Полный текст (1 122 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
.......................................................................
الحواشي
(١) وهل يدخل في اتخاذ السرج على المقابر ما لو وضع فيها مصابيح كهرباء لإنارتها؟
الجواب: أما في المواطن التي لا يحتاج الناس إليها، كما لو كانت المقبرة واسعة وفيها موضع قد انتهى الناس من الدفن فيه; فلا حاجة إلى إسراجه، فلا يسرج، أما الموضع الذي يقبر فيه فيسرج ما حوله; فقد يقال بجوازه; لأنها لا تسرج إلا بالليل; فليس في ذلك ما يدل على تعظيم القبر، بل اتخذ الإسراج للحاجة.
ولكن الذي نرى أنه ينبغي المنع مطلقا للأسباب الآتية:
١. أنه ليس هناك ضرورة.
٢. أن الناس إذا وجدوا ضرورة لذلك; فعندهم سيارات يمكن أن يوقدوا الأنوار التي فيها ويتبين لهم الأمر، ويمكنهم أن يحملوا سراجا معهم.
٣. أنه إذا فتح هذا الباب; فإن الشر سيتسع في قلوب الناس ولا يمكن ضبطه فيما بعد، فلو فرضنا أنهم جعلوا الإضاءة بعد صلاة الفجر ودفنوا الميت; فمن الذي يتولى قفل هذه الإضاءة؟ الجواب: قد تترك، ثم يبقى كأنه متخذ عليها السرج; فالذي نرى أنه يمنع نهائيا. أما إذا كان في المقبرة حجرة يوضع فيها اللبن ونحوه; فلا بأس بإضاءتها لأنها بعيدة عن القبور، والإضاءة داخلة لا تشاهد; فهذا نرجو أن لا يكون به بأس.
والمهم أن وسائل الشرك يجب على الإنسان أن يبتعد عنها ابتعادا عظيما، ولا يقدر للزمن الذي هو فيه الآن، بل يقدر للأزمان البعيدة; فالمسألة ليست هينة.стр. 422
.......................................................................
الحواشي
(١) وفي الحديث ما يدل على تحريم زيارة النساء للقبور وأنها من كبائر الذنوب، والعلماء اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: تحريم زيارة النساء للقبور، بل إنها من كبائر الذنوب; لهذا الحديث.
القول الثاني: كراهة زيارة النساء للقبور كراهة لا تصل إلى التحريم، وهذا هو المشهور من مذهب أحمد عن أصحابه; لحديث أم عطية: " نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا "١.
القول الثالث: أنها تجوز زيارة النساء للقبور; لحديث المرأة التي مر النبي ﷺ بها وهي تبكي عند قبر، فقال لها: " اتقي الله واصبري فقالت له: إليك عني; فإنك لم تصب بمثل مصيبتي فانصرف الرسول ﷺ عنها، فقيل لها: هذا رسول الله ﷺ فجاءت إليه تعتذر; فلم يقبل عذرها، وقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى "٢ فالنبي ﷺ شاهدها عند القبر ولم ينهها عن الزيارة، وإنما أمرها أن تتقي الله وتصبر. ولما ثبت في "صحيح مسلم٣ " من حديث عائشة الطويل، وفيه: أن النبي ﷺ خرج إلى أهل البقيع في الليل، واستغفر لهم ودعا لهم، وأن جبريل أتاه في الليل وأمره، فخرج ﷺ مختفيا عن عائشة، وزار ودعا ورجع، ثم أخبرها الخبر; فقالت: ما أقول لهم يا رسول الله؟ قال: " قولي: السلام
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الجنائز, باب اتباع النساء للجنائز, ١/٣٩٤) , ومسلم (كتاب الجنائز, باب نهي النساء عن اتباع الجنائز, ٢/٦٤٦) .
٢ من حديث أنس, رواه: البخاري (كتاب الجنائز, باب زيارة القبور, ١/٣٩٥) , ومسلم (كتاب الجنائز, باب في الصبر على المصيبة عند الصدمة الأولى, ٢/٦٣٧) .
٣ في (كتاب الجنائز, باب ما يقال عند دخول القبور, ٢/٦٦٩) .стр. 423
.......................................................................
الحواشي
(١) عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ... " إلخ. قالوا: فعلمها النبي ﷺ دعاء زيارة القبور، وتعليمه هذا دليل على الجواز. ورأيت قولا رابعا: أن زيارة النساء للقبور سنة كالرجال; لقوله ﷺ " كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة "١ وهذا عام للرجال والنساء. ولأن عائشة ﵂ زارت قبر أخيها، فقال لها عبد الله بن أبي مليكة: أليس النبي ﷺ قد نهى عن زيارة القبور؟ قالت: إنه أمر بها بعد ذلك٢. وهذا دليل على أنه منسوخ.
والصحيح القول الأول، ويجاب عن أدلة الأقوال الأخرى: بأن الصريح منها غير صحيح، والصحيح غير صريح; فمن ذلك:
أولا: دعوى النسخ غير صحيحة; لأنها لا تقبل إلا بشرطين:
١. تعذر الجمع بين النصين، والجمع هنا سهل وليس بمتعذر; لأنه يمكن أن يقال: إن الخطاب في قوله: " كنت نهيتكم عن زيارة القبور; فزوروها " للرجال، والعلماء اختلفوا فيما إذا خوطب الرجال بحكم: هل يدخل فيه النساء أو لا؟ وإذا قلنا بالدخول - وهو الصحيح -; فإن دخولهن في هذا الخطاب من باب دخول أفراد العام في العموم، وعلى هذا يجوز أن يخصص بعض أفراد العام بحكم يخالف العام، وهنا نقول: قد خص النبي ﷺ النساء من هذا الحكم، فأمره بالزيارة للرجل فقط; لأن
_________
١ من حديث بريدة, رواه: مسلم (كتاب الجنائز, باب استئذان النبي ﷺ ربه في زيارة قبر أمه, ٢/٦٧٢) .
٢ رواه: الحاكم (١/٣٧٦) , والبيهقي (٤/٧٨) . وصححه الذهبي, وقال العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٤١٨) : "رواه ابن أبي الدنيا في القبور والحاكم بإسناد جيد":.стр. 424
.......................................................................
الحواشي
(٣٣٢٦) , ومسلم: الجنة وصفة نعيمها وأهلها(٢٨٤١) , وأحمد (٢/٣١٥) .стр. 425
.......................................................................
