Полный текст (1 122 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
" ولا نوء،..........................................................
الحواشي
(١) لم يجعلها الشرع سببا بل نفاها، فلا يجوز لك أن تتعلق بها، بل احمد الله على العافية، وقل: ربنا عليك توكلنا.
قوله: (لا نوء (واحد الأنواء، والأنواء: هي منازل القمر، وهي ثمان وعشرون منزلة، كل منزلة لها نجم تدور بمدار السنة. وهذه النجوم بعضها يسمى النجوم الشمالية، وهي لأيام الصيف، وبعضها يسمى النجوم الجنوبية، وهي لأيام الشتاء، وأجرى الله العادة أن المطر في وسط الجزيرة العربية يكون أيام الشتاء، أما أيام الصيف; فلا مطر.
فالعرب كانوا يتشاءمون بالأنواء، ويتفاءلون بها; فبعض النجوم يقولون: هذا نجم نحس لا خير فيه، وبعضها بالعكس يتفاءلون به فيقولون: هذا نجم سعود وخير، ولهذا إذا أمطروا قالوا: مطرنا بنوء كذا، ولا يقولون: مطرنا بفضل الله ورحمته، ولا شك أن هذا غاية الجهل.
ألسنا أدركنا هذا النوء بعينه في سنة يكون فيه مطر وفي سنة أخرى لا يكون فيه مطر؟ ونجد السنوات تمر بدون مطر مع وجود النجوم الموسمية التي كانت كثيرا ما يكون في زمنها الأمطار.
فالنوء لا تأثير له; فقولنا: طلع هذا النجم، كقولنا: طلعت الشمس; فليس له إلا طلوع وغروب، والنوء وقت تقدير، وهو يدل على دخول الفصول فقط.
وفي عصرنا الحاضر يعلق المطر بالضغط الجوي والمنخفض الجوي، وهذا وإن كان قد يكون سببا حقيقيا، ولكن لا يفتح هذا الباب للناس، بل الواجب أن يقال: هذا من رحمة الله، هذا من فضله ونعمه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ
_________
١ سورة النور آية: ٤٣.стр. 562
ولا غول "٢٣.
الحواشي
(٥٧٥٧) , ومسلم: السلام(٢٢٢٠) , وأبو داود: الطب(٣٩١٢) .
٣ أخرجه: مسلم في (السلام, باب لا عدوى ولا طيرة, ٤/١٧٤٣) ; فقد أخرج حديث أبي هريرة بزيادة: "ولا نوء", ومن حديث جابر بزيادة: "ولا غول".
٤ سورة المجادلة آية: ١٠.стр. 563
ولهما عن أنس; قال: قال رسول الله ﷺ " لا عدوى، ولا طيرة، ويعجبني الفأل. قالوا: وما الفأل; قال: الكلمة الطيبة "١. ٢
الحواشي
(٥٧٧٦) , ومسلم: السلام(٢٢٢٤) , والترمذي: السير(١٦١٥) , وأبو داود: الطب(٣٩١٦) , وابن ماجه: الطب(٣٥٣٧) , وأحمد (٣/١٣٠ ,٣/١٧٣ ,٣/٢٧٥) .
٢ أخرجه: البخاري في (الطب, باب الفأل, ٤/٤٦) , ومسلم في (السلام, باب الطيرة والفأل, ٤/١٧٤٥- ١٧٤٦) ; من حديث أنس. وأخرجاه أيضا من حديث أبي هريرة في المواضع السابقة ﵄.
٣ البخاري: الطب(٥٧٥٧) , ومسلم: السلام(٢٢٢٠) , وأبو داود: الطب(٣٩١١) , وأحمد (٢/٢٦٧ ,٢/٣٩٧ ,٢/٤٣٤) .
٤ البخاري: الطب(٥٧٧٦) , ومسلم: السلام(٢٢٢٤) , والترمذي: السير(١٦١٥) , وأحمد (٣/١٧٣ ,٣/١٧٨ ,٣/٢٧٥) .стр. 564
ولأبي داود بسند صحيح عن " عقبة بن عامر; قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله ﷺ فقال: أحسنها الفأل، ولا ترد مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره; فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت،........................
الحواشي
(٣٩١٩) .
٢ ص ٥٧٠) .
٣ أبو داود: الطب(٣٩١٩) .
٤ أبو داود: الطب(٣٩١٩) .
٥ أبو داود: الطب(٣٩١٩) .
٦ أبو داود: الطب(٣٩١٩) .стр. 565
ولا يدفع السيئات إلا أنت،..............................................
الحواشي
(٣٩١٩) .
٢ سورة التوبة آية: ٥٠.
٣ سورة آل عمران آية: ١٢٠.
٤ أبو داود: الطب(٣٩١٩) .стр. 566
ولا حول ولا قوة إلا بك "١. ٢
الحواشي
(٣٩١٩) .
٢ أخرجه: أبو داود في (الطب, باب في الطيرة, ٤/٢٣٥) -وسكت عنه-, وابن السني(٢٩٤) , والبيهقي (٨/١٣٩) . وقال النووي في "الرياض" كما في "دليل الفالحين" (ص ٨٠٦) : "رواه أبو داود بإسناد صحيح". وقال المنذري في "مختصر سنن أبي داود" (٥/٣٧٩) : "عروة هذا قيل فيه: القرشي, وقيل فيه: الجهني, وقال أبو القاسم الدمشقي: ولا صحبة له تصح. وذكر البخاري وغيره: أنه سمع من ابن عباس; فعلى هذا يكون الحديث مرسلا".
٣ سورة آل عمران آية: ٣٨.
٤ سورة الأنبياء آية: ٨٣.
٥ أبو داود: الطب(٣٩١٩) .стр. 567
وعن ابن مسعود، مرفوعا: " الطيرة شرك الطيرة شرك
الحواشي
(٣٩١٩) .
٢ الترمذي السير(١٦١٤) , وأبو داود: الطب(٣٩١٠) , وابن ماجه: الطب(٣٥٣٨) , وأحمد (١/٣٨٩ ,١/٤٣٨ ,١/٤٤٠) .
٣ مسلم الإيمان(٦٧) , وأحمد (٢/٤٤١ ,٢/٤٩٦) .
٤ أخرجه مسلم في (الإيمان, باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب, ١/٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
٥ مسلم الإيمان(٨٢) , والترمذي: الإيمان(٢٦٢٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٧٨) , وابن ماجه: إقامة الصلاة والسنة فيها(١٠٧٨) , وأحمد (٣/٣٧٠ ,٣/٣٨٩) , والدارمي: الصلاة(١٢٣٣) .
