Полный текст (1 122 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] الآية.
الحواشي
(١) "الصارم المسلول على شاتم الرسول"، وذلك لأنه استهان بحق الرسول ﷺ ، وكذا لو قذفه; فإنه يقتل ولا يجلد.
فإن قيل: أليس قد ثبت أن من الناس من سب الرسول ﷺ ، وقَبِل منه وأطلقه؟
أجيب: بلى، هذا صحيح، لكن هذا في حياته ﷺ ، وقد أسقط حقه، أما بعد موته; فلا ندري، فننفذ ما نراه واجبا في حق من سبه ﷺ .
فإن قيل: احتمال كونه يعفو عنه أو لا يعفو موجبا للتوقف؟
أجيب: إنه لا يوجب التوقف; لأن المفسدة حصلت بالسب، وارتفاع أثر هذا السب غير معلوم، والأصل بقاؤه.
فإن قيل: أليس الغالب أن الرسول ﷺ عفا عمَّن سبه؟
أجيب: بلى، وربما كان في حياة الرسول ﷺ إذا عفا؛ قد تحصل المصلحة ويكون في ذلك تأليف، كما أنه ﷺ يعلم أعيان المنافقين ولم يقتلهم; لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لكن الآن لو علمنا أحدا بعينه من المنافقين لقتلناه، قال ابن القيم: إن عدم قتل المنافق المعلوم إنما هو في حياة الرسول ﷺ فقط.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] الخطاب للنبي ﷺ ، أي: سألت هؤلاء الذين يخوضون ويلعبون بالاستهزاء بالله وكتابه ورسوله والصحابة.стр. 842
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "ليقولن": جواب القسم، قال ابن مالك:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم١
ولهذا جاءت اللام التي تقترن بجواب القسم، دون الفاء التي تقع في جواب الشرط.
قوله: "ليقولن" ; أي: المسئولون.
قوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] أي: ما لنا قصد، ولكننا نخوض ونلعب، واللعب يقصد به الهزء، وأما الخوض; فهو كلام عائم لا زمام له. هذا إذا وصف بذلك القول، وأما إذا لم يوصف به القول; فإنه يكون الخوض في الكلام واللعب في الجوارح.
وقوله: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] "إنما": أداة حصر; أي: ما شأننا وحالنا إلا أننا نخوض ونلعب.
قوله: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] الاستفهام للإنكار والتعجب، فينكر عليهم أن يستهزئوا بهذه الأمور العظيمة، ويتعجب كيف يكون أحق الحق محلا للسخرية؟
قوله: "أبالله": أي: بذاته وصفاته.
قوله: "وآياته": جمع آية ويشمل: الآيات الشرعية; كالاستهزاء بالقرآن، بأن يقال: هذا أساطير الأولين -والعياذ بالله-، أو يستهزأ بشيء من الشرائع; كالصلاة والزكاة والصوم والحج.
والآيات الكونية; كأن يسخر بما قدّره الله تعالى، كيف يأتي هذا في
_________
١ "ألفية ابن مالك" (ص ٥٢) .стр. 843
......................................................................
الحواشي
(١) هذا الوقت؟ كيف يخرج هذا الثمر من هذا الشيء؟ كيف يخلق هذا الذي يضر الناس ويقتلهم؟ استهزاء وسخرية.
قوله: "ورسوله": المراد هنا محمد ﷺ .
قوله: "لا تعتذروا": المراد بالنهي التيئيس; أي: انههم عن الاعتذار تيئيسا لهم بقبول اعتذارهم.
قوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية٦٦] أي: بالاستهزاء، وهم لم يكونوا منافقين خالصين، بل مؤمنين، ولكن إيمانهم ضعيف؛ ولهذا لم يمنعهم من الاستهزاء بالله وآياته ورسوله ﷺ .
قوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [التوبة: من الآية٦٦] "نعف": ضمير الجمع للتعظيم; أي: الله .
وقوله: ﴿عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ﴾ قال بعض أهل العلم: هؤلاء حضروا، وصار عندهم كراهية لهذا الشيء، لكنهم داهنوا؛ فصاروا في حكمهم لجلوسهم إليه، لكنهم أخف لما في قلوبهم من الكراهة، ولهذا عفا الله عنهم، وهداهم للإيمان، وتابوا.
قوله:" نُعَذِّبْ طَائِفَةً ": هذا جواب الشرط; أي: لا يمكن أن نعفو عن الجميع، بل إن عفونا عن طائفة; فلا بد أن نعذب الآخرين.
قوله:" بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ": الباء للسببية; أي: بسبب كونهم مجرمين بالاستهزاء، وعندهم جرم - والعياذ بالله -; فلا يمكن أن يوفقوا للتوبة حتى يُعفى عنهم.
ويستفاد من الآيتين:стр. 844
......................................................................
الحواشي
(١) ١- بيان علم الله بما سيكون; لقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] وهذا مستقبل; فالله عالم ما كان وما سيكون، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ [هود: من الآية١٢٣] .
٢- أن الرسول ﷺ يحكم بما أنزل الله إليه حيث أمره أن يقول: "أبالله وآياته".
٣- أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله من أعظم الكفر; بدليل الاستفهام والتوبيخ.
٤- أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله أعظم استهزاء وقبحا; لقوله: "أبالله وآياته ... "، وتقديم المتعلق يدل على الحصر، كأنه ما بقي إلا أن تستهزئوا بهؤلاء الذين ليسوا محلا للاستهزاء، بل أحق الحق هؤلاء الثلاثة.
٥- أن المستهزئ بالله يكفر; لقوله: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: من الآية٦٦] .
٦- استعمال الغلظة في محلها، وإلا فالأصل أن من جاء يعتذر يرحم، لكنه هنا ليس أهلا للرحمة.
٧- قبول توبة المستهزئ بالله ; لقوله: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ﴾ وهذا أمر قد وقع، فإن من هؤلاء من عفي عنه، وهُدِيَ للإسلام، وتاب، وتاب الله عليه، وهذا دليل للقول الراجح؛ أن المستهزئ بالله تقبل توبته، لكن لا بد من دليل بيّن على صدق توبته; لأن كفره من أشد الكفر، أو هو أشد الكفر، فليس مثل كفر الإعراض أو الجحد.
وهؤلاء الذين حضروا السب مثل الذين سبوا، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَстр. 845
عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة; دخل حديث بعضهم في بعض: "أنه قال رجل في غزوة تبوك:........................
الحواشي
(١) عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: من الآية١٤٠] وهم يستطيعون المفارقة، والنبي ﷺ امتثل أمر الله بتبليغهم، حتى إن الرجل الذي جاء يعتذر صار يقول له: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: الآية٦٥، ٦٦] ، ولا يزيد على هذا أبدا، مع إمكان أن يزيده توبيخا وتقريعا.
قوله: "عن ابن عمر": هو عبد الله.
وقوله: "ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، وقتادة": والثلاثة تابعيون; فالرواية عن ابن عمر مرفوعة، وعن الثلاثة الآخرين مرسلة.
