعلا، حيث بلغ خوف الملائكة منه هذا المبلغ.
الثانية والعشرون: أنهم يخرون لله سجدا: أي: تعظيما لله واتقاء لما يخشونه; فتفيد تعظيم الله عزوجل كالتي قبلها.стр. 322
باب الشفاعة .
... ... ................................................................
الحواشي
(١) ذكر المؤلف ﵀ الشفاعة في كتاب التوحيد; لأن المشركين الذين يعبدون الأصنام يقولون: إنها شفعاء لهم عند الله، وهم يشركون بالله فيها بالدعاء والاستغاثة وما أشبه ذلك. وهم بذلك يظنون أنهم معظمون لله، ولكنهم منتقصون له; لأنه عليم بكل شيء، وله الحكم التام المطلق والقدرة التامة; فلا يحتاج إلى شفعاء. ويقولون: إننا نعبدهم ليكونوا شفعاء لنا عند الله، فيقربونا إلى الله، وهم ضالون في ذلك; فهو سبحانه عليم وقدير وذو سلطان، ومن كان كذلك; فإنه لا يحتاج إلى شفعاء.
والملوك في الدنيا يحتاجون إلى شفعاء; إما لقصور علمهم، أو لنقص قدرتهم; فيساعدهم الشفعاء في ذلك، أو لقصور سلطانهم; فيتجرأ عليهم الشفعاء، فيشفعون بدون استئذان، ولكن الله عزوجل كامل العلم والقدرة والسلطان، فلا يحتاج لأحد أن يشفع عنده، ولهذا لا تكون الشفاعة عنده سبحانه إلا بإذنه لكمال سلطانه وعظمته.
ثم الشفاعة لا يراد بها معونة الله - سبحانه - في شيء مما شفع فيه; فهذا ممتنع كما سيأتي في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله١ ولكن يقصد بها أمران، هما:
_________
١ يأتي (ص ٣٤٠) .стр. 323
وقول الله عزوجل: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ١.
الحواشي
(١) ١. إكرام الشافع.
٢. نفع المشفوع له.
والشفاعة لغة: اسم من شفع يشفع، إذا جعل الشيء اثنين، والشفع ضد الوتر، قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ﴾ ٢. واصطلاحا: التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
مثال جلب المنفعة: شفاعة النبي ﷺ لأهل الجنة بدخولها٣.
مثال دفع المضرة: شفاعة النبي ﷺ لمن استحق النار أن لا يدخلها.
وذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب عدة آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ﴾ ٤ الإنذار: هو الإعلام المتضمن للتخويف، أما مجرد الخبر; فليست بإنذار، والخطاب للنبي ﷺ
والضمير في "به" يعود للقرآن; كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٦.
وقوله: ﴿يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا﴾ ٧ أي: يخافون مما يقع لهم من سوء
_________
١ سورة الأنعام آية: ٥١.
٢ سورة الفجر آية: ٣.
٣ يأتي, (ص ٣٣٣) .
٤ سورة الأنعام آية: ٥١.
٥ سورة الشورى آية: ٧.
٦ سورة الأعراف آية: ٢.
٧ سورة الأنعام آية: ٥١.стр. 324
وقوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ١.
الحواشي
(١) العذاب في ذلك الحشر. والحشر: الجمع، وقد ضمن هنا معنى الضم والانتهاء; فمعنى يحشرون; أي: يجمعون حتى ينتهوا إلى الله.
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ ٢ "ولي"; أي: ناصر ينصرهم.: ﴿وَلا شَفِيعٌ﴾
أي: شافع يتوسط لهم، وهذا محل الشاهد. ففي هذه الآية نفي الشفاعة من دون الله أي من دون إذنه، ومفهومها: أنها ثابتة بإذنه، وهذا هو المقصود; الشفاعة من دونه مستحيلة، وبإذنه جائزة وممكنة. أما عند الملوك; فجائزة بإذنهم وبغير إذنهم، فيمكن لمن كان قريبا من السلطان أن يشفع بدون أن يستأذن. ويفيد قوله: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أن لهم بإذنه وليا وشفيعا; كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ٣.
· الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾ ٤ مبتدأ وخبر، وقدم الخبر للحصر، والمعنى: لله وحده الشفاعة كلها، لا يوجد شيء منها خارج عن إذن الله وإرادته; فأفادت الآية في قوله: "جميعا" أن هناك أنواعا للشفاعة.
وقد قسم أهل العلم ﵏ الشفاعة إلى قسمين رئيسيين، هما:
القسم الأول: الشفاعة الخاصة بالرسول ﷺ وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة العظمى، وهي من المقام المحمود الذي وعده الله; فإن الناس يلحقهم يوم القيامة في ذلك الموقف العظيم من الغم والكرب ما لا يطيقونه، فيقول بعضهم لبعض: اطلبوا من يشفع لنا عند الله، فيذهبون إلى آدم أبي البشر، فيذكرون من أوصافه التي ميزه الله
_________
١ سورة الزمر آية: ٤٤.
٢ سورة الأنعام آية: ٥١.
٣ سورة المائدة آية: ٥٥.
٤ سورة الزمر آية: ٤٤.стр. 325
.......................................................................
الحواشي
(١) بها: أن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، فيقولون: اشفع لنا عند ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟! فيعتذر؛ لأنه عصى الله بأكله من الشجرة، ومعلوم أن الشافع إذا كان عنده شيء يخدش كرامته عند المشفوع إليه; فإنه لا يشفع لخجله من ذلك، مع أن آدم ﵇ قد تاب الله عليه واجتباه وهداه، قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ ١، لكن لقوة حيائه من الله اعتذر. ثم يذهبون إلى نوح، ويذكرون من أوصافه التي امتاز بها بأنه أول رسول أرسله الله إلى الأرض، فيعتذر بأنه سأل الله ما ليس له به علم حين قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ ٢.