٦ أخرجه مسلم في (الإيمان, باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة, ١/٨٨) من حديث جابر ﵁.стр. 568
وما منا إلا ... ولكن الله يذهبه بالتوكل "١ رواه أبو داود والترمذي وصححه٢.............................................................
الحواشي
(١٦١٤) , وأبو داود: الطب(٣٩١٠) , وابن ماجه: الطب(٣٥٣٨) , وأحمد (١/٣٨٩ ,١/٤٣٨ ,١/٤٤٠) .
٢ أخرجه: احمد (١/٣٨٩, ٤٣٨, ٤٤٠) , وأبو داود في (الطب, باب في الطيرة, ٤/٢٣٠) - وسكت عنه-, والترمذي في (السير, باب ما جاء في الطيرة, ٥/٣٣٦) - وقال: "حسن صحيح"-, وابن ماجه في (الطب, باب من كان يعجبه الفأل, ٢/١١٧٠) , والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/٣١٢) , وابن حبان(١٤٢٧) , والحاكم (١/١٧) - وصححه ووافقه الذهبي-, والبيهقي (٨/١٣٩) , والبغوي في "شرح السنة" (١٢/١٧٧) .стр. 569
وجعل آخره من قول ابن مسعود١.
الحواشي
(١٦٥) , ومسلم: الطهارة(٢٤٢) , والترمذي: الطهارة(٤١) , والنسائي: الطهارة(١١٠) , وابن ماجه: الطهارة وسننها(٤٥٣) , وأحمد (٢/٢٢٨ ,٢/٤٣٠) , والدارمي: الطهارة(٧٠٧) .
٤ أخرجه البخاري في (الوضوء, باب غسل الأعقاب, ١/٧٤) , ومسلم في (الطهارة, باب وجوب غسل الرجلين, ١/٢١٣) .
٥ البخاري العلم (٦٠ ,٩٦) والوضوء(١٦٣) , ومسلم: الطهارة(٢٤١) , والنسائي: الطهارة(١١١) , وأبو داود: الطهارة(٩٧) , وابن ماجه: الطهارة وسننها(٤٥١) , وأحمد (٢/١٩٣) , والدارمي الطهارة(٧٠٦) .
٦ البخاري بدء الوحي(٤) , ومسلم: الإيمان (١٦٠ ,١٦١) , وأحمد (٣/٣٧٧ ,٦/٢٣٢) .
٧ أخرجه: البخاري في (بدء الوحي, باب حدثنا يحيى بن بكير, ١/١٤) , ومسلم في (الإيمان, باب بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ , ١/١٤٠) .
٨ البخاري الوضوء(١٣٦) , ومسلم: الطهارة(٢٤٦) , وأحمد (٢/٣٣٤ ,٢/٣٦٢ ,٢/٤٠٠) .
٩ أخرجه البخاري في (الوضوء, باب فضل الوضوء, ١/٦٥) , ومسلم في (الطهارة, باب استحباب إطالة الغرة, ١/٢٤٦) .стр. 570
ولأحمد من حديث ابن عمرو: " من ردته الطيرة عن حاجته; فقد أشرك. قالوا: فما كفارة ذلك; قال: أن تقولوا: اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طير ك،
الحواشي
(١) قوله: " من ردته الطيرة عن حاجته "١ "من": شرطية، وجواب الشرط: "فقد أشرك"، واقترن الجواب بالفاء; لأنه لا يصلح لمباشرة الأداة، وحينئذ يجب اقترانه بالفاء، وقد جمع ذلك في بيت شعر معروف، وهو قوله:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما وقد وبلن وبالتنفيس
وقوله: "عن حاجته": الحاجة: كل ما يحتاجه الإنسان بما تتعلق به الكمالات، وقد تطلق على الأمور الضرورية.
وقوله (فقد أشرك) أي: شركا أكبر إن اعتقد أن هذا المتشائم به يفعل ويحدث الشر بنفسه، وإن اعتقده سببا فقط فهو أصغر، لأنه سبق أن ذكرنا قاعدة مفيدة في هذا الباب، وهي: "إن كل من اعتقد في شيء أنه سبب ولم يثبت أنه سبب لا كونا ولا شرعا; فشركه شرك أصغر; لأنه ليس لنا أن نثبت أن هذا سبب إلا إذا كان الله قد جعله سببا كونا أو شرعا; فالشرعي: كالقراءة والدعاء، والكوني: كالأدوية التي جرب نفعها".
وقوله: " فما كفارة ذلك "٢ أي: ما كفارة هذا الشرك، أو ما هو الدواء الذي يزيل هذا الشرك؟ لأن الكفارة قد تطلق على كفارة الشيء بعد فعله، وقد تطلق على الكفارة قبل الفعل، وذلك لأن الاشتقاق مأخوذ من الكفر، وهو الستر، والستر واق; فكفارة ذلك إن وقع وكفارة ذلك إن لم يقع.
وقوله: " اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك "٣ يعني: فأنت الذي بيدك الخير المباشر; كالمطر والنبات، وغير المباشر; كالذي يكون سببه من عند الله على يد مخلوق، مثل: أن يعطيك إنسان دراهم صدقة أو هدية، وما أشبه ذلك; فهذا الخير من الله، لكن
_________
١ أحمد (٢/٢٢٠) .
٢ أحمد (٢/٢٢٠) .
٣ أحمد (٢/٢٢٠) .стр. 571
ولا إله غيرك "١. ٢
الحواشي
(٢٩٣) . وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٥/١٠٥) : "وفيه ابن لهيعة, وحديثه حسن, وبقية رجاله ثقات". وقال الشارح في "تيسير العزيز الحميد" (ص ٤٣٩) : "وفيه ابن لهيعة".
٣ أحمد (٢/٢٢٠) .
٤ أحمد (٢/٢٢٠) .
٥ سورة الملك آية: ١٩.
٦ سورة النحل آية: ٧٩.
٧ سورة الأعراف آية: ١٣١.
٨ أحمد (٢/٢٢٠) .
٩ أحمد (٢/٢٢٠) .
١٠ أحمد (٢/٢٢٠) .стр. 572
.......................................................................
الحواشي
(١٦١٤) , وأبو داود: الطب(٣٩١٠) , وابن ماجه: الطب(٣٥٣٨) , وأحمد (١/٣٨٩ ,١/٤٣٨ ,١/٤٤٠) .
٤ سبق (ص ٥٧٥) .стр. 573
له من حديث الفضل بن العباس: " إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك "١. ٢
الحواشي
(١) قوله: في حديث الفضل: " إنما الطيرة " هذه الجملة عند البلاغيين تسمى حصرا; أي: ما الطيرة إلا ما أمضاك أو ردك لا ما حدث في قلبك ولم تلتفت إليه، ولا ريب أن السلامة منها حتى في تفكير الإنسان خير بلا شك، لكن إذا وقعت في القلب ولم ترده ولم يلتفت لها; فإنها لا تضره، لكن عليه أن لا يستسلم، بل يدافع; إذ الأمر كله بيد الله.
