Полный текст (1 122 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
قال: فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: " أما بعد; فإن طفيلا رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة يمنعني كذا وكذا
الحواشي
(١) لو قال: لم أخبر أحدا; فالمتوقع أن الرسول ﵊ سيقول له: لا تخبر أحدا، هذا هو الظاهر، ثم يبين له الحكم ﵊، لكن لما قال: إنه أخبر بها; صار لا بد من بيانها للناس عموما; لأن الشيء إذا انتشر يجب أن يعلن عنه، بخلاف ما إذا كان خاصا; فهذا يخبر به من وصله الخبر.
قوله: "فحمد الله": الحمد: وصف المحمود بالكمال، مع المحبة والتعظيم.
قوله: " وأثنى عليه ": أي: كرر ذلك الوصف.
قوله: "أما بعد": سبق أنها بمعنى مهما يكن من شيء بعد; أي: بعد ما ذكرت; فكذا وكذا.
قوله: " يمنعني كذا وكذا ": أي: يمنعه الحياء كما في رواية أخرى، ولكن ليس الحياء من إنكار الباطل، ولكن من أن ينهى عنها، دون أن يأمره الله بذلك، هذا الذي يجب أن تحمل عليه هذه اللفظة إن كانت محفوظة: أن الحياء الذي يمنعه ليس الحياء من الإنكار; لأن الرسول ﷺ لا يستحي من الحق، ولكن الحياء من أن ينكر شيئا قد درج على الألسنة وألفه الناس قبل أن يؤمر بالإنكار، مثل الخمر بقي الناس يشربونها حتى حُرِّمت في سورة المائدة; فالرسول ﷺ لما لم يؤمر بالنهي عنها سكت، ولما حصل التنبيه على ذلك بإنكار هؤلاء اليهود والنصارى؛ رأى ﷺ أنه لا بد من إنكارها؛ لدخول اللوم على المسلمين بالنطق بها.стр. 807
أن أنهاكم عنها; فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده "١.
فيه مسائل:
الأولى: معرفة اليهود بالشرك الأصغر.
الثانية: فهم الإنسان إذا كان له هوى.
الحواشي
(٨٢١٤) , والمزي في "تهذيب الكمال" (٢/ ٦٢٦, ٦٢٧) , وزيد بن أبي أنيسة عند الطبراني في "الكبير"(٨٢١٥) . وخالف سفيان بن عيينة; فأخرجه أحمد (٥/٣٩٣) , وابن ماجه (١/٦٨٥) من طريقه; عن حذيفة بن اليمان. وكذا معمر بن راشد; فأخرجه الطحاوي في "المشكل" (١/ ٩٠) من طريقه عن جابر بن سمرة ﵃، وقد رجح الحافظ أن الحديث من رواية الطفيل. انظر: "فتح الباري" (١١/ ٥٤٠) .стр. 808
الثالثة: قوله ﷺ " أجعلتني لله ندا"؟! ; فكيف بمن قال: " ما لي من ألوذ به سواك ... "، والبيتين بعده؟
الحواشي
(٣٧٧٣) , وأحمد (٦/٣٧١) .стр. 809
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر، لقوله: " يمنعني كذا وكذا".
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي.
الحواشي
(١) إن لم تكن في معاوي آخذا بيدي ... فضلا وإلا فقل يا زلة القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
غاية الكفر والغلو; فلم يجعل لله شيئا، والنبي ﷺ شرفه بكونه عبد الله ورسوله، لا لمجرد كونه محمد بن عبد الله.
الرابعة: أن هذا ليس من الشرك الأكبر: لقوله: "يمنعني كذا وكذا"; لأنه لو كان من الشرك الأكبر ما منعه شيء من إنكاره.
الخامسة: أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي: تؤخذ من حديث الطفيل، ولقوله ﷺ : " الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة "١ وهذا موافق للواقع بالنسبة للوحي الذي أوحي إلى النبي ﷺ ؛ لأن أول الوحي كان بالرؤيا الصالحة من ربيع الأول إلى رمضان، وهذا ستة أشهر، فإذا نسبت هذا إلى بقية زمن الوحي، كان جزءا من ستة وأربعين جزءا; لأن الوحي; كان ثلاثا وعشرين سنة وستة أشهر مقدمة له.
والرؤيا الصالحة: هي التي تتضمن الصلاح، وتأتي منظمة، وليست بأضغاث أحلام.
أما أضغاث الأحلام; فإنها مشوشة غير منظمة، وذلك مثل التي قصها رجل على النبي ﷺ قال: إني رأيت رأسي قد قطع، وإني جعلت
_________
١أخرجه: البخاري في (التعبير, باب القيد في المنام, ٤/ ٣٠٣) , ومسلم في (الرؤيا, ٤/ ١٣٧٣) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 810
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام.
الحواشي
(١) أشتد وراءه سعيا. فقال النبي ﷺ : " لا تحدث الناس بتلاعب الشيطان بك في منامك "١، والغالب أن المرائي المكروهة من الشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: من الآية ١٠] ، ولذلك أرشد النبي ﷺ لمن رأى ما يكره أن يتفل عن يساره، أو ينفث ثلاث مرات، وأن يقول: "أعوذ بالله من شر الشيطان ومن شر ما رأيت. وأن يتحول إلى الجانب الآخر، وأن لا يخبر أحدا "٢ وفي رواية: أمره أن يتوضأ، وأن يصلي.٣
السادسة: أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام: من ذلك رؤيا إبراهيم ﵊ أنه يذبح ابنه، وهذا الحديث، وكذلك أثبت النبي ﷺ رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان، وقال النبي ﷺ : "إنها رؤيا حق"٤ وأبو بكر ﵁ أثبت رؤيا من رأى ثابت بن قيس بن
_________
١أخرجه: مسلم في (الرؤيا, باب لا يخبر بتلعب الشيطان به في المنام) , (٤/١٧٧٦) من حديث جابر ﵁.
٢حديث أبي سعيد الخدري ﵁, وفيه: " ... وإذا رأى غير ذلك مما يكره; فإنما هي من الشيطان, ولا يذكرها لأحد; فإنها لا تضره", أخرجه: البخاري في (التعبير, باب الرؤيا من الله) , (٤/٢٩٦) . وحديث جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ ; قال: إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها; فليبصق عن يساره ثلاثا, وليستعذ من الشيطان ثلاثا, وليتحول عن جنبه الذي كان عليه , أخرجه: مسلم (٤/ ١٧٧٣) .
٣حديث أبي هريرة ﵁, وفيه: " ... فمن رأى شيئا يكرهه; فلا يقصه على أحد, وليقم فليصل ", أخرجه: البخاري في (التعبير, باب القيد في المنام) , (٤/٣٠٣) .
٤أخرجه: أحمد (٤/ ٤٣) , وأبو داود في (الصلاة, باب كيف الأذان) , (١/٣٣٧) , والترمذي أخرج آخره دون صفة الأذان (١/ ٢٣٦) - وقال: "حسن صحيح", وابن ماجه في (الأذان, باب بدء الأذان) . وقال النووي في "المجموع" (٣/٧٦) : "رواه أبو داود بإسناد صحيح, وروى الترمذي بعضه بطريق أبي داود".стр. 811
......................................................................
