Полный текст (1 122 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
عن أبي سعيد ﵁ ; أن رسول الله ﷺ قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم.........................................................
الحواشي
(٨٦٧) , والنسائي: صلاة العيدين(١٥٧٨) , وابن ماجه: المقدمة(٤٥) , وأحمد (٣/٣٧١) .стр. 457
.......................................................................
الحواشي
(١) "سنن" ; بضم السين: جمع سنة، وهي الطريقة. وأما "سنن"، بالفتح: فهي مفرد بمعنى الطريق. وفعل تأتي مفردة مثل: فن جمعها أفنان، وسبب جمعها أسباب.
وقوله: "من كان قبلكم": أي: من الأمم.
قوله: "لتتبعن سنن من كان قبلكم" ليس على ظاهره، بل هو عام مخصوص; لأننا لو أخذنا بظاهره كانت جميع هذه الأمة تتبع سنن من كان قبلها، لكننا نقول: إنه عام مخصوص; لأن في هذه الأمة من لا يتبع تلك السنن كما أخبر النبي ﷺ لأنه لا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق، وقد يقال: إن الحديث على عمومه وأنه لا يلزم أن تتبع هذه الأمة الأمم السابقة في جميع سننها، بل بعض الأمة يتبعها في شيء وبعض الأمة يتبعها في شيء آخر، وحينئذ لا يقتضي خروج هذه الأمة من الإسلام، وهذا أولى لبقاء الحديث على عمومه، ومن المعلوم أن من طرق من كان قبلنا ما لا يخرج من الملة، مثل: أكل الربا، والحسد، والبغي، والكذب. ومنه ما يخرج من الملة: كعبادة الأوثان.
السنن: هي الطرائق، وهي متنوعة، منها ما هو اعتداء على حق الخالق، ومنها ما هو اعتداء على حق المخلوق، ولنستعرض شيئا من هذه السنن: فمن هذه السنن: عبادة القبور والصالحين; فإنها موجودة في الأمم السابقة وقد وجدت في هذه الأمة، قال تعالى عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ ١. ومن ذلك: الغلو في الصالحين كما وجد في الأمم السابقة وجد في هذه الأمة. ومنها: دعاء غير الله، وقد وجد في هذه الأمة.
ومنها: بناء المساجد على القبور موجود في السابقين، وقد وجد في هذه الأمة.
_________
١ سورة نوح آية: ٢٣.стр. 458
.......................................................................
الحواشي
(١) ومنها: وصف الله بالنقائص والعيوب; فقد قالت اليهود: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ١، وقالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ ٢، وقالوا: إن الله تعب من خلق السماوات والأرض، وقد وجد في هذه الأمة من قال بذلك أو أشد منه; فقد وجد من قال: ليس له يد، ومنهم من قال: لا يستطيع أن يفعل ما يريد فلم يستو على العرش، ولا ينزل إلى السماء الدنيا ولا يتكلم، بل وجد في هذه الأمة من يقول: بأنه ليس داخلا في العالم، وليس خارجا عنه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه; فوصفوه بما لا يمكن وجوده، ومنهم من قال: لا تجوز الإشارة الحسية إليه، ولا يفعل، ولا يغضب، ولا يرضى، ولا يحب، وهذا مذهب الأشاعرة.
ومنها: أكل السحت; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة. ومنها: أكل الربا; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة. ومنها: التحيل على محارم الله; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة. ومنها: إقامة الحدود على الضعفاء ورفعها عن الشرفاء; فقد وجد في الأمم السابقة ووجد في هذه الأمة.
ومنها: تحريف كلام الله عن مواضعه لفظا ومعنى; كاليهود حين قيل لهم: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ ٣، فدخلوا على قفاهم، وقالوا: حنطة ولم يقولوا حطة، ووجد في هذه الأمة من فعل كذلك; فحرف لفظ الاستواء إلى الاستيلاء، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ وقالوا هم: الرحمن على العرش استولى.
قال ابن القيم: إن اللام في استولى مزيدة زادها أهل التحريف كما زاد اليهود النون في (حطة) فقالوا: (حنطة) .
_________
١ سورة المائدة آية: ٦٤.
٢ سورة آل عمران آية: ١٨١.
٣ سورة البقرة: ٥٨.
٤ سورة طه آية: ٥.стр. 459
.......................................................................
الحواشي
(١) نون اليهود ولام جهمي هما ... في وحي رب العرش زائدتان
أمر اليهودُ بأن يقولوا حطةً ... فأبوا وقالوا حنطةً لهوان
وكذلك الجهمي قيل له استوى ... فأبى وزاد الحرف للنقصان
ووجد في الأمم السابقة من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ووجد في هذه الأمة من يعارض قول النبي ﷺ بقول شيخه.
فإذا تأملت كلام النبي ﷺ وجدته مطابقا للواقع: "لتتبعن سنن من كان قبلكم"، ولكن يبقى النظر: هل هذا الحديث للتحذير أو للإقرار؟
الجواب: لا شك أنه للتحذير وليس للإقرار; فلا يقول أحد: سأحسد وسآكل الربا، وسأعتدي على الخلق; لأن الرسول ﷺ قال ذلك، فمن قال ذلك; فإننا نقول له: أخطأت; لأن قول النبي ﷺ لا شك أنه للتحذير، ولهذا قال الصحابة: اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ ثم نقول لهم أيضا: إن الرسول ﷺ أخبر بأشياء ستقع، ومع ذلك أخبر بأنها حرام بنص القرآن. فمن ذلك أنه أخبر أن الرجل يكرم زوجته ويعق أمه، وأخبر أن الإنسان يعصي أباه ويدني صديقه١ وهذا ليس بجائز بنص القرآن، لكن قصد التحذير من هذا العمل.
ووجد في الأمم السابقة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لضالون، ووجد في هذه الأمة من يقول للمؤمنين: إن هؤلاء لرجعيون. فالمعاصي لها أصل في الأمم على حسب ما سبق، ولكن من وفقه الله للهداية اهتدى.
والحاصل أنك لا تكاد تجد معصية في هذه الأمة إلا وجدت لها
_________
١ من حديث أبي هريرة, رواه: الترمذي في (الفتن, باب ما جاء في علامة حلول المسخ والخسف, ٦/٣٦٤) , وقال: "وهذا حديث غريب, لا نعرفه إلا من هذا الوجه".стр. 460
حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟..................................................
الحواشي
(٢٤٥٢) وبدء الخلق(٣١٩٨) , ومسلم: المساقاة(١٦١٠) , والترمذي: الديات(١٤١٨) , وأحمد (١/١٨٧ ,١/١٨٨ ,١/١٩٠) , والدارمي: البيوع(٢٦٠٦) .
٢ سبق (ص ٨٧) .стр. 461
قال: فمن؟ " أخرجاه١.