ثم يذهبون إلى إبراهيم ﵊، فيذكرون من صفاته، ثم يعتذر بأنه كذب ثلاث كذبات لكنها حق حسب مراده. ثم يذهبون إلى موسى ﷺ فيذكرون من أوصافه ما يقتضي أن يشفع، لكنه يعتذر بقتل نفس لم يؤمر بقتلها، وهي نفس القبطي حين استغاثة الإسرائيلي فوكز موسى القبطي فقتله فقضى عليه. ثم يذهبون إلى عيسى ﵊، فيذكرون من أوصافه ما يقتضي أن يشفع; فلا يعتذر بشيء، لكن يحيل إلى من هو أعلى مقاما، فيقول: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيحيلهم إلى محمد ﷺ دون أن يذكر عذرا يحول بينه وبين الشفاعة٣ فيأتون محمدا ﷺ فيشفع إلى الله ليريح أهل الموقف.
_________
١ سورة آية: ١٢١-١٢٢.
٢ سورة هود آية: ٤٥.
٣ حديث الشفاعة من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب التفسير, باب "ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبذا شكورا" , ٣/٢٥٠) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب أدنى أهل الجنة منزلة, ١/١٨٤) .стр. 326
.........................................................................
الحواشي
(١) الثاني: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوها١ لأنهم إذا عبروا الصراط ووصلوا إليها وجدوها مغلقة، فيطلبون من يشفع لهم، فيشفع النبي ﷺ إلى الله في فتح أبواب الجنة لأهلها، ويشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ٢ ; فقال: "وفتحت"; فهناك شيء محذوف، أي: وحصل ما حصل من الشفاعة، وفتحت الأبواب، أما النار; فقال فيها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ ٣ الآية.
الثالث: شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب أن يخفف عنه العذاب٤ وهذه مستثناة من قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ ٦ وذلك لما كان لأبي طالب من نصرة للنبي ﷺ ودفاع عنه، وهو لم يخرج من النار، لكن خفف عنه حتى صار - والعياذ بالله - في ضحضاح من نار، وعليه نعلان منها يغلي منهما دماغه، وهذه الشفاعة خاصة بالرسول ﷺ لا أحد يشفع في كافر أبدا إلا النبي ﷺ ومع ذلك لم تقبل الشفاعة كاملة، وإنما هي تخفيف فقط.
القسم الثاني: الشفاعة العامة له ﷺ ولجميع المؤمنين وهي أنواع:
النوع الأول: الشفاعة فيمن استحق النار أن لا يدخلها، وهذه قد
_________
١ ورد التصريح بهذه الشفاعة في حديث الصور, رواه: الطبراني في "المطولات" (٢٥/٦٦/ رقم ٣٦) , وابن جرير في "الجامع" (٢/٣٣٠) . وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٥/٣٣٩) , ونسبه إلى أبي يعلى وابن المنذر وغيرهم وضعفه ابن كثير في "تفسيره" (٢/١٤٦) وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس: "أنا أول شفيع في الجنة" (رقم ١٩٦) .
٢ سورة الزمر آية: ٧٣.
٣ سورة الزمر آية: ٧١.
٤ من حديث العباس بن عبد المطلب, رواه: البخاري (كتاب الفضائل, باب قصة أبي طالب, ٣/٦٢) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب, ١/١٩٤) .
٥ سورة المدثر آية: ٤٨.
٦ سورة طه آية: ١٠٩.стр. 327
........................................................................
يستدل لها بقول الرسول ﷺ " ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا; إلا شفعهم الله فيه "١ فإن هذه شفاعة قبل أن يدخل النار، فيشفعهم الله في ذلك.
النوع الثاني: الشفاعة فيمن دخل النار أن يخرج منها، وقد تواترت بها الأحاديث وأجمعت عليها الصحابة، واتفق عليها أهل الملة ما عدا طائفتين، وهما: المعتزلة والخوارج; فإنهم ينكرون الشفاعة في أهل المعاصي مطلقا لأنهم يرون أن فاعل الكبيرة مخلد في النار، ومن استحق الخلود; فلا تنفع فيه الشفاعة، فهم ينكرون أن النبي ﷺ وغيره يشفع في أهل الكبائر أن لا يدخلوا النار، أو إذا دخلوها أن يخرجوا منها، لكن قولهم هذا باطل بالنص والإجماع.
النوع الثالث: الشفاعة في رفع درجات المؤمنين، وهذه تؤخذ من دعاء المؤمنين بعضهم لبعض كما قال ﷺ في أبي سلمة: " اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، وأفسح له في قبره، ونور له فيه، واخلفه في عقبه "٢ والدعاء شفاعة; كما قال ﷺ " ما من مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا; إلا شفعهم الله فيه ".
إشكال وجوابه:
فإن قيل: إن الشفاعة لا تكون إلا بإذنه سبحانه; فكيف يسمى دعاء الإنسان لأخيه شفاعة وهو لم يستأذن من ربه؟
الحواشي
(١) ١ من حديث ابن عباس, رواه مسلم (كتاب الجنائز, باب من صلى عليه أربعون, ٢/ ٦٥٥) .
٢ من حديث أم سلمة, رواه مسلم (كتاب الجنائز, باب في إغماض الميت, ٢/٦٣٤) .стр. 328
وقوله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ١.
الحواشي
(١) والجواب: إن الله أمر بأن يدعو الإنسان لأخيه الميت، وأمره بالدعاء إذن وزيادة وأما الشفاعة الموهومة التي يظنها عباد الأصنام من معبوديهم; فهي شفاعة باطلة لأن الله لا يأذن لأحد بالشفاعة إلا من ارتضاه من الشفعاء والمشفوع لهم.
إذا قوله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً﴾ ٢ تفيد أن الشفاعة متعددة كما سبق٣.
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ ٤ "من": اسم استفهام بمعنى النفي; أي: لا يشفع أحد عند الله إلا بإذنه "ذا": هل تجعل ذا اسما موصولا كما قال ابن مالك في "الألفية" أو لا تصح أن تكون اسما موصولا هنا لوجود الاسم الموصول "الذي" الثاني هو الأقرب، وإن كان بعض المعربين قال: يجوز أن تكون "الذي" توكيدا لها.
والصحيح أن "ذا" هنا إما مركبة مع "من"، أو زائدة للتوكيد، وأيا كان الإعراب; فالمعنى: إنه لا أحد يشفع عند الله إلا بإذن الله.
وسبق أن النفي إذا جاء في سياق الاستفهام; فإنه يكون مضمنا معنى التحدي، أي إذا كان أحد يشفع بغير إذن الله فأت به.
قوله: "عنده": ظرف مكان، وهو سبحانه في العلو; فلا يشفع
_________
١ سورة البقرة آية: ٢٥٥.
