Полный текст (1 122 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
فيه مسائل:
الأولى: (تفسير آية النور) .
الثانية: (تفسير آية براءة) .
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر، وتمثيل أحمد بسفيان.
الحواشي
(١) قوله: "فيه مسائل":
الأولى: تفسير آية النور: وهي قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ، [النور: من الآية٦٣] ، وسبق تفسيرها.
الثانية: تفسير آية براءة: وهي قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، [التوبة: من الآية٣١] ، الآية، وقد سبق ذلك.
الثالثة: التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي: لأن العبادة هي التعبد لهم بالطاعة، والتذلل لهم بالركوع والسجود والنذر وما أشبهه، لكن بين (المراد من عبادتهم بأنها طاعتهم في تحليل الحرام وتحريم الحلال.
الرابعة: تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر وتمثيل أحمد بسفيان: أي: إذا كان أبو بكر وعمر لا يمكن أن يعارض قول النبي (بقولهما; فما بالك بمن عارض قوله النبي (بقول من دونهما؟! فهو أشد وأقبح، وكذلك مثل الإمام أحمد بسفيان الثوري وأنكر على من أخذ برأيه وترك ما صح به الإسناد عن رسول الله (واستدل بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ ، الآية، [النور: من الآية٦٣] .стр. 737
الخامسة: تحول الأحوال إلى هذه الغاية، حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية، وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين.
الحواشي
(١) ، وقال النبي (للصحابة:
_________(١) أخرجه البخاري في (الفتن, باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه/٤/٣١٥) من حديث أنس بن مالك ﵁.стр. 738
......................................................................
الحواشي
(١) ، وعصر الصحابة أقرب إلى الهدى من عصر من بعدهم، والناس لا يحسون بالتغير; لأن الأمور تأتي رويدا رويدا، ولو غاب أحد مدة طويلة ثم جاء; لوجد التغير الكثير المزعج - نسأل الله السلامة -، فعلينا الحذر، وأن نعلم أن شرع الله يجب أن يحمى، وأن يصان، ولا يطاع أحد في تحليل ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله أبدا مهما كانت منزلته، وأن الواجب أن نكون عبادا لله (، تذللا وتعبدا وطاعة.
_________(١) سبق تخريجه (ص ١٥١) .стр. 739
باب قول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك﴾
...
باب قوله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، الآيات، [النساء:٦٠] .
.......................................................................
الحواشي
(١) هذا الباب له صلة قوية بما قبله; لأن ما قبله فيه حكم من أطاع العلماء والأمراء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، وهذا فيه الإنكار على من أراد التحاكم إلى غير الله ورسوله وقد ذكر الشيخ ﵀ فيه أربع آيات:
الآية الأولى ما جعلها ترجمة للباب، وهي قوله تعالى:
" ألم تر": الاستفهام يراد به التقرير والتعجب من حالهم، والخطاب للنبي (.
قوله: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ، هذا يعين أن يكون الخطاب للنبي (هنا، ولم يقل الذين آمنوا; لأنهم لم يؤمنوا، بل يزعمون ذلك وهم كاذبون. والذي أنزل إلى النبي (الكتاب والحكمة، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ ، [النساء: من الآية١١٣] ، قال المفسرون: الحكمة السنة، وهم يزعمون أنهم آمنوا بذلك، لكن أفعالهم تكذب أقوالهم؛стр. 740
......................................................................
الحواشي
(١) حيث يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت لا إلى الله ورسوله.
قوله: "إلى الطاغوت": صيغة مبالغة من الطغيان; ففيه اعتداء وبغي، والمراد به هنا كل حكم خالف حكم الله ورسوله، وكل حاكم يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله، أما الطاغوت بالمعنى الأعم; فقد حده ابن القيم بأنه: "كل ما تجاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع"، وقد تقدم الكلام عليه في أول كتاب التوحيد١.
قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ ، أي: أمرهم الله بالكفر بالطاغوت أمرا ليس فيه لبس ولا خفاء، فمن أراد التحاكم إليه; فهذه الإرادة على بصيرة; إذ الأمر قد بين لهم.
قوله: "ويريد الشيطان": جنس يشمل شياطين الإنس والجن.
قوله: ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ ، أي: يوقعهم في الضلال البعيد عن الحق، ولكن لا يلزم من ذلك أن ينقلهم إلى الباطل مرة واحدة، ولكن بالتدريج.
فقوله: "بعيدا" أي: ليس قريبا، لكن بالتدريج شيئا فشيئا؛ حتى يوقعهم في الضلال البعيد.
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ، أي: قال لهم الناس: أقبلوا " إلى ما أنزل الله" من القرآن "وإلى الرسول" نفسه في حياته، وسنته بعد وفاته، والمراد هنا الرسول ﷺ نفسه في حياته.
قوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ ، الرؤية هنا رؤية
_________
١سبق في المجلد الأول. صстр. 741
......................................................................
الحواشي
(١) حال، لا رؤية بصر، بدليل قوله: " تعالوا"; فهي تدل على أنهم ليسوا حاضرين عنده. والمعنى: كأنما تشاهدهم.
وقوله: "يصدون عنك صدودا": يعرضون عنك إعراضا.
وقوله: "رأيت المنافقين": إظهار في موضع الإضمار لثلاث فوائد:
الأولى: أن هؤلاء الذين يزعمون الإيمان كانوا منافقين.
الثانية: أن هذا لا يصدر إلا من منافق; لأن المؤمن حقا لا بد أن ينقاد لأمر الله ورسوله بدون صدود.
الثالثة: التنبيه; لأن الكلام إذا كان على نسق واحد قد يغفل الإنسان عنه، فإذا تغير، حصل له انتباه.
وقوله: "رأيت المنافقين" جواب "إذا"، وكلمة "صد" تستعمل لازمة; أي: يوصف بها الشخص ولا يتعداه إلى غيره، ومصدرها صدود; كما في هذه الآية، ومتعدية; أي: صد غيره، ومصدرها صد; كما في قوله تعالى: ﴿وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، [الفتح: من الآية٢٥] .
وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ ، [النساء:٦٢] ، الاستفهام هنا يراد به التعجب; أي: كيف حالهم إذا أصابتهم مصيبة، والمصيبة هنا تشمل المصيبة الشرعية والدنيوية لعدم تضاد المعنيين.
فالدنيوية مثل: الفقر، والجدب، وما أشبه ذلك، فيأتون يشكون إلى النبي ﷺ فيقولون: أصابتنا هذه المصائب ونحن ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق.стр. 742
.................
الحواشي
(١) والشرعية: إذا أظهر الله رسوله على أمرهم; خافوا وقالوا: يا رسول الله! ما أردنا إلا الإحسان والتوفيق.
قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ، الباء: هنا للسببية، و "ما" اسم موصول، و "قدمت" صلته، والعائد محذوف تقديره بما قدمته أيديهم، وفي اللغة العربية يطلق هذا التعبير باليد ويراد به نفس الفاعل; أي: بما قدموه من الأعمال السيئة.
وقوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً﴾ ، "إن" بمعنى: "ما"; أي: ما أردنا إلا إحسانا بكوننا نسلم من الفضيحة والعار، وتوفيقا بين المؤمنين والكافرين أو بين طريق الكفر وطريق الإيمان; أي: نمشي معكم ونمشي مع الكفار، وهذه حال المنافقين; فهم قالوا: أردنا أن نحسن المنهج والمسلك مع هؤلاء وهؤلاء ونوفق بين الطرفين.
قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ، [النساء: من الآية٦٣] ، توعدهم الله بأنه يعلم ما في قلوبهم من النفاق والمكر والخداع; فالله علام الغيوب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الِْإنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ ، [قّ: من الآية١٦] ، بل إن الله أعلم منك بما فيك، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ ، [الأنفال: من الآية٢٤] ، وهذا من أعظم ما يكون من العلم والخبرة، أن الله يحول بين المرء وقلبه، ولهذا قيل لأعرابي: "بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم".
فالإنسان يعزم على الشيء ثم لا يدري إلا وعزيمته منتقضة، بدون سبب ظاهر.
قوله: "فأعرض عنهم": وهذا من أبلغ ما يكون من الإهانة والاحتقار.стр. 743
............................................................................................
الحواشي
(١) قوله: "وعظهم": أي: ذكرهم وخوفهم، لكن لا تجعلهم أكبر همك; فلا تخفهم، وقم بما يجب عليك من الموعظة لتقوم عليهم الحجة.
قوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً﴾ ، اختلف المفسرون فيها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن الجار والمجرور في أنفسهم متعلق ببليغ; أي: قل لهم قولا بليغا في أنفسهم; أي: يبلغ في أنفسهم مبلغا مؤثرا.
الثاني: أن المعنى: انصحهم سرا في أنفسهم.
الثالث: أن المعنى: قل لهم في أنفسهم (أي: في شأنهم وحالهم) قولا بليغا في قلوبهم يؤثر عليها، والصحيح أن الآية تشمل المعاني الثلاثة; لأن اللفظ صالح لها جميعا، ولا منافاة بينها، وهذه قاعدة في التفسير ينبغي التنبه لها، وهي أن المعاني المحتملة للآية والتي قال بها أهل العلم، إذا كانت الآية تحتملها وليس بينها تعارض: فإنه يؤخذ بجميع المعاني.
وبلاغة القول تكون في أمور:
الأول: هيئة المتكلم بأن يكون إلقاؤه على وجه مؤثر.
وكان النبي ﷺ إذا خطب; احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه؛ حتى كأنه منذر جيشا، يقول: صبحكم ومساكم١.
الثاني: أن تكون ألفاظه جزلة، مترابطة، محددة الموضوع.
_________
١أخرجه مسلم في (الجمعة, باب تخفيف الصلاة والخطبة/٢/٥٩٢) من حديث جابر بن عبد الله ﵁.стр. 744
قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، [البقرة:١١] .
الحواشي
(١) الثالث: أن يبلغ من الفصاحة غايتها بحسب الإمكان، بأن يكون كلامه: سليم التركيب، موافقا للغة العربية، مطابقا لمقتضى الحال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن هذه الآيات تنطبق تماما على أهل التحريف والتأويل في صفات الله; لأن هؤلاء يقولون: إنهم يؤمنون بالله ورسوله، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول; يعرضون، ويصدون، ويقولون: نذهب إلى فلان وفلان، وإذا اعترض عليهم; قالوا: نريد الإحسان والتوفيق، وأن نجمع بين دلالة العقل ودلالة السمع". ذكره ﵀ في "الفتوى الحموية".
الآية الثانية قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ : الإفساد في الأرض نوعان:
الأول: إفساد حسي مادي، وذلك مثل هدم البيوت وإفساد الطرق وما أشبه ذلك.
الثاني: إفساد معنوي، وذلك بالمعاصي; فهي من أكبر الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ، [الروم:٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ ، [الشورى:٣٠] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِстр. 745
وقوله: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ، [الأعراف: من الآية٥٦] .
الحواشي
(١) وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ، الأعراف: من الآية٩٦] .وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ ، [المائدة: الآية٦٥-٦٦] .
قوله: "إنما نحن مصلحون": وهذه دعوى من أبطل الدعاوى، حيث قالوا: ما حالنا وما شأننا إلا الإصلاح. ولهذا قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية١٢] ، "ألا": أداة استفتاح، والجملة مؤكدة بأربع مؤكدات، وهي: "ألا"، و"إن"، وضمير الفصل "هم"، والجملة الاسمية; فالله قابل حصرهم بأعظم منه; فهؤلاء الذين يفسدون في الأرض ويدعون الإصلاح؛ هم المفسدون حقيقة لا غيرهم.
ومناسبة الآية للباب ظاهرة، وذلك أن التحاكم إلى غير ما أنزل الله من أكبر أسباب الفساد في الأرض.
الآية الثالثة قوله تعالى: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ؛ يشمل الفساد المادي والمعنوي كما سبق.
قوله: "بعد إصلاحها": من قبل المصلحين، ومن ذلك الوقوف ضد دعوة أهل العلم، والوقوف ضد دعوة السلف، وضد من ينادي بأن يكون الحكم بما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ .
وقوله: "بعد إصلاحها": من باب تأكيد اللوم والتوبيخ; إذ كيف يفسد الصالح وهذا غاية ما يكون من الوقاحة، والخبث، والشر! فالإفسادстр. 746
وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، الآية، [المائدة: من الآية٥٠] .
الحواشي
(١) بعد الإصلاح أعظم وأشد من أن يمضي الإنسان في فساده قبل الإصلاح، وإن كان المطلوب هو الإصلاح بعد الفساد.
ومناسبة الآية للباب: أن التحاكم إلى ما أنزل الله هو الإصلاح، وأن التحاكم إلى غيره هو الإفساد.
الآية الرابعة قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، الاستفهام للتوبيخ، و"حكم": مفعول مقدم ل "يبغون"، وقدم لإفادة الحصر، والمعنى: أفلا يبغون إلا حكم الجاهلية.