الحواشي
(١) شماس; فقال للذي رآه: إنكم ستجدون درعي تحت بُرْمَة، وعندها فرس يستن، فلما أصبح الرجل ذهب إلى خالد بن الوليد وأخبره، فذهبوا إلى المكان ورأوا الدرع تحت البرمة عندها الفرس١، فنفذ أبو بكر وصيته; لوجود القرائن التي تدل على صدقها، لكن لو دلت على ما يخالف الشريعة; فلا عبرة بها، ولا يلتفت إليها; لأنها ليست رؤيا صالحة.
_________
١أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٣٢١) , وقال: "رواه الطبراني, ورجاله رجال الصحيح".стр. 812
باب: من سب الدهر فقد آذى الله
.......................................................................
الحواشي
(١) السب: الشتم، والتقبيح، والذم، وما أشبه ذلك.
الدهر: هو الزمان والوقت.
وسب الدهر ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: أن يقصد الخبر المحض دون اللوم; فهذا جائز، مثل أن يقول: تعبنا من شدة حر هذا اليوم أو برده، وما أشبه ذلك; لأن الأعمال بالنيات، ومثل هذا اللفظ صالح لمجرد الخبر، ومنه قول لوط ﵊: ﴿هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: من الآية٧٧] .
الثاني: أن يسب الدهر على أنه هو الفاعل، كأن يعتقد بسبه الدهر أن الدهر هو الذي يقلب الأمور إلى الخير والشر، فهذا شرك أكبر لأنه اعتقد أن مع الله خالقا; لأنه نسب الحوادث إلى غير الله، وكل من اعتقد أن مع الله خالقا; فهو كافر، كما أن من اعتقد أن مع الله إلها يستحق أن يعبد; فإنه كافر.
الثالث: أن يسب الدهر لا لاعتقاده أنه هو الفاعل، بل يعتقد أن الله هو الفاعل، لكن يسبه لأنه محل لهذا الأمر المكروه عنده; فهذا محرم، ولا يصل إلى درجة الشرك، وهو من السفه في العقل والضلال في الدين; لأن حقيقة سبه تعود إلى الله - سبحانه -; لأن الله تعالى هو الذي يصرف الدهر، ويُكَوِّن فيه ما أراد من خير أو شر، فليس الدهر فاعلا، وليس هذا السب يُكَفِّر; لأنه لم يسب الله تعالى مباشرة.стр. 813
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] الآية.
الحواشي
(١) قوله: " فقد آذى الله": لا يلزم من الأذية الضرر; فالإنسان يتأذى بسماع القبيح أو مشاهدته، ولكنه لا يتضرر بذلك، ويتأذى بالرائحة الكريهة كالبصل والثوم ولا يتضرر بذلك، ولهذا أثبت الله الأذية في القرآن، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهِيناً﴾ [الأحزاب:٥٧] . وفي الحديث القدسي: "يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر، أقلب الليل والنهار" ١ ونفى عن نفسه أن يضره شيء، قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً﴾ [آل عمران: من الآية١٧٦] ، وفي الحديث القدسي: "يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني" رواه مسلم٢.
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] المراد بذلك المشركون الموافقون للدُّهرية - بضم الدال على الصحيح عند النسبة; لأنه مما تُغيَّر فيه الحركة-، والمعنى: وما الحياة والوجود إلا هذا; فليس هناك آخرة، بل يموت بعض ويحيا آخرون، هذا يموت فيدفن وهذا يولد فيحيا، ويقولون: إنها أرحام تدفع، وأرض تبلع، ولا شيء سوى هذا.
قوله: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] أي: ليس هلاكنا بأمر الله وقدره، بل بطول السنين لمن طالت مدته، والأمراض، والهموم، والغموم، لمن قصرت مدته; فالمهلك لهم هو الدهر.
_________
١سيأتي (ص ٢٤٧) .
٢أخرجه: مسلم في (البر والصلة, باب تحريم الظلم) , (٤/١٩٩٤) من حديث أبي ذر جندب بن جنادة ﵁.стр. 814
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] "ما": نافية، و"علم": مبتدأ خبره مقدم "لهم"، وأكد ب"من" فيكون للعموم: أي ما لهم علم لا قليل ولا كثير، بل العلم واليقين بخلاف قولهم.
قوله: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] "إن": هنا نافية لوقوع "إلا" بعدها; أي: ما هم إلا يظنون.
الظن هنا بمعنى الوهم; فليس ظنهم مبنيا على دليل يجعل الشيء مظنونا، بل هو مجرد وهم لا حقيقة له; فلا حجة لهم إطلاقا، وفي هذا دليل على أن الظن يستعمل بمعنى الوهم، وأيضا يستعمل بمعنى العلم واليقين; كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: من الآية٤٦] .
والرد على قولهم بما يلي:-
أولا: قولهم: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] وهذا يرده المنقول والمعقول:
أما المنقول; فالكتاب والسنة تدل على ثبوت الآخرة، ووجوب الإيمان باليوم الآخر، وأن للعباد حياة أخرى سوى هذه الحياة الدنيا، والكتب السماوية الأخرى تقرر ذلك وتؤكده.
وأما المعقول; فإن الله فرض على الناس الإسلام والدعوة إليه، والجهاد لإعلاء كلمة الله، مع ما في ذلك من استباحة الدماء والأموال والنساء والذرية، فمن غير المعقول أن يكون الناس بعد ذلك ترابا لا بعث ولا حياة ولا ثواب ولا عقاب، وحكمة الله تأبى هذا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ [القصص: من الآية٨٥] ; أي: الذي أنزل عليك القرآن، وفرض العمل به والدعوة إليه، لا بد أن يردك إلى معاد؛ تجازى فيه، ويجازى فيه كل من بلغته الدعوة.
ثانيا: قولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: من الآية٢٤] أي: إلا مرور الزمن.стр. 815
وفي " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "قال الله تعالى:...........................................................
الحواشي
(١) وهذا يرده المنقول والمحسوس:
فأما المنقول; فالكتاب والسنة تدل على أن الإحياء والإماتة بيد الله ، كما قال الله تعالى: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس:٥٦] ، وقال عن عيسى ﵊: ﴿وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: من الآية٤٩] .
وأما المحسوس; فإننا نعلم من يبقى سنين طويلة على قيد الحياة; كنوح ﵇ وغيره، ولم يهلكه الدهر، ونشاهد أطفالا يموتون في الشهر الأول من ولادتهم، وشبابا يموتون في قوة شبابهم; فليس الدهر هو الذي يميتهم.
مناسبة الآية للباب
أن في الآية نسبة الحوادث إلى الدهر، ومن نسبها إلى الدهر; فسوف يسب الدهر إذا وقع فيه ما يكرهه.
قوله: "وفي "الصحيح" عن أبي هريرة ... إلى آخره": هذا الحديث يسمى الحديث القدسي، أو الإلهي، أو الرباني، وهو كل ما يرويه النبي ﷺ عن ربه ، وسبق الكلام عليه في باب فضل التوحيد، وما يكفر من الذنوب (١/٨٠) .