الحواشي
(١) الثاني: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أهم اليهود والنصارى؟ وعلى كل تقدير; فالجملة إنشائية لأنهم يسألون النبي ﷺ فهي استفهامية، والاستفهام من باب الإنشاء. واليهود: أتباع موسى ﵊، وسموا يهودا نسبة إلى يهوذا من أحفاد إسحاق، أو لأنهم هادوا إلى الله; أي: رجعوا إليه بالتوبة من عبادة العجل. والنصارى: هم أتباع عيسى ﵊، وسموا بذلك نسبة إلى بلدة تسمى الناصرة، وقيل: من النصرة; كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ٢.
قوله: "قال: فمن": من هنا: اسم استفهام، والمراد به التقرير; أي: فمن أعني غير هؤلاء، أو فمن هم غير هؤلاء؟ فالصحابة ﵃ لما حدثهم ﷺ بهذا الحديث كأنه حصل في نفوسهم بعض الغرابة، فلما سألوا قرر النبي ﷺ أنهم اليهود والنصارى.
من فوائد الحديث:
١- ما أراده المؤلف بسياقه، وهو أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان; لأنه من سنن من قبلنا، وقد أخبر ﷺ أننا سنتبعهم.
٢- ويستفاد أيضا من فحوى الكلام التحذير من متابعة من قبلنا في معصية الله.
٣- أنه ينبغي معرفة ما كان عليه من كان قبلنا مما يجب الحذر منه لنحذره، وغالب ذلك - ولله الحمد - موجود في القرآن والسنة.
_________
١ رواه: البخاري (كتاب الاعتصام, باب قول النبي ﷺ : لتتبعن سنن من كان قبلكم , ٣/ ٣٦٧) , ومسلم (كتاب العلم, باب اتباع سنن اليهود والنصارى, ٤/٢٠٥٤) .
٢ سورة الصّف آية: ١٤.стр. 462
......................................................................
الحواشي
(٧٠٦٨) , والترمذي الفتن(٢٢٠٦) ,وأحمد (٣/١٣٢ ,٣/١٧٧ ,٣/١٧٩) .
٣ في (كتاب الفتن, باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه, ٤/٣١٥) .стр. 463
.......................................................................
الحواشي
(١) الجواب: جنس الرجال خير، قال تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ١ لكن يوجد في النساء من هي خير من كثير من الرجال; فيجب أن نعرف الفرق بين الجملة والأفراد.
فإذا نظرنا إلى مجموع القرن كله نجد أن ما بعد القرن شر منه، لا باعتبار الأفراد ولا باعتبار مكان دون مكان; فقد تكون أمة في بعض الجهات يرتفع الناس فيها من حسن إلى أحسن، كما لو نشأ فيها علماء نفع الله بهم; فإنهم يكونون أحسن ممن سبقهم.
أما الصحابة; فلا أحد يساويهم في فضل الصحبة، حتى أفرادهم لا يمكن لأحد من التابعين أن يساويهم فيها مهما بلغ من الفضل; لأنه لم يدرك الصحبة.
مسألة: ما هي الحكمة من ابتلاء الأمة بهذا الأمر: "لتتبعن سنن ... " إلخ، وأن يكون فيها من كل مسيء من سبقها؟
الجواب: الحكمة ليتبين بذلك كمال الدين; فإن الدين يعارض كل هذه الأخلاق، فإذا كان يعارضها دل هذا على أن كل نقص في الأمم السابقة، فإن هذه الشريعة جاءت بتكميله; لأن الأشياء لا تتبين إلا بضدها; كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء.
(تنبيه) :
قوله: " حذو القذة بالقذة "٢ لم أجده في مظانه في "الصحيحين"; فليحرر.
_________
١ سورة البقرة آية: ٢٢٨.
٢ جملة: "حذو القذة بالقذة" ليست في "الصحيحين", وهي في "المسند" (٤/١٢٥) من حديث شداد بن أوس بلفظ: "ليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلكم أهل الكتاب حذو القذة بالقذة". الناشر.стр. 464
ولمسلم١ عن ثوبان ﵁ ; أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها،...........................
الحواشي
(١) قوله: " زوى لي ": بمعنى جمع وضم; أي; جمع له الأرض وضمها.
قوله: "فرأيت": أي: بعيني; فهي رؤية عينية، ويحتمل أن تكون رؤية منامية.
قوله: " مشارقها ومغاربها ": وهذا ليس على الله بعزيز; لأنه على كل شيء قدير، فمن قدرته أن يجمع الأرض حتى يشاهد النبي ﷺ ما سيبلغ ملك أمته منها.
وهل المراد بالزوي هنا أن الأرض جمعت، أو أن الرسول ﷺ قوي نظره حتى رأى البعيد؟ الأقرب إلى ظاهر اللفظ: أن الأرض جمعت، لا أن بصره قوي حتى رأى البعيد.
وقال بعض العلماء: المراد قوة بصر النبي ﷺ أي أن الله أعطاه قوة بصر حتى أبصر مشارق الأرض ومغاربها، لكن الأقرب الأول، ونحن إذا أردنا تقريب هذا الأمر نجد أن صورة الكرة الأرضية الآن مجموعة يشاهد الإنسان فيها مشارق الأرض ومغاربها; فالله على كل شيء قدير; فهو قادر على أن يجمع له ﷺ الأرض حتى تكون صغيرة فيدركها من مشارقها إلى مغاربها.
اعتراض وجوابه:
فإن قيل: هذا إن حمل على الواقع; فليس بموافق للواقع، لأنه لو
_________
١ في (كتاب الفتن, باب هلاك هذه الأمة بعضهم ببعض, ٤/٢٢١٥) .стр. 465
وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض،
الحواشي
(١) حصرت الأرض بحيث يدركها بصر النبي ﷺ المجرد; فأين يذهب الناس والبحار والجبال والصحاري؟
الجواب: بأن هذا من الأمور الغيبية التي لا يجوز أن تورد عليها كيف ولم، بل نقول: إن الله على كل شيء قدير; إذ قوة الله - سبحانه - أعظم من قوتنا وأعظم من أن نحيط بها، ولهذا أخبر النبي ﷺ أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم١ فلا يجوز أن نقول: كيف يجري مجرى الدم؟ فالله أعلم بذلك.
وهذه المسائل التي لا ندركها يجب التسليم المحض لها، ولهذا نقول في باب الأسماء والصفات: تجرى على ظاهرها مع التنزيه عن التكييف والتمثيل، وهذا ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة.
وقوله: " فرأيت مشارقها ومغاربها ": أي: أماكن الشرق والغرب منها.