الحواشي
(١) خرجت زائرة؟ فهو محتمل; فليس فيه تصريح بأنها إذا خرجت زائرة; إذ من الممكن أن يراد به إذا مرت بها من غير خروج للزيارة، وإذا كان ليس صريحا; فلا يعارض الصريح. وأما فعلها مع أخيها ﵄; فإن فعلها مع أخيها لم يستدل عليها عبد الله بن أبي مليكة بلعن زائرات القبور، وإنما استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور مطلقا; لأنه لو استدل عليها بالنهي عن زيارة النساء للقبور أو بلعن زائرات القبور; لكنا ننظر بماذا ستجيبه. فهو استدل عليها بالنهي عن زيارة القبور، ومعلوم أن النهي عن زيارة القبور كان عاما، ولهذا أجابته بالنسخ العام، وقالت: إنه قد أمر بذلك، ونحن وإن كنا نقول: إن عائشة ﵂ استدلت بلفظ العموم; فهي كغيرها من العلماء لا يعارض بقولها قول الرسول ﷺ على أنه روي عنها; أنها قالت: " لو شهدتك ما زرتك ١ "، وهذا دليل على أنها ﵂ خرجت لتدعو له; لأنها لم تشهد جنازته، لكن هذه الرواية طعن فيها بعض العلماء، وقال: إنها لا تصح عن عائشة ﵂، لكننا نبقى على الرواية الأولى الصحيحة; إذ ليس فيها دليل على أن الرسول ﷺ نسخه، وإذا فهمت هي; فلا يعارض بقولها قول الرسول ﷺ
إشكال وجوابه:
في قوله: "زوارات القبور" ألا يمكن أن يحمل النهي على تكرار الزيارة لأن "زوارات" صيغة مبالغة؟
_________
١ رواه: ابن أبي شيبة (٣/٣٤٣) , والترمذي (الجنائز, باب زيارة النساء القبور, ٤/١١) . وفيه عنعنة ابن جريج, وهو مدلس; كما في "الجنائز" للألباني (ص ١٨٢) , وذكر ابن القيم في "تهذيب السنن" (٤/٣٥٠) : "أنه هو المحفوظ".стр. 426
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الأوثان.
الثانية: تفسير العبادة.
الثالثة: أنه ﷺ لم يستعذ إلا مما يخاف وقوعه.
الحواشي
(٤١٦) .
٤ مالك: النداء للصلاة(٤١٦) .стр. 427
الرابعة: قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد.
الخامسة: ذكر شدة الغضب من الله.
السادسة: وهي من أهمها: معرفة صفة عبادة اللات التي هي من أكبر الأوثان.
السابعة: معرفة أنه قبر رجل صالح.
الثامنة: أنه اسم صاحب القبر، وذكر معنى التسمية.
الحواشي
(٤١٦) .
٢ مر سابفا (ص ٣٣٢) .стр. 428
التاسعة: لعنه زوارات القبور.
العاشرة: لعنه من أسرجها.
الحواشي
(١) التاسعة: لعنه زوارات القبور: أي: النبي ﷺ وذكر ﵀ لفظ: "زوارات القبور" مراعاة للفظ الآخر.
العاشرة: لعنه من أسرجها: وذلك في قوله: " والمتخذين عليها المساجد والسرج ". وهنا مسألة مهمة لم تذكر، وهي: أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا كما في قبر اللات، وهذه من أهم الوسائل، ولم يذكرها المؤلف ﵀، ولعله اكتفى بالترجمة عن هذه المسألة بما حصل للات، فإذا قيل بذلك; فله وجه.
مسألة: المرأة إذا ذهبت للروضة في المسجد النبوي لتصلي فيها، فالقبر قريب منها، فتقف وتسلم، ولا مانع فيه. والأحسن البعد عن الزحام ومخالطة الرجال، ولئلا يظن من يشاهدها أن المرأة يجوز لها قصد الزيارة; فيقع الإنسان في محذور، وتسليم المرء على النبي ﷺ يبلغه حيث كان.стр. 429
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله
...
اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد "١.
الحواشي
(١٠٢٥) وأبو نعيم في "الحلية" (٦/٢٨٣, ٧/ ٣١٧) عن أبي هريرة. وصححه البزار وابن عبد البر; كما في "تنوير الحوالك" (١/١٨٦) , و "شرح الزرقاني" (١/ ٣٥١) .
٢ البخاري: الصلاة(٤٣٦) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة(٥٣١) , والنسائي: المساجد(٧٠٣) , وأحمد (١/٢١٨ ,٦/٣٤ ,٦/٨٠ ,٦/١٢١ ,٦/١٤٦ ,٦/٢٥٢ ,٦/٢٥٥ ,٦/٢٧٤) , والدارمي: الصلاة(١٤٠٣) .стр. 430
باب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك
........................................................................
الحواشي
(١) قوله: "المصطفى": أصلها: المصتفى، من الصفوة، وهو خيار الشيء; فالنبي ﷺ أفضل المصطفين لأنه أفضل أولي العزم من الرسل، والرسل هم المصطفون، والمراد به: محمد ﷺ والاصطفاء على درجات أعلاها اصطفاء أولي العزم من الرسل، ثم اصطفاء الرسل، ثم اصطفاء الأنبياء، ثم اصطفاء الصديقين، ثم اصطفاء الشهداء، ثم اصطفاء الصالحين.
قوله: "حماية": من حمى الشيء، إذا جعل له مانعا يمنع من يقرب حوله، ومنه حماية الأرض عن الرعي فيها، ونحو ذلك.
قوله: "جناب": بمعنى جانب، والتوحيد: تفعيل من الوحدة، وهو إفراد الله تعالى بما يجب له من الربوبية والألوهية والأسماء والصفات.
قوله: "وسده كل طريق": أي: مع الحماية لم يدع الأبواب مفتوحة يلج إليها من شاء، ولكنه سد كل طريق يوصل إلى الشرك; لأن الشرك أعظم الذنوب، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ١.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشرك الأصغر لا يغفره الله; لعموم قوله: "أن يشرك به"، وعلى هذا; فجميع الذنوب دونه لقوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا
_________
١ سورة النساء آية: ٤٨.стр. 431
وقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ؛ فيشمل كبائر الذنوب وصغائرها; فالشرك ليس بالأمر الهين الذي يتهاون به، فالشرك يفسد القلب والقصد، وإذا فسد القصد فسد العمل; إذ العمل مبناه على القصد، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٢، وقال ﷺ : " إنما الأعمال بالنيات "٣.
إذا; فالرسول ﷺ حمى جانب التوحيد حماية محكمة، وسد كل طريق يوصل إلى الشرك ولو من بعيد; لأن من سار على الدرب وصل، والشيطان يزين للإنسان أعمال السوء شيئا فشيئا حتى يصل إلى الغاية.
قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم، واللام، وقد، وهي مؤكدة لجميع مدخولها بأنه رسول، وأنه من أنفسهم، وأنه عزيز عليه ما يشق علينا، وأنه بالمؤمنين رءوف رحيم; فالقسم منصب على كل هذه الأوصاف الأربعة.
والخطاب في قوله: "جاءكم" قيل: للعرب; لقوله: "من أنفسكم" ; فالرسول ﷺ من العرب، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ٤ ويحتمل أن يكون عاما للأمة كلها، ويكون المراد بالنفس هنا الجنس; أي: ليس من الجن ولا الملائكة، بل
_________
١ سورة التوبة آية: ١٢٨.
٢ سورة آية: ١٥-١٦.
٣ أخرجه: البخاري في (بدء الوحي, برقم ١) , ومسلم في (الإمارة, ٣/١٥١٥) .
٤ سورة الجمعة آية: ٢.стр. 432
.......................................................................
الحواشي
(١) هو من جنسكم; كما قال تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من نفس واحدة﴾ ١.
وعلى الاحتمال الأول فيه إشكال; لأن النبي ﷺ بعث إلى جميع الناس من العرب والعجم. ولكن يقال في الجواب: إنه خوطب العرب بهذا; لأن منة الله عليهم به أعظم من غيرهم، حيث كان منهم، وفي هذا تشريف لهم بلا ريب.
والاحتمال الثاني أولى; للعموم، ولقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ٢ ولما كان المراد العرب، قال: "منهم" لا "من أنفسهم"، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ٣ وقال تعالى عن إبراهيم وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ﴾ ٤ وعلى هذا، فإذا جاءت "من أنفسهم"; فالمراد: عموم الأمة، وإذا جاءت "منهم"; فالمراد: العرب; فعلى الاحتمال الثاني لا إشكال في الآية.