٢ سورة الزمر آية: ٤٤.
٣ سبق (ص ٣٣١) .
٤ سورة البقرة آية: ٢٤٥.стр. 329
وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ١.
الحواشي
(١) أحد عنده ولو كان مقربا; كالملائكة المقربين; إلا بإذنه الكوني، والإذن لا يكون إلا بعد الرضا.
وأفادت الآية: أنه يشترط للشفاعة إذن الله فيها لكمال سلطانه جل وعلا، فإنه كلما كمل سلطان الملك; فإنه لا أحد يتكلم عنده ولو كان بخير إلا بعد إذنه، ولذلك يعتبر اللغط في مجلس الكبير إهانة له ودليلا على أنه ليس كبيرا في نفوس من عنده، كان الصحابة مع الرسول ﷺ كأنما على رءوسهم الطير من الوقار وعدم الكلام إلا إذا فتح الكلام; فإنهم يتكلمون.
الآية الرابعة: قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ كم: خبرية للتكثير، والمعنى: ما أكثر الملائكة الذين في السماء، ومع ذلك لا تغني شفاعتهم شيئا إلا بعد إذن الله ورضاه.
قوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٢ فللشفاعة شرطان، هما:
١. الإذن من الله; لقوله: ﴿أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ﴾ .
٢. رضاه عن الشافع والمشفوع له; لقوله: "ويرضى"، وكما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٣ ; فلا بد من إذنه تعالى ورضاه عن الشافع والمشفوع له إلا في التخفيف عن أبي طالب، وقد سبق ذلك٤.
وهذه الآية في سياق بيان بطلان ألوهية اللات والعزى، قال تعالى
_________
١ سورة النجم آية: ٢٦.
٢ سورة النجم آية: ٢٦.
٣ سورة الأنبياء آية: ٢٨.
(ص ٣٣٣) .стр. 330
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ الآيتين١.
الحواشي
(١) بعد ذكر المعراج وما حصل للنبي ﷺ فيه: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ ٢ أي: العلامات الدالة عليه عزوجل فكيف به سبحانه؟ ! فهو أكبر وأعظم.
ثم قال: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ ٣، وهذا استفهام للتحقير; فبعد أن ذكر الله هذه العظمة قال: أخبروني عن هذه اللات والعزى ما عظمتها؟ وهذا غاية في التحقير، ثم قال: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الآخِرَةُ وَالأُولَى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ﴾ ٤ الآية.
فإذا كانت الملائكة وهي في السماوات في العلو لا تغني شفاعتهم إلا بعد إذنه تعالى ورضاه; فكيف باللات والعزى وهي في الأرض؟ ! ولهذا قال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ مع أن الملائكة تكون في السماوات وفي الأرض، ولكن أراد الملائكة التي في السماوات العلى، وهي عند الله - سبحانه -; فحتى الملائكة المقربون حملة العرش لا تغني شفاعتهم إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
الآية الخامسة: قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا﴾ الأمر في قوله: "ادعو" للتحدي والتعجيز، وقوله: "ادعوا" يحتمل معنيين، هما:
_________
١ سورة سبأ آية: ٢٢.
٢ سورة النجم آية: ١٨.
٣ سورة النّجم آية: ١٩-٢٠.
٤ سورة النّجم آية: ٢١-٢٦.стр. 331
............................................................
الحواشي
(١) ١. أحضروهم.
٢. ادعوهم دعاء مسألة. فلو دعوهم دعاء مسألة لا يستجيبون لهم; كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ١.
يكفرون: يتبرءون، ومع هذه الآيات العظيمة يذهب بعض الناس يشرك بالله ويستنجد بغير الله، وكذلك لو دعوهم دعاء حضور لم يحضروا، ولو حضروا ما انتفعوا بحضورهم.
قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ ٢ واحدة الذر: وهي صغار النمل، ويضرب بها المثل في القلة.
قوله: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ وكذلك ما دون الذرة لا يملكونه، والمقصود بذكر الذرة المبالغة، وإذا قصد المبالغة بالشيء قلة أو كثرة; فلا مفهوم له; فالمراد الحكم العام; فمثلا قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ ٣ ; أي: مهما بالغت في الاستغفار.
ولا يرد على هذا أن الله أثبت ملكا للإنسان; لأن ملك الإنسان قاصر وغير شامل ومتجدد وزائل، وليس كملك الله.
قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ ٤ أي: ما لهؤلاء الذين تدعون من دون الله.
"فيهما" أي: في السماوات والأرض.
: ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ أي: مشاركة، أي لا يملكونه انفرادا ولا مشاركة.
_________
١ سورة فاطر آية: ١٤.
٢ سورة سبأ آية: ٢٢.
٣ سورة التوبة آية: ٨٠.
٤ سورة الأحقاف سبأ آية: ٢٢.стр. 332
...........................................................................
الحواشي
(١) وقوله: ﴿مِنْ شِرْكٍ﴾ : مبتدأ مؤخر دخلت عليه "من" الزائدة لفظا، لكنها للتوكيد معنى وكل زيادة لفظية في القرآن; فهي زيادة في المعنى وأتت "من" للمبالغة في النفي، وأنه ليس هناك شرك لا قليل ولا كثير.
قوله: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ١ الضمير في: ﴿وَمَا لَهُ﴾ يعود إلى الله تعالى، وفي "منهم" يعود إلى الأصنام; أي: ما لله تعالى من هذه الأصنام ظهير و "من": حرف جر زائد، و "ظهير": مبتدأ مؤخر بمعنى معين; كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ٢ ; أي: معينا، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٣; أي: معين أي: ليس لله معين يعينه في أفعاله، وبذلك ينتفي عن هذه الأصنام كل ما يتعلق به العابدون; فهي لا تملك شيئا على سبيل الانفراد ولا المشاركة ولا الإعانة، لأن من يعينك وإن كان غير شريك لك يكون له منة عليك; فربما تحابيه في إعطائه ما يريد.