قوله: " وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها ": والمراد: أمة الإجابة التي آمنت بالرسول ﷺ سيبلغ ملكها ما زوي للرسول ﷺ منها، وهذا هو الواقع; فإن ملك هذه الأمة اتسع من المشرق ومن المغرب اتساعا بالغا، لكنه من الشمال والجنوب أقل بكثير، والأمة الإسلامية وصلت من المشرق إلى السند والهند وما وراء ذلك، ومن المغرب إلى ما وراء المحيط، وهذا يحقق ما رآه النبي ﷺ
قوله: " وأعطيت الكنزين: الأحمر والأبيض ": الذي أعطاه هو الله.
_________
١ من حديث صفية, رواه: البخاري (كتاب الاعتكاف, باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه, ٢/٢٦٨) , ومسلم (كتاب السلام, باب يستحب لمن رؤي خاليا بامرأة ... , رقم ٢١٧٥) .стр. 466
وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة بعامة، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ... ".
الحواشي
(١٠٠٦) , ومسلم: المساجد ومواضع الصلاة(٦٧٥) , والنسائي: التطبيق(١٠٧٤) , وأبو داود: الصلاة(١٤٤٢) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها(١٢٤٤) , وأحمد (٢/٢٣٩ ,٢/٢٥٥ ,٢/٤١٨ ,٢/٤٧٠ ,٢/٥٠٢ ,٢/٥٢١) , والدارمي: الصلاة(١٥٩٥) .
٢ سورة الأعراف آية: ١٣٠.стр. 467
" وإن ربي قال: يا محمد! إني إذا قضيت قضاء; فإنه لا يرد،..........
الحواشي
(١) قوله: "إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد ": اعلم أن قضاء الله نوعان.
١- قضاء شرعي قد يرد; فقد يريده الله ولا يقبلونه.
٢- قضاء كوني لا يرد، ولا بد أن ينفذ.
وكلا القضاءين قضاء بالحق، وقد جمعهما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾ ١.
ومثال القضاء الشرعي: قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ ٢ ; لأنه لو كان كونيا; لكان كل الناس لا يعبدون إلا الله. ومثال القضاء الكوني: قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ ٣ ; لأن الله تعالى لا يقضي شرعا بالفساد، لكنه يقضي به كونا وإن كان يكرهه سبحانه; فإن الله لا يحب الفساد ولا المفسدين، لكنه يقضي بذلك لحكمة بالغة، كما قسم خلقه إلى مؤمن وكافر; لما يترتب على ذلك من المصالح العظيمة.
والمراد بالقضاء في هذا الحديث: القضاء الكوني; فلا أحد يستطيع رده مهما كان من الكفر والفسوق; فقضاء الله نافذ على أكبر الناس عتوا واستكبارا، فقد نفذ على فرعون وأغرق بالماء الذي كان يفتخر به، وعلى طواغيت بني آدم فأهلكهم الله ودمرهم.
وفي قوله: " إذا قضيت قضاء; فإنه لا يرد " من كمال سلطان الله وقدرته وربوبيته ما هو ظاهر; لأنه ما من ملك سوى الله إلا يمكن أن يرد ما قضى به. أما قضاء الله فلا يمكن رده.
واعلم أن قضاء الله الكوني (كمشيئته) لا يكون إلا لحكمة (كقضائه الشرعي) فهو لا يقضي قضاء إلا والحكمة تقتضيه، كما لا يشاء شيئا إلا
_________
١ سورة غافر آية: ٢٠.
٢ سورة الإسراء آية: ٢٣.
٣ سورة الإسراء آية: ٤.стр. 468
......................................................................
الحواشي
(١) والحكمة تقتضيه، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً ١ ; فيتبين أنه لا يشاء شيئا إلا عن علم وحكمة، وليس لمجرد المشيئة.
خلافا لمن أنكر حكمة الله من الجهمية وغيرهم، فقالوا: إنه لا يفعل الأشياء إلا لمجرد المشيئة، فجعلوا على زعمهم المخلوقين أكمل تصرفا من الله; لأن كل عاقل من المخلوقين لا يتصرف إلا لحكمة، ولهذا كان الذي يتصرف بسفه يحجر عليه، قال تعالى: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ٢.
فنحن نقول: إن الله - جل وعلا - لا يفعل شيئا ولا يحكم بشيء إلا لحكمة، ولكن هل يلزم من الحكمة أن نحيط بها علما؟ الجواب: لا يلزم، لأننا أقصر من أن نحيط علما بحكم الله كلها، صحيح أن بعض الأشياء نعرف حكمتها، لكن بعض الأشياء تعجز العقول عن إدراكها.
والمقصود من قوله: " إذا قضيت قضاء; فإنه لا يرد " بيان أن من الأشياء التي سألها النبي ﷺ ما لم يعطها; لأن الله قضى بعلمه وحكمته ذلك، ولا يمكن أن يرد ما قضاه الله عزوجل والقضاء قد يتوقف على الدعاء، بل إن كل القضاء أو أكثر القضاء له أسباب; إما معلومة أو مجهولة فدخول الجنة لا يمكن إلا بسبب يترتب دخول الجنة عليه، وهو الإيمان والعمل الصالح.
كذلك حصول المطلوب، قد يكون الله عزوجل منعه حتى نسأل، لكن من الأشياء ما لا تقتضي الحكمة وجوده، وحينئذ يجازى الداعي بما هو أكمل، أو يؤخر له ويدخر له عند الله عزوجل أو
_________
١ سورة الإنسان آية: ٣٠.
٢ سورة النساء آية: ٥.стр. 469
وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة بعامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا "١.
الحواشي
(٢٨٨٩) , والترمذي: الفتن(٢١٧٦) , وأبو داود: الفتن والملاحم(٤٢٥٢) , وابن ماجه: الفتن(٣٩٥٢) .
٢ مسلم: الفتن وأشراط الساعة(٢٨٨٩) , والترمذي: الفتن(٢١٧٦) , وأبو داود: الفتن والملاحم(٤٢٥٢) , وأحمد (٥/٢٨٤) .
٣ مسلم: الفتن وأشراط الساعة(٢٨٨٩) , والترمذي: الفتن(٢١٧٦) , وأبو داود: الفتن والملاحم(٤٢٥٢) .стр. 470
ورواه البرقاني في "صحيحه"، وزاد: " وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين،................................................................
الحواشي
(١) عدوا من سوى أنفسهم، وأعظم من سلط عليهم فيما أعلم التتار، فقد سلطوا على المسلمين تسليطا لا نظير له; فيقال: إنهم قتلوا في بغداد وحدها أكثر من خمسمائة عالم في يوم واحد، وهذا شيء عظيم، وقتلوا الخليفة، وجعلوا الكتب الإسلامية جسرا على نهر دجلة يطؤونها بأقدامهم ويفسدونها، وكانوا يأتون إلى الحوامل ويبقرون بطونهن ويخرجون أولادهن يتحركون أمامهم فيقتلونهم، وهي حية تشاهد ثم تموت.
