Полный текст (1 122 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات.
الثانية: تفسير آية الرعد.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع.
الرابعة: ذكر العلة: أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله،
الحواشي
(١) الأولى: عدم الإيمان بجحد شيء من الأسماء والصفات: عدم بمعنى انتفاء; أي: انتفاء الإيمان بسبب جحد شيء من الأسماء والصفات، وسبق التفصيل في ذلك.
الثانية: تفسير آية الرعد: وهي قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ ، وسبق تفسيرها.
الثالثة: ترك التحديث بما لا يفهم السامع: وهذا ليس على إطلاقه، وقد سبق التفصيل فيه عند شرح الأثر.
الرابعة: ذكر العلة أنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر: وهي أن الذي لا يبلغ عقله ما حدث به يفضي به التحديث إلى تكذيب الله ورسوله، فيكذب ويقول: هذا غير ممكن، وهذا يوجد من بعض الناس في أشياء كثيرة مما أخبر به النبي ﷺ مما يكون يوم القيامة; كما أخبر النبي ﷺ : " إن الأرض يوم القيامة تكون خبزة واحدة يتكفؤها الجبار بيده كما يتكفأ أحدكم خبزته "١، وما أشبه ذلك، وكما أن الصراط أحد من السيف وأدق من الشعرة وغير هذه الأمور، لو حدثنا بها إنسانا عاميا لأوشك أن ينكر، لكن يجب أن تبين له بالتدريج؛ حتى يتمكن من عقله، مثل ما نعلم الصبي شيئا فشيئا.
_________
١أخرجه البخاري في (الرقاق, باب يقبض الله الأرض يوم القيامة/٤/١٩٥) , ومسلم في المنافقين, باب نزل أهل الجنة/٤/٢١٥٠) .стр. 772
ولو لم يتعمد المنكر.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه أهلكه:
الحواشي
(١) وقوله: "ولو لم يتعمد المنكر": أي: ولو لم يقصد المنكر تكذيب الله ورسوله، ولكن كذب نسبة هذا الشيء إلى الله ورسوله، وهذا يعود بالتالي إلى رد خبر الله ورسوله.
الخامسة: كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك، وأنه أهلكه. وذلك قوله: "ما فرق هؤلاء؟ يجدون رقة- أي لينا- عند محكمه فيقبلونه، ويهلكون عند متشابهه"؛ فينكرونه!стр. 773
باب: قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ، الآية، [النحل: من الآية٨٣] .
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله تعالى: " يعرفون ": أي: يدركون بحواسهم أن النعمة من عند الله.
قوله: " نعمة الله ": واحدة والمراد بها الجمع; فهي ليست واحدة، بل هي لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ، [إبراهيم: من الآية٣٤] ، والقاعدة الأصولية: أن المفرد المضاف يعم، والنعمة تكون بجلب المحبوبات، وتطلق أحيانا على رفع المكروهات.
قوله: " ثم ينكرونها ": أي: ينكرون إضافتها إلى الله لكونهم يضيفونها إلى السبب متناسين المسبِّب الذي هو الله - سبحانه -، وليس المعنى أنهم ينكرون هذه النعمة، مثل أن يقولوا: ما جاءنا مطر أو ولد أو صحة، ولكن ينكرونها بإضافتها إلى غير الله، متناسين الذي خلق السبب فوُجِد به المسبَّب.
قوله: "الآية": أي: إلى آخر الآية، وهي منصوبة بفعل محذوف تقديره أكمل الآية.
قوله: (وأكثرهم الكافرون) : أي أكثر العارفين بأن النعمة من الله الكافرون، أي: الجاحدون كونها من الله أو الكافرون بالله .
وقوله: (أكثرهم) ، بعد قوله (يعرفون) ؛ الجملة الأولى أضافها إلىстр. 774
قال مجاهد ما معناه: "هو قول الرجل: هذا مالي، ورثته عن آبائي"
الحواشي
(١) الكل، والثانية أضافها إلى الأكثر، وذلك لأن منهم من هو عامي لا يعرف ولا يفهم، ولكن أكثرهم يعرفون ثم يكفرون.
مناسبة هذا الباب للتوحيد:
أن من أضاف نعمة الخالق إلى غيره; فقد جعل معه شريكا في الربوبية لأنه أضافها إلى السبب على أنه فاعل، هذا من وجه، ومن وجه آخر: أنه لم يقم بالشكر الذي هو عبادة من العبادات، وترك الشكر مناف للتوحيد; لأن الواجب أن يُشْكَر الخالق المنعم ، فصارت لها صلة بتوحيد الربوبية وبتوحيد العبادة; فمن حيث إضافتها إلى السبب على أنه فاعل هذا إخلال بتوحيد الربوبية، ومن حيث ترك القيام بالشكر الذي هو العبادة هذا إخلال بتوحيد الألوهية.
قوله: "قال مجاهد": هو إمام المفسرين في التابعين، عرض المصحف على ابن عباس ﵄ يوقفه عند كل آية ويسأله عن تفسيرها، وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. أي: كافيك، ومع هذا; فليس معصوما عن الخطأ.
قوله: "ما معناه": أي: كلاما معناه، وعلى هذا ف "ما": نكرة موصوفة، وفيه أن الشيخ ﵀ لم ينقله بلفظه.
قوله: "هو قول الرجل": هذا من باب التغليب والتشريف; لأن الرجل أشرف من المرأة وأحق بتوجيه الخطاب إليه منها، وإلا; فالحكم واحد.
قوله: "هذا مالي ورثته عن آبائي": ظاهر هذه الكلمة؛ أنه لا شيءстр. 775
وقال عون بن عبد الله: " يقولون: لولا فلان; لم يكن كذا".
الحواشي
(١) فيها، فلو قال لك واحد: من أين لك هذا البيت؟ قلت: ورثته عن آبائي; فليس فيه شيء لأنه خبر محض.
لكن مراد مجاهد: أن يضيف القائل تملكه للمال إلى السبب الذي هو الإرث، متناسيا المسبِّب الذي هو الله; فبتقدير الله أنعم على آبائك وملكوا هذا البيت، وبشرع الله انتقل هذا البيت إلى ملكك عن طريق الإرث; فكيف تتناسى المسبِّب للأسباب القدرية والشرعية فتضيف الأمر إلى ملك آبائك وإرثك إياه بعدهم؟! فمن هنا صار هذا القول نوعا من كفر النعمة.
أما إذا كان قصد الإنسان مجرد الخبر كما سبق; فلا شيء في ذلك، ولهذا ثبت أن النبي ﷺ قيل له يوم الفتح: "أتنزل في دارك غدا؟ فقال: وهل ترك لنا عقيل من دار أو رباع"١، فبين ﷺ أن هذه الدور انتقلت إلى عقيل بالإرث. فتبين أن هناك فرقا بين إضافة الملك إلى الإنسان على سبيل الخبر، وبين إضافته إلى سببه متناسيا المسبِّب وهو الله .
