Полный текст (1 122 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
......................................................... ...
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [الأنفال: من الآية٦٤] ، "من": اسم موصول مبنية على السكون، وفي عطفها رأيان لأهل العلم: قيل: حسبك الله، وحسبك من اتبعك من المؤمنين; فـ "من" معطوفة على لفظ الجلالة لأنه أقرب، ولو كان العطف على الكاف في (حسبك) ; لوجب إعادة الجار، وهذا كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [الأنفال: من الآية٦٢] ، فالله أيد رسوله بالمؤمنين، فيكونون حسبا له هنا كما كان الله حسبا له.
وهذا ضعيف، والجواب عنه من وجوه:
أولا: قولهم: عطف عليه لكونه أقرب ليس بصحيح; فقد يكون العطف على شيء سابق، حتى إن النحويين قالوا: إذا تعددت المعطوفات يكون العطف على الأول.
ثانيا: قولهم: لو عطف على الكاف لوجب إعادة الجار، والصحيح أنه ليس بلازم، كما قال ابن مالك:
وليس عندي لازما إذ قد أتى ... في النثر والنظم الصحيح مثبتا
ثالثا: استدلالهم بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ، فالتأييد لهم غير كونهم حسبه; لأن معنى كونهم حسبه أن يعتمد عليهم، ومعنى كونهم يؤيدونه أي ينصرونه مع استقلاله بنفسه، وبينهما فرق.
رابعا: أن الله - سبحانه - حينما يذكر الحسب يخلصه لنفسه، قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾ ، [التوبة: من الآية٥٩] ، ففرق بين الحسب والإيتاء، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ، [الزمر: من الآية٣٨] ، فكما أن التوكل على غير الله لا يجوز; فكذلك الحسب، لا يمكن أن يكون غير اللهстр. 667
وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، [الطلاق: من الآية٣] ، الآية.
الحواشي
(١) حسبا، فلو كان; لجاز التوكل عليه، ولكن الحسب هو الله، وهو الذي عليه يتوكل المتوكلون.
خامسا: أن في قوله: "ومن اتبعك" ما يمنع أن يكون الصحابة حسبا للرسول (وذلك لأنهم تابعون; فكيف يكون التابع حسبا للمتبوع؟! هذا لا يستقيم أبدا; فالصواب أنه معطوف على الكاف في قوله: "حسبك"; أي: وحسب من اتبعك من المؤمنين، فتوكلوا عليه جميعا أنت ومن اتبعك.
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، جملة شرطية تفيد بمنطوقها أن من يتوكل على الله، فإن الله يكفيه مهماته وييسر له أمره; فالله حسبه، ولو حصل له بعض الأذية، فإن الله يكفيه الأذى، والرسول (سيد المتوكلين، ومع ذلك يصيبه الأذى ولا تحصل له المضرة; لأن الله حسبه; فالنتيجة لمن اعتمد على الله أن يكفيه ربه المؤونة.
والآية تفيد بمفهومها أن من توكل على غير الله خذل; لأن غير الله لا يكون حسبا كما تقدم، فمن توكل على غير الله تخلى الله عنه، وصار موكولا إلى هذا الشيء ولم يحصل له مقصوده، وابتعد عن الله بمقدار توكله على غير الله.стр. 668
وعن ابن عباس; (قال: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ; قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد (حين قالوا له: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا (الآية. رواه البخاري والنسائي (١) . الحواشي
(١) أخرجه البخاري في (التفسير, باب تفسير سورة آل عمران/٣/٢١١) , ولعله في "سنن النسائي الكبرى".стр. 669
......................................................................
الحواشي
(١) فاعل، والمخصوص محذوف تقديره: هو; أي: الله، والوكيل: المعتمد عليه سبحانه، والله - سبحانه - يطلق عليه اسم وكيل، وهو أيضا موكل، والوكيل في مثل قوله تعالى: "ونعم الوكيل"، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ ، [النساء: من الآية٨١] ، وأما الموكل; ففي مثل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ ، [الأنعام: من الآية٨٩] .
وليس المراد بالتوكيل هنا إنابة الغير فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه; فليس توكيله سبحانه من حاجة له، بل المراد بالتوكيل الاستخلاف في الأرض لينظر كيف يعملون.
وقول ابن عباس ﵄: "إن إبراهيم قالها حين ألقي في النار" قول لا مجال للرأي فيه; فيكون له حكم الرفع. وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل; فيحتمل أنه أخذه منهم، ولكن جزمه بهذا، وقرنه لما قاله الرسول (مما يبعد أن يكون أخذه من بني إسرائيل.
الشاهد من الآية; قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٧٣] ، حيث جعلوا حسبهم الله وحده.
(تنبيه) :
قولنا: "وابن عباس ممن يروي عن بني إسرائيل" قول مشهور عند علماء المصطلح، لكن فيه نظر; فإن ابن عباس ﵄ ممن ينكر الأخذ عن بني إسرائيل; ففي "صحيح البخاري" (٥/٢٩١- فتح) أنه قال: "يا معشر المسلمين! كيف تسألون أهل الكتاب وكتابكم الذي أنزل على نبيه (أحدث الأخبار بالله تقرؤونه لم يشب، وقد حدثكم الله أن أهل الكتاب بدلوا ما كتب الله وغيروا بأيديهم الكتاب؟! فقالوا: هذا منстр. 670
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض.
الثانية: أنه من شروط الإيمان.
الثالثة: تفسير آية (الأنفال) .
الرابعة: تفسير الآية في آخرها
الحواشي
(١) عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا، أفلا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مساءلتهم؟! ولا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل عليكم".
فيه مسائل:
الأولى: أن التوكل من الفرائض ووجهه أن الله علق الإيمان بالتوكل في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وسبق تفسيرها.
الثانية: أنه من شروط الإيمان: تؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، وسبق تفسيرها.
الثالثة: تفسير آية الأنفال: وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ ، [الأنفال: من الآية٢] الآية، والمراد بالإيمان هنا الإيمان الكامل، وإلا; فالإنسان يكون مؤمنا وإن لم يتصف بهذه الصفات، لكن معه مطلق الإيمان، وقد سبق تفسير ذلك.