قال ابن الأثير في "الكامل": "لقد بقيت عدة سنين معرضا عن ذكر هذه الحادثة استعظاما لها كارها لذكرها فأنا أقدم رجلا وأؤخر أخرى، فمن الذي يسهل عليه نعي الإسلام والمسلمين؟! ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك؟! فيا ليت أمي لم تلدني! ويا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا! إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف، ثم رأيت أن ذلك لا يجدي ... "، وذكر كلاما طويلا ووقائع مفجعة، ومن أراد مزيدا من ذلك; فليرجع إلى حوادث سنة ٦١٧ هـ من الكتاب المذكور.
وفي الحديث دليل على تحريم القتال بين المسلمين، وإهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضا، وأنه يجب أن يكونوا أمة واحدة حتى تبقى هيبتهم بين الناس وتخشاهم الأمم.
قوله: " إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين ": بين الرسول ﷺ أنه لا يخاف على الأمة إلا الأئمة المضلين والأئمة: جمع إمام، والإمام قد يكون إماما في الخير أو الشر، قال تعالى في أئمة الخير: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ ١.
_________
١ سورة السجدة آية: ٢٤.стр. 471
وإذا وقع عليهم السيف; لم يرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين............................................
الحواشي
(١) وقال تعالى عن آل فرعون أئمة:﴾ ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ﴾ ١.
والذي في حديث الباب: "الأئمة المضلين"، أئمة الشر، وصدق النبي ﷺ إن أعظم ما يخاف على الأمة الأئمة المضلون; كرؤساء الجهمية والمعتزلة وغيرهم الذين تفرقت الأمة بسببهم. والمراد بقوله: "الأئمة المضلين": الذين يقودون الناس باسم الشرع، والذين يأخذون الناس بالقهر والسلطان; فيشمل الحكام الفاسدين، والعلماء المضلين، الذين يدعون أن ما هم عليه شرع الله، وهم أشد الناس عداوة له.
قال الإمام أحمد ﵀: لو كان لي دعوة مستجابة; لصرفتها للسلطان; فإن بصلاحه صلاح الأمة.
قوله: "وإذا وقع عليهم السيف ... " إلخ: هذا من آيات النبي ﷺ وهذا حق واقع; فإنه لما وقع السيف في هذه الأمة لم يرفع، فما زال بينهم القتال منذ قتل الخليفة الثالث عثمانرضي الله عنهوصارت الأمة يقتل بعضهم بعضا ويسبي بعضها بعضا.
قوله: " ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ": الحي: بمعنى القبيلة. وهل المراد باللحوق هنا اللحوق البدني، بمعنى أنه يذهب هذا الحي إلى المشركين ويدخلون فيهم، أو اللحوق الحكمي، بمعنى أن يعملوا بعمل المشركين، أو الأمران معا؟ الظاهر أن المراد جميع ذلك.
وأما الحي; فالظاهر أن المراد به الجنس، وليس واحد الأحياء،
_________
١ سورة القصص آية: ٤١.стр. 472
وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين،....................................
الحواشي
(١) وإن قيل: إن المراد واحد الأحياء; فلا بد أن يكون لهذا الحي أثره وقيمته في الأمة الإسلامية، بحيث يتبين ويظهر، وربما يكون لهذا الحي إمام يزيغ - والعياذ بالله - ويفسد; فيتبعه كل الحي، ويتبين ويظهر أمره.
قوله: " وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان ": الفئام; أي: الجماعات، وهذا وقع; ففي كل جهة من جهات المسلمين من يعبدون القبور ويعظمون أصحابها ويسألونهم الحاجات والرغبات ويلتجئون إليهم، وفئام; أي: ليسوا أحياء; فقد يكون بعضهم من قبيلة، والبعض الآخر من قبيلة; فيجتمعون.
قوله: "وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون ": حصرهم النبي ﷺ بعدد، وكلهم يزعم أنه نبي أوحي إليه، وهم كذابون; لأن النبي ﷺ خاتم النبيين ولا نبي بعده، فمن زعم أنه نبي بعد الرسول ﷺ فهو كاذب كافر حلال الدم والمال، ومن صدقه في ذلك; فهو كافر حلال الدم والمال، وليس من المسلمين ولا من أمة محمد ﷺ ومن زعم أنه أفضل من محمد، وأنه يتلقى من الله مباشرة ومحمد ﷺ يتلقى منه بواسطة الملك; فهو كاذب كافر حلال الدم والمال.
وقوله: " كذابون ثلاثون " هل ظهروا أم لا؟ الجواب: ظهر بعضهم، وبعضهم ينتظر; لأن النبي ﷺ لم يحصرهم في زمن معين، وما دامت الساعة لم تقم; فهم ينتظرون.
قوله: "كلهم يزعم ": أي: يدعي.
قوله: " وأنا خاتم النبيين " أي: آخرهم، وأكد ذلك بقوله: "لا نبيстр. 473
لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم
الحواشي
(١) بعدي "، فإن قيل: ما الجواب عما ثبت في نزول عيسى بن مريم في آخر الزمان، مع أنه نبي ويضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام; فالجواب: إن نبوته سابقة لنبوة محمد ﷺ وأما كونه يضع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام; فليس تشريعا جديدا ينسخ قبول الجزية، بل هو تشريع من محمد ﷺ لأنه أخبر به مقررا له.
قوله: " ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ": المعنى: أنهم يبقون إلى آخر وجودهم منصورين. هذا من نعمة الله، فلما ذكر أن حيا من الأحياء يلتحقون بالمشركين، وأن فئاما يعبدون الأصنام، وأن أناسا يدعون النبوة; فيكون هنا الإخلال بالشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله بالشرك، وأن محمدا رسول الله بادعاء النبوة، وذلك أصل التوحيد، بل أصل الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. فلما بين ذلك لم يجعل الناس ييأسون، فقال: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة ". والطائفة: الجماعة.
وقوله: " على الحق ": جار ومجرور خبر تزال.
قوله: "منصورة": خبر ثان، ويجوز أن يكون حالا، والمعنى: لا تزال على الحق، وهي كذلك أيضا منصورة.
قوله: "لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم ": خذلهم; أي: لم ينصرهم ويوافقهم على ما ذهبوا إليه، وفي هذا دليل على أنه سيوجد من يخذلهم، لكنه لا يضرهم; لأن الأمور بيد الله، وقد قال ﷺ " واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللهстр. 474
حتى يأتي أمر الله ﵎ "١، ٢
الحواشي
(٤٢٥٢) , وابن ماجه: الفتن(٣٩٥٢) .
