Полный текст (1 122 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.
стр. 631
الحواشي
(١) أخرجه ابن المبارك في "الزهد"(٣٥٣) عن ابن عباس موقوفا, وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (١/٣١٢) عن ابن عمر ﵄ مرفوعا, والطبراني في "الكبير"(١٣٥٣٧) عن ابن عمر موقوفا. ومداره على ليث بن أبي سليم, وهو ضعيف مختلط. انظر: "تهذيب التهذيب" (٨/ ٤٦٧) , و"تقريب التهذيب" (٢/ ١٣٨) .стр. 632
(وقال ابن عباس في قوله تعالى: وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ; قال: المودة ( (١) . الحواشي
(١) أخرجه ابن جرير (٢/ ٤٣) , والحاكم (٢/ ٢٧٢) وصححه, ووافقه الذهبي.стр. 633
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية (البقرة) .
الحواشي
(١) الأسباب: جمع سبب، وهو كل ما يتوصل به إلى شيء. وفي اصطلاح الأصوليين: ما يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم; فكل ما يوصل إلى شيء; فهو سبب، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: من الآية١٥] ، ومنه سمي الحبل سببا؛ لأن الإنسان يتوصل به إلى استخراج الماء من البئر.
وقوله: "قال: المودة": هذا الأثر ضعفه بعضهم، لكن معناه صحيح; فإن جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون لتنجيهم تتقطع بهم، ومنها محبتهم لأصنامهم وتعظيمهم إياها; فإنها لا تنفعهم، ولعل ابن عباس ﵄ أخذ ذلك من سياق الآيات; فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّه﴾ [البقرة: من الآية١٦٥] ، ثم قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة:١٦٦] .
وبه تعرف أن مراده المودة الشركية، فأما المودة الإيمانية؛ كمودة الله تعالى، ومودة ما يحبه من الأعمال والأشخاص; فإنها نافعة موصلة للمراد، قال الله تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف:٦٧] .
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة: وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، وسبق ذلك.стр. 634
الثانية: تفسير آية (براءة) .
الثالثة: وجوب محبته (على النفس والأهل والمال.
الرابعة: نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام.
الحواشي
(١) .
وقوله: "الآن" يدل على حدوث هذه المحبة، وهذا أمر ظاهر، وفيه أيضا أن نفي الإيمان المذكور في قوله (: (لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ... ((٢) لا يدل على الخروج من الإسلام; لقوله (في الحديث الآخر: " ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان "; لأن حلاوة الإيمان أمر زائد على أصله; أي: إن الدليل مركب من الدليلين.
_________(١) البخاري: الأيمان والنذور(٦٦٣٢) , وأحمد (٤/٣٣٦،٢٣٣) ، (٥/٢٩٣) .(٢) صحيح مسلم: كتاب الإيمان(٤٤) , وسنن النسائي: كتاب الإيمان وشرائعه (٥٠١٣،٥٠١٥) , وسنن ابن ماجه: كتاب المقدمة(٦٧) , ومسند أحمد (٣/٢٠٧،٢٧٥،٢٧٨) .стр. 635
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها.
السادسة: أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
الحواشي
(١) ونفي الشيء له ثلاث حالات: فالأصل أنه نفي للوجود، وذلك مثل: لا إيمان لعابد صنم، فإن منع مانع من نفي الوجود; فهو نفي للصحة، مثل: "لا صلاة بغير وضوء"، فإن منع مانع من نفي الصحة; فهو نفي للكمال، مثل: "لا صلاة بحضرة طعام"; فقوله: "لا يؤمن أحدكم" نفي للكمال الواجب لا المستحب، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "لا ينفى الشيء إلا لانتفاء واجب فيه ما لم يمنع من ذلك مانع".
الخامسة: أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها تؤخذ من قوله: (ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان (، وهذا دليل انتفاء الحلاوة إذا انتفت هذه الأشياء.
السادسة: أعمال القلب الأربعة التي لا تنال ولاية الله إلا بها، ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها.
وهي: الحب في الله، والبغض في الله، والولاء في الله، والعداء في الله. لا تنال ولاية الله إلا بها، فلو صلى الإنسان وصام ووالى أعداء الله; فإنه لا يناله ولاية الله، قال ابن القيم:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حبا له ما ذاك في إمكان
وهذا لا يقبله حتى الصبيان أن توالي من عاداهم.
وقوله: "ولا يجد أحد طعم الإيمان إلا بها" مأخوذة من قول ابن عباس: "ولن يجد عبد طعم الإيمان ... " إلخ.стр. 636
السابعة: فهم الصحابي للواقع; أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا.
الثامنة: تفسير: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ .
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا.
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه.
الحواشي
(١) السابعة: فهم الصحابي للواقع أن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا الصحابي يعني به ابن عباس ﵄، وقوله: "إن عامة المؤاخاة على أمر الدنيا"، هذا في زمنه; فكيف بزمننا؟!
الثامنة: تفسير قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ ؛ فسرها بالمودة، وتفسير الصحابي إذا كانت الآية من صيغ العموم تفسير بالمثال; لأن العبرة في نصوص الكتاب والسنة بعموماتها، فإذا ذكر فرد من أفراد هذا العموم; فإنما يقصد به التمثيل، أي: مثل المودة، لكن حتى الأسباب الأخرى التي يتقربون بها إلى الله وليست بصحيحة; فإنها تنقطع بهم ولا ينالون منها خيرا.
التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، [البقرة: من الآية١٦٥] ، وهم يحبون الأصنام حبا شديدا، وتؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه﴾ ؛ فأشد: اسم تفضيل، يدل على الاشتراك في المعنى مع الزيادة; فقد اشتركوا في شدة الحب، وزاد المؤمنون بكونهم أشد حبا لله من هؤلاء لأصنامهم.
العاشرة: الوعيد على من كان الثمانية أحب إليه من دينه: الثمانية هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْстр. 637
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله; فهو الشرك الأكبر.
الحواشي
(١) وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا﴾ ، [التوبة: من الآية٢٤] .
والوعيد في قوله: "فتربصوا"; فأفاد المؤلف رحمه الله تعالى أن الأمر هنا للوعيد.