الرابعة: تفسير الآية في آخرها; أي: آخر الأنفال: وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ، [الأنفال:٦٤] ، أي: حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو الراجح على ما سبق.стр. 671
الخامسة: تفسير آية (لطلاق) .
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ﵊ ومحمد (في الشدائد.
الحواشي
(١) الخامسة: تفسير آية الطلاق: وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ، [الطلاق: من الآية٣] ، وقد سبق تفسيرها.
السادسة: عظم شأن هذه الكلمة، وأنها قول إبراهيم ﵇ ومحمد (في الشدائد: يعني قول: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ، [آل عمران: من الآية١٧٣] .
وفي الباب مسائل غير ما ذكره المؤلف:
منها: زيادة الإيمان; لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ ، [الأنفال: من الآية٢] .
ومنها: أنه عند الشدائد ينبغي للإنسان أن يعتمد على الله مع فعل الأسباب; لأن الرسول (وأصحابه قالوا ذلك عندما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، ولكنهم فوضوا الأمر إلى الله، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل.
ومنها: أن اتباع النبي (مع الإيمان سبب لكفاية الله للعبد.стр. 672
باب قول الله تعالي:
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، [الأعراف:٩٩] .
.......................................................................
الحواشي
(١) هذا الباب اشتمل على موضوعين:
الأول: الأمن من مكر الله.
الثاني: القنوط من رحمة الله. وكلاهما طرفا نقيض.
واستدل المؤلف للأول بقوله تعالى: "أفأمنوا". الضمير يعود على أهل القرى; لأن ما قبلها قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ، أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ، أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، [الأعراف:٩٧-٩٩] .
فقوله: "وهم نائمون" يدل على كمال الأمن؛ لأنهم في بلادهم، وأن الخائف لا ينام، وقوله: "ضحى وهم يلعبون" يدل أيضا على كمال الأمن والرخاء وعدم الضيق; لأنه لو كان عندهم ضيق في العيش؛ لذهبوا يطلبون الرزق والعيش، وما صاروا في الضحى- في رابعة النهار- يلعبون. والاستفهامات هنا كلها للإنكار، والتعجب من حال هؤلاء; فهم نائمون، وفي رغد، ومقيمون على معاصي الله، وعلى اللهو، ذاكرون لترفهم، غافلون عن ذكر خالقهم; فهم في الليل نوم، وفي النهار لعب، فبين اللهстр. 673
......................................................................
الحواشي
(١) .
فإن قيل: كيف يوصف الله بالمكر، مع أن ظاهره أنه مذموم؟
قيل: إن المكر في محله محمود، يدل على قوة الماكر، وأنه غالب على خصمه، ولذلك لا يوصف الله به على الإطلاق; فلا يجوز أن تقول: إن الله ماكر، وإنما تذكر هذه الصفة في مقام تكون فيه مدحا، مثل قوله تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ، وقال تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ ، [النمل:٥٠] ، ومثل قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّه﴾ ، ولا تنفى عنه هذه الصفة على
_________(١) أخرجه البخاري في (الجهاد, باب الحرب خدعة/٢/٣٦٦) , ومسلم في "الجهاد, باب جواز الخداع في الحرب/٣/١٣٦٢) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 674
وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ، [الحجر:٥٦] .
الحواشي
(١) سبيل الإطلاق، بل إنها في المقام التي تكون مدحا؛ يوصف بها، وفي المقام التي لا تكون مدحا لا يوصف بها، وكذلك لا يسمى الله بها; فلا يقال: إن من أسماء الله الماكر.
وأما الخيانة; فلا يوصف الله بها مطلقا لأنها ذم بكل حال; إذ إنها مكر في موضع الائتمان، وهو مذموم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ﴾ ، [الأنفال: من الآية٧١] ، ولم يقل: فخانهم.
وأما الخداع; فهو كالمكر يوصف الله به حيث يكون مدحا; لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ، [النساء: من الآية١٤٢] ، والمكر من الصفات الفعلية; لأنها تتعلق بمشيئة الله- سبحانه-.
ويستفاد من هذه الآية:
١- الحذر من النعم التي يجلبها الله للعبد لئلا تكون استدراجا; لأن كل نعمة فلله عليك وظيفة شكرها، وهي القيام بطاعة المنعم، فإذا لم تقم بها مع توافر النعم; فاعلم أن هذا من مكر الله.
٢- تحريم الأمن من مكر الله، وذلك لوجهين:
الأول: أن الجملة بصيغة الاستفهام الدال على الإنكار والتعجب.
الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ .
الموضوع الثاني مما اشتمل عليه هذا الباب القنوط من رحمة الله واستدل المؤلف له بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ﴾ ، [الحجر: من الآية٥٦] .стр. 675
.......................................................................
الحواشي
(١) .
وأما معنى الآية فإن إبراهيم ﵇ لما بشرته الملائكة بغلام عليم قال لهم: ﴿أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ، قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ، قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ، [الحجر: ٥٤-٥٦] .
فالقنوط من رحمة الله لا يجوز; لأنه سوء ظن بالله (، وذلك من وجهين:
الأول: أنه طعن في قدرته سبحانه; لأن من علم أن الله على كل شيء قدير لم يستبعد شيئا على قدرة الله.
_________(١) أخرجه أحمد (٤/١١،١٢) , وابن ماجه في (المقدمة/١/٦٤) . وقال في "الزوائد" (١/٦٤) : "وكيع ذكره ابن حبان في "الثقات) , وباقي رجاله احتج بهم مسلم".стр. 676
وعن ابن عباس; أن رسول الله (سئل عن الكبائر؟ ...............
الحواشي
(١) ، وليلة الأحزاب(٢) ، وكذلك أصحاب الغار(٣) .
وتبين مما سبق أن المؤلف ﵀ أراد أن يجمع الإنسان في سيره إلى الله تعالى بين الخوف فلا يأمن مكر الله، وبين الرجاء فلا يقنط من رحمته; فالأمن من مكر الله ثلم في جانب الخوف، والقنوط من رحمته ثلم في جانب الرجاء.