قوله: "وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا":
وهذا القول من قائله فيه تفصيل إن أراد به الخبر وكان الخبر صدقا مطابقا للواقع; فهذا لا بأس به، وإن أراد بها السبب; فلذلك ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون سببا خفيا لا تأثير له إطلاقا، كأن يقول: لولا الولي الفلاني ما حصل كذا وكذا، فهذا شرك أكبر؛ لأنه يعتقد بهذا القول
_________
١أخرجه البخاري في (الحج, باب توريث دور مكة وبيعها/١/٤٨٩) , ومسلم في (الحج, باب النزول بمكة للحاج/٢/٩٨٤) ; من حديث أسامة بن زيد ﵄.стр. 776
......................................................................
الحواشي
(١) أن لهذا الولي تصرفا في الكون مع أنه ميت، فهو تصرف سري خفي.
الثانية: أن يضيفه إلى سبب صحيح ثابت شرعا أو حسا; فهذا جائز بشرط أن لا يعتقد أن السبب مؤثر بنفسه، وأن لا يتناسى المنعم بذلك.
الثالثة: أن يضيفه إلى سبب ظاهر، لكن لم يثبت كونه سببا لا شرعا ولا حسا; فهذا نوع من الشرك الأصغر، وذلك مثل: التِّولة، والقلائد التي يقال: إنها تمنع العين، وما أشبه ذلك; لأنه أثبت سببا لم يجعله الله سببا، فكان مشاركا لله في إثبات الأسباب.
ويدل لهذا التفصيل أنه ثبت إضافة (لولا) إلى السبب وحده بقول النبي ﷺ في عمه أبي طالب: " لولا أنا; لكان في الدرك الأسفل من النار "١، ولا شك أن النبي ﷺ أبعد الناس عن الشرك، وأخلص الناس توحيدا لله تعالى، فأضاف النبي ﷺ الشيء إلى سببه، لكنه شرعي حقيقي; فإنه أُذِن له بالشفاعة لعمه بأن يخفف عنه، فكان في ضَحْضَاح من النار، عليه نعلان يغلي منهما دماغه لا يرى أن أحدا أشد منه عذابا; لأنه لو يرى أن أحدا أشد منه عذابا أو مثله هان عليه بالتسلي; كما قالت الخنساء في رثاء أخيها صخر:
ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي
وما يبكون مثل أخي ولكن ... أسلي النفس عنه بالتأسي
_________
١أخرجه البخاري في (مناقب الأنصار, باب قصة أبي طالب/٣/٦٢) , ومسلم في (الإيمان, باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب/١/١٩٤) ; من حديث العباس بن عبد المطلب ﵁.стр. 777
وقال ابن قتيبة: " يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا".
وقال أبو العباس بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه: " أن الله تعالى قال: " أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. .."١.
الحواشي
(١٠٣٨) , ومسلم: الإيمان(٧١) , والنسائي: الاستسقاء(١٥٢٥) , وأبو داود: الطب(٣٩٠٦) , وأحمد (٤/١١٧) , ومالك: النداء للصلاة(٤٥١) .стр. 778
الحديث١ وقد تقدم: " وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به".
قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا ... ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثيرة".
الحواشي
(١) قوله: "وهذا كثير في الكتاب والسنة يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ... ": وذلك مثل الاستسقاء بالأنواء، وإنما كان هذا مذموما; لأنه لو أتى إليك عبد فلان بهدية من سيده فشكرت العبد دون السيد; كان هذا سوء أدب مع السيد وكفرانا لنعمته، وأقبح من هذا لو أضفت النعمة إلى السبب دون الخالق; لما يأتي:
١- أن الخالق لهذه الأسباب هو الله; فكان الواجب أن يشكر وتضاف النعمة إليه.
٢- أن السبب قد لا يؤثر; كما ثبت في "صحيح مسلم" أنه ﷺ قال:" ليس السنة أن لا تمطروا، بل السنة أن تمطروا ثم لا تنبت الأرض "٢.
٣- أن السبب قد يكون له مانع يمنع من تأثيره، وبهذا عرف بطلان إضافة الشيء إلى سببه دون الالتفات إلى المسبِّب جل وعلا.
قوله: "كانت الريح طيبة": هذا في السفن الشراعية التي تجري بالريح، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا﴾ ، [يونس: من الآية٢٢] ، فكانوا إذا طاب سير السفينة قالوا: كانت الريح طيبة،
_________
(ص٣٠) .
٢أخرجه مسلم في (الفتن, باب في سكنى المدينة/٤/٢٢٢٨) من حديث ابن عمر ﵄.стр. 779
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثيرة.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب.
الحواشي
(١) وكان الملاح- هو قائد السفينة- حاذقا; أي: مجيدا للقيادة. فيضيفون الشيء إلى سببه، وينسون الخالق- جل وعلا-.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير معرفة النعمة وإنكارها: وسبق ذلك.
الثانية: معرفة أن هذا جار على ألسنة كثيرة: وذلك مثل قول بعضهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقا، وما أشبه ذلك.
الثالثة: تسمية هذا الكلام إنكارا للنعمة: يعني: إنكارا لتفضل الله تعالى بها وليس إنكارا لوجودها; لأنهم يعرفونها ويحسون بوجودها.
الرابعة: اجتماع الضدين في القلب: وهذا من قوله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ ، [النحل: من الآية٨٣] ، فجمع بين المعرفة والإنكار، وهذا كما يجتمع في الشخص الواحد خصلة إيمان وخصلة كفر، وخصلة فسوق وخصلة عدالة.стр. 780
باب: قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية٢٢] ........................................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، لما ذكر سبحانه ما يقر به هؤلاء من أفعاله التي لم يفعلها غيره: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ، الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ﴾ ، [البقرة: الآية٢١-٢٢] ، فكل من أقر بذلك لزمه أن لا يعبد إلا المقر له; لأنه لا يستحق العبادة من لا يفعل ذلك، ولا ينبغي أن يُعبَد إلا من فعل ذلك، ولذلك أتى بالفاء الدالة على التفريع والسببية، أي: فبسبب ذلك لا تجعلوا لله أندادا.
و"لا" هذه ناهية; أي: فلا تجعلوا له أندادا في العبادة، كما أنكم لم تجعلوا له أندادا في الربوبية، وأيضا لا تجعلوا له أندادا في أسمائه وصفاته; لأنهم قد يصفون غير الله بأوصاف الله ، كاشتقاق العزى من العزيز، وتسميتهم رحمن اليمامة.