٢ هذه الزيادة رواها: أبو داود في (كتاب الفتن, باب ذكر الفتن, ٤/٤٥٢) -وسكت عنها-, وابن ماجه (كتاب الفتن, باب ما يكون من الفتن, رقم ٣٩٥٢) , والحاكم في "المستدرك" (٤/٤٤٩) -وصححه على شرط الشيخين-, وأبو نعيم في "الحلية" (٢/٢٨٩) , وفي "الدلائل" (ص ٤٦٩) , وأحمد في "المسند" (٥/٢٧٨, ٢٨٤) . وفي "النهج السديد" (ص ١٢٩) : "صحيح على شرط مسلم".
٣من حديث ابن عباس, رواه: الترمذي (صفة القيامة, باب "ولكن يا حنظلة ساعة وساعة", ٧/٢٠٣) - وقال: "حسن صحيح"-, وأحمد في "المسند" (١/٢٩٣, ٣٠٧) , وعبد بن حميد في "المنتخب" (رقم ٦٣٥) .стр. 475
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء.
الحواشي
(١) رواية ودراية وأخرج منهم الفقهاء وعلماء التفسير وما أشبه ذلك; فهذا ليس بصحيح; لأن علماء التفسير والفقهاء الذين يتحرون البناء على الدليل هم في الحقيقة من أهل الحديث، ولا يختص بأهل الحديث صناعة; لأن العلوم الشرعية: تفسير، وحديث، وفقه ... إلخ.
فالمقصود: إن كل من تحاكم إلى الكتاب والسنة; فهو من أهل الحديث بالمعنى العام. وأهل الحديث هم: كل من يتحرى العمل بسنة رسول الله ﷺ فيشمل الفقهاء الذين يتحرون العمل بالسنة، وإن لم يكونوا من أهل الحديث اصطلاحا. فشيخ الإسلام ابن تيمية مثلا لا يعتبر اصطلاحا من المحدثين، ومع ذلك; فهو رافع لراية الحديث. والإمام أحمد ﵀ تنازعه طائفتان: أهل الفقه قالوا: إنه فقيه، وأهل الحديث قالوا: إنه محدث. وهو إمام في الفقه والحديث والتفسير، ولا شك أن أقرب الناس تمسكا بالحديث هم الذين يعتنون به. ويخشى من التعبير بأن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث أن يظن أنهم أهل الحديث الذين يعتنون به اصطلاحا، فيخرج غيرهم. فإذا قيل: أهل الحديث بالمعنى الأعم الذين يأخذون بالحديث، سواء انتسبوا إليه اصطلاحا واعتنوا به أو لم يعتنوا، لكنهم أخذوا به; فحينئذ يكون صحيحا.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء: وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ١ وقد سبق ذلك.
_________
١ سورة النساء آية: ٥١.стр. 476
الثانية: تفسير آية المائدة.
الثالثة: تفسير آية الكهف.
الرابعة: وهي أهمها: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد قلب؟ أو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين.
الحواشي
(١) الثانية: تفسير آية المائدة: وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ١ وقد سبق تفسيرها. والشاهد منها هنا قوله: "وعبد الطاغوت".
الثالثة: تفسير آية الكهف: يعني: قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ ٢ وقد سبق بيان معناها.
الرابعة: - وهي أهمها -: ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت؟ هل هو اعتقاد القلب، أو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها؟ أما إيمان القلب واعتقاده; فهذا لا شك في دخوله في الآية. وأما موافقة أصحابها في العمل مع بغضها ومعرفة بطلانها; فهذا يحتاج إلى تفصيل، فإن كان وافق أصحابه بناء على أنها صحيحة; فهذا كفر، وإن كان وافق أصحابها ولا يعتقد أنها صحيحة; فإنه لا يكفر، لكنه لا شك على خطر عظيم يخشى أن يؤدي به الحال إلى الكفر والعياذ بالله.
الخامسة: قولهم: إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين: يعني: أنّ هذا القول كفر وردة; لأن من زعم أن الكفار
_________
١ سورة المائدة آية: ٦٠.
٢ سورة الكهف آية: ٢١.стр. 477
السادسة: وهي المقصود بالترجمة: أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة كما تقرر في حديث أبي سعيد.
السابعة: تصريحه بوقوعها - أعني: عبادة الأوثان -.
الثامنة: العجب العجاب: خروج من يدعي النبوة مثل المختار، مع تكلمه بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول حق، وأن القرآن حق، وفيه أن محمدا خاتم النبيين، ومع هذا يصدق في هذا كله، مع التضاد الواضح، وقد خرج المختار في آخر عهد الصحابة، وتبعه فئام كثيرة.
الحواشي
(٣٤٥٦) , ومسلم: العلم(٢٦٦٩) , وأحمد (٣/٨٤ ,٣/٨٩ ,٣/٩٤) .стр. 478
التاسعة: البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، بل لا تزال عليه طائفة.
العاشرة: الآية العظمى: أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم.
الحادية عشرة: أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة.
الحواشي
(١٩٢٠) , والترمذي: الفتن(٢٢٢٩) , وابن ماجه: المقدمة(١٠) , وأحمد (٥/٢٧٩) .
٢ سورة البقرة آية: ٢٤٩.стр. 479
الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة: منها إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر; بخلاف الجنوب والشمال. وإخباره بأنه أعطي الكنزين. وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين. وإخباره بأنه منع الثالثة: وإخباره بوقوع السيف، وأنه لا يرفع إذا وقع. وإخباره بإهلاك بعضهم بعضا، وسبي بعضهم بعضا. وخوفه على أمته من الأئمة المضلين. وإخباره بظهور المتنبئين في هذه الأمة. وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة. وكل هذا وقع كما أخبر، مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول.
الحواشي
(١) الثانية عشرة: ما فيه من الآيات العظيمة: أي: ما في هذا الحديث من الآيات العظيمة، والآيات: جمع آية، وهي العلامة، والآيات التي يؤيد الله بها رسله عليهم الصلاة والسلام هي العلامات الدالة على صدقهم.
فمما في هذا الحديث: إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، وأخبر بمعنى ذلك; فوقع كما أخبر بخلاف الجنوب والشمال، فإن رسالة النبي ﷺ امتدت نحو الشرق والغرب أكثر من امتدادها نحو الجنوب والشمال، وهذا من علم الغيب الذي أطلع الله رسوله ﷺ عليه. ومنها: إخباره أنه ﷺ أعطي الكنزين، وهما كنزا كسرى وقيصر.
ومنها: إخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين، وهما ألا يهلكها بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ... إلخ، ومنع الثالثة، وهي ألا يجعل بأسстр. 480
.......................................................................
الحواشي
(٢٨٩٠) , وأحمد (١/١٧٥ ,١/١٨١) .