فإذا انتفت هذه الأمور الثلاثة; لم يبق إلا الشفاعة، وقد أبطلها الله بقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٤ ; فلا تنفع عند الله الشفاعة لهؤلاء; لأن هذه الأصنام لا يأذن الله لها، فانقطعت كل الوسائل والأسباب للمشركين، وهذا من أكبر الآيات الدالة على بطلان عبادة الأصنام; لأنها لا تنفع عابديها لا استقلالا ولا مشاركة ولا مساعدة ولا شفاعة; فتكون عبادتها باطلة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ٥، حتى ولو كان المدعو عاقلا; لقوله: "من"، ولم يقل: "ما"، ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ ٦، وكل
_________
١ سورة سبأ آية: ٢٢.
٢ سورة الإسراء آية: ٨٨.
٣ سورة التحريم آية: ٤.
٤ سورة سبأ آية: ٢٣.
٥ سورة الأحقاف آية: ٥.
٦ سورة آية: ٥-٦.стр. 333
قال أبو العباس: " نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه، أو يكون عونا لله،............................
الحواشي
(١) هذه الآيات تدل على أنه يجب على الإنسان قطع جميع تعلقاته إلا بالله عبادة وخوفا ورجاء واستعانة ومحبة وتعظيما; حتى يكون عبدا لله حقيقة، يكون هواه وإرادته وحبه وبغضه وولاؤه ومعاداته لله وفي الله; لأنه مخلوق للعبادة فقط، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ ١، أي: لا نأمركم ولا ننهاكم، إذ لو خلقناكم فقط للأكل والشرب والنكاح; لكان ذلك عين العبث، ولكن هناك شيء وراء ذلك، وهو عبادة الله سبحانه في هذه الدنيا.
وقوله: ﴿إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ﴾ أي: وحسبتم أنكم إلينا لا ترجعون، فنجازيكم إذا كان هذا هو حسبانكم; فهو حسبان باطل.
قوله: "قال أبو العباس ": هو شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية ﵀ يكنى بذلك، ولم يتزوج; لأنه كان مشغولا بالعلم والجهاد، وليس زاهدا في السنة، مات سنة ٧٢٨ هـ، وله ٦٧ سنة و ١٠ أشهر.
قوله: "لغيره ملك": أي: لغير الله في قوله: ﴿لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ .
قوله: "أو قسط منه": في قوله: "وما لهم فيهما من شرك".
قوله: "أو يكون عونا لله" في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ ٢ بدون استثناء.
_________
١ سورة المؤمنون آية: ١١٥.
٢ سورة سبأ آية: ٢٢.стр. 334
ولم يبق إلا الشفاعة، فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب; كما قال: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ١.
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة;
الحواشي
(١) قوله: "ولم يبق إلا الشفاعة": فبين أنها لا تنفع إلا من أذن له الرب; كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ ٢ وَقَالَ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ٣، ومعلوم أنه لا يرضى هذه الأصنام لأنها باطلة وحينئذ فتكون شفاعتها منتفية.
واعلم أن شرك المشركين في السابق كان في عبادة الأصنام، أما الآن، فهو في طاعة المخلوق في المعصية فإن هؤلاء يقدسون زعماءهم أكثر من تقديس الله إن أقروا به، فيقال لهم: إنهم بشر مثلكم، خرجوا من مخرج البول والحيض، وليس لهم شرك في السماوات ولا في الأرض، ولا يملكون الشفاعة لكم عند الله، إذن; فكيف تتعلقون بهم؟ ! حتى إن الواحد منهم يركع لرئيسه أو يسجد له كما يسجد لرب العالمين والواجب علينا نحو ولاة الأمور طاعتهم، وطاعتهم من طاعة الله، وليست استقلالا، أما عبادتهم كعبادة الله; فهذه جاهلية وكفر.
فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن; فالله نفى أن تنفعهم أصنامهم، بل قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ لَوْ كَانَ هَؤُلاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ٤، حتى الأصنام لا تنفع نفسها ولا يشفع لها; فكيف تكون شافعة؟ ! بل هي في النار وعابدوها.
_________
١ سورة الأنبياء آية: ٢٨.
٢ سورة الأنبياء آية: ٢٨.
٣ سورة البقرة آية: ٢٥٥.
٤ سورة آية: ٩٨-٩٩.стр. 335
كما نفاها القرآن، وأخبر النبي ﷺ " أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده - لا يبدأ بالشفاعة أولا - ثم يقال له: ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعط، واشفع تشفع "١.
وقال أبو هريرة له ﷺ " من أسعد الناس بشفاعتك؟
الحواشي
(٩٩) , وأحمد (٢/٣٧٣) .стр. 336
قال: " من قال: لا إله إلا الله; خالصا من قلبه "١.
الحواشي
(١) قوله: " من قال: لا إله إلا الله خالصا من قلبه " وعليه; فالمشركون ليس لهم حظ من الشفاعة لأنهم لا يقولون: لا إله إلا الله، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ٢، وقال تعالى حكاية عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٣ والحقيقة أن صنيعهم هو العجاب، قال تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ٥..
وقوله: "خالصا من قلبه" خرج بذلك من قالها نفاقا; فإنه لا حظ له في الشفاعة، فإن المنافق يقول: لا إله إلا الله، ويقول: أشهد أن محمدا رسول الله، لكن الله عزوجل قابل شهادتهم هذه بشهادته على كذبهم، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٦ ; أي: في شهادتهم، في قولهم: إنك لرسول الله، فهم كاذبون في شهادتهم وفي قولهم: لا إله إلا الله; لأنهم لو شهدوا بذلك حقا ما نافقوا ولا أبطنوا الكفر.
قوله: "خالصا": أي: سالما من كل شوب; فلا يشوبها رياء ولا سمعة، بل هي شهادة يقين.
قوله: "من قلبه": لأن المدار على القلب، وهو ليس معنى من المعاني، بل هو مضغة في صدور الناس، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٧ وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ ٨، وقال ﷺ " ألا وإن في
_________
١ من حديث أبي هريرة, رواه: البخاري (كتاب العلم, باب الحرص على الحديث, ١/٥٢) .
٢ سورة آية: ٣٥-٣٦.
٣ سورة ص آية: ٥.
٤ سورة الصافات آية: ١٢.
٥ سورة الرعد آية: ٥.
٦ سورة المنافقون آية: ١.
٧ سورة الحج آية: ٤٦.
٨ سورة الحج آية: ٤٦.стр. 337
فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع;......................................
