Полный текст (1 122 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وعن أبي هريرة مرفوعا: قال الله تعالى: (أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري..... .....................
الحواشي
(١) وقوله: "أحدا" نكرة في سياق النهي; فتكون عامة لكل أحد.
والشاهد من الآية: أن الرياء من الشرك، فيكون داخلا في النهي عنه.
وفي هذه الآية دليل على ملاقاة الله تعالى، وقد استدل بها بعض أهل العلم على ثبوت رؤية الله; لأن الملاقاة معناها المواجهة.
وفيها دليل على أن الرسول (بشر لا يستحق أن يعبد; لأنه حصر حاله بالبشرية، كما حصر الألوهية بالله.
قوله في حديث أبي هريرة: " قال الله تعالى": هذا الحديث يرويه النبي (عن ربه، ويسمى هذا النوع بالحديث القدسي.
قوله: " أنا أغنى الشركاء عن الشرك ".
قوله: " أغنى": اسم تفضيل، وليست فعلا ماضيا، ولهذا أضيفت إلى الشركاء. يعني: إذا كان بعض الشركاء يستغني عن شركته مع غيره; فالله أغنى الشركاء عن المشاركة
فالله لا يقبل عملا له فيه شرك أبدا، ولا يقبل إلا العمل الخالص له وحده، فكما أنه الخالق وحده; فكيف تصرف شيئا من حقه إلى غيره؟!
فهذا ليس عدلا، ولهذا قال الله عن لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ، [لقمان: من الآية١٣] ، فالله الذي خلقك وأعدك إعدادا كاملا بكل مصالحك وأمدك بما تحتاج إليه، ثم تذهب وتصرف شيئا من حقه إلى غيره؟! فلا شك أن هذا من أظلم الظلم.стр. 702
تركته وشركه) رواه مسلم (١) . الحواشي
(١) أخرجه مسلم في (الزهد, باب من أشرك في عمله غير الله/٤/٢٢٨٩) .стр. 703
وعن أبي سعيد مرفوعا: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ ..................................... ..................
الحواشي
(١) ولا يكفي مجرد اللفظ بها، بل لا بد من إخلاص وأعمال يتعبد بها الإنسان لله.
قوله: " المسيح الدجال": المسيح; أي: ممسوح العين اليمنى، فذكر النبي عيبين في الدجال:
أحدهما: حسي، وهو أن الدجال أعور العين اليمنى; كما قال النبي ((إن الله لا يخفى عليكم، إنه ليس بأعور وإن الدجال أعور العين اليمنى ((٢) .
والثاني: معنوي، وهو الدجال; فهو صيغة مبالغة، أو يقال بأنه نسبة إلى وصفه الملازم له، وهو الدجل والكذب والتمويه، وهو رجل من بني آدم،
_________(١) أخرجه البخاري في (العلم, باب الحرص على الحديث/١/٥٢) من حديث أبي هريرة.(٢) أخرجه البخاري في (الأنبياء, باب واذكر في الكتاب مريم/٢/٤٨٨) , ومسلم في (الفتن, باب ذكر الدجال/٤/٢٢٤٧) ; من حديث ابن عمر.стр. 704
قالوا: بلى. قال: الشرك الخفي،........................................
الحواشي
(١) ولكن الله- بحكمته يخرجه ليفتن الناس به، وفتنته عظيمة; إذ ما في الدنيا منذ خلق آدم إلى أن تقوم الساعة فتنة أشد من فتنة الدجال.
والمسيح الدجال ثبتت به الأحاديث واشتهرت حتى كان من المعلوم بالضرورة; لأن النبي (أمر أمته أن يتعوذوا بالله منه في كل صلاة.
وقد حاول بعض الناس إنكاره وقالوا: ما ورد من صفته متناقض ولا يمكن أن يصدق به، لكن هؤلاء يقيسون الأحاديث بعقولهم وأهوائهم، وقدرة الله بقدرتهم، ويقولون: كيف يكون اليوم الواحد عن سنة والشمس لها نظام لا تتعداه؟
وهذا لا شك جهل منهم بالله; فالذي جعل هذا النظام هو الله، وهو القادر على أن يغيره متى شاء; فيوم القيامة تكور الشمس، وتتكدر النجوم، وتكشط السماء، كل ذلك بكلمة "كن".
ورد هذه الأحاديث بمثل هذه التعاليل دليل على ضعف الإيمان وعدم تقدير الله حق قدره، قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ ، [الأنعام: من الآية٩١] .
فالذي نؤمن به أنه سيخرج في آخر الزمان، ويحصل منه كل ما ثبت عن رسول الله (.
ونؤمن أن الله على كل شيء قدير، وأنه قادر على أن يبعث على الناس من يفتنهم عن دينهم; ليتميز المؤمن من الكافر والخبيث من الطيب، مثل ما ابتلى الله بني إسرائيل بالحيتان يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم، ومثل ما ابتلى الله المؤمنين بأن أرسل عليهم الصيد وهم حرم، تناله أيديهم ورماحهم ليعلم الله من يخافه بالغيب، وقد يبتلي الله أفراد الناس بأشياء يمتحنهم بها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ ، [الحج: من الآية١١] .
قوله: "الشرك الخفي": الشرك قسمان خفي وجلي.стр. 705
يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل إليه (، رواه أحمد (١) . الحواشي
(٢) ".
قوله: " يقوم الرجل، فيصلي، فيزين صلاته ": يتساوى في ذلك الرجل والمرأة، والتخصيص هنا يسمى مفهوم اللقب، أي أن الحكم يعلق بما هو أشرف، لا لقصد التخصيص، ولكن لضرب المثل.
وقوله: " فيزين صلاته ": أي: يحسنها بالطمأنينة، ورفع اليدين عند التكبير، ونحو ذلك.
قوله: " لما يرى من نظر رجل إليه ": " ما" موصولة، وحذف العائد;
_________(١) أخرجه أحمد (٣/٣٠) , وابن ماجه في (الزهد, باب الرياء والسمعة/٢/١٤٠٦) ,- وقال في "الزوائد": "إسناده حسن, وكثير بن زيد وربيح بن عبد الرحمن مختلف فيهما"-, وأخرجه الحاكم (٤/٣٢٩) وصححه.(٢) أخرجه البخاري في (بدء الخلق, باب صفة النار/٢/٤٣٦) , ومسلم في (الزهد, باب عقوبة من يأمر بمعروف ولا يفعله/٤/٢٢٩٠) .стр. 706
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى.
الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء.
الخامسة: خوف النبي (على أصحابه من الرياء.
الحواشي
(١) أي: للذي يراه من نظر رجل، وهذه هي العلة لتحسين الصلاة; فقد زين صلاته ليراه هذا الرجل فيمدحه بلسانه أو يعظمه بقلبه، وهذا شرك.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية الكهف: وسبق الكلام عليها.
الثانية: الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله:
وذلك لقوله: "تركته وشركه"، وصار عظيما; لأنه ضاع على العامل خسارا، وفحوى الحديث تدل على غضب الله (من ذلك.
الثالثة: ذكر السبب الموجب لذلك، وهو كمال الغنى: يعني: الموجب للرد؛ هو كمال غنى الله (عن كل عمل فيه شرك، وهو غني عن كل عمل، لكن العمل الصالح يقبله ويثيب عليه.
الرابعة: أن من الأسباب أنه تعالى خير الشركاء: أي: من أسباب رد العمل إذا أشرك فيه العامل مع الله أحدا أن الله خير الشركاء، فلا ينازع من جعل شريكا له فيه.
الخامسة: خوف النبي (على أصحابه من الرياء: وذلكстр. 707
السادسة: أنه فسر ذلك بأن المرء يصلي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه.
الحواشي
(١) (لقوله (: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال (، وإذا كان يخاف ذلك على أصحابه; فالخوف على من بعدهم من ذلك من باب أولى.
السادسة: أنه فسر ذلك بأن المرء يصلي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه: وهذا التفسير ينطبق تماما على الرياء; فيكون أخوف علينا عند رسول الله (من المسيح الدجال.
ولم يذكر المؤلف مسألة خوف النبي (على أمته من المسيح الدجال; لأن المقام في الرياء لا فيما يخافه النبي (على أمته.стр. 708
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "من الشرك": "من" للتبعيض; أي: بعض الشرك.
قوله: "الدنيا": مفعول بإرادة; لأن إرادة مصدر مضاف إلى فاعله.
وإذا أردت أن تعرف المصدر إن كان مضافا إلى فاعله أو مفعوله; فحوله إلى فعل مضارع مقرون بأن، فإذا قلنا: باب من الشرك أن يريد الإنسان بعمله الدنيا فالإنسان فاعل، وعلى هذا; فإرادة مصدر مضاف إلى فاعله، والدنيا مفعول به.
وعنوان الباب له ثلاثة احتمالات:
الأول: أن يكون مكررا مع ما قبله، وهذا بعيد أن يكتب المؤلف ترجمتين متتابعتين لمعنى واحد.
الثاني: أن يكون الباب الذي قبله أخص من هذا الباب; لأنه خاص في الرياء، وهذا أعم، وهذا محتمل.
الثالث: أن يكون هذا الباب نوعا مستقلا عن الباب الذي قبله، وهذا هو الظاهر; لأن الإنسان في الباب السابق يعمل رياء؛ يريد أن يمدح في العبادة، فيقال: هو عابد، ولا يريد النفع المادي.
وفي هذا الباب لا يريد أن يمدح بعبادته ولا يريد المراءاة، بل يعبد الله مخلصا له، ولكنه يريد شيئا من الدنيا; كالمال، والمرتبة، والصحة في نفسه، وأهله، وولده، وما أشبه ذلك; فهو يريد بعمله نفعا في الدنيا، غافلا عن ثواب الآخرة.стр. 709
......................................................................
الحواشي
(١) أمثلة تبين كيفية إرادة الإنسان بعمله الدنيا:
١- أن يريد المال; كمن أذن ليأخذ راتب المؤذن، أو حج ليأخذ المال.
٢- أن يريد المرتبة; كمن تعلم في كلية ليأخذ الشهادة؛ فترتفع مرتبته.
٣- أن يريد دفع الأذى والأمراض والآفات عنه: كمن تعبد لله كي يجزيه الله بهذا في الدنيا، بمحبة الخلق له، ودفع السوء عنه، وما أشبه ذلك.
٤- أن يتعبد لله: يريد صرف وجوه الناس إليه بالمحبة والتقدير.
وهناك أمثلة كثيرة.
تنبيه:
فإن قيل: هل يدخل فيه من يتعلمون في الكليات أو غيرها، يريدون شهادة، أو مرتبة بتعلمهم؟
فالجواب: أنهم يدخلون في ذلك؛ إذا لم يريدوا غرضا شرعيا، فنقول لهم:
أولا: لا تقصدوا بذلك المرتبة الدنيوية، بل اتخذوا هذه الشهادات وسيلة للعمل في الحقول النافعة للخلق; لأن الأعمال في الوقت الحاضر مبنية على الشهادات، والناس لا يستطيعون الوصول إلى منفعة الخلق إلا بهذه الوسيلة، وبذلك تكون النية سليمة.
ثانيا: أن من أراد العلم لذاته قد لا يجده إلا في الكليات; فيدخل الكلية أو نحوها لهذا الغرض، وأما بالنسبة للمرتبة; فإنها لا تهمه.стр. 710
............................................................
الحواشي
(١) ثالثا: أن الإنسان إذا أراد بعمله الحسنيين- حسنى الدنيا، وحسنى الآخرة-; فلا شيء عليه لأن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ ، [الطلاق: من الآية٢-٣] ، فرغبه في التقوى بذكر المخرج من كل ضيق والرزق من حيث لا يحتسب.
فإن قيل: من أراد بعمله الدنيا كيف يقال إنه مخلص، مع أنه أراد المال مثلا؟
أجيب: إنه أخلص العبادة ولم يرد بها الخلق إطلاقا، فلم يقصد مراءاة الناس ومدحهم، بل قصد أمرا ماديا; فإخلاصه ليس كاملا لأن فيه شركا، ولكن ليس كشرك الرياء يريد أن يمدح بالتقرب إلى الله، وهذا لم يرد مدح الناس بذلك، بل أراد شيئا دنيئا غيره.