الحادية عشرة: أن من اتخذ ندا تساوي محبته محبة الله فهو الشرك الأكبر: لقوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ ، [البقرة: من الآية١٦٥] ، ثم بين في سياق الآيات أنهم مشركون شركا أكبر، بدليل ما لهم من العذاب.стр. 638
باب قول الله تعالى:
﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [ آل عمران:١٧٥] .
الحواشي
(١) .
_________(١) سبق (١/٥٧٠) .стр. 639
......................................................................
الحواشي
(١) .
وقيل: في حال المرض يغلب جانب الرجاء، وفي حال الصحة يغلب جانب الخوف. فهذه أربعة أقوال.
وقال الإمام أحمد: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدا; فأيهما غلب هلك صاحبه; أي: يجعلهما كجناحي الطائر، والجناحان للطائر إذا لم يكونا متساويين سقط.
وخوف الله تعالى درجات؛ فمن الناس من يغلو في خوفه، ومنهم من يفرط، ومنهم من يعتدل في خوفه.
والخوف العدل هو الذي يرد عن محارم الله فقط، وإن زدت على هذا; فإنه يوصلك إلى اليأس من روح الله.
ومن الناس من يفرط في خوفه بحيث لا يردعه عما نهى الله عنه.
والخوف أقسام:
_________(١) أخرجه البخاري في (التوحيد, باب ويحذركم الله نفسه/٤/٣٨٤) , ومسلم في (الذكر والدعاء, باب الحث على ذكر الله/٤/٢٠٦١) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 640
......................................................................
الحواشي
(١) الأول: خوف العبادة والتذلل والتعظيم والخضوع، وهو ما يسمى بخوف السر؛ وهذا لا يصلح إلا لله - سبحانه -، فمن أشرك فيه مع الله غيره; فهو مشرك شركا أكبر، وذلك مثل: من يخاف من الأصنام أو الأموات، أو من يزعمونهم أولياء ويعتقدون نفعهم وضرهم; كما يفعله بعض عباد القبور: يخاف من صاحب القبر أكثر مما يخاف الله.
الثاني: الخوف الطبيعي والجبلي; فهذا في الأصل مباح; لقوله تعالى عن موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ ، [القصص: من الآية٢١] ، وقوله عنه أيضا: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ ، [القصص:٣٣] ، لكن إن حمل على ترك واجب أو فعل محرم; فهو محرم، وإن استلزم شيئا مباحا كان مباحا، فمثلا من خاف من شيء لا يؤثر عليه وحمله هذا الخوف على ترك صلاة الجماعة مع وجوبها; فهذا الخوف محرم، والواجب عليه أن لا يتأثر به. وإن هدده إنسان على فعل محرم، فخافه وهو لا يستطيع أن ينفذ ما هدده به; فهذا خوف محرم لأنه يؤدي إلى فعل محرم بلا عذر، وإن رأى نارا ثم هرب منها ونجا بنفسه; فهذا خوف مباح، وقد يكون واجبا إذا كان يتوصل به إلى إنقاذ نفسه.
وهناك ما يسمى بالوهم وليس بخوف، مثل أن يرى ظل شجرة تهتز، فيظن أن هذا عدو يتهدده; فهذا لا ينبغي للمؤمن أن يكون كذلك، بل يطارد هذه الأوهام لأنه لا حقيقة لها، وإذا لم تطاردها; فإنها تهلكك.
مناسبة الخوف للتوحيد: أن من أقسام الخوف ما يكون شركا منافيا للتوحيد.стр. 641
......................................................................
الحواشي
(١) وقد ذكر المؤلف فيه ثلاث آيات:
أولها ما جعلها ترجمة للباب، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٧٥] .
"إنما ذلكم": صيغة حصر، والمشار إليه التخويف من المشركين.
"ذلكم": ذا؛ مبتدأ، و"الشيطان": يحتمل أن يكون خبر المبتدأ، وجملة "يخوف" حال من الشيطان.
ويحتمل أن يكون "الشيطان" صفة لـ"ذلكم"، أو عطف بيان.
و"يخوف": خبر المبتدأ، والمعنى: ما هذا التخويف الذي حصل إلا من شيطان يخوف أولياءه.
و"يخوف" تنصب مفعولين، الأول محذوف تقديره: يخوفكم، والمفعول الثاني: "أولياءه"، ومعنى يخوفكم; أي: يوقع الخوف في قلوبكم منهم.
و"أولياءه"; أي: أنصاره الذين ينصرون الفحشاء والمنكر; لأن الشيطان يأمر بذلك; فكل من نصر الفحشاء والمنكر; فهو من أولياء الشيطان، ثم قد يكون النصر في الشرك وما ينافي التوحيد; فيكون عظيما وقد يكون دون ذلك.
وقوله: "يخوف أولياءه" من ذلك ما وقع في الآية التي قبلها، حيث قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٧٣] ، وذلك ليصدوهم عن واجب من واجبات الدين، وهو الجهاد، فيخوفونهم بذلك،стр. 642
......................................................................
الحواشي
(١) وكذلك ما يحصل في نفس من أراد أن يأمر بالمعروف، أو ينهى عن المنكر، فيخوفه الشيطان ليصده عن هذا العمل، وكذلك ما يقع في قلب الداعية.
والحاصل: أن الشيطان يخوف كل من أراد أن يقوم بواجب، فإذا ألقى الشيطان في نفسك الخوف; فالواجب عليك أن تعلم أن الإقدام على كلمة الحق ليس هو الذي يدني الأجل، وليس السكوت والجبن هو الذي يبعد الأجل; فكم من داعية صدع بالحق ومات على فراشه؟! وكم من جبان قتل في بيته؟!
وانظر إلى خالد بن الوليد، كان شجاعا مقداما، ومات على فراشه، وما دام الإنسان قائما بأمر الله; فليثق بأن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وحزب الله هم الغالبون.
قوله: " فلا تخافوهم ": لا ناهية، والهاء ضمير يعود على أولياء الشيطان، وهذا النهي للتحريم بلا شك; أي: بل امضوا فيما أمرتكم به وفيما أوجبته عليكم من الجهاد، ولا تخافوا هؤلاء، وإذا كان الله مع الإنسان، فإنه لا يغلبه أحد، لكن نحتاج في الحقيقة إلى صدق النية والإخلاص والتوكل التام، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٧٥] ، وعلم من هذه الآية أن للشيطان وساوس يلقيها في قلب ابن آدم منها التخويف من أعدائه، وهذا ما وقع فيه كثير من الناس، وهو الخوف من أعداء الله فكانوا فريسة لهم، وإلا لو اتكلوا على الله وخافوه قبل كل شيء لخافهم الناس، ولهذا قيل في المثل: من خاف الله خافه كل شيء، ومن اتقى الله اتقاه كل شيء، ومن خاف من غير الله خاف من كل شيء.