٢ أخرجه: مسلم في (الفتن وأشراط الساعة, باب هلاك هذه الأمة بعضهم بعضا, ٢٨٩٠) عن سعد ﵁.(٢) "فتح الباري" (٦/٦١٧) .стр. 481
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان.
الحواشي
(١) صريح في الحديث. ومنها: إخباره ببقاء الطائفة المنصورة، وهذا كله وقع كما أخبر.
قال الشيخ ﵀: "مع أن كل واحدة منها أبعد ما يكون في العقول".
الثالثة عشرة: حصر الخوف على أمته من الأئمة المضلين: ووجه هذا الحصر أن الأئمة ثلاثة أقسام: أمراء وعلماء وعباد; فهم الذين يخشى من إضلالهم لأنهم متبوعون; فالأمراء لهم السلطة والتنفيذ، والعلماء لهم التوجيه والإرشاد، والعباد لهم تغرير الناس وخداعهم بأحوالهم; فهؤلاء يطاعون ويقتدى بهم، فيخاف على الأمة منهم; لأنهم إذا كانوا مضلين ضل بهم كثير من الناس، وإذا كانوا هادين اهتدى بهم كثير من الناس.
الرابعة عشرة: التنبيه على معنى عبادة الأوثان: يعني أن عبادة الأوثان لا تختص بالركوع والسجود لها، بل تشمل اتباع المضلين الذين يحلون ما حرم الله فيحله الناس، ويحرمون ما أحله الله فيحرمه الناس.стр. 482
باب ما جاء في السحر
....................................................................
الحواشي
(١) السحر لغة: ما خفي ولطف سببه، ومنه سمي البحر لآخر الليل; لأن الأفعال التي تقع فيه تكون خفية، وكذلك سمي السحور; لما يؤكل في آخر الليل; لأنه يكون خفيا; فكل شيء خفي سببه يسمى سحرا.
وأما في الشرع; فإنه ينقسم إلى قسمين:
الأول: عقد ورقى; أي: قراءات وطلاسم يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين فيما يريد به ضرر المسحور، لكن قد قال الله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ١.
الثاني: أدوية وعقاقير تؤثر على بدن المسحور وعقله وإرادته وميله; فتجده ينصرف ويميل، وهو ما يسمى عندهم بالصرف والعطف فيجعلون الإنسان ينعطف على زوجته أو امرأة أخرى، حتى يكون كالبهيمة تقوده كما تشاء، والصرف بالعكس من ذلك فيؤثر في بدن المسحور بإضعافه شيئا فشيئا حتى يهلك، وفي تصوره بأن يتخيل الأشياء على خلاف ما هي عليه وفي عقله; فربما يصل إلى الجنون والعياذ بالله.
فالسحر قسمان:
أ: شرك وهو الأول الذي يكون بواسطة الشياطين; يعبدهم ويتقرب إليهم ليسلطهم على المسحور.
ب: عدوان وفسق، وهو الثاني الذي يكون بواسطة الأدوية والعقاقير ونحوها.
_________
١ سورة البقرة آية: ١٠٢.стр. 483
.......................................................................
الحواشي
(١) وبهذا التقسيم الذي ذكرناه نتوصل به إلى مسألة مهمة، وهي: هل يكفر الساحر أو لا يكفر؟ اختلف في هذا أهل العلم: فمنهم من قال: إنه يكفر ومنهم من قال: إنه لا يكفر.
ولكن التقسيم السابق الذي ذكرناه يتبين به حكم هذه المسألة، فمن كان سحره بواسطة الشياطين; فإنه يكفر لأنه لا يتأتى ذلك إلا بالشرك غالبا; لقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٢ ومن كان سحره بالأدوية والعقاقير ونحوها; فلا يكفر، ولكن يعتبر عاصيا معتديا.
وأما قتل الساحر، فإن كان سحره كفرا; قتل قتل ردة، إلا أن يتوب على القول بقبول توبته، وهو الصحيح، وإن كان سحره دون الكفر; قتل قتل الصائل; أي: قتل لدفع أذاه وفساده في الأرض، وعلى هذا يرجع في قتله إلى اجتهاد الإمام، وظاهر النصوص التي ذكرها المؤلف أنه يقتل بكل حال; فالمهم أن السحر يؤثر بلا شك، لكنه لا يؤثر بقلب الأعيان إلى أعيان أخرى; لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله عزوجل وإنما يخيل إلى المسحور أن هذا الشيء انقلب وهذا الشيء تحرك أو مشى وما أشبه ذلك، كما جرى لموسى ﵊ أمام سحرة آل فرعون، حيث كان يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى.
_________
١ سورة البقرة آية: ١٠٢.
٢ سورة البقرة آية: ١٠٢.стр. 484
وقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ١.
وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ ٢.
الحواشي
(١) إذا قال قائل: ما وجه إدخال باب السحر في كتاب التوحيد؟ نقول: مناسبة الباب لكتاب التوحيد: لأن من أقسام السحر ما لا يتأتي غالبا إلا بالشرك; فالشياطين لا تخدم الإنسان غالبا إلا لمصلحة، ومعلوم أن مصلحة الشيطان أن يغوي بني آدم فيدخلهم في الشرك والمعاصي.
وقد ذكر المؤلف في الباب آيتين:
الآية الأولى: قوله تعالى: "ولقد علموا": ضمير الفاعل يعود على متعلمي السحر والجملة مؤكدة بالقسم المقدر واللام وقد. ومعنى "اشتراه" ; أي: تعلمه. قوله: ﴿مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ﴾ ٣ أي: ما له من نصيب، وكل من ليس له في الآخرة من خلاق; فمقتضاه أن عمله حابط باطل، لكن إما أن ينتفي النصيب انتفاء كليا فيكون العمل كفرا، أو ينتفي كمال النصيب فيكون فسقا.
الآية الثانية: قوله تعالى: "يؤمنون ": أي: اليهود. "بالجبت" ; أي: السحر كما فسرها عمر بن الخطاب. واليهود كانوا من أكثر الناس
_________
١ سورة البقرة آية: ١٠٢.
٢ سورة النساء آية: ٥١.
٣ سورة البقرة آية: ١٠٢.стр. 485
قال عمر: " الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان "١.
الحواشي
(١) تعلما للسحر وممارسة له، ويدعون أن سليمان ﵇ علمهم إياه، وقد اعتدوا، فسحروا النبي ﷺ
قوله: "الطاغوت": أجمع ما قيل فيه: هو ما تجاوز به العبد حده; من معبود، أو متبوع، أو مطاع. ومعنى "من معبود"; أي: بعلمه ورضاه، هكذا قال ابن القيم ﵀، وقد سبق في أول الكتاب٢ التعليق على هذا القول عند قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٣.
الشاهد: قوله: "بالجبت"، حيث فسرها أمير المؤمنين عمررضي الله عنهبأنها السحر. وأما تفسيره الطاغوت بالشيطان; فإنه من باب التفسير بالمثال.