قوله: " ما أمضاك أو ردك "٣ أما "ما ردك"; فلا شك أنه من الطيرة; لأن التطير يوجب الترك والتراجع. وأما "ما أمضاك" ; فلا يخلو من أمرين:
الأول: أن تكون من جنس التطير، وذلك بأن يستدل لنجاحه أو عدم نجاحه بالتطير، كما لو قال: سأزجر هذا الطير، فإذا ذهب إلى اليمين; فمعنى ذلك اليمن والبركة، فيقدم; فهذا لا شك أنه تطير; لأن التفاؤل بمثل انطلاق الطير عن اليمين غير صحيح; لأنه لا وجه له; إذ الطير إذا طار; فإنه يذهب إلى الذي يرى أنه وجهته، فإذا اعتمد عليه; فقد اعتمد على سبب لم يجعله الله سببا، وهو حركة الطير.
الثاني: أن يكون سبب المضي كلاما سمعه أو شيئا شاهده يدل على تيسير هذا الأمر له; فإن هذا فأل، وهو الذي يعجب النبي ﷺ لكن إن اعتمد عليه وكان سببا لإقدامه; فهذا حكمه حكم الطيرة، وإن لم يعتمد عليه ولكنه فرح ونشط وازداد نشاطا في طلبه; فهذا من الفأل المحمود.
والحديث في سنده مقال، لكن على تقدير صحته هذا حكمه.
_________
١ أحمد (١/٢١٣) .
٢ أخرجه: أحمد (١/٢١٣) . وقال ابن مفلح في "الآداب" (٣/٣٧٧) : "رواه أحمد من رواية محمد بن عبد الله بن علاثة, وهو مختلف فيه, وفيه انقطاع", وقال الشيخ سليمان (ص ٤٤٠) : "وهكذا رواه أحمد, وفي إسناده نظر".
٣ أحمد (١/٢١٣) .стр. 574
فيه مسائل:
الأولى: التنبيه على قوله: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ١ مع قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ٢.
الثانية: نفي العدوى.
الثالثة: نفي الطيرة.
الرابعة: نفي الهامة.
الخامسة: نفي الصفر.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: التنبيه على قوله: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٣ مع قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ٤ أي: لكي يتنبه الإنسان، فإن ظاهر الآيتين التعارض، وليس كذلك; فالقرآن والسنة لا تعارض بينهما ولا تعارض في ذاتهما، إنما يقع التعارض حسب فهم المخاطب، وقد سبق بيان الجمع أن قوله: ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ ٥ أن الله هو المقدر ذلك، وليس موسى ولا غيره من الرسل، وأن قوله: ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ ٦ من باب السبب; أي: أنتم سببه.
الثانية: نفي العدوى: وقد سبق أن المراد بنفيها نفي تأثيرها بنفسها لا أنها سبب للتأثير; لأن الله قد جعل بعض الأمراض سببا للعدوى وانتقالها.
الثالثة: نفي الطيرة: أي: نفي التأثير لا نفي الوجود.
الرابعة: نفي الهامة: وقد سبق تفسيرها.
الخامسة: نفي الصفر: وسبق تفسيره.
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٣١.
٢ سورة يس آية: ١٩.
٣ سورة الأعراف آية: ١٣١.
٤ سورة يس آية: ١٩.
٥ سورة الأعراف آية: ١٣١.
٦ سورة يس آية: ١٩.стр. 575
السادسة: أن الفأل ليس من ذلك بل مستحب.
السابعة: تفسير الفأل.
الثامنة: أن الواقع في القلوب من ذلك مع كراهته لا يضر بل يذهبه الله بالتوكل.
التاسعة: ذكر ما يقول من وجده.
الحواشي
(١٦٨) , ومسلم: الطهارة(٢٦٨) , والترمذي: الجمعة(٦٠٨) , والنسائي: الغسل والتيمم(٤٢١) والزينة(٥٢٤٠) , وأبو داود: اللباس(٤١٤٠) , وابن ماجه: الطهارة وسننها(٤٠١) , وأحمد (٦/٩٤ ,٦/١٣٠ ,٦/١٤٧ ,٦/١٨٧ ,٦/٢٠٢ ,٦/٢١٠) .
٣ أخرجه: البخاري في "الوضوء, باب التيمن في الوضوء والغسل, ١/٧٥) , ومسلم في (الطهارة, باب التيمن في الطهور, ١/٢٢٦) .
٤ سبق (ص ٥٧٥) .стр. 576
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة.
الحواشي
(١) أن يقول: "اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك".
أو يقول: "اللهم لا خير إلا خيرك، ولا طير إلا طيرك، ولا إله غيرك".
العاشرة: التصريح بأن الطيرة شرك: وسبق أن الطيرة شرك، لكن بتفصيل، فإن اعتقد تأثيرها بنفسها، فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنها سبب; فهو شرك أصغر.
الحادية عشرة: تفسير الطيرة المذمومة: أي: ما أمضاك أو ردك.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
تم الجزء الأول ولله الحمد
ويليه الجزء الثاني وأوله باب ما جاء في التنجيمстр. 577
المجلد الثاني
باب ما جاء في التنجيم
...
باب: ما جاء في التنجيم:
.......................................................................
الحواشي
(١) التنجيم: مصدر نجّم بتشديد الجيم; أي: تعلم علم النجوم، أو اعتقد تأثير النجوم.
وعلم النجوم ينقسم إلى قسمين:
١- علم التأثير.
٢- علم التسيير.
فالأول: علم التأثير. وهذا ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
أ: أن يعتقد أن هذه النجوم مؤثرة فاعلة، بمعنى أنها هي التي تخلق الحوادث والشرور; فهذا شرك أكبر; لأن من ادعى أن مع الله خالقا; فهو مشرك شركا أكبر; فهذا جعل المخلوق المسخر خالقا مُسَخِّرًا.
ب: أن يجعلها سببا يدعي به علم الغيب; فيستدل بحركاتها وتنقلاتها وتغيراتها على أنه سيكون كذا وكذا; لأن النجم الفلاني صار كذا وكذا، مثل أن يقول: هذا الإنسان ستكون حياته شقاء; لأنه ولد في النجم الفلاني، وهذا حياته ستكون سعيدة; لأنه ولد في النجم الفلاني; فهذا اتخذ تعلم النجوم وسيلة لا دعاء علم الغيب، ودعوى علم الغيب كفر مخرج عن الملة; لأن الله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [سورة النمل: من الآية ٦٥] وهذا من أقوى أنواع الحصر; لأنه بالنفي والإثبات، فإذا ادعى أحد علم الغيب; فقد كَذَّب القرآن.стр. 578
......................................................................