قوله: "قال الله تعالى": تعالى مشتق من العلو، وجاءت بهذه الصيغة؛ للدلالة على ترفعه - جل وعلا - عن كل نقص وسفل; فهو متعالстр. 816
يؤذيني ابن آدم "،..................................................
الحواشي
(١) بذاته وصفاته، وهي أبلغ من كلمة علا; لأنها تحمل معنى الترفع والتنزه عما يقوله المعتدون علوا كبيرا.
قوله: " يؤذيني ابن آدم ": أي: يلحق بي الأذى; فالأذية لله ثابتة ويجب علينا إثباتها; لأن الله أثبتها لنفسه، فلسنا أعلم من الله بالله، ولكنها ليست كأذية المخلوق; بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: من الآية١١] ، وقدم النفي في هذه الآية على الإثبات؛ لأجل أن يرد الإثبات على قلب خال من توهم المماثلة، ويكون الإثبات حينئذ على الوجه اللائق به تعالى، وأنه لا يماثل في صفاته كما لا يماثل في ذاته، وكل ما وصف الله به نفسه; فليس فيه احتمال للتمثيل; إذ لو كان احتمال التمثيل جائزا في كلامه سبحانه، وكلام رسوله فيما وصف به نفسه; لكان احتمال الكفر جائزا في كلامه سبحانه، وكلام رسوله ﷺ .
قوله: "ابن آدم": شامل للذكور والإناث، وآدم هو أبو البشر، خلقه الله تعالى من طين وسواه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وعلمه الأسماء كلها.
واعلم أنه من المؤسف أنه يوجد فكرة مضلة كافرة، وهي أن الآدميين نشأوا من قرد لا من طين، ثم تطور الأمر بهم حتى صاروا على هذا الوصف، ويمكن على مر السنين أن يتطوروا حتى يصيروا ملائكة، وهذا القول لا شك أنه كفر، وتكذيب صريح للقرآن; فيجب علينا أن ننكره إنكارا بالغا، وأن لا نقره في كتب المدارس، فمن زعم هذه الفكرة يقال له: بل أنت قرد في صورة إنسان، ومثلك كما قال الشاعر:
إذا ما ذكرنا آدما وفعاله ... وتزويجه بنتيه بابنيه في الخنا
علمنا بأن الخلق من نسل فاجر ... وأن جميع الناس من عنصر الزناстр. 817
يسب الدهر، وأنا الدهر؛..............................................
الحواشي
(١) وأجابه بعض العلماء بجواب; فقال: أنت الآن أقررت أنك ولد زنا، وإقرارك على نفسك مقبول، وعلى غيرك غير مقبول، ومثلك كما قال الشاعر:
كذلك إقرار الفتى لازم له ... وفي غيره لغو كما جاء شرعن
ولكن أنا في الحقيقة يؤلمني أن يوجد هذا بين أيدي شبابنا; فبعض الناس أخذوا به على أنه أمر محتمل، والواقع أنه لا يحتمل سوى البطلان والكذب، والدس على المسلمين بالتشكيك بما أخبرهم الله به عن خلق آدم وبنيه.
وأيضا مما يحذر عنه كلمة (فكر إسلامي) ; إذ معنى هذا أننا جعلنا الإسلام عبارة عن أفكار قابلة للأخذ والرد، وهذا خطر عظيم، أدخله علينا أعداء الإسلام من حيث لا نشعر، والإسلام شرع من عند الله وليس فكرا لمخلوق.
قوله: "يسب الدهر": الجملة تعليل للأذية، أو تفسير لها، أي: بكونه يسب الدهر، أي: يشتمه ويقبحه ويلومه وربما يلعنه - والعياذ بالله - يؤذي الله، والدهر: هو الزمن والوقت، وقد سبق بيان أقسام سب الدهر.
قوله: "وأنا الدهر": أي: مدبر الدهر ومصرفه، لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: من الآية١٤٠] ، ولقوله في الحديث: "أقلب الليل والنهار"، والليل والنهار هما الدهر. ولا يقال بأن الله هو الدهر نفسه، ومن قال ذلك; فقد جعل الخالق مخلوقا، والمقلِّب (بكسر اللام) مقلَّبا (بفتح اللام) .
فإن قيل: أليس المجاز ممنوعا في كلام الله، وكلام رسوله ﷺ ، وفي اللغة؟стр. 818
......................................................................
الحواشي
(١) أجيب: إن الكلمة حقيقة في معناها الذي دل عليه السياق والقرائن، وهنا في الكلام محذوف تقديره: وأنا مقلب الدهر; لأنه فسره بقوله: "أقلب الليل والنهار"، والليل والنهار هما الدهر، ولأن العقل لا يمكن أن يجعل الخالق الفاعل هو المخلوق المفعول، المقلب هو المقلب، وبهذا عرف خطأ من قال: إن الدهر من أسماء الله، كابن حزم ﵀; فإنه قال: " إن الدهر من أسماء الله"، وهذا غفلة عن مدلول هذا الحديث، وغفلة عن الأصل في أسماء الله.
فأما مدلول الحديث; فإن السابين للدهر لم يريدوا سب الله، وإنما أرادوا سب الزمن; فالدهر هو الزمن في مرادهم.
وأما الأصل في أسماء الله; فالأصل في أسماء الله أن تكون حسنى; أي: بالغة في الحسن أكمله، فلا بد أن تشتمل على وصف ومعنى، هو أحسن ما يكون من الأوصاف والمعاني في دلالة هذه الكلمة، ولهذا لا تجد في أسماء الله تعالى اسما جامدا أبدا; لأن الاسم الجامد ليس فيه معنى أحسن أو غير أحسن، لكن أسماء الله كلها حسنى; فيلزم من ذلك أن تكون دالة على معان.
والدهر اسم من أسماء الزمن ليس فيه معنى إلا أنه اسم زمن، وعلى هذا; فينتفي أن يكون اسما لله تعالى لوجهين:
الأول: أن سياق الحديث يأباه غاية الإباء.
الثاني: أن أسماء الله حسنى، والدهر اسم جامد، لا يحمل معنى إلا أنه اسم للأوقات، فلا يحمل المعنى الذي يوصف بأنه أحسن، وحينئذ فليس من أسماء الله تعالى، بل إنه الزمن، ولكن مقلب الزمن هو الله، ولهذا قال: "أقلب الليل والنهار ".стр. 819
أقلب الليل والنهار "١.
وفي رواية: "لا تسبوا الدهر; فإن الله هو الدهر "٢.
الحواشي
(٢٢٤٦) , وأحمد (٢/٣٩٥ ,٢/٤٩١ ,٢/٤٩٦ ,٢/٤٩٩) .
٤ مسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها(٢٢٤٦) , وأحمد (٢/٢٧٢ ,٢/٣٩٥ ,٢/٤٩١ ,٢/٤٩٩) , ومالك: الجامع(١٨٤٦) .
٥ البخاري: الأدب(٦١٨٢) , ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها (٢٢٤٦ ,٢٢٤٧) , وأحمد (٢/٢٥٩ ,٢/٢٧٢ ,٢/٢٧٥ ,٢/٣١٨ ,٢/٣٩٤ ,٢/٣٩٥ ,٢/٤٩١ ,٢/٤٩٩) , ومالك: الجامع(١٨٤٦) .