و"يبغون": يطلبون، والإضافة في قوله: "أفحكم الجاهلية" تحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكون المعنى: أفحكم أهل الجاهلية الذين سبقوا الرسالة يبغون، فيريدون أن يعيدوا هذه الأمة إلى طريق الجاهلية التي أحكامها معروفة، ومنها: البحائر، والسوائب، وقتل الأولاد.
ثانيها: أن يكون المعنى: أفحكم الجهل الذي لا يبنى على العلم يبغون، سواء كانت عليه الجاهلية السابقة أم لم تكن، وهذا أعم.
والإضافة للجاهلية تقتضي التقبيح والتنفير، وكل حكم يخالف حكم الله; فهو جهل وجهالة.
فإن كان مع العلم بالشرع; فهو جهالة، وإن كان مع خفاء الشرع; فهو جهل، والجهالة هي العمل بالخطأ سفها لا جهلا، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُстр. 747
......................................................................
الحواشي
(١) عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ ، [النساء: من الآية١٧] ، وأما من يعمل السوء بجهل فلا ذنب عليه، لكن عليه أن يتعلم. قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً﴾ ، "من": اسم استفهام بمعنى النفي; أي: لا أحد أحسن من الله حكما، وهذا النفي مشرب معنى التحدي; فهو أبلغ من قول: لا أحسن من الله حكما; لأنه متضمن للنفي وزيادة.
وقوله: "حكما": تمييز; لأنه بعد اسم التفضيل، وهو مبهم; فبين هذا التمييز المبهم وميزه. والحكم هنا يشمل الكوني والشرعي.
فإن قيل: يوجد في الأحكام الكونية ما هو ضار مثل الزلازل والفيضانات وغيرها; فأين الحسن في ذلك؟
أجيب: أن الغايات المحمودة في هذه الأمور تجعلها حسنة، كما يضرب الإنسان ولده تربية له، فيعد هذا الضرب فعلا حسنا; فكذلك الله يصيب بعض الناس بهذه المصائب لتربيتهم، قال تعالى في القرية التي قلب الله أهلها قردة خاسئين: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ ، [البقرة:٦٦] ، وهذا الحسن في حكم الله ليس بينا لكل أحد، كما قال تعالى: "لقوم يوقنون"، وكلما ازداد العبد يقينا وإيمانا ازداد معرفة بحسن أحكام الله، وكلما نقص إيمانه ويقينه ازداد جهلا بحسن أحكام الله، ولذلك تجد أهل العلم الراسخين فيه إذا جاءت الآيات المتشابهات بينوا وجه ذلك بأكمل بيان ولا يرون في ذلك تناقضا، وعلى هذا; فإنه يتبين قوة الإيمان واليقين بحسب ما حصل للإنسان من معرفته بحسن أحكام الله الكونية والشرعية.стр. 748
وعن عبد الله بن عمر; أن رسول الله ﷺ قال: " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به "١........................................
الحواشي
(١٥) , والخطيب في "التاريخ" (٤/٣٦٩) , والبغوي في "شرح السنة" (١/٢١٢) , وابن الجوزي في "ذم الهوى" (ص ١٨) . وانظر: كلام ابن رجب على سند الحديث في "جامع العلوم والحكم" حديث رقم(٤١) .стр. 749
قال النووي: " حديث صحيح، رويناه في كتاب " الحجة"، بإسناد صحيح"١.
وقال الشعبي: " كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود
الحواشي
(١) الإيمان، قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ، [الجاثية: من الآية٢٣] ، وقال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ ، [محمد: من الآية١٤] ، وغيرها من الآيات الدالة على ذم من اتبع هواه، ولكن إذا كان الهوى تبعا لما جاء به النبي ﷺ كان محمودا، وهو من كمال الإيمان.
وقد سبق بيان أن من اعتقد أن حكم غير الله مساو لحكم الله، أو أحسن، أو أنه يجوز التحاكم إلى غير الله; فهو كافر. وأما من لم يكن هواه تبعا لما جاء به النبي ﷺ فإن كان كارها له; فهو كافر، وإن لم يكن كارها ولكن آثر محبة الدنيا على ذلك; فليس بكافر، لكن يكون ناقص الإيمان.
قوله: "قال النووي: حديث صحيح": صححه النووي وغيره، وضعفه جماعة من أهل العلم، منهم ابن رجب في كتابه "جامع العلوم والحكم"، ولكن معناه صحيح.
قوله في أثر الشعبي: "وقال الشعبي": أي: في تفسير الآية.
قوله: "رجل من المنافقين": هو من يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وسمي منافقا من النافقاء، وهي جحر اليربوع، واليربوع له جحر له باب وله نافقاء - أي يحفر في الأرض خندقا حتى يصل منتهى جحره ثم يحفر إلى أعلى، فإذا بقي شيء قليل بحيث يتمكن من دفعه برأسه توقف -، فإذا حجر عليه من الباب خرج من النافقاء.
قوله: "ورجل من اليهود": اليهود هم المنتسبون إلى دين موسى
_________
١"الأربعون النووية" (حديث رقم ٤١) .стр. 750
خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد; عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود; لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه، فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ ، الآية، [النساء: من الآية٦٠] "١.
الحواشي
(١) ﵇، وسموا بذلك إما من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ، أي: رجعنا، أو نسبة إلى أبيهم يهوذا، ولكن بعد التعريب صار بالدال.
قوله: "إلى محمد": أي: النبي ﷺ ولم يذكره بوصف الرسالة; لأنهم لا يؤمنون برسالته، ويزعمون أن النبي الموعود به سيأتي.
قوله: "عرف أنه لا يأخذ الرشوة": تعليل لطلب التحاكم إلى النبي ﷺ . والرشوة: مثلثة الراء; فيجوز الرِّشوة، والرَّشوة، والرُّشوة.
والرشوة هي: المال المدفوع للتوصل إلى شيء.
قال أهل العلم: "لا تكون محرمة إلا إذا أراد الإنسان أن يتوصل بها إلى باطل أو دفع حق، أما من بذلها ليتوصل بها إلى حق له منع منه أو ليدفع بها باطلا عن نفسه; فليست حراما على الباذل، أما على آخذها; فحرام".
قوله: "فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة": كأنه صار بينهما خلاف، وأبى المنافق أن يتحاكما إلى النبي ﷺ .
والكاهن: من يدعي علم الغيب في المستقبل، وكان للعرب كهان تنزل عليهم الشياطين بخبر السماء، فيقولون: سيحدث كذا وكذا، فربما أصابوا مرة من المرات، وربما أخطئوا، فإذا أصابوا ادعوا علم الغيب،
_________
١أخرجه ابن جرير (٥/٩٧) عن الشعبي مرسلا.стр. 751
وقيل: " نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي ﷺ وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله ﷺ أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله"١.