ولا مانع أن يدعو الإنسان في صلاته، ويطلب أن يرزقه الله المال، ولكن لا يصلي من أجل هذا الشيء; فهذه مرتبة دنيئة.
أما طلب الخير في الدنيا بأسبابه الدنيوية; كالبيع، والشراء، والزراعة; فهذا لا شيء فيه، والأصل أن لا نجعل في العبادات نصيبا من الدنيا، وقد سبق البحث في حكم العبادة؛ إذا خالطها الرياء، في باب الرياء.
ملاحظة:
بعض الناس عندما يتكلمون على فوائد العبادات، يحولونها إلى فوائد دنيوية. فمثلا يقولون: في الصلاة رياضة، وإفادة للأعصاب، وفي الصيام فائدة إزالة الرطوبة وترتيب الوجبات، والمفروض ألا نجعل الفوائد الدنيوية هي الأصل; لأن الله لم يذكر ذلك في كتابه، بل ذكر أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. وعن الصوم أنه سبب للتقوى; فالفوائد الدينية في العبادات هي الأصل والدنيوية ثانوية، لكن عندما نتكلم عند عامةстр. 711
وقول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾ ، [هود: من الآية١٥] ، الآية.
الحواشي
(١) الناس; فإننا نخاطبهم بالنواحي الدينية، وعندما نتكلم عند من لا يقتنع إلا بشيء مادي; فإننا نخاطبه بالنواحي الدينية والدنيوية، ولكل مقام مقال. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ ، أي: البقاء في الدنيا.
قوله: ﴿وَزِينَتَهَا﴾ : أي: المال، والبنين، والنساء، والحرث، والأنعام، والخيل المسومة; كما قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ، [آل عمران: من الآية١٤] .
قوله: ﴿نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾ فعل مضارع معتل الآخر مجزوم بحذف حرف العلة- الياء-; لأنه جواب الشرط.
والمعنى: أنهم يعطون ما يريدون في الدنيا ومن ذلك الكفار لا يسعون إلا للدنيا وزينتها، فعجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا; كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ ، [الأحقاف: من الآية٢٠] .
ولهذا (لما بكى عمر حين رأى النبي ﷺ قد أثر في جنبه الفراش، فقال ﷺ : " ما يبكيك؟ ". قال: يا رسول الله كسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من نعيم وأنت على هذه الحال. فقال رسول الله ﷺ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم (١، وفي الحقيقة هي ضرر عليهم; لأنهم إذا
_________
١أخرجه البخاري في (المظالم, باب الغرفة والعلية المشرفة/٢/١٩٧-١٩٩) , ومسلم في (الطلاق, باب في الإيلاء واعتزال النساء/٢/١١٠٥-١١٠٨) .стр. 712
......................................................................
الحواشي
(١) انتقلوا من دار النعيم إلى الجحيم; صار عليهم أشد وأعظم في فقد ما متعوا به في الدنيا.
قوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ ، البخس: النقص; أي: لا ينقصون مما يجازون فيه; لأن الله عدل لا يظلم، فيعطون ما أرادوه.
قوله: "أولئك": المشار إليه الذين يريدون الحياة الدنيا وزينتها.
قوله: ﴿لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ﴾ ، فيه حصر، وطريقه النفي والإثبات، وهذا يعني أنهم لن يدخلوا الجنة; لأن الذي ليس له إلا النار محروم من الجنة، والعياذ بالله.
قوله: ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا﴾ ، الحبوط: الزوال، أي: زال عنهم ما صنعوا في الدنيا.
قوله: ﴿وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، " باطل": خبر مقدم لأجل مراعاة الفواصل في الآيات والمبتدأ " ما" في قوله: ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، فأثبت الله أنه ليس لهؤلاء إلا النار، وأن ما صنعوا في الدنيا قد حبط، وأن أعمالهم باطلة.
وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ﴾ ، مخصوصة بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ ، [الإسراء:١٨] .
فإن قيل: لماذا لا نجعل آية هود حاكمة على آية الإسراء، ويكون الله توعد من يريد العاجلة في الدنيا أن يجعل له ما يشاء لمن يريد، ثم وعد أن يعطيه ما يشاء؟
أجيب: إن هذا المعنى لا يستقيم لأمرين:стр. 713
......................................................................
الحواشي
(١) أولا: أن القاعدة الشرعية في النصوص أن الأخص مقدم على الأعم، وآية هود عامة; لأن كل من أراد الحياة الدنيا وزينتها وفي إليه العمل وأعطي ما أراد أن يعطى، أما آية الإسراء; فهي خاصة: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ ، [الإسراء: من الآية١٨] ، ولا يمكن أن يحكم بالأعم على الأخص.
الثاني: أن الواقع يشهد على ما تدل عليه آية الإسراء; لأن في فقراء الكفار من هو أفقر من فقراء المسلمين; فيكون عموم آية هود مخصوصا بآية الإسراء; فالأمر موكول إلى مشيئة الله وفيمن يريده.
واختلف فيمن نزلت فيه آية هود:
١- قيل: نزلت في الكفار; لأن الكافر لا يريد إلا الحياة الدنيا، ويدل لهذا سياقها والجزاء المرتب على هذا، وعليه يكون وجه مناسبتها للترجمة أنه إذا كان عمل الكافرين يراد به الدنيا، فكل من شاركهم في شيء من ذلك; ففيه شيء من شركهم وكفرهم.
٢- وقيل: نزلت في المرائين; لأنهم لا يعملون إلا للدنيا; فلا ينفعهم يوم القيامة.
٣- وقيل: نزلت فيمن يريد مالا بعمله الصالح.
والسياق يدل للقول الأول; لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ، [هود:١٦] .
تنبيه:
اقتصر المؤلف ﵀ على الإشارة إلى تكميل الآية الأولى، وزدنا الآية التالية سهوا وعسى أن يكون خيرا.стр. 714
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط......................................
الحواشي
(٦٤٣٥) , وابن ماجه: الزهد(٤١٣٦) .
٢ البخاري: الجهاد والسير(٢٨٨٧) .стр. 715
تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش. .................................