قوله: "دخل حديث بعضهم في بعض": أي: إن هذا الحديث مجموع من كلامهم، وهذا يفعله بعض أئمة الرواة كالزهري وغيره، فيحدثه جماعة بشأن قصة من القصص، كحديث الإفك مثلا، فيجمعون هذا ويجعلونه في حديث واحد، ويشيرون إلى هذا، فيقولون -مثلا-: دخل حديث بعضهم في بعض، أو يقول: حدثني بعضهم بكذا، وبعضهم بكذا، وما أشبه ذلك.
قوله: "في غزوة تبوك": تبوك في أطراف الشام، وكانت هذه الغزوة في رجب حين طابت الثمار، وكان مع الرسول ﷺ في هذه الغزوة نحو ثلاثين ألفا، ولما خرجوا رجع عبد الله بن أبي بنحو نصف المعسكر، حتى قيل: إنه لا يدرى أي الجيشين أكثر: الذين رجعوا، أو الذين ذهبوا؟стр. 846
ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء; أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء (يعني: رسول الله ﷺ وأصحابه القراء) ...........................
الحواشي
(١) مما يدل على وفرة النفاق في تلك السنة، وكانت في السنة التاسعة، وسببها أنه قيل للنبي ﷺ : إن قوما من الروم، ومن متنصرة العرب يجمعون له، فأراد أن يغزوهم ﷺ ؛ إظهارا للقوة، وإيمانا بنصر الله .
قوله: "ما رأينا": تحتمل أن تكون بصرية، وتحتمل أن تكون علمية قلبية.
قوله: "مثل قرائنا": المفعول الأول، والمراد بهم الرسول ﷺ وأصحابه.
قوله: "أرغب بطونا": المفعول الثاني; أي: أوسع، وإنما كانت الرغبة هنا بمعنى السعة; لأنه كلما اتسع البطن رغب الإنسان في الأكل.
قوله: "ولا أكذب ألسنا": الكذب: هو الإخبار بخلاف الواقع، والألسن: جمع لسان، والمراد: ولا أكذب قولا، واللسان يطلق على القول كثيرا في اللغة العربية; كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: من الآية٤] ; أي: بلغتهم.
قوله: "ولا أجبن عند اللقاء": الجبن: هو خَوَر في النفس، يمنع المرء من الإقدام على ما يكره; فهو خلق نفسي ذميم، ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ منه١؛ لما يحصل فيه من الإحجام عما ينبغي الإقدام إليه; فلهذا كان صفة ذميمة، وهذه الأوصاف تنطبق على المنافقين لا على المؤمنين، فالمؤمن يأكل بمعي واحد: ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث
_________
١ أخرجه: البخاري (في الجهاد, باب ما يتعوذ من الجبن) , (٢/٣١٢) ; من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁.стр. 847
فقال له عوف بن مالك: كذبت، ولكنك منافق; لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره"...............................
الحواشي
(١) لنفسه، والكافر يأكل بسبعة أمعاء، والمؤمن أصدق الناس لسانا، ولاسيما النبي ﷺ وأصحابه; فإن الله وصفهم بالصدق في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:٨] .
والمنافقون أكذب الناس; كما قال الله فيهم: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الحشر: من الآية١١] ، وجعل النبي ﷺ الكذب من علامات النفاق١، والمنافقون من أجبن الناس، قال تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون: من الآية٤] ، فلو سمعوا أحدا ينشد ضالته; لقالوا: عدو، عدو، وهم أحب الناس للدنيا; إذ أصل نفاقهم من أجل الدنيا، ومن أجل أن تحمى دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.
قوله: "كذبت": أي: أخبرت بخلاف الواقع، وفي ذلك دليل على تكذيب الكذب مهما كان الأمر، وأن السكوت عليه لا يجوز.
قوله: "ولكنك منافق": لأنه لا يطلق هذه الأوصاف على رسول الله ﷺ وأصحابه رجل تسمى بالإسلام إلا منافق، وبهذا يعرف أن من يسب أصحاب رسول الله ﷺ أنه كافر; لأن الطعن فيهم طعن في الله ورسوله وشريعته.
فيكون طعنا في الله; لأنه طعن في حكمته، حيث اختار لأفضل خلقه أسوأ خلقه.
وطعنا في الرسول ﷺ لأنهم أصحابه، والمرء على دين خليله، والإنسان يُستدل على صلاحه أو فساده أو سوء
_________
١ أخرجه: البخاري في (الإيمان, باب علامة المنافق) , (١/٢٧) , ومسلم في (الإيمان, باب بيان خصال المنافق) , (١/٧٨) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 848
فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ ، وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله! إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عنا الطريق. قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة تنكب رجليه،..............................
الحواشي
(١) أخلاقه، أو صلاحها بالقرين.
وطعنا في الشريعة: لأنهم الواسطة بيننا وبين الرسول ﷺ في نقل الشريعة، وإذا كانوا بهذه المثابة; فلا يوثق بهذه الشريعة.
قوله: "فوجد القرآن قد سبقه": أي: بالوحي من الله تعالى، والله عليم بما يفعلون، وبما يريدون، وبما يبيتون، قال تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: من الآية١٠٨] .
قوله: "وقد ارتحل، وركب ناقته": الظاهر أن هذا من باب عطف التفسير; لأن ركوب الناقة هو الارتحال.
قوله: "كأني أنظر إليه": كأن إذا دخلت على مشتق; فهي للتوقع، وإذا دخلت على جامد; فهي للتشبيه، وهنا دخلت على جامد، والمعنى: كأنه الآن أمامي من شدة يقيني به.
قوله: "بنسعة": هي الحزام الذي يربط به الرحل.
قوله: "والحجارة تنكب رجليه": أي: يمشي والحجارة تضرب رجليه، وكأنه - والله أعلم - يمشي بسرعة، ولكنه لا يحس في تلك الحال; لأنه يريد أن يعتذر.стр. 849
وهو يقول: ﴿إنما كنا نخوض ونلعب﴾ . فيقول له رسول الله ﷺ : ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [التوبة: من الآية٦٥] ; ما يلتفت إليه وما يزيده عليه "١.
فيه مسائل:
الأولى: وهي العظيمة; أن من هزل بهذا كافر.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة وبين النصيحة لله ولرسوله.
الحواشي
(١) قوله: "وما يزيده عليه": أي: لا يزيده على ما ذكر من توبيخ؛ امتثالا لأمر الله ، وكفى بالقول الذي أرشد الله إليه نكاية وتوبيخا.
فيه مسائل:
الأولى - وهي العظيمة -: أن من هزل بهذا كافر: أي من هزل بالله وآياته ورسوله.
الثانية: أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان: أي: سواء كان منافقا أو غير منافق ثم استهزأ; فإنه يكفر كائنا من كان.
الثالثة: الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله: النميمة: من
_________
١ أخرجه: ابن جرير (١٠/ ١١٩) , وابن أبي حاتم; كما في "الصحيح المسند" لمقبل بن هادي (ص ٧٧) .стр. 850
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله، وبين الغلظة على أعداء الله.
الحواشي
(١) نَمَّ الحديث; أي: نقله ونسبه إلى غيره، وهي نقل كلام الغير للغير بقصد الإفساد، وهي من أكبر الذنوب، قال ﷺ : "لا يدخل الجنة نمام "١ وأخبر عن رجل يعذب في قبره; لأنه كان يمشي بالنميمة٢.
