Полный текст (1 122 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
السادسة: الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه.
السابعة: كونه ﷺ استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك.
الثامنة: مضرة أصحاب السوء على الإنسان.
الحواشي
(٢٦٥٤) , وأحمد (٢/١٦٨ ,٢/١٧٣) .
٢ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص, رواه مسلم (كتاب القدر, باب تصريف الله تعالى للقلوب كيف يشاء, ٤/٢٠٤٥) .
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة هود آية: ١٢٣.стр. 352
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر.
الحواشي
(١) هذان الرجلان; لربما وفق أبو طالب إلى قبول ما عرضه النبي ﷺ لكن هؤلاء - والعياذ بالله - ذكراه نعرة الجاهلية ومضرة رفقاء السوء، ليس خاصا بالشرك، ولكن في جميع سلوك الإنسان، وقد شبه النبي ﷺ جليس السوء بنافخ الكير; إما أن يحرق ثيابك، أو تجد منه رائحة كريهة١ وقال ﷺ " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه "٢ وذلك لما بينهما من الصحبة والاختلاط، وكذلك روي عن النبي ﷺ بسند لا بأس به: " المرء على دين خليله; فلينظر أحدكم من يخالل "٣ فالمهم أنه يجب على الإنسان العاقل أن يفكر في أصحابه: هل هم أصحاب سوء؟ فليبعد عنهم لأنهم أشد عداء من الجرب، أو هم أصحاب خير: يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر، ويفتحون له أبواب الخير; فعليه بهم.
التاسعة: مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر: لأن أبا طالب اختار أن يكون على ملة عبد المطلب حين ذكروه بأسلافه مع مخالفته لشريعة النبي ﷺ وهذا ليس على إطلاقه; فتعظيمهم إن كانوا أهلا لذلك فلا يضر، بل هو خير; فأسلافنا من صدر هذه الأمة لا شك أن تعظيمهم وإنزالهم منازلهم خير لا ضرر فيه.
وإن كان تعظيم الأكابر لما هم عليه من العلم والسن، فليس فيه مضرة، وإن كان تعظيمهم لما هم عليه من الباطل; فهو ضرر عظيم على دين المرء، فمثلا: من يعظم أبا جهل لأنه سيد أهل الوادي، وكذلك
_________
١ من حديث أبي موسى, رواه: البخاري (كتاب الذبائح, باب المسك, ٣/٤٦٣) , ومسلم (كتاب البر, باب استحباب مجالسة الصالحين, ٤/٢٥٢٦) .
٢ سبق (ص ٦٣) .
٣ من حديث أبي هريرة, أخرجه: أحمد (٢/٣٠٣, ٣٣٤) . ورواه أبو داود (كتاب الأدب, باب من يؤمر أن يجالس, ٥/١٦٨) , والترمذي (الزهد, باب الرجل على دين خليله, رقم ٢٣٧٩) - وقال: "حسن غريب" -.стр. 353
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك; لاستدلال أبي جهل بذلك.
الحواشي
(١) عبد المطلب وغيره; فهو ضرر عليه، ولا يجوز أن يرى الإنسان في نفسه لهؤلاء أي قدر; لأنهم أعداء الله عزوجل وكذلك لا يعظم الرؤساء من الكفار في زمانه; فإن فيه مضرة لأنه قد يورث ما يضاد الإسلام، فيجب أن يكون التعظيم حسب ما تقتضيه الأدلة من الكتاب والسنة.
العاشرة: الشبهة للمبطلين في ذلك لاستدلال أبي جهل بذلك: شبه المبطلين في تعظيم الأسلاف هي استدلال أبي جهل بذلك في قوله: "أترغب عن ملة عبد المطلب؟ "، وهذه الشبهة ذكرها الله في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ١ فالمبطلون يقولون في شبهتهم: إن أسلافهم على الحق وسيقتدون بهم، ويقولون: كيف نسفه أحلامهم، ونضلل ما هم عليه؟ وهذا يوجد في المتعصبين لمشايخهم وكبرائهم ومذاهبهم، حيث لا يقبلون قرآنا ولا سنة في معارضة الشيخ أو الإمام، حتى إن بعضهم يجعلهم معصومين; كالرافضة، والتيجانية، والقاديانية، وغيرهم; فهم يرون أن إمامهم لا يخطئ، والكتاب والسنة يمكن أن يخطئا.
والواجب على المرء أن يكون تابعا لما جاء به الرسول ﷺ وأما من خالفه من الكبراء والأئمة; فإنهم لا يحتج بهم على الكتاب والسنة، لكن يعتذر لهم عن مخالفة الكتاب والسنة إن كانوا أهلا للاعتذار، بحيث لم يعرف عنهم معارضة للنصوص، فيعتذر لهم بما ذكره أهل العلم، ومن أحسن ما ألف كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية: "رفع الملام عن الأئمة الأعلام"، أما من يعرف بمعارضة الكتاب والسنة; فلا يعتذر له.
_________
١ سورة الزخرف آية: ٢٣.стр. 354
الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم لأنه لو قالها لنفعته.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين، لأن في القصة أنهم لم يجادلوه إلا بها، مع مبالغته ﷺ وتكريره; فلأجل عظمتها ووضوحها عندهم اقتصروا عليها.
الحواشي
(١) الحادية عشرة: الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم: وهذا مبني على، القول بأن معنى حضرته الوفاة; أي: ظهرت عليه علاماتها ولم ينزل به كما سبق.
الثانية عشرة: التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين إلخ: وهذه الشبهة هي تعظيم الأسلاف والأكابر.стр. 355
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين .
..........................................................
الحواشي
(١) قوله: "سبب كفر بني آدم": السبب في اللغة: ما يتوصل به إلى غيره، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ١ ; أي: بشيء يوصله إلى السماء ومنه أيضا سمي الحبل سببا; لأنه يتوصل به إلى استسقاء الماء من البئر وأما في الاصطلاح عند أهل الأصول; فهو الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم أي: إذا وجد السبب وجد المسبب، وإذا عدم السبب عدم المسبب; إلا أن يكون هناك سبب آخر يثبت به المسبب.
قوله: "بني آدم": يشمل الرجال والنساء; لأنه إذا قيل: بنو فلان، وهم قبيلة، شمل ذكورهم وإناثهم، أما إذا قيل: بنو فلان، أي رجل معين; فالمراد بهم الذكور.
قوله: "وتركهم": يعني: وسبب تركهم.
قوله: "دينهم" مفعول ترك; لأن ترك مصدر مضاف إلى فاعله، و"دينهم" يكون مفعولا به.
قوله: "هو الغلو": هذا الضمير يسمى ضمير الفصل، وهو من أدوات التوكيد، والغلو: خبر لأن ضمير الفصل على القول الراجح ليس له محل من الإعراب والغلو: هو مجاوزة الحد في الثناء مدحا أو قدحا.
_________
١ سورة الحج آية: ١٥.стр. 356
وقول الله عزوجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ١.
الحواشي
(١) والقدح: يسمى ثناء، ومنه الجنازة التي مرت فأثنوا عليها شرا٢ والغلو هنا: مجاوزة الحد في الثناء مدحا.
قوله: "الصالحين": الصالح: هو الذي قام بحق الله وحق العباد، وفي هذه الترجمة إضافة الشيء إلى سببه بدون أن ينسب إلى الله بقوله: "أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين"، وهذا جائز إذا كان السبب حقيقة وصحيحا، وذلك إذا كان السبب قد ثبت من قبل الشرع أو الحس أو الواقع.
