Полный текст (1 122 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة ".
الحواشي
(١) ازدادت نعم الله عليه ازداد تواضعا للحق وللخلق. وإذا كان الفخر بالحسب من فعل الجاهلية; فلا يجوز لنا أن نفعله، ولهذا قال تعالى لنساء نبيه ﷺ : ﴿وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى﴾ ، [الأحزاب: من الآية٣٣] ، واعلم أن كل ما ينسب إلى الجاهلية; فهو مذموم ومنهي عنه.
قوله: "الطعن في الأنساب ": الطعن: العيب; لأنه وخز معنوي كوخز الطاعون في الجسد، ولهذا سمي العيب طعنا.
والأنساب: جمع نسب، وهو أصل الإنسان وقرابته، فيطعن في نسبه كأن يقول: أنت ابن الدبَّاغ، أو أنت ابن مقطعة البظور- وهي شيء في فرج المرأة يقطع عند ختان النساء-.
قوله: " والاستسقاء بالنجوم ": أي: نسبة المطر إلى النجوم، مع اعتقاد أن الفاعل هو الله أما إن اعتقد أن النجوم هي التي تخلق المطر والسحاب أو دعاها من دون الله لتنزل المطر; فهذا شرك أكبر مخرج عن الملة.
قوله: " والنياحة على الميت ": هذا هو الرابع، والنياحة: هي رفع الصوت بالبكاء على الميت قصدا، وينبغي أن يضاف إليه على سبيل النوح; كنوح الحمام.
والندب: تعداد محاسن الميت.
والنياحة من أمر الجاهلية، ولا بد أن تكون في هذه الأمة، وإنما كانت من أمر الجاهلية؛ إما من الجهل الذي هو ضد العلم. أو من الجهالة التي هي السفه، وهي ضد الحكمة.
وإنما كانت كذلك لأمور، هي:стр. 597
وقال: " النائحة إذا لم تتب قبل موتها; تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب ". رواه مسلم١.
الحواشي
(٩٣٤) , وأحمد (٥/٣٤٢ ,٥/٣٤٣ ,٥/٣٤٤) .стр. 598
......................................................................
الحواشي
(١) الجلد، يؤرق الإنسان، وربما يقتل الحيوان، والمعنى: إن كل جلدها يكون جربا بمنزلة الدرع، وإذا اجتمع قطران وجرب زاد البلاء; لأن الجرب أي شيء يمسه يتأثر به; فكيف ومعه قطران؟!
والحكمة أنها لما لم تغط المصيبة بالصبر غطيت بهذا الغطاء سربال من قطران ودرع من جرب; فكانت العقوبة من جنس العمل.
ويستفاد من الحديث:
١- ثبوت رسالته ﷺ لأنه أخبر عن أمر من أمور الغيب فوقع كما أخبر.
٢- التنفير من هذه الأشياء الأربعة: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة على الميت.
٣- أن النياحة من كبائر الذنوب لوجود الوعيد عليها في الآخرة، وكل ذنب عليه الوعيد في الآخرة; فهو من الكبائر.
٤- أن كبائر الذنوب لا تكفر بالعمل الصالح; لقوله ﷺ : " إذا لم تتب قبل موتها ".
٥- أن من شروط التوبة أن تكون قبل الموت; لقوله ﷺ : " إذا لم تتب قبل موتها"، ولقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآن﴾ ، [النساء: من الآية١٨] .
٦- أن الشرك الأصغر لا يخرج من الملة:
فمن أهل العلم من قال: إنه داخل تحت المشيئة؛ إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له.
ومن أهل العلم من قال: إنه ليس بداخل تحت المشيئة، وإنه لا بدстр. 599
ولهما عن زيد بن خالد ﵁ قال: " صلى لنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية.......................................................
الحواشي
(٨٩٠٢) . قال المنذري في "الترغيب" (٣/٦٠٧) والهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/١٧٧) : "ورواته رواة الصحيح".стр. 600
على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف; أقبل على الناس، فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟
الحواشي
(١) وقيل: إن أصلها شجرة حدباء تسمى حديبية، والأكثر على أنها اسم بئر، وهذا المكان قريب من مكة بعضه في الحل وبعضه في الحرم، نزل به الرسول ﷺ في السنة السادسة من الهجرة لما قدم معتمرا، فصده المشركون عن البيت، وما كانوا أولياءه، إن أولياؤه إلا المتقون، ويسمى الآن الشميسي.
قوله: " على إثر سماء كانت من الليل ": الإثر معناه العقب، والأثر: ما ينتج عن السير.
قوله: "سماء": المراد به المطر.
قوله: "كانت من الليل ": "من" لابتداء الغاية، هذا هو الظاهر- والله أعلم-، ويحتمل أن تكون بمعنى " في" للظرفية.
قوله: "فلما انصرف": أي: من صلاته، وليس من مكانه بدليل قوله: "أقبل على الناس".
قوله: " هل تدرون ماذا قال ربكم؟ ": الاستفهام يراد به التنبيه والتشويق لما سيلقى عليهم، وإلا; فالرسول ﷺ يعلم أنهم لا يعلمون ماذا قال الله; لأن الوحي لا ينزل عليهم.
ومعنى قوله: "هل تدرون": أي: هل تعلمون.
والمراد بالربوبية هنا الربوبية الخاصة; لأن ربوبية الله للمؤمن خاصة كما أن عبودية المؤمن له خاصة، ولكن الخاصة لا تنافي العامة; لأن العامة تشمل هذا وهذا، والخاصة تختص بالمؤمن.стр. 601
قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر،...............................................................
الحواشي
(٧٨٣) , والنسائي في "عمل اليوم والليلة"; كما في "تحفة الأشراف" (٥/٢٦٩) , وابن ماجه بنحوه في (الكفارات, باب النهي أن يقال: ما شاء الله وشئت/٢١١٧) , وابن السني في "عمل اليوم والليلة, ٦٧٢) , والطحاوي في "المشكل" (١/٩٠) , والطبراني في "الكبير" (١٣٠٠٥, ١٣٠٠٦) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/٩٩) , والبيهقي (٣/٢١٧) . وقال البوصيري في "الزوائد": "في إسناده الأجلح بن عبد الله مختلف فيه, ضعفه الإمام أحمد وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابن سعد, ووثقه ابن معين ويعقوب بن سفيان والعجلي, وباقي الإسناد ثقات". وقال الشيخ سليمان في "التيسير" (١/١٢٠) : "فقد ثبت أن النبي ﷺ لما قال له رجل ... " الحديث.стр. 602
فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته; فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا; فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب "١.