قوله: "أندادا": جمع ند، وهو الشبيه والنظير، والمراد هنا: أندادا في العبادة.
قوله: "وأنتم تعلمون ": الجملة في موضع نصب حال من فاعل ﴿تجعلوا﴾ ; أي: والحال أنكم تعلمون، والمعنى: وأنتم تعلمون أنه لاстр. 781
وقال ابن عباس في الآية: "الأنداد هو الشرك، أخفى من
الحواشي
(١) أنداد له-يعني في الربوبية-; لأن هذا محط التقبيح من هؤلاء، أنهم يجعلون له أندادا وهم يعلمون أنه لا أنداد له في الربوبية، أما في الألوهية; فيجعلون له أندادا، قالوا للنبي ﷺ : ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ، [صّ:٥] ، ويقولون في تلبيتهم: "لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك"، وهذا من سفههم; فإنه إذا صار مملوكا; فكيف يكون شريكا، ولهذا أنكر الله عليهم في قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، [البقرة: من الآية٢٢] ؛ إذ الأنداد بالمعنى العام- بقطع النظر عن كونه يخاطب أقواما يقرون بالربوبية- يشمل الأنداد في الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات.
قوله: "وقال ابن عباس في الآية": أي: في تفسيرها.
قوله: "هو الشرك": هذا تفسير بالمراد; لأن التفسير تفسيران:
١- تفسير بالمراد، وهو المقصود بسياق الجملة بقطع النظر عن مفرداتها.
٢- تفسير بالمعنى، وهو الذي يسمى تفسير الكلمات.
فعندنا الآن وجهان للتفسير:
أحدهما: التفسير اللفظي وهو تفسير الكلمات، وهذا يقال فيه: معناه كذا وكذا.
والثاني: التفسير بالمراد، فيقال: المراد بكذا وكذا، والأخير هنا هو المراد.стр. 782
دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول:
الحواشي
(١٧) , وأبو يعلى; كما في "المجمع" (١٠/ ٢٢٤) , وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(٢٨٧) ; من حديث أبي بكر. وفيه ليث بن أبي سليم, وقد اختلط. وأخرجه: البخاري في "الأدب المفرد"(٧١٦) , وفيه ليث بن أبي سليم مع رجل من أهل البصرة. وأخرجه: ابن حبان في "المجروحين " (٣/٣٠) , وأبو نعيم في "الحلية" (٧/١١٢) , وفيه يحيى بن كثير البصري مجمع على ضعفه.стр. 783
والله، وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول: لولا كليبة هذا; لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار; لأتى اللصوص،...................................
الحواشي
(١) وقوله: "والله وحياتك": فيها نوعان من الشرك.
الأول: الحلف بغير الله.
الثاني: الإشراك مع الله بقوله: والله! وحياتك!
فضمها إلى الله بالواو المقتضية للتسوية؛ فيه نوع من الشرك.
والقسم بغير الله إن اعتقد الحالف أن المقسم به بمنزلة الله في العظمة; فهو شرك أكبر، وإلا; فهو شرك أصغر.
وقوله: "وحياتي": فيه حلف بغير الله; فهو شرك.
وقوله: "لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص": كليبة تصغير كلب، والكلب ينتفع به للصيد وحراسة الماشية، والحرث.
وقوله: "لولا كليبة هذا" يكون فيه شرك إذا نظر إلى السبب دون المسبِّب، وهو الله أما الاعتماد على السبب الشرعي، أو الحسي المعلوم; فقد تقدم أنه لا بأس به، وأن النبي ﷺ قال: " لولا أنا; لكان في الدرك الأسفل من النار "١، لكن قد يقع في قلب الإنسان إذا قال: لولا كذا لحصل كذا أو ما كان كذا، قد يقع في قلبه شيء من الشرك؛ بالاعتماد على السبب بدون نظر إلى المسبب، وهو الله .
وقوله: "لولا البط في الدار لأتى اللصوص": البط طائر معروف، وإذا دخل اللص البيت وفيه بط، فإنه يصرخ، فينتبه أهل البيت ثم يجتنبه اللصوص.
_________
١سبق (ص ٢٠٤) .стр. 784
وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان; لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك"، رواه ابن أبي حاتم١.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " من حلف بغير الله; فقد كفر أو أشرك "، رواه الترمذي
الحواشي
(١) وقوله: "وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت": فيه شرك; لأنه شرك غير الله مع الله بالواو، فإن اعتقد أنه يساوي الله في التدبير والمشيئة; فهو شرك أكبر، وإن لم يعتقد ذلك واعتقد أن الله فوق كل شيء; فهو شرك أصغر، وكذلك قوله: "لولا الله وفلان".
وقوله: "هذا كله به شرك": المشار إليه ما سبق، وهو شرك أكبر أو أصغر حسب ما يكون في قلب الشخص من نوع هذا التشريك.
قوله: "وعن عمر": صوابه عن ابن عمر، نبه عليه في "تيسير العزيز الحميد".
وقوله في حديث ابن عمر ﵄: "من حلف بغير الله": "من": شرطية; فتكون للعموم.
قوله: "أو أشرك": شك من الراوي، والظاهر أن صواب الحديث "أشرك".
_________
١أخرجه ابن أبي حاتم; كما في "تفسير ابن كثير" (١/٥٧) . وقال الشيخ سليمان في "تيسير العزيز" (ص ٥٨٧) : "وسنده جيد".стр. 785
وحسنه، وصححه الحاكم١.
الحواشي
(١٨٩٦) , وأحمد (٢/٣٤،٨٦) , وأبو داود في (الإيمان, باب كراهة الحلف بالآباء/٣/٥٧٠) , والترمذي في (الأيمان, باب ما جاء في كراهة الحلف بغير الله/٥/٢٥٣) -وحسنه, وابن حبان(١١٧٧) , والحاكم (١/١٨) , (٤/٢٩٧) - وصححه على شرط الشيخين, وأقره الذهبي-, والبيهقي (١٠/٢٩) . وقال الزين العراقي في "أماليه": "إسناده ثقات"; كما في "التيسير" (ص٥٨٩) .стр. 786
......................................................................
الحواشي
(١) معها فعل القسم، وتختص بالله ورب، قال ابن مالك: "والتاء لله ورب".
والحلف بغير الله شرك أكبر؛ إن اعتقد أن المحلوف به مساو لله تعالى في التعظيم والعظمة، وإلا فهو شرك أصغر.
وهل يغفر الله الشرك الأصغر؟ قال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النّساء من الآية: ٤٨] ; أي: الشرك الأكبر، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء من الآية: ٤٨] يعني: الشرك الأصغر والكبائر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن الشرك لا يغفره الله ولو كان أصغر١؛ لأن قوله: ﴿أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: من الآية٤٨] مصدر مُؤَوَّل; فهو نكرة في سياق النفي، فيعم الأصغر والأكبر، والتقدير: لا يغفر شركا به أو إشراكا به.