وقد قال الرسول ﷺ " لولا أنا، لكان في الدرك الأسفل من النار "٣ يعني: عمه أبا طالب.
قوله: "وقول الله - عزوجل -": يعني: وباب قول الله عزوجل
قوله: ﴿يا أهل الكتاب﴾ : نداء، وهم اليهود والنصارى: والكتاب: التوراة لليهود، والإنجيل للنصارى.
قوله: ﴿لا تغلوا في دينكم﴾ : أي: لا تتجاوزوا الحد مدحا أو قدحا، والأمر واقع كذلك بالنسبة لأهل الكتاب عموما; فإنهم غلوا في
_________
١ سورة النساء آية: ١٧١.
٢ من حديث أنس, رواه البخاري (كتاب الجنائز, باب ثناء الناس على الميت١/٤٢٠) , ومسلم (كتاب الجنائز, باب فيمن يثنى عليه خير أو شر, ٢/٦٥٤) .
٣ من حديث العباس بن عبد المطلب, رواه البخاري (كتاب مناقب الأنصار, باب منقبة أبي طالب, ٣/٦٢) , ومسلم (كتاب الإيمان, باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب, ١/١٩٤) .стр. 357
.......................................................................
الحواشي
(١) عيسى بن مريم ﵇ مدحا وقدحا، حيث قال النصارى، إنه ابن الله، وجعلوه ثالث ثلاثة واليهود غلوا فيه قدحا، وقالوا: إن أمه زانية، وإنه ولد زنا، قاتلهم الله; فكل من الطرفين غلا في دينه وتجاوز الحد بين إفراط أو تفريط.
قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ وهو ما قاله عن نفسه بأنه: إله واحد، أحد، صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا.
قوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ هذه صيغة حصر، وطريقه "إنما"; فيكون المعنى: ما المسيح عيسى ابن مريم إلا رسول الله، وأضافه إلى أمه ليقطع قول النصارى الذين يضيفونه إلى الله وفي قوله: "رسول الله" إبطال لقول اليهود: إنه كذاب، ولقول النصارى: إنه إله وفي قوله: "وكلمته" إبطال لقول اليهود: إنه ابن زنا.
وكلمته التي: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ أن قال له كن فكان.
قوله: "وروح منه": أي: إنه عزوجل جعل عيسى ﵊ كغيره من بني آدم من جسد وروح، وأضاف روحه إليه تشريفا وتكريما; كما في قوله تعالى في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ ١ ; فهذا للتشريف والتكريم.
قوله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ٢ الخطاب لأهل الكتاب، ومن رسله محمد ﷺ الذي هو آخرهم وخاتمهم وأفضلهم.
قوله: ﴿وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ﴾ ٣ أي: إن الله ثالث ثلاثة قوله: ﴿انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ ٤ "خيرا": خبر ليكن المحذوفة; أي: انتهوا يكن خيرا لكم.
_________
١ سورة الحجر آية: ٢٩.
٢ سورة الأعراف آية: ١٥٨.
٣ سورة النساء آية: ١٧١.
٤ سورة النساء آية: ١٧١.стр. 358
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ ، أي: تنزيها له أن يكون له ولد; لأنه مالك لما في السماوات وما في الأرض، ومن جملتهم عيسى بن مريم ﵊، فهو من جملة المملوكين المربوبين; فكيف يكون إلها مع الله أو ولدا لله؟
(تنبيه) :
لم يشر المؤلف رحمه الله تعالى إلى إكمال الآية، ونرجو أن يكون في إكمالنا لها فائدة.
قوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ أي: كفى الله تعالى أن يكون حفيظا على عباده، مدبرا لأحوالهم، عالما بأعمالهم والشاهد من هذه الآية.
قوله: ﴿لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ فنهى عن الغلو في الدين لأنه يتضمن مفاسد كثيرة، منها:
١. أنه تنزيل للمغلو فيه فوق منزلته إن كان مدحا، وتحتها إن كان قدحا.
٢. أنه يؤدي إلى عبادة هذا المغلو فيه كما هو الواقع من أهل الغلو.
٣. أنه يصد عن تعظيم الله ; لأن النفس إما أن تنشغل بالباطل أو بالحق; فإذا انشغلت بالغلو بهذا المخلوق وإطرائه وتعظيمه; تعلقت به ونسيت ما يجب لله تعالى من حقوق.
٤. أن المغلو فيه إن كان موجودا; فإنه يزهو بنفسه، ويتعاظم ويعجب بها، وهذه مفسدة تفسد المغلو فيه إن كانت مدحا، وتوجب العداوة والبغضاء وقيام الحروب والبلاء بين هذا وهذا إن كانت قدحا.стр. 359
وفي الصحيح عن ابن عباس ﵄ في قول الله تعالى: لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ) (النساء: من الآية١٧١) : ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١.
الحواشي
(١) قوله: " في دينكم ": الدين يطلق على العمل والجزاء، والمراد به هنا: العمل والمعنى: لا تجعلوا عبادتكم غلوا في المخلوقين وغيرهم وهل يدخل في هذا الغلو في العبادات؟
الجواب: نعم، يدخل الغلو في العبادات، مثل أن يرهق الإنسان نفسه بالعبادة ويتعبها; فإن النبي ﷺ نهى عن ذلك٢ ومثل أن يزيد عن المشروع، كأن يرمي بجمرات كبيرة، أو يأتي بأذكار زائدة عن المشروع أدبار الصلوات تكميلا للوارد أو غير هذا; فالنهي عن الغلو في الدين يعم الغلو من كل وجه.
قوله: "وفي الصحيح": أي: في "صحيح البخاري"، وهذا الأثر اختصره المصنف، وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
قوله: "وقالوا": أي: قال بعضهم لبعض.
قوله: "لا تذرن": أي: لا تدعن وتتركن، وهذا نهي مؤكد بالنون.
قوله: "آلهتكم": هل المراد: لا تذروا عبادتها أو تمكنوا أحدا من إهانتها؟
_________
١ سورة نوح آية: ٢٣.
٢ كما في حديث عائشة, رواه: البخاري (كتاب التهجد, باب ما يكره من التشديد في العبادة, ١/٣٥٧) , ومسلم (كتاب صلاة المسافرين, باب أمر من نعس في صلاته ... , ١/٥٤٢) .стр. 360
.......................................................................
الحواشي
(١) الجواب: المعنيان; أي: انتصروا لآلهتكم، ولا تمكنوا أحدا من إهانتها، ولا تدعوها للناس، ولا تدعوا عبادتها أيضا، بل احرصوا عليها، وهذا من التواصي بالباطل عكس الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتواصون بالحق.
قوله: "ولا سواعا": لا: زائدة للتوكيد، مثلها في قوله تعالى: "ولا الضالين"، وفائدتها أنهم جعلوا مدخولها كالمستقل، بخلاف يعوق ونسر; فهما دون مرتبة من سبقهما.
قوله تعالى: ﴿وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١ هذه الخمسة كأن لها مزية على غيرها; لأن قوله: "آلهتكم" عام يشمل كل ما يعبدون، وكأنها كبار آلهتهم; فخصوها بالذكر والآلهة: جمع إله، وهو كل ما عبد، سواء بحق أو بباطل، لكن إذا كان المعبود هو الله; فهو حق، وإن كان غير الله; فهو باطل قال ابن عباس ﵄ في هذه الآية: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح.