قوله: "رسول": أي: من الله كما قال تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفاً مُطَهَّرَةً﴾ ٥ وفعول هنا بمعنى مفعل; أي: مرسل.
و"من أنفسكم": سبق الكلام فيها.
قوله: "عزيز": أي: صعب; لأن هذه المادة العين والزاي في اللغة العربية تدل على الصلابة، ومنه: "أرض عزاز"; أي: صلبة قوية، والمعنى: أنه يصعب عليه ما يشق عليكم، ولهذا بعث بالحنيفية السمحة، وما خير بين شيئين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، وهذا من التيسير الذي بعث به الرسول ﷺ
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٨٩.
٢ سورة آل عمران آية: ١٦٤.
٣ سورة الجمعة آية: ٢.
٤ سورة البقرة آية: ١٢٩.
٥ سورة البينة آية: ٢.стр. 433
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "ما عنتم": "ما": مصدرية، وليست موصولة; أي: عنتكم; أي: مشقتكم; لأن العنت بمعنى المشقة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ ١ أي: المشقة.
والفعل بعد "ما" يؤول إلى مصدر مرفوع، لكن بماذا هو مرفوع؟ يختلف باختلاف "عزيز" إذا قلنا: بأن "عزيز" صفة لرسول; صار المصدر المؤول فاعلا به; أي: عزيز عليه عنتكم، وإن قلنا: عزيز خبر مقدم; صار عنتكم مبتدأ، والجملة حينئذ تكون كلها صفة لرسول، أو يقال: عزيز مبتدأ، وعنتكم فاعل سد مسد الخبر على رأي الكوفيين الذي أشار إليه ابن مالك في قوله:
.....................وقد يجوز نحو فائز أولو الرشد.
قوله: "حريص عليكم": الحرص: بذل الجهد لإدراك أمر مقصود، والمعنى: باذل غاية جهده في مصلحتكم; فهو جامع بين أمرين: دفع المكروه الذي أفاده قوله: ﴿﴾ وحصول المحبوب الذي أفاده قوله: "حريص عليكم" ; فكان النبي ﷺ جامعا بين هذين الوصفين، وهذا من نعمة الله علينا وعلى الرسول ﷺ أن يكون على هذا الخلق العظيم الممثل بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ " بالمؤمنين": جار ومجرور خبر مقدم، و "رءوف": مبتدأ مؤخر، و "رحيم": مبتدأ ثان، وتقديم الخبر يفيد الحصر. والرأفة: أشد الرحمة وأرقها. والرحمة: رقة بالقلب تتضمن الحنو على المرحوم والعطف عليه بجلب الخير له ودفع الضرر عنه.
وقولنا: رقة في القلب هذا باعتبار المخلوق، أما بالنسبة لله تعالى; فلا نفسرها بهذا التفسير; لأن الله تعالى ليس كمثله شيء، ورحمة الله
_________
١ سورة النساء آية: ٢٥.
٢ سورة القلم آية: ٤.стр. 434
.......................................................................
الحواشي
(١) أعظم من رحمة المخلوق لا تدانيها رحمة المخلوق ولا تماثلها; فقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " إن لله مئة رحمة وضع منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلق منذ خلقوا إلى يوم القيامة، حتى إن الدابة لترفع حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه "١. فمن يحصي هذه الرحمة التي في الخلائق منذ خلقوا إلى يوم القيامة كمية؟ ومن يستطيع أن يقدرها كيفية؟ لا أحد يستطيع إلا الله عزوجل الذي خلقها؟ فهذه رحمة واحدة، فإذا كان يوم القيامة رحم الخلق بتسع وتسعين رحمة بالإضافة إلى الرحمة الأولى، وهل هذه الرحمة تدانيها رحمة المخلوق؟ الجواب: أبدا، لا تدانيها، والقدر المشترك بين رحمة الخالق ورحمة المخلوق أنها صفة تقتضي الإحسان إلى المرحوم، ورحمة الخالق غير مخلوقة; لأنها من صفاته، ورحمة المخلوق مخلوقة; لأنها من صفاته; فصفات الخالق لا يمكن أن تنفصل عنه إلى مخلوق لأننا لو قلنا بذلك لقلنا بحلول صفات الخالق بالمخلوق، وهذا أمر لا يمكن; لأن صفات الخالق يتصف بها وحده، وصفات المخلوق يتصف بها وحده، لكن صفات الخالق لها آثار تظهر في المخلوق، وهذه الآثار هي الرحمة التي نتراحم بها.
قوله: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ،أي: إن النبي ﷺ في غير المؤمنين ليس رءوفا ولا رحيما، بل هو شديد عليهم كما وصفه الله هو وأصحابه بذلك في قوله ﷺ : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ٢.
قوله: "فإن تولوا": أي: أعرضوا مع هذا البيان الواضح بوصف
_________
١ من حديث أبي هريرة. رواه: "البخاري" (كتاب الأدب, باب جعل الله الرحمة في مئة جزء, ٤/٩١) , و "مسلم" (كتاب التوبة, باب في سعة رحمة الله, رقم ٢٧٥٢, ٢٧٥٣, ٤/٢١٠٨) .
٢ سورة الفتح آية: ٢٩.стр. 435
.......................................................................
الحواشي
(١) الرسول ﷺ وهذا التفات من الخطاب إلى الغيبة; لأن التولي مع هذا البيان مكروه، ولهذا لم يخاطبوا به; فلم يقل: فإن توليتم. والبلاغيون يسمونه التفاتا، ولو قيل: إنه انتقال; لكان أحسن!
قوله: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الخطاب للنبي ﷺ أي: قل ذلك معتمدا على الله، متوكلا عليه، معتصما به: حسبي الله، وارتباط الجواب بالشرط واضح، أي: فإن أعرضوا; فلا يهمنك إعراضهم، بل قل بلسانك وقلبك: حسبي الله، و "" خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر ويجوز العكس بأن نجعل: " مبتدأ ولفظ الجلالة خبراً، لكن لما كانت حسب نكرة لا تتعرف بالإضافة; كان الأولى أن نجعلها هي الخبر.
قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ١ أي: لا معبود حق حقيق بالعبادة سوى الله عزوجل
قوله: "عليه توكلت": عليه: جار ومجرور متعلق بتوكلت، وقدم للحصر. والتوكل: هو الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب النافعة.
وقوله: "عليه توكلت" مع قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ﴾ ٢ فيها جمع بين توحيدي الربوبية والعبودية، والله تعالى يجمع بين هذين الأمرين كثيرا كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ٣ [الفاتحة: ٥] ، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ ٤.
قوله: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٥ الضمير يعود على الله - سبحانه -.
و"رب العرش" ; أي: خالقه، وإضافة الربوبية إلى العرش وإن كانت ربوبية الله عامة، تشريف للعرش وتعظيم له. ومناسبة التوكل لقوله:
_________
١ سورة البقرة آية: ١٦٣.
٢ سورة البقرة آية: ١٦٣.
٣ سورة الفاتحة آية: ٥.
٤ سورة هود آية: ١٢٣.
٥ سورة التوبة آية: ١٢٩.стр. 436
.......................................................................
الحواشي
(١) ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ١ لأن من كان فوق كل شيء ولا شيء فوقه; فإنه لا أحد يغلبه، فهو جدير بأن يتوكل عليه وحده.