وأما قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس:١] ، وقوله: ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد:١] وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ، وما أشبه ذلك، من المخلوقات التي أقسم الله بها; فالجواب عنه من وجهين:
الأول: أن هذا من فعل الله، والله لا يُسْأَل عما يفعل، وله أن يقسم سبحانه بما شاء من خلقه، وهو سائل غير مسئول، وحاكم غير محكوم عليه.
الثاني: أن قسم الله بهذه الآيات؛ دليل على عظمته، وكمال قدرته وحكمته; فيكون القسم بها الدال على تعظيمها ورفع شأنها؛ متضمنا للثناء على الله ، بما تقتضيه من الدلالة على عظمته.
_________
١انظر: "الرد على البكري" (تلخيص "كتاب الاستغاثة") (ص ١٤٦) .стр. 787
......................................................................
الحواشي
(٤٦) , ومسلم: الإيمان(١١) , والنسائي: الصلاة(٤٥٨) والصيام(٢٠٩٠) والإيمان وشرائعه(٥٠٢٨) , وأبو داود: الصلاة(٣٩١) , وأحمد (١/١٦٢) , ومالك: النداء للصلاة(٤٢٥) .стр. 788
......................................................................
الحواشي
(١١٧٨) . والحديث ضعيف; كما في "إرواء الغليل" (٨/١٩٣) .стр. 789
"وقال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا"١.
الحواشي
(١) وأما الرابع; فدعوى الخصوصية تحتاج إلى دليل، وإلا فالأصل التأسي به.
وأما الخامس: فضعيف لأن الأصل عدم الحذف، ولأن الحذف هنا يستلزم فهما باطلا، ولا يمكن أن يتكلم الرسول ﷺ بما يستلزم ذلك بدون بيان المراد، وعلى هذا يكون أقربها الوجه السادس أنه منسوخ، ولا نجزم بذلك لعدم العلم بالتاريخ، ولهذا قلنا أقربها والله أعلم، وإن كان النووي ﵀ ارتضى أن هذا مما يجري على اللسان بدون قصد، لكن هذا ضعيف لا يمكن القول به، ثم رأيت بعضهم جزم بشذوذها لانفراد مسلم بها عن البخاري مع مخالفة راويها للثقات; فالله أعلم.
قوله في أثر ابن مسعود: " لأن أحلف بالله كاذبا": اللام: لام الابتداء، و"أن" مصدرية; فيكون قوله: "أن أحلف" مؤوّلا بمصدر مبتدأ تقديره لحلفي بالله.
قوله: "أحب إلي": خبر المبتدأ، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية١٨٤] .
قوله: "كاذبا": حال من فاعل أحلف.
قوله: "أحب إلي": هذا من باب التفضيل الذي ليس فيه شيء من الجانبين، وهذا نادر في الكلام; لأن التفضيل في الأصل يكون فيه المعنى ثابتا في المفضل وفي المفضل عليه، وأحيانا في المفضل دون المفضل
_________
١سبق (ص ٢٧) .стр. 790
......................................................................
الحواشي
(١) عليه، وأحيانا لا يوجد في الجانبين; فابن مسعود ﵁ لا يحب لا هذا ولا هذا، ولكن الحلف بالله كاذبا أهون عليه من الحلف بغيره صادقا، فالحلف كاذبا بالله محرم من وجهين:
١- أنه كذب، والكذب محرم لذاته.
٢- أن هذا الكذب قُرِن باليمين، واليمين تعظيم لله ، فإذا كان على كذب صار فيه شيء من تنقص لله ؛ حيث جعل اسمه مؤكدا لأمر كذب، ولذلك كان الحلف بالله كاذبا عند بعض أهل العلم من اليمين الغَمُوس التي تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار.
وأما الحلف بغير الله صادقا فهو محرم من وجه واحد وهو الشرك، لكن سيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب، وأعظم من سيئة الحلف بالله كاذبا، وأعظم من اليمين الغموس إذا قلنا: إن الحلف بالله كاذبا من اليمين الغموس; لأن الشرك لا يغفر، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: من الآية٤٨] ، وما أرسل الله الرسل وأنزل الكتب إلا لإبطال الشرك، فهو أعظم الذنوب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: من الآية١٣] ، وسئل النبي ﷺ : "أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك "١ والشرك متضمن للكذب، فإن الذي جعل غير الله شريكا لله كاذب، بل من أكذب الكاذبين; لأن الله لا شريك له.
_________
١أخرجه البخاري في (التفسير, باب: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر) , (٣/٢٧١) , ومسلم في (الإيمان, باب كون الشرك أقبح الذنوب, (١/٩١) ; عن ابن مسعود ﵁.стр. 791
* * *
وعن حذيفة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان،.................................................................
الحواشي
(١) قوله في حديث حذيفة ﵁ "لا تقولوا": "لا": ناهية، ولهذا جُزم الفعل بعدها بحذف النون.
قوله: " ما شاء الله وشاء فلان ": والعلة في ذلك أن الواو تقتضي تسوية المعطوف بالمعطوف عليه; فيكون القائل: ما شاء الله وشئت؛ مسويا مشيئة الله بمشيئة المخلوق، وهذا شرك، ثم إن اعتقد أن المخلوق أعظم من الخالق، أو أنه مساو له فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه أقل; فهو شرك أصغر.
قوله: " ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان ": لما نهى عن اللفظ المحرم بيّن اللفظ المباح; لأن "ثم" للترتيب والتراخي، فتفيد أن المعطوف أقل مرتبة من المعطوف عليه.
أما بالنسبة لقوله: " ما شاء الله فشاء فلان "; فالحكم فيها أنها مرْتَبَة بين مرتبة (الواو) ومرتبة (ثم) ; فهي تختلف عن (ثم) بأن (ثم) للتراخي والفاء للتعقيب، وتوافق (ثم) بأنها للترتيب; فالظاهر أنها جائزة، ولكن التعبير ب (ثم) أولى; لأنه اللفظ الذي أرشد إليه النبي ﷺ ولأنه أبين في إظهار الفرق بين الخالق والمخلوق.
ويستفاد من هذا الحديث:
١- إثبات المشيئة للعبد; لقوله: "ثم شاء فلان"، فيكون فيه رد على الجبرية حيث قالوا: إن العبد لا مشيئة له ولا اختيار.
٢- أنه ينبغي لمن سد على الناس بابا محرَّما أن يفتح لهم البابстр. 792
ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان " رواه أبو داود بسند صحيح١.