وفي هذا التفسير إشكال، حيث قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، وظاهر القرآن أنها قبل نوح، قال تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ٢; ظاهر الآية الكريمة: أن قوم نوح كانوا يعبدونها، ثم نهاهم نوح عن عبادتها، وأمرهم بعبادة الله وحده، ولكنهم أبوا وقالوا: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ وهذا (أعني: القول بأنهم قبل نوح) قول محمد بن كعب ومحمد بن قيس، وهو الراجح لموافقته ظاهر القرآن ويحتمل - وهو بعيد - أن هذا في أول رسالة نوح، وأنه استجاب له هؤلاء الرجال وآمنوا به، ثم بعد ذلك ماتوا قبل نوح ثم عبدوهم، لكن هذا بعيد حتى
_________
١ سورة نوح آية: ٢٣.
٢ سورة نوح آية: ٢١-٢٢-٢٣.стр. 361
قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا; أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك، ونسي العلم; عبدت١.
الحواشي
(١) من سياق الأثر عن ابن عباس فالمهم أن تفسير الآية أن يقال: هذه أصنام في قوم نوح كانوا رجالا صالحين، فطال على قومهم الأمد، فعبدوهم.
قوله: "أوحى الشيطان": أي: وحي وسوسة، وليس وحي إلهام.
قوله: "أن انصبوا إلى مجالسهم": الأنصاب: جمع نصب، وهو كل ما ينصب من عصا أو حجر أو غيره.
قوله: "وسموهم بأسمائهم": أي: ضعوا أنصابا في مجالسهم، وقولوا: هذا ود، وهذا سواع، وهذا يغوث، وهذا يعوق، وهذا نسر; لأجل إذا رأيتموهم تتذكروا عبادتهم فتنشطوا عليها، هكذا زين لهم الشيطان، وهذا غرور ووسوسة من الشيطان كما قال لآدم: ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى﴾ ٢ وإذا كان العبد لا يتذكر عبادة الله إلا برؤية أشباح هؤلاء; فهذه عبادة قاصرة أو معدومة.
قوله: "ففعلوا ولم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم; عبدت من دون الله": ذكر ابن عباس ﵄ أنه كان بين آدم ونوح عشرة قرون، والقرن مئة سنة، حتى إذا طال عليهم الأمد حصل النزاع والتفرق، فبعث الله النبيين; كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ٣ الآية.
_________
١ رواه البخاري (كتاب التفسير, باب ودا ولا سواعا ولا يغوث , ٣/٣١٦) .
٢ سورة طه آية: ١٢٠.
٣ سورة البقرة آية: ٢١٣.стр. 362
قال ابن القيم: " قال غير واحد من السلف: لما ماتوا; عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم".
الحواشي
(١) هذا هو تفسير ابن عباس ﵄ للآية، وهل تفسيره حجة؟
الجواب: يرجع في التفسير أولا إلى القرآن; فالقرآن يفسر بعضه بعضا، مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾ ١ تفسيرها: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ ٢ فإن لم نجد في القرآن; فإلى سنة الرسول ﷺ فإن لم نجد; فإلى تفسير الصحابة، وتفسير الصحابي حجة بلا شك; لأنهم أدرى بالقرآن حيث نزل بعصرهم وبلغتهم، ويعرفون عنه أكثر من غيرهم، حتى قال بعض العلماء: إن تفسير الصحابي في حكم المرفوع، وهذا ليس بصحيح، لكنه لا شك أنه حجة على من بعدهم، فإن اختلف الصحابة في التفسير أخذنا بما يرجحه سياق الآية، والآية تدل على ما ذكره ابن عباس; إلا أن ظاهر السياق أن هؤلاء القوم الصالحين كانوا قبل نوح ﷺ وقد عرفت القول الراجح.
قوله: "الأمد": الزمن وهذا كتفسير ابن عباس; إلا أن ابن عباس يقول: " إنهم جعلوا الأنصاب في مجالسهم " وهنا يقول: "عكفوا على قبورهم"، ولا يبعد أنهم فعلوا هذا وهذا، أو أنهم قبروا في مجالسهم; فتكون هي محل القبور والشاهد قوله: "ثم طال عليهم الأمد; فعبدوهم"; فسبب العبادة إذا الغلو في هؤلاء الصالحين حتى عبدوهم.
_________
١ سورة القارعة آية: ١٠.
٢ سورة القارعة آية: ١١.стр. 363
وعن عمر; أن رسول الله ﷺ قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله " أخرجاه١.
الحواشي
(١) قوله: " لا تطروني ": الإطراء: المبالغة في المدح.
وهذا النهي يحتمل أنه منصت على هذا التشبيه، وهو قوله: "كما أطرت النصارى ابن مريم"، حيث جعلوه إلها أو ابنا لله، وبهذا يوحي قول البوصيري:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
أي: دع ما قاله النصارى أن عيسى ﵊ ابن الله أو ثالث ثلاثة، والباقي املأ فمك في مدحه ولو بما لا يرضيه ويحتمل أن النهي عام; فيشمل ما يشابه غلو النصارى في عيسى ابن مريم وما دونه ويكون قوله: "كما أطرت" لمطلق التشبيه لا للتشبيه المطلق; لأن إطراء النصارى عيسى بن مريم سببه الغلو في هذا الرسول الكريم ﷺ حيث جعلوه ابنا لله وثالث ثلاثة، والدليل على أن المراد هذا.
قوله: "إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله ".
قوله: "إنما أنا عبد": أي: ليس لي حق من الربوبية، ولا مما يختص به الله عزوجل أبدا.
قوله: "فقولوا عبد الله ورسوله ": هذان الوصفان أصدق وصف وأشرفه في الرسول ﷺ فأشرف وصف للإنسان أن يكون من عباد الله، قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْناً﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ﴾ ٣ ; فوصفهم الله بالعبودية قبل الرسالة مع أن الرسالة شرف عظيم، لكن كونهم
_________
١ أخرجه البخارى (٣٤٤٥, ٦٨٣٠) , وأحمد (١/٢٣ ,١/٢٤) ، ولم أجده عند مسلم.
٢ سورة الفرقان آية: ٦٣.
٣ سورة الصافات آية: ١٧١.стр. 364
.......................................................................
الحواشي
(١) عبادا لله عزوجل أشرف وأعظم، وأشرف وصف له وأحق وصف به، ولهذا يقول الشاعر في محبوبته:
فإنه أشرف أسمائي ... لا تدعني إلا بيا عبدها
أي: أنت إذا أردت أن تكلمني قل: يا عبد فلانة; لأنه أشرف أسمائي وأبلغ في الذل فمحمد ﷺ عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب، ولهذا نقوله في صلاتنا عندما نسلم عليه ونشهد له بالرسالة: " وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ١ "; فهذا أفضل وصف اختاره النبي ﵊ لنفسه.
واعلم أن الحقوق ثلاثة أقسام، وهي:
الأول: حق لله لا يشرك فيه غيره: لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وهو ما يختص به من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
الثاني: حق خاص للرسل، وهو إعانتهم وتوقيرهم وتبجيلهم بما يستحقون.
الثالث. حق مشترك، وهو الإيمان بالله ورسله، وهذه الحقوق موجودة في الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ فهذا حق مشترك،: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ هذا خاص بالرسول ﷺ : ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ هذا خاص بالله والذين يغلون في الرسول ﷺ يجعلون حق الله له; فيقولون:
_________
١ من حديث ابن مسعود, رواه: البخاري (كتاب الاستئذان, باب السلام اسم من أسماء الله تعالى, ٤/١٣٦) , ومسلم (كتاب الصلاة, باب التشهد في الصلاة, ١/٣٠١) .стр. 365
وقال: قال رسوله الله ﷺ " إياكم والغلو..........................