الحواشي
(١) فكان العرب يتحاكمون إليهم; فنزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ ، الآية.
قوله: "وقيل": ذكر هذه القصة بصيغة التمريض، لكن ذكر في "تيسير العزيز الحميد" أنها رويت من طرق متعددة، وأنها مشهورة متداولة بين السلف والخلف تداولا يغني عن الإسناد، ولها طرق كثيرة ولا يضرها ضعف إسنادها. اه.
قوله: "رجلين": هما مبهمان; فيحتمل أن يكونا من المسلمين المؤمنين، ويحتمل أن يكونا من المنافقين، ويحتمل غير ذلك.
قوله: "إلى كعب بن الأشرف": وهو رجل من زعماء بني النضير.
قوله: "أكذلك": خبر لمبتدأ محذوف، التقدير: أكذلك الأمر.
قوله: "فضربه بالسيف": الضارب عمر.
وهذه القصة والتي قبلها تدل على أن من لم يرض بحكم رسول الله ﷺ كافر يجب قتله، ولهذا قتله عمر ﵁.
_________
١علقه الواحدي في "أسباب النزول" (ص١٠٧, ١٠٨) , والبغوي في "تفسيره" (١/٥٥٢) , وقد أشار الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلى ضعفه بقوله: "وقيل ... ". وانظر: "تيسير العزيز" (ص٥٧٣) .стр. 752
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ ، [البقرة: من الآية١١] ، الآية.
الحواشي
(١) فإن قيل: كيف يقتله عمر ﵁ والأمر إلى الإمام وهو النبي ﷺ ؟
أجيب: أن الظاهر أن عمر لم يملك نفسه لقوة غيرته فقتله; لأنه عرف أن هذا ردة عن الإسلام، وقد قال النبي ﷺ "من بدل دينه فاقتلوه"١.
فيه مسائل:
الأولى: "تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت": وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ ، [النساء: من الآية٦٠] .
وقوله: "وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت": أي: أن الطاغوت مشتق من الطغيان، وإذا كان كذلك; فيشمل كل ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع; فالأصنام والأمراء والحكام الذين يحلون الحرام ويحرمون الحلال طواغيت.
الثانية: تفسير آية البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا
_________
١أخرجه البخاري في (الجهاد, باب لا يعذب بعذاب الله/٤/٣٦٣) من حديث ابن عباس.стр. 753
الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ، [الأعراف: من الآية٥٦] .
الرابعة: تفسير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، [المائدة: من الآية٥٠] .
الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب.
السابعة: قصة عمر مع المنافق.
الحواشي
(١) إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية١١] : ففيها دليل على أن النفاق فساد في الأرض; لأنها في سياق المنافقين، والفساد يشمل جميع المعاصي.
الثالثة: تفسير آية الأعراف: ﴿وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا﴾ ، وقد سبق.
الرابعة: تفسير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ ، وقد سبق ذلك، وقد بينا أن المراد بحكم الجاهلية كل ما خالف الشرع، وأضيف للجاهلية للتنفير منه وبيان قبحه، وأنه مبني على الجهل والضلال.
الخامسة: ما قال الشعبي في سبب نزول الآية الأولى: وقد سبق.
السادسة: تفسير الإيمان الصادق والكاذب: فالإيمان الصادق يستلزم الإذعان التام والقبول والتسليم لحكم الله ورسوله، والإيمان الكاذب بخلاف ذلك.
السابعة: قصة عمر مع المنافق: حيث جعل عدوله عن الترافع إلى النبي ﷺ مبيحا لقتله لردته، وأقدم على قتله لقوة غيرته فلم يملك نفسه.стр. 754
الثامنة: كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ .
الحواشي
(١) الثامنة: كون الأيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به الرسول ﷺ وهذا واضح من الحديث.стр. 755
باب: من جحد شيئا من الأسماء والصفات:
.......................................................................
الحواشي
(١) الجحد: الإنكار، والإنكار نوعان:
الأول: إنكار تكذيب، وهذا كفر بلا شك، فلو أن أحدا أنكر اسما من أسماء الله أو صفة من صفاته الثابتة في الكتاب والسنة، مثل أن يقول: ليس لله يد، أو أن الله لم يستو على عرشه، أو ليس له عين، فهو كافر بإجماع المسلمين; لأن تكذيب خبر الله ورسوله كفر مخرج عن الملة بالإجماع.
الثاني: إنكار تأويل، وهو أن لا ينكرها، ولكن يتأولها إلى معنى يخالف ظاهرها، وهذا نوعان:
١- أن يكون للتأويل مسوغ في اللغة العربية; فهذا لا يوجب الكفر.
٢- أن لا يكون له مسوغ في اللغة العربية; فهذا حكمه الكفر؛ لأنه إذا لم يكن له مسوغ صار في الحقيقة تكذيبا، مثل أن يقول: المراد بقوله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ، [القمر: من الآية١٤] ، تجري بأراضينا; فهذا كافر لأنه نفاها نفيا مطلقا، فهو مكذب.
ولو قال في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ، [المائدة: من الآية٦٤] ، المراد بيديه: السماوات والأرض; فهو كفر أيضا لأنه لا مسوغ له في اللغة العربية، ولا هو مقتضى الحقيقة الشرعية; فهو منكر ومكذب، لكن إنстр. 756
......................................................................
الحواشي
(١) قال: المراد باليد النعمة أو القوة; فلا يكفر لأن اليد في اللغة تطلق بمعنى النعمة، قال الشاعر:
وكم لظلام الليل عندك من يد ... تحدث أن المانوية تكذب
فقوله: "من يد"; أي: من نعمة; لأن المانوية يقولون: إن الظلمة لا تخلق الخير، وإنما تخلق الشر.
قوله: "من الأسماء": جمع اسم، واختلف في اشتقاقه:
فقيل: من السمو، وهو الارتفاع، ووجه هذا أن المسمى يرتفع باسمه ويتبين ويظهر.
وقيل: من السمة وهي العلامة، ووجهه: أنه علامة على مسماه.
والراجح أنه مشتق من كليهما.
والمراد بالأسماء هنا: أسماء الله ، وبالصفات صفات الله ، والفرق بين الاسم والصفة أن الاسم ما تسمى به الله، والصفة ما اتصف به.