الحواشي
(٨٤٦) , ومسلم(٧١) .стр. 603
......................................................................
الحواشي
(٢٣٦٥) ، ومسلم(٢٢٤٢) .стр. 604
ولهما من حديث ابن عباس معناه، وفيه: "قال بعضهم: لقد صدق نوء كذا وكذا فأنزل الله هذه الآيات١: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ، إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ، فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ، لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ، تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ، أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ، وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، [الواقعة:٧٥-٨٢] .
الحواشي
(١) والحاصل أن الأقرب المنع ولو قصد الظرفية، لكن إذا كان المتكلم لا يعرف من الباء إلا الظرفية مطلقا، ولا يظن أنها تأتي سببية; فهذا جائز، ومع ذلك; فالأولى أن يقال لهم: قولوا: في نوء كذا.
قوله: "ولهما": الظاهر أنه سبق قلم، وإلا; فالحديث في "مسلم" وليس في "الصحيحين٢ ".
ومعنى الحديث: أنه لما نزل المطر نسبه بعضهم إلى رحمة الله وبعضهم قال: لقد صدق نوء كذا وكذا; فكأنه جعل النوء هو الذي أنزل المطر أو نزل بسببه.
ومنه ما يذكر في بعض كتب التوقيت: "وقلَّ أن يخلف نوؤُه"، أو: "هذا نوؤه صادق"، وهذا لا يجوز، وهو الذي أنكره الله على عباده، وهذا شرك أصغر، ولو قال بإذن الله فإنه لا يجوز لأن كل الأسباب من الله، والنوء لم يجعله الله سببا.
_________
١ أخرجه مسلم في (الإيمان, باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء/١/٨٤) .
٢ وأشار إليه الشيخ سليمان ﵀ في "التيسير" (ص٤٦١) .стр. 605
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، اختلف في "لا":
فقيل: نافية، والمنفي محذوف، والتقدير: لا صحة لما تزعمون من أن القرآن كذب أو سحر وشعر وكهانة، أقسم بمواقع النجوم إنه لقرآن كريم، ف" أقسم" لا علاقة لها ب "لا" إطلاقا، وهذا له بعض الوجه.
وقيل: إن المنفي القسم; فهي داخلة على أقسم، أي: لا أقسم، ولن أقسم على أن القرآن قرآن كريم; لأن الأمر أبين من أن يحتاج إلى قسم، وهذا ضعيف جدا.
وقيل: إن "لا" للتنبيه، والجملة بعدها مثبتة; لأن " لا " بمعنى انتبه، أقسم بمواقع النجوم ... ، وهذا هو الصحيح.
فإن قيل: ما الفائدة من إقسامه سبحانه، مع أنه صادق بلا قسم; لأن القسم إن كان لقوم يؤمنون به ويصدقون كلامه، فلا حاجة إليه، وإن كان لقوم لا يؤمنون به; فلا فائدة منه، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ ، [البقرة: من الآية١٤٥] ؟
أجيب: بأن فائدة القسم من وجوه:
الأول: أن هذا أسلوب عربي لتأكيد الأشياء بالقسم، وإن كانت معلومة عند الجميع، أو كانت منكرة عند المخاطب، والقرآن نزل بلسان عربي مبين.
الثاني: أن المؤمن يزداد يقينا من ذلك، ولا مانع من زيادة المؤكدات التي تزيد في يقين العبد، قال تعالى عن إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ، [البقرة: من الآية٢٦٠] .
الثالث: أن الله يقسم بأمور عظيمة، دالة على كمال قدرته، وعظمته،стр. 606
......................................................................
الحواشي
(١) وعلمه; فكأنه يقيم في هذا المقسم به البراهين على صحة ما أقسم عليه بواسطة عظم ما أقسم به.
الرابع: التنويه بحال المقسم به; لأنه لا يقسم إلا بشيء عظيم، وهذان الوجهان لا يعودان إلى تصديق الخبر، بل إلى ذكر الآيات التي أقسم بها تنويها له بها وتنبيها على عظمها.
الخامس: الاهتمام بالمقسم عليه، وأنه جدير بالعناية والإثبات.
وقوله: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ ، الله سبحانه - يتحدث عن نفسه بضمير المفرد; لأنه يدل على الانفراد والتوحيد; فهو سبحانه واحد لا شريك له، ويتحدث عين نفسه بضمير الجمع; لأنه يدلي على العظمة; كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ، [الحجر:٩] ، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ ، [يّس: من الآية١٢] الآية، ولا يتحدث عن نفسه بالمثني; لأن المثنى محصور باثنين.
و" الباء": حرف قسم، والمواقع جمع موقع.
واختلف في النجوم:
فقيل: إنها النجوم المعروفة، فيكون المراد بمواقعها؛ مطالعها ومغاربها.
وأقسم الله بها; لما فيها من الدلالة على كمال القدرة، في هذا الانتظام البديع، وما فيها من مناسبة المقسم به، والمقسم عليه، وهو القرآن المحفوظ بواسطة الشهب; فإن السماء عند نزول الوحي ملئت حرسا شديدا وشهبا.
وقيل: إن المراد آجال نزول القرآن، ومنه قولهم: "نزل القرآن منجما"، وقول الفقهاء: يجب أن يكون دين المكاتب مؤجلا بنجمين فأكثر; فيكون الله أقسم بمواقع نزول القرآن، وقد سبقت لنا قاعدة مفيدة، وهي: أنه إذا كان المعنيان لا يتنافيان؛ تحمل الآية على كل منهما، وإلا طلب المرجح.стр. 607
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ، [الواقعة:٧٦] ، "قسم": خبر إن، وهذا القسم أكد الله عظمته بإن واللام؛ تنويها بالمقسم عليه، وتعظيمه.
وقوله: "لو تعلمون": مؤكد ثالث، كأنه قال: ينبغي أن تعلموا هذا الأمر ولا تجهلوه; فهو أعظم من أن يكون مجهولا; فإنه يحتاج إلى علم وانتباه، فلو تعلمون حق العلم لعرفتم عظمته; فانتبهوا.