الحواشي
(١) "وتسبحوه﴾ ; أي: الرسول، فيسبحون الرسول كما يسبحون الله، ولا شك أنه شرك; لأن التسبيح من حقوق الله الخاصة به، بخلاف الإيمان; فهو من الحقوق المشتركة بين الله ورسوله ونهى عن الإطراء في قوله ﵊: " كما أطرت النصارى عيسى بن مريم " لأن الإطراء والغلو يؤدي إلى عبادته كما هو الواقع الآن; فيوجد عند قبره في المدينة من يسأله، فيقول: يا رسول الله! المدد، المدد، يا رسول الله! أغثنا، يا رسول الله! بلادنا يابسة، وهكذا. ورأيت بعيني رجلا يدعو الله تحت ميزاب الكعبة موليا ظهره البيت مستقبلا المدينة; لأن استقبال القبر عنده أشرف من استقبال الكعبة والعياذ بالله.
ويقول بعض المغالين: الكعبة أفضل من الحجرة، فأما والنبي ﷺ فيها; فلا والله، لا الكعبة، ولا العرش وحملته، ولا الجنة فهو يريد أن يفضل الحجرة على الكعبة وعلى العرش وحملته وعلى الجنة، وهذه مبالغة لا يرضاها النبي ﷺ لنا ولا لنفسه وصحيح أن جسده ﷺ أفضل، ولكن كونه يقول: إن الحجرة أفضل من الكعبة والعرش والجنة; لأن الرسول ﷺ فيها هذا خطأ عظيم، نسأل الله السلامة من ذلك.
قوله: "إياكم": للتحذير.
قوله: "والغلو": معطوف على إياكم، وقد اضطرب فيه المعربون اضطرابا كثيرا، وأقرب ما قيل للصواب وأقله تكلفا: أن إيا منصوبة بفعل أمر مقدر تقديره إياك أُحَذِّر; أي: احذر نفسك أن تغرك، والغلو معطوف على إياك; أي: واحذر الغلو.
والغلو كما سبق: هو مجاوزة الحد مدحا أو ذما، وقد يشمل ما هوстр. 366
فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو "١.
الحواشي
(٩٨) , وابن حبان برقم(١٠١١) , والطبراني في "الكبير" برقم(١٢٧٤٧) , والحاكم (١/٤٦٦) - وصححه على شرط الشيخين, ووافقه الذهبي-, والبيهقي في "السنن الكبرى" (٥/١٢٧) . وقال النووي في "المجموع" (٨/١٣٧) : "إسناده صحيح على شرط مسلم", وكذا قال شيخ الإسلام في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ١٠٦) .
٢ النسائي: مناسك الحج(٣٠٥٧) .стр. 367
.......................................................................
الحواشي
(١) الجواب: إن قيل: إنه حقيقي; حصل إشكال، وهو أن هناك أحاديث أضاف النبي ﷺ الهلاك فيها إلى أعمال غير الغلو، مثل قوله ﷺ " إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد "١ فهنا حصران متقابلان; فإذا قلنا: إنه حقيقي بمعنى أنه لا هلاك إلا بهذا حقيقة; صار بين الحديثين تناقض.
وإن قيل: إن الحصر إضافي; أي: باعتبار عمل معين; فإنه لا يحصل تناقض بحيث يحمل كل منهما على جهة لا تعارض الحديث الآخر لئلا يكون في حديثه ﷺ تناقض، وحينئذ يكون الحصر إضافيا، فيقال: أهلك من كان قبلكم الغلو هذا الحصر باعتبار الغلو في التعبد في الحديث الأول، وفي الآخر يقال: أهلك من كان قبلكم باعتبار الحكم، فيهلك الناس إذا أقاموا الحد على الضعيف دون الشريف.
وفي هذا الحديث يحذر الرسول ﷺ أمته من الغلو، ويبرهن على أن الغلو سبب للهلاك لأنه مخالف للشرع ولإهلاكه للأمم السابقة; فيستفاد منه تحريم الغلو من وجهين:
الوجه الأول: تحذيره ﷺ والتحذير نهي وزيادة.
الوجه الثاني: أنه سبب لإهلاك الأمم كما أهلك من قبلنا، وما كان سبب للهلاك كان محرما.
أقسام الناس في العبادة: والناس في العبادة طرفان ووسط; فمنهم المفرط، ومنهم المفرط، ومنهم المتوسط فدين الله بين الغالي فيه
_________
١ أخرجه: البخاري في (أحاديث الأنبياء, ٦/٥١٣) , ومسلم في (الحدود, ٣/١٣١٥) .стр. 368
.......................................................................
الحواشي
(١) والجافي عنه، وكون الإنسان معتدلا لا يميل إلى هذا ولا إلى هذا، هذا هو الواجب; فلا يجوز التشدد في الدين والمبالغة، ولا التهاون وعدم المبالاة، بل كن وسطا بين هذا وهذا.
والغلو له أقسام كثيرة; منها: الغلو في العقيدة ومنها: الغلو في العبادة، ومنها، الغلو في المعاملة، ومنها: الغلو في العادات والأمثلة عليها كما يلي:
أما الغلو في العقيدة; فمثل ما تشدق فيه أهل الكلام بالنسبة لإثبات الصفات، فإن أهل الكلام تشدقوا وتعمقوا حتى وصلوا إلى الهلاك قطعا، حتى أدى بهم هذا التعمق إلى واحد من أمرين: إما التمثيل، أو التعطيل إما أنهم مثلوا الله بخلقه، فقالوا: هذا معنى إثبات الصفات، فغلوا في الإثبات حتى أثبتوا ما نفى الله عن نفسه، أو عطلوه وقالوا: هذا معنى تنزيهه عن مشابهة المخلوقات، وزعموا أن إثبات الصفات تشبيه; فنفوا ما أثبته الله لنفسه.
لكن الأمة الوسط اقتصدت في ذلك; فلم تتعمق في الإثبات ولا في النفي والتنزيه; فأخذوا بظواهر اللفظ، وقالوا: ليس لنا أن نزيد على ذلك; فلم يهلكوا، بل كانوا على الصراط المستقيم، ولما دخل هؤلاء الفرس والروم وغيرهم في الدين; صاروا يتعمقون في هذه الأمور ويجادلون مجادلات ومناظرات لا تنتهي أبدا; حتى ضاعوا، نسأل الله السلامة وكل الإيرادات التي أوردها المتأخرون من هذه الأمة على النصوص، لم يوردها الصحابة الذين هم الأمة الوسط.
أما الغلو في العبادات; فهو التشدد فيها، بحيث يرى أن الإخلال بشيء منها كفر وخروج عن الإسلام، كغلو الخوارج والمعتزلة، حيث قالوا إن من فعل كبيرة من الكبائر; فهو خارج عن الإسلام وحل دمه.стр. 369
.......................................................................