البحث في أسماء الله:
المبحث الأول١:
أن أسماء الله أعلام وأوصاف، وليست أعلاما محضة; فهي من حيث دلالتها على ذات الله تعالى أعلام، ومن حيث دلالتها على الصفة التي يتضمنها هذا الاسم أوصاف، بخلاف أسمائنا; فالإنسان يسمي ابنه محمدا وعليا دون أن يلحظ معنى الصفة، فقد يكون اسمه عليا وهو من أوضع الناس، أو عبد الله وهو من أكفر الناس، بخلاف أسماء الله; لأنها متضمنة للمعاني، فالله هو العلي لعلو ذاته وصفاته، والعزيز يدل على العزة، والحكيم يدل على الحكمة، وهكذا.
_________
١انظر: (باب احترام أسماء الله تعالى) .стр. 757
......................................................................
الحواشي
(١) ودلالة الاسم على الصفة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: دلالة مطابقة، وهي دلالته على جميع معناه المحيط به.
الثاني: دلالة تضمن، وهي دلالته على جزء معناه.
الثالث: دلالة التزام، وهي دلالته على أمر خارج لازم.
مثال ذلك: الخالق يدل على ذات الله وحده، وعلى صفة الخلق وحدها دلالة تضمن، ويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق فيه دلالة مطابقة، ويدل على العلم والقدرة دلالة التزام.
كما قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ، [الطلاق:١٢] ; فعلمنا القدرة من كونه خلق السماوات والأرض، وعلمنا العلم من ذلك أيضا; لأن الخلق لا بد فيه من علم، فمن لا يعلم لا يخلق، وكيف يخلق شيئا لا يعلمه؟!
المبحث الثاني:
أن أسماء الله مترادفة متباينة.
المترادف: ما اختلف لفظه واتفق معناه; والمتباين: ما اختلف لفظه ومعناه; فأسماء الله مترادفة باعتبار دلالتها على ذات الله لأنها تدل على مسمى واحد، فالسميع، البصير، العزيز، الحكيم; كلها تدل على شيء واحد هو الله، ومتباينة باعتبار معانيها; لأن معنى الحكيم غير معنى السميع، وغير معنى البصير، وهكذا.
المبحث الثالث:
أسماء الله ليست محصورة بعدد معين، والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلمстр. 758
......................................................................
الحواشي
(٢٣٧٢) , والطبراني في "الكبير"(١٠٣٥٢) , والحاكم (١/ ٥٠٩) - وقال: "صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه; فإنه مختلف في سماعه من أبيه". وأخرجه أيضا: البيهقي في "الأسماء" (ص ٦) . والحديث صححه ابن القيم; كما في "بدائع الفوائد" (١/ ١٦٦) , وحسنه الحافظ في "تخريج الأذكار"; كما في "الفتوحات الربانية" (٤/ ١٣) .
٢أخرجه: البخاري في (التوحيد, باب إن لله مائة اسم إلا واحدا, ٤/ ٤٨٢) , ومسلم في (الذكر والدعاء, باب في أسماء الله تعالى, ٤/ ٢٠٦٣) ; من حديث أبي هريرة.стр. 759
.....................................................................
الحواشي
(١) فمثلا: السميع نؤمن بأن من أسمائه تعالى السميع، وأنه دال على صفة السمع، وأن لهذا السمع حكما وأثرا وهو أنه يسمع به; كما قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ، [المجادلة:١] ، أما إن كان الاسم غير متعد; كالعظيم، والحي، والجليل; فنثبت الاسم والصفة، ولا حكم له يتعدى إليه.
المبحث الخامس:
هل أسماء الله تعالى غيره، أو أسماء الله هي الله؟
إن أريد بالاسم اللفظ الدال على المسمى; فهي غير الله وإن أريد بالاسم مدلول ذلك اللفظ; فهي المسمى.
فمثلا: الذي خلق السماوات والأرض هو الله; فالاسم هنا هو المسمى، فليست "اللام- والهاء" هي التي خلقت السماوات والأرض، وإذا قيل: اكتب باسم الله. فكتبت بسم الله; فالمراد به الاسم دون المسمى، وإذا قيل: اضرب زيدا. فضربت زيدا المكتوب في الورقة لم تكن ممتثلا; لأن المقصود المسمى، وإذا قيل: اكتب زيد قائم؛ فالمراد الاسم الذي هو غير المسمى.
البحث في صفات الله:
المبحث الأول:
تنقسم صفات الله إلى ثلاثة أقسام:
الأول: ذاتية ويقال معنوية.
الثاني: فعلية.
الثالث: خبرية.стр. 760
......................................................................
الحواشي
(١) فالصفات الذاتية: هي الملازمة لذات الله، والتي لم يزل ولا يزال متصفا بها، مثل: السمع والبصر، وهي معنوية; لأن هذه الصفات معاني.
والفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته؛ إن شاء فعلها وإن لم يشأ لم يفعلها، مثل: النزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والكلام من حيث آحاده، والخلق من حيث آحاده، لا من حيث الأصل; فأصل الكلام صفة ذاتية، وكذلك الخلق.
والخبرية: هي أبعاض وأجزاء بالنسبة لنا، أما بالنسبة لله; فلا يقال هكذا، بل يقال: صفات خبرية ثبت بها الخبر من الكتاب والسنة، وهي ليست معنى ولا فعلا، مثل: الوجه، والعين، والساق، واليد.
المبحث الثاني:
الصفات أوسع من الأسماء; لأن كل اسم متضمن لصفة، وليس كل صفة تكون اسما، وهناك صفات كثيرة تطلق على الله وليست من أسمائه; فيوصف الله بالكلام والإرادة، ولا يسمى بالمتكلم أو المريد.
المبحث الثالث:
أن كل ما وصف الله به نفسه; فهو حق على حقيقته، لكن ينزه عن التمثيل والتكييف، أما التمثيل; فلقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ، [الشورى: من الآية١١] ، وقوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ، [النحل:٧٤] .
والتعبير بنفي التمثيل أحسن من التعبير بنفي التشبيه; لوجوه ثلاثة:
أحدها: أن التمثيل هو الذي جاء به القرآن وهو منفي مطلقا، بخلاف التشبيه; فلم يأت القرآن بنفيه.стр. 761
......................................................................
الحواشي
(١) الثاني: أن نفي التشبيه على الإطلاق لا يصح ; لأن كل موجودين فلا بد أن يكون بينهما قدر مشترك يشتبهان فيه ويتميز كل واحد بما يختص به; ف: "الحياة" مثلا وصف ثابت في الخالق والمخلوق، فبينهما قدر مشترك، ولكن حياة الخالق تليق به وحياة المخلوق تليق به.
الثالث: أن الناس اختلفوا في مسمى التشبيه، حتى جعل بعضهم إثبات الصفات التي أثبتها الله لنفسه تشبيها، فإذا قلنا من غير تشبيه; فهم هذا البعض من هذا القول نفي الصفات التي أثبتها الله لنفسه.