الحواشي
(١) ج: أن يعتقدها سببا لحدوث الخير والشر، أي أنه إذا وقع شيء نسبه إلى النجوم، ولا ينسب إلى النجوم شيئا إلا بعد وقوعه; فهذا شرك أصغر.
فإن قيل: ينتقض هذا بما ثبت عن النبي ﷺ في قوله في الكسوف: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله يخوف الله بهما عباده "١؛ فمعنى ذلك أنهما علامة إنذار.
فالجواب من وجهين:
الأول: أنه لا يُسلَّم أن للكسوف تأثيرا في الحوادث والعقوبات، من الجدب والقحط والحروب، ولذلك قال النبي ﷺ : "إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته " لا في ما مضى ولا في المستقبل، وإنما يخوف الله بهما العباد لعلهم يرجعون، وهذا أقرب.
الثاني: أنه لو سلمنا أن لهما تأثيرا; فإن النص قد دل على ذلك، وما دل عليه النص يجب القول به، لكن يكون خاصا به.
لكن الوجه الأول هو الأقرب: أننا لا نسلم أصلا أن لهما تأثيرا في هذا; لأن الحديث لا يقتضيه; فالحديث ينص على التخويف، والمخوف هو الله تعالى، والمخوف عقوبته، ولا أثر للكسوف في ذلك، وإنما هو علامة فقط.
الثاني: علم التسيير. وهذا ينقسم إلى قسمين:
الأول: أن يستدل بسيرها على المصالح الدينية; فهذا مطلوب، وإذا
_________
١ أخرجه: البخاري في (الكسوف, باب الصدقة في الكسوف/١/٣٢٨) , ومسلم في (الكسوف, باب صلاة الكسوف/٢/٦١٨) .стр. 579
قال البخاري في " صحيحه": "قال قتادة: خلق الله هذه النجوم لثلاث................................................................
стр. 580
زينة للسماء،..........................................................
الحواشي
(١) والثلاث هي:
الأولى: زينة للسماء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: من الآية٥] لأن الإنسان إذا رأى السماء صافية في ليلة غير مقمرة وليس فيها كهرباء يجد لهذه النجوم من الجمال العظيم ما لا يعلمه إلا الله; فتكون كأنها غابة محلاة بأنواع من الفضة اللامعة، هذه نجمة مضيئة كبيرة تميل إلى الحمرة، وهذه تميل إلى الزرقة، وهذه خفيفة، وهذه متوسطة، وهذا شيء مشاهد.
وهل نقول: إن ظاهر الآية الكريمة أن النجوم مرصعة في السماء، أو نقول: لا يلزم ذلك؟
الجواب: لا يلزم من ذلك أن تكون النجوم مرصعة في السماء، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الانبياء: الآية٣٣] أي: يدورون، كل له فلك. وأنا شاهدت بعيني أن القمر خسف نجمة من النجوم، أي غطاها، وهي من النجوم اللامعة الكبيرة كان يقرب حولها في آخر الشهر، وعند قرب الفجر غطاها; فكنا لا نراها بالمرة، وذلك قبل عامين في آخر رمضان.
إذن هي أفلاك متفاوتة في الارتفاع والنزول، ولا يلزم أن تكون مرصعة في السماء.
فإن قيل: فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا﴾ [الملك: من الآية٥] ؟
قلنا: إنه لا يلزم من تزيين الشيء بالشيء أن يكون ملاصقا له، أرأيت لو أن رجلا عمر قصرا وجعل حوله ثريات من الكهرباء كبيرة وجميلة، وليست على جدرانه; فالناظر إلى القصر من بعد يرى أنها زينة له، وإن لم تكن ملاصقة له.стр. 581
ورجوما للشياطين، وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك; أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به"١ انتهى.
الحواشي
(١) الثانية: رجوما للشياطين; أي: لشياطين الجن، وليسوا شياطين الإنس; لأن شياطين الإنس لم يصلوا إليها، لكن شياطين الجن وصلوا إليها; فهم أقدر من شياطين الإنس، ولهم قوة عظيمة نافذة، قال تعالى عن عملهم الدال على قدرتهم: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ ، [صّ:٣٧] ، أي: سخرنا لسليمان: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ ، [صّ:٣٨] ، وقال تعالى: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ ، [النمل: من الآية٣٩] ، أي: من سبأ إلى الشام، وهو عرش عظيم لملكة سبأ; فهذا يدل على قوتهم وسرعتهم ونفودهم. وقال تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ ، [الجن:٩] . والرجم: الرمي.
الثالثة: علامات يهتدى بها، تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ، وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ ، [النحل:١٥-١٦] ، فذكر الله تعالى نوعين من العلامات التي يهتدى بها:
الأول: أرضية، وتشمل كل ما جعل الله في الأرض من علامة; كالجبال، والأنهار، والطرق، والأودية، ونحوها.
والثاني: أفقية في قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ .
والنجم: اسم جنس يشمل كل ما يهتدى به، ولا يختص بنجم معين; لأن لكل قوم طريقة في الاستدلال بهذه النجوم على الجهات،
_________
١ علقه بصيغة الجزم البخاري في (بدء الخلق, باب في النجوم/٢/٤٢٠) .стр. 582
وكَرِه قتادة تعلم منازل القمر.
ولم يرخص ابن عيينة فيه. ذكره حرب عنهما.
ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق.
الحواشي
(١) سواء جهات القبلة أو المكان، برا أو بحرا.
وهذا من نعمة الله أن جعل علامات علوية لا يحجب دونها شيء، وهي النجوم; لأنك في الليل لا تشاهد جبالا ولا أودية، وهذا من تسخير الله، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ ، [الجاثية: من الآية١٣] .
قوله: "وكره قتادة تعلم منازل القمر": أي: كراهة تحريم؛ بناء على أن الكراهة في كلام السلف يراد بها التحريم غالبا.
وقوله: "تعلم منازل القمر" يحتمل أمرين:
الأول: أن المراد به معرفة منزلة القمر، فالليلة يكون في الشرطين، ويكون في الإكليل، فالمراد معرفة منازل القمر كل ليلة; لأن كل ليلة له منزلة حتى يتم ثمانيا وعشرين، وفي تسع وعشرين وثلاثين لا يظهر في الغالب.