ويفهم من الآية أن الخوف من الشيطان وأوليائه مناف للإيمان، فإنстр. 643
وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ، [التوبة:١٨] .
الحواشي
(١) كان الخوف يؤدي إلى الشرك; فهو مناف لأصله، وإلا; فهو مناف لكماله.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُر﴾ . "إنما": أداة حصر، والمراد بالعمارة العمارة المعنوية، وهي عمارتها بالصلاة والذكر وقراءة القرآن ونحوها، وكذلك الحسية بالبناء الحسي; فإن عمارتها به حقيقة لا تكون إلا ممن ذكرهم الله; لأن من يعمرها وهو لم يؤمن بالله واليوم الآخر لم يعمرها حقيقة; لعدم انتفاعه بهذه العمارة; فالعمارة النافعة الحسية والمعنوية من الذين آمنوا بالله واليوم الآخر، ولهذا لما افتخر المشركون بعمارة المسجد الحرام; قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ، وأضاف سبحانه المساجد إلى نفسه تشريفا; لأنها موضع عبادته.
قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ("من": فاعل يعمر.
والإيمان بالله يتضمن أربعة أمور، وهي:
- الإيمان بوجوده.
- وربوبيته.
- وألوهيته.
- وأسمائه وصفاته.стр. 644
......................................................................
الحواشي
(١) و ﴿اليوم الآخر﴾ : هو يوم القيامة، وسمي بذلك; لأنه لا يوم بعده.
قال شيخ الإسلام: ويدخل في الإيمان بالله واليوم الآخر كل ما أخبر به النبي (، مما يكون بعد الموت مثل فتنة القبر وعذابه ونعيمه؛ لأن حقيقة الأمر أن الإنسان إذا مات قامت قيامته وارتحل إلى دار الجزاء.
ويقرن الله الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر كثيرا; لأن الإيمان باليوم الآخر يحمل الإنسان إلى الامتثال، فإنه إذا آمن أن هناك بعثا وجزاء; حمله ذلك على العمل لذلك اليوم، ولكن من لا يؤمن باليوم الآخر لا يعمل; إذ كيف يعمل لشيء وهو لا يؤمن به؟!
قوله: "وأقام الصلاة": أي: أتى بها على وجه قويم لا نقص فيه.
والإقامة نوعان:
إقامة واجبة، وهي التي يقتصر فيها على فعل الواجب من الشروط والأركان والواجبات.
وإقامة مستحبة: وهي التي يزيد فيها على فعل ما يجب؛ فيأتي بالواجب والمستحب.
قوله: "وآتى الزكاة": "آتى" تنصب مفعولين؛ الأول هنا الزكاة، والثاني محذوف، تقديره مستحقها.
والزكاة: هي المال الذي أوجبه الشارع في الأموال الزكوية وتختلف مقاديرها حسب ما تقتضيه حكمة الله (.
قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ؛ في هذه الآية حصر، طريقه الإثبات والنفي.
"ولم يخش" نفي، "إلا الله" إثبات.
والمعنى: أن خشيته انحصرت في الله - عزوجل - فلا يخشى غيره. والخشية نوع منстр. 645
..........................................................................................
الحواشي
(١) وجاءت بصيغة الترجي; لئلا يأخذ الإنسان الغرور بأنه حصل على هذا الوصف، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً، فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ ، [النساء:٩٨-٩٩] ، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها; فالذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا جديرون بالعفو.
الشاهد من الآية: قوله: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ ، ومن علامات صدق الإيمان أن لا يخشى إلا الله في كل ما يقول ويفعل. ومن أراد أن يصحح هذا المسير; فليتأمل قول الرسول ((واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ((٢) .
_________(١) أخرجه البيهقي (٩/ ١٣) , وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (١/ ٥٨٧) , وفي "الإتقان" (ص ٢١٤) . وإسناده صحيح. انظر صحيفة علي بن أبي طالب: (ص ٧٢- ٧٣) .(٢) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٢٩٣, ٣٠٧) , والترمذي في (صفة القيامة, باب "ولكن يا حنظلة ساعة وساعة"/٨/ ٢٠٣) - وقال: "حسن صحيح" وأخرجه أيضا: عبد بن حميد(٦٣٥) , والطبراني في "الكبير" (١٢٩٨٨, ١٢٩٨٩, ١١٢٤٣, ١١٤١٦, ١١٥٦٠) , وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣١٤) و "أخبار أصفهان" ٢١/ ٢٠٤) . وقال ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص ١٦١) : "وبكل حال; فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة". وانظر: "المشكاة (٣/ ١٤٥٩) .стр. 646
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ، [العنكبوت: من الآية١٠] ، الآية.
الحواشي
(١) الآية الثالثة قوله تعالى: "ومن الناس": جار ومجرور خبر مقدم، و"من" تبعيضية.
وقوله: "من يقول": "من": مبتدأ مؤخر، والمراد بهؤلاء: من لا يصل الإيمان إلى قرارة قلبه; فيقول: آمنا بالله، لكنه إيمان متطرف; كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ ، [الحج: من الآية١١] ، "على حرف" ; أي: على طرف.
فإذا امتحنه الله بما يقدر عليه من إيذاء الأعداء في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله.
قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ﴾ ، "في": للسببية; أي: بسبب الإيمان بالله وإقامة دينه. ويجوز أن تكون "في" للظرفية على تقدير: "فإذا أوذي في شرع الله"; أي: إيذاء في هذا الشرع الذي تمسك به.
قوله: ﴿جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ﴾ ، "جعل": صير، والمراد بالفتنة هنا الإيذاء، وسمي فتنة; لأن الإنسان يفتتن به، فيصد عن سبيل الله; كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ ، [البروج: من الآية١٠] ، وإضافة الفتنة إلى الناس من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
قوله: "كعذاب الله": ومعلوم أن الإنسان يفر من عذاب الله،стр. 647
......................................................................