والسلف ﵏ يفسرون الآية أحيانا بمثال يحتذى عليه، مثل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤.
قال بعض المفسرين: الظالم لنفسه: الذي لا يصلي إلا بعد خروج الوقت، والمقتصد: الذي يصلي في آخر الوقت، والسابق بالخيرات: الذي يصلي في أول الوقت. وهذا مثال من الأمثلة، وليس ما تدل عليه الآية على وجه الشمول، ولهذا فسرها بعضهم بأن الظالم لنفسه الذي لا
_________
١ علقه البخاري بصيغة الجزم في (كتاب التفسير, باب إن كنتم مرضى أو على سفر , ووصله ابن جرير في "تفسيره" (٣/١٣, ٥/٨٣) . وقال ابن حجر في "الفتح" (٨/٢٥٢) : "وصله عبد بن حميد في "تفسيره" ومسدد في "مسنده" وعبد الرحمن بن رستة في "كتاب الإيمان"; كلهم من طريق أبي إسحاق, عن حسان بن فائد, عن عمر مثله, وإسناده قوي ... ". ووصله أيضا ابن أبي حاتم وأبو القاسم البغوي; كما في "تفسير ابن كثير" (١/٣١١) .
٢سبق (ص ٢٨) .
٣ سورة النحل آية: ٣٦.
٤ سورة فاطر آية: ٣٢.стр. 486
وقال جابر: " الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد "١.
الحواشي
(١) يخرج الزكاة، والمقتصد من يخرج الزكاة ولا يتصدق، والسابق بالخيرات من يخرج الزكاة ويتصدق.
فتفسير عمررضي الله عنهللطاغوت بالشيطان تفسير بالمثال; لأن الطاغوت أعم من الشيطان; فالأصنام تعتبر من الطواغيت; كما قال تعالى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ ٢ والعلماء والأمراء الذين يضلون الناس يعتبرون طواغيت; لأنهم طغوا وزادوا وفعلوا ما ليس لهم به حق.
قوله: " الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان، في كل حي واحد " هذا أيضا من باب التفسير بالمثال، حيث إنه جعل من جملة الطواغيت الكهان. والكاهن; قيل: هو الذي يخبر عما في الضمير. وقيل: الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل.
وكان هؤلاء الكهان تنزل عليهم الشياطين بما استرقوا من السمع من السماء، وكان كل حي من أحياء العرب لهم كاهن يستخدم الشياطين، فتسترق له السمع، فتأتي بخبر السماء إليه. وكانوا يتحاكمون إليهم في الجاهلية.
والطواغيت ليسوا محصورين في هؤلاء; فتفسير جابررضي الله عنهتفسير بالمثال كتفسير عمر (.
_________
١ علقه البخاري بصيغة الجزم في الموضع السابق. وقال ابن حجر في "الفتح" (٨/٢٥٢) : "ووصله ابن أبي حاتم من طريق وهب بن منبه", ووصله أيضا ابن جرير في "تفسيره" (٣/١٣) .
٢ سورة المائدة آية: ٦٠.стр. 487
وعن أبي هريرةرضي الله عنهأن رسول الله ﷺ قال: " اجتنبوا السبع الموبقات..
الحواشي
(١) قوله: " اجتنبوا السبع الموبقات " النبي ﷺ أنصح الخلق للخلق; فكل شيء يضر الناس في دينهم ودنياهم يحذرهم منه، ولهذا قال: "اجتنبوا"، وهي أبلغ من قوله: اتركوا; لأن الاجتناب معناه أن تكون في جانب وهي في جانب آخر، وهذا يستلزم البعد عنها.
و"اجتنبوا"، أي: اتركوا، بل أشد من مجرد الترك; لأن الإنسان قد يترك الشيء وهو قريب منه، فإذا قيل: اجتنبه; يعني: اتركه مع البعد.
وقوله: السبع الموبقات هذا لا يقتضي الحصر; فإن هناك موبقات أخرى، ولكن النبي ﷺ يحصر أحيانا بعض الأنواع والأجناس، ولا يعني بذلك عدم وجود غيرها.
ومن ذلك حديث: " السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "١ فهناك غيرهم، ومثله: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة "٢ وأمثلة هذا كثيرة، وإن قلنا
_________
١ حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ; أنه قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل, وشاب نشأ في عبادة الله , ورجل قلبه معلق بالمساجد, ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه, ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال, فقال: إني أخاف الله, ورجل تصدق بصدقة فأخفاها; حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه, ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ". أخرجه: البخاري في (الأذان, باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة, ١/٢١٩) , ومسلم في (الزكاة, باب فضل إخفاء الصدقة, ٢/٧١٥) .
٢حديث أبي ذر: أن النبي ﷺ قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة, ولا ينظر إليهم, ولا يزكيهم, ولهم عذاب أليم. قال: فقرأها رسول الله ﷺ ثلاث مرات. قال أبو ذر: خابوا وخسروا, من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل, والمنان, والمنفق سلعته بالحلف الكاذب. أخرجه: مسلم في (الإيمان, باب غلظ تحريم إسبال الإزار, ١/١٠٢) .стр. 488
قالوا: يا رسول الله! وما هن؟ ............................................
الحواشي
(٢٧٣٦) , ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار(٢٦٧٧) , والترمذي: الدعوات(٣٥٠٨) , وابن ماجه: الدعاء(٣٨٦٠) , وأحمد (٢/٤٢٧ ,٢/٤٩٩ ,٢/٥٠٣ ,٢/٥١٦) .
٢ أخرجه: البخاري(٢٧٣٦) , ومسلم(٢٦٧٧) عن أبي هريرة ﵁.
٣أخرجه: الترمذي في (الدعوات, باب أسماء الله, ٩/١٧٣) - وقال: "غريب"-, وابن حبان(٢٣٨٤) , والحاكم (١/١٦) , والبيهقي في "السنن" (١٠/٢٧) , وفي "الأسماء والصفات" (ص ٥) , والبغوي في "شرح السنة" (٥/٣٢, ٣٣) . قال البيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٨) : "ويحتمل أن يكون التفسير - أي: تفسير الأسماء - وقع من بعض الرواة, وكذلك في الحديث الوليد بن مسلم, ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح". وقال شيخ الإسلام (٢٢/٣٨٢) : "وحفاظ أهل الحديث يقولون: هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه من أهل الحديث, وفيها حديث أضعف من هذا رواه ابن ماجه". وقال ابن حزم في "المحلي" (٨/٣١) : "وقد جاءت أحاديث في إحصاء التسعة والتسعين اسما مضطربة لا يصح منها شيء أصلا; فإنما تؤخذ من نص القرآن, ومما صح عن النبي ﷺ ". وانظر: "تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٦٩) , و "فتح الباري" (١١/٢١٥) . وأخرجه أيضا: ابن ماجه بزيادة ونقصان في "الأسماء والصفات" في (الدعاء, باب أسماء الله , ٢/١٢٦٩) . وقال البوصيري في "الزوائد": "إسناد طريق ابن ماجه ضعيف; لضعف عبد الملك الصنعاني". وأخرجه أيضا: الحاكم (١/١٧) , والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٧) . وضعفه الذهبي, وكذا البيهقي بعبد العزيز بن الحصين بن الترجمان, وكذا ابن حجر في "التلخيص الحبير" (٤/١٧٢) .стр. 489
.......................................................................