٦ مسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها(٢٢٤٦) , وأحمد (٢/٢٧٢ ,٢/٣٩٥ ,٢/٤٩١ ,٢/٤٩٩) , ومالك: الجامع(١٨٤٦) .стр. 820
فيه مسائل:
الأولى. النهي عن سب الدهر.
الثانية. تسميته أذى لله.
الثالثة. التأمل في قوله: "فإن الله هو الدهر".
الرابعة. أنه قد يكون سابا ولو لم يقصده بقلبه.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الدهر: لقوله: "لا تسبوا الدهر ".
الثانية: تسميته أذى لله: تؤخذ من قوله: " يؤذيني ابن آدم ".
الثالثة: التأمل في قوله: " فإن الله هو الدهر " فإذا تأملنا فيه؛ وجدنا أن معناه أن الله مقلب الدهر ومصرفه، وليس معناه أن الله هو الدهر، وقد سبق بيان ذلك.
الرابعة: أنه قد يكون سابا، ولو لم يقصده بقلبه: تؤخذ من قوله: " يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر " ولم يذكر قصدا، ولو عبر الشيخ بقوله: أنه قد يكون مؤذيا لله وإن لم يقصده; لكان أوضح وأصح; لأن الله صرح بقوله: "يسب الدهر"، والفعل لا يضاف إلا لمن قصده، وقد فات على الشيخ ﵀ بعض المسائل، منها: تفسير آية الجاثية، وقد سبق ذلك.стр. 821
باب: التسمي بقاضي القضاة ونحوه
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "باب التسمي بقاضي القضاة ": أي: وضع الشخص لنفسه هذا الاسم، أو رضاه به من غيره.
قوله: "قاضي القضاة": قاضي: بمعنى حاكم، والقضاة; أي: الحكام، و "أل" للعموم.
والمعنى: التسمي بحاكم الحُكَّام ونحوه، مثل ملك الأملاك، وسلطان السلاطين وما أشبه ذلك، مما يدل على النفوذ والسلطان; لأن القاضي جمع بين الإلزام والإفتاء، بخلاف المفتي; فهو لا يُلزِم، ولهذا قالوا: القاضي جمع بين الشهادة، والإلزام، والإفتاء; فهو يشهد أن هذا الحكم حكم الله، وأن الحق للمحكوم له على المحكوم عليه، ويفتي; أي: يخبر عن حكم الله وشرعه، ويُلزِم الخصمين بما حكم به.
مناسبة الباب لكتاب التوحيد
أن من تسمى بهذا الاسم; فقد جعل نفسه شريكا مع الله فيما لا يستحقه إلا الله; لأنه لا أحد يستحق أن يكون قاضي القضاة، أو حاكم الحكام، أو ملك الأملاك، إلا الله ; فالله هو القاضي فوق كل قاض، وهو الذي له الحكم، ويُرجَع إليه الأمر كله، كما ذكر الله ذلك في القرآن.стр. 822
......................................................................
الحواشي
(١) وقد تقدم أن قضاء الله ينقسم إلى قسمين:
١- قضاء كوني.
٢- قضاء شرعي.
والقضاء الكوني لا بد من وقوعه، ويكون فيما أحب الله، وفيما كرهه، قال تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: من الآية ٤] ; فهذا قضاء كوني متعلق بما يكرهه الله; لأن الفساد في الأرض لا يحبه الله، والله لا يحب المفسدين، وهذا القضاء الكوني لا بد أن يقع ولا معارض له إطلاقا.
وأما النوع الثاني من القضاء، وهو القضاء الشرعي; فمثل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: ٢٣] ، والقضاء الشرعي لا يلزم منه وقوع المقضي، فقد يقع وقد لا يقع، ولكنه يتعلق فيما يحبه الله، وقد سبق الكلام على ذلك.
فإن قلت: إذا أضفنا القضاة وحصرناها بطائفة معينة، أو ببلد معين، أو بزمان معين، مثل أن يقال: قاضي القضاة في الفقه، أو قاضي قضاة المملكة العربية السعودية، أو قاضي قضاة مصر، أو الشام، أو ما أشبه ذلك; فهل يجوز هذا؟
فالجواب: أن هذا جائز; لأنه مقيد، ومعلوم أن قضاء الله لا يتقيد، فحينئذ لا يكون فيه مشاركة لله ، على أنه لا ينبغي أيضا أن يتسمى الإنسان بذلك، أو يسمى به، وإن كان جائزا; لأن النفس قد تصعب السيطرة عليها، فيما إذا شعر الإنسان بأنه موصوف بقاضي قضاة الناحية الفلانية، فقد يأخذه الإعجاب بالنفس، والغرور، حتى لا يقبل الحق إذاстр. 823
......................................................................
الحواشي
(١) خالف قوله، وهذه مسألة عظيمة لها خطرها، إذا وصلت بالإنسان إلى الإعجاب بالرأي بحيث يرى أن رأيه مفروض على من سواه; فإن هذا خطر عظيم، فمع القول بأن ذلك جائز، لا ينبغي أن يقبله اسما لنفسه، أو وصفا له، ولا أن يتسمى به.
فإذا قُيِّد بزمان أو مكان ونحوهما; قلنا: إنه جائز، ولكن الأفضل ألا يفعل.
لكن إن قُيد بفن من الفنون; هل يكون جائزا؟
مقتضى التقييد أن يكون جائزا، لكن إن قُيِّد بالفقه، بأن قيل: (عالم العلماء في الفقه) ، وقلنا: إن الفقه يشمل أصول الدين وفروعه على حد قول الرسول ﷺ " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين "١ صار فيه عموم واسع، ومعنى هذا أن مرجع الناس كلهم في الشرع إليه; فهذا في نفسي منه شيء، والأولى التنزه عنه.
وأما إن قُيد بقبيلة; فهو جائز، لكن يجب مع الجواز مراعاة جانب الموصوف؛ أن لا يغتر، ويعجب بنفسه، ولهذا قال النبي ﷺ للمادح: "قطعت عنق صاحبك "٢.
وأما التسمي ب (شيخ الإسلام) ، مثل أن يقال: شيخ الإسلام ابن تيمية، أو شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أي أنه الشيخ المطلق الذي يرجع إليه الإسلام; فهذا لا يصح; إذ إن أبا بكر ﵁ أحق بهذا الوصف; لأنه أفضل الخلق بعد النبيين، ولكن إذا قصد بهذا الوصف أنه جدد في الإسلام، وحصل له أثر طيب في الدفاع عنه; فلا بأس بإطلاقه.
وأما بالنسبة للتسمي ب (الإمام) ; فهو أهون بكثير من التسمي ب (شيخ
_________
١أخرجه: البخاري في (العلم, باب من يرد الله به خيرا) , (١/٤٢) , ومسلم في (الزكاة, باب النهي عن المسألة) , (٢/٧١٨) ; من حديث معاوية ﵁.
٢أخرجه: البخاري في (الأدب, باب ما يكره من التمادح) , (٤/١٠٢) , ومسلم في (الزهد, باب النهي عن المدح) , (٤/٢٢٩٦) ; من حديث أبي بكرة ﵁.стр. 824
..
في " الصحيح " عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: " إن أخنع اسم عند الله....................................................................