الحواشي
(١) فيوافق أمره; فهذا يجعل فتنة الناس كعذاب الله; فيفر من إيذائهم بموافقة أهوائهم وأمرهم جعلا لهذه الفتنة كالعذاب; فحينئذ يكون قد خاف من هؤلاء كخوفه من الله; لأنه جعل إيذاءهم كعذاب الله، ففر منه بموافقة أمرهم; فالآية موافقة للترجمة.
وفي هذه الآية من الحكمة العظيمة، وهي ابتلاء الله للعبد لأجل أن يمحص إيمانه وذلك على قسمين:
الأول: ما يقدره الله نفسه على العبد; كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ ، [الحج: من الآية١١] ، وقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية١٥٥-١٥٦] .
الثاني: ما يقدره الله على أيدي الخلق من الإيذاء امتحانا واختبارا، وذلك كالآية التي ذكر المؤلف.
وبعض الناس إذا أصابته مصائب لا يصبر، فيكفر ويرتد أحيانا- والعياذ بالله-، وأحيانا يكفر بما خالف فيه أمر الله (في موقفه في تلك المصيبة; وكثير من الناس ينقص إيمانه بسبب المصائب نقصا عظيما; فليكن المسلم على حذر; فالله حكيم، يمتحن عباده بما يتبين به تحقق الإيمان، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد:٣١] .
قوله: "الآية": أي: إلى آخر الآية، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ، [العنكبوت: من الآية١٠] .стр. 648
......................................................................
الحواشي
(١) كانوا يدعون أن ما يحصل لهم من الإيذاء بسبب الإيمان، فإذا انتصر المسلمون قالوا: نحن معكم نريد أن يصيبنا مثل ما أصابكم من غنيمة وغيرها.
وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ﴾ ، [العنكبوت: من الآية١٠] ، قيل في مثل هذا السياق: إن الواو عاطفة على محذوف يقدر بحسب ما يقتضيه السياق.
وقيل: إنها عاطفة على ما سبقها، على تقدير أن الهمزة بعدها، أي: وأليس الله.
قوله: "أعلم" مجرور بالفتحة; لأنه ممنوع من الصرف للوصفية، ووزن الفعل.
فالله أعلم بما في صدور العالمين، أي بما في صدور الجميع; فالله أعلم بما في نفسك منك، وأعلم بما في نفس غيرك; لأن علم الله عام.
وكلمة "أعلم": اسم تفضيل، وقال بعض المفسرين ولاسيما المتأخرون منهم: "أعلم" بمعنى عالم، وذلك فرارا من أن يقع التفضيل بين الخالق والمخلوق، وهذا التفسير الذي ذهبوا إليه كما أنه خلاف اللفظ; ففيه فساد المعنى; لأنك إذا قلت: أعلم بمعنى عالم، فإن كلمة عالم تكون للإنسان وتكون لله، ولا تدل على التفاضل; فالله عالم والإنسان عالم.
وأما تحريف اللفظ; فهو ظاهر، حيث حرفوا اسم التفضيل الدال على ثبوت المعنى وزيادة إلى اسم فاعل لا يدل على ذلك.
والصواب أن "أعلم" على بابها، وأنها اسم تفضيل، وإذا كانت اسم تفضيل; فهي دالة دلالة واضحة على عدم تماثل علم الخالق وعلم المخلوق، وأن علم الخالق أكمل.стр. 649
عن أبي سعيد (مرفوعا: (إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله،..............................................
الحواشي
(١) .
الشاهد من الآية: قوله: ﴿فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّه﴾ ، [العنكبوت: من الآية١٠] ، فخاف الناس مثل خوف الله تعالى.
قوله: في حديث أبي سعيد: "إن من ضعف اليقين": "من": للتبعيض، والضعف ضد القوة، ويقال: ضَعف بفتح الضاد أو ضُعف بضم الضاد، وكلاهما بمعنى واحد; أي: من علامة ضعف اليقين.
قوله: " أن ترضي الناس بسخط الله ":
"أن ترضي": اسم إن مؤخرا، و "من ضعف اليقين": خبرها مقدما والتقدير: إن إرضاء الناس بسخط الله من ضعف اليقين.
_________(١) أخرجه البخاري في (المغازي, باب حديث كعب بن مالك/٣/١٧٦) , ومسلم في (التوبة, باب حديث توبة كعب/٤/٢١٢٠) .стр. 650
وأن تحمدهم على رزق الله،...........................................
الحواشي
(١) .
أما إن كان في قلبك أن الله هو الذي من عليك بسياق هذا الرزق، ثم شكرت الذي أعطاك; فليست هذا داخلا في الحديث، بل هو من الشرع; لقوله: (من صنع إليكم معروفا; فكافئوه، فإن لم تجدوا ما
_________(١) رواه البخاري (كتاب فرض الخمسة/٣١١٦) .стр. 651
وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله،........................................
الحواشي
(١) .
إذن الحديث ليس على ظاهره من كل وجه، فالمراد بالحمد: أن تحمدهم الحمد المطلق ناسيا المسبب وهو الله (، وهذا من ضعف اليقين، كأنك نسيت المنعم الأصلي، وهو الله (الذي له النعمة الأولى، وهو سفه أيضا; لأن حقيقة الأمر أن الذي أعطاك هو الله، فالبشر الذي أعطاك هذا الرزق لم يخلق ما أعطاك، فالله هو الذي خلق ما بيده، وهو الذي عطف قلبه حتى أعطاك، أرأيت لو أن إنسانا له طفل، فأعطى طفله ألف درهم وقال له: أعطها فلانا، فالذي أخذ الدراهم يحمد الأب; لأنه لو حمد الطفل فقط لعد هذا سفها; لأن الطفل ليس إلا مرسلا فقط، وعلى هذا; فنقول: إنك إذا حمدتهم ناسيا بذلك ما يجب لله من الحمد والثناء; فهذا هو الذي من ضعف اليقين، أما إذا حمدتهم على أنهم سبب من الأسباب، وأن الحمد كله لله (فهذا حق، وليس من ضعف اليقين.