الحواشي
(١) المعطي هو الله فيكون الإعطاء قدريا; أي: إن قدر الله له الرزق والعطاء رضي وانشرح صدره، وإن منع وحرم المال سخط بقلبه وقوله، كأن يقول: لماذا كنت فقيرا وهذا غنيا؟ وما أشبه ذلك; فيكون ساخطا على قضاء الله وقدره لأن الله منعه.
والله- يعطي ويمنع لحكمة، ويعطي الدنيا لمن يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن يحب.
والواجب على المؤمن أن يرضى بقضاء الله وقدره; إن أعطي شكر، وإن منع صبر.
ويحتمل أن يراد بالإعطاء هنا الإعطاء الشرعي; أي: إن أعطي من مال يستحقه من الأموال الشرعية رضي، وإن لم يعط سخط، وكلا المعنيين حق، وهما يدلان على أن هذا الرجل لا يرضى إلا للمال ولا يسخط إلا له، ولهذا سماه الرسول ﷺ عبدا له.
قوله: " تعس وانتكس": تعس; أي: خاب وهلك، وانتكس; أي: انتكست عليه الأمور بحيث لا تتيسر له، فكلما أراد شيئا انقلبت عليه الأمور خلاف ما يريد، ولهذا قال: " وإذا شيك فلا انتقش ": أي: إذا أصابته شوكة; فلا يستطيع أن يزيل ما يؤذيه عن نفسه.
وهذه الجمل الثلاث؛ يحتمل أن تكون خبرا منه ﷺ عن حال هذا الرجل، وأنه في تعاسة، وانتكاس، وعدم خلاص من الأذى، ويحتمل أن تكون من باب الدعاء على من هذه حاله; لأنه لا يهتم إلا للدنيا، فدعا عليه أن يهلك، وأن لا يصيب من الدنيا شيئا، وأن لا يتمكن من إزالة ما يؤذيه، وقد يصل إلى الشرك عندما يصده ذلك عن طاعة الله؛ حتى أصبح لا يرضى إلا للمال ولا يسخط إلا له.стр. 716
طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه،
الحواشي
(٢٤٨٠) , ومسلم(١٤١) عن عبد الله بن عمرو، بلفظ: "من قتل دون ماله فهو شهيد". وانظر: "جامع الأصول" (٢/٧٤٢) .стр. 717
إن كان في الحراسة; كان في الحراسة، وإن كان في الساقة; كان في الساقة، إن استأذن; لم يؤذن له، وإن شفع; لم يشفع (١.
الحواشي
(١) قوله: (إن كان في الحراسة; فهو في الحراسة، وإن كان في الساقة; فهو في الساقة (: الحراسة والساقة ليست من مقدم الجيش; فالحراسة أن يحرس الإنسان الجيش، والساقة أن يكون في مؤخرته، وللجملتين معنيان:
أحدهما: أنه لا يبالي أين وضع، إن قيل له: احرس; حرس، وإن قيل له: كن في الساقة; كان فيها، فلا يطلب مرتبة أعلى من هذا المحل كمقدم الجيش مثلا.
الثاني: إن كان في الحراسة أدى حقها، وكذا إن كان في الساقة، والحديث صالح للمعنيين، فيحمل عليهما جميعا إذا لم يكن بينهما تعارض، ولا تعارض هنا.
قوله: (إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يشفع (، أي: هو عند الناس ليس له جاه ولا شرف، حتى إنه إن استأذن لم يؤذن له، وهكذا عند أهل السلطة ليس له مرتبة; فإن شفع لم يشفع، ولكنه وجيه عند الله، وله المنزلة العالية; لأنه يقاتل في سبيله.
والشفاعة: هي التوسط للغير بجلب منفعة أو دفع مضرة.
والاستئذان: طلب الإذن بالشيء.
والحديث قسم الناس إلى قسمين:
الأول: ليس له هم إلا الدنيا، إما لتحصيل المال، أو لتجميل
_________
١أخرجه البخاري في (الجهاد, باب الحراسة في الغزو/٢/٣٢٧) .стр. 718
......................................................................
الحواشي
(١) الحال; فقد استعبدت قلبه حتى أشغلته عن ذكر الله وعبادته.
الثاني: أكبر همه الآخرة; فهو يسعى لها في أعلى ما يكون مشقة وهو الجهاد في سبيل الله، ومع ذلك أدى ما يجب عليه من جميع الوجوه.
ويستفاد من الحديث:
١- أن الناس قسمان كما سبق.
٢- أن الذي ليس له هم إلا الدنيا قد تتقلب عليه الأمور، ولا يستطيع الخلاص من أدنى أذية وهي الشوكة، بخلاف الحازم الذي لا تهمه الدنيا، بل أراد الآخرة ولم ينس نصيبه من الدنيا، وقنع بما قدره الله له.
٣- أنه ينبغي لمن جاهد في سبيل الله ألا تكون همه المراتب، بل يكون همه القيام بما يجب عليه; إما في الحراسة، أو الساقة، أو القلب، أو الجنب; حسب المصلحة.
٤- أن دنو مرتبة الإنسان عند الناس؛ لا يستلزم منه دنو مرتبته عند الله فهذا الرجل الذي إن شفع لم يشفع، وإن استأذن لم يؤذن له، قال فيه الرسول ﷺ : " طوبى له"، ولم يقل: إن سأل لم يعط، بل لا تهمه الدنيا حتى يسأل عنها، لكن يهمه الخير فيشفع للناس، ويستأذن للدخول على ذوي السلطة للمصالح العامة.стр. 719
فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة.
الثانية: تفسير آية هود.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة: وهذا من الشرك; لأنه جعل عمل الآخرة وسيلة لعمل الدنيا، فيطغى على قلبه حب الدنيا حتى يقدمها على الآخرة، والحزم والإخلاص أن يجعل عمل الدنيا للآخرة.
الثانية: تفسير آية هود: وقد سبق ذلك.
الثالثة: تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار والدرهم والخميصة: وهذه العبودية لا تدخل في الشرك ما لم يصل بها إلى حد الشرك، ولكنها نوع آخر يخل بالإخلاص; لأنه جعل في قلبه محبة زاحمت محبة الله ومحبة أعمال الآخرة.