وأما النصيحة لله ورسوله; فلا يقصد بها ذلك، وإنما يقصد بها احترام شعائر الله ، وإقامة حدوده، وحفظ شريعته، وعوف بن مالك نقل كلام هذا الرجل؛ لأجل أن يقام عليه الحد، أو ما يجب أن يقام عليه، وليس قصده مجرد النميمة.
ومن ذلك: لو أن رجلا اعتمد على شخص ووثق به، وهذا الشخص يكشف سره، ويستهزئ به في المجالس، فإنك إذا أخبرت هذا الرجل بذلك; فليس هذا من النميمة، بل من النصيحة.
الرابعة: الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله:
العفو الذي يحبه الله: هو الذي فيه إصلاح; لأن الله اشترط ذلك في العفو فقال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ [الشورى: من الآية٤٠] ; أي: كان عفوه مشتملا على الإصلاح، وقال بعضهم: أي أصلح الود بينه وبين من أساء إليه، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن المراد به أصلح في عفوه; أي: كان في عفوه إصلاح. فمن كان عفوه إفسادا لا إصلاحا; فإنه آثم بهذا العفو، ووجه ذلك من الآية ظاهر; لأن الله قال: ﴿عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ ، ولأن العفو إحسان والفساد إساءة، ودفع الإساءة أولى، بل العفو حينئذ محرم.
والنبي ﷺ غَلَّظ على هذا الرجل لكونه ﷺ لم يلتفت إليه، ولا
_________
١ أخرجه: البخاري (١٠/ ٤٧٦- فتح) , ومسلم (١/ ١٠١) .
٢ أخرجه: البخاري (١/ ٣١٧- فتح) , ومسلم (١/ ٢٤٠) .стр. 851
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل.
الحواشي
(١) يزيد على هذا الكلام الذي أمره الله به مع أن الحجارة تنكب رجل الرجل، ولم يرحمه النبي ﷺ ولم يرق له، ولكل مقام مقال; فينبغي أن يكون الإنسان شديدا في موضع الشدة، لينا في موضع اللين، لكن أعداء الله الأصل في معاملتهم الشدة، قال تعالى في وصف الرسول ﷺ وأصحابه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: من الآية٢٩] ، وقال تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [التوبة: من الآية٧٣] ، ذكرها الله في سورتين من القرآن؛ مما يدل على أنها من أهم ما يكون، لكن استعمال اللين أحيانا للدعوة والتأليف قد يكون مستحسنا.
الخامسة: أن من الاعتذار ما لا ينبغي أن يقبل: فالأصل في الاعتذار أن يقبل، لاسيما إذا كان المعتذر محسنا، لكن حصلت منه هفوة، فإن علم أن الاعتذار باطل; فإنه لا يقبل.стр. 852
باب: قول الله تعالي: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [ فصلت: من الآية٥٠] الآية.
الحواشي
(١) مناسبة الباب ل"كتاب التوحيد"
أن الإنسان إذا أضاف النعمة إلى عمله وكسبه؛ ففيه نوع من الإشراك بالربوبية، وإذا أضافها إلى الله لكنه زعم أنه مستحق لذلك، وأن ما أعطاه الله ليس محض تفضل، لكن لأنه أهل; ففيه نوع من التَّعلِّي والترفع في جانب العبودية.
وقد ذكر الشيخ فيه آيتين:
الآية الأولى: ما ترجم به المؤلف، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ﴾ الضمير يعود على الإنسان، والمراد به الجنس. وقيل: المراد به الكافر.
والظاهر أن المراد به الجنس; إلا أنه يمنع من هذه الحال الإيمان، فلا يقول ذلك المؤمن، قال تعالى قبلها: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلا تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ لا يَسْأَمُ الأِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِстр. 853
......................................................................
الحواشي
(١) وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُوسٌ قَنُوطٌ﴾ [فصلت:٤٧، ٤٨، ٤٩] ، هذه حال الإنسان من حيث هو إنسان، لكن الإيمان يمنع الخصال السيئة المذكورة.
قوله: "منا": أضافه الله إليه; لوضوح كونها من الله، ولتمام منته بها.
قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ﴾ أي: أنه لم يذق الرحمة من أول أمره، بل أصيب بضراء; كالفقر وفقد الأولاد وغير ذلك، ثم أذاقه بعد ذلك الرحمة حتى يحس بها وتكون لذتها والسرور بها أعظم مثل الذائق للطعام بعد الجوع.
قوله: "مسته" وهو: أي: أصابته وأثرت فيه.
قوله: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ هذا كفر بنعمة الله وإعجاب بالنفس، واللام في قوله: "ليقولن" واقعة في جواب القسم المقدر قبل اللام في قوله:" وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ ".
قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ بعد أن انغمس في الدنيا نسي الآخرة، بخلاف المؤمن إذا أصابته الضراء لجأ إلى الله، ثم إذا كشفها، وجد بعد ذلك لذة وسرورا يشكر الله على ذلك، أما هذا; فقد نسي الآخرة وكفر بها.
قوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: من الآية٥٠] (إن) : شرطية وتأتي فيما يمكن وقوعه وفيما لا يمكن وقوعه; كقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: من الآية٦٥] ، والمعنى: على فرض أن أرجع إلى الله إن لي عنده للحسنى. والحسنى: اسم تفضيل; أي: الذي هو أحسن من هذا، واللام للتوكيد.стр. 854
قال مجاهد: " هذا بعملي، وأنا محقوق به".
وقال ابن عباس: " يريد: من عندي".
وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: من الآية٧٨]
قال قتادة: " على علم مني بوجوه المكاسب".
الحواشي
(١) قوله: ﴿فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [فصلت: من الآية٥٠] أي: فلننبئن هذا الإنسان، وأظهر في مقام الإضمار من أجل الحكم على هذا القائل بالكفر ولأجل أن يشمله الوعيد وغيره.
قول مجاهد: "هذا بعملي وأنا محقوق به": أي: هذا بكسبي، وأنا مستحق له.
قول ابن عباس: "يريد من عندي": أي: من حذقي وتصرفي، وليس من عند الله.
الآية الثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: من الآية٧٨] في القرآن آيتان: آية قال الله فيها: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: من الآية٤٩] ، الثانية: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ والظاهر من تفسير المؤلف أنه يريد الآية الثانية.
قوله: "على علم": في معناه أقوال:
الأول قال قتادة: على علم مني بوجوه المكاسب، فيكون العلم عائدا على الإنسان; أي: إنني عالم بوجوه المكاسب، ولا فضل لأحد علي فيما أوتيته، وإنما الفضل لي، وعليه يكون هذا كفرا بنعمة الله، وإعجابا بالنفس.стр. 855
وقال آخرون: على علم من الله أني له أهل.
وهذا معنى قول مجاهد: " أوتيته على شرف"١.
الحواشي
(١) الثاني قال آخرون: على علم من الله أني له أهل; فيكون بذلك مدلا على الله، وأنه أهل ومستحق لأن ينعم الله عليه، والعلم هنا عائد على الله; أي: أوتيت هذا الشيء على علم من الله أني مستحق له وأهل له.