قوله: " وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله ": هذه عكس الأولى; فمثلا: لو أن إنسانا جاء إلى شخص يوزع دراهم، فلم يعطه، فسبه
_________(١) أخرجه أحمد (٢/ ٦٨, ٩٩, ١٢٧) , والبخاري في "الأدب المفردة"(٢١٦) , وأبو داود في (الزكاة, باب عطية من سأل بالله/٢/٣١٠) , والنسائي في (الزكاة, باب من سأل بالله/٥/ ٨٢) , والطبراني في "الكبير" (١٣٤٦٥, ١٣٤٦٦) , وابن حبان(٢٠٧١) , والحاكم (١/ ٤١٢) - وصححه على شرطهما ووافقه الذهبي-, وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٥٦) , والبيهقي (٤/١٩٩) . والحديث صححه الحافظ في "تخريج الأذكار"; كما في "الفتوحات الربانية" (٥/ ٢٥٠) , وحسنه السخاوي في "الفتوحات (٧/١٢١) .стр. 652
إن رزق الله لا يجره حرص حريص، ولا يرده كراهية كاره ( (١) . الحواشي
(١) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٥/١٠٦) ، (١٠/ ٤١) , والبيهقي في "شعب الإيمان " (١/١٥٢,١٥١) . وقال: "محمد بن مروان ضعيف", وقال الشيخ سليمان ﵀ في "التيسير" (ص٤٩٠) : "قلت: ضعيف, ومعناه صحيح".стр. 653
وعن عائشة ﵂; أن رسول الله (قال: (من التمس رضا الله بسخط الناس وأرضى عنه الناس، ومن التمسك رضا الناس بسخط الله; سخط الله عليه وأسخط عليه الناس (رواه ابن حبان في " صحيحه" (١) . الحواشي
(٢) .
وقوله: "رضا الله": أي: أسباب رضاه.
وقوله: "بسخط الناس": الباء للعوض; أي: إنه طلب ما يرضي الله ولو سخط الناس به بدلا من هذا الرضا، وجواب الشرط: " ﵁ وأرضى عنه الناس ".
وقوله: "﵁ وأرضى عنه الناس": هذا ظاهر، فإذا التمس العبد رضا ربه بنية صادقة ﵁؛ لأنه أكرم من عبده، وأرضى عنه الناس، وذلك بما يلقي في قلوبهم من الرضا عنه ومحبته; لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
قوله: (ومن التمس رضا الناس بسخط الله (، "التمس": طلب; أي: طلب ما يرضي الناس، ولو كان يسخط الله; فنتيجة ذلك أن يعامل بنقيض قصده، لهذا قال: "سخط الله عليه وأسخط عليه الناس"; فألقى في قلوبهم سخطه وكراهيته.
_________(١) أخرجه ابن حبان بهذا اللفظ(١٥٤٢) , وأخرجه بنحوه: ابن المبارك في "الزهد"(١٩٩) , والترمذي في (الزهد, باب من التمس رضا الله بسخط الناس/٧/١٣٢) , والبغوي في "شرح السنة" (١٤/٤١٠) , وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ١١٨) , وابن حبان(١٥٤١) .(٢) أخرجه البخاري في (فضل ليلة القدر, باب تحري ليلة القدر/١/ ٦٤) من حديث ابن عباس ﵄.стр. 654
......................................................................
الحواشي
(١) مناسبة الحديث للترجمة:
قوله: "ومن التمس رضا الناس بسخط الله"; أي: خوفا منهم حتى يرضوا عنه; فقدم خوفهم على مخافة الله تعالى.
فيستفاد من الحديث ما يلي:
١- وجوب طلب ما يرضي الله وإن سخط الناس لأن الله هو الذي ينفع ويضر.
٢- أنه لا يجوز أن يلتمس ما يسخط الله من أجل إرضاء الناس كائنا من كان.
٣- إثبات الرضا والسخط لله على وجه الحقيقة، لكن بلا مماثلة للمخلوقين; لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ، [الشورى: من الآية١١] ، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وأما أهل التعطيل; فأنكروا حقيقة ذلك، قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، وهذا لا يليق بالله، وهذا خطأ; لأنهم قاسوا سخط الله أو غضبه بغضب المخلوق، فنرد عليهم بأمرين: بالمنع، ثم النقض:
فالمنع: أن نمنع أن يكون معنى الغضب المضاف إلى الله (كغضب المخلوقين.
والنقض: فنقول للأشاعرة: أنتم أثبتم لله (الإرادة، وهي ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، والرب (لا يليق به ذلك، فإذا قالوا: هذه إرادة المخلوق. نقول: والغضب الذي ذكرتم هو غضب المخلوق. وكل إنسان أبطل ظواهر النصوص بأقيسة عقلية; فهذه الأقيسة باطلة لوجوه:стр. 655
......................................................................
الحواشي
(١) الأول: أنها تبطل دلالة النصوص، وهذا يقتضي أن تكون هي الحق، ومدلول النصوص باطل، وهذا ممتنع.
الثاني: أنه تقول على الله بغير علم; لأن الذي يبطل ظاهر النص يؤوله إلى معنى آخر; فيقال له: ما الذي أدراك أن الله أراد هذا المعنى دون ظاهر النص؟ ففيه تقول على الله في النفي والإثبات في نفي الظاهر، وفي إثبات ما لم يدل عليه دليل.
الثالث: أن فيه جناية على النصوص، حيث اعتقد أنها دالة على التشبيه; لأنه لم يعطل إلا لهذا السبب; فيكون ما فهم من كتاب الله وسنة رسوله (كفرا أو ضلالا.
الرابع: أن فيها طعنا في الرسول (وخلفائه الراشدين; لأننا نقول: هذه المعاني التي صرفتم النصوص إليها هل الرسول (وخلفاؤه يعلمون بها أم لا؟
فإن قالوا: لا يعلمون; فقد اتهموهم بالقصور، وإن قالوا: يعلمون ولم يبينوها; فقد اتهموهم بالتقصير. فلا تستوحش من نص دل على صفة أن تثبتها، لكن يجب عليك أن تجتنب أمرين هما:
التمثيل والتكييف; لقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ ، [النحل: من الآية٧٤] ، وقوله: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ، [الإسراء: من الآية٣٦] ، فإذا أثبت الله لنفسه وجها أو يدين; فلا تستوحش من إثبات ذلك; لأن الذي أخبر به عن نفسه أعلم بنفسه من غيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا، وهو يريد لخلقه الهداية، وإذا أثبت رسوله (ذلك له; فلا تستوحش من إثباته; لأنه (:стр. 656
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية (آل عمران) .
الثانية: تفسير آية (براءة) .
الحواشي
(١) أصدق الخلق.
وأعلمهم بما يقول عن الله.
وأبلغهم نطقا وفصاحة.