الحواشي
(١) الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله "١. وبهذا يبطل قول من قال: إن العقل في الدماغ، ولا ينكر أن للدماغ تأثيرا في الفهم والعقل، لكن العقل في القلب، ولهذا قال الإمام أحمد: "العقل في القلب، وله اتصال في الدماغ" ومن قال كلمة الإخلاص خالصا من قلبه; فلا بد أن يطلب هذا المعبود بسلوك الطرق الموصلة إليه; فيقوم بأمر الله ويدع نهيه.
قوله: "فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص": لأن من أشرك بالله قال الله فيه: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ ٢.
قوله: "وحقيقته أن الله - سبحانه - هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص، فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع": وحقيقته; أي: حقيقة أمر الشفاعة، أي الفائدة منها: أن الله عزوجل أراد أن يغفر للمشفوع له، ولكن بواسطة هذه الشفاعة.
والحكمة من هذه الواسطة بينها بقوله: "ليكرمه وينال المقام المحمود"، ولو شاء الله لغفر لهم بلا شفاعة، ولكنه أراد بيان فضل هذا الشافع وإكرامه أمام الناس، ومن المعلوم أن من قبل الله شفاعته; فهو عنده بمنزلة عالية; فيكون في هذا إكرام للشافع من وجهين:
الأول: إكرام الشافع بقبول شفاعته.
الثاني: ظهور جاهه وشرفه عند الله تعالى.
_________
١ من حديث النعمان بن بشير, رواه: البخاري (كتاب الإيمان, باب فضل من استبرأ لدينه, ١/٣٤) , ومسلم (كتاب المساقاة, باب أخذ الحلال وترك الشبهات, ٣/١٢١٩) .
٢ سورة المدثر آية: ٤٨.стр. 338
ليكرمه، وينال المقام المحمود.
فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل الإخلاص والتوحيد" انتهى كلامه.
الحواشي
(١) قوله: "المقام المحمود": أي: المقام الذي يحمد عليه وأعظم الناس في ذلك رسول الله ﷺ فإن الله وعده أن يبعثه مقاما محمودا، ومن المقام المحمود: أن الله يقبل شفاعته بعد أن يتراجع الأنبياء أولو العزم عنها ومن يشفع من المؤمنين يوم القيامة; فله مقام يحمد عليه على قدر شفاعته.
قوله: "فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك": هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ "ما": اسم موصول; أي: التي كان فيها شرك.
قوله: "وقد أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع ": ومن ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ ١، وقوله: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ٣.
قوله: "وقد بين النبي ﷺ أنها لا تكون إلا لأهل الإخلاص والتوحيد": أما أهل الشرك; فإن الشفاعة لا تكون لهم; لأن شفعاءهم هي الأصنام، وهي باطلة.
وجه إدخال باب الشفاعة في كتاب التوحيد: أن الشفاعة الشركية تنافي التوحيد والبراءة منها هو حقيقة التوحيد.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢٥٥.
٢ سورة سبأ آية: ٢٣.
٣ سورة النجم آية: ٢٦.стр. 339
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ أنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن له; شفع.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيات: وهي خمس، وسبق تفسيرها في محالها.
الثانية: صفة الشفاعة المنفية: وهي ما كان فيها شرك، فكل شفاعة فيها شرك; فإنها منفية.
الثالثة: صفة الشفاعة المثبتة: وهي شفاعة أهل التوحيد بشرط إذن الله تعالى ورضاه عن الشافع والمشفوع له.
الرابعة: ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود: وهي الشفاعة في أهل الموقف أن يقضى بينهم، وقول الشيخ: "وهي المقام المحمود"; أي: منه١.
الخامسة: صفة ما يفعله ﷺ وأنه لا يبدأ بالشفاعة، بل يسجد، فإذا أذن له; شفع: كما قال شيخ الإسلام ﵀، وهو ظاهر، وهذا يدل على عظمة الرب وكمال أدب النبي ﷺ
_________
١انظر: (ص ٣٤٤) .стр. 340
السادسة: من أسعد الناس بها.
السابعة: أنها لا تكون لمن أشرك بالله.
الثامنة: بيان حقيقتها.
الحواشي
(٩٩) , وأحمد (٢/٣٧٣) .стр. 341
باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
...
باب قول الله تعال: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) مناسبة هذا الباب لما قبله
مناسبته أنه نوع من الباب الذي قبله، فإذا كان لا أحد يستطيع أن ينفع أحدا بالشفاعة والخلاص من العذاب، كذلك لا يستطيع أحد أن يهدي أحدا; فيقوم بما أمر الله به.
قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ وكان يحب هداية عمه أبي طالب أو من هو أعم فأنت يا محمد المخاطب بكاف الخطاب، وله المنزلة الرفيعة عند الله لا تستطيع أن تهدي من أحببت هدايته، ومعلوم أنه إذا أحب هدايته; فسوف يحرص عليه، ومع ذلك لا يتمكن من هذا الأمر، لأن الأمر كله بيد الله، قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ﴾ ٣ ; فأتى ب "أل" الدالة على الاستغراق; لأن "أل" في قوله: "الأمر" للاستغراق; فهي نائبة مناب كل; أي: وإليه يرجع كل الأمر، ثم جاءت مؤكدة بكل، وذلك توكيدان.
والهداية التي نفاها الله عن رسوله ﷺ هداية التوفيق، والتي أثبتها له هداية الدلالة والإرشاد ولهذا أتت مطلقة لبيان أن الذي بيده هو هداية الدلالة فقط، لا أن يجعله مهتديا، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ
_________
١ سورة القصص آية: ٥٦.
٢ سورة آل عمران آية: ١٢٨.
٣ سورة هود آية: ١٢٣.стр. 342
وفي " الصحيح " عن ابن المسيب، عن أبيه; قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة;................................................................
الحواشي
(١) مُسْتَقِيمٍ﴾ ١، فلم يخصص سبحانه فلانا وفلانا ليبين أن المراد أنك تهدي هداية دلالة، فأنت تفتح الطريق أمام الناس فقط وتبين لهم وترشدهم، أما إدخال الناس في الهداية فهذا أمر ليس إلى الرسول ﷺ ، إنما هو مما تفرد الله به سبحانه؛ فنحن علينا أن نبين وندعو، وأما هداية التوفيق (أي أن الإنسان يهدي) فهذا إلى الله – وهذا هو الجمع بين الآيتين.
وقوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٢ ظاهره أن النبي ﷺ يحب أبا طالب; فكيف يئول ذلك؟
والجواب: إما أن يقال: إنه على تقدير أن المفعول محذوف، والتقدير من أحببت هدايته لا من أحببته هو أو يقال: إنه أحب عمه محبة طبيعية كمحبة الابن أباه ولو كان كافرا أو يقال: إن ذلك قبل النهي عن محبة المشركين والأول أقرب; أي: من أحببت هدايته لا عينه، وهذا عام لأبي طالب وغيره ويجوز أن يحبه محبة قرابة، ولا ينافي هذا المحبة الشرعية، وقد أحب أن يهتدي هذا الإنسان، وإن كنت أبغضه شخصيا لكفره، ولكن لأني أحب أن الناس يسلكون دين الله.
قوله: "في الصحيح": سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: "أبا": بالألف: مفعول به منصوب بالألف; لأنه من الأسماء الخمسة، و "الوفاة" يعني: الموت، فاعل حضرت.
_________
١ سورة الشورى آية: ٥٢.
٢ سورة القصص آية: ٥٦.стр. 343
جاءه رسول الله ﷺ وعنده عبد الله بن أبي أمية وأبو جهل، فقال له: " يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله "........................
الحواشي
(١) قوله: "فقال: يا عم! قل لا إله إلا الله ": أتى ﷺ بهذه الكنية الدالة على العطف; لأن العم صنو الأب; أي: كالغصن معه والصنو: الغصن الذي أصله واحد; فكأنه معه كالغصن.
قوله: "يا عم" فيها وجهان: يا عم; بكسر الميم: على تقدير أنها مضافة إلى الياء ويا عم; بضم الميم: على تقدير قطعها عن الإضافة.
قوله: "قل: لا إله إلا الله " يجوز أنه قاله على سبيل الأمر والإلزام; لأنه يجب أن يأمر كل أحد أن يقول: لا إله إلا الله ويجوز أنه قاله على سبيل الإرشاد والتوجيه ويجوز أنه قاله على سبيل الترجي والتلطف معه، وأبو طالب والذين عنده يعرفون هذه الكلمة ويعرفون معناها، ولهذا بادر بالإنكار.
قوله: "كلمة": منصوبة; لأنها بدل لا إله إلا الله، ويجوز إذا لم تكن الرواية بالنصب أن تكون بالرفع; أي: هي كلمة، ولكن النصب أوضح.
قوله: "أحاج": بضم الجيم وفتحها: فعلى ضم الجيم فهي صفة لكلمة، وإذا كانت بالفتح فهي مجزومة جوابا للأمر: "قل"; أي: قل أحاج وقال بعض المعربين: إنها جواب لشرط مقدر; أي: إن تقل أحاج، والأول أسهل; لأن الأصل عدم التقدير والمعنى: أذكرها حجة لك عند الله، وليس أخاصم وأجادل لك بها عند الله، وإن كان بعض أهل العلم قال: إن معناها أجادل الله بها، ولكن الذي يظهر لي أن المعنى: أحاج لك بها عند الله; أي: أذكرها حجة لك كما جاء في بعضстр. 344
فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي ﷺ فأعادا، فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.
فقال النبي ﷺ " لأستغفرن لك ما لم أنه عنك "١.
الحواشي
(١٣٦٠) , ومسلم الإيمان(٢٤) , والنسائي: الجنائز(٢٠٣٥) , وأحمد (٥/٤٣٣) .
٢ رواه مسلم (كتاب الإيمان, باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت, ١/٥٤) .стр. 345
فأنزل الله عزوجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ ١.
الحواشي
(١) قوله: "ما لم أنه عنك": فعل مضارع مبني للمجهول، والناهي عنه هو الله.
قوله: "ما كان": ما: نافية، وكان: فعل ماض ناقص قوله: "أن يستغفروا": أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر اسم كان مؤخر.
قوله: "للنبي": خبر مقدم; أي: ما كان استغفاره.
واعلم أن ما كان أو ما ينبغي أو لا ينبغي ونحوها إذا جاءت في القرآن والحديث; فالمراد أن ذلك ممتنع غاية الامتناع; كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ٣، وقوله: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ ٤، وقوله ﷺ " إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام "٥.
وقوله: "أن يستغفروا"; أي: يطلبوا المغفرة للمشركين قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ ٦ أي: حتى ولو كانوا أقارب لهم، ولهذا لما اعتمر النبي ﷺ ومر بقبر أمه استأذن الله أن يستغفر لها فما أذن الله له، فاستأذنه أن يزور قبرها فأذن له; فزاره للاعتبار وبكى وأبكى من حوله من الصحابة٧ فالله منعه من طلب المغفرة للمشركين; لأن
_________
١ سورة التوبة آية: ١١٣.
٢ سورة مريم آية: ٣٥.
٣ سورة مريم آية: ٩٢.
٤ سورة يس آية: ٤٠.
٥ من حديث أبي موسى, رواه مسلم (كتاب الإيمان, باب في قوله ﵊: "إن الله لا ينام" ١/١٦٠) .
٦ سورة التوبة آية: ١١٣.
٧ من حديث أبي هريرة, رواه مسلم (كتاب الجنائز, باب استئذان النبي ﷺ ربه زيارة أمه, ٢/٦٧١) .стр. 346
وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ١،٢.
الحواشي
(١) هؤلاء المشركين ليسوا أهلا للمغفرة إذا دعوت الله أن يفعل ما لا يليق; فهو اعتداء في الدعاء.
قوله: "وأنزل الله في أبي طالب" أي: في شأنه قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ٣ الخطاب للرسول ﷺ أي لا توفق من أحببت للهداية قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٤ أي يهدي هداية التوفيق من يشاء واعلم أن كل فعل يضاف إلى مشيئة الله تعالى; فهو مقرون بالحكمة; أي: من اقتضت حكمته أن يهديه فإنه يهتدي، ومن اقتضت حكمته أن يضله أضله وهذا الحديث يقطع وسائل الشرك بالرسول ﷺ وغيره; فالذين يلجئون إليه ﷺ ويستنجدون به مشركون; فلا ينفعهم ذلك لأنه لم يؤذن له أن يستغفر لعمه، مع أنه قد قام معه قياما عظيما، ناصره وآزره في دعوته; فكيف بغيره ممن يشركون بالله؟ !