الثالث قول مجاهد: "أوتيته على شرف"، وهو من معنى القول الثاني، فصار معنى الآية يدور على وجهين:
الوجه الأول: أن هذا إنكار أن يكون ما أصابه من النعمة من فضل الله، بل زعم أنها من كسب يده وعلمه ومهارته.
الوجه الثاني: أنه أنكر أن يكون لله الفضل عليه، وكأنه هو الذي له الفضل على الله; لأن الله أعطاه ذلك لكونه أهلا لهذه النعمة.
فيكون على كلا الأمرين غير شاكر لله ، والحقيقة أن كل ما نؤتاه من النعم فهو من الله; فهو الذي يسرها حتى حصلنا عليها، بل كل ما نحصل عليه من علم أو قدرة أو إرادة فمن الله; فالواجب علينا أن نضيف هذه النعم إلى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: من الآية٥٣] ، حتى ولو حصلت لك هذه النعمة بعلمك أو مهارتك; فالذي أعطاك هذا العلم أو المهارة هو الله ثم إن المهارة أو العلم قد لا يكون سببا لحصول الرزق; فكم من إنسان عالم أو ماهر حاذق، ومع ذلك لا يوفق بل يكون عاطلا؟!
وشكر النعمة له ثلاثة أركان:
١- الاعتراف بها في القلب.
_________
١ انظر: "تفسير ابن جرير" (١٠/ ١٠٧) , و"الدر المنثور" (٥/ ١٣٧) .стр. 856
وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: " إن ثلاثة من بني إسرائيل: أبرص وأقرع وأعمى،........................................
الحواشي
(١) ٢- الثناء على الله باللسان.
٣- العمل بالجوارح بما يرضي المنعم.
فمن كان عنده شعور في داخل نفسه أنه هو السبب لمهارته وجودته وحذقه; فهذا لم يشكر النعمة، وكذلك لو أضاف النعمة بلسانه إلى غير الله، أو عمل بمعصية الله في جوارحه، فليس بشاكر لله تعالى.
قوله: "وعن أبي هريرة ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: أن ثلاثة من بني إسرائيل ": جميع القصص الواردة في القرآن وصحيح السنة، ليس المقصود منها مجرد الخبر، بل يقصد منها العبرة والعظة، مع ما تكسب النفس من الراحة والسرور، قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: من الآية١١١] .
قوله: " من بني إسرائيل ": في محل نصب نعت ل "ثلاثة"، وبنو إسرائيل هم ذرية يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والتسليم.
قوله: "أبرص": أي: في جلده برص، والبرص داء معروف، وهو من الأمراض المستعصية التي لا يمكن علاجها بالكلية، وربما توصلوا أخيرا إلى عدم انتشارها وتوسعها في الجلد، لكن رفعها لا يمكن، ولهذا جعلها الله آية لعيسى، قال تعالى: ﴿وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي﴾ [المائدة: من الآية١١٠] .
قوله: "أقرع": مَنْ ليس على رأسه شعر.
قوله: "أعمى": من فقد البصر.стр. 857
فأراد الله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكا: فأتى الأبرص، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن، وجلد حسن، ويذهب عني الذي قد قذرني الناس به ".............................................................
الحواشي
(١) قوله: "فأراد الله" وفي بعض النسخ: "أراد الله": فعلى إثبات الفاء يكون خبر (إن) محذوفا دل عليه السياق تقديره: إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أنعم الله عليهم فأراد الله أن يبتليهم.
ولا يمكن أن يكون "أبرص وأقرع وأعمى" خبرا; لأنه بدل، وعلى حذف الفاء يكون الخبر جملة: "أراد الله"، والإرادة هنا كونية.
قوله: "يبتليهم": أي يختبرهم; كما قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: من الآية٣٥] ، وقال تعالى: [هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾ [النمل: من الآية٤٠] .
قوله: "ملكا": واحد الملائكة: وهم عَالَم غيبي، خلقهم الله من نور، وجعلهم قائمين بطاعة الله، لا يأكلون، ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، لهم أشكال وأعمال، ووظائف مذكورة في الكتاب والسنة، ويجب الإيمان بهم، وهو أحد أركان الإيمان الستة.
قال أهل اللغة: وأصل ال (ملك) مأخوذ من الأَلُوكَة، وهي الرسالة، وعلى هذا يكون أصله مَأْلكَ; فصار فيه إعلال قلبي، فصار مَلأَك، ثم نقلت حركة الهمزة إلى اللام الساكنة، وحذفت الهمزة تخفيفا، فصار مَلَك؛ ولهذا في الجمع تأتي الهمزة: ملائكة.
قوله: "ويذهب": يجوز فيه الرفع والنصب، والرفع أولى.
قوله: "قذرني": أي: استقذرني وكرهوا مخالطتي من أجله.
وقوله: "به": الباء للسببية; أي: بسببه.стр. 858
قال: فمسحه، فذهب عنه قذره، فأعطي لونا حسنا، وجلدا حسنا. قال: فأي المال أحب إليك; قال: الإبل أو البقر (شك إسحاق) . فأعطي ناقة عشراء، وقال: بارك الله لك فيها ".
قال: "فأتى الأقرع، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن، ويذهب عني الذي قذرني الناس به،.....................................
الحواشي
(١) قوله: "فمسحه": ليتبين أن لكل شيء سببا، وبرئ بإذن الله "فذهب عنه قذره": بدأ بذهاب القذر قبل اللون الحسن والجلد الحسن; لأنه يبدأ بزوال المكروه قبل حصول المطلوب، كما يقال: التخلية قبل التحلية.
قوله: "قال: الإبل أو البقر - شك إسحاق -": والظاهر: أنه الإبل كما يفيده السياق، وإسحاق أحد رواة الحديث.
قوله: "عشراء": قيل: هي الحامل مطلقا، وقال في "القاموس": هي التي بلغ حملها عشرة أشهر أو ثمانية، سخرها الله وذللها، ولعلها كانت قريبة من الملك فأعطاه إياها.
قوله: "بارك الله لك فيها": يحتمل أن لفظه لفظ الخبر ومعناه الدعاء، وهو الأقرب; لأنه أسلم من التقدير، ويحتمل أنه خبر محض، كأنه قال: هذه ناقة عشراء مبارك لك فيها ويكون المعنى على تقدير (قد) ; قد بارك الله لك فيها.
قوله: "فأتى الأقرع": وهو الرجل الثاني في الحديث.
قوله: "فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن "، ولم يكتف بمجرد الشعر، بل طلب شعرا حسنا.
قوله: "الذي قذرني الناس به": أي: القرع; لأنه إذا كان أقرع كرههстр. 859
فمسحه، فذهب عنه قذره، وأعطي شعرا حسنا. فقال: أي المال أحب إليك؟ قال: البقر أو الإبل. فأعطي بقرة حاملا; قال: بارك الله لك فيها. فأتى الأعمى، فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس. فمسحه، فرد الله إليه بصره. قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الغنم. فأعطي شاة والدا. فأنتج هذان وولد هذا،........................
الحواشي
(١) الناس واستقذروه، وهذا يدل على أنهم لا يُغَطُّون رءوسهم بالعمائم ونحوها، وقد يقال: يمكن أن يكون عليه عمامة يبدو بعض الرأس من جوانبها؛ فيكرهه الناس مما بدا منها.