الثاني: أن المراد به تعلم منازل النجوم; أي: يخرج النجم الفلاني في اليوم الفلاني، وهذه النجوم جعلها الله أوقاتا للفصول; لأنها [٢٨] نجما، منها [١٤] يمانية و [١٤] شمالية; فإذا حلت الشمس في المنازل الشمالية صار الحر، وإذا حلت في الجنوبية صار البرد، ولذلك كان من علامة دنو البرد خروج سهيل، وهو من النجوم اليمانية.
قوله: "ولم يرخص فيه ابن عيينة": هو سفيان بن عيينة المعروف، وهذا يوافق قول قتادة بالكراهة.
قوله: "ذكره حرب": من أصحاب أحمد، روى عنه مسائل كثيرة.
قوله: "إسحاق": هو إسحاق بن راهويه.стр. 583
وعن أبي موسى; قال: قال رسول الله ﷺ " ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن الخمر،..........................................................
الحواشي
(١) والصحيح أنه لا بأس بتعلم منازل القمر; لأنه لا شرك فيها; إلا إن تعلمها ليضيف إليها نزول المطر وحصوله البرد، وأنها هي الجالبة لذلك; فهذا نوع من الشرك، أما مجرد معرفة الوقت بها: هل هو الربيع، أو الخريف، أو الشتاء; فهذا لا بأس به.
قوله في حديث أبي موسى: "الجنة": هي الدار التي أعدها الله لأوليائه المتقين، وسميت بذلك; لكثرة أشجارها لأنها تجن من فيها أي تستره.
قوله: "مدمن خمر": هو الذي يشرب الخمر كثيرا، والخمر حده الرسول ﷺ بقوله: "كل مسكر خمر"١، ومعنى "أسكر"; أي: غطى العقل، وليس كل ما غطى العقل فهو خمر; فالبنج مثلا ليس بخمر، وإذا شرب دهنا فأغمي عليه; فليس ذلك بخمر، وإنما الخمر الذي يغطي العقل على وجه اللذة والطرب; فتجد الشارب يحس أنه في منزلة عظيمة، وسعادة، وما أشبه ذلك، قال الشاعر:
وأسدا ما يهنئها اللقاء ... ونشربها فتتركنا ملوكا
وقال حمزة بن عبد المطلب- وكان قد سكر قبل تحريم الخمر- للنبي ﷺ : "وهل أنتم إلا عبيد أبي"٢ فالذي يغطي العقل على سبيل
_________
١ أخرجه مسلم في (الأشربة, باب بيان أن كل مسكر خمر/٣/١٥٨٧) من حديث ابن عمر ﵄.
٢ أخرجه البخاري في (فرض الخمس, باب فرض الخمس/٢/٣٨٥) , ومسلم في (الأشربة, باب تحريم الخمر/٣/١٥٦٨) ; من حديث علي بن أبي طالب ﵁.стр. 584
وقاطع الرحم،........................................................................
الحواشي
(١) اللذة محرم بالكتاب والسنة، ومن استحله; فهو كافر، إلا إن كان ناشئا ببادية بعيدة، أو حديث عهد بالإسلام، ولا يعلم الحكم الشرعي في ذلك; فإنه يعرف ولا يكفر بمجرد إنكاره تحريمه.
قوله: "قاطع الرحم": الرحم: هم القرابة، قال تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ ، [لأنفال: من الآية٧٥] ، وليس كما يظنه العامة أنهم أقارب الزوجين; لأن هذه تسمية غير شرعية، والشرعية في أقارب الزوجين: أن يسموا أصهارا.
ومعنى قاطع الرحم أن لا يصله، والصلة جاءت مطلقة في الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ، [الرعد: من الآية٢١] ، ومنه الأرحام وما جاء مطلقا غير مقيد; فإنه يتبع فيه العرف كما قيل:
وكل ما أتى ولم يحدد ... بالشرع كالحرز فبالعرف احدد١
فالصلة في زمن الجوع والفقر: أن يعطيهم ويلاحظهم بالكسوة والطعام دائما، وفي زمن الغنى لا يلزم ذلك.
وكذلك الأقارب ينقسمون إلى قريب وبعيد; فأقربهم يجب له من الصلة أكثر مما يجب للأبعد. ثم الأقارب ينقسمون إلى قسمين من جهة أخرى: قسم من الأقارب يرى أن لنفسه حقا لا بد من القيام به، ويريد أن تصله دائما، وقسم آخر يقدر الظروف وينزل الأشياء منازلها; فهذا له حكم، وذلك له حكم.
والقطيعة يرجع فيها إلى العرف; إلا أنه يستثنى من ذلك مسألة، وهي: ما لو كان العرف عدم الصلة مطلقا، بأن كنا في أمة تشتتت
_________
١ انظر: "منظومة الشارح" حفظه الله (ص ٣) .стр. 585
ومصدق بالسحر ". رواه أحمد وابن حبان في " صحيحه "١.
الحواشي
(١) وتقطعت عرى صلتها كما يعرف الآن في البلاد الغربية; فإنه لا يعمل حينئذ بالعرف، ونقول: لا بد من صلة، فإذا كان هناك صلة في العرف اتبعناها، وإذا لم يكن هناك صلة; فلا يمكن أن نعطل هذه الشريعة التي أمر الله بها ورسوله.
والصلة ليس معناها أن تصل من وصلك; لأن هذا مكافأة، وليست صلة; لأن الإنسان يصل أبعد الناس عنه إذا وصله، إنما الواصل; كما قال الرسول ﷺ " من إذا قطعت رحمه وصلها "٢ هذا هو الذي يريد وجه الله والدار الآخرة.
وهل صلة الرحم حق لله أو للآدمي؟
الظاهر أنها حق للآدمي، وهي حق لله باعتبار أن الله أمر بها.
قوله: " ومصدق بالسحر ": هذا هو شاهد الباب، ووجهه أن علم التنجيم نوع من السحر، فمن صدق به; فقد صدق بنوع من السحر، فقد سبق: "أن من اقتبس شعبة من النجوم; فقد اقتبس شعبة من السحر "٣، والمصدق به هو المصدق بما يخبر به المنجمون، فإذا قال المنجم: سيحدث كذا وكذا، وصدق به، فإنه لا يدخل الجنة; لأنه صدق بعلم
_________
١ أخرجه أحمد (٤/٣٣٩) , وابن حبان (١٣٨٠, ١٣٨١) , وأبو يعلى, والطبراني; كما في "المجمع" (٥/٧٤) . قال الهيثمي: "رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني, ورجال أحمد وأبي يعلى ثقات". وأخرجه الحاكم أيضا (٤/١٤٦) , وقال: "صحيح الإسناد, ولم يخرجاه", ووافقه الذهبي.
٢ أخرجه: البخاري في (الآداب, باب ليس الواصل بالمكافئ/٤/٩٠) عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.
٣ سبق (١/٥٢١) .стр. 586
.....................................................................