الحواشي
(١) وماله، وأباحوا الخروج على الأئمة وسفك الدماء، وكذا المعتزلة، حيث قالوا: من فعل كبيرة; فهو بمنزلة بين المنزلتين: الإيمان والكفر; فهذا تشدد أدى إلى الهلاك، وهذا التشدد قابله تساهل المرجئة، فقالوا: إن القتل والزنا والسرقة وشرب الخمر ونحوها من الكبائر، لا تخرج من الإيمان، ولا تنقص من الإيمان شيئا، وإنه يكفي في الإيمان الإقرار، وإن إيمان فاعل الكبيرة كإيمان جبريل ورسول الله ﷺ لأنه لا يختلف الناس في الإيمان حتى إنهم ليقولون: إن إبليس مؤمن لأنه مقر، وإذا قيل: إن الله كفره; قالوا: إذن إقراره ليس بصادق، بل هو كاذب وهؤلاء في الحقيقة يصلحون لكثير من الناس في هذا الزمان، ولا شك أن هذا تطرف بالتساهل، والأول تطرف بالتشدد، ومذهب أهل السنة أن الإيمان يزيد وينقص، وفاعل المعصية ناقص الإيمان بقدر معصيته، ولا يخرج من الإيمان إلا بما برهنت النصوص على أنه كفر.
وأما الغلو في المعاملات; فهو التشدد في الأمور بتحريم كل شيء حتى ولو كان وسيلة، وأنه لا يجوز للإنسان أن يزيد عن واجبات حياته الضرورية، وهذا مسلك سلكه الصوفية، حيث قالوا: من اشتغل بالدنيا; فهو غير مريد للآخرة، وقالوا: لا يجوز أن تشتري ما زاد على حاجتك الضرورية، وما أشبه ذلك.
وقابل هذا التشدد تساهل من قال: بحل كل شيء ينمي المال ويقوي الاقتصاد; حتى الربا والغش وغير ذلك فهؤلاء - والعياذ بالله - متطرفون بالتساهل; فتجده يكذب في ثمنها وفي وصفها وفي كل شيء لأجل أن يكسب فلسا أو فلسين، وهذا لا شك أنه تطرف.
والتوسط أن يقال: تحل المعاملات وفق ما جاءت به النصوص،стр. 370
ولمسلم عن ابن مسعود; أن رسول الله ﷺ قال: " هلك المتنطعون "١ قالها ثلاثا٢.
الحواشي
(٢٦٧٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٠٨) , وأحمد (١/٣٨٦) .
٢ في (كتاب العلم, باب هلك المتنطعون, ٤/٢٠٥٥) .
٣ سورة البقرة آية: ٢٧٥.стр. 371
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب وبابين بعده; تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب.
الحواشي
(١) قال: "هلك المتنطعون " والتنطع أيضا في المسائل الدينية يشبه الغلو فيها، فهو أيضا من أسباب الهلاك، ومن ذلك ما يفعله بعض الناس من التنطع في صفات الله تعالى والتقعر فيها، حيث يسألون عما لم يسأل عنه الصحابة ﵃، وهم يعلمون أن الصحابة خير منهم وأشد حرصا على العلم، وفيهم رسول الله ﷺ الذي عنده من الإجابة على الأسئلة ما ليس عند غيره من الناس مهما بلغ علمهم.
فهذه الأحاديث الثلاثة كلها تدل على تحريم الغلو، وأنه سبب للهلاك وأن الواجب أن يسير العبد إلى الله بين طرفي نقيض بالدين الوسط، فكما أن هذه الأمة هي الوسط ودينها هو الوسط; فينبغي أن يكون سيرها في دينها على الطريق الوسط.
فيه مسائل:
الأولى: أن من فهم هذا الباب - أي: بما مر من تفسير الآية الكريمة: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ ١ - وبابين بعده; تبين له غربة الإسلام وهذا حق; فإن الإسلام المبني على التوحيد الخالص غريب، فكثير من البلدان الإسلامية تجد فيها الغلو في الصالحين في قبورهم فلا تجد بلدا مسلما إلا وفيه غلو في قبور الصالحين، وقد يكون ليس قبر رجل صالح، قد يكون وهما، مثل قبر الحسين بن علي ﵄; فأهل
_________
١ سورة نوح آية: ٢٣.стр. 372
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض; كان بشبهة الصالحين.
الثالثة: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم.
الحواشي
(١) العراق يقولون: هو عندنا، وأهل الشام يقولون: عندنا، وأهل مصر يقولون: عندنا، وبعضهم يقول: هو في المغرب; فصار الحسين إما أنه أربعة رجال، أو مقطع أوصالا، وهذا كله ليس بصحيح; فالمهم أنه كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: تبين لك غربة الإسلام أي في المسلمين. وكذلك الجزيرة العربية قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب فيها قبور وقباب تعبد من دون الله ويحج إليها وتقصد، ولكن بتوفيق الله أنه أعان هذا الرجل مع الإمام محمد بن سعود حتى قضى عليها وهدمها، وصارت البلاد ولله الحمد على التوحيد الخالص.
الثانية: معرفة أول شرك حدث في الأرض: وجه ذلك: أن هذه الأصنام التي عبدها قوم نوح كانوا أقواما صالحين، فحدث الغلو فيهم، ثم عبدوا من دون الله; ففيه الحذر من الغلو في الصالحين.
الثالثة: معرفة أول شيء غير به دين الأنبياء، وما سبب ذلك، مع معرفة أن الله أرسلهم: أول شيء غير به دين الأنبياء هو الشرك، وسببه هو الغلو في الصالحين، وقوله: "مع معرفة أن الله أرسلهم"، قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ ١ ; أي: كانوا أمة واحدة على التوحيد، فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه; فهذا أول ما حدث من الشرك في بني آدم.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢١٣.стр. 373
الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل: فالأول محبة الصالحين، والثاني فعل أناس من أهل العلم والدين شيئا أرادوا به خيرا فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره.
الحواشي
(١) الرابعة: قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها. قوله: "قبول البدع": أي: أن النفوس تقبلها لا لأنها مشروعة، بل إن الشرائع تردها، وكذلك الفطر السليمة تردها; لأن الفطر السليمة جبلت على عبادة الله وحده لا شريك له; كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ ١ ; فالفطر السليمة لا تقبل تشريعا إلا ممن يملك ذلك.
الخامسة: أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل: أراد المؤلف ﵀ أن يبين أن مزج الحق بالباطل حصل بأمرين:
الأول: محبة الصالحين، ولهذا صوروا تماثيلهم محبة لهم، ورغبة في مشاهدة أشباحهم.
الثاني: أن أهل العلم والدين أرادوا بذلك خيرا، وهو أن ينشطوا على العبادة، ولكن من بعدهم أرادوا غير الخير الذي أراده أولئك، ويؤخذ منه: أن من أراد تقوية دينه ببدعة; فإن ضررها أكثر من نفعها. مثال ذلك: أولئك الذين يغلون في الرسول ﷺ ويجعلون له الموالد هم يريدون بذلك خيرا، لكن أرادوا خيرا بهذه البدعة فصار ضررها أكثر من نفعها; لأنها تعطي الإنسان نشاطا غير مشروع في وقت معين، ثم يعقبه فتور غير مشروع في بقية العام. ولهذا تجد هؤلاء الذين يغالون في هذه البدع فاترين في الأمور المشروعة الواضحة ليسوا كنشاط غيرهم،
_________
١ سورة الروم آية: ٣٠.стр. 374
........................................................................
الحواشي
(٢٤٣٦) , والنسائي برقم(٢٣٦٠) , وابن ماجه برقم(١٧٣٨) ; من حديث أسامة بن زيد نحوه. وحسنه المنذري. "مختصر المنذري".стр. 375
........................................................................