وأنصح الخلق للخلق.
فمن أنكر صفة أثبتها الله لنفسه أو أثبتها له رسوله، وقال: هذا تقشعر منه الجلود وتنكره القلوب; فيقال: هذا لا ينكره إلا إنسان في قلبه مرض، أما الذين آمنوا; فلا تنكره قلوبهم، بل تؤمن به وتطمئن إليه، ونحن لم نكلف إلا بما بلغنا، والله يريد لعباده البيان والهدى، قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، [النساء: من الآية٢٦] ، فهو لا يريد أن يعمي عليهم الأمر، فيقول: إنه يغضب وهو لا يغضب، ويقول: إنه يهرول وهو لا يهرول، هذا خلاف البيان.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [آل عمران:١٧٥] ، وسبق.
الثانية: تفسير آية براءة: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّاстр. 657
الثالثة: تفسير آية (العنكبوت) .
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض.
السابعة: ذكر ثواب من فعله.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه.
الحواشي
(١) اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ ، [التوبة: من الآية١٨] ، وسبق.
الثالثة: تفسير آية العنكبوت: وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ ، [العنكبوت: من الآية١٠] ، وقد تكلمنا على تفسيرها فيما سبق.
الرابعة: أن اليقين يضعف ويقوى: تؤخذ من الحديث: "إن من ضعف اليقين ... " الحديث.
الخامسة: علامة ضعفه، ومن ذلك هذه الثلاث: وهي: أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله.
السادسة: أن إخلاص الخوف لله من الفرائض: وتؤخذ من قوله (في الحديث: "من التمس ... " الحديث، ووجهه ترتيب العقوبة على من قدم رضا الناس على رضا الله تعالى.
السابعة: ذكر ثواب من فعله: وهو رضا الله عنه، وأنه يرضي عنه الناس، وهو العاقبة الحميدة.
الثامنة: ذكر عقاب من تركه: وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس، ولا ينال مقصوده.стр. 658
......................................................................
الحواشي
(١) وخلاصة الباب:
أنه يجب على المرء أن يجعل الخوف من الله فوق كل خوف وأن لا يبالي بأحد في شريعة الله تعالى، وأن يعلم أن من التمس رضا الله تعالى وإن سخط الناس عليه; فالعاقبة له، وإن التمس رضا الناس وتعلق بهم وأسخط الله; انقلبت عليه الأحوال، ولم ينل مقصوده، بل حصل له عكس مقصوده، وهو أن يسخط الله عليه ويسخط عليه الناس.стр. 659
باب قول الله تعالى:
﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [المائدة: من الآية٢٣] :
.......................................................................
الحواشي
(١) مناسبة هذا الباب لما قبله:
هي أن الإنسان إذا أفرد الله - سبحانه - بالتوكل; فإنه يعتمد عليه في حصول مطلوبه وزوال مكروهه، ولا يعتمد على غيره.
والتوكل: هو الاعتماد على الله- في حصول المطلوب، ودفع المكروه، مع الثقة به، وفعل الأسباب المأذون فيها، وهذا أقرب تعريف له.
ولا بد من أمرين:
الأول: أن يكون الاعتماد على الله اعتمادا صادقا حقيقيا.
الثاني: فعل الأسباب المأذون فيها.
فمن جعل أكثر اعتماده على الأسباب; نقص توكله على الله، ويكون قادحا في كفاية الله; فكأنه جعل السبب وحده هو العمدة فيما يصبو إليه من حصول المطلوب وزوال المكروه.
ومن جعل اعتماده على الله ملغيا للأسباب، فقد طعن في حكمة الله; لأن الله جعل لكل شيء سببا، فمن اعتمد على الله، اعتماداстр. 660
......................................................................
الحواشي
(١) ولما خرج مهاجرا أخذ من يدله الطريق(٢) ولم يقل سأذهب مهاجرا وأتوكل على الله، ولن أصطحب معي من يدلني الطريق، وكان (يتقي الحر والبرد، ولم ينقص ذلك من توكله.
ويذكر عن عمر (أنه قدم ناس من أهل اليمن إلى الحج بلا زاد، فجيء بهم إلى عمر، فسألهم، فقالوا: نحن المتوكلون على الله. فقال: لستم المتوكلين، بل أنتم المتواكلون.
والتوكل نصف الدين ولهذا نقول في صلاتنا: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥] ، فنطلب من الله العون؛ اعتمادا عليه سبحانه، بأنه سيعيننا على عبادته.
وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْه﴾ ، [هود: من الآية١٢٣] ، وقال تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ، [هود: من الآية٨٨] ، ولا يمكن تحقيق العبادة إلا بالتوكل; لأن الإنسان لو وكل إلى نفسه وكل إلى ضعف وعجز، ولم يتمكن من القيام بالعبادة; فهو حين يعبد الله يشعر أنه متوكل على الله، فينال بذلك أجر العبادة وأجر التوكل، ولكن الغالب عندنا ضعف التوكل،
_________(١) أخرجه الإمام أحمد (٣/ ٤٤٩) , وأبو داود في (الجهاد, باب في لبس الأدرع/٣/ ٧١) , ولم يجزم سفيان بسماعه هذا الحديث.(٢) أخرجه البخاري في (الإجارة, باب استئجار المشركين/٢/١٣٠) من حديث عائشة ﵂.стр. 661
......................................................................
الحواشي
(١) وأننا لا نشعر حين نقوم بالعبادة أو العادة بالتوكل على الله والاعتماد عليه في أن ننال هذا الفعل، بل نعتمد في الغالب على الأسباب الظاهرة وننسى ما وراء ذلك; فيفوتنا ثواب عظيم، وهو ثواب التوكل، كما أننا لا نوفق إلى حصول المقصود كما هو الغالب، سواء حصل لنا عوارض توجب انقطاعها أو عوارض توجب نقصها.
والتوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: توكل عبادة وخضوع، وهو الاعتماد المطلق على من توكل عليه، بحيث يعتقد أن بيده جلب النفع ودفع الضر; فيعتمد عليه اعتمادا كاملا، مع شعوره بافتقاره إليه; فهذا يجب إخلاصه لله تعالى، ومن صرفه لغير الله; فهو مشرك شركا أكبر; كالذين يعتمدون على الصالحين من الأموات والغائبين، وهذا لا يكون إلا ممن يعتقد أن لهؤلاء تصرفا خفيا في الكون، فيعتمد عليهم في جلب المنافع ودفع المضار.