وأما التكييف; فلا يجوز أن نكيف صفات الله، فمن كيف صفة من الصفات; فهو كاذب عاص، كاذب لأنه قال بما لا علم عنده فيه، عاص لأنه واقع فيما نهى الله عنه وحرمه في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ، [الإسراء: من الآية٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية١٦٩] ، بعد قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ ، الآية، [الأعراف: من الآية٣٣] ، ولأنه لا يمكن إدراك الكيفية; لقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ ، [طه:١١٠] ، وقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ ، [الأنعام: من الآية١٠٣] .
وسواء كان التكييف باللسان تعبيرا أو بالجنان تقديرا، أو بالبنان تحريرا، ولهذا قال مالك ﵀ حين سئل عن كيفية الاستواء: "الكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة"، وليس معنى هذا أن لا نعتقد أن لها كيفية، بل لها كيفية، ولكنها ليست معلومة لنا; لأن ما ليس له كيفية ليس بموجود; فالاستواء، والنزول، واليد، والوجه، والعين، لها كيفية، لكننا لا نعلمها; ففرق بين أن نثبت كيفية معينة ولو تقديرا، وبين أن نؤمن بأن لها كيفية غير معلومة، وهذا هو الواجب; فنقول: لها كيفية، لكن غير معلومة.стр. 762
وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ، الآية، [الرعد: من الآية٣٠] .
الحواشي
(١) فإن قيل: كيف يتصور أن نعتقد للشيء كيفية ونحن لا نعلمها؟
أجيب: إنه متصور; فالواحد منا يعتقد أن لهذا القصر كيفية من داخله، ولكن لا يعلم هذه الكيفية إلا إذا شاهدها، أو شاهد نظيرها، أو أخبره شخص صادق عنها.
قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ، الآية.
"وهم": أي: كفار قريش. ﴿يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ، المراد: أنهم يكفرون بهذا الاسم لا بالمسمى، فهم يقرون به، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه﴾ ، [لقمان: من الآية٢٥] ، وفي حديث سهيل بن عمرو: "لما أراد النبي ﷺ أن يكتب الصلح في غزوة الحديبية قال للكاتب: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال سهيل: أما الرحمن; فوالله ما أدري ما هي ولكن اكتب باسمك اللهم"١، وهذا من الأمثلة التي يراد بها الاسم دون المسمى.
وقد قال الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ، [الإسراء: من الآية١١٠] ; أي: بأي اسم من أسمائه تدعونه; فإن له الأسماء الحسنى فكل أسمائه حسنى; فادعوا بما شئتم من الأسماء، ويراد بهذه الآية الإنكار على قريش.
وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسمائه تعالى فإنه يكفر;
_________
١أخرجه البخاري في (الشروط, باب الشروط في الجهاد/٢/٢٧٩،٢٨٣) .стр. 763
......................................................................
الحواشي
(١) لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ ، ولأنه مكذب لله ولرسوله، وهذا كفر، وهذا وجه استشهاد المؤلف بهذه الآية.
قوله: ﴿لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ ، [الرعد: من الآية٣٠] ، خبر "لا" النافية للجنس محذوف، والتقدير: لا إله حق إلا هو، وأما الإله الباطل; فكثير، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ ، [لقمان: من الآية٣٠] .
قوله: "عليه توكلت": أي: عليه وحده; لأن تقديم المعمول يدل على الحصر، فإذا قلت مثلا: "ضربت زيدا"; فإنه يدل على أنك ضربته، ولكن لا يدل على أنك لم تضرب غيره، وإذا قلت: "زيدا ضربت" دلت على أنك ضربت زيدا ولم تضرب غيره، وسبق معنى التوكل وأحكامه.
قوله: "وإليه متاب": أي: إلى الله، و "متاب" أصلها متابي، فحذفت الياء تخفيفا، والمتاب بمعنى التوبة; فهو مصدر ميمي; أي: وإليه توبتي.
والتوبة: هي الرجوع إلى الله تعالى من المعصية إلى الطاعة، ولها شروط خمسة:
١- الإخلاص لله تعالى بأن لا يحمل الإنسان على التوبة مراعاة أحد أو محاباته أو شيء من الدنيا.
٢- أن تكون في وقت قبول التوبة، وذلك قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت.
٣- الندم على ما مضى من فعله، وذلك بأن يشعر بالتحسر على ما سبق ويتمنى أنه لم يكن.стр. 764
وفي " صحيح البخاري": قال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون،......
الحواشي
(١) ٤- الإقلاع عن الذنب، وعلى هذا، فإذا كانت التوبة من مظالم الخلق; فلا بد من رد المظالم إلى أهلها أو استحلالهم منها.
٥- العزم على عدم العودة.
والتوبة التي لا تكون إلا لله هي توبة العبادة; كما في الآية السابقة، وأما التوبة التي بمعنى الرجوع; فإنها تكون له ولغيره، ومنه قول عائشة حين جاء النبي ﷺ فوجد نمرقة فيها صور، فوقف بالباب ولم يدخل، وقالت: "أتوب إلى الله ورسوله، ماذا أذنبت؟ "١، فليس المراد بالتوبة هنا توبة العبادة; لأن توبة العبادة لا تكون للرسول ﷺ ولا لغيره من الخلق بل لله وحده، ولكن هذه توبة رجوع، ومن ذلك أيضا حين يضرب الإنسان ابنه لسوء أدبه; يقول الابن: أتوب.
قوله في أثر علي ﵁ "حدثوا الناس": أي: كلموهم بالمواعظ وغير المواعظ.
قوله: "بما يعرفون": أي: بما يمكن أن يعرفوه وتبلغه عقولهم؛ حتى لا يفتنوا، ولهذا جاء عن ابن مسعود ﵁ قال: "إنك لن تحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة"٢، ولهذا كان من الحكمة في الدعوة ألا تباغت الناس بما لا يمكنهم إدراكه، بل تدعوهم رويدا رويدا، حتى تستقر عقولهم، وليس معنى "بما يعرفون" أي: بما يعرفونه من قبل; لأن الذي يعرفونه من قبل يكون التحديث به من تحصيل الحاصل.
_________
١أخرجه البخاري في (النكاح, باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة رقم٥١٨١) .
٢أخرجه مسلم في مقدمة "صحيحه" (١/١١) .стр. 765
أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟! "١.
الحواشي
(١٢٧) .
٣أخرجه البخاري في (التهجد, باب الدعاء والصلاة من آخر الليل/١/٣٥٦) , ومسلم في (صلاة المسافرين, باب الترغيب في الدعاء/١/٥٢١) ; من حديث أبي هريرة ﵁. وهو عند مسلم أيضا من حديث أبي سعيد الخدري في الموضع السابق (١/٥٢٢) .стр. 766
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس: "أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي ﷺ في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء؟..........................................