الحواشي
(١) الإسلام) ; لأن النبي ﷺ سمى إمام المسجد إماما، ولو لم يكن عنده إلا اثنان.
لكن ينبغي أن ينبه أنه لا يتسامح في إطلاق كلمة إمام، إلا على من كان قدوة وله أتباع; كالإمام أحمد والبخاري ومسلم وغيرهم ممن له أثر في الإسلام; لأن وصف الإنسان بما لا يستحق هضم للأمة; لأن الإنسان إذا تصور أن هذا إمام، وهذا إمام، هان الإمام الحق في عينه، قال الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره ... إذا قيل إن السيف أمضى من العصا
ومن ذلك أيضا: (آية الله، حجة الله، حجة الإسلام) ; فإنها ألقاب حادثة، لا تنبغي؛ لأنه لا حجة لله على عباده إلا الرسل.
وأما آية الله، فإن أريد به المعنى الأعم; فلا مدح فيه؛ لأن كل شيء آية لله، كما قيل:
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد
وإن أريد المعنى الأخص; أي: أن هذا الرجل آية خارقة; فهذا في الغالب يكون مبالغا فيه، والعبارة السليمة أن يقال: عالم، مفتٍ، قاضٍ، حاكم، إمام، لمن كان مستحقا لذلك.
قوله: "في الصحيح" انظر الكلام عليها فيما سبق: (١/١٥٧) .
قوله: " إن أخنع اسم ": أي: أوضع اسم، والمراد بالاسم المسمى، فأوضع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك ; لأنه جعل نفسه في مرتبة عليا، فالملوك أعلى طبقات البشر من حيث السلطة; فجعل مرتبته فوقстр. 825
رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله "١.
الحواشي
(١) مرتبتهم، وهذا لا يكون إلا لله ، ولهذا عوقب بنقيض قصده; فصار أوضع اسم عند الله إذ قصده أن يتعاظم حتى على الملوك، فأهين، ولهذا كان أحب اسم عند الله ما دل على التذلل والخضوع، مثل: عبد الله، وعبد الرحمن، وأبغض اسم عند الله ما دل على الجبروت، والسلطة، والتعظيم.
قوله: " لا مالك إلا الله ": أي: لا مالك على الحقيقة الملك المطلق إلا الله تعالى. وأيضا لا مَلِك إلا الله ؛ ولهذا جاءت آية الفاتحة بقراءتين: "ملِكِ يوم الدين" و ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة:٤] ; لكي يجمع بين الملك وتمام السلطان; فهو - سبحانه - ملك مالك، ملك ذو سلطة وعظمة وقول نافذ، ومالك متصرف مدبر لجميع مملكته.
فالله له الخلق والملك والتدبير; فلا خالق إلا الله، ولا مدبر إلا الله، ولا مالك إلا الله، قال تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: من الآية٣] ; فالاستفهام بمعنى النفي، وقد أشرب معنى التحدي، أي إن وجدتموه فهاتوه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [الحجر:٨٦] فيها توكيد، وحصر، وهذا دليل انفراده بالخلق، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: من الآية٧٣] ; ف "الذين": اسم موصول يشمل كل من يُدعى من دون الله، ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً﴾ [الحج: من الآية٧٣] وهذا على سبيل المبالغة; وما كان على سبيل المبالغة; فلا مفهوم له كثرة أو قلة.
_________
١أخرجه: البخاري في (الأدب, باب أبغض الأسماء إلى الله تعالى) , (٤/١٢٩) , ومسلم في (الآداب,. باب تحريم التسمي بملك الأملاك) , (٣/١٦٨٨) .стр. 826
قال سفيان: " مثل شاهان شاه".
وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه "١.
قوله: " أخنع"، يعني: أوضع.
الحواشي
(١) وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: من الآية١] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ [آل عمران: من الآية٢٦] ، وهذا دليل انفراده بالملك، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: من الآية٣١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ. سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ (المؤمنون:٨٨، ٨٩) .
قوله: "قال سفيان (هو ابن عيينة) : مثل شاهان شاه": وهذا باللغة الفارسية; فشاهان: جمع بمعنى أملاك، وشاه مفرد بمعنى ملك، والتقدير أملاك ملك; أي: ملك الأملاك، لكنهم في اللغة الفارسية يقدمون المضاف إليه على المضاف.
قوله: وفي رواية: " أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه " أغيظ: من الغيظ وهو الغضب; أي: إن أغضب شيء عند الله وأخبثه هو هذا الاسم، وإذا كان سببا لغضب الله وخبيثا; فإن التسمي به من الكبائر.
وقوله: "أغيظ": فيه إثبات الغيظ لله ، فهي صفة تليق بالله ، كغيرها من الصفات، والظاهر أنها أشد من الغضب.
_________
١أخرجه: مسلم في (الآداب, باب تحريم التسمي بملك الأملاك) , (٣/١٦٨٨) .стр. 827
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن التسمي بملك الأملاك
الثانية: أن ما في معناه مثله; كما قال سفيان
الثالثة: التفطن للتغليظ في هذا ونحوه، مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه.
الحواشي
(٦٢٠٦) , ومسلم: الآداب(٢١٤٣) , والترمذي: الأدب(٢٨٣٧) , وأبو داود: الأدب(٤٩٦١) , وأحمد (٢/٢٤٤) .стр. 828
الرابعة: التفطن أن هذا لأجل الله سبحانه.
الحواشي
(٢١٤٣) , وأحمد (٢/٣١٥) .стр. 829
باب: احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك
.......................................................................
الحواشي
(١) باب احترام أسماء الله ... إلخ
أسماء الله هي: التي سمى بها نفسه، أو سماه بها رسوله ﷺ .
وقد سبق لنا الكلام فيها في مباحث كثيرة، منها:
هل أسماء الله مترادفة أو متباينة؟
وقلنا: باعتبار دلالتها على الذات مترادفة; لأنها تدل على ذات واحدة، وهو الله .
وباعتبار دلالتها على المعنى، والصفة التي تحملها متباينة، وإن كان بعضها قد يدل على ما تضمنه الآخر من باب دلالة اللزوم; فمثلا: (الخلّاق) يتضمن الدلالة على العلم المستفاد من اسم العليم، لكنه بالالتزام، وعلى القدرة المستفادة من اسم القدير، لكن بالالتزام.
الثاني: هل أسماء الله مشتقة أو جامدة (يعني: هل المراد بها الدلالة على الذات فقط، أو على الذات والصفة) ؟
الجواب: على الذات والصفة، أما أسماؤنا نحن; فيراد بها الدلالة على الذات فقط، فقد يسمى محمدا وهو من أشد الناس ذما، وقد يسمى عبد الله وهو من أفجر عباد الله.
أما أسماء الله ، وأسماء الرسول ﷺ وأسماء القرآن، وأسماء اليوم الآخر، وما أشبه ذلك; فإنها أسماء متضمنة للأوصاف.
الثالث: أسماء الله بعضها معلوم لنا، وبعضها غير معلوم، بدليل قول الرسول ﷺ في الحديث الصحيح في دعاء الكرب: " أسألك اللهم بكلстр. 830
......................................................................