الحواشي
(٤٣٠) , والنسائي في "عمل اليوم والليلة"(٩٩١) , وابن السني في "عمل اليوم والليلة"(٦٧١) , وابن أبي الدنيا في "الصمت"(٣٤١) , والطحاوي في "المشكل" (١/٩٠) , والبيهقي في "السنن" (٣/٢١٦) , وفي "الأسماء والصفات" (ص ١٤٤) , وفي "الاعتقاد" (ص ١٥٦) . والحديث صححه النووي في "الأذكار"(٣٠٨) , وفي "الرياض"(١٧٤٨) , وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "بسند صحيح".
٢ أبو داود: الأدب(٤٩٨٠) , وأحمد (٥/٣٨٤ ,٥/٣٩٨) .
٣ أخرجه: البخاري في (البيوع, باب إذا أراد بيع تمر بتمر) , (٢/١٠٦) , ومسلم في (المساقاة, باب بيع الطعام مثلا بمثل) , (٣/١٢١٥) ; عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄.стр. 793
وجاء "عن إبراهيم النخعي: أنه يكره: أعوذ بالله، وبك، ويجوز أن يقول: بالله، ثم بك، ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله، وفلان".
الحواشي
(١) قوله: "عن إبراهيم النخعي": من فقهاء التابعين، لكنه قليل البضاعة في الحديث; كما ذكر ذلك حماد بن زيد.
قوله: "يكره أعوذ بالله وبك": العياذ: الاعتصام بالمستعاذ به عن المكروه، واللِّياذ بالشخص: هو اللجوء إليه لطلب المحبوب، قال الشاعر:
يا من ألوذ به فيما أؤمله ... ومن أعوذ به مما أحاذره
لا يجبر الناس عظما أنت كاسره ... ولا يهيضون عظما أنت جابره
وهذان البيتان يخاطب بهما رجلا، لكن كما قال بعضهم: هذا القول لا ينبغي أن يكون إلا لله.
وقوله: "أعوذ بالله، وبك": هذا محرَّم; لأنه جمع بين الله والمخلوق بحرف يقتضي التسوية، وهو الواو.
ويجوز "بالله ثم بك"; لأن "ثم" تدل على الترتيب والتراخي، فإن قيل: سبق أن من الشرك الاستعاذة بغير الله وعلى هذا يكون قوله: أعوذ بالله ثم بك محرما.
أجيب: أن الاستعاذة بمن يقدر على أن يعيذك جائزة، لقوله ﷺ في "صحيح مسلم" وغيره: " من وجد ملجأ; فليعذ به "١ لكن لو قال: أعوذ بالله ثم بفلان. وهو ميت، فهذا شرك أكبر؛ لأنه لا يقدر على أن يعيذك.
وأما استدلال الإمام أحمد على أن القرآن غير مخلوق
_________
١سبق تخريجه في المجلد الأول.стр. 794
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد.
الثانية: أن الصحابة ﵃ يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك.
الحواشي
(١) بقوله ﷺ "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق"١ ثم قال ﵀: والاستعاذة لا تكون بمخلوق، فيحمل كلامه على أن الاستعاذة بكلام لا تكون بكلام مخلوق بل بكلام غير مخلوق، وهو كلام الله، والكلام تابع للمتكلم به، إن كان مخلوقا; فهو مخلوق، وإن كان غير مخلوق; فهو غير مخلوق.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية البقرة في الأنداد: وقد سبق.
الثانية: أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر: لأن قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية٢٢] نازلة في الأكبر; لأن المخاطب بها هم المشركون، وابن عباس فسرها بما يقتضي الشرك الأصغر; لأن الند يشمل النظير المساوي، على سبيل الإطلاق، أو في بعض الأمور.
الثالثة: أن الحلف بغير الله شرك: لحديث ابن عمر ﵄.
_________
١سبق تخريجه في المجلد الأول.стр. 795
الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا فهو أكبر من اليمين الغموس.
الخامسة: الفرق بين الواو و (ثم) في اللفظ.
الحواشي
(١) الرابعة: أنه إذا حلف بغير الله صادقا; فهو أكبر من اليمين الغموس: واليمين الغموس عند الحنابلة أن يحلف بالله كاذبا، وقال بعض العلماء - وهو الصحيح -: أن يحلف بالله كاذبا ليقتطع بها مال امرئ مسلم.
الخامسة: الفرق بين الواو وثم في اللفظ: لأن الواو تقتضي المساواة; فتكون شركا، وثم تقتضي الترتيب والتراخي; فلا تكون شركا.стр. 796
باب: ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله
عن ابن عمر; أن رسول الله ﷺ قال: " لا تحلفوا بآبائكم،
الحواشي
(١) مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد
أن الاقتناع بالحلف بالله من تعظيم الله; لأن الحالف أكّد ما حلف عليه بالتعظيم باليمين، وهو تعظيم المحلوف به; فيكون من تعظيم المحلوف به أن يصدق ذلك الحالف، وعلى هذا يكون عدم الاقتناع بالحلف بالله فيه شيء من نقص تعظيم الله، وهذا ينافي كمال التوحيد.
والاقتناع بالحلف بالله لا يخلو من أمرين:
الأول: أن يكون ذلك من الناحية الشرعية; فإنه يجب الرضا بالحلف بالله، فيما إذا توجهت اليمين على المدعى عليه فحلف، فيجب الرضا بهذا اليمين بمقتضى الحكم الشرعي.
الثاني: أن يكون ذلك من الناحية الحسية، فإن كان الحالف موضع صدق وثقة; فإنك ترضى بيمينه، وإن كان غير ذلك; فلك أن ترفض الرضا بيمينه، ولهذا لما قال النبي ﷺ لحويِّصَة ومحيِّصَة: "تبرئكم يهودُ بخمسين يمينا. قالوا: كيف نرضى يا رسول الله بأيمان اليهود؟ "١؛ فأقرهم النبي ﷺ على ذلك.
قوله في الحديث: "لا تحلفوا": "لا": ناهية، ولهذا جزم الفعل
_________
١أخرجه: البخاري في (الأدب, باب إكرام الكبير, (٤/١١٧) , ومسلم في (القسامة, باب القسامة) , (٣/١٢٩٢- ١٢٩٥) ; عن رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة.стр. 797
من حلف بالله; فليصدق، ومن حلف له بالله; فليرض،...................
стр. 798
ومن لم يرض، فليس من الله" رواه ابن ماجه بسند حسن١.