قوله في حديث ابن عباس ﵄: "أن رسول الله (سئل عن الكبائر":جمع كبيرة، والمراد بها: كبائر الذنوب وهذا السؤال يدل على أن الذنوب تنقسم إلى صغائر وكبائر، وقد دل على ذلك القرآن، قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾
_________(١) أخرجه البخاري في (المغازي, باب قصة عروة/٣/٨٣) , ومسلم في (الجهاد, باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر/٣/ ١٣٨٣) .(٢) أخرجه البخاري في (المغازي, باب غزوة الخندق/٣/١١٨) , ومسلم في (الجهاد, باب استحباب الدعاء بالنصر/٣/١٣٦٣) .(٣) أخرجه البخاري في (البيوع, باب إذا اشترى شيئا لغيره/٢/١١٦) , ومسلم في (الذكر والدعاء, باب قصة أصحاب الغار/٤/٢٠٩٩) .стр. 677
................................................................
الحواشي
(١) ، وكذلك ما ورد في العمرة إلى العمرة(٢) ، والوضوء من تكفير الخطايا(٣) ، فهذه من الصغائر.
وقسم رتب عليه عقوبة خاصة; كاللعن، أو الغضب، أو التبرؤ من فاعله، أو الحد في الدنيا، أو نفي الإيمان، وما أشبه ذلك; فهذه كبيرة تختلف في مراتبها.
والسائل في هذا الحديث إنما قصده معرفة الكبائر ليجتنبها، خلافا لحال كثير من الناس اليوم؛ حيث يسأل ليعلم فقط، ولذلك نقصت بركة علمهم.
_________(١) أخرجه مسلم في (الطهارة, باب الصلوات الخمس ... /١/٢٠٩) من حديث أبي هريرة.(٢) أخرجه البخاري في (العمرة, باب وجوب العمرة وفضلها/١/٥٣٧) .(٣) أخرجه مسلم في (الطهارة, باب الصلوات الخمس/١/٢٠٩) من حديث أبي هريرة.стр. 678
فقال: (الشرك بالله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله ( (٢) . الحواشي
(١) ، وذلك لأن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب; فدل على أن الشرك من الكبائر مطلقا.
والشرك بالله يتضمن الشرك بربوبيته، أو بألوهيته، أو بأسمائه وصفاته.
قوله: "اليأس من روح الله": اليأس: فقد الرجاء، والروح بفتح الراء قريب من معنى الرحمة، وهو الفرج والتنفيس، واليأس من روح الله من كبائر الذنوب لنتائجه السيئة.
قوله: "الأمن من مكر الله": بأن يعصي الله مع استدراجه بالنعم، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ ، [الأعراف:١٨٢-١٨٣] .
وظاهر هذا الحديث: الحصر، وليس كذلك: لأن هناك كبائر غير هذه، ولكن الرسول (يجيب كل سائل بما يناسب حاله; فلعله رأى هذا السائل عنده شيء من الأمن من مكر الله أو اليأس من روح الله، فأراد أن يبين له ذلك، وهذه مسألة ينبغي أن يفطن لها الإنسان، فيما يأتي من
_________(١) سبق (ص ٢٧) .(٢) أخرجه البزار; كما في "كشف الأستار"(١٠٦) , وابن أبي حاتم; كما في "تفسير ابن كثير" (/٤٨٥) , والطبراني; كما في "المجمع" (١/١٠٤) , وفي "الدر المنثور" (٢/ ١٤٧) . وقال الهيثمي (١/١٠٤) : "رواه البزار والطبراني, ورجاله موثقون".стр. 679
وعن ابن مسعود; قال: (أكبر الكبائر: الإشراك بالله والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله (رواه عبد الرزاق (١) . الحواشي
(١) أخرجه عبد الرزاق (١٠/٤٥٩،٤٦٠) , وابن جرير (٥/٢٦) , والطبراني في "الكبير" (٨٧٨٣، ٨٧٨٤) , وصحح الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/١٠٤) إسناد الطبراني.стр. 680
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف.
الثانية: تفسير آية الحجر.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الأعراف: وهي قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ، [الأعراف:٩٩] ، وقد سبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية الحجر: وهي قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ ، [الحجر:٥٦] ، وقد سبق تفسيرها.
الثالثة: شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله: وذلك بأنه من أكبر الكبائر; كما في الآية والحديث، وتؤخذ من الآية الأولى، والحديثين.
الرابعة: شدة الوعيد في القنوط: تؤخذ من الآية الثانية والحديثين.стр. 681
باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله:
.......................................................................
الحواشي
(١) "الصبر": في اللغة: الحبس، ومنه قولهم: " قتل صبرا"; أي: محبوسا مأسورا.
وفي الاصطلاح: حبس النفس على أشياء وعن أشياء.
وهو ثلاثة أقسام:
الأول: الصبر على طاعة الله; كما قال تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ، [طه: من الآية١٣٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ، [الإنسان:٢٣-٢٤] ، وهذا من الصبر على الأوامر; لأنه إنما نزل عليه القرآن ليبلغه; فيكون مأمورا بالصبر على الطاعة، وقال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ ، [الكهف: من الآية٢٨] ، وهذا صبر على طاعة الله.
الثاني: الصبر عن معصية الله; كصبر يوسف ﵇ عن إجابة امرأة العزيز حيث دعته إلى نفسها في مكانة لها فيها العزة والقوة والسلطان عليه، ومع ذلك صبر وقال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ، [يوسف:٣٣] ، فهذا صبر عن معصية الله.
الثالث: الصبر على أقدار الله، قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ، [القلم: من الآية٤٨] ، فيدخل في هذه الآية حكم الله القدري، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُم﴾ ،стр. 682
......................................................................
الحواشي
(١) .
إذن الصبر ثلاثة أنواع، أعلاها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله.