الحواشي
(٢٧٣٦) , ومسلم: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار(٢٦٧٧) , والترمذي: الدعوات(٣٥٠٨) , وابن ماجه: الدعاء(٣٨٦٠) , وأحمد (٢/٤٢٧, ٢/٤٩٩, ٢/٥٠٣ ,٢/٥١٦) .
٣سبق (ص ١٨٦) .
٤وانظر تعيينها في: "القواعد المثلى" للشارح حفظه الله.стр. 831
......................................................................
الحواشي
(١) فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: من الآية١٨٠] .بأن تجعلها وسيلة إلى مطلوبك، فتختار الاسم المناسب لمطلوبك، فعند سؤال المغفرة تقول: يا غفور! وليس من المناسب أن تقول: يا شديد العقاب! اغفر لي، بل هذا يشبه الاستهزاء، بل تقول: أجرني من عقابك.
الوجه الثاني: أن تتعرض في عبادتك لما تقتضيه هذه الأسماء; فمقتضى الرحيم الرحمة، فاعمل العمل الصالح الذي يكون جالبا لرحمة الله، ومقتضى الغفور المغفرة، إذن افعل ما يكون سببا في مغفرة ذنوبك.
هذا هو معنى إحصائها، فإذا كان كذلك; فهو جدير لأن يكون ثمنا لدخول الجنة، وهذا الثمن ليس على وجه المقابلة، ولكن على وجه السبب; لأن الأعمال الصالحة سبب لدخول الجنة وليست بدلا، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قوله: " لن يدخل الجنة أحد بعمله. قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: ولا أنا; إلا أن يتغمدني الله برحمته "١.
فلا تغتر يا أخي بعملك، ولا تعجب فتقول: أنا عملت كذا وكذا، وسوف أدخل الجنة، قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: من الآية١٧] ، هذا باعتبار ما نراه نحن نحو أعمالنا; فيجب أن نرى لله المنة والفضل علينا، لكن باعتبار الجزاء، قال تعالى: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [الرحمن:٦٠] ; فنؤمن بأن الله تعالى يجزي الإحسان بالإحسان.
السابع: أسماء الله ودلالتها على الذات والصفة جميعا؛
_________
١أخرجه: البخاري في (الرقاق, باب القصد والمداومة) , (٤/١٨٤) , ومسلم في (المنافقين, باب لن يدخل أحد الجنة بعمله) , (٤/٢١٦٩) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 832
......................................................................
الحواشي
(١) دلالة مطابقة، ودلالتها على الذات وحدها، أو على الصفة وحدها؛ دلالة تضمُّن، ودلالتها على أمر خارج؛ دلالة التزام.
مثال ذلك: (الخلاق) دل على الذات، وهو الرب وعلى الصفة وهي الخلق جميعا دلالة مطابقة، ودل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ودل على القدرة والعلم دلالة التزام.
الثامن: أسماء الله لا يتم الإيمان بها إلا بثلاثة أمور؛ إذا كان الاسم متعديا: الإيمان بالاسم اسما لله، والإيمان بما تضمنه من صفة، وما تضمنه من أثر وحكم; فالعليم مثلا لا يتم الإيمان به حتى نؤمن بأن العليم من أسماء الله، ونؤمن بما تضمنه من صفة العلم، ونؤمن بالحكم المرتب على ذلك، وهو أنه يعلم كل شيء، وإذا كان الاسم غير متعد; فنؤمن بأنه من أسماء الله، وبما يتضمنه من صفة.
التاسع: أن من أسماء الله ما يختص به; مثل الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك، ومنها ما لا يختص به، مثل: الرحيم، السميع، العليم، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان:٢] ، وقال تعالى عن النبي ﷺ ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: من الآية١٢٨] .
قوله: "باب احترام أسماء الله": أي: وجوب احترام أسماء الله؛ لأن احترامها احترام لله ، ومن تعظيم الله ، فلا يسمى أحد باسم مختص بالله، وأسماء الله تنقسم إلى قسمين:
الأول: ما لا يصح إلا لله; فهذا لا يسمى به غيره، وإن سمي وجب تغييره; مثل: الله، الرحمن، رب العالمين، وما أشبه ذلك.стр. 833
عن أبي شريح; أنه كان يكنى أبا الحكم، فقال له النبي ﷺ "إن الله هو الحكم، وإليه الحكم "..........................................
الحواشي
(١) الثاني: ما يصح أن يسمى به غير الله; مثل: الرحيم، والسميع، والبصير، فإن لوحظت الصفة منع من التسمي به، وإن لم تلاحظ الصفة جاز التسمي به على أنه علم محض.
قوله: "عن أبي شريح": هو هانئ بن يزيد الكندي، جاء وافدا إلى النبي ﷺ مع قومه.
وقوله: "يكنى أبا الحكم": أي: ينادى به والكنية ما صدر بأب أو أم أو أخ أو عم أو خال، وتكون للمدح كما في هذا الحديث، وتكون للذم كأبي جهل، وتكون لمصاحبة الشيء وملازمته كأبي هريرة، وتكون لمجرد العلمية كأبي بكر ﵁، وأبي العباس شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀؛ لأنه ليس له ولد.
قوله: " إن الله هو الحكم وإليه الحكم " "هو الحكم"; أي: المستحق أن يكون حاكما على عباده، حاكما بالفعل، يدل له قوله: "وإليه الحكم".
وقوله: "وإليه الحكم": الخبر فيه جار ومجرور مقدم، وتقديم الخبر يفيد الحصر، وعلى هذا يكون الحكم راجعا إلى الله وحده.
وحكم الله ينقسم إلى قسمين:
الأول: كوني، وهذا لا راد له; فلا يستطيع أحد أن يرده، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف: من الآية٨٠] .стр. 834
فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء; أتوني، فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين. فقال: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح، ومسلم، وعبد الله،.............................................................
الحواشي
(١) الثاني: شرعي، وينقسم الناس فيه إلى قسمين: مؤمن، وكافر; فمن رضيه وحكم به فهو مؤمن، ومن لم يرض به ولم يحكم به؛ فهو كافر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: من الآية١٠] وأما قوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ [التين:٨] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: من الآية٥٠] ; فهو يشمل الكوني والشرعي، وإن كان ظاهر الآية الثانية أن المراد الحكم الشرعي; لأنه في سياق الحكم الشرعي، والشرعي يكون تابعا للمحبة والرضا والكراهة والسخط، والكوني عام في كل شيء.
وفي الحديث دليل على أن من أسمائه تعالى: (الحكم) .
وأما بالنسبة للعدل; فقد ورد عن بعض الصحابة أنه قال: "إن الله حكم عدل" ولا أعرف فيه حديثا مرفوعا، ولكن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً﴾ [المائدة: من الآية٥٠] ، لا شك أنه متضمن للعدل، بل هو متضمن للعدل وزيادة.
قوله: "فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني": هذا بيان لسبب تسميته بأبي الحكم.
قوله: "ما أحسن هذا": الإشارة تعود إلى إصلاحه بين قومه لا إلى تسميته بهذا الاسم; لأن النبي ﷺ غيره.
قوله: "شريح، ومسلم، وعبد الله": الظاهر: أنه ليس له إلا الثلاثة; لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، فلو كان عنده بنات لعدهن.стр. 835
قال: فمن أكبرهم؟. قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح " رواه أبو داود وغيره١.