وقوله: "العرش" فسره بعض الناس بالكرسي، ثم فسروا الكرسي بالعلم، وحينئذ لا يكون هناك كرسي ولا عرش، وهذا التفسير باطل، والصحيح أن العرش غير الكرسي، وأن الكرسي غير العلم، ولا يصح تفسيره بالعلم، بل الكرسي من مخلوقات الله العظيمة الذي وسع السماوات والأرض، والعرش أعظم وأعظم، ولهذا وصفه بأنه عظيم بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ ٢ وبأنه مجيد بقوله: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ٣ على قراءة كسر الدال، وبأنه كريم في قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ ٤ لأنه أعظم المخلوقات التي بلغنا علمها وأعلاها لأن الله استوى عليه. وفيه دليل على أن كلمة العظيم يوصف بها المخلوق; لأن العرش مخلوق، وكذلك الرحيم، والرءوف، والحكيم.
ولا يلزم من اتفاق الاسمين اتفاق المسميين، فإذا كان الإنسان رءوفا; فلا يلزم أن يكون مثل الخالق، فلا تقل: إذا كان الإنسان سميعا بصيرا عليما لزم أن يكون مثل الخالق; لأن الله سميع بصير عليم، كما أن وجود الباري سبحانه لا يستلزم أن تكون ذاته كذوات الخلق; فإن أسماءه كذلك لا يستلزم أن تكون كأسماء الخلق، وهناك فرق عظيم بين هذا وهذا.
وقوله: ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: كافيني، وهكذا يجب أن يعلن المؤمن اعتماده على ربه، ولا سيما في مثل هذا المقام الذي يتخلى الناس عنه; لأنه قال: "فإن تولوا". وهذه الكلمة - كلمة الحسب - تقال في
_________
١ سورة التوبة آية: ١٢٩.
٢ سورة التوبة آية: ١٢٩.
٣ سورة البروج آية: ١٥.
٤ سورة المؤمنون آية: ١١٦.стр. 437
عن أبي هريرةرضي الله عنهقال: قال رسول الله ﷺ " لا تجعلوا بيوتكم قبورا،..
الحواشي
(١) الشدائد، قالها إبراهيم حين ألقي في النار، والنبي ﷺ وأصحابه حين قيل لهم: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ١.
(تنبيه) : في سياقنا للآية الثانية فوائد نسأل الله أن ينفع بها.
قوله: "لا تجعلوا": الجملة هنا نهي; فلا ناهية، والفعل مجزوم وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
قوله: "بيوتكم": جمع بيت، وهو مقر الإنسان وسكنه، سواء كان من طين أو حجارة أو خيمة أو غير ذلك، وغالب ما يراد به الطين والحجارة.
قوله: "قبورا": مفعول ثان لتجعلوا، وهذه الجملة اختلف في معناها; فمنهم من قال: لا تجعلوها قبورا; أي: لا تدفنوا فيها، وهذا لا شك أنه ظاهر اللفظ، ولكن أورد على ذلك دفن النبي ﷺ في بيته.
وأجيب عنه بأنه من خصائصه ﷺ فالنبي ﷺ دفن في بيته لسببين:
١- ما روي عن أبي بكر أنه سمع النبي ﷺ يقول: " ما من نبي يموت إلا دفن حيث قبض "٢ وهذا ضعفه بعض العلماء.
٢- ما روته عائشة ﵂: " أنه خشي أن يتخذ مسجدا "٣.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٧٣.
٢ سبق (ص ٣٩٧) .
٣ سبق (ص ٣٩٧) .стр. 438
.......................................................................
الحواشي
(٢٦٧٩) والمناقب(٣٨٣٦) والأدب(٦١٠٨) والأيمان والنذور(٦٦٤٦) والتوحيد(٧٤٠١) , ومسلم: الأيمان(١٦٤٦) , والترمذي: النذور والأيمان(١٥٣٤) , والنسائي: الأيمان والنذور(٣٧٦٤) , وأبو داود: الأيمان والنذور(٣٢٤٩) , وأحمد (٢/١١ ,٢/١٧ ,٢/٢٠ ,٢/٧٦ ,٢/٩٨ ,٢/١٤٢) , ومالك: النذور والأيمان(١٠٣٧) , والدارمي: النذور والأيمان(٢٣٤١) .
٢ سبق (ص ٤٣١) .стр. 439
ولا تجعلوا قبري عيدا،..................................................
الحواشي
(١) الشاهد من الحديث للباب; لأن اتخاذ المقابر مساجد سبب قريب جدا للشرك.
واتخاذها مساجد سبق أن له مرتبتين:
الأولى: أن يبني عليها مسجدا.
الثانية: أن يتخذها مصلى يقصدها ليصلي عندها.
والحديث يدل على أن الأفضل: أن المرء يجعل من صلاته في بيته وذلك جميع النوافل; لقوله ﷺ " أفضل صلاة المرء في بيته; إلا المكتوبة "١ إلا ما ورد الشرع أن يفعل في المسجد، مثل: صلاة الكسوف، وقيام الليل في رمضان، حتى ولو كنت في المدينة النبوية; لأن النبي ﷺ قال ذلك وهو في المدينة، وتكون المضاعفة بالنسبة للفرائض أو النوافل التي تسن لها الجماعة.
قوله: "عيدا": العيد: اسم لما يعتاد فعله، أو التردد إليه، فإذا اعتاد الإنسان أن يعمل عملا كما لو كان كلما حال عليه الحول صنع طعاما ودعا الناس; فهذا يسمى عيدا لأنه جعله يعود ويتكرر.
وكذلك من العيد: أن تعتاد شيئا فتتردد إليه، مثل: ما يفعل بعض الجهلة في شهر رجب وهو ما يسمى بالزيارة الرجبية، حيث يذهبون من مكة إلى المدينة، ويزورون كما زعموا قبر النبي ﷺ وإذا أقبلوا على المدينة تسمع لهم صياحا، وكانوا سابقا يذهبون من مكة إلى المدينة على الحمير خاصة، ولما جاءت السيارات صاروا يذهبون على السيارات.
وأيهما المراد من كلام النبي ﷺ الأول; أي العمل الذي يتكرر
_________
١ من حديث زيد بن ثابت, رواه: البخاري (كتاب الأذان, باب صلاة الليل, ١/٢٣٩) , ومسلم (كتاب صلاة المسافرين, باب استحباب صلاة النافلة في بيته, ١/٥٣٩) .стр. 440
وصلوا علي ;...........................................................
الحواشي
(١) بتكرر العام، أو التردد إلى المكان؟ الظاهر الثاني، أي: لا تترددوا على قبري وتعتادوا ذلك، سواء قيدوه بالسنة أو بالشهر أو بالأسبوع; فإنه ﷺ نهى عن ذلك، وإنما يزار لسبب، كما لو قدم الإنسان من سفر، فذهب إلى قبره فزاره، أو زاره ليتذكر الآخرة كغيره من القبور.
وما يفعله بعض الناس في المدينة كلما صلى الفجر ذهب إلى قبر النبي ﷺ من أجل السلام عليه، فيعتاد هذا كل فجر، يظنون أن هذا مثل زيارته في حياته; فهذا من الجهل، وما علموا أنهم إذا سلموا عليه في أي مكان; فإن تسليمهم يبلغه.
قوله: " وصلوا علي ": هذا أمر، أي: قولوا: اللهم صل على محمد، وقد أمر الله بذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ١.