الإشكالات الواردة في الحديث:
الإشكال الأول: الإثبات والنفي في الهداية، وقد سبق بيان ذلك٥.
الإشكال الثاني: قوله لما حضرت أبا طالب الوفاة يشكل مع قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ
_________
١ سورة القصص آية: ٥٦.
٢ رواه: البخاري (كتاب التفسير, باب إنك لا تهدي من أحببت , ٣/٢٧٣) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت, ١/٥٤) .
٣ سورة القصص آية: ٥٦.
٤ سورة القصص آية: ٥٦.
(ص ٣٤٨) .стр. 347
............................................................................................
الحواشي
(١) الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ ١، وظاهر الحديث قبول توبته والجواب عن ذلك من أحد وجهين:
الأول: أن يقال لما حضرت أبا طالب الوفاة، أي ظهر عليه علامات الموت ولم ينزل به، ولكن عرف موته لا محالة، وعلى هذا; فالوصف لا ينافي الآية.
الثاني: أن هذا خاص بأبي طالب مع النبي ﷺ ويستدل لذلك بوجهين:
أ- أنه قال: " كلمة أحاج لك بها عند الله "، ولم يجزم بنفعها له، ولم يقل: كلمة تخرجك من النار.
ب- أنه سبحانه أذن للنبي ﷺ بالشفاعة لعمه مع كفره، وهذا لا يستقيم إلا له، والشفاعة له ليخفف عنه العذاب ويضعف الوجه الأول أن المعنى ظهرت عليه علامات الموت: بأن قوله: "لما حضرت أبا طالب الوفاة" مطابقا تماما لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ ٢ وعلى هذا يكون الأوضح في الجواب أن هذا خاص بالنبي ﷺ مع أبي طالب نفسه.
الإشكال الثالث: أن قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ٣ في سورة التوبة، وهي متأخرة مدنية، وقصة أبي طالب مكية، وهذا يدل على تأخر النهي على تأخر النهي عن الاستغفار للمشركين، ولهذا استأذن النبي ﷺ للاستغفار لأمه٤ وهو ذاهب للعمرة ولا يمكن أن يستأذن بعد نزول النهي; فدل على تأخر الآية، وأن المراد بيان دخولها في
_________
١ سورة النساء آية: ١٨.
٢ سورة النساء آية: ١٨.
٣ سورة التوبة آية: ١١٣.
٤ سبق (ص ٣٥٢) .стр. 348
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية.
الثانية: تفسير قوله: ﴿ما كان للنبي﴾ الآية.
الحواشي
(١) قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ١ وليس المعنى أنها نزلت في ذلك الوقت وقيل: إن سبب نزول الآية هو استئذانه ربه في الاستغفار لأمه، ولا مانع من أن يكون للآية سببان.
الإشكال الرابع: أن أهل العلم قالوا: يسن تلقين المحتضر لا إله إلا الله، لكن بدون قول قل; لأنه ربما مع الضجر يقول: لا; لضيق صدره مع نزول الموت، أو يكره هذه الكلمة أو معناها، وفي هذا الحديث قال: "قل".
والجواب: أن أبا طالب كان كافرا، فإذا قيل له: "قل" وأبى; فهو باق على كفره، لم يضره التلقين بهذا; فإما أن يبقى على كفره ولا ضرر عليه بهذا التلقين وإما أن يهديه الله، بخلاف المسلم; فهو على خطر لأنه ربما يضره التلقين على هذا الوجه.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ ، أي: من أحببت هدايته، وسبق تفسيرها، وبينا أن الرسول ﷺ إذا كان لا يستطيع أن يهدي أحدا وهو حي; فكيف يستطيع أن يهدي أحدا وهو ميت؟ ! وأنه كما قال الله تعالى في حقه: ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً﴾ ٢.
الثانية: تفسير قوله: "ما كان للنبي" الآية: وقد سبق تفسيرها وبيان تحريم استغفار المسلمين للمشركين ولو كانوا أولي قربى.
_________
١ سورة التوبة آية: ١١٣.
٢ سورة الجن آية: ٢١.стр. 349
الثالثة: وهي المسألة الكبيرة، تفسير قوله: " قل لا إله إلا الله "; بخلاف ما عليه من يدعي العلم.
الرابعة: أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ إذا قال
الحواشي
(١٣٦٠) , ومسلم: الإيمان(٢٤) , والنسائي: الجنائز(٢٠٣٥) , وأحمد (٥/٤٣٣) .стр. 350
للرجل: قل: " لا إله إلا الله "; فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام.
الخامسة: جده ﷺ ومبالغته في إسلام عمه.
الحواشي
(١) ومن معه يعرفون مراد النبي ﷺ بقول: لا إله إلا الله، ولذا ثاروا وقالوا له: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ "، وهو أيضا أبى أن يقولها لأنه يعرف مراد النبي ﷺ بهذه الكلمة، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ ١ فالحاصل أن الذين يدعون أن معنى لا إله إلا الله; أي: لا قادر على الاختراع إلا هو، أو يقولونها وهم يعبدون غيره كالأولياء هم أجهل من أبي جهل واحترز المؤلف في عدم ذكر من مع أبي جهل لأنهم أسلموا، وبذلك صاروا أعلم ممن بعدهم، خاصة من هم في العصور المتأخرة في زمن المؤلف ﵀.
الخامسة: جده ومبالغته في إسلام عمه: حرصه ﷺ وكونه يتحمل أن يحاج بالكلمة عند الله واضح من نص الحديث; لسببين هما:
١- القرابة.
٢- لما أسدى للرسول والإسلام من المعروف; فهو على هذا مشكور، وإن كان على كفره مأزورا وفي النار، ومن مناصرة أبي طالب أنه هجر قومه من أجل معاضدة النبي ﷺ ومناصرته، وكان يعلن على الملأ صدقه ويقول قصائد في ذلك ويمدحه، ويصبر على الأذى من أجله، وهذا جدير بأن يحرص على هدايته، لكن الأمر بيد مقلب القلوب كما في الحديث: " إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب
_________
١ سورة الصّافات آية: ٣٥-٣٦.стр. 351
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
الحواشي
(٢٦٥٤) , وأحمد (٢/١٦٨ ,٢/١٧٣) .