فيه مسائل:
الأولى: احترام أسماء الله وصفاته، ولو لم يقصد معناه.
الحواشي
(٨١١) , وأبو داود في (الأدب, باب في تغيير الاسم القبيح) , (٥/٢٤٠) , والنسائي في (القضاء, باب إذا حكموا رجلا فقضى بينهم) , (٨/٢٢٦) , والدولابي في "الكنى" (١/٧٤) , والبيهقي (١٠/١٤٥) ; عن يزيد بن مقدام بن شريح, عن أبيه شريح, عن أبيه هانئ أبي شريح الخزاعي. وأخرجه: ابن سعد (٦/ ٤٩) , والحاكم (٤/ ٢٧٩) , من طريق قيس بن الربيع. وفي توثيقه خلاف, والحديث صححه الألباني في "الإرواء" (٨/ ٢٣٧) , وفي "تعليقه على المشكاة"(٤٧٦٦) ; وقال: "إسناده جيد".стр. 836
الثانية: تغيير الاسم لأجل ذلك.
الثالثة: اختيار أكبر الأبناء للكنية.
الحواشي
(٥٣٨٧) , وأبو داود: الأدب(٤٩٥٥) .стр. 837
......................................................................
الحواشي
(١) وأما الشرعي; فهو محك الفتنة والامتحان والاختبار، فمن شرّع للناس شرعا سوى شرع الله، ورأى أنه أحسن من شرع الله وأنفع للعباد، أو أنه مساو لشرع الله، أو أنه يجوز ترك شرع الله إليه; فإنه كافر لأنه جعل نفسه ندا لله ، سواء في العبادات، أو المعاملات، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:٥٠] ; فدلت الآية على أنه لا أحد أحسن من حكم الله، ولا مساو لحكم الله; لأن أحسن اسم تفضيل: معناه لا يوجد شيء في درجته، ومن زعم ذلك; فقد كذّب الله . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية٤٤] ، وهذا دليل على أنه لا يجوز العدول عن شرع الله إلى غيره، وأنه كفر.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: من الآية٤٧] .
قلنا: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [النساء:٦٠، ٦١] وهذا دليل على كفرهم; لأنه قال: "يزعمون أنهم آمنوا"، وهذا إنكار لإيمانهم; فظاهر الآية أنهم يزعمون بلا صدق ولا حق.
فقوله ﷺ "وإليه الحكم" يدل على أن من جعل الحكم لغير الله; فقد أشرك.
فائدة:
يجب على طالب العلم أن يعرف الفرق بين التشريع الذي يجعل نظاما يمشي عليه، ويستبدل به القرآن، وبين أن يحكم في قضية معينة بغيرстр. 838
......................................................................
الحواشي
(١) ما أنزل الله; فهذا قد يكون كفرا أو فسقا أو ظلما.
فيكون كفرا إذا اعتقد أنه أحسن من حكم الشرع أو مماثل له. ويكون فسقا إذا كان لهوى في نفس الحاكم.
ويكون ظلما إذا أراد مضرة المحكوم عليه، وظهور الظلم في هذه أبين من ظهوره في الثانية، وظهور الفسق في الثانية أبين من ظهوره في الثالثة.
٣- تغيير الاسم إلى ما هو أحسن إذا تضمن أمرا لا ينبغي، كما غيّر النبي ﷺ بعض الأسماء المباحة، ولا يحتاج ذلك إلى إعادة العقيقة، كما يتوهمه بعض العامة.стр. 839
باب: من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
.......................................................................
الحواشي
(١) هذه الترجمة فيها شيء من الغموض، والظاهر أن المراد من هزل بشيء فيه ذكر الله مثل الأحكام الشرعية، أو هزل بالقرآن، أو هزل بالرسول ﷺ ، فيكون معطوفا على قوله بشيء.
والمراد بالرسول هنا: اسم الجنس، فيشمل جميع الرسل، وليس المراد محمدا ﷺ ; ف (أل) للجنس وليست للعهد.
قوله: "من هزل": سخر واستهزأ ورآه لعبا ليس جدا.
ومن هزل بالله، أو بآياته الكونية أو الشرعية، أو برسله، فهو كافر; لأن منافاة الاستهزاء للإيمان منافاة عظيمة.
كيف يسخر ويستهزئ بأمر يؤمن به؟! فالمؤمن بالشيء لا بد أن يعظمه، وأن يكون في قلبه من تعظيمه ما يليق به.
والكفر كفران: كفر إعراض، وكفر معارضة، والمستهزئ كافر كفر معارضة; فهو أعظم ممن يسجد لصنم فقط.
وهذه المسألة خطيرة جدا، ورب كلمة أوقعت بصاحبها البلاء، بل والهلاك وهو لا يشعر; فقد يتكلم الإنسان بالكلمة من سخط الله ، لا يلقي لها بالا يهوي بها في النار.
فمن استهزأ بالصلاة - ولو نافلة -، أو بالزكاة، أو الصوم، أو الحج; فهو كافر بإجماع المسلمين، كذلك من استهزأ بالآيات الكونية، بأن قال مثلا: إن وجود الحر في أيام الشتاء سفه، أو قال: إن وجود البرد في أيام الصيف سفه; فهذا كفر مخرج عن الملة; لأن الرب كل أفعاله مبنية على الحكمة، وقد لا نستطيع بلوغها، بل لا نستطيع بلوغها.стр. 840
......................................................................
الحواشي
(١) ثم اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن سب الله أو رسوله أو كتابه: هل تقبل توبته؟ على قولين:
القول الأول: أنها لا تقبل، وهو المشهور عند الحنابلة، بل يقتل كافرا، ولا يصلى عليه، ولا يدعى له بالرحمة، ويدفن في محل بعيد عن قبور المسلمين، ولو قال: إنه تاب أو إنه أخطأ; لأنهم يقولون: إن هذه الردة أمرها عظيم، وكبير، لا تنفع فيها التوبة.
وقال بعض أهل العلم: إنها تقبل؛ إذا علمنا صدق توبته إلى الله، وأقر على نفسه بالخطأ، ووصف الله تعالى بما يستحق من صفات التعظيم، وذلك لعموم الأدلة الدالة على قبول التوبة; كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر: من الآية٥٣] ، ومن الكفار من يسبون الله، ومع ذلك تقبل توبتهم. وهذا هو الصحيح، إلا أن سابَّ الرسول ﷺ تقبل توبته ويجب قتله، بخلاف من سب الله; فإنها تقبل توبته ولا يقتل، لا لأن حق الله دون حق الرسول ﷺ ، بل لأن الله أخبرنا بعفوه عن حقه إذا تاب العبد إليه؛ بأنه يغفر الذنوب جميعا، أما ساب الرسول ﷺ فإنه يتعلق به أمران:
الأول: أمر شرعي لكونه رسول الله ﷺ ، ومن هذا الوجه تقبل توبته إذا تاب.
الثاني: أمر شخصي؛ لكونه من المرسلين، ومن هذا الوجه يجب قتله لحقه ﷺ ، ويقتل بعد توبته على أنه مسلم، فإذا قتل; غسلناه، وكفناه، وصلينا عليه، ودفناه مع المسلمين. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ألف كتابا في ذلك اسمه: "الصارم المسلول في حكم قتل ساب الرسول"، أو:стр. 841
وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] الآية.