الحواشي
(١) مع ثبوت العلو، فلو حدثت العامي بأنه تعالى نفسه ينزل إلى السماء الدنيا مع علوه على عرشه، فقد يفهم أنه إذا نزل; صارت السماوات فوقه وصار العرش خاليا منه، وحينئذ لا بد في هذا من حديث تبلغه عقولهم، فتبين لهم أن الله ينزل نزولا لا يماثل نزول المخلوقين مع علوه على عرشه، وأنه لكمال فضله ورحمته يقول: " من يدعوني فأستجيب له ... " الحديث.
والعامي يكفيه أن يتصور مطلق المعنى، وأن المراد بذلك بيان فضل الله في هذه الساعة من الليل.
قوله في أثر ابن عباس: "انتفض": أي: اهتز جسمه، والرجل مبهم، والصفة التي حدث بها لم تبين، وبيان ذلك ليس مهما، وهذا الرجل انتفض استنكارا لهذه الصفة لا تعظيما لله، وهذا أمر عظيم صعب; لأن الواجب على المرء إذا صح عنده شيء عن الله ورسوله أن يقر به، ويصدق؛ ليكون طريقه طريق الراسخين في العلم حتى وإن لم يسمعه من قبل، أو يتصوره.
قوله: "ما فرق": فيها: ثلاث روايات:
١- "فَرَقُ"; بفتح الراء، وضم القاف.
٢- "فَرَّقَ": بفتح الراء مشددة، وفتح القاف.
٣- "فَرَقَ"; بفتح الراء مخففة، وفتح القاف.стр. 767
يجدون رقة عند محكمه، ويهلكون عند متشابهه؟! " انتهى١.
الحواشي
(٢٠٨٩٥) , وابن أبي عاصم في "السنة"(٤٨٥) .стр. 768
......................................................................
الحواشي
(١) بعضه بعضا في جودته وكماله، ويصدق بعضه بعضا ولا يتناقض، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً مَثَانِيَ﴾ ، [الزمر: من الآية٢٣] ، والتشابه نوعان: تشابه نسبي، وتشابه مطلق.
والفرق بينهما: أن المطلق يخفى على كل أحد، والنسبي يخفى على أحد دون أحد، وبناء على هذا التقسيم ينبني الوقف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، [آل عمران: من الآية٧] ; فعلى الوقف على "إلا الله" يكون المراد بالمتشابه المتشابه المطلق، وعلى الوصل ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، يكون المراد بالمتشابه المتشابه النسبي.
وللسلف في ذلك قولان:
القول الأول: الوقف على "إلا الله"، وعليه أكثر السلف، وعلى هذا; فالمراد بالمتشابه المتشابه المطلق الذي لا يعلمه إلا الله، وذلك مثل كيفية وحقائق صفات الله، وحقائق ما أخبر الله به من نعيم الجنة وعذاب النار، قال الله تعالى في نعيم الجنة: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ، [السجدة: من الآية١٧] ; أي: لا تعلم حقائق ذلك، ولذلك قال ابن عباس: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأسماء"١.
والقول الثاني: الوصل; فيقرأ: ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ، وعلى هذا; فالمراد بالمتشابه المتشابه النسبي، وهذا يعلمه الراسخون في العلم ويكون عند غيرهم متشابها، ولهذا يروى عن ابن عباس; أنه قال: "أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله"٢، ولم يقل هذا مدحا لنفسه أو
_________
١أخرجه ابن حزم في "الفصل" (٢/١٠٨) - وقال: "هذا سند غاية في الصحة"-. وقال المنذري في "الترغيب" (٤/٥٦٠) : "رواه البيهقي موقوفا بإسناد جيد".
٢انظر قوله في: "تفسير الطبري" (٣/ ١٨٣) .стр. 769
......................................................................
الحواشي
(١) ثناء عليها، ولكن ليعلم الناس أنه ليس في كتاب الله شيء لا يعرف معناه; فالقرآن معانيه كلها بينة، لكن بعض القرآن يشتبه على ناس دون آخرين، حتى العلماء الراسخون في العلم يختلفون في معنى القرآن، وهذا يدل على أنه خفي علىبعضهم، والصواب بلا شك مع أحدهم؛ إذا كان اختلافهم اختلاف تضاد لا تنوع، أما إذا كانت الآية تحتمل المعنيين جميعا، بلا منافاة ولا مرجح لأحدهما; فإنها تحمل عليهما جميعا.
وبعض أهل العلم يظنون أن في القرآن ما لا يمكن الوصول إلى معناه; فيكون من المتشابه المطلق، ويحملون آيات الصفات على ذلك، وهذا من الخطأ العظيم; إذ ليس من المعقول أن يقول تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، [صّ: من الآية٢٩] ، ثم تستثنى آيات الصفات وهي أعظم وأشرف موضوعا وأكثر من آيات الأحكام، ولو قلنا بهذا القول; لكان مقتضاه أن أشرف ما في القرآن موضوعا يكون خفيا، ويكون معنى قوله تعالى: ﴿لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ ، أي: آيات الأحكام فقط، وهذا غير معقول، بل جميع القرآن يفهم معناه; إذ لا يمكن أن تكون هذه الأمة من رسول الله ﷺ إلى آخرها لا تفهم معنى القرآن، وعلى رأيهم يكون الرسول ﷺ وأبو بكر وعمر وجميع الصحابة يقرءون آيات الصفات وهم لا يفهمون معناها، بل هي عندهم بمنزلة الحروف الهجائية أ، ب، ت ... والصواب أنه ليس في القرآن شيء متشابه على جميع الناس من حيث المعنى، ولكن الخطأ في الفهم.
فقد يقصر الفهم عن إدراك المعنى أو يفهمه على معنى خطأ، وأما بالنسبة للحقائق، فما أخبر الله به من أمر الغيب، فمتشابه على جميع الناس.стр. 770
ولما سمعت قريش رسول الله ﷺ يذكر الرحمن; أنكروا ذلك، فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ، [الرعد: من الآية٣٠] ،١.
قوله فيه مسائل:
الحواشي
(١) قوله: "ولما سمعت قريش رسول الله يذكر الرحمن": أصل ذلك أن سهيل بن عمرو أحد الذين أرسلتهم قريش لمفاوضة النبي ﷺ في صلح الحديبية، وأمر النبي ﷺ أن يكتب: "بسم الله الرحمن الرحيم"، فقال: "أما الرحمن; فلا والله ما أدري ما هي، وقالوا: إننا لا نعرف رحمانا إلا رحمن اليمامة. فأنكروا الاسم دون المسمى; فأنزل الله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ، أي: بهذا الاسم من أسماء الله.