الحواشي
(١) على ما ورد; لأن العبادات توقيفية، ولو كان الاحتفال المعهود عند الناس اليوم مشروعا لبينه النبي ﷺ إما بقوله، أو فعله، أو إقراره.
الثالث: أن هؤلاء الذين يحتفلون بمولد النبي ﷺ لا يقيدونه بيوم الاثنين، بل في اليوم الذي زعموا مولده فيه، وهو اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول، مع أن ذلك لم يثبت من الناحية التاريخية، وقد حقق بعض الفلكيين المتأخرين ذلك; فكان في اليوم التاسع لا في اليوم الثاني عشر.
الرابع: أن الاحتفال بمولده ﷺ على الوجه المعروف بدعة ظاهرة; لأنه لم يكن معروفا على عهد النبي ﷺ وأصحابه، مع قيام المقتضي له وعدم المانع منه.
مسألة حكم الاحتفال بعيد ميلاد الأطفال.
فائدة: كل شيء يتخذ عيدا يتكرر كل أسبوع، أو كل عام وليس مشروعا، فهو من البدع، والدليل على ذلك: أن الشارع جعل للمولود العقيقة، ولم يجعل شيئا بعد ذلك، واتخاذهم هذه الأعياد تتكرر كل أسبوع أو كل عام معناه أنهم شبهوها بالأعياد الإسلامية، وهذا حرام لا يجوز، وليس في الإسلام شيء من الأعياد إلا الأعياد الشرعية الثلاثة: عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع، وهو يوم الجمعة. وليس هذا من باب العادات لأنه يتكرر، ولهذا لما قدم النبي ﷺ فوجد للأنصار عيدين يحتفلون بهما; قال: " إن الله أبدلكما بخير منهما: عيد الأضحى، وعيد الفطر "١ مع أن هذا من الأمور العادية عندهم.
_________
١ من حديث أنس, أخرجه: أحمد في "المسند" (٣/١٠٣) . ورواه: أبو داود (كتاب الصلاة, باب صلاة العيدين, ١١٣٤) , والنسائي في (العيدين, ٣/ ١٧٩) , والحاكم (١/٢٩٤) , والبيهقي (٣/٢٧٧) . وإسناده صحيح; كما في "تخريج أحاديث العيدين" (ص ٥٢) .стр. 376
السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد.
الحواشي
(١) السادسة: تفسير الآية التي في سورة نوح: وقد سبق ذلك وبيان أنهم يتواصون بالباطل، وهذا خلاف طريق المؤمنين الذين يتواصون بالحق والصبر والمرحمة، ويشبههم أهل الباطل والضلال الذين يتواصون بما هم عليه، سواء كانوا رؤساء سياسيين أو رؤساء دينيين ينتسبون إلى الدين، فتجد الواحد منهم لا يموت إلا وقد وضع له ركيزة من بعده ينمي هذا الأمر الذي هو عليه.
السابعة: جبلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه، والباطل يزيد: هذه العبارة تقيد من حيث كونه آدميا بقطع النظر عمن يمن الله عليه بتزكيه النفس; فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ ١ قوله: "جبلة": على وزن فعلة، وهو ما يجبل المرء عليه; أي: يخلق عليه ويطبع ويبدع، بمعنى الطبيعة التي عليها الإنسان من حيث هو إنسان بقطع النظر عن كونه زكى نفسه أو دساها.
فالإنسان من حيث هو إنسان وصفه الله بوصفين; فقال تعالى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الأِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ ٣ أما من حيث ما يمن الله به عليه من الإيمان والعمل الصالح; فإنه يرتقي عن هذا، قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ ٤ ; فالإنسان الذي يمن الله عليه بالهدى; فإن الباطل الذي في قلبه يتناقص وربما يزول بالكلية; كعمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل، وغيرهم.
_________
١ سورة آية: ٩-١٠.
٢ سورة إبراهيم آية: ٣٤.
٣ سورة الأحزاب آية: ٧٢.
٤ سورة آية: ٤-٥-٦.стр. 377
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر.
الحواشي
(١) وكذلك أهل العلم; كأبي الحسن الأشعري، كان معتزليا، ثم كلابيا، ثم سنيا، وابن القيم كان صوفيا، ثم من الله عليه بصحبة شيخ الإسلام ابن تيمية; فهداه الله على يده حتى كان ربانيا.
الثامنة: فيه شاهد لما نقل عن السلف أن البدع سبب الكفر: قال أهل العلم: إن الكفر له أسباب متعددة، ولا مانع أن يكون للشيء الواحد أسباب متعددة، ومن ذلك الكفر، ذكروا من أسبابه البدعة، وقالوا: إن البدعة لا تزال في القلب، يظلم منها شيئا فشيئا; حتى يصل إلى الكفر، واستدلوا بقوله ﷺ " كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار "١.
وقالوا أيضا: "إن المعاصي بريد الكفر" وبريد الشيء ما يوصل إلى الغاية. والمعاصي كما أخبر النبي ﷺ تتراكم على القلب; فتنكت فيه نكتة سوداء، فإن تاب; صقل قلبه وابيض٢ وإلا; فلا تزال هذه النكتة السوداء تتزايد حتى يصبح مظلما.
وكذلك حذر من محقرات الذنوب، وضرب لها مثلا بقوم نزلوا أرضا، فأرادوا أن يطبخوا، فذهب كل واحد منهم وأتى بعود، فأتى هذا بعود وهذا بعود، فجمعوها، فأضرموا نارا كبيرة٣ وهكذا المعاصي; فالمعاصي لها تأثير قوي على القلب، وأشدها تأثيرا الشهوة فهي أشد من
_________
١ أخرجه: النسائي (٣/١٨٨) .
٢ من حديث أبي هريرة, أخرجه: أحمد (٢/٢٩٧) . ورواه: الترمذي (كتاب التفسير, باب ويل للمطففين , ٩/٦٩) - وقال: "حسن صحيح"-, وابن ماجه (كتاب الزهد, باب ذكر الذنوب, ٢/١٤١٨) .
٣ من حديث سهل بن سعد, رواه: أحمد في "المسند" (٥/٣٣١) . انظر "مجمع الزوائد" للهيثمي (١٠/١٩٠) .стр. 378
التاسعة: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل.
الحواشي
(١) الشبهة; لأن الشبهة أيسر زوالا على من يسرها الله عليه; إذ إن مصدرها الجهل، وهو يزول بالتعلم.
أما الشهوة، وهي إرادة الإنسان الباطل; فهي البلاء الذي يقتل به العالم والجاهل، ولذا كانت معصية اليهود أكبر من معصية النصارى; لأن معصية اليهود سببها الشهوة وإرادة السوء والباطل، والنصارى سببها الشبهة، ولهذا كانت البدع غالبها شبهة، ولكن كثيرا منها سببه الشهوة، ولهذا يبين الحق لأهل الشهوة من أهل البدع، فيصرون عليها، وغالبهم يقصد بذلك بقاء جاهه ورئاسته بين الناس دون صلاح الخلق، ويظن في نفسه ويملي عليه الشيطان أنه لو رجع عن بدعته لنقصت منزلته بين الناس، وقالوا: هذا رجل متقلب وليس عنده علم، لكن الأمر ليس كذلك; فأبو الحسن الأشعري مضرب المثل في هذا الباب; فإنه لما كان من المعتزلة لم يكن إماما، ولما رجع إلى مذهب أهل السنة صار إماما; فكل من رجع إلى الحق ازدادت منزلته عند الله - سبحانه -، ثم عند خلقه. والخلاصة: أن البدعة سبب للكفر ولا يرد على هذا قول بعض أهل العلم: إن المعاصي بريد الكفر; لأنه لا مانع من تعدد الأسباب.