وفضل الصلاة على النبي ﷺ معروف، ومنه أن من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشرا٢. والصلاة من الله على رسوله ليس معناها كما قال بعض أهل العلم: إن الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة الاستغفار، ومن الآدميين الدعاء. فهذا ليس بصحيح، بل إن صلاة الله على المرء ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، كما قال أبو العالية وتبعه على ذلك المحققون من أهل العلم. ويدل على بطلان القول الأول قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ ٣ فعطف الرحمة على الصلوات، والأصل في العطف المغايرة، ولأن الرحمة تكون لكل أحد، ولهذا أجمع العلماء على أنه يجوز أن تقول: فلان ﵀،
_________
١ سورة الأحزاب آية: ٥٦.
٢ أخرجه: مسلم في (الصلاة, باب استحباب القول مثل قول المؤذن لمن سمعه, ١/٢٨٨) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
٣ سورة البقرة آية: ١٥٧.стр. 441
فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ".
رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات١.
الحواشي
(١) واختلفوا: هل يجوز أن تقول: فلان صلى الله عليه؟ فمن صلى على محمد ﷺ مرة أثنى الله عليه في الملأ الأعلى عشر مرات، وهذه نعمة كبيرة.
قوله: "فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم ": حيث: ظرف مبني على الضم في محل نصب، ويقال فيها: حيث، وحوث، وحاث، لكنها قليلة.
كيف تبلغه الصلاة عليه؟
الجواب: نقول: إذا جاء مثل هذا النص وهو من أمور الغيب; فالواجب أن يقال: الكيف مجهول لا نعلم بأي وسيلة تبلغه، لكن ورد عن النبي ﷺ " أن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني من أمتي السلام "٢ فإن صح; فهذه هي الكيفية.
قوله: "رواه أبو داود بإسناد حسن، ورواته ثقات": هذا التعبير من الناحية الاصطلاحية، ظاهره أن بينهما اختلافا، ولكننا نعرف أن الحسن: هو أن يكون الراوي خفيف الضبط; فمعناه أن فيه نوعا من الثقة، فيجمع بين كلام المؤلف ﵀ وبين ما ذكره عن رواية أبي داود بإسناد حسن:
_________
١ رواه: أحمد (٢/٣٦٧) , وأبو داود (كتاب المناسك, باب زيارة القبور, ٢/٥٣٤) وسكت عنه. وصححه النووي في "الأذكار" (ص ٩٣) , وقال شيخ الإسلام في "الاقتضاء" (ص ٣٢١) : "إسناده حسن, ورواته ثقات مشاهير, لكن عبد الله بن نافع الصائغ الفقيه صاحب مالك فيه لين, لا يقدح في حديثه". وحسنه ابن حجر في "تخريج الأذكار"; كما في الفتوحات الربانية" (٣/٣١٣) .
٢ رواه: أحمد في "المسند" (١/٣٨٧) , والنسائي (كتاب السهو, باب السلام على النبي ﷺ , ٣/٤٣) وغيرهما من حديث ابن مسعود. وقال ابن القيم في "جلاء الأفهام" (ص ٢٣) : "وهذا إسناد صحيح".стр. 442
وعن علي بن الحسينرضي الله عنهأنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ ..............................................................
أن المراد بالثقة ليست غاية الثقة; لأنه لو بلغ إلى حد الثقة الغاية لكان صحيحا; لأن ثقة الراوي تعود على تحقق الوصفين فيه، وهما: العدالة والضبط، فإذا خف الضبط خفت الثقة، كما إذا خفت العدالة أيضا تخف الثقة فيه. فيجمع بينهما على أن المراد: مطلق الثقة، ولكنه لا شك فيما أرى أنه إذا أعقب قوله: "حسن" بقوله: "رواته ثقات" أنه أعلى مما لو اقتصر على لفظ: "حسن". ومثل هذا ما يعبر به ابن حجر في "تقريب التهذيب" بقوله: "صدوق يهم"، وأحيانا يقول: "صدوق"، وصدوق أقوى; فيكون توثيق الرجل الموصوف بأنّه صدوق أشد من توثيق الرجل الذي يوصف بأنه يهم. لا يقول قائل: إن كلمة يهم لا تزيده ضعفا; لأنه ما من إنسان إلا ويهم. فنقول: هذا لا يصح; لأن قولهم: (يهم) لا يعنون به الوهم الذي لا يخلو منه أحد، ولولا أن هناك غلبة في أوهامه ما وصفوه بها.
قوله: "وعن علي بن الحسين": هو علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، يسمى بزين العابدين، من أفضل أهل البيت علما وزهدا وفقها. والحسين معروف: ابن فاطمة ﵂، وأبوه: علي (.
قوله: "يجيء إلى فرجة": هذا الرجل لا شك أنه لم يتكرر مجيئه إلى هذه الفرجة إلا لاعتقاده أن فيها فضلا ومزية، وكونه يظن أن الدعاء عند القبر له مزية فتح باب ووسيلة إلى الشرك، بل جميع العبادات إذا كانت عند القبر; فلا يجوز أن يعتقد أن لها مزية، سواء كانت صلاة أو
стр. 443
فيدخل فيها، فيدعو، فنهاه، وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، ولا بيوتكم قبورا، وصلوا علي; فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم "...............
الحواشي
(١) دعاء أو قراءة، ولهذا نقول: تكره القراءة عند القبر إذا كان الإنسان يعتقد أن القراءة عند القبر أفضل.
قوله: "فنهاه": أي: طلب منه الكف.
قوله: "ألا أحدثكم حديثا": قال: أحدثكم والرجل واحد; لأن الظاهر أنه كان عند أصحابه يحدثهم، فجاء هذا الرجل إلى الفرجة. و"ألا": أداة عرض; أي: أعرض عليكم أن أحدثكم. وفائدتها: تنبيه المخاطب إلى ما يريد أن يحدثه به.
قوله: "عن أبي عن جدي": أبوه: الحسين، وجده: علي بن أبي طالب.
قوله: "عن رسول الله ﷺ ": السند متصل، وفيه عنعنة لكنها لا تضر; لأنها من غير مدلس، فتحمل على السماع.
قوله: " لا تتخذوا قبري عيدا ": يقال فيه كما في الحديث السابق: أنه نهى أن يتخذ قبره عيدا يعتاد ويتكرر إليه; لأنه وسيلة إلى الشرك.
قوله: " ولا بيوتكم قبورا ": سبق معناه.
قوله: " وصلوا علي; فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم ": اللفظ هكذا، وأشك في صحته; لأن قوله: "صلوا علي" يقتضي أن يقال: فإن صلاتكم تبلغني; إلا أن يقال هذا من باب الطي والنشر. والمعنى: صلوا علي وسلموا; فإن تسليمكم وصلاتكم تبلغني، وكأنه ذكر الفعلين والعلتين،стр. 444
رواه في " المختارة١ ".
الحواشي
(١) لكن حذف من الأولى ما دلت عليه الثانية، ومن الثانية ما دلت عليه الأولى.
وقوله: "وصلوا علي": سبق معناها، والمراد: صلوا علي في أي مكان كنتم، ولا حاجة إلى أن تأتوا إلى القبر وتسلموا علي وتصلوا علي عنده.
قوله: "يبلغني": تقدم كيف يبلغه ﷺ
قوله: "رواه في المختارة": الفاعل مؤلف المختارة، والمختارة: اسم للكتاب; أي: الأحاديث المختارة.