الحواشي
(١) الحديث على أن عدها وسردها لا يصح عن النبي ﷺ وصدق ﵀ بدليل الاختلاف الكبير فيها. فمن حاول تصحيح هذا الحديث; قال: إن الثواب عظيم، " من أحصاها دخل الجنة " ; فلا يمكن للصحابة أن يفوتوه، فلا يسألوا عن تعيينها فدل هذا على أنها قد عينت من قبل النبي ﷺ
لكن يجاب عن ذلك بأنه ليس بلازم، ولو عينها النبي ﷺ لكانت هذه الأسماء التسع والتسعين معلومة للعالم أشد من علم الشمس، ولنقلت في "الصحيحين" وغيرهما; لأن هذا مما تدعو الحاجة إليه، وتلح بحفظه والعناية به; فكيف لا يأتي إلا عن طرق واهية وعلى صور مختلفة؟! فالنبي ﷺ لم يبينها لحكمة بالغة، وهي أن يطلبها الناس ويتحروها في كتاب الله وسنة رسوله الله ﷺ حتى يعلم الحريص من غير الحريص. كما لم يبين النبي ﷺ ساعة الإجابة يوم الجمعة، والعلماء اختلفوا في حديث أبي موسى الذي في مسلم; حيث قال فيه: " هي ما بين أن يخرج الإمام إلى أن تقضى الصلاة " ١ فإن بعضهم صححه وبعضهم ضعفه،
_________
١ حديث أبي بردة بن أبي موسى الأشعري ﵁; قال: قال عبد الله بن عمر ﵄: أسمعت أباك يحدث عن رسول الله ﷺ في شأن ساعة الجمعة؟ قال: قلت: نعم, سمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة". أخرجه: مسلم في (الجمعة, باب في الساعة التي في يوم الجمعة, ٢/٦٨٤) . وانظر: "فتح الباري" (٢/٤١٧- ٤٢٢, ١١/١٩٩) .стр. 490
قال: الشرك بالله ١....................................................
الحواشي
(٢٧٦٧) , ومسلم: الإيمان(٨٩) , والنسائي: الوصايا(٣٦٧١) , وأبو داود: الوصايا(٢٨٧٤) .
٢ سورة الكهف آية: ٥٢.стр. 491
والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق.........................
الحواشي
(٤٤٧٧) , ومسلم: الإيمان(٨٦) , والترمذي: تفسير القرآن (٣١٨٢ ,٣١٨٣) , والنسائي: تحريم الدم (٤٠١٣ ,٤٠١٤) , وأبو داود: الطلاق(٢٣١٠) , وأحمد (١/٣٨٠ ,١/٤٣١ ,١/٤٣٤ ,١/٤٦٢ ,١/٤٦٤) .
٤ حديث عبد الله بن مسعود ﵁; قال: سألت النبي ﷺ : أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: "أن تجعل لله نذا وهو خلقك ... " الحديث. أخرجه: البخاري في (التفسير, باب قوله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا , ٣/١٩٠) , ومسلم في (الإيمان, باب كون الشرك أقبح الذنوب, ١/٩٠) .стр. 492
.......................................................................
الحواشي
(١) الروح، والمراد بالنفس: البدن الذي فيه الروح، والمراد بالنفس هنا: نفس الآدمي وليس نفس البعير والحمار وما أشبهها.
وقوله: "التي حرم الله": مفعول "حرم" محذوف تقديره: حرم قتلها; فالعائد على الموصول محذوف.
وقوله: "إلا بالحق" أي: بالعدل; لأن هذا حكم، والحق إذا ذكر بإزاء الأحكام; فالمراد به العدل، وإن ذكر بإزاء الأخبار; فالمراد به الصدق، والعدل: هو ما أمر الله به ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ ١.
والنفس المحرمة أربعة أنفس، هي: نفس المؤمن، والذمي، والمعاهد، والمستأمن; بكسر الميم: طالب الأمان. فالمؤمن لإيمانه، والذمي لذمته، والمعاهد لعهده، والمستأمن لتأمينه. والفرق بين الثلاثة - الذمي، والمعاهد، والمستأمن -: أن الذمي هو الذي بيننا وبينه ذمة; أي: عهد على أن يقيم في بلادنا معصوما مع بذل الجزية. وأما المعاهد; فيقيم في بلاده، لكن بيننا وبينه عهد أن لا يحاربنا ولا نحاربه.
وأما المستأمن; فهو الذي ليس بيننا وبينه ذمة ولا عهد، لكننا أمناه في وقت محدد; كرجل حربي دخل إلينا بأمان للتجارة ونحوها، أو ليفهم الإسلام، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ ٢ وهناك فرق آخر، وهو أن العهد يجوز من جميع الكفار، والذمة لا تجوز إلا من اليهود والنصارى والمجوس دون بقية الكفار، وهذا هو المشهور من المذهب، والصحيح: أنها تجوز من جميع الكفار.
_________
١ سورة النحل آية: ٩٠.
٢ سورة التوبة آية: ٦.стр. 493
وأكل الربا ١،...........................................................
الحواشي
(٢٧٦٧) , ومسلم: الإيمان(٨٩) , والنسائي: الوصايا(٣٦٧١) , وأبو داود: الوصايا(٢٨٧٤) .
٢ سورة الحج آية: ٥.
٣ مسلم: المساقاة(١٥٨٧) , والترمذي: البيوع(١٢٤٠) , والنسائي: البيوع(٤٥٦١) , وابن ماجه: التجارات(٢٢٥٤) , وأحمد (٥/٣١٤ ,٥/٣٢٠) , والدارمي: البيوع(٢٥٧٩) .стр. 494
.......................................................................
الحواشي
(١٥٨٧) , وأحمد (٥/٣٢٠) .
٢ سبق من حديث عبادة بن الصامت.
٣ مسلم: المساقاة(١٥٨٧) , وأحمد (٥/٣٢٠) .
٤ سبق من حديث عبادة بن الصامت.стр. 495
......................................................................
الحواشي
(١٥٨٧) , وأحمد (٥/٣٢٠) .следующие страницы →