فيه مسائل:
الحواشي
(١) قوله: " ومن لم يرض; فليس من الله " أي: من لم يرض بالحلف بالله إذا حلف له; فليس من الله، وهذا تبرؤ منه؛ يدل على أن عدم الرضا من كبائر الذنوب، ولكن لا بد من ملاحظة ما سبق، وقد أشرنا أن في حديث القسامة دليلا على أنه إذا كان الحالف غير ثقة، فلك أن ترفض الرضا به; لأنه غير ثقة، فلو أن أحدا حلف لك، وقال: والله، إن هذه الحقيبة من خشب، وهي من جلد; فيجوز أن لا ترضى به لأنك قاطع بكذبه، والشرع لا يأمر بشيء يخالف الحس والواقع، بل لا يأمر إلا بشيء يستحسنه العقل ويشهد له بالصحة والحسن، وإن كان العقل لا يدرك أحيانا مدى حسن هذا الشيء الذي أمر به الشرع، ولكن ليعلم علم اليقين أن الشرع لا يأمر إلا بما هو حسن; لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: من الآية٥٠] ، فإذا اشتبه عليك حُسْن شيء من أحكام الشرع; فاتهم نفسك بالقصور أو بالتقصير، أما أن تتهم الشرع; فهذا لا يمكن، وما صح عن الله ورسوله; فهو حق وهو أحسن الأحكام.
فيه مسائل:
_________
١أخرجه: ابن ماجه في (الكفارات, باب من حلف له بالله فليرض, ١/ ٦٧٩) . وقال في "الزوائد": "رجال إسناده ثقات". وحسنه الحافظ في "الفتح" (١١/ ٥٣٦) , وحسنه أيضا الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب ﵀. وصححه الشيخ سليمان ﵀ في "التيسير" (ص ٩٥٦) على شرط مسلم.стр. 799
الأولى: النهي عن الحلف بالآباء
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى.
الثالثة: وعيد من لم يرض.
الحواشي
(١) الأولى: النهي عن الحلف بالآباء: لقوله: " لا تحلفوا بآبائكم " والنهي للتحريم.
الثانية: الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى: لقوله: "ومن حلف له بالله; فليرض"، وسبق التفصيل في ذلك.
الثالثة: وعيد من لم يرض: لقوله: "ومن لم يرض; فليس من الله".
الرابعة - ولم يذكرها المؤلف -: أمر الحالف أن يَصْدُق لأن الصدق واجب في غير اليمين; فكيف باليمين؟!
وقد سبق أن من حلف على يمين كاذبة أنه آثم، وقال بعض العلماء: إنها اليمين الغموس.
وأما بالنسبة للمحلوف له; فهل يلزمه أن يُصَدَّق أم لا؟ المسألة لا تخلو من أحوال خمس:
الأولى: أن يعلم كذبه; فلا أحد يقول: إنه يلزم تصديقه.
الثانية: أن يترجح كذبه; فكذلك لا يلزم تصديقه.
الثالثة: أن يتساوى الأمران; فهذا يجب تصديقه.
الرابعة: أن يترجح صدقه; فيجب أن يصدق.
الخامسة: أن يعلم صدقه; فيجب أن يصدقه.
وهذا في الأمور الحسية، أما الأمور الشرعية في باب التحاكم; فيجب أن يرضى باليمين ويلتزم بمقتضاها; لأن هذا من باب الرضا بالحكم الشرعي، وهو واجب.стр. 800
باب: قول ما شاء الله وشئت
عن قتيلة: "أن يهوديا أتى للنبي ﷺ فقال: إنكم تشركون، تقولون: ما شاء الله وشئت، وتقولون: والكعبة.
الحواشي
(١) مناسبة الباب لكتاب التوحيد
أن قول: (ما شاء الله وشئت) من الشرك الأكبر، أو الأصغر; لأنه إن اعتقد أن المعطوف مساو لله; فهو شرك أكبر، وإن اعتقد أنه دونه لكن أشرك به في اللفظ; فهو أصغر، وقد ذكر بعض أهل العلم: أن من جملة ضوابط الشرك الأصغر؛ أن ما كان وسيلة للأكبر فهو أصغر.
قوله: "أن يهوديا": اليهودي: هو المنتسب إلى شريعة موسى ﵇، وسموا بذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٥٦] ; أي: رجعنا، أو لأن جدهم اسمه يهوذا بن يعقوب; فتكون التسمية من أجل النسب، وفي الأول تكون التسمية من أجل العمل، ولا يبعد أن تكون من الاثنين جميعا.
قوله: "إنكم تشركون": أي: تقعون في الشرك أيها المسلمون.
قوله: "ما شاء الله وشئت": الشرك هنا أنه جعل المعطوف مساويا للمعطوف عليه، وهو الله ؛ حيث كان العطف بالواو المفيدة للتسوية.
قوله: "والكعبة": الشرك هنا أنه حلف بغير الله، ولم ينكرстр. 801
فأمرهم النبي ﷺ إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة، وأن يقولوا: ما شاء الله ثم شئت " رواه النسائي وصححه١.
الحواشي
(١) النبي ﷺ ما قال اليهودي، بل أمر بتصحيح هذا الكلام; فأمرهم إذا حلفوا أن يقولوا: ورب الكعبة; فيكون القسم بالله.
وأمرهم أن يقولوا: ما شاء الله، ثم شئت; فيكون الترتيب بثم بين مشيئة الله ومشيئة المخلوق، وبذلك يكون الترتيب صحيحا، أما الأول; فلأن الحلف صار بالله، وأما الثاني; فلأنه جُعِل بلفظ يتبين به تأخر مشيئة العبد عن مشيئة الله، وأنه لا مساواة بينهما.
ويستفاد من الحديث:
١- أن النبي ﷺ لم ينكر على اليهودي مع أن ظاهر قصده الذم واللوم للنبي ﷺ وأصحابه; لأن ما قاله حق.
٢- مشروعية الرجوع إلى الحق وإن كان من نبه عليه ليس من أهل الحق.
٣- أنه ينبغي عند تغيير الشيء أن يغير إلى شيء قريب منه; لأن النبي ﷺ أمرهم أن يقولوا: "ورب الكعبة"، ولم يقل: احلفوا بالله، وأمرهم أن يقولوا: "ما شاء الله، ثم شئت".
إشكال وجوابه:
وهو أن يقال: كيف لم ينبه على هذا العمل إلا هذا اليهودي؟
وجوابه: أنه يمكن أن الرسول ﷺ لم يسمعه ولم يعلم به.
_________
١أخرجه: الإمام أحمد (٦/٣٧١, ٣٧٢) , والنسائي في (الأيمان, باب الحلف بالكعبة) , (٧/٦) , والطحاوي في "المشكل" (١/٩١, ٣٥٧) , والحاكم (٤/٢٩٧) -وصححه ووافقه، الذهبي-, والبيهقي (٣/٢١٦) , والمزي في "تهذيب الكمال" (٣/ ١٦٩٤) . وصححه الحافظ في "الإصابة" (٤/٣٨٩) .стр. 802
وله أيضا عن ابن عباس; أن رجلا قال للنبي ﷺ : ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده "١.