الثاني: الاعتماد على شخص في رزقه ومعاشه وغير ذلك، وهذا من الشرك الأصغر، وقال بعضهم: من الشرك الخفي، مثل اعتماد كثير من الناس على وظيفته في حصول رزقه، ولهذا تجد الإنسان يشعر من نفسه أنه معتمد على هذا اعتماد افتقار; فتجد في نفسه من المحاباة لمن يكون هذا الرزق عنده ما هو ظاهر; فهو لم يعتقد أنه مجرد سبب، بل جعله فوق السبب.
الثالث: أن يعتمد على شخص فيما فوض إليه التصرف فيه، كما لو وكلت شخصا في بيع شيء أو شرائه، وهذا لا شيء فيه; لأنه اعتمد عليه وهو يشعر أن المنزلة العليا له فوقه; لأنه جعله نائبا عنه وقد وكلстр. 662
...........................................................................................
الحواشي
(١) ، ووكل أبا هريرة على الصدقة(٢) ، ووكل عروة بن الجعد أن يشتري له أضحية(٣) ، وهذا بخلاف القسم الثاني؛ لأنه يشعر بالحاجة إلى ذلك، ويرى اعتماده على المتوكل عليه اعتمادَ افتقارٍ.
ومما سبق يتبين أن التوكل من أعلى المقامات، وأنه يجب على الإنسان أن يكون مصطحبا له في جميع شئونه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: "ولا يكون للمعطلة أن يتوكلوا على الله ولا للمعتزلة القدرية"; لأن المعطلة يعتقدون انتفاء الصفات عن الله تعالى، والإنسان لا يعتمد إلا على من كان كامل الصفات المستحقة لأنه يعتمد عليه.
وكذلك القدرية; لأنهم يقولون: إن العبد مستقل بعمله، والله ليس له تصرف في أعمال العباد.
ومن ثم نعرف أن طريق السلف هو خير الطرق، وبه تكمل جميع العبادات وتتم به جميع أحوال العابدين.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب أربع آيات، أو لها ما جعله ترجمة للباب، وهي:
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ ، [المائدة: من الآية٢٣] ، "على الله" متعلقة بقوله: "فتوكلوا"، وتقديم المعمول يدل على الحصر; أي: على الله لا على غيره، "فتوكلوا"; أي: اعتمدوا.
_________(١) أخرجه مسلم في (الحج, باب حجة النبي (/٢/٨٩٢) من حديث جابر ﵁.(٢) أخرجه البخاري في (الوكالة/٢٣١١) .(٣) أخرجه البخاري في (المناقب, باب حدثنا محمد بن المثنى/٢/٥٣٩) .стр. 663
وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، [الأنفال: من الآية٢] الآية.
الحواشي
(١) والفاء لتحسين اللفظ وليست عاطفة; لأن في الجملة حرف عطف وهو الواو، ولا يمكن أن نعطف الجملة بعاطفين; فتكون لتحسين اللفظ; كقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ ، [الزمر: من الآية٦٦] ، والتقدير: "بل الله اعبد".
قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ؛ "إن": شرطية، وفعل الشرط "كنتم"، وجوابه قيل: إنه محذوف دل عليه ما قبله، وتقدير الكلام: إن كنتم مؤمنين فتوكلوا، وقيل: إنه في مثل هذا التركيب لا يحتاج إلى جواب اكتفاء بما سبق; فيكون ما سبق كأنه فعل معلق بهذا الشيء، وهذا أرجح; لأن الأصل عدم الحذف.
وقول أصحاب موسى في هذه الآية يفيد أن التوكل من الإيمان ومن مقتضياته، كما لو قلت: إن كنت كريما فأكرم الضيف. فيقتضي أن إكرام الضيف من الكرم.
وهذه الآية تقتضي انتفاء كمال الإيمان بانتفاء التوكل على الله; إلا إن حصل اعتماد كلي على غير الله; فهو شرك أكبر ينتفي له الإيمان كله.
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ ؛ "إنما": أداة حصر، والحصر هو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه، والمعنى: ما المؤمنون إلا هؤلاء. وذكر الله في هذه الآية وما بعدها خمسة أوصاف:
أحدها: قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، أي: خافت؛ لماстр. 664
......................................................................
الحواشي
(١) فقرأ عليه من سورة النساء حتى بلغ قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً﴾ ، [النساء:٤١] . قال: "حسبك". فنظرت; فإذا عيناه تذرفان(٢) .
الوصف الثالث: قوله: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ، أي: يعتمدون على الله لا على غيره، وهم مع ذلك يعملون الأسباب، وهذا هو الشاهد.
الوصف الرابع: قوله: ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾ ، أي: يأتون بها مستقيمة كاملة، والصلاة: اسم جنس تشمل الفرائض والنوافل.
الوصف الخامس: قوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ .
"من" للتبعيض; فيكون الله يمدح من أنفق بعض ماله لا كله، أو تكون لبيان الجنس; فيشمل الثناء من أنفق البعض ومن أنفق الكل، والصواب: أنها لبيان الجنس، وأن من أنفق الكل يدخل في الثناء؛ إذا توكل
_________(١) البخاري: فضائل القرآن(٥٠٤٩) , ومسلم: صلاة المسافرين وقصرها(٨٠٠) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٢٥) , وأبو داود: العلم(٣٦٦٨) , وابن ماجه: الزهد(٤١٩٤) , وأحمد (١/٣٧٤،٣٨٠،٤٣٢) .(٢) أخرجه البخاري في (التفسير, باب فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد/٣/ ٢١٧) , ومسلم في (صلاة المسافرين, باب فضل استماع القرآن/١/ ٥٥١) .стр. 665
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ ، [الأنفال: من الآية٦٤] ، الآية.
الحواشي
(١) أما إن كان أهله في حاجة أو كان المنفق عليه ليس بحاجة ماسة تستلزم إنفاق المال كله; فلا ينبغي أن ينفق ماله كله.
الآية الثالثة قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ (المراد به الرسول (يخاطب الله رسوله بوصف النبوة أحيانا وبوصف الرسالة أحيانا، فحينما يأمره أن يبلغ يناديه بوصف الرسالة، وأما في الأحكام الخاصة; فالغالب أن يناديه بوصف النبوة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ، [التحريم: من الآية١] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، [الطلاق: من الآية١] .