قوله: " فذهب عنه قذره": يقال في تقديم ذهاب القذر ما سبق، وهذه نعمة من الله ؛ أن يستجاب للإنسان.
قوله: " البقر أو الإبل ": الشك من إسحاق، وسياق الحديث يدل على أنه أعطي البقر.
قوله: " فأتى الأعمى ": هذا هو الرجل الثالث في هذه القصة.
قوله: " فأبصر به الناس ": لم يطلب بصرا حسنا كما طلبه صاحباه، وإنما طلب بصرا يبصر به الناس فقط، مما يدل على قناعته بالكفاية.
قوله: " فرد الله إليه بصره": الظاهر أن بصره الذي كان معه من قبل هو ما يبصر به الناس فقط.
قوله: " قال: الغنم ": هذا يدل على زهده كما يدل على أنه صاحب سكينة وتواضع; لأن السكينة في أصحاب الغنم.
قوله: " شاة والدا ": قيل: إن المعنى قريبة الولادة، ويؤيده أن صاحبيه أعطيا أنثى حاملا، ولما يأتي من قوله: "فأنتج هذان وولد هذا"،стр. 860
فكان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم ".
قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجل مسكين، وابن سبيل،
الحواشي
(٣٤٦٤) , ومسلم: الزهد والرقائق(٢٩٦٤) .стр. 861
قد انقطعت بي الحبال في سفري; فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال; بعيرا أتبلغ به في سفري،............................................................
الحواشي
(١) ولهذا سمي طير الماء ابن الماء لملازمته له غالبا، فكل شيء يلازم شيئا; فإنه يصح أن يضاف إليه بلفظ البنوة.
قوله: " انقطعت بي الحبال في سفري " الحبال الأسباب; فالحبل يطلق على السبب وبالعكس، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ [الحج: من الآية١٥] ، ولأن الحبل سبب يتوصل به الإنسان إلى مقصوده كالرِّشاء يتوصل به الإنسان إلى الماء الذي في البئر.
قوله: " فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك " "لا": نافية للجنس، والبلاغ بمعنى الوصول، ومنه تبليغ الرسالة; أي: إيصالها إلى المرسل إليه، والمعنى: لا شيء يوصلني إلى أهلي إلا بالله ثم بك; فالمسألة فيها ضرورة.
قوله: "أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن" السؤال هنا ليس سؤال استخبار بل سؤال استجداء; لأن "سأل" تأتي بمعنى استجدى وبمعنى استخبر، تقول: سألته عن فلان; أي: استخبرته، وسألته مالا; أي: استجديته واستعطيته، وإنما قال: "أسألك بالذي أعطاك" ولم يقل: أسألك بالله; لأجل أن يذكره بنعمة الله عليه; ففيه إغراء له على الإعانة لهذا المسكين; لأنه جمع بين أمرين: كونه مسكينا، وكونه ابن سبيل; ففيه سببان يقتضيان الإعطاء.
وقوله: "بعيرا": يدل على أن الأبرص أعطي الإبل، وتعبير إسحاق "الإبل أو البقر" من باب ورعه.
قوله: "أتبلغ به في سفري": أي: ليس أطيب الإبل، وإنما ما يوصلني إلى أهلي فقط.стр. 862
فقال: الحقوق كثيرة. فقال له: كأني أعرفك! ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيرا، فأعطاك الله المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر. فقال: إن كنت كاذبا; فصيرك الله إلى ما كنت ".
الحواشي
(١) قوله: " الحقوق كثيرة ": أي: هذا المال الذي عندي متعلق به حقوق كثيرة، ليس حقك أنت فقط، وتناسى - والعياذ بالله - أن الله هو الذي مَنَّ عليه بالجلد الحسن واللون الحسن والمال.
قوله: "كأني أعرفك ": كأن هنا للتحقيق لا للتشبيه; لأنها إذا دخلت على جامد فهي للتشبيه، وإذا دخلت على مشتق; فهي للتحقيق أو للظن والحسبان، والمعنى: أني أعرفك معرفة تامة.
قوله: " ألم تكن أبرص يقذرك الناس " ذَكَّرَه الملك بنعمة الله عليه، وعرفه بما فيه من العيب السابق حتى يعرف قدر النعمة، والاستفهام للتقرير لدخوله على "لم"; كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١] .
قوله: " كابرا عن كابر ": أنكر أن المال من الله، لكنه لم يستطع أن ينكر البرص. و "كابرا" منصوبة على نزع الخافض; أي: من كابر; أي: ممن يكبرني وهو الأب، عن كابر له وهو الجد، وقيل: المراد الكبر المعنوي; أي: إننا شرفاء وسادة وفي نعمة من الأصل، وليس هذا المال مما تجدد، واللفظ يحتمل المعنيين جميعا.
قوله: "إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت " "إن": شرطية ولها مقابل، يعني: وإن كنت صادقا فأبقى الله عليك النعمة. فإن قيل: كيف يأتي ب "إن" الشرطية الدالة على الاحتمال مع أنه يعرف أنه كاذب؟стр. 863
قال: وأتى الأقرع في صورته، فقال له مثل ما قال لهذا، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا; فصيرك الله إلى ما كنت.
الحواشي
(١) أجيب: إن هذا من باب التنزل مع الخصم، والمعنى: إن كنت كما ذكرت عن نفسك; فأبقى الله عليك هذه النعمة، وإن كنت كاذبا وأنك لم ترثه كابرا عن كابر; فصيرك الله إلى ما كنت من البرص والفقر، ولم يقل: "إلى ما أقول"; لأنه كان على ذلك بلا شك.
والتنزل مع الخصم يرد كثيرا في الأمور المتيقنة; كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: من الآية٥٩] ، ومعلوم أنه لا نسبة، وأن الله خير مما يشركون، ولكن هذا من باب محاجة الخصم لإدحاض حجته.
قوله: " وأتى الأقرع في صورته " الفاعل المَلَك، وهنا قال: "في صورته" فقط وفي الأول قال: "في صورته وهيئته" فالظاهر أنه تصرف من الرواة، وإلا; فالغالب أن الصورة قريبة من الهيئة، وإن كانت الصورة تكون خلقة، والهيئة تكون تصنعا في اللباس ونحوه، وقد جاء في رواية البخاري: "في صورته وهيئته".
قوله: "فقال له مثل ما قال لهذا ": المشار إليه الأبرص.
قوله: "فرد عليه": أي: الأقرع.
قوله: " مثل ما رد عليه هذا ": أي: الأبرص. فكلا الرجلين - والعياذ بالله - غير شاكر لنعمة الله ولا معترف بها ولا راحم لهذا المسكين الذي انقطع به السفر.
قوله: " فصيرك الله إلى ما كنت عليه " أي: ردك الله إلى ما كنت عليه من القرع الذي يقذرك الناس به والفقر.стр. 864
قال: وأتى الأعمى في صورته، فقال: رجل مسكين وابن سبيل، قد انقطعت بي الحبال في سفري; فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك; شاة أتبلغ بها في سفري. قال: قد كنت أعمى فرد الله عليّ بصري; فخذ ما شئت، فوالله; لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله. فقال: أمسك مالك; فإنما ابتليتم؛.......................................