الحواشي
(١) "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ ، وكذا لو قذفه; فإنه يقتل ولا يجلد.
فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ ، وقَبِل منه وأطلقه؟
أجيب: بلى، هذا صحيح، لكن هذا في حياته ﷺ ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته; فلا ندري، فننفذ ما نراه واجبا في حق من سبه ﷺ .
فإن قيل: احتمال كونه يعفو عنه أو لا يعفو موجبا للتوقف؟
أجيب: إنه لا يوجب التوقف; لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.
فإن قيل: أليس الغالب أن الرسول ﷺ عفا عمَّن سبه؟
أجيب: بلى، وربما كان في حياة الرسول ﷺ إذا عفا؛ قد تحصل المصلحة ويكون في ذلك تأليف، كما أنه ﷺ يعلم أعيان المنافقين ولم يقتلهم; لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لكن الآن لو علمنا أحدا بعينه من المنافقين لقتلناه، قال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول ﷺ فقط.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] الخطاب للنبي ﷺ ، أي: سألت هؤلاء الذين يخوضون ويلعبون بالاستهزاء بالله وكتابه ورسوله والصحابة.стр. 842
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "ليقولن": جواب القسم، قال ابن مالك:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم١
ولهذا جاءت اللام التي تقترن بجواب القسم، دون الفاء التي تقع في جواب الشرط.
قوله: "ليقولن" ; أي: المسئولون.
قوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] أي: ما لنا قصد، ولكننا نخوض ونلعب، واللعب يقصد به الهزء، وأما الخوض; فهو كلام عائم لا زمام له. هذا إذا وصف بذلك القول، وأما إذا لم يوصف به القول; فإنه يكون الخوض في الكلام واللعب في الجوارح.
وقوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] "إنما": أداة حصر; أي: ما شأننا وحالنا إلا أننا نخوض ونلعب.
قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] الاستفهام للإنكار والتعجب، فينكر عليهم أن يستهزئوا بهذه الأمور العظيمة، ويتعجب كيف يكون أحق الحق محلا للسخرية؟
قوله: "أبالله": أي: بذاته وصفاته.
قوله: "وآياته": جمع آية ويشمل: الآيات الشرعية; كالاستهزاء بالقرآن، بأن يقال: هذا أساطير الأولين -والعياذ بالله-، أو يستهزأ بشيء من الشرائع; كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
والآيات الكونية; كأن يسخر بما قدّره الله تعالى، كيف يأتي هذا في
_________
١ "ألفية ابن مالك" (ص ٥٢) .стр. 843
......................................................................
الحواشي
(١) هذا الوقت؟ كيف يخرج هذا الثمر من هذا الشيء؟ كيف يخلق هذا الذي يضر الناس ويقتلهم؟ استهزاء وسخرية.
قوله: "ورسوله": المراد هنا محمد ﷺ .
قوله: "لا تعتذروا": المراد بالنهي التيئيس; أي: انههم عن الاعتذار تيئيسا لهم بقبول اعتذارهم.
قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية٦٦] أي: بالاستهزاء، وهم لم يكونوا منافقين خالصين، بل مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف؛ ولهذا لم يمنعهم من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ﷺ .
قوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: من الآية٦٦] "نعف": ضمير الجمع للتعظيم; أي: الله .
وقوله: ﴿عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ قال بعض أهل العلم: هؤلاء حضروا، وصار عندهم كراهية لهذا الشيء، لكنهم داهنوا؛ فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليه، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهة، ولهذا عفا الله عنهم، وهداهم للإيمان، وتابوا.
قوله:" نُعَذِّبْ طَائِفَةً ": هذا جواب الشرط; أي: لا يمكن أن نعفو عن الجميع، بل إن عفونا عن طائفة; فلا بد أن نعذب الآخرين.
قوله:" بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ": الباء للسببية; أي: بسبب كونهم مجرمين بالاستهزاء، وعندهم جرم - والعياذ بالله -; فلا يمكن أن يوفقوا للتوبة حتى يُعفى عنهم.
ويستفاد من الآيتين:стр. 844
......................................................................
الحواشي
(١) ١- بيان علم الله بما سيكون; لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] وهذا مستقبل; فالله عالم ما كان وما سيكون، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: من الآية١٢٣] .
٢- أن الرسول ﷺ يحكم بما أنزل الله إليه حيث أمره أن يقول: "أبالله وآياته".
٣- أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر; بدليل الاستفهام والتوبيخ.
٤- أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أعظم استهزاء وقبحا; لقوله: "أبالله وآياته ... "، وتقديم المتعلق يدل على الحصر، كأنه ما بقي إلا أن تستهزئوا بهؤلاء الذين ليسوا محلا للاستهزاء، بل أحق الحق هؤلاء الثلاثة.
٥- أن المستهزئ بالله يكفر; لقوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية٦٦] .
٦- استعمال الغلظة في محلها، وإلا فالأصل أن من جاء يعتذر يرحم، لكنه هنا ليس أهلا للرحمة.
٧- قبول توبة المستهزئ بالله ; لقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ وهذا أمر قد وقع، فإن من هؤلاء من عفي عنه، وهُدِيَ للإسلام، وتاب، وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح؛ أن المستهزئ بالله تقبل توبته، لكن لا بد من دليل بيّن على صدق توبته; لأن كفره من أشد الكفر، أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحد.
وهؤلاء الذين حضروا السب مثل الذين سبوا، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَстр. 845
عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة; دخل حديث بعضهم في بعض: "أنه قال رجل في غزوة تبوك:........................
الحواشي
(١) عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: من الآية١٤٠] وهم يستطيعون المفارقة، والنبي ﷺ امتثل أمر الله بتبليغهم، حتى إن الرجل الذي جاء يعتذر صار يقول له: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: الآية٦٥، ٦٦] ، ولا يزيد على هذا أبدا، مع إمكان أن يزيده توبيخا وتقريعا.
قوله: "عن ابن عمر": هو عبد الله.
وقوله: "ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة": والثلاثة تابعيون; فالرواية عن ابن عمر مرفوعة، وعن الثلاثة الآخرين مرسلة.
قوله: "دخل حديث بعضهم في بعض": أي: إن هذا الحديث مجموع من كلامهم، وهذا يفعله بعض أئمة الرواة كالزهري وغيره، فيحدثه جماعة بشأن قصة من القصص، كحديث الإفك مثلا، فيجمعون هذا ويجعلونه في حديث واحد، ويشيرون إلى هذا، فيقولون -مثلا-: دخل حديث بعضهم في بعض، أو يقول: حدثني بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا، وما أشبه ذلك.
قوله: "في غزوة تبوك": تبوك في أطراف الشام، وكانت هذه الغزوة في رجب حين طابت الثمار، وكان مع الرسول ﷺ في هذه الغزوة نحو ثلاثين ألفا، ولما خرجوا رجع عبد الله بن أبي بنحو نصف المعسكر، حتى قيل: إنه لا يدرى أي الجيشين أكثر: الذين رجعوا، أو الذين ذهبوا؟следующие страницы →