الرابعة: تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط: هذا تفسير لقوله ﷺ : (عبد الدينار، عبد الدرهم، عبد الخميصة، عبد الخميلة إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط (، وهذه علامة عبوديته لهذه الأشياء أن يكون رضاه وسخطه تابعا لهذه الأشياء.стр. 720
الخامسة: قوله: " تعس وانتكس ".
السادسة: قوله: " وإذا شيك; فلا انتقش ".
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات.
الحواشي
(١) الخامسة: قوله: " تعس وانتكس ".
السادسة: قوله: " إذا شيك فلا انتقش ": يحتمل أن تكون الجمل الثلاث خبرا أو دعاء، وسبق شرح ذلك.
السابعة: الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات: فقوله في الحديث: " طوبى لعبد ... "؛ يدل على الثناء عليه، وأنه هو الذي يستحق أن يمدح لا أصحاب الدراهم والدنانير، وأصحاب الفرش والمراتب.стр. 721
باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا:
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "من أطاع العلماء": "من" يحتمل أن تكون شرطية، بدليل قوله: "فقد اتخذهم"; لأنها جواب الشرط، ويحتمل أن تكون موصولة; أي: "باب الذي أطاع العلماء".
وقوله: "فقد اتخذهم": خبر المبتدأ، وقرنت بالفاء; لأن الاسم الموصول كالشرط في العموم، وعلى الأول تقرأ " باب" بالتنوين، وعلى الثاني بدون تنوين، والأول أحسن.
والمراد بالعلماء: العلماء بشرع الله، وبالأمراء: أولو الأمر المنفذون له، وهذان الصنفان هما المذكوران في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ، [النساء: من الآية٥٩] ; فجعل الله طاعته مستقلة، وطاعة رسوله مستقلة، وطاعة أولي الأمر تابعة، ولهذا لم يكرر الفعل " أطيعوا"; فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وأولو الأمر هم أولو الشأن، وهم العلماء; لأنه يستند إليهم في أمر الشرع والعلم به، والأمراء; لأنه يستند إليهم في تنفيذ الشرع وإمضائه، وإذا استقام العلماء والأمراء استقامت الأمور، وبفسادهم تفسد الأمور; لأن العلماء أهل الإرشاد والدلالة، والأمراء أهل الإلزام والتنفيذ.стр. 722
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "أربابا". جمع رب، وهو المتصرف المالك.
والتصرف نوعان: تصرف قدري، وتصرف شرعي.
فمن أطاع العلماء في مخالفة أمر الله ورسوله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله باعتبار التصرف الشرعي; لأنه اعتبرهم مشرعين، واعتبر تشريعهم شرعا يعمل به، وبالعكس الأمراء.
_________(١) منظومة "أصول الفقه وقواعده" للمؤلف (ص ٢) .стр. 723
وقال ابن عباس: (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله (، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! ( (١) . الحواشي
(٢) ، وروي عنه (أنه قال: (اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر ((٣) ، وقال (: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ(٤) ، ولم يعرف عن أبي بكر وعمر
_________(١) أخرجه بنحوه: أحمد (١/٣٣٧) , والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/١٤٥) , وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/٢٣٩) , وابن حزم في "حجة الوداع" (ص ٢٦٨- ٢٦٩) .(٢) أخرجه مسلم في (المساجد, باب قضاء الصلاة الفائتة/١/٤٧٢) .(٣) أخرجه الإمام أحمد في كتاب (فضائل الصحابة/١/١٨٦) وفي "المسند" (٥/٣٩٩) , والبخاري في "الكنى" (ص٥٠) , والترمذي في (المناقب, باب في مناقب أبي بكر وعمر/٩/٢٧٠) - وقال: "حديث حسن"-, وابن ماجه في (المقدمة/١/٣٧) , وابن سعد (٢/٣٣٤) , والحميدي (١/٢١٤) , والخطيب في "الفقيه والمتفقه" (١/١٧٧) , وابن عبد البر في "جامع بيان العلم وفضله" (٢/٢٢٣) .(٤) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٤/١٢٧,١٢٦) , وأبو داود في (السنة, باب في لزوم السنة/٥/١٣-١٥) , والترمذي في (العلم, باب ما جاء في الأخذ في السنة واجتناب= البدعة, ٧/٣١٩) - وقال: "حسن صحيح ", وابن ماجه في "المقدمة" (١/١٥) , والدارمي(١٩٦) , وابن حبان في الموارد-١٠٢) , وأبو نعيم في "الضعفاء" (ص٤٦) - وقال: "حديث جيد صحيح من حديث الشاميين"-.стр. 724
وقال أحمد بن حنبل: " عجبت لقوم................................
الحواشي
(١) .
_________(١) رواه البخاري(١٦٨) , ومسلم(٢٦٨) .стр. 725
عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، [النور: من الآية٦٣] ،..............................................
الحواشي
(١) الثاني: عجب إنكار; كما في قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ ، [الصافات: ١٢] ، والعجب في كلام الإمام أحمد هنا عجب إنكار.
قوله: " الإسناد": المراد به هنا رجال السند لا نسبة الحديث إلى راويه; أي: عرفوا صحة الحديث بمعرفة رجاله.
قوله: " يذهبون إلى رأي سفيان": أي: سفيان الثوري; لأنه صاحب المذهب المشهور وله أتباع لكنهم انقرضوا; فهم يذهبون إلى رأي سفيان وهو من الفقهاء ويتركون ما جاء به الحديث!
قوله: "والله يقول: فليحذر": الفاء عاطفة، واللام للأمر، ولهذا سكنت وجزم الفعل بها، لكن حرك بالكسر; لالتقاء الساكنين.
قوله: "عن أمره": الضمير يعود للرسول (بدليل أول الآية، قال تعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ، [النور: من الآية٦٣] .
فإن قيل: لماذا عدي الفعل ب: " عن" مع أن " يخالف" يتعدى بنفسه؟
أجيب: أن الفعل ضمن معنى الإعراض; أي: يعرضون عن أمره زهدا فيه، وعدم مبالاة به.стр. 726
أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك".
وعن عدي بن حاتم: (أنه سمع النبي (يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّه﴾ ، [التوبة: من الآية٣١] الآية،
الحواشي
(١) و" أمره": واحد الأوامر وليس واحد الأمور; لأن الأمر هو الذي يخالف فيه، وهو مفرد مضاف; فيعم جميع الأوامر.