والمؤلف هو عبد الغني المقدسي، من الحنابلة. وما أقل الحديث في الحنابلة، يعني المحدثين، وهذا من أغرب ما يكون، يعني أصحاب الإمام أحمد أقل الناس تحديثا بالنسبة للشافعية. فالحنابلة غلب عليهم ﵏ الفقه مع الحديث; فصاروا محدثين وفقهاء، ولكنهم ﵏ بشر، فإذا أخذ من هذا العلم صار ذلك زحاما للعلم الآخر، أما الأحناف; فإنهم أخذوا بالفقه، لكن قلت بضاعتهم في الحديث، ولهذا يسمون أصحاب الرأي (يعني: العقل والقياس) ; لقلة الحديث عندهم، والشافعية أكثر الناس عناية بالحديث والتفسير، والمالكية كذلك، ثم الحنابلة وسط، وأقلهم في ذلك الأحناف مع أن لهم كتبا في الحديث.
_________
١ رواه: البخاري في "التاريخ الكبير, ٢/١٨٦) , وأبو يعلى; كما في "مجمع الزوائد" (٤/٣) . وقال الهيثمي: "وفيه جعفر بن إبراهيم الجعفري, ذكره أبو حاتم ولم يذكر فيه جرحا, وبقية رجاله ثقات". وفيه أيضا علي بن عمر بن الحسين, مستور; كما في "التقريب" (٢/٤١) . ورواه أيضا: الضياء في "المختارة"; كما في "اقتضاء الصراط المستقيم" (ص ٣٢٢) .стр. 445
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية "براءة".
الثانية: إبعاده أمته عن هذا الحمى غاية البعد.
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص مع أن زيارته من أفضل الأعمال.
الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية براءة. وسبق ذلك في أول الباب.
الثانية: إبعاده ﷺ أمته عن هذا الحمى غاية البعد: تؤخذ من قوله: " لا تجعلوا بيوتكم قبورا، ولا تجعلوا قبري عيدا ".
الثالثة: ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته: وهذا مذكور في آية براءة.
الرابعة: نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص: تؤخذ من قوله:"ولا تجعلوا قبري عيدا" ; فقوله: "عيدا" هذا هو الوجه المخصوص.
وزيارة قبر النبي ﷺ من أفضل الأعمال من جنسها; فزيارته فيها سلام عليه، وحقه ﷺ أعظم من غيره.
وأما من حيث التذكير بالآخرة; فلا فرق بين قبره وقبر غيره.
· الخامسة: نهيه عن الإكثار من الزيارة: تؤخذ من قوله: "لا تجعلوا قبري عيدا"، لكنه لا يلزم منه الإكثار; لأنه قد لا يأتي إلا بعد سنة، ويكون قد اتخذه عيدا; فإن فيه نوعا من الإكثار.стр. 446
السادسة: حثه على النافلة في البيت.
السابعة: أنه مقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة.
الثامنة: تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد; فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب.
التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه.
الحواشي
(١) السادسة: حثه على النافلة في البيت: تؤخذ من قوله: "ولا تجعلوا بيوتكم قبورا"، وسبق أن فيها معنيين:
المعنى الأول: أن لا يقبر في البيت، وهذا ظاهر الجملة.
والثاني: الذي هو من لازم المعنى أن لا تترك الصلاة فيها.
السابعة: أنه متقرر عندهم أنه لا يصلى في المقبرة: تؤخذ من قوله: "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" ; لأن معنى: لا تجعلوها قبورا، أي: لا تتركوا الصلاة فيها على أحد الوجهين; فكأنه من المتقرر عندهم أن المقابر لا يصلى فيها.
الثامنة: تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد; فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب: أي: كونه نهى ﷺ أن يجعل قبره عيدا، العلة في ذلك: أن الصلاة تبلغه حيث كان الإنسان; فلا حاجة إلى أن يأتي إلى قبره، ولهذا نسلم ونصلي عليه في أي مكان; فيبلغه السلام والصلاة.
ولهذا قال علي بن الحسين: " ما أنت ومن في الأندلس إلا سواء ".
التاسعة: كونه ﷺ في البرزخ تعرض أعمال أمته في الصلاة والسلام عليه: أي: فقط فكل من صلى عليه أو سلم عرضت عليه صلاته، وتسليمه، ويؤخذ من قوله: " فإن تسليمكم يبلغني أين كنتم ".стр. 447
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان .......................................................................
الحواشي
(٢٨١٢) , والترمذي: البر والصلة(١٩٣٧) , وأحمد (٣/٣١٣ ,٣/٣٥٤ ,٣/٣٦٦ ,٣/٣٨٤) .стр. 448
وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١.
الحواشي
(١) قوله: "الأوثان": جمع وثن، وهو: كل ما عبد من دون الله.
ذكر المؤلف في هذا الباب عدة آيات:
الآية الأولى: قوله تعالى: "ألم تر": الاستفهام هنا للتقرير والتعجيب، والرؤية بصرية بدليل أنها عديت بإلى، وإذا عديت بإلى صارت بمعنى النظر. والخطاب إما للنبي ﷺ أو لكل من يصح توجيه الخطاب إليه; أي: ألم تر أيها المخاطب؟
قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا﴾ أي: أعطوا، ولم يعطوا كل الكتاب; لأنهم حرموا بسبب معصيتهم; فليس عندهم العلم الكامل بما في الكتاب.
قوله: ﴿نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ﴾ المنَزل: والمراد بالكتاب: التوراة والإنجيل.
وقد ذكروا لذلك مثلا، وهو كعب بن الأشرف حين جاء إلى مكة، فاجتمع إليه المشركون، وقالوا: ما تقول في هذا الرجل (أي: النبي ﷺ الذي سفه أحلامنا ورأى أنه خير منا؟ فقال لهم: أنتم خير من محمد، ولهذا جاء في آخر الآية: ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً﴾ .
قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ أي: يصدقون بهما، ويقرونهما لا ينكرونهما، فإذا أقر الإنسان هذه الأوثان; فقد آمن بها. والجبت:
_________
١ سورة النساء آية: ٥١.стр. 449
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ١.
الحواشي
(١) قيل: السحر، وقيل: هو الصنم، والأصح: أنه عام لكل صنم أو سحر أو كهانة أو ما أشبه ذلك.
والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. فالمعبود كالأصنام، والمتبوع كعلماء الضلال، والمطاع كالأمراء; فطاعتهم في تحريم ما أحل الله، أو تحليل ما حرم الله تعد من عبادتهم.
والمراد من كان راضيا بعبادتهم إياه، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابديه; لأنهم تجاوزوا به حده، حيث نزلوه فوق منزلته التي جعلها الله له، فتكون عبادتهم لهذا المعبود طغيانا; لمجاوزتهم الحد بذلك.
والطاغوت: مأخوذ من الطغيان; فكل شيء يتعدى به الإنسان حده يعتبر طاغوتا.
وجه المناسبة في الآية للباب لا يتبين إلا بالحديث، وهو: " لتركبن سنن من كان قبلكم "، فإذا كان الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، وأن من هذه الأمة من يرتكب سنن من كان قبله يلزم من هذا أن في هذه الأمة من يؤمن بالجبت والطاغوت فتكون الآية مطابقة للترجمة تماما.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾ الخطاب للنبي ﷺ ردا على هؤلاء اليهود الذين اتخذوا دين الإسلام هزوا ولعبا.
_________
١ سورة المائدة آية: ٦٠.стр. 450
.......................................................................
الحواشي
(١) وقوله: " أنبئكم ": أي: أخبركم، والاستفهام هنا للتقرير والتشويق، أي: سأقرر عليكم هذا الخبر.
قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ﴾ ١ شر: هنا اسم تفضيل، وأصلها أشر لكن حذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال، ومثلها كلمة خير مخففة من أخير، والناس مخففة من الأناس، وكذا كلمة الله مخففة من الإله.
وقوله: "ذلك" المشار إليه ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه; فإن اليهود يزعمون أنهم هم الذين على الحق، وأنهم خير من الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه، وأن الرسول ﷺ وأصحابه ليسوا على الحق; فقال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ﴾
قوله: ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ مثوبة: تمييز لشر; لأن شر اسم تفضيل، وما جاء بعد أفعل التفضيل مبينا له يكون منصوبا على التمييز.
قال ابن مالك:
اسم بمعنى من مبين نكره ... ينصب تمييزا بما قد فسره
إلى أن قال:
والفاعل المعنى انصبَنْ بأفعلا ... مفضلا كأنت أعلى منزلا
والمثوبة: من ثاب يثوب إذا رجع، ويطلق على الجزاء; أي: بشر من ذلك جزاء عند الله.
قوله: "عند الله": أي: في علمه وجزائه عقوبة أو ثوابا.
قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ من: اسم موصول خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو من لعنه الله; لأن الاستفهام انتهى عند قوله: ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٢ وجواب الاستفهام: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ٣ ولعنه; أي: طرده وأبعده عن رحمته.
_________
١ سورة المائدة آية: ٦٠.
٢ سورة المائدة آية: ٦٠.
٣ سورة المائدة آية: ٦٠.стр. 451
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "وغضب عليه": أي: أحل عليه غضبه، والغضب: صفة من صفات الله الحقيقية تقتضي الانتقام من المغضوب عليه، ولا يصح تحريفه إلى معنى الانتقام، وقد سبق الكلام عليه (ص ٤٢١) .
والقاعدة العامة عند أهل السنة: أن آيات الصفات وأحاديثها تجرى على ظاهرها اللائق بالله عزوجل فلا تجعل من جنس صفات المخلوقين، ولا تحرف فتنفى عن الله; فلا نغلو في الإثبات ولا في النفي.
قوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ القردة: جمع قرد، وهو حيوان معروف أقرب ما يكون شبها بالإنسان، والخنازير: جمع خنزير، وهو ذلك الحيوان الخبيث المعروف الذي وصفه الله بأنه رجس. والإشارة هنا إلى اليهود; فإنهم لعنوا كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ١ الآية.
وجعلوا قردة بقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ٢، وغضب الله عليهم بقوله: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ ٣.
قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٤ فيها قراءتان في "عبده" وفي "الطاغوت":
الأولى: بضم الباء "عبد"، وعليها تكسر التاء في "الطاغوت" ; لأنه مجرور بالإضافة.
الثانية: بفتح الباء "عبده" على أنه فعل ماض معطوف على قوله: "لعنه الله" صلة الموصول، أي: ومن عبد الطاغوت، ولم يُعِدْ "مَن" مع طول الفصل; لأن هذا ينطبق على موصوف واحد، فلو أعيدت "مَن"
_________
١ سورة المائدة آية: ٧٨.
٢ سورة البقرة آية: ٦٥.
٣ سورة البقرة آية: ٩٠.
٤ سورة المائدة آية: ٦٠.стр. 452
وقوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ١.
الحواشي
(١) لأوهم أنهم جماعة آخرون وهم جماعة واحدة; فعلى هذه القراءة يكون "عبد" فعلا ماضيا، والفاعل ضمير مستتر جوازا تقديره هو يعود على "مَن" في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ ٢ و"الطاغوت" بفتح التاء مفعولا به. وبهذا نعرف اختلاف الفاعل في صلة الموصول وما عطف عليه; لأن الفاعل في صلة الموصول هو "الله"، والفاعل في عبد يعود على "من".
وعلى كل حال; فالمراد بها عابَد الطاغوت. فالفرق بين القراءتين بالباء فقط; فعلى قراءة الفعل مفتوحة، وعلى قراءة الاسم مضمومة. والطاغوت على قراءة الفعل في "عبد" تكون مفتوحة "عبد الطاغوت"، وعلى قراءة الاسم تكون مكسورة بالإضافة "عبد الطاغوت". وذُكِرَ في تركيب "عبد" مع "الطاغوت" أربع وعشرون قراءة، ولكنها قراءات شاذة غير القراءتين السبعيتين "عَبَدَ" و"عَبُدَ".
الآية الثالثة: قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٣ هذه الآية في سياق قصة أصحاب الكهف، وقصتهم عجيبة; كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾ ، وهم فتية آمنوا بالله وكانوا في بلاد شرك، فخرجوا منها إلى الله عزوجل فيسر الله لهم غارا، فدخلوا فيه، وناموا فيه نومة طويلة بلغت: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً﴾ ٤ وهم نائمون لا يحتاجون إلى أكل وشرب، ومن حكمة الله أن الله يقلبهم ذات
_________
١ سورة الكهف آية: ٢١.
٢ سورة المائدة آية: ٦٠.
٣ سورة الكهف آية: ٢١.
٤ سورة الكهف آية: ٢٥.стр. 453
.......................................................................
الحواشي
(٢١٨٠) , وأحمد (٥/٢١٨) .стр. 454
......................................................................
الحواشي
(١) أنك تحتج على خصمك بأمر لا يستطيع إنكاره; فإن اليهود يعرفون بأن فيهم قوما غضب الله عليهم ولعنهم وجعل منهم القردة والخنازير، فإذا كانوا يقرون بذلك وهم يستهزئون بالمسلمين; فنقول لهم: أين محل الاستهزاء الذين حلت عليهم هذه العقوبات أم الذين سلموا منها؟ والجواب: الذين حلت بهم العقوبة أحق بالاستهزاء.
٢- اختلاف الناس بالمنزلة عند الله; لقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ ولا شك أن الناس يختلفون بزيادة الإيمان ونقصه وما يترتب عليه من الجزاء.
٣- سوء حال اليهود الذين حلت بهم هذه العقوبات من اللعن والغضب والمسخ، وعبادة الطاغوت.
٤- إثبات أفعال الله الاختيارية، وأنه سبحانه يفعل ما يشاء; لقوله تعالى: "لعنه الله" ; فإن اللعن من صفات الأفعال.
٥- إثبات الغضب لله; لقوله تعالى: "وغضب عليه".
٦- إثبات القدرة لله; لقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ وهل المراد بالقردة والخنازير هذه الموجودة؟
الجواب: لا، لما ثبت في "صحيح مسلم" عن النبي ﷺ " أن كل أمة مسخت لا يبقى لها نسل "١ ولأن القردة والخنازير كانت قبل ذلك، وعلى هذا; فليس هذا الموجود من القردة والخنازير هو بقية أولئك الممسوخين.
_________
١ من حديث ابن مسعود, رواه: مسلم (كتاب القدر, باب بيان أن الأرزاق والآجال ... لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر, ٤/٢٠٥١) .стр. 455
.......................................................................