الحواشي
(١) الغيب لغير الله، قال تعالى: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ، [النمل: من الآية٦٥] .
فإن قيل: لماذا لا يجعل السحر هنا عاما ليشمل التنجيم وغير التنجيم؟
أجيب: أن المصدق بما يخبره به السحرة من علم الغيب يشمله الوعيد هنا، وأما المصدق بأن للسحر تأثيرا; فلا يلحقه هذا الوعيد; إذ لا شك أن للسحر تأثيرا، لكن تأثيره تخييل، مثل ما وقع من سحرة فرعون حيث سحروا أعين الناس حتى رأوا الحبال والعصي كأنها حيات تسعى، وإن كان لا حقيقة لذلك، وقد يسحر الساحر شخصا فيجعله يحب فلانا ويبغض فلانا; فهو مؤثر، قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِه﴾ ، [البقرة: من الآية١٠٢] ، فالتصديق بأثر السحر على هذا الوجه لا يدخله الوعيد لأنه تصديق بأمر واقع.
أما من صدق بأن السحر يؤثر في قلب الأعيان بحيث يجعل الخشب ذهبا أو نحو ذلك; فلا شك في دخوله في الوعيد; لأن هذا لا يقدر عليه إلا الله .
وقوله: " ثلاثة لا يدخلون الجنة " هل المراد الحصر وأن غيرهم يدخل الجنة؟
الجواب: لا; لأن هناك من لا يدخلون الجنة سوى هؤلاء; فهذا الحديث لا يدل على الحصر.
وهل هؤلاء كفار لأن من لا يدخل الجنة كافر؟ اختلف أهل العلم في هذا الحديث وما يشبهه من أحاديث الوعيد على أقوال:стр. 587
..................................................................
الحواشي
(١) القول الأول: مذهب المعتزلة والخوارج الذين يأخذون بنصوص الوعيد، فيرون الخروج من الإيمان بهذه المعصية، لكن الخوارج يقولون: هو كافر، والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، وتتفق الطائفتان على أنهم مخلدون في النار، فيجرون هذا الحديث ونحوه على ظاهره، ولا ينظرون إلى الأحاديث الأخرى الدالة على أن من في قلبه إيمان وإن قل; فإنه لا بد أن يدخل الجنة.
القول الثاني: أن هذا الوعيد فيمن استحل هذا الفعل بدليل النصوص الكثيرة الدالة على أن من في قلبه إيمان وإن قل; فلا بد أن يدخل الجنة، وهذا القول ليس بصواب; لأن من استحله كافر ولو لم يفعله، فمن استحل قطيعة الرحم أو شرب الخمر مثلا; فهو كافر وإن لم يقطع الرحم ولم يشرب الخمر.
القول الثالث: أن هذا من باب أحاديث الوعيد التي تمر كما جاءت ولا يتعرض لمعناها، بل يقال: هكذا قال الله وقال رسوله ونسكت.
فمثلا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ ، [النساء:٩٣] ، هذه الآية من نصوص الوعيد; فنؤمن بها، ولا نتعرض لمعناها ومعارضتها للنصوص الأخرى، ونقول: هكذا قال الله، والله أعلم بما أراد، وهذا مذهب كثير من السلف; كمالك وغيره، وهذا أبلغ في الزجر.
القول الرابع: أن هذا نفي مطلق، والنفي المطلق يحمل على المقيد; فيقال: لا يدخلون الجنة دخولا مطلقا يعني لا يسبقه عذاب، ولكنهم يدخلون الجنة دخولا يسبقه عذاب بقدر ذنوبهم، ثم مرجعهم إلى الجنة، وذلك لأن نصوص الشرع يُصدّق بعضها بعضا، ويلائم بعضهاстр. 588
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق النجوم
الثانية: الرد على من زعم غير ذلك.
الحواشي
(١) بعضا، وهذا أقرب إلى القواعد وأبين حتى لا تبقى دلالة النصوص غير معلومة; فتقيد النصوص بعضها ببعض.
وهناك احتمال: أن من كانت هذه حاله حري أن يختم له بسوء الخاتمة، فيموت كافرا، فيكون هذا الوعيد باعتبار ما يؤول حاله إليه، وحينئذ لا يبقى في المسألة إشكال; لأن من مات على الكفر; فلن يدخل الجنة، وهو مخلد في النار، وربما يؤيده قوله ﷺ " لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما "١ فيكون هذا قولا خامسا.
فيه مسائل:
الأولى: الحكمة في خلق النجوم: وهي ثلاث:
- أنها زينة للسماء.
- ورجوم للشياطين.
- وعلامات يهتدى بها.
وربما يكون هناك حكم أخرى لا نعلمها.
الثانية: الرد على من زعم غير ذلك؛ لقول قتادة: "من تأول فيها غير ذلك أخطأ، وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به".
_________
١ أخرجه البخاري في (الديات/٦٨٦٢) .стр. 589
الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل.
الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل.
الحواشي
(١) ومراد قتادة في قوله: "غير ذلك" ما زعمه المنجمون من الاستدلال بالأحوال الفلكية على الحوادث الأرضية، وأما ما يمكن أن يكون فيها من أمور حسية سوى الثلاث السابقة; فلا ضلال لمن تأوله.
الثالثة: ذكر الخلاف في تعلم المنازل: سبق ذلك١.
الرابعة: الوعيد فيمن صدق بشيء من السحر ولو عرف أنه باطل: من صدق بشيء من التنجيم أو غيره من السحر بلسانه ولو اعتقد بطلانه بقلبه; فإن عليه هذا الوعيد، كيف يصدق وهو يعرف أنه باطل; لأنه يؤدي إلى إغراء الناس به وبتعلمه وبممارسته.
_________
١ انظر: (ص ١٠) .стр. 590
باب: ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
.......................................................................
الحواشي
(١) الاستسقاء: طلب السقيا; كالاستغفار: طلب المغفرة، والاستعانة: طلب المعونة، والاستعاذة: طلب العوذ، والاستهداء: طلب الهداية; لأن مادة استفعل في الغالب تدل على الطلب، وقد لا تدل على الطلب، بل تدل على المبالغة في الفعل، مثل: استكبر; أي: بلغ في الكبر غايته، وليس المعنى طلب الكبر، والاستسقاء بالأنواء; أي: أن تطلب منها أن تسقيك.
والاستسقاء بالأنواء ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: شرك أكبر، وله صورتان:
الأولى: أن يدعو الأنواء بالسقيا، كأن يقول: يا نوء كذا! اسقنا أو أغثنا، وما أشبه ذلك; فهذا شرك أكبر; لأنه دعا غير الله، ودعاء غير الله من الشرك الأكبر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، [المؤمنون:١١٧] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، [الجن:١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ ، [يونس:١٠٦] .