وهذا الترتيب من حيث هو لا باعتبار من يتعلق به، وإلا; فقد يكون الصبر على المعصية أشق على الإنسان من الصبر على الطاعة إذا فتن الإنسان مثلا بامرأة جميلة تدعوه إلى نفسها في مكان خال لا يطلع عليه إلا الله وهو رجل شاب ذو شهوة; فالصبر عن هذه المعصية أشق ما يكون على النفوس، قد يصلي الإنسان مئة ركعة وتكون أهون عليه من هذا.
وقد يصاب الإنسان بمصيبة يكون الصبر عليها أشق من الصبر على الطاعة; فقد يموت له مثلا قريب أو صديق أو عزيز عليه جدا، فتجده يتحمل من الصبر على هذه المصيبة مشقة عظيمة.
وبهذا يندفع الإيراد الذي يورده بعض الناس ويقول: إن هذا الترتيب فيه نظر; إذ بعض المعاصي يكون الصبر عليها أشق من بعض الطاعات، وكذلك بعض الأقدار يكون الصبر عليها أشق; فنقول: نحن نذكر المراتب من حيث هي بقطع النظر عن الصابر.
وكان الصبر على الطاعة أعلى; لأنه يتضمن إلزاما وفعلا، فتلزم نفسك الصلاة فتصلي، والصوم فتصوم، والحج فتحج ... ففيه إلزام وفعل وحركة فيها نوع من المشقة والتعب، ثم الصبر عن المعصية لأن فيه
_________(١) أخرجه البخاري في (الجنائز, باب قول النبي (: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه"/١/٣٩٥) , ومسلم في (الجنائز, باب البكاء على الميت/٢/٦٣٥) .стр. 683
......................................................................
الحواشي
(١) كفا فقط; أي: إلزاما للنفس بالترك، أما الصبر على الأقدار; فلأن سببه ليس باختيار العبد، فليس فعلا ولا تركا، وإنما هو من قدر الله المحض.
وخَصَّ المؤلف ﵀ في هذا الباب الصبر على أقدار الله; لأنه مما يتعلق بتوحيد الربوبية; لأن تدبير الخلق والتقدير عليهم من مقتضيات ربوبية الله تعالى.
قوله: "على أقدار الله": جمع قَدَر، وتطلق على المقدور وعلى فعل المقدر وهو الله تعالى، أما بالنسبة لفعل المقدر; فيجب على الإنسان الرضا به والصبر، وبالنسبة للمقدور; فيجب عليه الصبر ويستحب له الرضا. مثال ذلك: قدر الله على سيارة شخص أن تحترق، فكون الله قدر أن تحترق هذا قدر يجب على الإنسان أن يرضى به; لأنه من تمام الرضا بالله ربا.
وأما بالنسبة للمقدور الذي هو احتراق السيارة; فالصبر عليه واجب، والرضا به مستحب وليس بواجب على القول الراجح.
والمقدور قد يكون طاعات، وقد يكون معاصي، وقد يكون من أفعال الله المحضة; فالطاعات يجب الرضا بها، والمعاصي لا يجوز الرضا بها من حيث هي مقدور، أما من حيث كونها قدر الله; فيجب الرضا بتقدير الله بكل حال، ولهذا قال ابن القيم:
فلذاك نرضى بالقضاء ونسخط ااـ ... مقضي حين يكون بالعصيان
فمن نظر بعين القضاء والقدر إلى رجل يعمل معصية; فعليه الرضا لأن الله هو الذي قدر هذا، وله الحكمة في تقديره، وإذا نظر إلى فعله; فلا يجوز له أن يرضى به لأنه معصية، وهذا هو الفرق بين القدر والمقدور.стр. 684
وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، [التغابن: من الآية١١] .
قال علقمة: " هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله; فيرضى ويسلم".
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هريرة; أن رسول الله (قال: (اثنتان......... .................................................
الحواشي
(١) .
قوله: "قال علقمة": هو من أكابر التابعين.
قوله: "هو الرجل تصيبه المصيبة ... " إلخ: وتفسير علقمة هذا من لازم الإيمان; لأن من آمن بالله علم أن التقدير من الله، فيرضى ويسلم، فإذا علم أن المصيبة من الله اطمأن القلب وارتاح، ولهذا كان من أكبر الراحة والطمأنينة الإيمان بالقضاء والقدر.
قوله: في حديث أبي هريرة: "اثنتان": مبتدأ، وسوغ الابتداء به التقسيم، أو أنه مفيد للخصوص.
_________(١) أخرجه البخاري(٤٥٢) ومسلم(١٥٩٩) .стр. 685
في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت ( (١) . الحواشي
(٢) فإنه هنا أتى بأل الدالة على الحقيقة; فالمراد بالكفر هنا الكفر المخرج عن الملة، بخلاف مجيء "كفر" نكرة; فلا يدل على الخروج عن الإسلام(٣) .
قوله: " الطعن في النسب ": أي: العيب فيه أو نفيه; فهذا عمل من أعمال الكفر.
قوله: " النياحة على الميت ": أي: أن يبكي الإنسان على الميت بكاء على صفة نوح الحمام; لأن هذا يدل على التضجر وعدم الصبر، فهو مناف للصبر الواجب، وهذه الجملة هي الشاهد للباب.
والناس حال المصيبة على مراتب أربع:
الأولى: التسخط: وهو إما أن يكون بالقلب، كأن يسخط على ربه،
_________(١) أخرجه مسلم في (الإيمان, باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة/١/٨٢) .(٢) أخرجه مسلم في (الإيمان, باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة/١/٨٨) عن جابر ﵁.(٣) انظر: "اقتضاء الصراط المستقيم" (١/٢٠٨, ٢٠٩) .стр. 686
......................................................................
الحواشي
(١) ويغضب على قدر الله عليه، وقد يؤدي إلى الكفر، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ ، [الحج: من الآية١١] ، وقد يكون باللسان; كالدعاء بالويل والثبور وما أشبه ذلك، وقد يكون بالجوارح; كلطم الخدود، وشق الجيوب، ونتف الشعور، وما أشبه ذلك.