قوله: "لقرآن": مصدر مثل الغفران، والشكران، بمعنى اسم فاعل، وبمعنى اسم المفعول; فعلى الأول يكون المراد أنه جامع للمعاني التي تضمنتها الكتب السابقة، من المصالح والمنافع، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ ، [المائدة: من الآية٤٨] ، وعلى الثاني يكون بمعنى المجموع; لأنه مجموع مكتوب.
قوله:" كريم ": يطلق على كثير العطاء، وهذا كمال في العطاء متعد للغير، ويطلق على الشيء البهي الحسن، ومنه قول النبي ﷺ : "إياك وكرائم أموالهم"١ أي: البهي منها والحسن، وهذا كمال في الذات، وهذان المعنيان موجودان في القرآن; فالقرآن لا أحسن منه بذاته، قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ ، [الأنعام: من الآية١١٥] .
والقرآن يعطي أهله من الخيرات الدينية والدنيوية والجسمية والقلبية، قال تعالى: ﴿فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ ، [الفرقان:٥٢] .
فهو سلاح لمن تمسك به، ولكن يحتاج إلى أن نتمسك به بالقول والعمل والعقيدة، فلا بد أن يصدق العقيدة العمل، قال ﷺ : " ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي
_________
١ أخرجه البخاري في (الإيمان/١/١٢٦- فتح) , ومسلم في (المساقاة/٣/١٢١٩) .стр. 608
......................................................................
الحواشي
(١) القلب "١. ووصف الله القرآن في آية أخرى بأنه مجيد، والمجد صفة العظمة والعزة والقوة، والقرآن جامع بين الأمرين: فيه قوة وعظمة، وكذا خيرات كثيرة وإحسان لمن تمسك به.
قوله: ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ ، كتاب فعال بمعنى مفعول، مثل: فراش بمعنى مفروش، وغراس بمعنى مغروس، وكتاب بمعنى مكتوب.
والمكنون: المحفوظ، قال تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ﴾ ، [الصافات:٤٩] .
واختلف المفسرون في هذا الكتاب على قولين:
الأول: أنه اللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه كل شيء.
الثاني - وإليه ذهب ابن القيم-: أنه الصحف التي في أيدي الملائكة٢.
قال تعالى: ﴿كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ، فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ، فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ، مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ، بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ، [عبس:١١-١٥] .
فقوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ، [عبس:١٥] يرجح أن المراد الكتب التي في أيدي الملائكة; لأن قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ، [الواقعة:٧٩] ، أي: الملائكة، يوازن قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ ، وعلى هذا يكون المراد بالكتاب الجنس لا الواحد.
قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ ، الضمير يعود إلى الكتاب المكنون; لأنه أقرب شيء، وهو بالرفع ﴿لاَ يَمَسُّهُ﴾ باتفاق القراء.
وإنما نبهنا على ذلك; لدفع قول من يقول: إنه خبر بمعنى النهي، والضمير يعود على القرآن; أي: نهى أن يمس القرآن إلا طاهر، والآية ليس فيها ما
_________
١ أخرجه البخاري في (الإيمان, باب فضل من استبرأ لدينه/١/٣٤) , ومسلم في (المساقاة, باب أخذ الحلال/٣/١٢١٩) ; من حديث النعمان بن بشير ﵄.
٢ انظر: "إعلام الموقعين" (١/٢٢٥-٢٢٦) .стр. 609
......................................................................
الحواشي
(١) يدل على ذلك، بل هي ظاهرة في أن المراد به اللوح المحفوظ; لأنه أقرب مذكور، ولأنه خبر، والأصل في الخبر أن يبقى على ظاهره خبرا لا أمرا ولا نهيا حتى يقوم الدليل على خلاف ذلك، ولم يرد ما يدل على خلاف ذلك، بل الدليل على أنه لا يراد به إلا ذلك، وأنه يعود إلى الكتاب المكنون، ولهذا قال الله: ﴿إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ باسم المفعول، ولم يقل: إلا المطهِّرون، ولو كان المراد المطهرين لقال ذلك، أو قال: إلا المتطهرون; كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ ، [البقرة: من الآية٢٢٢] ، والمطهرون: هم الذين طهرهم الله تعالى، وهم الملائكة، طهروا من الذنوب وأدناسها، قال تعالى: ﴿لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ، [التحريم: من الآية٦] ، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ ، [الأنبياء:٢٠] ، وقال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ، لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ ، [الأنبياء: من الآية٢٦-٢٧] ، وفرق بين المطهر الذي يريد أن يفعل الكمال بنفسه، وبين المطهر الذي كمله غيره وهم الملائكة، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أن المراد بالكتاب الكتب التي في أيدي الملائكة، وفي الآية إشارة على أن من طهر قلبه من المعاصي كان أفهم للقرآن، وأن من تنجس قلبه بالمعاصي كان أبعد فهما عن القرآن، لأنه إذا كانت الصحف التي في أيدي الملائكة لم يمكن الله من مسها إلا هؤلاء المطهرين; فكذلك معاني القرآن.
فاستنبط شيخ الإسلام من هذه الآية: أن المعاصي سبب لعدم فهم القرآن; كما قال تعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، [المطففين:١٤] ، وهم الذين قال الله فيهم: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ ، [المطففين:١٣] ، فهم لا يصلون إلى معانيها وأسرارها; لأنه ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.стр. 610
......................................................................
الحواشي
(١) وقد ذكر بعض أهل العلم: أنه ينبغي لمن استفتي أن يقدم بين يدي الفتوى الاستغفار لمحو أثر الذنب من قلبه حتى يتبين له الحق، واستنبطه من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً، وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ، [النساء:١٠٥-١٠٦] .
قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، [الواقعة:٨٠] ، خبر ثان لقوله: "وإنه"، وهو كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، [الشعراء:١٩٢] ، وكقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ، [فصلت:٢-٣] ، فهو خبر مكرر مع قوله: "لقرآن".
وتنزيل; أي: منزل، فهي مصدر بمعنى اسم المفعول، منزل من رب العالمين، أنزله الله على قلب النبي ﷺ ؛ لأنه محل الوعي والحفظ بواسطة جبريل، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ ، [الشعراء:١٩٢-١٩٤] .
وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: خالقهم.