الحواشي
(١) قوله: " فرد الله عليّ بصري " اعترف بنعمة الله، وهذا أحد أركان الشكر والركن الثاني: العمل بالجوارح في طاعة المنعم، والركن الثالث: الاعتراف بالنعمة في القلب، قال الشاعر:
أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا
قوله: " فوالله; لا أجهدك بشيء أخذته لله " الجهد: المشقة، والمعنى: لا أشق عليك بمنع ولا منة، واعترافه بلسانه مطابق لما في قلبه، فيكون دالا على الشكر بالقلب بالتضمن.
قوله: "خذ ما شئت ودع ما شئت" هذا من باب الشكر بالجوارح; فيكون هذا الأعمى قد أتم أركان الشكر.
قوله: "لله": اللام للاختصاص، والمعنى: لأجل الله، وهذا ظاهر في إخلاصه لله; فكل ما تأخذه لله فأنا لا أمنعك منه ولا أردك.
قوله: " إنما ابتليتم ": أي: اختبرتم، والذي ابتلاهم هو الله تعالى، وظاهر الحديث أن قصتهم مشهورة معلومة بين الناس; لأن قوله: "إنما ابتليتم" يدل على أن عنده علما بما جرى لصاحبيه، وغالبا أن مثل هذه القصة تكون مشهورة بين الناس.стр. 865
فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك ". أخرجاه.١
стр. 866
......................................................................
الحواشي
(١) وللإنسان عند المصائب أربع مقامات:
جزع، وهو محرم.
صبر، وهو واجب.
رضا، وهو مستحب.
شكر، وهو أحسن وأطيب.
وهنا إشكال، وهو كيف يشكر الإنسان ربه على المصيبة، وهي لا تلائمه؟
أجيب: أن الإنسان إذا آمن بما يترتب على هذه المصيبة من الأجر العظيم؛ عرف أنها تكون بذلك نعمة، والنعمة تشكر.
وأما قوله ﷺ " فمن رضي; فله الرضا، ومن سخط; فله السخط "١ فالمراد بالرضا هنا الصبر، أو الرضا بأصل القضاء الذي هو فعل الله; فهذا يجب الرضا به لأن الله حكيم، ففرق بين فعل الله والمقضي. والمقضي ينقسم إلى: مصائب لا يلزم الرضا بها، وإلى أحكام شرعية يجب الرضا بها.
٧- جواز الدعاء المعلق; لقوله: "إن كنت كاذبا; فصيرك الله إلى ما كنت" وفي القرآن الكريم قال الله تعالى: ﴿وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٧] ، ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٩] ، وفي دعاء الاستخارة: " اللهم! إن كنت تعلم ... إلخ".
_________
١ سبق (ص ١٢١) .стр. 867
......................................................................
الحواشي
(١) ٨- جواز التنزل مع الخصم، فيما لا يقر به الخصم المتنزل لأجل إفحام الخصم; لأن الملك يعلم أنه كاذب، ولكن بناء على قوله: إن هذا ما حصل، وإن المال ورثه كابرا عن كابر.
وقد سبق بيان وروده في القرآن، ومنه أيضا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: من الآية٢٤] ، ومعلوم أن الرسول ﷺ وأصحابه على هدى، وأولئك على ضلال، ولكن هذا من باب التنزل معهم من باب العدل.
٩- أن بركة الله لا نهاية لها، ولهذا كان لهذا واد من الإبل، ولهذا واد من البقر، ولهذا واد من الغنم.
١٠- هل يستفاد منه أن دعاء الملائكة مستجاب أو أن هذه قضية عين؟
الظاهر أنه قضية عين، وإلا; لكان الرجل إذا دعا لأخيه بظهر الغيب، وقال الملك: آمين ولك بمثله، علمنا أن الدعاء قد استجيب.
١١- بيان أن شكر كل نعمة بحسبها; فشكر نعمة المال أن يبذل في سبيل الله، وشكر نعمة العلم أن يبذل لمن سأله بلسان الحال أو المقال، والشكر الأعم أن يقوم بطاعة المنعم في كل شيء.
ونظير هذا ما مر أن التوبة من كل ذنب بحسبه، لكن لا يستحق الإنسان وصف التوبة المطلق؛ إلا إذا تاب من جميع الذنوب.
١٢- جواز التمثيل، وهو أن يتمثل الإنسان بحال ليس هو عليها في الحقيقة، مثل أن يأتي بصورة مسكين وهو غني، وما أشبه ذلك، إذا كان فيه مصلحة، وأراد أن يختبر إنسانا بمثل هذا; فله ذلك.
١٣- أن الابتلاء قد يكون عاما وظاهرا، يؤخذ من قوله: "فإنما ابتليتم"، وقصتهم مشهورة كما سبق.стр. 868
......................................................................
الحواشي
(٧٧١) من حديث علي بن أبي طالب ﵁.стр. 869
......................................................................
الحواشي
(١) وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... كما أن عين السخط تبدي المساويا
لكن رضا الله مقرون بالحكمة، كما أن غضب الخالق ليس كغضب المخلوق; فلا تنتفي الحكمة مع غضب الخالق، بخلاف غضب المخلوق; فقد يخرجه عن الحكمة، فيتصرف بما لا يليق؛ لشدة غضبه.
ومن فسّر الرضا بالثواب أو إرادته; فتفسيره مردود عليه، فإنه إذا قيل: إن معنى "رضي"، أي: أراد أن يثيب، فمقتضاه أنه لا يرضى، ولو قالوا: لا يرضى لكفروا; لأنهم نفوها نفي جحود، لكن أَوّلُوها تأويلا يستلزم جواز نفي الرضا; لأن المجاز معناه نفي الحقيقة، وهذا أمر خطير جدا؛ ولهذا بيّن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم: أنه لا مجاز في القرآن ولا في اللغة، خلافا لمن قال: كل شيء في اللغة مجاز.
١٧- أن الصحبة تطلق على المشاكلة في شيء من الأشياء، ولا يلزم منها المقارنة; لقوله: " وسخط على صاحبيك "; فالصاحب هنا: من يشبه حاله في أن الله أنعم عليه بعد البؤس.
١٨- اختبار الله بما أنعم عليهم به.
١٩ أن التذكير قد يكون بالأقوال أو الأفعال أو الهيئات.
٢٠- أنه يجوز للإنسان أن ينسب لنفسه شيئا لم يكن من أجل الاختبار; لقول الملك: إنه فقير وابن سبيل.
٢١- أن هذه القصة كانت معروفة مشهورة; لقوله: "فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك ".стр. 870
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية.
الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: من الآية٥٠] .
الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: من الآية ٧٨] .
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة.
الحواشي
(١) فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآية: وهي قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ [فصلت: من الآية٥٠] وقد سبق أن الضمير في قوله: "أذقناه" يعود على الإنسان باعتبار الجنس.
الثانية: ما معنى: ﴿لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي﴾ اللام للاستحقاق، والمعنى: إني حقيق به وجدير به.
الثالثة: ما معنى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وقد سبق بيان ذلك.