" فتنة": الفتنة فسرها الإمام أحمد بالشرك، وعلى هذا يكون الوعيد بأحد أمرين: إما الشرك، وإما العذاب الأليم.
قوله في حديث عدي بن حاتم: " اتخذوا": الضمير يعود للنصارى; لأن اليهود لم يتخذوا المسيح ابن مريم إلها، بل ادعوا أنه ابن زانية وحاولوا قتله، وادعوا أنهم قتلوه، ويحتمل أن يعود الضمير لليهود والنصارى جميعا، ويختص النصارى باتخاذ المسيح ابن مريم، وهذا هو المتبادر من السياق مع الآية التي قبلها.
قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ﴾ الأحبار: جمع حبر، وحبر بفتح الحاء وكسرها; وهو العالم الواسع العلم، والرهبان: جمع راهب، وهو العابد الزاهد.
قوله: ﴿أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: مشاركين لله (في التشريع; لأنهم يحلون ما حرم الله فيحله هؤلاء الأتباع، ويحرمون ما أحل الله فيحرمه الأتباع.стр. 727
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَم﴾ أي: اتخذوه إلها مع الله، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ ، [التوبة: من الآية٣١] والعبادة: التذلل والخضوع، واتباع الأوامر، واجتناب النواهي.
قوله: "إلها واحدا": هو الله (وإله، أي: مألوه معبود مطاع، وليس بمعنى آله; أي: قادر على الاختراع، فإن هذا المعنى فاسد ذهب إليه المتكلمون أو عامتهم; فيكون معنى لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ على هذا القول: لا رب إلا الله، وهذا ليس بالتوحيد المطلوب بهذه الكلمة; إذ لو كان كذلك لكان المشركون الذين قاتلهم رسول الله (موحدين; لأنهم يقولون: لا رب إلا الله، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ ، [المؤمنون:٨٦-٨٧] ، وهذه إحدى القراءتين، وهي سبعية.
قوله: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ؛ " سبحان": اسم مصدر، وهي معمول أو مفعول لفعل محذوف وجوبا تقديره يسبح سبحانا; أي: تسبيحا; لأن اسم المصدر بمعنى المصدر; فسبحان: مفعول مطلق عاملها محذوف وجوبا وهي ملازمة للإضافة: إما إلى مضمر; كما في الآية: " سبحانه"، أو إلى مظهر; كما في " سبحان الله".
والتسبيح: التنزيه، أي: تنزيه الله عن كل نقص، ولا يحتاج أن نقول: ومماثلة المخلوقين; لأن المماثلة نقص، ولكن إذا قلناها; فذلك من باب زيادة الإيضاح حتى لا يظن أن تمثيل الخالق بالمخلوق في الكمال من باب الكمال، فيكون المعنى: تنزيه الله عن كل ما لا يليق به من نقص أو مماثلة المخلوقين.стр. 728
فقلت له: إنا لسنا نعبدهم. قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ". فقلت: بلى. قال:
الحواشي
(١) وقوله: "عما يشركون": أي: مما سواه؛ من المسيح ابن مريم، والأحبار والرهبان، فهو متنزه عن كل شرك، وعن كل مشرك به.
وقوله: "عما يشركون" هذا من البلاغة في القرآن; لأنها جاءت محتملة أن تكون "ما" مصدرية، فيكون المعنى عن شركهم، أو موصولة، ويكون المعنى: سبحان الله عن الذين يشركون به، وهي صالحة للأمرين، فتكون شاملة لهما؛ لأن الصحيح جواز استعمال المشترك في معنييه إذا لم يكن بينهما تعارض، فيكون التنزيه عن الشرك وعن المشرك به.
قوله: " إنا لسنا نعبدهم ": أي: لا نعبد الأحبار والرهبان، ولا نسجد لهم، ولا نركع ولا نذبح ولا ننذر لهم، وهذا صحيح بالنسبة للأحبار والرهبان، بدليل قوله (: (أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟ ! (.
فإن هذا الوصف لا ينطبق على عيسى أبدا; لأنه رسول الله، فما أحله; فقد أحله الله، وما حرمه; فقد حرمه الله، وقد حاول بعض الناس أن يعل الحديث لهذا المعنى، مع ضعف سنده، والحديث حسنه الترمذي والألباني وآخرون وضعفه آخرون.
ويجاب عن التعليل المذكور بأن قول عدي: "لسنا نعبدهم" يعود على الأحبار والرهبان، أما عيسى ابن مريم; فالمعروف أنهم يعبدونه.
وبدأ بتحريم الحلال; لأنه أعظم من تحليل الحرام، وكلاهما محرم; لقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ ، [النحل: من الآية١١٦] .стр. 729
فتلك عبادتهم (رواه أحمد والترمذي وحسنه (١) . الحواشي
(١) أخرجه الترمذي في (تفسير القرآن, تفسير سورة التوبة/٨/٢٤٨) - وقال: "غريب, لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب, وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث", وابن جرير (١٠/٨٠،٨١) , والبيهقي (١٠/١١٦) , والمزي في "تهذيب الكمال" (٢/١٠٩) . وانظر: والدر المنثور للسيوطي (٣/٢٣٠) . وقد حسنه شيخ الإسلام في "الإيمان" (ص٦٤) .стр. 730
......................................................................
الحواشي
(٢) لو قلنا: بإثمه بخطأ غيره; للزم من ذلك الحرج والمشقة، ولم يثق الناس بأحد لاحتمال خطئه.
فإن قيل: لماذا لا يكفر أهل القسم الثاني؟
أجيب: إننا لو قلنا بكفرهم لزم من ذلك تكفير كل صاحب معصية يعرف أنه عاص لله ويعلم أنه حكم الله.
فائدة:
وصف الله الحاكمين بغير ما أنزل الله بثلاثة أوصاف:
١- قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ، [المائدة: من الآية٤٤] .