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على النهي عن دعاء غير الله، وأنه من الشرك الأكبر.стр. 591
وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، [الواقعة:٨٢] .
الحواشي
(١) الثانية: أن ينسب حصول الأمطار إلى هذه الأنواء على أنها هي الفاعلة بنفسها دون الله ولو لم يدعها; فهذا شرك أكبر في الربوبية، والأول في العبادة; لأن الدعاء من العبادة، وهو متضمن للشرك في الربوبية; لأنه لم يدعها إلا وهو يعتقد أنها تفعل وتقضي الحاجة.
القسم الثاني: شرك أصغر، وهو أن يجعل هذه الأنواء سببا، مع اعتقاده أن الله هو الخالق الفاعل; لأن كل من جعل سببا لم يجعله الله سببا، لا بوحيه ولا بقدره; فهو مشرك شركا أصغر.
قوله تعالى: "وتجعلون": أي: تصيرون، وهي تنصب مفعولين: الأول: (رزق) ، والثاني: (أن) ، وما دخلت عليه في تأويل مصدر مفعول ثان، والتقدير: وتجعلون رزقكم كونكم تكذبون أو تكذيبكم.
والمعنى: تكذبون أنه من عند الله، حيث تضيفون حصوله إلى غيره.
قوله: "رزقكم": الرزق هو العطاء، والمراد به هنا: ما هو أعم من المطر; فيشمل معنيين:
الأول: أن المراد به رزق العلم; لأن الله قال: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، [الواقعة:٧٥-٨٢] ، أي: تخافونهم فتداهنونهم، وتجعلون شكر ما رزقكم الله به من العلم والوحي أنكم تكذبون به، وهذا هو ظاهر سياق الآية.стр. 592
......................................................................
الحواشي
(١) الثاني: أن المراد بالرزق المطر، وقد روي في ذلك حديث عن النبي ﷺ لكنه ضعيف١ إلا أنه صح عن ابن عباس ﵄ في تفسير الآية: أن المراد بالرزق المطر، وأن التكذيب به نسبته إلى الأنواء٢، وعليه يكون ما ساق المؤلف الآية من أجله مناسبا للباب تماما.
والقاعدة في التفسير: أن الآية إذا كانت تحتمل المعنيين جميعا بدون منافاة تحمل عليهما جميعا، وإن حصل بينهما منافاة طلب المرجح.
ومعنى الآية: أن الله يوبخ هؤلاء الذين يجعلون شكر الرزق التكذيب والاستكبار والبعد لأن شكر الرزق يكون بالتصديق والقبول والعمل بطاعة المنعم، والفطرة كذلك لا تقبل أن تكفر بمن ينعم عليها; فالفطرة والعقل والشرع كل منها يوجب أن تشكر من ينعم عليك، سواء قلنا: المراد بالرزق المطر الذي به حياة الأرض، أو قلنا: إن المراد به القرآن الذي به حياة القلوب; فإن هذا من أعظم الرزق; فكيف يليق بالإنسان أن يقابل هذه النعمة بالتكذيب؟!
واعلم أن التكذيب نوعان:
أحدهما: التكذيب بلسان المقال، بأن يقول: هذا كذب، أو المطر من النوء، ونحو ذلك.
_________
١ أخرجه الإمام أحمد (١/٨٩, ١٠٨) , والترمذي في (التفسير, ومن سورة الواقعة/٩/ ٣٥) , وقال: "حسن غريب, لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث إسرائيل, وروى سفيان عن عبد الأعلى هذا الحديث بهذا الإسناد ولم يرفعه". وأخرجه أيضا: ابن جرير (٢٧/٦٦٢) , وابن أبي حاتم; كما في "تفسير ابن كثير" (٤/٣٠٠) . وأورده في "الدر المنثور" (٦/١٦٣) , وعزاه لابن منيع، وابن المنذر، وابن مردويه، وغيرهم، من حديث علي بن أبي طالب ﵁.
٢ يأتي (ص٣٠) .стр. 593
وعن أبي مالك الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " أربع في أمتي من أمر الجاهلية........................................................
الحواشي
(١) والثاني: التكذيب بلسان الحال، بأن يعظم الأنواء والنجوم معتقدا أنها السبب، ولهذا وعظ عمر بن عبد العزيز الناس يوما; فقال: "أيها الناس! إن كنتم مصدقين; فأنتم حمقى، وإن كنتم مكذبين; فأنتم هلكى"، وهذا صحيح; فالذي يصدق ولا يعمل أحمق، والمكذب هالك; فكل إنسان عاص نقول له الآن: أنت بين أمرين: إما أنك مصدق بما رتب على هذه المعصية، أو مكذب، فإن كنت مصدقا; فأنت أحمق، كيف لا تخاف فتستقيم؟! وإن كنت غير مصدق; فالبلاء أكبر، فأنت هالك كافر.
قوله: في حديث أبي مالك: "أربع في أمتي".
الفائدة من قوله: "أربع" ليس الحصر; لأن هناك أشياء تشاركها في المعنى، وإنما يقول النبي ﷺ ذلك من باب حصر العلوم وجمعها بالتقسيم والعدد; لأنه يقرب الفهم، ويثبت الحفظ.
قوله: "أمتي": أي: أمة الإجابة.
قوله: " من أمر الجاهلية ": أمر هنا بمعنى شأن; أي: من شأن الجاهلية وهو واحد الأمور، وليس واحد الأوامر; لأن واحد الأوامر طلب الفعل على وجه الاستعلاء.
وقوله: " من أمر الجاهلية ": إضافتها إلى الجاهلية الغرض منها التقبيح والتنفير; لأن كل إنسان يقال له: فعلك فعل الجاهلية لا شك أنه يغضب، إذ إنه لا أحد يرضى أن يوصف بالجهل، ولا بأن فعله من أفعال الجاهلية; فالغرض من الإضافة هنا أمران:стр. 594
......................................................................
الحواشي
(١) ١- التنفير.
٢- بيان أن هذه الأمور كلها جهل وحمق بالإنسان; إذ ليست أهلا بأن يراعيها الإنسان أو يعتني بها; فالذي يعتني بها جاهل.
والمراد بالجاهلية هنا: ما قبل البعثة; لأنهم كانوا على جهل وضلال عظيم حتى إن العرب كانوا أجهل خلق الله، ولهذا يسمون بالأميين، والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب; نسبة إلى الأم، كأن أمه ولدته الآن.
لكن لما بعث فيهم هذا النبي الكريم; قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ، [آل عمران:١٦٤] ، فهذه منة عظيمة؛ أن بعث فيهم النبي ﵊ لهذه الأمور السامية:
١- يتلو عليهم آيات الله.