و"النبي": فعيل بمعنى مفعَل بفتح العين، ومفعِل بكسرها; أي: منبأ، ومنبئ، فالرسول (منبأ من قبل الله، ومنبئ لعباد الله.
قوله: "حسبك الله": أي: كافيك، والحسب: الكافي، ومنه قوله: أعطي درهما فحسب، وحسب خبر مقدم، ولفظ الجلالة مبتدأ مؤخر، والمعنى: ما الله إلا حسبك، ويجوز العكس; أي: أن تكون حسب مبتدأ ولفظ الجلالة خبره، ويكون المعنى: ما حسبك إلا الله، وهذا أرجح.
_________(١) أخرجه أبوداود في (الزكاة, باب الرخصة في ذلك- أي: خروج الرجل من ماله-/٢/ ٣١٣) , والترمذي في (المناقب, باب الصديق ينفق كل ماله/٩/٧٧) , والدارمي (١/٣٩١) . وقال الترمذي: "حسن صحيح". وأخرجه أحمد في (فضائل الصحابة, من طريق آخر/١/ ٤٦٠) .стр. 666
......................................................... ...
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [الأنفال: من الآية٦٤] ، "من": اسم موصول مبنية على السكون، وفي عطفها رأيان لأهل العلم: قيل: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين; فـ "من" معطوفة على لفظ الجلالة لأنه أقرب، ولو كان العطف على الكاف في (حسبك) ; لوجب إعادة الجار، وهذا كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [الأنفال: من الآية٦٢] ، فالله أيد رسوله بالمؤمنين، فيكونون حسبا له هنا كما كان الله حسبا له.
وهذا ضعيف، والجواب عنه من وجوه:
أولا: قولهم: عطف عليه لكونه أقرب ليس بصحيح; فقد يكون العطف على شيء سابق، حتى إن النحويين قالوا: إذا تعددت المعطوفات يكون العطف على الأول.
ثانيا: قولهم: لو عطف على الكاف لوجب إعادة الجار، والصحيح أنه ليس بلازم، كما قال ابن مالك:
وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النثر والنظم الصحيح مثبتا
ثالثا: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فالتأييد لهم غير كونهم حسبه; لأن معنى كونهم حسبه أن يعتمد عليهم، ومعنى كونهم يؤيدونه أي ينصرونه مع استقلاله بنفسه، وبينهما فرق.
رابعا: أن الله - سبحانه - حينما يذكر الحسب يخلصه لنفسه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ ، [التوبة: من الآية٥٩] ، ففرق بين الحسب والإيتاء، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، [الزمر: من الآية٣٨] ، فكما أن التوكل على غير الله لا يجوز; فكذلك الحسب، لا يمكن أن يكون غير اللهстр. 667
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، [الطلاق: من الآية٣] ، الآية.
الحواشي
(١) حسبا، فلو كان; لجاز التوكل عليه، ولكن الحسب هو الله، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون.
خامسا: أن في قوله: "ومن اتبعك" ما يمنع أن يكون الصحابة حسبا للرسول (وذلك لأنهم تابعون; فكيف يكون التابع حسبا للمتبوع؟! هذا لا يستقيم أبدا; فالصواب أنه معطوف على الكاف في قوله: "حسبك"; أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين، فتوكلوا عليه جميعا أنت ومن اتبعك.
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، جملة شرطية تفيد بمنطوقها أن من يتوكل على الله، فإن الله يكفيه مهماته وييسر له أمره; فالله حسبه، ولو حصل له بعض الأذية، فإن الله يكفيه الأذى، والرسول (سيد المتوكلين، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرة; لأن الله حسبه; فالنتيجة لمن اعتمد على الله أن يكفيه ربه المؤونة.
والآية تفيد بمفهومها أن من توكل على غير الله خذل; لأن غير الله لا يكون حسبا كما تقدم، فمن توكل على غير الله تخلى الله عنه، وصار موكولا إلى هذا الشيء ولم يحصل له مقصوده، وابتعد عن الله بمقدار توكله على غير الله.стр. 668
وعن ابن عباس; (قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ; قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد (حين قالوا له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا (الآية. رواه البخاري والنسائي (١) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري في (التفسير, باب تفسير سورة آل عمران/٣/٢١١) , ولعله في "سنن النسائي الكبرى".стр. 669
......................................................................
الحواشي
(١) فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: هو; أي: الله، والوكيل: المعتمد عليه سبحانه، والله - سبحانه - يطلق عليه اسم وكيل، وهو أيضا موكل، والوكيل في مثل قوله تعالى: "ونعم الوكيل"، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ، [النساء: من الآية٨١] ، وأما الموكل; ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ، [الأنعام: من الآية٨٩] .
وليس المراد بالتوكيل هنا إنابة الغير فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه; فليس توكيله سبحانه من حاجة له، بل المراد بالتوكيل الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون.
وقول ابن عباس ﵄: "إن إبراهيم قالها حين ألقي في النار" قول لا مجال للرأي فيه; فيكون له حكم الرفع. وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل; فيحتمل أنه أخذه منهم، ولكن جزمه بهذا، وقرنه لما قاله الرسول (مما يبعد أن يكون أخذه من بني إسرائيل.
الشاهد من الآية; قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٧٣] ، حيث جعلوا حسبهم الله وحده.
(تنبيه) :
قولنا: "وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل" قول مشهور عند علماء المصطلح، لكن فيه نظر; فإن ابن عباس ﵄ ممن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل; ففي "صحيح البخاري" (٥/٢٩١- فتح) أنه قال: "يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه (أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب؟! فقالوا: هذا منстр. 670
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية (الأنفال) .
الرابعة: تفسير الآية في آخرها
الحواشي
(١) عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! ولا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم".
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض ووجهه أن الله علق الإيمان بالتوكل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وسبق تفسيرها.
الثانية: أنه من شروط الإيمان: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وسبق تفسيرها.
الثالثة: تفسير آية الأنفال: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، [الأنفال: من الآية٢] الآية، والمراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل، وإلا; فالإنسان يكون مؤمنا وإن لم يتصف بهذه الصفات، لكن معه مطلق الإيمان، وقد سبق تفسير ذلك.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها; أي: آخر الأنفال: وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [الأنفال:٦٤] ، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو الراجح على ما سبق.следующие страницы →