ويستفاد من الآية ما يلي:
١- أن القرآن نازل لجميع الخلق; ففيه دليل على عموم رسالة النبي ﷺ .
٢- أنه نازل من ربهم، وإذا كان كذلك; فهو الحكم بينهم الحاكم عليهم.
٣- أن نزول القرآن من كمال ربوبية الله، فإذا أضيف إلى هذه الآية قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ ، [فصلت:٢-٣] ، علم أن القرآن رحمة للعباد أيضا، وربوبية الله مبنية على الرحمة، قال تعالى:стр. 611
......................................................................
الحواشي
(١) ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، [الفاتحة:٢-٣] ، وكل ما أمر الله به عباده أو نهاهم عنه; فهو رحمة بهم.
٤- أن القرآن كلام الله; لأنه إذا كان الله أنزله; فهو كلامه لا كلام غيره كما قاله السلف ﵏، وهو غير مخلوق; لأن جميع صفات الله حتى الصفات الفعلية ليست مخلوقة.
والقرآن كلام الله منزل غير مخلوق.
فإن قيل: هل كل منزل غير مخلوق؟
قلنا: لا، لكن كل منزل يكون وصفا مضافا إلى الله; فهو غير مخلوق; كالكلام، وإلا; فإن الله أنزل من السماء ماء وهو مخلوق، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ ، [الحديد: من الآية٢٥] ، وهو مخلوق، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاج﴾ ، [الزمر: من الآية٦] ، والأنعام مخلوقة، فإذا كان المنزل من عند الله صفة لا تقوم بذاتها; وإنما تقوم بغيرها; لزم أن يكون غير مخلوق; لأنه من صفات الله.
قوله: ﴿أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ﴾ ، [الواقعة:٨١] ، الاستفهام للإنكار والتوبيخ، والحديث: القرآن، والمدهن: الخائف من غيره الذي يحابيه بقوله وفعله. والمعنى: أتدهنون بهذا الحديث وتخافون وتستخفون؟! لا ينبغي لكم هذا، بل ينبغي لمن معه القرآن أن يصدع به وأن يبينه ويجاهد به، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ ، [الفرقان: من الآية٥٢] .
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، [الواقعة:٨٢] :
أكثر المفسرين على أنه على حذف مضاف; أي: أتجعلون شكر رزقكم; أي: ما أعطاكم الله من أي شيء؛ من المطر، ومن إنزال القرآن.
أي: تجعلون شكر هذه النعمة العظيمة؛ أن تكذبوا بها، والنبي ﷺ وإن كان ذكرها في المطر، فإنها تشمل المطر وغيره.стр. 612
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الواقعة.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية.
الحواشي
(١) وقيل: إنه ليس في الآية حذف، والمعنى: تجعلون شكركم تكذيبا، وقال: إن الشكر رزق، وهذا هو الصحيح، بل هو من أكبر الأرزاق، قال الشاعر:
إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً ... علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر
فالنعمة تحتاج إلى شكر، ثم إذا شكرتها; فهي نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، وإن شكرت في الثانية; فهي نعمة تحتاج إلى شكر ثالث، وهكذا أبدا، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ، [إبراهيم: من الآية٣٤] .
قوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، [الواقعة: من الآية٨٢] : "أن" وما دخلت عليه؛ في تأويل مصدر: مفعول " تجعلون" الثاني. أي: تصيرون شكركم تكذيبا، ولا شك أن هذا من السفه أن يقابل الإنسان نعمة ربه بالتكذيب، إن كانت وحيا كذب خبره ولم يمتثل أمره ولم يجتنب نهيه، وإن كانت عطاء تنمو به الأجسام نسبه إلى غير الله، قال: هذا من النوء أو هذا من عملي; كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ ، [القصص: من الآية٧٨] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الواقعة: وهي قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ ، [الواقعة:٨٢] ، وقد مر تفسيرها.
الثانية: ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية: وهي الطعن في الأنساب،стр. 613
الثالثة: ذكر الكفر في بعضها.
الرابعة: أن من الكفر ما لا يخرج من الملة.
الخامسة: قوله: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر"؛ بسبب نزول النعمة.
الحواشي
(٦٧) .
٢ البخاري: الجمعة(١٠٣٨) , ومسلم: الإيمان(٧١) , والنسائي: الاستسقاء(١٥٢٥) , وأبو داود: الطب(٣٩٠٦) , وأحمد (٤/١١٧) , ومالك: النداء للصلاة(٤٥١) .стр. 614
السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع.
الثامنة: التفطن لقوله: " لقد صدق نوء كذا وكذا".
التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها; لقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم؟ ".
الحواشي
(١) أنه سبب، بل يريد أنه منقذ بنفسه; لأن اعتقاد أنه سبب وهو في قبره غير وارد، ولذلك كان أصحاب الأولياء إذا نزلت بهم شدة يسألون الأولياء دون الله تعالى; فيقعون في الشرك الأكبر من حيث لا يعلمون أو من حيث يعلمون، ثم قد يفتنون; فيحصل لهم ما يريدون عند دعاء الأولياء لا به; لأننا نعلم أن هؤلاء الأولياء لا يستجيبون لهم; لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ ، [فاطر: من الآية١٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ ، [الأحقاف: من الآية٥] .
السادسة: التفطن للإيمان في هذا الموضع: وهو نسبة المطر إلى فضل الله ورحمته.
السابعة: التفطن للكفر في هذا الموضع: وهو نسبة المطر إلى النوء; فيقال هذا بسبب النوء الفلاني، وما أشبه ذلك.
الثامنة: التفطن لقوله: "لقد صدق نوء كذا وكذا": وهذا قريب من قوله: "مطرنا بنوء كذا"; لأن الثناء بالصدق على النوء مقتضاه أن هذا المطر بوعده، ثم بتنفيذ وعده.
التاسعة: إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها:
لقوله ﷺ : "أتدرون ماذا قال ربكم":стр. 615
العاشرة: وعيد النائحة.
الحواشي
(١) ، وهذا وعيد عظيم.
_________(١) مسلم: الجنائز(٩٣٤) , وابن ماجه: ما جاء في الجنائز(١٥٨١) , وأحمد (٥/٣٤٢-٣٤٤) .стр. 616
باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتحذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله﴾
...
باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، [البقرة: من الآية١٦٥] .
الحواشي
(١) قوله: باب قول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ ، جعل المؤلف رحمه الله تعالى الآية هي الترجمة، ويمكن أن يعنى بهذه الترجمة باب المحبة.
وأصل الأعمال كلها هو المحبة فالإنسان لا يعمل إلا لما يحب; إما لجلب منفعة، أو لدفع مضرة، فإذا عمل شيئا; فلأنه يحبه إما لذاته كالطعام، أو لغيره كالدواء.
وعبادة الله مبنية على المحبة، بل هي حقيقة العبادة; إذ لو تعبدت بدون محبة صارت عبادتك قشرا لا روح فيها، فإذا كان الإنسان في قلبه محبة لله وللوصول إلى جنته; فسوف يسلك الطريق الموصل إلى ذلك.
ولهذا لما أحب المشركون آلهتهم؛ توصلت بهم هذه المحبة إلى أن عبدوها من دون الله، أو مع الله.
والمحبة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: محبة عبادة، وهي التي توجب التذلل والتعظيم، وأن يقوم بقلب الإنسان من إجلال المحبوب وتعظيمه؛ ما يقتضي أن يمتثل أمره، ويجتنب نهيه، وهذه خاصة بالله، فمن أحب مع الله غيره محبة عبادة; فهو مشرك شركا أكبر، ويعبر العلماء عنها بالمحبة الخاصة.
القسم الثاني: محبة ليست بعبادة في ذاتها، وهذه أنواع:стр. 617
......................................................................
الحواشي
(١) ، من هذه الدنيا; فحبب إليه النساء; لأن ذلك مقتضى الطبيعة
_________(١) أخرجه الإمام أحمد (٣/١٢٨, ١٩٩, ٢٨٥) , والنسائي في (عشرة النساء, باب حب النساء/٧/٦١) ، وفي "تعليق الألباني على المشكاة" (٣/١٤٤٨) : "إسناده حسن".стр. 618
......................................................................
الحواشي
(١) .
وقال العلماء: إن ما لا يتم الواجب إلا به; فهو واجب، وقالوا: الوسائل لها أحكام المقاصد، وهذا أمر متفق عليه.
وقد ذكر المؤلف ﵀ في هذا الباب آيتين:
الأولى: التي ترجم بها، وهي قوله: "ومن الناس": "من" تبعيضية، هي ومجرورها خبر مقدم، و "من يتخذ" مبتدأ مؤخر.
قوله: "أندادا": جمع ند، وهو الشبيه والنظير.
قوله: " يحبونهم كحب الله ": أي: في كيفيته ونوعه; فالنوع أن يحب غير الله محبة عبادة. والكيفية: أن يحبه كمحبة الله أو أشد، حتى إن بعضهم يعظم محبوبه، ويغار له أكثر مما يعظم الله ويغار له، فلو قيل: احلف بالله; لحلف، وهو كاذب ولم يبال، ولو قيل: احلف بالند; لم يحلف، وهو كاذب، وهذا شرك أكبر.
وقوله: " كحب الله ": للمفسرين فيها قولان:
_________(١) أخرجه البخاري في (بدء الوحي, باب كيف كان بدء الوحي/١/١٣) , ومسلم في (الإمارة, باب قوله ﷺ : إنما الأعمال بالنيات/٣/١٥١٥) .стр. 619
......................................................................
الحواشي
(١) الأول: أنها على ظاهرها، وأنها مضافة إلى مفعولها; أي: يحبونهم كحبهم الله، والمعنى يحبون هذه الأنداد كمحبة الله، فيجعلونها شركاء لله في المحبة، لكن الذين آمنوا أشد حبا لله من هؤلاء لله، وهذا هو الصواب.
الثانية: أن المعنى كحب الله الصادر من المؤمنين: أي: كحب المؤمنين لله; فيحبون هذه الأنداد كما يحب المؤمنون الله (وهذا وإن احتمله اللفظ، لكن السياق يأباه; لأنه لو كان المعنى ذلك; لكان مناقضا لقوله تعالى فيما بعد: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ، [البقرة: من الآية١٦٥] ، وكانت محبة المؤمنين لله أشد; لأنها محبة خالصة ليس فيها شرك; فمحبة المؤمنين أشد من حب هؤلاء لله.
فإن قيل: قد ينقدح في ذهن الإنسان أن المؤمنين يحبون هذه الأنداد؛ نظرا لقوله: ﴿أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ ، فما الجواب؟
أجيب: أن اللغة العربية يجري فيها التفضيل بين شيئين؛ وأحدهما خال منه تماما، ومنه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ ، [الفرقان:٢٤] ، مع أن مستقر أهل النار ليس فيه خير، وقال تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ، [النمل: من الآية٥٩] ، والطرف الآخر ليس فيه شيء من هذه الموازنة، ولكنها من باب مخاطبة الخصم بحسب اعتقاده.
مناسبة الآية لباب المحبة:
منع الإنسان أن يحب أحدا كمحبة الله; لأن هذا من الشرك الأكبر، المخرج عن الملة، وهذا يوجد في بعض العباد، وبعض الخدم; فبعضстр. 620
وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: من الآية٢٤] .
الحواشي
(١) العباد يعظمون ويحبون بعض القبور أو الأولياء كمحبة الله أو أشد، وكذلك بعض الخدم تجدهم يحبون هؤلاء الرؤساء أكثر مما يحبون الله، ويعظمونهم أكثر مما يعظمون الله، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا، رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ [الأحزاب:٦٧-٦٨] .
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ :
"آباؤكم": اسم كان، وباقي الآية مرفوع معطوف عليه، وخبر كان ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ، والخطاب في قوله: "قل" للرسول (والمخاطب في قوله: "آباؤكم" الأمة.
والأمر في قوله: " فتربصوا " يراد به التهديد: أي: انتظروا عقاب الله، ولهذا قال: ﴿حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ بإهلاك هؤلاء المؤثرين لمحبة هؤلاء الأصناف الثمانية، على محبة الله ورسوله، وجهاد في سبيله.
فدلت الآية على أن محبة هؤلاء، وإن كانت من غير محبة العبادة؛ إذا فضلت على محبة الله صارت سببا للعقوبة.