٢- ويزكيهم; فيطهر أخلاقهم وعبادتهم وينميها.
٣- ويعلمهم الكتاب.
٤- والحكمة.
هذه فوائد أربع عظيمة لو وزنت الدنيا بواحدة منها لوزنتها عند من يعرف قدرها، ثم بين الحال من قبل فقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٦٤] ، و"إن" هذه ليست نافية، بل مؤكدة; فهي مخففة من الثقيلة، يعني: وإنهم كانوا من قبل لفي ضلال مبين.
إذن المراد بالجاهلية ما قبل البعثة; لأن الناس كانوا فيها على جهل عظيم، فجهلهم شامل للجهل في حقوق الله، وحقوق عباده، فمن جهلهمстр. 595
لا يتركونهن: الفخر بالأحساب،........................................
الحواشي
(١) أنهم ينصبون النصب ويعبدونها من دون الله، ويقتل أحدهم ابنته لكي لا يعير بها، ويقتل أولاده من ذكور وإناث خشية الفقر.
قوله: "لا يتركونهن": المراد: لا يتركون كل واحد منها باعتبار المجموع بالمجموع، بأن يكون كل واحد منها عند جماعة، والثاني عند آخرين، والثالث عند آخرين، والرابع عند آخرين، وقد تجتمع هذه الأقسام في قبيلة، وقد تخلو بعض القبائل منها جميعا، إنما الأمة كمجموع لا بد أن يوجد فيها شيء من ذلك; لأن هذا خبر من الصادق المصدوق ﷺ ، والمراد بهذا الخبر التنفير; لأنه ﷺ قد يخبر بأشياء تقع، وليس غرضه أن يؤخذ بها; كما قال ﷺ : " لتركبن سنن من كان قبلكم "١، أي: فاحذروا، وأخبر ﷺ : " أن الظعينة تخرج من صنعاء إلى حضرموت لا تخشى إلا الله "٢، أي: بلا محرم، وهذا خبر عن أمر واقع، وليس إقرارا له شرعا.
قوله: " الفخر بالأحساب": الفخر: التعالي والتعاظم، والباء للسببية; أي: يفخر بسبب الحسب الذي هو عليه.
والحسب: ما يحتسبه الإنسان من شرف وسؤدد، كأن يكون من بني هاشم فيفتخر بذلك، أو من آباء وأجداد مشهورين بالشجاعة، فيفتخر بذلك، وهذا من أمر الجاهلية; لأن الفخر في الحقيقة يكون بتقوى الله الذي يمنع الإنسان من التعالي والتعاظم، والمتقي حقيقة هو الذي كلما
_________
١ سبق (١/٢٠٢) .
٢ أخرجه البخاري في (المناقب, باب علامات النبوة/٢/٥٣١) . ولفظه: "حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله". وأخرج البخاري من حديث عدي بن حاتم في الموضع السابق (٢/٥٢٧) : "فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله".стр. 596
والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ".
الحواشي
(١) ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعا للحق وللخلق. وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية; فلا يجوز لنا أن نفعله، ولهذا قال تعالى لنساء نبيه ﷺ : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ، [الأحزاب: من الآية٣٣] ، واعلم أن كل ما ينسب إلى الجاهلية; فهو مذموم ومنهي عنه.
قوله: "الطعن في الأنساب ": الطعن: العيب; لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنا.
والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدبَّاغ، أو أنت ابن مقطعة البظور- وهي شيء في فرج المرأة يقطع عند ختان النساء-.
قوله: " والاستسقاء بالنجوم ": أي: نسبة المطر إلى النجوم، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله أما إن اعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر; فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.
قوله: " والنياحة على الميت ": هذا هو الرابع، والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت قصدا، وينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح; كنوح الحمام.
والندب: تعداد محاسن الميت.
والنياحة من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية؛ إما من الجهل الذي هو ضد العلم. أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة.
وإنما كانت كذلك لأمور، هي:стр. 597
وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها; تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ". رواه مسلم١.
الحواشي
(٩٣٤) , وأحمد (٥/٣٤٢ ,٥/٣٤٣ ,٥/٣٤٤) .стр. 598
......................................................................
الحواشي
(١) الجلد، يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء; لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به; فكيف ومعه قطران؟!
والحكمة أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء سربال من قطران ودرع من جرب; فكانت العقوبة من جنس العمل.
ويستفاد من الحديث:
١- ثبوت رسالته ﷺ لأنه أخبر عن أمر من أمور الغيب فوقع كما أخبر.
٢- التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت.
٣- أن النياحة من كبائر الذنوب لوجود الوعيد عليها في الآخرة، وكل ذنب عليه الوعيد في الآخرة; فهو من الكبائر.
٤- أن كبائر الذنوب لا تكفر بالعمل الصالح; لقوله ﷺ : " إذا لم تتب قبل موتها ".
٥- أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت; لقوله ﷺ : " إذا لم تتب قبل موتها"، ولقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن﴾ ، [النساء: من الآية١٨] .
٦- أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة:
فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.
ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لا بدстр. 599
ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: " صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية.......................................................
الحواشي
(٨٩٠٢) . قال المنذري في "الترغيب" (٣/٦٠٧) والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/١٧٧) : "ورواته رواة الصحيح".стр. 600
على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف; أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟
الحواشي
(١) وقيل: إن أصلها شجرة حدباء تسمى حديبية، والأكثر على أنها اسم بئر، وهذا المكان قريب من مكة بعضه في الحل وبعضه في الحرم، نزل به الرسول ﷺ في السنة السادسة من الهجرة لما قدم معتمرا، فصده المشركون عن البيت، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ويسمى الآن الشميسي.
قوله: " على إثر سماء كانت من الليل ": الإثر معناه العقب، والأثر: ما ينتج عن السير.
قوله: "سماء": المراد به المطر.
قوله: "كانت من الليل ": "من" لابتداء الغاية، هذا هو الظاهر- والله أعلم-، ويحتمل أن تكون بمعنى " في" للظرفية.
قوله: "فلما انصرف": أي: من صلاته، وليس من مكانه بدليل قوله: "أقبل على الناس".
قوله: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ": الاستفهام يراد به التنبيه والتشويق لما سيلقى عليهم، وإلا; فالرسول ﷺ يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله; لأن الوحي لا ينزل عليهم.
ومعنى قوله: "هل تدرون": أي: هل تعلمون.
والمراد بالربوبية هنا الربوبية الخاصة; لأن ربوبية الله للمؤمن خاصة كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة; لأن العامة تشمل هذا وهذا، والخاصة تختص بالمؤمن.следующие страницы →