الحواشي
(١) ولكن يقال: بأن الله يعلم; فكيف يقرهم؟ فيبقى الإشكال.
لكن يجاب: إن هذا من الشرك الأصغر دون الأكبر; فتكون الحكمة هي ابتلاء هؤلاء اليهود الذين انتقدوا المسلمين بهذه اللفظة، مع أنهم يشركون شركا أكبر ولا يرون عيبهم.
قوله: في حديث ابن عباس ﵄: "أن رجلا قال للنبي ﷺ ".
الظاهر أنه قال للنبي ﷺ تعظيما، وأنه جعل الأمر مفوضا لمشيئة الله ومشيئة رسوله.
قوله: " أجعلتني لله ندا "؟!.
الاستفهام للإنكار، وقد ضُمِّن معنى التعجب، ومن جعل للخالق ندا; فقد أتى شيئا عجابا.
والند: هو النظير والمساوي; أي: أجعلتني لله مساويا في هذا الأمر؟!
قوله: " بل ما شاء الله وحده " أرشده النبي ﷺ إلى ما يقطع عنه الشرك، ولم يرشده إلى أن يقول ما شاء الله ثم شئت؛ حتى يقطع عنه كل ذريعة عن الشرك وإن بَعُدَت.
_________
١سبق (ص ٢٩) .стр. 803
......................................................................
الحواشي
(١) يستفاد من الحديث:
١- أن تعظيم النبي ﷺ بلفظ يقتضي مساواته للخالق شرك، فإن كان يعتقد المساواة; فهو شرك أكبر، وإن كان يعتقد أنه دون ذلك; فهو أصغر، وإذا كان هذا شركا; فكيف بمن يجعل حق الخالق للرسول ﷺ ؟! هذا أعظم; لأنه ﷺ ليس له شيء من خصائص الربوبية، بل يلبس الدرع، ويحمل السلاح، ويجوع، ويتألم، ويمرض، ويعطش كبقية الناس، ولكن الله فضَّله على البشر بما أوحي إليه من هذا الشرع العظيم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: من الآية١١٠] فهو بشر، وأكد هذه البشرية بقوله: (مثلكم) ، ثم جاء التمييز بينه وبين بقية البشر بقوله تعالى: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: من الآية١١٠] ، ولا شك أن الله أعطاه من الأخلاق الفاضلة التي بها الكمالات من كل وجه؛ أعطاه من الصبر العظيم، وأعطاه من الكرم ومن الجود، لكنها كلها في حدود البشرية، أما أن تصل إلى خصائص الربوبية; فهذا أمر لا يمكن، ومن ادعى ذلك; فقد كفر بمحمد ﷺ وكفر بمن أرسله.
فالمهم أننا لا نغلو في الرسول ﵊؛ فننزله في منزلة هو ينكرها، ولا نهضم حقه الذي يجب علينا؛ فنعطيه ما يجب له، ونسأل الله أن يعيننا على القيام بحقه، ولكننا لا ننزله منزلة الرب .
٢- إنكار المنكر، وإن كان في أمر يتعلق بالمنكِر; لقوله ﷺ : " أجعلتني لله ندا "؟!، مع أنه فعل ذلك تعظيما للنبي ﷺ ، وعلى هذا إذا انحنى لك شخص عند السلام; فالواجب عليك الإنكار.
٣- أن من حسن الدعوة إلى الله ؛ أن تذكر ما يباح إذاстр. 804
ولابن ماجه عن الطفيل أخي عائشة لأمها; قال: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود; قلت: إنكم لأنتم القوم؛ لولا أنكم تقولون: عزير ابن الله. قالوا: وأنتم لأنتم القوم؛ لولا أنكم تقولون: ما شاء الله، وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى، فقلت: إنكم لأنتم القوم؛ لولا أنكم تقولون: المسيح ابن الله.
الحواشي
(١) ذكرت ما يحرم; لأنه ﷺ لما منعه من قوله: "ما شاء الله وشئت" أرشده إلى الجائز، وهو قوله: "بل ما شاء الله وحده".
قوله في حديث الطفيل: "رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود": أي: رؤيا في المنام.
وقوله: "كأن": اسمها الياء، وجملة "أتيت" خبرها.
وقوله: "على نفر": من الثلاثة إلى التسعة، واليهود أتباع موسى.
قوله: "لأنتم القوم": كلمة مدح; كقولك: هؤلاء هم الرجال.
وقوله: "عزير هو": رجل صالح، ادعى اليهود أنه ابن الله، وهذا من كذبهم، وهو كفر صريح، واليهود لهم مثالب كثيرة، لكن خُصَّت هذه; لأنها من أعظمها، وأشهرها عندهم.
قوله: "ما شاء الله، وشاء محمد": هذا شرك أصغر; لأن الصحابة الذين قالوا هذا ولا شك أنهم لا يعتقدون أن مشيئة الرسول ﷺ مساوية لمشيئة الله، فانتقدوا عليهم تسوية مشيئة الرسول ﷺ بمشيئة الله باللفظ، مع عظم ما قاله هؤلاء اليهود في حق الله - جل وعلا -.
قوله: "تقولون: المسيح ابن الله": هو عيسى ابن مريم، وسميстр. 805
قالوا: وإنكم لأنتم القوم؛ لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت; أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي ﷺ فأخبرته; قال: هل أخبرت بها أحدا؟. قلت: نعم ".
الحواشي
(١) مسيحا بمعنى ماسح; فهو فعيل بمعنى فاعل; لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ بإذن الله; كالأكمه والأبرص.
والشيطان لعب بالنصارى، فقالوا: هو ابن الله; لأنه أتى بدون أب، كما في القرآن: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: من الآية٩١] ، قالوا: هو جزء من الله; لأن الله أضافه إليه، والجزء هو الابن.
والروح على الراجح عند أهل السنة: ذات لطيفة تدخل الجسم، وتحل فيه كما يحل الماء في الطين اليابس، ولهذا يقبضها المَلَك عند الموت وتُكَفَّن ويصعد بها، ويراها الإنسان عند موته; فالصحيح أنها ذات، وإن كان بعض الناس يقول: إنها صفة، ولكنه ليس كذلك، والحياة صحيح أنها صفة لكن الروح ذات، إذًا نقول لهؤلاء النصارى: إن الله أضاف روح عيسى إليه، كما أضاف البيت والمساجد والناقة إليه وما أشبه ذلك على سبيل التشريف والتعظيم، ولا شك أن المضاف إلى الله يكتسب شرفا وعظمة، حتى إن بعض الشعراء يقول في معشوقته:
لا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي
قوله: "فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت": المقصود بهذه العبارة الإبهام; كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: من الآية٧٨] ، والإبهام قد يكون للتعظيم كما في الآية المذكورة، وقد يكون للتحقير حسب السياق، وقد يراد به معنى آخر.