الرابعة: ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة: وقد سبق ذكر عبر كثيرة منها، وهذا ليس استيعابا، ومن ذلك الفرق بين الأبرص والأقرع والأعمى، فإن الأبرص والأقرع جحدا نعمة الله ، والأعمى اعترف بنعمة الله، عندما طلب الملك من الأعمى المساعدة; قال: "خذ ما شئت"; فدل هذا على جوده وإخلاصه; لأنه قال: "فوالله; لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله " بخلاف الأبرص والأقرع، حيث كانوا أشحاء بخلاء منكرين نعمة الله .стр. 871
باب: قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [ الأعراف: من الآية١٩٠] الآية.
الحواشي
(١) قوله: ﴿فلما آتاهما﴾ الضمير يعود على ما سبق من النفس وزوجها، ولهذا ينبغي أن يكون الشرح من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩] .
قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ فيها قولان:
الأول: أن المراد بالنفس الواحدة: العين الواحدة; أي: من شخص معين، وهو آدم ﵇، وقوله: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: حواء; لأن حواء خلقت من ضلع آدم.
الثاني: أن المراد بالنفس الجنس، وجعل من هذا الجنس زوجه، ولم يجعل زوجه من جنس آخر، والنفس قد يراد بها الجنس; كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٤] ; أي: من جنسهم.
قوله: ﴿لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ سكون الرجل إلى زوجته ظاهر من أمرين:
أولا: لأن بينهما من المودة والرحمة ما يقتضي الأنس والاطمئنان والاستقرار.
ثانيا: سكون من حيث الشهوة، وهذا سكون خاص، لا يوجد له نظير حتى بين الأم وابنها.стр. 872
......................................................................
الحواشي
(١) لا يكني؛ لأن الحاجة هنا داعية للتصريح حتى يتبين الأمر جليا، ولأن الحدود تدرأ بالشبهات.
وتشبيه علو الرجل المرأة بالغشيان أمر ظاهر، كما أن الليل يستر الأرض بظلامه، قال تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل:١] ، وعبر بقوله: "تغشاها" ولم يقل: غشيها; لأن تغشى أبلغ، وفيه شيء من المعالجة، ولهذا جاء في الحديث: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها ((٢) ، الجلوس بين شعبها الأربع هذا غشيان، و "جهدها" هذا تغشي.
قوله: ﴿حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾ الحمل في أوله خفيف: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.
قوله: "فَمَرَّتْ بِهِ": المرور بالشيء تجاوزه من غير تعب ولا إعياء، والمعنى: تجاوزت هذا الحمل الخفيف من غير تعب ولا إعياء.
_________(١) أخرجه: البخاري في (الحدود, باب هل يقول الإمام للمقر لعلك لمست) , (٤/٢٥٦) .(٢) أخرجه: البخاري في (الغسل, باب إذا التقى الختانان) , (١/١١١) , ومسلم في (الحيض, باب نسخ الماء من الماء) , (١/٢٧١) .стр. 873
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "فلما أثقلت": الإثقال في آخر الحمل.
قوله: "دعوا الله"، ولم يقل: دعيا; لأن الفعل واوي; فعاد إلى أصله.
قوله: "الله ربهما": أتى بالألوهية والربوبية; لأن الدعاء يتعلق به جانبان:
الأول: جانب الألوهية من جهة العبد أنه داع، والدعاء عبادة.
الثاني: جانب الربوبية; لأن في الدعاء تحصيلا للمطلوب، وهذا يكون متعلقا بالله من حيث الربوبية.
والظاهر أنهما قالا: اللهم ربنا، ويحتمل أن يكون بصيغة أخرى.
قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ أي: أعطيتنا.
وقوله: ﴿صَالِحاً﴾ ; هل المراد صلاح البدن، أو المراد صلاح الدين، أي: لئن آتيتنا بشرا سويا، ليس فيه عاهة ولا نقص، أو صالحا بالدين; فيكون تقيا قائما بالواجبات؟
الجواب: يشمل الأمرين جميعا، وكثير من المفسرين لم يذكر إلا الأمر الأول، وهو الصلاح البدني، لكن لا مانع من أن يكون شاملا للأمرين جميعا.
قوله: ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ أي: من القائمين بشكرك على هذا الولد الصالح. والجملة هنا جواب قسم وشرط، قسم متقدم، وشرط متأخر، والجواب فيه للقسم؛ ولهذا جاء مقرونا باللام: لنكونن.
قوله: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً﴾ هنا حصل المطلوب، لكن لم يحصل الشكر الذي وعدا الله به، بل جعلا له شركاء فيما آتاهما.стр. 874
......................................................... ...
الحواشي
(١) وقوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] هذا جواب "لما". والجواب متعقب للشرط وهذا يدل على أن الشرك منهما حصل حين إتيانه وهو صغير، ومثل هذا لا يعرف أيصلح في دينه في المستقبل أم لا يصلح؟ ولهذا كان أكثر المفسرين على أن المراد بالصلاح، الصلاح البدني.
فمعاهدة الإنسان ربه أن يفعل العبادة مقابل تفضل الله عليه بالنعمة الغالب أنه لا يفي بها; ففي سورة التوبة قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة:٧٥، ٧٦] ، وفي هذه الآية قال تعالى: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩، ١٩٠] فكانا من المشركين لا من الشاكرين، وبهذا نعرف الحكمة من نهي النبي ﷺ عن النذر; لأن النذر معاهدة مع الله ، ولهذا نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: " إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل "١، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى تحريم النذر، وظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية أنه يميل إلى تحريم النذر٢؛ لأن رسول الله ﷺ نهى عنه، ونفى أنه يأتي بخير.
إذن ما الذي نستفيد من أمر نهى عنه الرسول ﷺ ، وقال: إنه لا يأتي بخير؟
الجواب; لا نستفيد إلا المشقة على أنفسنا، وإلزام أنفسنا بما نحن
_________
١ أخرجه مسلم في (النذر, باب النهي عن النذر) , (٣/١٢٦١) . وأخرج البخاري نحوه في (الإيمان, باب الوفاء بالنذر, ٤/٢٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁.
٢ انظر: "الاختيارات" (ص ٣٢٨) .стр. 875
......................................................................
الحواشي
(١) منه في عافية، ولهذا; فالقول بتحريم النذر قول قوي جدا، ولا يعرف مقدار وزن هذا القول إلا من عرف أسئلة الناس وكثرتها، ورأى أنهم يذهبون إلى كل عالم لعلهم يجدون خلاصا مما نذروا.
فإن قيل: هذا الولد الذي آتاهما الله كان واحدا; فكيف جعلا في هذا الولد الواحد شركا بل شركاء؟
فالجواب: أن نقول هذا على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن يعتقدا أن الذي أتى بهذا الولد هو الولي الفلاني، والصالح الفلاني، ونحو ذلك، فهذا شرك أكبر؛ لأنهما أضافا الخلق إلى غير الله.
ومن هذا أيضا ما يوجد عند بعض الأمم الإسلامية الآن; فتجد المرأة التي لا يأتيها الولد تأتي إلى قبر الولي الفلاني، كما يزعمون أنه ولي الله -والله أعلم بولايته-، فتقول: يا سيدي فلان! ارزقني ولدا.