الحواشي
(١) ٧- أن العقوبات من جنس العمل، لأن هؤلاء الذين مسخوا قردة، والقرد أشبه ما يكون شبها بالإنسان، فعلوا فعلا ظاهره الإباحة والحل وهو محرم، وذلك أنه حرم عليهم الصيد يوم السبت ابتلاء من الله، فإذا جاء يوم السبت امتلأ البحر بالحيتان، وظهرت على سطح الماء، وفي غيره من الأيام تختفي ولا يأتي منها شيء، فلما طال عليهم الأمد صنعوا شباكا; فصاروا ينصبونها في يوم الجمعة ويدعون الحيتان تدخل فيها يوم السبت، فإذا أتى يوم الأحد أخذوها، وهذه حيلة ظاهرها الحل، ولكن حقيقتها ومعناها الوقوع في الإثم تماما، ولهذا مسخوا إلى حيوان يشبه الإنسان وليس بإنسان، وهو القرد، قال تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ ١، وهو يفيد أن الجزاء من جنس العمل، ويدل عليه صراحة قوله تعالى: ﴿فَكُلاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ ٢.
٨- أن هؤلاء اليهود صاروا يعبدون الطاغوت; لقوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٣ ولا شك أنهم حتى الآن يعبدونه; لأنهم عبدوا الشيطان وأطاعوه وعصوا الله ورسوله. وفي الآية نكتة نحوية في قوله: "عليه" و "منهم" في قوله تعالى: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ ٤ فالضمير في "لعنه" الهاء، و "وغضب عليه" مفرد، و "منهم" جمع، مع أن المرجع واحد، وهو: "من". والجواب: أنه روعي في الإفراد اللفظ، وفي الجمع المعنى، وذلك أن "من" اسم موصول صالحة للمفرد وغيره، قال ابن مالك:
......................... ومن وما وأل تساوي ما ذكر
_________
١ سورة البقرة آية: ٦٥.
٢ سورة العنكبوت آية: ٤٠.
٣ سورة المائدة آية: ٦٠.
٤ سورة المائدة آية: ٦٠.стр. 456
عن أبي سعيد ﵁ ; أن رسول الله ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم.........................................................
الحواشي
(٨٦٧) , والنسائي: صلاة العيدين(١٥٧٨) , وابن ماجه: المقدمة(٤٥) , وأحمد (٣/٣٧١) .стр. 457
.......................................................................
الحواشي
(١) "سنن" ; بضم السين: جمع سنة، وهي الطريقة. وأما "سنن"، بالفتح: فهي مفرد بمعنى الطريق. وفعل تأتي مفردة مثل: فن جمعها أفنان، وسبب جمعها أسباب.
وقوله: "من كان قبلكم": أي: من الأمم.
قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص; لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنه عام مخصوص; لأن في هذه الأمة من لا يتبع تلك السنن كما أخبر النبي ﷺ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق، وقد يقال: إن الحديث على عمومه وأنه لا يلزم أن تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذ لا يقتضي خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه، ومن المعلوم أن من طرق من كان قبلنا ما لا يخرج من الملة، مثل: أكل الربا، والحسد، والبغي، والكذب. ومنه ما يخرج من الملة: كعبادة الأوثان.
السنن: هي الطرائق، وهي متنوعة، منها ما هو اعتداء على حق الخالق، ومنها ما هو اعتداء على حق المخلوق، ولنستعرض شيئا من هذه السنن: فمن هذه السنن: عبادة القبور والصالحين; فإنها موجودة في الأمم السابقة وقد وجدت في هذه الأمة، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١. ومن ذلك: الغلو في الصالحين كما وجد في الأمم السابقة وجد في هذه الأمة. ومنها: دعاء غير الله، وقد وجد في هذه الأمة.
ومنها: بناء المساجد على القبور موجود في السابقين، وقد وجد في هذه الأمة.
_________
١ سورة نوح آية: ٢٣.стр. 458
.......................................................................
الحواشي
(١) ومنها: وصف الله بالنقائص والعيوب; فقد قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ١، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ٢، وقالوا: إن الله تعب من خلق السماوات والأرض، وقد وجد في هذه الأمة من قال بذلك أو أشد منه; فقد وجد من قال: ليس له يد، ومنهم من قال: لا يستطيع أن يفعل ما يريد فلم يستو على العرش، ولا ينزل إلى السماء الدنيا ولا يتكلم، بل وجد في هذه الأمة من يقول: بأنه ليس داخلا في العالم، وليس خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه; فوصفوه بما لا يمكن وجوده، ومنهم من قال: لا تجوز الإشارة الحسية إليه، ولا يفعل، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يحب، وهذا مذهب الأشاعرة.
ومنها: أكل السحت; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة. ومنها: أكل الربا; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة. ومنها: التحيل على محارم الله; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة. ومنها: إقامة الحدود على الضعفاء ورفعها عن الشرفاء; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة.
ومنها: تحريف كلام الله عن مواضعه لفظا ومعنى; كاليهود حين قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٣، فدخلوا على قفاهم، وقالوا: حنطة ولم يقولوا حطة، ووجد في هذه الأمة من فعل كذلك; فحرف لفظ الاستواء إلى الاستيلاء، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ وقالوا هم: الرحمن على العرش استولى.
قال ابن القيم: إن اللام في استولى مزيدة زادها أهل التحريف كما زاد اليهود النون في (حطة) فقالوا: (حنطة) .
_________
١ سورة المائدة آية: ٦٤.
٢ سورة آل عمران آية: ١٨١.
٣ سورة البقرة: ٥٨.
٤ سورة طه آية: ٥.стр. 459
.......................................................................
الحواشي
(١) نون اليهود ولام جهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان
أمر اليهودُ بأن يقولوا حطةً ... فأبوا وقالوا حنطةً لهوان
وكذلك الجهمي قيل له استوى ... فأبى وزاد الحرف للنقصان
ووجد في الأمم السابقة من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ووجد في هذه الأمة من يعارض قول النبي ﷺ بقول شيخه.
فإذا تأملت كلام النبي ﷺ وجدته مطابقا للواقع: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، ولكن يبقى النظر: هل هذا الحديث للتحذير أو للإقرار؟
الجواب: لا شك أنه للتحذير وليس للإقرار; فلا يقول أحد: سأحسد وسآكل الربا، وسأعتدي على الخلق; لأن الرسول ﷺ قال ذلك، فمن قال ذلك; فإننا نقول له: أخطأت; لأن قول النبي ﷺ لا شك أنه للتحذير، ولهذا قال الصحابة: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ثم نقول لهم أيضا: إن الرسول ﷺ أخبر بأشياء ستقع، ومع ذلك أخبر بأنها حرام بنص القرآن. فمن ذلك أنه أخبر أن الرجل يكرم زوجته ويعق أمه، وأخبر أن الإنسان يعصي أباه ويدني صديقه١ وهذا ليس بجائز بنص القرآن، لكن قصد التحذير من هذا العمل.
ووجد في الأمم السابقة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون، ووجد في هذه الأمة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لرجعيون. فالمعاصي لها أصل في الأمم على حسب ما سبق، ولكن من وفقه الله للهداية اهتدى.
والحاصل أنك لا تكاد تجد معصية في هذه الأمة إلا وجدت لها
_________
١ من حديث أبي هريرة, رواه: الترمذي في (الفتن, باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف, ٦/٣٦٤) , وقال: "وهذا حديث غريب, لا نعرفه إلا من هذا الوجه".стр. 460
حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟..................................................
الحواشي
(٢٤٥٢) وبدء الخلق(٣١٩٨) , ومسلم: المساقاة(١٦١٠) , والترمذي: الديات(١٤١٨) , وأحمد (١/١٨٧ ,١/١٨٨ ,١/١٩٠) , والدارمي: البيوع(٢٦٠٦) .
٢ سبق (ص ٨٧) .следующие страницы →