قوله: " هل أخبرت بها أحدا؟ ": سأل النبي ﷺ هذا السؤال; لأنهстр. 806
قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد; فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا
الحواشي
(١) لو قال: لم أخبر أحدا; فالمتوقع أن الرسول ﵊ سيقول له: لا تخبر أحدا، هذا هو الظاهر، ثم يبين له الحكم ﵊، لكن لما قال: إنه أخبر بها; صار لا بد من بيانها للناس عموما; لأن الشيء إذا انتشر يجب أن يعلن عنه، بخلاف ما إذا كان خاصا; فهذا يخبر به من وصله الخبر.
قوله: "فحمد الله": الحمد: وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم.
قوله: " وأثنى عليه ": أي: كرر ذلك الوصف.
قوله: "أما بعد": سبق أنها بمعنى مهما يكن من شيء بعد; أي: بعد ما ذكرت; فكذا وكذا.
قوله: " يمنعني كذا وكذا ": أي: يمنعه الحياء كما في رواية أخرى، ولكن ليس الحياء من إنكار الباطل، ولكن من أن ينهى عنها، دون أن يأمره الله بذلك، هذا الذي يجب أن تحمل عليه هذه اللفظة إن كانت محفوظة: أن الحياء الذي يمنعه ليس الحياء من الإنكار; لأن الرسول ﷺ لا يستحي من الحق، ولكن الحياء من أن ينكر شيئا قد درج على الألسنة وألفه الناس قبل أن يؤمر بالإنكار، مثل الخمر بقي الناس يشربونها حتى حُرِّمت في سورة المائدة; فالرسول ﷺ لما لم يؤمر بالنهي عنها سكت، ولما حصل التنبيه على ذلك بإنكار هؤلاء اليهود والنصارى؛ رأى ﷺ أنه لا بد من إنكارها؛ لدخول اللوم على المسلمين بالنطق بها.стр. 807
أن أنهاكم عنها; فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "١.
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الحواشي
(٨٢١٤) , والمزي في "تهذيب الكمال" (٢/ ٦٢٦, ٦٢٧) , وزيد بن أبي أنيسة عند الطبراني في "الكبير"(٨٢١٥) . وخالف سفيان بن عيينة; فأخرجه أحمد (٥/٣٩٣) , وابن ماجه (١/٦٨٥) من طريقه; عن حذيفة بن اليمان. وكذا معمر بن راشد; فأخرجه الطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٠) من طريقه عن جابر بن سمرة ﵃، وقد رجح الحافظ أن الحديث من رواية الطفيل. انظر: "فتح الباري" (١١/ ٥٤٠) .стр. 808
الثالثة: قوله ﷺ " أجعلتني لله ندا"؟! ; فكيف بمن قال: " ما لي من ألوذ به سواك ... "، والبيتين بعده؟
الحواشي
(٣٧٧٣) , وأحمد (٦/٣٧١) .стр. 809
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: " يمنعني كذا وكذا".
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
الحواشي
(١) إن لم تكن في معاوي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
غاية الكفر والغلو; فلم يجعل لله شيئا، والنبي ﷺ شرفه بكونه عبد الله ورسوله، لا لمجرد كونه محمد بن عبد الله.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر: لقوله: "يمنعني كذا وكذا"; لأنه لو كان من الشرك الأكبر ما منعه شيء من إنكاره.
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي: تؤخذ من حديث الطفيل، ولقوله ﷺ : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "١ وهذا موافق للواقع بالنسبة للوحي الذي أوحي إلى النبي ﷺ ؛ لأن أول الوحي كان بالرؤيا الصالحة من ربيع الأول إلى رمضان، وهذا ستة أشهر، فإذا نسبت هذا إلى بقية زمن الوحي، كان جزءا من ستة وأربعين جزءا; لأن الوحي; كان ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر مقدمة له.
والرؤيا الصالحة: هي التي تتضمن الصلاح، وتأتي منظمة، وليست بأضغاث أحلام.
أما أضغاث الأحلام; فإنها مشوشة غير منظمة، وذلك مثل التي قصها رجل على النبي ﷺ قال: إني رأيت رأسي قد قطع، وإني جعلت
_________
١أخرجه: البخاري في (التعبير, باب القيد في المنام, ٤/ ٣٠٣) , ومسلم في (الرؤيا, ٤/ ١٣٧٣) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 810
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام.
الحواشي
(١) أشتد وراءه سعيا. فقال النبي ﷺ : " لا تحدث الناس بتلاعب الشيطان بك في منامك "١، والغالب أن المرائي المكروهة من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: من الآية ١٠] ، ولذلك أرشد النبي ﷺ لمن رأى ما يكره أن يتفل عن يساره، أو ينفث ثلاث مرات، وأن يقول: "أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت. وأن يتحول إلى الجانب الآخر، وأن لا يخبر أحدا "٢ وفي رواية: أمره أن يتوضأ، وأن يصلي.٣
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام: من ذلك رؤيا إبراهيم ﵊ أنه يذبح ابنه، وهذا الحديث، وكذلك أثبت النبي ﷺ رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وقال النبي ﷺ : "إنها رؤيا حق"٤ وأبو بكر ﵁ أثبت رؤيا من رأى ثابت بن قيس بن
_________
١أخرجه: مسلم في (الرؤيا, باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام) , (٤/١٧٧٦) من حديث جابر ﵁.
٢حديث أبي سعيد الخدري ﵁, وفيه: " ... وإذا رأى غير ذلك مما يكره; فإنما هي من الشيطان, ولا يذكرها لأحد; فإنها لا تضره", أخرجه: البخاري في (التعبير, باب الرؤيا من الله) , (٤/٢٩٦) . وحديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ ; قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها; فليبصق عن يساره ثلاثا, وليستعذ من الشيطان ثلاثا, وليتحول عن جنبه الذي كان عليه , أخرجه: مسلم (٤/ ١٧٧٣) .
٣حديث أبي هريرة ﵁, وفيه: " ... فمن رأى شيئا يكرهه; فلا يقصه على أحد, وليقم فليصل ", أخرجه: البخاري في (التعبير, باب القيد في المنام) , (٤/٣٠٣) .
٤أخرجه: أحمد (٤/ ٤٣) , وأبو داود في (الصلاة, باب كيف الأذان) , (١/٣٣٧) , والترمذي أخرج آخره دون صفة الأذان (١/ ٢٣٦) - وقال: "حسن صحيح", وابن ماجه في (الأذان, باب بدء الأذان) . وقال النووي في "المجموع" (٣/٧٦) : "رواه أبو داود بإسناد صحيح, وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داود".следующие страницы →