الثانية: الصبر، وهو كما قال الشاعر:
الصبر مثل اسمه مر مذاقته ... لكن عواقبه أحلى من العسل
فيرى الإنسان أن هذا الشيء ثقيل عليه ويكرهه، لكنه يتحمله ويتصبر، وليس وقوعه وعدمه سواء عنده، بل يكره هذا ولكن إيمانه يحميه من السخط.
الثالثة: الرضا، وهو أعلى من ذلك، وهو أن يكون الأمران عنده سواء بالنسبة لقضاء الله وقدره وإن كان قد يحزن من المصيبة; لأنه رجل يسبح في القضاء والقدر، أينما ينزل به القضاء والقدر فهو نازل به على سهل أو جبل، إن أصيب بنعمة أو أصيب بضدها; فالكل عنده سواء، لا لأن قلبه ميت; بل لتمام رضاه بربه يتقلب في تصرفات الرب (ولكنها عنده سواء; إذ إنه ينظر إليها باعتبارها قضاء لربه، وهذا الفرق بين الرضا والصبر.
الرابعة: الشكر، وهو أعلى المراتب، وذلك أن يشكر الله على ما أصابه من مصيبة، وذلك يكون في عباد الله الشاكرين حين يرى أن هناك مصائب أعظم منها، وأن مصائب الدنيا أهون من مصائب الدين، وأن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وأن هذه المصيبة سبب لتكفيرстр. 687
ولهما عن ابن مسعود مرفوعا: (ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية ( (١) . الحواشي
(٢) . كما أنه قد يزداد إيمان المرء بذلك.
قوله في حديث ابن مسعود: "مرفوعا": أي: إلى النبي (.
قوله: " من ضرب الخدود ": العموم يراد به الخصوص; أي: من أجل المصيبة.
قوله: " من شق الجيوب ": هو طوق القميص الذي يدخل منه الرأس، وذلك عند المصيبة تسخطا وعدم تحمل لما وقع عليه.
قوله: " ودعا بدعوى الجاهلية ": دعوى مضاف والجاهلية مضاف إليه، وتنازع هنا أمران:
الأول: صيغة العموم (دعوى الجاهلية) ; لأنه مفرد مضاف فيعم.
الثاني: القرينة; لأن ضرب الخدود وشق الجيوب يفعلان عند المصيبة فيكون دعا بدعوى الجاهلية عند المصيبة، مثل قولهم: واويلاه!
_________(١) أخرجه: البخاري(١٢٢٦) , ومسلم (١/ ٩٩) .(٢) أخرجه: البخاري في (المرضى, باب كفارة المرض, ٤/ ٢٣) , ومسلم في (البر والصلة, باب ثواب المؤمن, ٤/ ١٩٩٢) .стр. 688
وعن أنس; أن رسول الله (قال: (إذا أراد الله بعبده الخير، عجل له بالعقوبة في الدنيا،................................
الحواشي
(١) ، ومن أراد الشر لذاته كان إليه، ولكن الله يريد الشر لحكمة وحينئذ يكون خيرا باعتبار ما يتضمنه من الحكمة.
قوله: " عجل له بالعقوبة في الدنيا": العقوبة: مؤاخذة المجرم بذنبه، وسميت بذلك; لأنها تعقب الذنب، ولكنها لا تقال إلا في المؤاخذة على
_________(١) أخرجه مسلم في (صلاة المسافرين, باب الدعاء في صلاة الليل/١/٥٣٤) .стр. 689
وإذا أراد بعبده الشر; أمسك عنه بذنبه،............................
الحواشي
(١) .
وهناك خير أولى من ذلك وهو العفو عن الذنب، وهذا أعلى; لأن الله إذا لم يعاقبه في الدنيا ولا في الآخرة; فهذا هو الخير كله، ولكن الرسول (جعل تعجيل العقوبة خيرا باعتبار أن تأخر العقوبة إلى الآخرة أشد; كما قال تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ ، [طه: من الآية١٢٧] .
والعقوبة أنواع كثيرة:
منها: ما يتعلق بالدين، وهي أشدها; لأن العقوبات الحسية قد يتنبه لها الإنسان، أما هذه; فلا يتنبه لها إلا من وفقه الله، وذلك كما لو خفت المعصية في نظر العاصي; فهذه عقوبة دينية تجعله يستهين بها، وكذلك التهاون بترك الواجب، وعدم الغيرة على حرمات الله، وعدم القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل ذلك من المصائب، ودليله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ ، [المائدة: من الآية٤٩] .
ومنها: العقوبة بالنفس، وذلك كالأمراض العضوية والنفسية.
ومنها: العقوبة بالأهل; كفقدانهم، أو أمراض تصيبهم.
ومنها: العقوبة بالمال; كنقصه أو تلفه وغير ذلك.
قوله: (وإذا أراد بعبده الشر; أمسك عنه بذنبه ((٢) :
" أمسك عنه"; أي:
_________(١) أخرجه مسلم(١٤٩٣) .(٢) الترمذي: الزهد(٢٣٩٦) .стр. 690
حتى يوافي به يوم القيامة " ( (١) . الحواشي
(١) أخرجه الترمذي في (الزهد, باب ما جاء في الصبر على البلاء/٧/١٢٣) ، وقال: "حسن غريب", والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ١٥٤) , والبغوي في "شرح السنة" (٥/ ٢٤٥) . والحديث له شاهد من حديث عبد الله بن مغفل وابن عباس وعمار بن ياسر ﵃; فهو صحيح بمجموع طرقه. وانظر: "سلسلة الأحاديث الصحيحة"(١٢٢٠) .стр. 691
......................................................................
الحواشي
(١) وذلك لينال أعلى درجات الصبر فينال مرتبة الصابرين على أعلى وجوهها، ولذلك شدد عليه (عند النزع، ومع هذه الشدة كان ثابت القلب، ودخل عليه عبد الرحمن بن أبي بكر وهو يستاك، فأمده بصره (يعني: ينظر إليه) ، فعرفت عائشة ﵂ أنه يريد السواك، فقالت: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم. فأخذت السواك وقضمته وألانته للرسول (فأعطته إياه، فاستن به، قالت عائشة: ما رأيته استن استنانا أحسن منه، ثم رفع يده وقال: (في الرفيق الأعلى ((٢) .