_________(١) أحمد (٣/١٥٣) .(٢) أخرجه الإمام أحمد (٢/٣٢١،٣٦٥) , وأبو داود في (العلم, باب التوقي في الفتيا/٤/٦٦) , وابن ماجه في (المقدمة, باب اجتناب الرأي/١/٢٠) , والدارمي في (المقدمة/١/٥٣) , والحاكم في (العلم/١/١٢٦) - وقال: "صحيح على شرط الشيخين, ولا أعرف له علة", ووافقه الذهبي-.стр. 731
......................................................................
الحواشي
(١) وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، [المائدة: من الآية٤٥] .
٣- وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ ، [المائدة: من الآية٤٧] .
واختلف أهل العلم في ذلك:
فقيل: إن هذه الأوصاف لموصوف واحد; لأن الكافر ظالم; لقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية٢٥٤] ، وفاسق; لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ، [السجدة: من الآية٢٠] ، أي: كفروا.
وقيل: إنها لموصوفين متعددين، وإنها على حسب الحكم، وهذا هو الراجح.
فيكون كافرا في ثلاثة أحوال:
أ- إذا اعتقد جواز الحكم بغير ما أنزل الله، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، [المائدة: من الآية٥٠] ، فكل ما خالف حكم الله; فهو من حكم الجاهلية، بدليل الإجماع القطعي على أنه لا يجوز الحكم بغير ما أنزل الله فالمحل والمبيح للحكم بغير ما أنزل الله مخالف لإجماع المسلمين القطعي، وهذا كافر مرتد، وذلك كمن اعتقد حل الزنا أو الخمر أو تحريم الخبز أو اللبن.
ب- إذا اعتقد أن حكم غير الله مثل حكم الله.
ج- إذا اعتقد أن حكم غير الله أحسن من حكم الله. بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ ، [المائدة: من الآية٥٠] ; فتضمنتстр. 732
......................................................................
الحواشي
(١) الآية أن حكم الله أحسن الأحكام، بدليل قوله تعالى مقررا ذلك: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ ، [التين:٨] ، فإذا كان الله أحسن الحاكمين أحكاما وهو أحكم الحاكمين; فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر لأنه مكذب للقرآن.
ويكون ظالما: إذا اعتقد أن الحكم بما أنزل الله أحسن الأحكام، وأنه أنفع للعباد والبلاد، وأنه الواجب تطبيقه، ولكن حمله البغض والحقد للمحكوم عليه حتى حكم بغير ما أنزل الله; فهو ظالم.
ويكون فاسقا: إذا كان حكمه بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه مع اعتقاده أن حكم الله هو الحق، لكن حكم بغيره لهوى في نفسه; أي: محبة لما حكم به لا كراهة لحكم الله ولا ليضر أحدا به، مثل: أن يحكم لشخص لرشوة رشي إياها، أو لكونه قريبا أو صديقا، أو يطلب من ورائه حاجة، وما أشبه ذلك مع اعتقاده بأن حكم الله هو الأمثل والواجب اتباعه; فهذا فاسق، وإن كان أيضا ظالما، لكن وصف الفسق في حقه أولى من وصف الظلم.
أما بالنسبة لمن وضع قوانين تشريعية مع علمه بحكم الله وبمخالفة هذه القوانين لحكم الله; فهذا قد بدل الشريعة بهذه القوانين، فهو كافر لأنه لم يرغب بهذا القانون عن شريعة الله إلا وهو يعتقد أنه خير للعباد والبلاد من شريعة الله، وعندما نقول بأنه كافر; فنعني بذلك أن هذا الفعل يوصل إلى الكفر.
ولكن قد يكون الواضع له معذورا، مثل أن يغرر به كأن يقال: إن هذا لا يخالف الإسلام، أو هذا من المصالح المرسلة، أو هذا مما رده الإسلام إلى الناس.стр. 733
......................................................................
الحواشي
(١) فيوجد بعض العلماء وإن كانوا مخطئين يقولون: إن مسألة المعاملات لا تعلق لها بالشرع، بل ترجع إلى ما يصلح الاقتصاد في كل زمان بحسبه، فإذا اقتضى الحال أن نضع بنوكا للربا أو ضرائب على الناس; فهذا لا شيء فيه.
وهذا لا شك في خطئه; فإن كانوا مجتهدين غفر الله لهم، وإلا فهم على خطر عظيم، واللائق بهؤلاء أن يلقبوا بأنهم من علماء الدولة لا علماء الملة.
ومما لا شك فيه أن الشرع جاء بتنظيم العبادات التي بين الإنسان وربه والمعاملات التي بين الإنسان مع الخلق في العقود والأنكحة والمواريث وغيرها; فالشرع كامل من جميع الوجوه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ، [المائدة: من الآية٣] . وكيف يقال: إن المعاملات لا تعلق لها بالشرع وأطول آية في القرآن نزلت في المعاملات، ولولا نظام الشرع في المعاملات لفسد الناس؟!
وأنا لا أقول: نأخذ بكل ما قاله الفقهاء; لأنهم قد يصيبون وقد يخطئون، بل يجب أن نأخذ بكل ما قاله الله ورسوله (ولا يوجد حال من الأحوال تقع بين الناس إلا وفي كتاب الله وسنة رسوله ما يزيل إشكالها ويحلها، ولكن الخطأ إما من نقص العلم أو الفهم وهذا قصور، أو نقص التدبر وهذا تقصير.
أما إذا وفق الإنسان بالعلم والفهم وبذل الجهد في الوصول إلى الحق; فلا بد أن يصل إليه حتى في المعاملات، قال تعالى: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ، [النساء: من الآية٨٢] ، وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ ، [المؤمنون: من الآية٦٨] ، وقال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، [صّ: من الآية٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ ، [النحل: من الآية٨٩] ، فكل شيء يحتاجه الإنسان في دينه أو دنياه; فإن القرآن بينه بيانا شافيا.стр. 734
......................................................................
الحواشي
(١) ومن سن قوانين تخالف الشريعة وادعى أنها من المصالح المرسلة; فهو كاذب في دعواه لأن المصالح المرسلة والمقيدة إن اعتبرها الشرع ودل عليها فهي حق ومن الشرع، وإن لم يعتبرها; فليست مصالح، ولا يمكن أن تكون كذلك، ولهذا كان الصواب أنه ليس هناك دليل يسمى بالمصالح المرسلة، بل ما اعتبره الشرع; فهو مصلحة، وما نفاه; فليس بمصلحة، وما سكت عنه; فهو عفو.