ومن هنا نعرف أن الإنسان إذا كان يهمل أوامر الله لأوامر والده; فهو يحب أباه أكثر من ربه.стр. 621
......................................................................
الحواشي
(١) وكيف للإنسان أن يحب شيئا وهو يبغضه، وهل هذا إلا من محاولات جعل الممتنع ممكنا؟
أجيب: أن هذا إيراد ليس بوارد; فالإنسان قد تنقلب محبته لشيء كراهة وبالعكس، إما لسبب ظاهر أو لإرادة صادقة، فمثلا: لك صديق تحبه فيسرق منك وينتهك حرمتك، فتكرهه لهذا السبب، أو لإرادة صادقة; كرجل يحب شرب الدخان، فصار عنده إرادة صادقة وعزيمة ثابتة، فكره الدخان، فأقلع عنه.
وقال عمر (للنبي (: (إنك لأحب إلي من كل شيء إلا من نفسي. قال النبي (لا والذي نفسي بيده; حتى أكون أحب إليك من نفسك. قال: الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي. فقال
_________(١) أخرجه أحمد في "المسند" (٦/١٤٤) , وأبو داود في (النكاح, باب في القسم بين النساء/٢/٦٠١) , والترمذي في (النكاح, باب في التسوية بين الضرائر/٤/١٠٧) , والنسائي في (عشرة النساء, باب ميل الرجل إلى بعض نسائه دون بعض/٧/٦٤) , وابن ماجه في (النكاح, باب القسمة بين النساء/١/٦٣٣) , والدارمي (٢/٦٧) , وابن حبان- وصححه-(٤١٩٢) , والحاكم (٢/١٨٧) - وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي-. ورجح الترمذي إرساله; فقال: "رواية حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة مرسلا أصح". وانظر: "تحفة الأشراف" (١١/٤٧١/ رقم ١٦٢٩٠) , و "جامع الأصول" (١١/٥١٤) ،) و"نيل الأوطار" (٦/٣٧٢) .стр. 622
عن أنس; أن رسول الله (قال: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (أخرجاه (١) . الحواشي
(٢) ، فقد ازدادت محبة عمر (للنبي) ؛ وأقره النبي (على أن الحب قد يتغير.
وربما تسمع عن شخص كلاما وأنت تحبه فتكرهه، ثم يتبين لك أن هذا الكلام كذب; فتعود محبتك إياه.
قوله في حديث أنس: "لا يؤمن": هذا نفي الإيمان، ونفي الإيمان تارة يراد به نفي الكمال الواجب، وتارة يراد به نفي الوجود; أي: نفي الأصل. والمنفي في هذا الحديث هو كمال الإيمان الواجب; إلا إذا خلا القلب من محبة الرسول (إطلاقا; فلا شك أن هذا نفي لأصل الإيمان.
قوله: "من ولده": يشمل الذكر والأنثى، وبدأ بمحبة الولد; لأن تعلق القلب به أشد من تعلقه بأبيه غالبا.
قوله: "ووالده": يشمل أباه، وجده وإن علا، وأمه، وجدته وإن علت.
قوله: "والناس أجمعين": يشمل إخوته وأعمامه وأبناءهم وأصحابه ونفسه; لأنه من الناس; فلا يتم الإيمان حتى يكون الرسول أحب إليه من جميع المخلوقين.
وإذا كان هذا في محبة رسول الله (؛ فكيف بمحبة الله تعالى؟!!
_________(١) أخرجه البخاري في (الأيمان, باب كيف كانت يمين النبي (/٤/٢١٦) من حديث عمر (.(٢) أخرجه البخاري في (الإيمان, باب حب الرسول ﷺ من الإيمان/١/٢٢) , ومسلم في (الإيمان, باب وجوب محبة رسول الله ﷺ أكثر من الأهل/١/٦٧) .стр. 623
......................................................................
الحواشي
(١) ومحبة رسوله الله (تكون لأمور:
الأول: أنه رسول الله، وإذا كان الله أحب إليك من كل شيء; فرسوله أحب إليك من كل مخلوق.
الثاني: لما قام به من عبادة الله وتبليغ رسالته.
الثالث: لما آتاه الله من مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال.
الرابع: أنه سبب هدايتك، وتعليمك، وتوجيهك.
الخامس: لصبره على الأذى في تبليغ الرسالة.
السادس: لبذل جهده بالمال والنفس؛ لإعلاء كلمة الله.
ويستفاد من هذا الحديث ما يلي:
١- وجوب تقديم محبة الرسول (على محبة النفس.
٢- فداء الرسول (بالنفس والمال؛ لأنه يجب أن تقدم محبته على نفسك ومالك.
٣- أنه يجب على الإنسان أن ينصر سنة رسول الله (ويبذل لذلك نفسه وماله وكل طاقته لأن ذلك من كمال محبة رسول الله (ولذلك قال بعض أهل العلم في قوله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ، [الكوثر:٣] ، أي: مبغضك، قالوا: وكذلك من أبغض شريعته (فهو مقطوع لا خير فيه.
٤- جواز المحبة التي للشفقة والإكرام والتعظيم؛ لقوله (: " أحب إليه من ولده ووالده ... "; فأثبت أصل المحبة، وهذا أمر طبيعي لا ينكره أحد.
٥- وجوب تقديم قول الرسول (على قول كل الناس; لأن منстр. 624
......................................................................
الحواشي
(١) لازم كونه أحب من كل أحد؛ أن يكون قوله مقدما على كل أحد من الناس، حتى على نفسك، فمثلا: أنت تقول شيئا وتهواه وتفعله، فيأتي إليك رجل ويقول لك: هذا يخالف قول الرسول (فإذا كان الرسول أحب إليك من نفسك; فأنت تنتصر للرسول أكثر مما تنتصر لنفسك، وترد على نفسك بقول الرسول (فتدع ما تهواه من أجل طاعة الرسول (وهذا عنوان تقديم محبته على محبة النفس، ولهذا قال بعضهم:
تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
إذا يؤخذ من هذا الحديث وجوب تقديم قول الرسول (على قول كل الناس حتى على قوله أبي بكر وعمر وعثمان، وعلى قول الأئمة الأربعة ومن بعدهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ، [الأحزاب: من الآية٣٦] .