فانظر إلى هذا الثبات واليقين والصبر العظيم مع هذه الشدة العظيمة، كل هذا لأجل أن يصل الرسول (أعلى درجات الصابرين، صبر لله، وصبر بالله، وصبر في الله حتى نال أعلى الدرجات.
فمن أصيب بمصيبة، فحدثته نفسه أن مصائبه أعظم من معائبه; فإنه يدل على ربه بعمله ويمن عليه به; فليحذر هذا.
ومن ذلك يتضح لنا أمران:
١- أن إصابة الإنسان بالمصائب تعتبر تكفيرا لسيئاته وتعجيلا
_________(١) أخرجه البخاري في (المرضى, باب شدة المرض/٤/٥٤) , ومسلم في (البر والصلة, باب ثواب المؤمن/٤/١٩٩١) ; من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.(٢) أخرجه البخاري في (المغازي, باب مرض النبي ﷺ /٣/٨٢) .стр. 692
وقال النبي ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما; ابتلاهم،.................................. .................
الحواشي
(١) للعقوبة في الدنيا، وهذا خير من تأخيرها له في الآخرة.
٢- قد تكون المصائب أكبر من المعائب ليصل المرء بصبره أعلى درجات الصابرين، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد.
قوله: وقال النبي ("إن عظم الجزاء" إلى آخره: هذا الحديث رواه الترمذي عن أنس بن مالك (عن النبي (- فصحابيه صحابي الحديث الذي قبله-: "إن عظم الجزاء مع عظم البلاء ". أي: يتقابل عظم الجزاء مع البلاء، فكلما كان البلاء أشد وصبر الإنسان صار الجزاء أعظم; لأن الله عدل لا يجزي المحسن بأقل من إحسانه، فليس الجزاء على الشوكة يشاكها كالجزاء على الكسر إذا كسر، وهذا دليل على كمال عدل الله، وأنه لا يظلم أحدا، وفيه تسلية المصاب.
قوله: (وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم (، أي: اختبرهم بما يقدر عليهم من الأمور الكونية; كالأمراض، وفقدان الأهل، أو بما يكلفهم به من الأمور الشرعية، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً، فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ ، [الإنسان:٢٣-٢٤] ، فذكره الله بالنعمة وأمره بالصبر; لأن هذا الذي نزل عليه تكليف يكلف به.
كذلك من الابتلاء الصبر عن محارم الله: كما في الحديث: (ورجلстр. 693
فمن رضي، فله الرضا، ومن سخط; فله السخط ( (٢) ، حَسَّنَهُ الترمذي (٣) . الحواشي
(١) ، فهذا جزاؤه أن الله يظله في ظله يوم لا ظل إلا ظله. "من": شرطية، والجواب: "فله الرضا"; أي: فله الرضا من الله، وإذا رضي الله عن شخص أرضى الناس عنه جميعا، والمراد بالرضا: الرضا بقضاء الله من حيث إنه قضاء الله، وهذا واجب بدليل قوله: "ومن سخط"؛ فقابل الرضا بالسخط، وهو عدم الصبر على ما يكون من المصائب القدرية الكونية.
ولم يقل هنا "فعليه السخط" مع أن مقتضى السياق أن يقول فعليه; كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ، [فصلت: من الآية٤٦] .
فقال بعض العلماء: إن اللام بمعنى على; كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ، [الرعد: من الآية٢٥] ، أي: عليهم اللعنة.
وقال آخرون: إن اللام على ما هي عليه، فتكون للاستحقاق; أي: صار عليه السخط باستحقاقه له، فتكون أبلغ من "على"; كقوله تعالى:، أي: حقت عليهم باستحقاقهم لها، وهذا أصح.
ويستفاد من الحديث:
إثبات المحبة والسخط والرضا لله (وهي من الصفات
_________(١) رواه البخاري(٦٦٠) , ومسلم(١٠٣١) .(٢) الترمذي: الزهد(٢٣٩٦) .(٣) أخرجه الترمذي في (الزهد, باب ما جاء في الصبر على البلاء/٧/١٢٣) - وقال: "حسن غريب"-, وابن ماجه في (الفتن, باب الصبر على البلاء, ٢/١٣٣٨) , والبغوي في "شرح السنة" (٥/٢٤٥) . وإسناده حسن. انظر: "المشكاة" (١/٤٩٣) , و"سلسلة الأحاديث الصحيحة"(١٤٦) .(٤) الترمذي: الزهد(٢٣٩٦) .стр. 694
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله.
الحواشي
(١) الفعلية لتعلقها بمشيئة الله تعالى; لأن (إذا) في قوله: "إذا أحب قوما" للمستقبل، فالحب يحدث; فهو من الصفات الفعلية. والله تعالى يحب العبد عند وجود سبب المحبة، ويبغضه عند وجود سبب البغض، وعلى هذا; فقد يكون هذا الشخص في يوم من الأيام محبوبا إلى الله وفي آخر مبغضا إلى الله; لأن الحكم يدور مع علته.
وأما الأعمال; فلم يزل الله يحب الخير والعدل والإحسان ونحوها، وأهل التأويل ينكرون هذه الصفات، فيئولون المحبة والرضا بالثواب أو إرادته، والسخط بالعقوبة أو إرادتها، قالوا: لأن إثبات هذه الصفات يقتضي النقص ومشابهة المخلوقين، والصواب ثبوتها لله (على الوجه اللائق به، كسائر الصفات التي يثبتها من يقول بالتأويل.
ويجب في كل صفة أثبتها الله لنفسه أمران:
١- إثباتها على حقيقتها وظاهرها.
٢- الحذر من التمثيل أو التكييف.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية التغابن: وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ، [التغابن: من الآية١١] ، وقد فسرها علقمة كما سبق تفسيرا مناسبا للباب.