الوجه الثاني: أن يضيف سلامة المولود ووقايته إلى الأطباء وإرشاداتهم، وإلى القوابل وما أشبه ذلك، فيقولون مثلا: سلم هذا الولد من الطلق; لأن القابلة امرأة متقنة جيدة; فهنا أضاف النعمة إلى غير الله، وهذا نوع من الشرك، ولا يصل إلى حد الشرك الأكبر; لأنه أضاف النعمة إلى السبب ونسي المسبب، وهو الله .
الوجه الثالث: أن لا يشرك من ناحية الربوبية، بل يؤمن أن هذا الولد خرج سالما بفضل الله ورحمته، ولكن يشرك من ناحية العبودية; فيقدم محبته على محبة الله ورسوله ويلهيه عن طاعة الله ورسوله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن:١٥] ؛стр. 876
......................................................................
الحواشي
(١) فكيف تجعل هذا الولد ندا لله في المحبة، وربما قدمت محبته على محبة الله، والله هو المتفضل عليك به؟!
وفي قوله: "فلما آتاهما" نقد لاذع؛ أن يجعلا في هذا الولد شريكا مع الله، مع أن الله هو المتفضل به، ثم قال: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] أي: ترفع وتقدس عما يشركون به من هذه الأصنام وغيرها.
ومن تأمل الآية وجدها دالة على أن قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: من جنس واحد، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه، ويكون السياق فيها جاريا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن; كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٤] أي: من جنسهم، وبهذا التفسير الواضح البين يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة.
أما على القول الثاني بأن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ آدم ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩] حواء، فيكون معنى الآية خلقكم من آدم وحواء. فلما جامع آدم حواء حملت حملا خفيفا، فمرت به، فلما أثقلت دعوا -أي آدم وحواء- الله ربهما: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [الأعراف: من الآية١٨٩، ١٩٠] فأشرك آدم وحواء بالله، لكن قالوا: إنه إشراك طاعة لا إشراك عبادة، ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] وهذا التفسير منطبق على المروي عن ابن عباس ﵄، وسنبين -إن شاء الله تعالى- وجه ضعفه وبطلانه.
وهناك قول ثالث: أن المراد بقوله تعالى: ﴿مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ أي: آدم وحواء، ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا﴾ انتقل من العين إلى النوع; أي: من آدم إلى النوع الذي هم بنوه، أي: فلما تغشى الإنسان الذي تسلسل من آدم وحواءстр. 877
قال ابن حزم: " اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله ; كعبد عمرو، وعبد الكعبة وما أشبه ذلك،....................................
الحواشي
(١) زوجته ... إلى آخره، ولهذا قال تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الأعراف: من الآية١٩٠] بالجمع ولم يقل عما يشركان، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك: من الآية٥] أي: جعلنا الشهب الخارجة منها رجوما للشياطين، وليست المصابيح نفسها، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون:١٢، ١٣] أي: جعلناه بالنوع، وعلى هذا فأول الآية في آدم وحواء، ثم صار الكلام من العين إلى النوع.
وهذا التفسير له وجه، وفيه تنزيه آدم وحواء من الشرك، لكن فيه شيء من الركاكة لتشتت الضمائر.
وأما قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجمع لأن المراد بالمثنى اثنان من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير إليهما مجموعا; كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: من الآية٩] ، ولم يقل: اقتتلتا; لأن الطائفتين جماعة.
قوله: "اتفقوا": أي: أجمعوا، والإجماع أحد الأدلة الشرعية التي تثبت بها الأحكام، والأدلة هي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس.
قوله: "وما أشبه ذلك": مثل: عبد الحسين، وعبد الرسول، وعبد المسيح، وعبد علي.
وأما قوله ﷺ : "تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم ... " ١
_________
١ أخرجه: البخاري في (الجهاد, باب الحراسة في الغزو) , (٢/٣٢٧) ; من حديث أبي هريرة ﵁.стр. 878
حاشا عبد المطلب".
الحواشي
(٤٣١٦) , ومسلم: الجهاد والسير(١٧٧٦) , والترمذي: الجهاد(١٦٨٨) , وأحمد (٤/٢٨٠ ,٤/٢٨١ ,٤/٢٨٩ ,٤/٣٠٤) .
٣ أخرجه: البخاري في (الخمس, باب ومن الدليل على أن الخمس للإمام, ٢/ ٤٠٠) ; عن جبير بن مطعم ﵁.стр. 879
وعن ابن عباس في الآية; قال: "لما تغشاها آدم; حملت، فأتاهما إبليس، فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أَيْلٍ، فيخرج من بطنك، فيشقه، ولأفعلن; يخوفهما، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتا.
ثم حملت، فأتاهما، فذكر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث; فذلك قوله: ﴿جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ١") رواه ابن أبي حاتم٢.
الحواشي
(١) عن شيء قد وقع وانتهى ومضى; فالصواب أنه لا يجوز أن يعبد لغير الله مطلقا، لا بعبد المطلب ولا غيره، وعليه; فيكون التعبيد لغير الله من الشرك.
قوله: "إبليس": على وزن إفعيل، فقيل: من أبلس إذا يئس; لأنه يئس من رحمة الله تعالى.
قوله: "لتطيعاني": جملة قسمية; أي: والله لتطيعاني.
قوله: "أيل": هو ذكر الأوعال.
قوله: "سمياه عبد الحارث": اختار هذا الاسم; لأنه اسمه، فأراد أن يعبداه لنفسه.
قوله: "فخرج ميتا": لم يحصل التهديد الأول، ويجوز أن يكون من جملة: "ولأفعلن"، أو لأنه قال: "ولأخرجنه ميتا".
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٩٠.
٢ أخرجه: ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٧٥) , وسعيد بن منصور (٢/ ١٣٨٧) .стр. 880
وله بسند صحيح عن قتادة; قال: "شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته".
وله بسند صحيح عن مجاهد، في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً﴾ ١ قال: "أشفقا أن لا يكون إنسانا".
وذكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما٢.
الحواشي
(١) قوله: "شركاء في طاعته" أي: أطاعاه فيما أمرهما به، لا في العبادة، لكن عبدا الولد لغير الله، وفرق بين الطاعة والعبادة، فلو أن أحدا أطاع شخصا في معصية الله لم يجعله شريكا مع الله في العبادة، لكن أطاعه في معصية الله.
قوله: "أشفقا أن لا يكون إنسانا": أي: خاف آدم وحواء أن يكون حيوانا أو جنيا أو غير ذلك.
قوله: "وذكر معناه عن الحسن": لكن الصحيح أن الحسن ﵀ قال: إن المراد بالآية غير آدم وحواء، وإن المراد بها المشركون من بني آدم كما ذكر ذلك ابن كثير ﵀ في "تفسيره" وقال: "أما نحن; فعلى مذهب الحسن البصري ﵀ في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته٣" اهـ.
وهذه القصة باطلة من وجوه:
الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي ﷺ وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة.
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٨٩.
٢ انظر: "تفسير ابن جرير" (٩/٩٨, ٩٩) , و"تفسير ابن كثير" (٢/ ٢٧٥) .
(٣/٥٣٠) .следующие страницы →