لكن إذا وجدنا حديثا يخالف الأحاديث الأخرى الصحيحة، أو مخالفا لقول أهل العلم وجمهور الأمة; فالواجب التثبت والتأني في الأمر; لأن اتباع الشذوذ يؤدي إلى الشذوذ.
ولهذا إذا رأيت حديثا يخالف ما عليه أكثر الأمة، أو يخالف الأحاديث الصحيحة التي كالجبال في رسوها; فلا تتعجل في قبوله، بل يجب عليك أن تراجع وتطالع في سنده حتى يتبين لك الأمر، فإذا تبين; فإنه لا بأس أن يخصص الأقوى بأضعف منه إذا كان حجة; فالمهم التثبت في الأمر.
وهذه القاعدة تنفعك في كثير من الأقوال التي ظهرت أخيرا، وتركها الأقدمون، وصارت محل نقاش بين الناس; فإنه يجب اتباع هذه القاعدة، ويقال: أين الناس من هذه الأحاديث؟ ولو كانت هذه الأحاديث من شريعة الله; لكانت منقولة باقية معلومة. مثل ما ذكر: أنстр. 625
ولهما عنه، قال: قال رسول الله: (ثلاث من كن فيه
الحواشي
(١) ، وإن كان ظاهر سنده الصحة; لكنه ضعيف وشاذ، ولهذا لم يذكر أنه عمل به إلا رجل أو رجلان من التابعين، وإلا فالأمة على خلافه، فمثل هذه الأحاديث يجب أن يتحرى الإنسان فيها ويتثبت، ولا نقول: إنها لا يمكن أن تكون صحيحة.
مناسبة هذا الحديث للباب:
مناسبة هذا الحديث ظاهرة; إذ محبة الرسول (من محبة الله، ولأنه إذا كان لا يكمل الإيمان حتى يكون الرسول (أحب إلى الإنسان من نفسه والناس أجمعين; فمحبة الله أولى وأعظم.
قوله في حديث أنس الثاني: " ثلاث من كن فيه ": أي: ثلاث خصال، و "كن" بمعنى وجدن فيه.
وإعراب "ثلاث": مبتدأ، وجاز الابتداء بها لأنها مفيدة على حد قول ابن مالك:
ولا يجوز الابتدا بالنكرة ... ما لم تفد......(٢) وقوله: "من كن فيه": "من": شرطية، و"كن": أصلها كان; فتكون فعلا ماضيا ناسخا، والنون اسمها، و"فيه": خبرها.
_________(١) أخرجه أبو داود (باب الإفاضة في الحج/٣/٥٠٨) . وقال المنذري في "مختصر السنن" (٢/ ٤٢٨) : "في إسناده محمد بن إسحاق, وقد تقدم الكلام عليه". وانظر: "تهذيب السنن" لابن القيم (٢/٤٢٧) .(٢) "ألفيه ابن مالك" (ص١٦) .стр. 626
وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله،....................
الحواشي
(١) قوله: "وجد بهن": وجد: فعل ماض في محل جزم جواب الشرط، والجملة من فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر المبتدأ.
وقوله: " وجد بهن حلاوة الإيمان": الباء للسببية، وحلاوة: مفعول وجد، وحلاوة الإيمان: ما يجده الإنسان في نفسه وقلبه من الطمأنينة والراحة والانشراح، وليست مدركة باللعاب والفم; فالمقصود بالحلاوة هنا الحلاوة القلبية.
الخصلة الأولى من الخصال الواردة في الحديث:
قوله: (أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما (:
الرسول محمد (، وكذا جميع الرسل تجب محبتهم.
قوله: " أحب إليه مما سواهما": أي: أحب إليه من الدنيا كلها، ونفسه، وولده، ووالده، وزوجه، وكل شيء سواهما، فإن قيل: لماذا جاء الحديث بالواو "الله ورسوله" وجاء الخبر لهما جميعا "أحب إليه مما سواهما"؟
فالجواب: لأن محبة الرسول (من محبة الله، ولهذا جعل قوله: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ركنا واحدا; لأن الإخلاص لا يتم إلا بالمتابعة التي جاءت عن طريق النبي.
الخصلة الثانية:
قوله: (وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله) .
قوله: "وأن يحب المرء" يشمل الرجل والمرأة.
قوله: "لا يحبه إلا لله ": اللام للتعليل، أي: من أجل الله; لأنه قائم بطاعة الله.стр. 627
وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار ( (١) .
وفي رواية: (لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى. .. (، إلى آخره (٢) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري في (الإيمان, باب حلاوة الإيمان/١/٢٢) , ومسلم في (الإيمان, باب خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان/١/ ٦٦) .(٢) أخرجها البخاري في (الأدب, باب الحب في الله/٤/ ٩٨) .стр. 628
وعن ابن عباس، قال: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله; فإنما تنال ولاية الله بذلك،
الحواشي
(١) أي: بسبب هرة.
وقوله: "في الله". أي: من أجله، إذا قلنا: إن "في" للسببية، وأما إذا قلنا: إنها للظرفية، فالمعنى: من أحب في ذات الله; أي: في دينه وشرعه، لا لعرض الدنيا.
قوله: "وأبغض في الله": البغض الكره; أي: أبغض في ذات الله، فإذا رأى من يعصي الله كرهه.
وفرق بين "في" التي للسببية و "في" التي للظرفية; فالسببية الحامل له على المحبة أو البغضاء هو الله، والظرفية موضع الحب أو الكراهة هو في ذات الله (، فيبغض من أبغضه الله، ويحب من أحبه الله.
قوله: " ووالى في الله ": الموالاة: هي المحبة والنصرة وما أشبه ذلك.
قوله: " وعادى في الله ": المعاداة ضد الموالاة; أي: يبتعد عنهم ويبغضهم ويكرههم في الله.
قوله: " فإنما تنال ولاية الله بذلك ": هذا جواب الشرط; أي: يدرك الإنسان ولاية الله ويصل إليها; لأنه جعل محبته وبغضه وولايته ومعاداته لله.
_________(١) سبق تخريجه (ص ٣١) .стр. 629
ولن يجد عبد طعم الإيمان - وإن كثرت صلاته وصومه - حتى يكون كذلك،...................................
الحواشي
(١) وقوله: " ولاية": يجوز في الواو وجهان: الفتح والكسر، قيل: معناهما واحد، وقيل: بالفتح بمعنى النصرة، قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، [الأنفال: من الآية٧٢] ، وبالكسر بمعنى الولاية على الشيء.