والمصالح المرسلة توسع فيها كثير من الناس; فأدخل فيها بعض المسائل المنكرة من البدع وغيرها; كعيد ميلاد الرسول، فزعموا أن فيه شحذا للهمم وتنشيطا للناس لأنهم نسوا ذكر رسول الله (وهذا باطل; لأن جميع المسلمين في كل صلاة يشهدون أن محمدا عبده ورسوله ويصلون عليه.
والذي لا يحيى قلبه بهذا وهو يصلي بين يدي ربه كيف يحيا قلبه بساعة يؤتى فيها بالقصائد الباطلة التي فيها من الغلو ما ينكره رسول الله ﷺ ؟! فهذه مفسدة وليست بمصلحة.
فالمصالح المرسلة وإن وضعها بعض أهل العلم المجتهدين الكبار; فلا شك أن مرادهم نصر الله ورسوله، ولكن استخدمت هذه المصالح في غير ما أراده أولئك العلماء وتوسع فيها، وعليه; فإنها تقاس بالمعيار الصحيح، فإن اعتبرها الشرع قبلت، وإلا; فكما قال الإمام مالك: (كل أحد يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر (وهناك قواعد كليات تطبق عليها الجزئيات.
وليعلم أنه يجب على الإنسان أن يتقي ربه في جميع الأحكام; فلا يتسرع في البت بها خصوصا في التكفير الذي صار بعض أهل الغيرة والعاطفة يطلقونه بدون تفكير ولا روية، مع أن الإنسان إذا كفر شخصا،стр. 735
......................................................................
الحواشي
(١) ؛ فلم يؤاخذ بذلك.
_________(١) أخرجه البخاري في (الدعوات, باب التوبة/٤/١٥٤) , ومسلم في (التوبة, باب في الحض على التوبة/٤/٢١٠٣) ; من حديث أنس ﵁.стр. 736
فيه مسائل:
الأولى: (تفسير آية النور) .
الثانية: (تفسير آية براءة) .
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الحواشي
(١) قوله: "فيه مسائل":
الأولى: تفسير آية النور: وهي قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، [النور: من الآية٦٣] ، وسبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية براءة: وهي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، [التوبة: من الآية٣١] ، الآية، وقد سبق ذلك.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي: لأن العبادة هي التعبد لهم بالطاعة، والتذلل لهم بالركوع والسجود والنذر وما أشبهه، لكن بين (المراد من عبادتهم بأنها طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر وتمثيل أحمد بسفيان: أي: إذا كان أبو بكر وعمر لا يمكن أن يعارض قول النبي (بقولهما; فما بالك بمن عارض قوله النبي (بقول من دونهما؟! فهو أشد وأقبح، وكذلك مثل الإمام أحمد بسفيان الثوري وأنكر على من أخذ برأيه وترك ما صح به الإسناد عن رسول الله (واستدل بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ، الآية، [النور: من الآية٦٣] .стр. 737
الخامسة: تحول الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
الحواشي
(١) ، وقال النبي (للصحابة:
_________(١) أخرجه البخاري في (الفتن, باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه/٤/٣١٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.стр. 738
......................................................................
الحواشي
(١) ، وعصر الصحابة أقرب إلى الهدى من عصر من بعدهم، والناس لا يحسون بالتغير; لأن الأمور تأتي رويدا رويدا، ولو غاب أحد مدة طويلة ثم جاء; لوجد التغير الكثير المزعج - نسأل الله السلامة -، فعلينا الحذر، وأن نعلم أن شرع الله يجب أن يحمى، وأن يصان، ولا يطاع أحد في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله أبدا مهما كانت منزلته، وأن الواجب أن نكون عبادا لله (، تذللا وتعبدا وطاعة.
_________(١) سبق تخريجه (ص ١٥١) .стр. 739
باب قول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾
...
باب قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، الآيات، [النساء:٦٠] .
.......................................................................
الحواشي
(١) هذا الباب له صلة قوية بما قبله; لأن ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله وقد ذكر الشيخ ﵀ فيه أربع آيات:
الآية الأولى ما جعلها ترجمة للباب، وهي قوله تعالى:
" ألم تر": الاستفهام يراد به التقرير والتعجب من حالهم، والخطاب للنبي (.
قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ، هذا يعين أن يكون الخطاب للنبي (هنا، ولم يقل الذين آمنوا; لأنهم لم يؤمنوا، بل يزعمون ذلك وهم كاذبون. والذي أنزل إلى النبي (الكتاب والحكمة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، [النساء: من الآية١١٣] ، قال المفسرون: الحكمة السنة، وهم يزعمون أنهم آمنوا بذلك، لكن أفعالهم تكذب أقوالهم؛стр. 740
......................................................................
الحواشي
(١) حيث يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت لا إلى الله ورسوله.
قوله: "إلى الطاغوت": صيغة مبالغة من الطغيان; ففيه اعتداء وبغي، والمراد به هنا كل حكم خالف حكم الله ورسوله، وكل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، أما الطاغوت بالمعنى الأعم; فقد حده ابن القيم بأنه: "كل ما تجاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع"، وقد تقدم الكلام عليه في أول كتاب التوحيد١.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ، أي: أمرهم الله بالكفر بالطاغوت أمرا ليس فيه لبس ولا خفاء، فمن أراد التحاكم إليه; فهذه الإرادة على بصيرة; إذ الأمر قد بين لهم.
قوله: "ويريد الشيطان": جنس يشمل شياطين الإنس والجن.
قوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، أي: يوقعهم في الضلال البعيد عن الحق، ولكن لا يلزم من ذلك أن ينقلهم إلى الباطل مرة واحدة، ولكن بالتدريج.
فقوله: "بعيدا" أي: ليس قريبا، لكن بالتدريج شيئا فشيئا؛ حتى يوقعهم في الضلال البعيد.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ، أي: قال لهم الناس: أقبلوا " إلى ما أنزل الله" من القرآن "وإلى الرسول" نفسه في حياته، وسنته بعد وفاته، والمراد هنا الرسول ﷺ نفسه في حياته.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ، الرؤية هنا رؤية
_________
١سبق في المجلد الأول. صследующие страницы →