وفي الآية دليل على أن من أنكر اسما من أسماء الله الثابتة في الكتاب أو السنة; فهو كافر لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ .
وقوله: "ولما سمعت قريش": الظاهر - والله أعلم - أنه من باب العام الذي أريد به الخاص، وليس كل قريش تنكر ذلك، بل طائفة منهم، ولكن إذا أقرت الأمة الطائفة على ذلك ولم تنكر; صح أن ينسب لهم جميعا، بل إن الله نسب إلى اليهود في زمن النبي ﷺ ما فعله أسلافهم في زمن موسى ﵇، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ ، [البقرة: من الآية٦٣] ، وهذا لم يكن في عهد المخاطبين.
فيه مسائل:
_________
١أخرجه ابن جرير (١٣/١٠١) عن مجاهد مرسلا.стр. 771
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله،
الحواشي
(١) الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات: عدم بمعنى انتفاء; أي: انتفاء الإيمان بسبب جحد شيء من الأسماء والصفات، وسبق التفصيل في ذلك.
الثانية: تفسير آية الرعد: وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ، وسبق تفسيرها.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع: وهذا ليس على إطلاقه، وقد سبق التفصيل فيه عند شرح الأثر.
الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر: وهي أن الذي لا يبلغ عقله ما حدث به يفضي به التحديث إلى تكذيب الله ورسوله، فيكذب ويقول: هذا غير ممكن، وهذا يوجد من بعض الناس في أشياء كثيرة مما أخبر به النبي ﷺ مما يكون يوم القيامة; كما أخبر النبي ﷺ : " إن الأرض يوم القيامة تكون خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته "١، وما أشبه ذلك، وكما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة وغير هذه الأمور، لو حدثنا بها إنسانا عاميا لأوشك أن ينكر، لكن يجب أن تبين له بالتدريج؛ حتى يتمكن من عقله، مثل ما نعلم الصبي شيئا فشيئا.
_________
١أخرجه البخاري في (الرقاق, باب يقبض الله الأرض يوم القيامة/٤/١٩٥) , ومسلم في المنافقين, باب نزل أهل الجنة/٤/٢١٥٠) .стр. 772
ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه أهلكه:
الحواشي
(١) وقوله: "ولو لم يتعمد المنكر": أي: ولو لم يقصد المنكر تكذيب الله ورسوله، ولكن كذب نسبة هذا الشيء إلى الله ورسوله، وهذا يعود بالتالي إلى رد خبر الله ورسوله.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه. وذلك قوله: "ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة- أي لينا- عند محكمه فيقبلونه، ويهلكون عند متشابهه"؛ فينكرونه!стр. 773
باب: قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ، الآية، [النحل: من الآية٨٣] .
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله تعالى: " يعرفون ": أي: يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله.
قوله: " نعمة الله ": واحدة والمراد بها الجمع; فهي ليست واحدة، بل هي لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ، [إبراهيم: من الآية٣٤] ، والقاعدة الأصولية: أن المفرد المضاف يعم، والنعمة تكون بجلب المحبوبات، وتطلق أحيانا على رفع المكروهات.
قوله: " ثم ينكرونها ": أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبِّب الذي هو الله - سبحانه -، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، مثل أن يقولوا: ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب.
قوله: "الآية": أي: إلى آخر الآية، وهي منصوبة بفعل محذوف تقديره أكمل الآية.
قوله: (وأكثرهم الكافرون) : أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله الكافرون، أي: الجاحدون كونها من الله أو الكافرون بالله .
وقوله: (أكثرهم) ، بعد قوله (يعرفون) ؛ الجملة الأولى أضافها إلىстр. 774
قال مجاهد ما معناه: "هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي"
الحواشي
(١) الكل، والثانية أضافها إلى الأكثر، وذلك لأن منهم من هو عامي لا يعرف ولا يفهم، ولكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون.
مناسبة هذا الباب للتوحيد:
أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره; فقد جعل معه شريكا في الربوبية لأنه أضافها إلى السبب على أنه فاعل، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات، وترك الشكر مناف للتوحيد; لأن الواجب أن يُشْكَر الخالق المنعم ، فصارت لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة; فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية.
قوله: "قال مجاهد": هو إمام المفسرين في التابعين، عرض المصحف على ابن عباس ﵄ يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها، وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. أي: كافيك، ومع هذا; فليس معصوما عن الخطأ.
قوله: "ما معناه": أي: كلاما معناه، وعلى هذا ف "ما": نكرة موصوفة، وفيه أن الشيخ ﵀ لم ينقله بلفظه.
قوله: "هو قول الرجل": هذا من باب التغليب والتشريف; لأن الرجل أشرف من المرأة وأحق بتوجيه الخطاب إليه منها، وإلا; فالحكم واحد.
قوله: "هذا مالي ورثته عن آبائي": ظاهر هذه الكلمة؛ أنه لا شيءстр. 775
وقال عون بن عبد الله: " يقولون: لولا فلان; لم يكن كذا".
الحواشي
(١) فيها، فلو قال لك واحد: من أين لك هذا البيت؟ قلت: ورثته عن آبائي; فليس فيه شيء لأنه خبر محض.
لكن مراد مجاهد: أن يضيف القائل تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث، متناسيا المسبِّب الذي هو الله; فبتقدير الله أنعم على آبائك وملكوا هذا البيت، وبشرع الله انتقل هذا البيت إلى ملكك عن طريق الإرث; فكيف تتناسى المسبِّب للأسباب القدرية والشرعية فتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم؟! فمن هنا صار هذا القول نوعا من كفر النعمة.
أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر كما سبق; فلا شيء في ذلك، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ قيل له يوم الفتح: "أتنزل في دارك غدا؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع"١، فبين ﷺ أن هذه الدور انتقلت إلى عقيل بالإرث. فتبين أن هناك فرقا بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر، وبين إضافته إلى سببه متناسيا المسبِّب وهو الله .
قوله: "وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا":
وهذا القول من قائله فيه تفصيل إن أراد به الخبر وكان الخبر صدقا مطابقا للواقع; فهذا لا بأس به، وإن أراد بها السبب; فلذلك ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سببا خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول
_________
١أخرجه البخاري في (الحج, باب توريث دور مكة وبيعها/١/٤٨٩) , ومسلم في (الحج, باب النزول بمكة للحاج/٢/٩٨٤) ; من حديث أسامة بن زيد ﵄.следующие страницы →