التاسعة: معرفة الشيطان بما تئول إليه البدعة ولو حسن قصد الفاعل: لأن الشيطان هو الذي سول لهؤلاء المشركين أن يصوروا هذه التماثيل والتصاوير; لأنه يعرف أن هذه البدعة تئول إلى الشرك.
وقوله: "ولو حسن قصد الفاعل": أي: إن البدعة شر ولو حسن قصد فاعلها، ويأثم إن كان عالما أنها بدعة ولو حسن قصده; لأنه أقدم على المعصية كمن يجيز الكذب والغش ويدعي أنه مصلحة، أما لو كانстр. 379
........................................................................
الحواشي
(٣٣٨) , والنسائي برقم(٤٣٣) , والدارمي (كتاب الطهارة, باب التيمم, ١/٥٥) , والدارقطني (١/١٨٨) , والحاكم (١/ ١٧٩) . وصححه على شرط الشيخين, ووافقه الذهبي. وانظر: "التلخيص الحبير" (١/١٥٥) .
٢ انظر التّخريج السابق.
٣ أخرجه: البخاري معلقا بصيغة الجزم في (البيوع, ١/١٠٠) , ومسلم في (الأقضية, ٣/ ١٣٤٣) .стр. 380
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو، ومعرفة ما يئول إليه.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها.
الحواشي
(١) وأما العامة الذين لا يعلمون، وقد لبس عليهم هذه البدعة، وغيرها; نقول: ما داموا قاصدين للحق ولا علموا به; فإثمهم على من أفتاهم ومن أضلهم. ولهذا يوجد في مجاهل أفريقيا وغيرها من لا يعرفون عن الإسلام شيئا، فلو ماتوا لا نقول: إنهم مسلمون ونصلي عليهم ونترحم عليهم مع أنهم لم تقم عليهم الحجة، لكننا نعاملهم في الدنيا بالظاهر، أما في الآخرة; فأمرهم إلى الله.
العاشرة: معرفة القاعدة الكلية، وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يئول إليه: هذا ما حذر منه النبي ﷺ لأن الغلو مجاوزة الحد، وهو كما يكون في العبادات يكون في غيرها، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ ١، وقال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ ٢، وقد سبق بيان ذلك.
الحادية عشرة: مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح: المضرة الحاصلة: هي أنها توصل إلى عبادتهم. ومثل ذلك: ما لو قرئ القرآن عند قبر رجل صالح، أو تصدق عند هذا القبر يعتقد أن لذلك مزية على غيره; فإن هذا من البدع، وهذه البدعة قد تؤدي بصاحبها إلى عبادة هذا القبر.
الثانية عشرة: معرفة النهي عن التماثيل والحكمة في إزالتها.
_________
١ سورة الأعراف آية: ٣١.
٢ سورة الفرقان آية: ٦٧.стр. 381
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها.
الرابعة عشرة: وهي أعجب العجب: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث، ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات، واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال.
الحواشي
(١) التماثيل: هي الصور على مثال رجل، أو حيوان، أو حجر، والغالب أنها تطلق على ما صنع ليعبد من دون الله. والحكمة في إزالتها سد ذرائع الشرك.
الثالثة عشرة: معرفة عظم شأن هذه القصة: أي: قصة هؤلاء الذين غلوا في الصالحين وغير الصالحين، لكن اعتقدوا فيهم الصلاح، حتى تدرج بهم الأمر إلى عبادتهم من دون الله; فتجب معرفة هذه القصة، وأن أمر الغلو عظيم، ونتائجه وخيمة; فالحاجة شديدة إلى ذلك، والغفلة عنها كثيرة، والناس لو تدبرت أحوالهم وسبرت قلوبهم وجدت أنهم في غفلة عن هذا الأمر، وهذا موجود في البلاد الإسلامية.
الرابعة عشرة: وهي أعجب العجب -: قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث.
قوله: "وأعجب": أي: أكثر عجبا وأشد، والعجب نوعان: الأول: بمعنى الاستحسان، وهو ما إذا تعلق بمحمود; كقول عائشة في الحديث: " كان النبي ﷺ يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره، وفي شأنه كله "١.
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الوضوء, باب التيمن, ١/٧٥) , ومسلم (كتاب الطهارة, باب التيمن في الطهور وغيره, ١/٢٢٦) .стр. 382
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك.
الحواشي
(١) الثاني: بمعنى الإنكار، وذلك فيما إذا تعلق بمذموم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَاباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أ﴾ ١. وكلام المؤلف هنا من باب الإنكار. وكلام المؤلف هنا عما كان في زمنه، حيث غفلوا عن هذه القصة مع قراءتهم لها في كتب التفسير والحديث، واعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات، وهذا من أضر ما يكون على المرء أن يعتقد السيئ حسنا، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٣.
قوله: "واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال": أي: من اعتقد أن الشرك والكفر من أفضل العبادات، وأنه مقرب إلى الله; فهذا كفر مبيح لدمه وماله، هذا ما أراد المؤلف، وإن كان لا يسعفه ظاهر كلامه ثم بدا لي ما لعله المراد أن هؤلاء الغالين اعتقدوا أن المنهي عنه هو الكفر المبيح للدم والمال، وأما ما دونه من الغلو; فلا نهي فيه، والله أعلم؛ فهذا ظن فاسد كما سبق.
الخامسة عشرة: التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة: أي: ما أرادوا إلا الشفاعة، ومع ذلك وقعوا في الشرك.
السادسة عشرة: ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك: أي أرادوا أن تشفع لهم، بل ظنوا أنها تنشطهم على العبادة، وهذا
_________
١ سورة الرعد آية: ٥.
٢ سورة فاطر آية: ٨.
٣ سورة آية: ١٠٣-١٠٤.стр. 383
السابعة عشرة: البيان العظيم في قوله: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم "١ فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين.
الثامنة عشرة: نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين.
التاسعة عشرة: التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم; ففيها بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده.
العشرون: أن سبب فقد العلم موت العلماء.
الحواشي
(٣٤٤٥) , وأحمد (١/٢٣ ,١/٢٤) .
٢ انظر: (ص ٣٨٠) .стр. 384
.......................................................................
الحواشي
(١) الأسباب لفقد العلم، فإذا مات العلماء; لم يبق إلا جهال الخلق يفتون بغير علم. ومن أسباب فقده أيضا: الغفلة والإعراض عنه، والتشاغل بأمور الدنيا، وعدم المبالاة به. ثم إن العلم قد يكون موجودا وهو معدوم، وذلك فيما إذا كثر القراء الذين يقرءون العلم ولا يعملون به، وقل الفقهاء الذين يعملون به; فبهذا يصبح العلم عديم الفائدة ووجوده كعدمه، بل إن في وجوده ضررا على الأمة; لأن العامة إذا رأوا من ينتسب إليه ساكتا غير عامل بما علم; ظنوا أن ما عليه الناس حق. فضرر العلم الذي لا ينفع أشد من ضرر الجهل، وإذا وجد الجهل; فإن الناس قد يطلبون العلم ويتلمسونه.