٢ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص, رواه مسلم (كتاب القدر, باب تصريف الله تعالى للقلوب كيف يشاء, ٤/٢٠٤٥) .
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة هود آية: ١٢٣.стр. 352
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
الحواشي
(١) هذان الرجلان; لربما وفق أبو طالب إلى قبول ما عرضه النبي ﷺ لكن هؤلاء - والعياذ بالله - ذكراه نعرة الجاهلية ومضرة رفقاء السوء، ليس خاصا بالشرك، ولكن في جميع سلوك الإنسان، وقد شبه النبي ﷺ جليس السوء بنافخ الكير; إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه رائحة كريهة١ وقال ﷺ " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "٢ وذلك لما بينهما من الصحبة والاختلاط، وكذلك روي عن النبي ﷺ بسند لا بأس به: " المرء على دين خليله; فلينظر أحدكم من يخالل "٣ فالمهم أنه يجب على الإنسان العاقل أن يفكر في أصحابه: هل هم أصحاب سوء؟ فليبعد عنهم لأنهم أشد عداء من الجرب، أو هم أصحاب خير: يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر، ويفتحون له أبواب الخير; فعليه بهم.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر: لأن أبا طالب اختار أن يكون على ملة عبد المطلب حين ذكروه بأسلافه مع مخالفته لشريعة النبي ﷺ وهذا ليس على إطلاقه; فتعظيمهم إن كانوا أهلا لذلك فلا يضر، بل هو خير; فأسلافنا من صدر هذه الأمة لا شك أن تعظيمهم وإنزالهم منازلهم خير لا ضرر فيه.
وإن كان تعظيم الأكابر لما هم عليه من العلم والسن، فليس فيه مضرة، وإن كان تعظيمهم لما هم عليه من الباطل; فهو ضرر عظيم على دين المرء، فمثلا: من يعظم أبا جهل لأنه سيد أهل الوادي، وكذلك
_________
١ من حديث أبي موسى, رواه: البخاري (كتاب الذبائح, باب المسك, ٣/٤٦٣) , ومسلم (كتاب البر, باب استحباب مجالسة الصالحين, ٤/٢٥٢٦) .
٢ سبق (ص ٦٣) .
٣ من حديث أبي هريرة, أخرجه: أحمد (٢/٣٠٣, ٣٣٤) . ورواه أبو داود (كتاب الأدب, باب من يؤمر أن يجالس, ٥/١٦٨) , والترمذي (الزهد, باب الرجل على دين خليله, رقم ٢٣٧٩) - وقال: "حسن غريب" -.стр. 353
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك; لاستدلال أبي جهل بذلك.
الحواشي
(١) عبد المطلب وغيره; فهو ضرر عليه، ولا يجوز أن يرى الإنسان في نفسه لهؤلاء أي قدر; لأنهم أعداء الله عزوجل وكذلك لا يعظم الرؤساء من الكفار في زمانه; فإن فيه مضرة لأنه قد يورث ما يضاد الإسلام، فيجب أن يكون التعظيم حسب ما تقتضيه الأدلة من الكتاب والسنة.
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك لاستدلال أبي جهل بذلك: شبه المبطلين في تعظيم الأسلاف هي استدلال أبي جهل بذلك في قوله: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ "، وهذه الشبهة ذكرها الله في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١ فالمبطلون يقولون في شبهتهم: إن أسلافهم على الحق وسيقتدون بهم، ويقولون: كيف نسفه أحلامهم، ونضلل ما هم عليه؟ وهذا يوجد في المتعصبين لمشايخهم وكبرائهم ومذاهبهم، حيث لا يقبلون قرآنا ولا سنة في معارضة الشيخ أو الإمام، حتى إن بعضهم يجعلهم معصومين; كالرافضة، والتيجانية، والقاديانية، وغيرهم; فهم يرون أن إمامهم لا يخطئ، والكتاب والسنة يمكن أن يخطئا.
والواجب على المرء أن يكون تابعا لما جاء به الرسول ﷺ وأما من خالفه من الكبراء والأئمة; فإنهم لا يحتج بهم على الكتاب والسنة، لكن يعتذر لهم عن مخالفة الكتاب والسنة إن كانوا أهلا للاعتذار، بحيث لم يعرف عنهم معارضة للنصوص، فيعتذر لهم بما ذكره أهل العلم، ومن أحسن ما ألف كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، أما من يعرف بمعارضة الكتاب والسنة; فلا يعتذر له.
_________
١ سورة الزخرف آية: ٢٣.стр. 354
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره; فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها.
الحواشي
(١) الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم: وهذا مبني على، القول بأن معنى حضرته الوفاة; أي: ظهرت عليه علاماتها ولم ينزل به كما سبق.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين إلخ: وهذه الشبهة هي تعظيم الأسلاف والأكابر.стр. 355
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين .
..........................................................
الحواشي
(١) قوله: "سبب كفر بني آدم": السبب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ١ ; أي: بشيء يوصله إلى السماء ومنه أيضا سمي الحبل سببا; لأنه يتوصل به إلى استسقاء الماء من البئر وأما في الاصطلاح عند أهل الأصول; فهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم أي: إذا وجد السبب وجد المسبب، وإذا عدم السبب عدم المسبب; إلا أن يكون هناك سبب آخر يثبت به المسبب.
قوله: "بني آدم": يشمل الرجال والنساء; لأنه إذا قيل: بنو فلان، وهم قبيلة، شمل ذكورهم وإناثهم، أما إذا قيل: بنو فلان، أي رجل معين; فالمراد بهم الذكور.
قوله: "وتركهم": يعني: وسبب تركهم.
قوله: "دينهم" مفعول ترك; لأن ترك مصدر مضاف إلى فاعله، و"دينهم" يكون مفعولا به.
قوله: "هو الغلو": هذا الضمير يسمى ضمير الفصل، وهو من أدوات التوكيد، والغلو: خبر لأن ضمير الفصل على القول الراجح ليس له محل من الإعراب والغلو: هو مجاوزة الحد في الثناء مدحا أو قدحا.
_________
١ سورة الحج آية: ١٥.следующие страницы →