قوله: "بذلك": الباء للسببية، والمشار إليه الحب في الله والبغض فيه، والموالاة فيه والمعاداة فيه.
وهذا الأثر موقوف، لكنه بمعنى المرفوع; لأن ترتيب الجزاء على العمل لا يكون إلا بتوقيف، إلا أن الأثر ضعيف.
فمعنى الحديث: أن الإنسان لا يجد طعم الإيمان وحلاوته ولذته؛ حتى يكون كذلك، ولو كثرت صلاته وصومه، وكيف يستطيع عاقل فضلا عن مؤمن أن يوالي أعداء الله، فيرى أعداء الله يشركون به، ويكفرون به، ويصفونه بالنقائص والعيوب، ثم يواليهم ويحبهم؟! فهذا لو صلى وقام الليل كله، وصام الدهر كله; فإنه لا يمكن أن ينال طعم الإيمان، فلا بد أن يكون قلبك مملوء بمحبة الله وموالاته، ويكون مملوءا ببغض أعداء الله ومعاداتهم، وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وقال الإمام أحمد ﵀: "إذا رأيت النصراني أغمض عيني; كراهة أن أرى بعيني عدو الله".
هذا الذي يجد طعم الإيمان، أما - والعياذ بالله - الذي يرى أن اليهود أو النصارى على دين مرضي ومقبول عند الله بعد بعثة النبي (، فهو خارج عن الإسلام، مكذب بقول الله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ ، [المائدة: من الآية٣] ، وقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٩] .стр. 630
(وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي على أهله شيئا. .....................................
الحواشي
(١) ، وقال (: (أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب ((٢) ، وقال (: (أخرجوا المشركين من جزيرة العرب ((٣) ، وهذا كله من أجل أن لا يشتبه الأمر على الناس، ويختلط أولياء الله بأعدائه.
قوله: "وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا".
_________(١) أخرجه مسلم في (الجهاد, باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب/٣/ ١٣٨٨) من حديث عمر بن الخطاب ﵁.(٢) انظر: "التلخيص الحبير" (٤/ ١٢٥/ رقم ١٩١٧) .(٣) أخرجه البخاري في (الجهاد, باب هل يستشفع إلى أهل الذمة/٢/ ٣٧٣) , ومسلم في (الوصية, باب ترك الوصية/٣/ ١٢٥٧) .стр. 631
الحواشي
(١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(٣٥٣) عن ابن عباس موقوفا, وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/٣١٢) عن ابن عمر ﵄ مرفوعا, والطبراني في "الكبير"(١٣٥٣٧) عن ابن عمر موقوفا. ومداره على ليث بن أبي سليم, وهو ضعيف مختلط. انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/ ٤٦٧) , و"تقريب التهذيب" (٢/ ١٣٨) .стр. 632
(وقال ابن عباس في قوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ; قال: المودة ( (١) . الحواشي
(١) أخرجه ابن جرير (٢/ ٤٣) , والحاكم (٢/ ٢٧٢) وصححه, ووافقه الذهبي.стр. 633
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية (البقرة) .
الحواشي
(١) الأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى شيء. وفي اصطلاح الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم; فكل ما يوصل إلى شيء; فهو سبب، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: من الآية١٥] ، ومنه سمي الحبل سببا؛ لأن الإنسان يتوصل به إلى استخراج الماء من البئر.
وقوله: "قال: المودة": هذا الأثر ضعفه بعضهم، لكن معناه صحيح; فإن جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون لتنجيهم تتقطع بهم، ومنها محبتهم لأصنامهم وتعظيمهم إياها; فإنها لا تنفعهم، ولعل ابن عباس ﵄ أخذ ذلك من سياق الآيات; فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ [البقرة: من الآية١٦٥] ، ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] .
وبه تعرف أن مراده المودة الشركية، فأما المودة الإيمانية؛ كمودة الله تعالى، ومودة ما يحبه من الأعمال والأشخاص; فإنها نافعة موصلة للمراد، قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة: وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، وسبق ذلك.стр. 634
الثانية: تفسير آية (براءة) .
الثالثة: وجوب محبته (على النفس والأهل والمال.
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
الحواشي
(١) .
وقوله: "الآن" يدل على حدوث هذه المحبة، وهذا أمر ظاهر، وفيه أيضا أن نفي الإيمان المذكور في قوله (: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ... ((٢) لا يدل على الخروج من الإسلام; لقوله (في الحديث الآخر: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان "; لأن حلاوة الإيمان أمر زائد على أصله; أي: إن الدليل مركب من الدليلين.
_________(١) البخاري: الأيمان والنذور(٦٦٣٢) , وأحمد (٤/٣٣٦،٢٣٣) ، (٥/٢٩٣) .(٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان(٤٤) , وسنن النسائي: كتاب الإيمان وشرائعه (٥٠١٣،٥٠١٥) , وسنن ابن ماجه: كتاب المقدمة(٦٧) , ومسند أحمد (٣/٢٠٧،٢٧٥،٢٧٨) .стр. 635
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
الحواشي
(١) ونفي الشيء له ثلاث حالات: فالأصل أنه نفي للوجود، وذلك مثل: لا إيمان لعابد صنم، فإن منع مانع من نفي الوجود; فهو نفي للصحة، مثل: "لا صلاة بغير وضوء"، فإن منع مانع من نفي الصحة; فهو نفي للكمال، مثل: "لا صلاة بحضرة طعام"; فقوله: "لا يؤمن أحدكم" نفي للكمال الواجب لا المستحب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا ينفى الشيء إلا لانتفاء واجب فيه ما لم يمنع من ذلك مانع".
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها تؤخذ من قوله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان (، وهذا دليل انتفاء الحلاوة إذا انتفت هذه الأشياء.
السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والولاء في الله، والعداء في الله. لا تنال ولاية الله إلا بها، فلو صلى الإنسان وصام ووالى أعداء الله; فإنه لا يناله ولاية الله، قال ابن القيم:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وهذا لا يقبله حتى الصبيان أن توالي من عاداهم.
وقوله: "ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها" مأخوذة من قول ابن عباس: "ولن يجد عبد طعم الإيمان ... " إلخ.следующие страницы →