الخلاصة للباب:
بيان أن الغلو في الصالحين من أسباب الكفر وليس هو السبب الوحيد للكفر. وأن خطر الغلو عظيم ونتائجه وخيمة; فالواجب تنزيل الصالحين منازلهم; فلا يستوي الصالح والفاسد، بل ينزل كل منزلته، ولكن لا نتجاوز به المنزلة فنغلو فيه; فدين الله وسط لا يعطي الإنسان أكثر مما يستحق، ولا يسلبه ما يستحق، وهذا هو العدل.
س١: ما الفرق بين التنطع، والغلو، والاجتهاد؟
الجواب: الغلو مجاوزة الحد. والتنطع معناه: التشدق بالشيء والتعمق فيه، وهو من أنواع الغلو.
أما الاجتهاد; فإنه بذل الجهد لإدراك الحق، وليس فيه غلو إلا إذا كان المقصود بالاجتهاد كثرة التّقرب غير المشروع; فقد تؤدي إلى الغلو، فلو أن الإنسان مثلا أراد أن يقوم الليل ولا ينام، وأن يصوم النهار ولاстр. 385
.......................................................................
الحواشي
(١) يفطر، وأن يعتزل ملاذ الدنيا كلها; فلا يتزوج ولا يأكل اللحم ولا الفاكهة وما أشبه ذلك، فإن هذا من الغلو، وإن كان الحامل على ذلك الاجتهاد والبر، ولكن هذا خلاف هدي النبي ﷺ
س٢: ما حكم الذهاب إلى قبور الصالحين لقراءة الفاتحة؟
الجواب: هذا من البدع، وسواء قلنا يصل الثواب أو لا يصل; فكونك تتخذ القراءة عند القبر خاصة هذا من البدع. وإنما اختلف السلف فيما إذا قرئت الفاتحة عند الميت بعد دفنه مباشرة أو غيرها من القرآن. والصحيح أيضا أنه ليس بسنة، والسنة أن تستغفر له وتسأل له التثبيت.стр. 386
باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح; فكيف إذا عبده ؟!
في الصحيح عن عائشة; أن أم سلمة ذكرت لرسول الله ﷺ كنيسة رأتها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال:
الحواشي
(١) قوله: "التغليظ": التشديد.
قوله: "من عبد الله عند قبر رجل صالح": أي: عمل عملا تعبد لله به من قراءة أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك.
قوله: "فكيف إذا عبده؟ ": أي: يكون أشد وأعظم، وذلك لأن المقابر والقبور للصالحين أو من دونهم من المسلمين أهلها بحاجة إلى الدعاء; فهم يزارون لينفعوا لا لينتفع بهم إلا باتباع السنة في زيارة المقابر، والثواب الحاصل بذلك، لكن هذا ليس انتفاعا بأشخاصهم، بل انتفاع بعمل الإنسان نفسه بما أتى به من السنة. فالزيارة التي يقصد منها الانتفاع بالأموات زيارة بدعية. والزيارة التي يقصد بها نفع الأموات والاعتبار بحالهم زيارة شرعية.
قوله: "في الصحيح": أي: "الصحيحين"، وقد سبق الكلام على مثل هذه العبارة في باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله (ص ١٥٧) .
قوله: " أم سلمة ": كانت ممن هاجر مع زوجها إلى أرض الحبشة، ولما توفي زوجها أبو سلمة تزوجها النبي ﷺ وأخبرته وهو في مرض موته بما رأت ; كما في "الصحيح".
قولها: "من الصور" الظاهر أن هذه الصور صور مجسمة وتماثيل منصوبة.стр. 387
" أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح; بنوا على قبره مسجدا، وصوروا فيه تلك الصور،.....................................
الحواشي
(١) قوله: "أولئك": المشار إليهم نصارى الحبشة، ويحتمل أن يراد من فعلوا هذه الأفعال أيا كانوا.
وقوله: "أولئك" يجوز في الكاف الكسر إذا كان الخطاب لأم سلمة، والفتح إذا كان الخطاب باعتبار الجنس. وقد ذكر العلماء أن في كاف الخطاب المتصل باسم الإشارة ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يكون مطابقا للمخاطب المفرد للمفرد والمثنى للمثنى والجمع للجمع، مذكرا كان أم مؤنثا.
الوجه الثاني: الفتح مطلقا.
الوجه الثالث: الكسر للمؤثث مطلقا، والفتح للمذكر مطلقا. وأشهرها: أن يكون مطابقا للمخاطب، ثم الفتح مطلقا، ثم الفتح للمذكر، والكسر للمؤنث.
قوله: "الرجل الصالح أو العبد الصالح ": أو: شك من الراوي.
قوله: " بنوا على قبره ": أي: قبر ذلك الرجل الصالح.
قوله: "صوروا فيه تلك الصور": أي: التي رأت، والأقرب أنها صورة ذلك الرجل الصالح، وربما أنهم يضيفون إلى صورته صورة بعض الصالحين، وربما تكون الصور على أحجام مختلفة، فتجتمع منها صور كثيرة.стр. 388
أولئك شرار الخلق عند الله "١.
فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين٢ فتنة القبور، وفتنة التماثيل.
ولهما عنها;
الحواشي
(١) قوله: " أولئك شرار الخلق عند الله ": لأن عملهم هذا وسيلة إلى الكفر والشرك، وهذا أعظم الظلم وأشده، فما كان وسيلة إليه; فإن صاحبه جدير بأن يكون من شرار الخلق عند الله .
قوله: "فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور، وفتنة التماثيل": هذا من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
قوله: "فتنة القبور"; لأنهم بنوا المساجد عليها.
قوله: "فتنة التماثيل"; لأنهم صوروا فجمعوا بين فتنتين، وإنما سمي ذلك فتنة; لأنها سبب لصد الناس عن دينهم، وكل ما كان كذلك، فإنه من الفتنة، قال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ٤، أي: صدوهم، أو فعلوا ما يصدونهم به عن دين الله.
قوله: "ولهما عنها": الضمير يعود على البخاري ومسلم، وإن لم يسبق لهما ذكر، لكنه لما كان ذلك مصطلحا معروفا; صح أن يعود الضمير عليهما، وهما لم يذكرا اعتمادا على المعروف المعهود.
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الصلاة, باب هل تنبش قبور مشركي الجاهلية, ١/١٥٥) , ومسلم (كتاب المساجد, باب النهي عن بناء المساجد على القبور, ١/٣٧٥) .
٢ وفي نسخة: "فتنتين".
٣ سورة آية: ١-٢.
٤ سورة البروج آية: ١٠.стр. 389
قالت: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها; كشفها، فقال وهو كذلك: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١.
الحواشي
(٤٣٦) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة(٥٣١) , والنسائي: المساجد(٧٠٣) , وأحمد (١/٢١٨ ,٦/٣٤ ,٦/٨٠ ,٦/١٢١ ,٦/١٤٦ ,٦/٢٥٢ ,٦/٢٥٥) , والدارمي: الصلاة(١٤٠٣) .стр. 390
يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك; أبرز قبره; غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا. أخرجاه١.
الحواشي
(٣٩٠) , وابن ماجه نحوه (كتاب الجنائز, باب ما ذكر في وفاته ودفنه ﷺ , ١/٥٢١) . وقال الحافظ في "الفتح" (١/٥٢٩) : "إسناده صحيح لكته موقوف".
٣ "صحيح البخاري" (كتاب الجنائز, باب ما جاء في قبر النبي ﷺ , ١/٤٢٧) .следующие страницы →