الثانية: أن هذا من الإيمان بالله: المشار إليه بقوله: (هذا) هو الصبر على أقدار الله.стр. 695
الثالثة: الطعن في النسب.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير.
السادسة: إرادة الله به الشر.
السابعة: علامة حب الله للعبد.
الثامنة: تحريم السخط.
التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء.
الحواشي
(١) الثالثة: الطعن في النسب: وهي عيبه أو نفيه، وهو من الكفر، لكنه لا يخرج من الملة.
الرابعة: شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية: لأن النبي (تبرأ منه.
الخامسة: علامة إرادة الله بعبده الخير: وهو أن يعجل له الله العقوبة في الدنيا.
السادسة: إرادة الله به الشر: أي: علامة إرادة الله به الشر، وهو أن يؤخر له العقوبة في الآخرة.
السابعة: علامة حب الله للعبد: وهي الابتلاء.
الثامنة: تحريم السخط: يعني: مما يبتلى به العبد; لقوله ("من سخط; فله السخط"، وهذا وعيد.
التاسعة: ثواب الرضا بالبلاء: وهو رضا الله عن العبد; لقوله ("من رضي; فله الرضا".стр. 696
باب ما جاء في الرياء:
.......................................................................
الحواشي
(١) والرياء خلق ذميم، وهو من صفات المنافقين، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ، [النساء: من الآية١٤٢] .
والرياء يبحث في مقامين:
المقام الأول: في حكمه.
فنقول: الرياء من الشرك الأصغر; لأن الإنسان قصد بعبادته غير الله، وقد يصل إلى الأكبر، وقد مثل ابن القيم للشرك الأصغر; فقال: "مثل يسير الرياء"، وهذا يدل على أن الرياء الكثير قد يصل إلى الأكبر.
_________(١) أخرجه البخاري في (الرقاق, باب الرياء والسمع/٤/١٩١) , ومسلم في (الزهد, باب تحريم الرياء/٤/٢٢٨٩) . حديث أبي هريرة ﵁.стр. 697
.....................................................................
الحواشي
(١) ، مثال ذلك: رجل قام يصلي ركعتين مخلصا لله، وفي الركعة الثانية أحس بالرياء، فصار يدافعه; فإن ذلك لا يضره ولا يؤثر على صلاته شيئا.
ب- أن يطمئن إلى هذا الرياء ولا يدافعه; فحينئذ تبطل جميع
_________(١) أخرجه: البخاري في (الأيمان, باب إذا حنث ناسيا, ٤/ ٢٢٢) , ومسلم في (الإيمان, باب تجاوز الله عن حديث النفس, ١/ ١١٦) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 698
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ، [الكهف: من الآية١١٠] ، الآية.
الحواشي
(١) ، وقد سئل النبي (عن ذلك; فقال: (تلك عاجل بشرى المؤمن ((٢) .
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ؛ يأمر الله نبيه أن يقول للناس: إنما أنا بشر مثلكم، وهو قصر النبي (على البشرية، وأنه ليس
_________(١) أخرجه أحمد (١/١٨, ٢٦) , والترمذي في (الفتن , باب ما جاء في لزوم الجماعة/٦/٣٣٣) - وقال: "حسن, صحيح, غريب"-; من حديث عمر ﵁.(٢) أخرجه مسلم في (البر والصلة, باب إذا أثنى على الصالح/٤/٢٠٣٤) .стр. 699
......................................................................
الحواشي
(١) ربا ولا ملكا، وأكد هذه البشرية بقوله: "مثلكم"، فذكر المثل من باب تحقيق البشرية.
قوله: (يُوحَى إِلَيَّ (الوحي في اللغة: الإعلام بسرعة وخفاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾ ، [مريم:١١] .
وفي الشرع: إعلام الله بالشرع.
والوحي: هو الفرق بيننا وبينه (فهو متميز بالوحي كغيره من الأنبياء والرسل.
قوله: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِد﴾ : هذه الجملة في تأويل مصدر نائب فاعل "يوحى"، وفيها حصر طريقه " أنما"; فيكون معناها: ما إلهكم إلا إله واحد، وهو الله، فإذا ثبت ذلك; فإنه لا يليق بك أن تشرك معه غيره في العبادة التي هي خالص حقه، ولذلك قال تعالى بعد هذا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، [الكهف: من الآية١١٠] .
فقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ ، المراد بالرجاء: الطلب والأمل; أي: من كان يؤمل أن يلقى ربه، والمراد باللقيا هنا الملاقاة الخاصة; لأن اللقيا على نوعين:
الأول: عامة لكل إنسان، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ﴾ ؛ [الانشقاق:٦] ، ولذلك قال مفرعا على ذلك: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه، فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ ، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ ، [الانشقاق:٧-١٠] ، الآية.
الثاني: الخاصة بالمؤمنين، وهو لقاء الرضا والنعيم كما في هذهстр. 700
......................................................................
الحواشي
(١) .
والصواب: ما كان على شريعة الله، والدليل على ذلك قوله (: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا; فهو رد ((٢) .
ولهذا قال العلماء: هذان الحديثان ميزان الأعمال; فالأول: ميزان الأعمال الباطنة. والثاني: ميزان الأعمال الظاهرة.
قوله:" وَلَا يُشْرِكْ": لا: ناهية، والمراد بالنهي الإرشاد.
قوله:" بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا": خص العبادة لأنها خالص حق الله، ولذلك أتى بكلمة "رب" إشارة إلى العلة، فكما أن ربك خلقك ولا يشاركه أحد في خلقك; فيجب أن تكون العبادة له وحده، ولذلك لم يقل: (لا يشرك بعبادة الله) ، فذكر الرب من باب التعليل; كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ، [البقرة: من الآية٢١] .
_________(١) أخرجه البخاري(١) , ومسلم (٣/ ١٥١٥) .(٢) أخرجه البخاري معلقا بصيغة الجزم في (البيوع, باب النجش/٣/١٠٠) ومسلم موصولا في (الأقضية, باب نقض الأحكام, ٣/ ١٣٤٣) .стр. 701
وعن أبي هريرة مرفوعا: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري..... .....................
الحواشي
(١) وقوله: "أحدا" نكرة في سياق النهي; فتكون عامة لكل أحد.
والشاهد من الآية: أن الرياء من الشرك، فيكون داخلا في النهي عنه.
وفي هذه الآية دليل على ملاقاة الله تعالى، وقد استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله; لأن الملاقاة معناها المواجهة.
وفيها دليل على أن الرسول (بشر لا يستحق أن يعبد; لأنه حصر حاله بالبشرية، كما حصر الألوهية بالله.
قوله في حديث أبي هريرة: " قال الله تعالى": هذا الحديث يرويه النبي (عن ربه، ويسمى هذا النوع بالحديث القدسي.
قوله: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ".
قوله: " أغنى": اسم تفضيل، وليست فعلا ماضيا، ولهذا أضيفت إلى الشركاء. يعني: إذا كان بعض الشركاء يستغني عن شركته مع غيره; فالله أغنى الشركاء عن المشاركة
فالله لا يقبل عملا له فيه شرك أبدا، ولا يقبل إلا العمل الخالص له وحده، فكما أنه الخالق وحده; فكيف تصرف شيئا من حقه إلى غيره؟!
فهذا ليس عدلا، ولهذا قال الله عن لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، [لقمان: من الآية١٣] ، فالله الذي خلقك وأعدك إعدادا كاملا بكل مصالحك وأمدك بما تحتاج إليه، ثم تذهب وتصرف شيئا من حقه إلى غيره؟! فلا شك أن هذا من أظلم الظلم.стр. 702
تركته وشركه) رواه مسلم (١) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم في (الزهد, باب من أشرك في عمله غير الله/٤/٢٢٨٩) .стр. 703
وعن أبي سعيد مرفوعا: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ ..................................... ..................
الحواشي
(١) ولا يكفي مجرد اللفظ بها، بل لا بد من إخلاص وأعمال يتعبد بها الإنسان لله.
قوله: " المسيح الدجال": المسيح; أي: ممسوح العين اليمنى، فذكر النبي عيبين في الدجال:
أحدهما: حسي، وهو أن الدجال أعور العين اليمنى; كما قال النبي ((إن الله لا يخفى عليكم، إنه ليس بأعور وإن الدجال أعور العين اليمنى ((٢) .
والثاني: معنوي، وهو الدجال; فهو صيغة مبالغة، أو يقال بأنه نسبة إلى وصفه الملازم له، وهو الدجل والكذب والتمويه، وهو رجل من بني آدم،
_________(١) أخرجه البخاري في (العلم, باب الحرص على الحديث/١/٥٢) من حديث أبي هريرة.(٢) أخرجه البخاري في (الأنبياء, باب واذكر في الكتاب مريم/٢/٤٨٨) , ومسلم في (الفتن, باب ذكر الدجال/٤/٢٢٤٧) ; من حديث ابن عمر.стр. 704
قالوا: بلى. قال: الشرك الخفي،........................................
الحواشي
(١) ولكن الله- بحكمته يخرجه ليفتن الناس به، وفتنته عظيمة; إذ ما في الدنيا منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أشد من فتنة الدجال.
والمسيح الدجال ثبتت به الأحاديث واشتهرت حتى كان من المعلوم بالضرورة; لأن النبي (أمر أمته أن يتعوذوا بالله منه في كل صلاة.
وقد حاول بعض الناس إنكاره وقالوا: ما ورد من صفته متناقض ولا يمكن أن يصدق به، لكن هؤلاء يقيسون الأحاديث بعقولهم وأهوائهم، وقدرة الله بقدرتهم، ويقولون: كيف يكون اليوم الواحد عن سنة والشمس لها نظام لا تتعداه؟
وهذا لا شك جهل منهم بالله; فالذي جعل هذا النظام هو الله، وهو القادر على أن يغيره متى شاء; فيوم القيامة تكور الشمس، وتتكدر النجوم، وتكشط السماء، كل ذلك بكلمة "كن".
ورد هذه الأحاديث بمثل هذه التعاليل دليل على ضعف الإيمان وعدم تقدير الله حق قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ، [الأنعام: من الآية٩١] .
فالذي نؤمن به أنه سيخرج في آخر الزمان، ويحصل منه كل ما ثبت عن رسول الله (.
ونؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادر على أن يبعث على الناس من يفتنهم عن دينهم; ليتميز المؤمن من الكافر والخبيث من الطيب، مثل ما ابتلى الله بني إسرائيل بالحيتان يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ومثل ما ابتلى الله المؤمنين بأن أرسل عليهم الصيد وهم حرم، تناله أيديهم ورماحهم ليعلم الله من يخافه بالغيب، وقد يبتلي الله أفراد الناس بأشياء يمتحنهم بها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ ، [الحج: من الآية١١] .
قوله: "الشرك الخفي": الشرك قسمان خفي وجلي.стр. 705
يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه (، رواه أحمد (١) . الحواشي
(٢) ".
قوله: " يقوم الرجل، فيصلي، فيزين صلاته ": يتساوى في ذلك الرجل والمرأة، والتخصيص هنا يسمى مفهوم اللقب، أي أن الحكم يعلق بما هو أشرف، لا لقصد التخصيص، ولكن لضرب المثل.
وقوله: " فيزين صلاته ": أي: يحسنها بالطمأنينة، ورفع اليدين عند التكبير، ونحو ذلك.
قوله: " لما يرى من نظر رجل إليه ": " ما" موصولة، وحذف العائد;
_________(١) أخرجه أحمد (٣/٣٠) , وابن ماجه في (الزهد, باب الرياء والسمعة/٢/١٤٠٦) ,- وقال في "الزوائد": "إسناده حسن, وكثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمن مختلف فيهما"-, وأخرجه الحاكم (٤/٣٢٩) وصححه.(٢) أخرجه البخاري في (بدء الخلق, باب صفة النار/٢/٤٣٦) , ومسلم في (الزهد, باب عقوبة من يأمر بمعروف ولا يفعله/٤/٢٢٩٠) .следующие страницы →