Полный текст (1 122 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.
стр. 911
......................................................................
الحواشي
(١) الأولى: أن يكون بصيغة الخبر، مثل: أطعمت عبدي، كسوت عبدي، أعتقت عبدي، فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة; فلا بأس به، وإن قاله في حضرة العبد أو الأمة; فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع، وإلا; فلا لأن قائل ذلك لا يقصد العبودية التي هي الذل، وإنما يقصد أنه مملوك.
الثانية: أن يكون بصيغة النداء، فيقول السيد: يا عبدي! هات كذا; فهذا منهي عنه.
وقد اختلف العلماء في النهي: هل هو للكراهة أو التحريم; والراجح التفصيل في ذلك، وأقل أحواله الكراهة.
قوله ﷺ : "لا يقل أحدكم: أطعم ربك ... إلخ": أي: لا يقل أحدكم لعبد غيره، ويحتمل أن يشمل قول السيد لعبده، حيث يضع الظاهر موضع المضمر تعاظما.
واعلم أن إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام:
القسم الأول: أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب; مثل: أطعم ربك، وضئ ربك; فيكره ذلك للنهي عنه; لأن فيه محذورين:
١. من جهة الصيغة: أنه يوهم معنى فاسدا بالنسبة لكلمة رب; لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو سبحانه يطعم ولا يطعم، وإن كان بلا شك أن الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم، ولكن من باب الأدب في اللفظ.
٢. من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل; لأنه إذا كان السيد ربا كان العبد أو الأمة مربوبا.
القسم الثاني: أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب; فهذا لا بأس به;стр. 912
......................................................................
الحواشي
(١) كقوله ﷺ في حديث أشراط الساعة: " أن تلد الأمة ربها "١ وأما لفظ: "ربتها"٢ فلا إشكال فيه لوجود تاء التأنيث، فلا اشتراك مع الله في اللفظ; لأن الله لا يقال له إلا رب، وفي حديث الضالة -وهو متفق عليه-: "حتى يجدها ربها"٣، وقال بعض أهل العلم: إن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل; فليست كالإنسان، والصحيح عدم الفارق; لأن البهيمة تعبد الله عبادة خاصة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوُابُّ﴾ ٤ وقال في الناس: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ ليس جميعهم: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ ٥ وعلى هذا; فيجوز أن تقول: أطعم الرقيق ربه، ونحوه ...
القسم الثالث: أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بأن يقول العبد: هذا ربي; فهل يجوز هذا؟
قد يقول قائل: إن هذا جائز; لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تعالى عن صاحب يوسف: ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ﴾ ٦ أي: سيدي، ولأن المحذور من قوله: (ربي) هو إذلال العبد، وهذا منتف; لأنه هو بنفسه يقول: هذا ربي.
القسم الرابع: أن يضاف إلى الاسم الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام; فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك.
_________
١ أخرجه البخاري في (الإيمان, باب سؤال جبريل النبي ﷺ , ١/٣٣) , ومسلم في (الإيمان, باب بيان الإيمان, ١/٣٩) .
٢ أخرجه البخاري في (التفسير, باب إن الله عنده علم الساعة , ٣/٢٧٥) , ومسلم في (الإيمان, باب بيان الإيمان, ١/٣٦) .
٣ أخرجه: البخاري في (المساقاة, باب شرب الناس والدواب من الأنهار, ٢/١٦٧) , ومسلم في (اللقطة, ٣/١٣٤٦) ; من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁.
٤ سورة الحج آية: ١٨.
٥ سورة الحج آية: ١٨.
٦ سورة يوسف آية: ٢٣.стр. 913
وليقل: سيدي ومولاي."١.......................................
الحواشي
(٢٥٥٢) , ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها(٢٢٤٩) .
٢ أخرجه: أحمد (٤/٢٤, ٣٥) , والبخاري في "الأدب المفرد"(٢١١) , وأبو داود في (الأدب, باب في كراهة التمادح, ٥/١٥٤) , والنسائي في "عمل اليوم والليلة"; كما في "تحفة الأشراف" (٤/٣٦٠) , وابن السني(٣٨٩) , والبيهقي في "الأسماء والصفات" (ص ٢٢) ; من حديث عبد الله بن الشخير ﵁. وقال ابن مفلح في "الآداب" (٣/٤٦٤) : "إسناده جيد", وقال الحافظ في "الفتح" (٥/١٧٩) : "رجاله ثقات", وقد صححه غير واحد, وصححه صاحب "عون المعبود" (٤/٤٠٢) .
٣ سورة يوسف آية: ٢٥.стр. 914
......................................................................
الحواشي
(١) وقال ﷺ : " أنا سيد ولد آدم يوم القيامة "١، والفقهاء يقولون: إذا قال السيد لعبده; أي: سيد العبد لعبده.
تنبيه:
اشتهر عند بعض الناس إطلاق السيدة على المرأة، فيقولون مثلا: هذا خاص بالرجال، وهذا خاص بالسيدات، وهذا قلب للحقائق; لأن السادة هم الرجال، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ ٢ وقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ ٣ وقال ﷺ " إن النساء عوان عندكم "٤ أي: بمنزلة الأسير، وقال في الرجل: " راع في أهله ومسئول عن رعيته "٥، فالصواب أن يقال للواحدة امرأة، وللجماعة منهن نساء.
قوله: "ومولاي": أي: وليقل مولاي، والولاية تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: ولاية مطلقة، وهذه لله ، لا تصلح لغيره; كالسيادة المطلقة.
وولاية الله نوعان:
النوع الأول: عامة، وهي الشاملة لكل أحد، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ ٦ فجعل له ولاية على هؤلاء المفترين، وهذه ولاية عامة.
_________
١ سبق (١/٢٦٩) .
٢ سورة يوسف آية: ٢٥.
٣ سورة النساء آية: ٣٤.
٤ أخرجه: الإمام أحمد (٥/٧٢) , والترمذي في (الرضاع, باب في حق المرأة على زوجها, ٤/١٤٣, ١٤٤) - وقال: "حسن صحيح"-, وابن ماجه في (النكاح: باب حق المرأة على زوجها, ١/٥٩٤) , والنسائي في "الكبرى" في (كتاب عشرة النساء) ; من حديث عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁.
٥ أخرجه: البخاري في (الجمعة, باب الجمعة في القرى, ١/٢٨٥) , ومسلم في (الإمارة, باب فضيلة الإمام العادل, ٣/١٤٥٩) ; من حديث ابن عمر ﵄.
٦ سورة الأنعام آية: ٦٢.стр. 915
......................................................................
الحواشي
(١) النوع الثاني: خاصة بالمؤمنين، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ ١ وهذه ولاية خاصة، ومقتضى السياق أن يقال: وليس مولى الكافرين، لكن قال: ﴿لا مَوْلَى لَهُمْ﴾ أي: لا هو مولى للكافرين، ولا أولياؤهم الذين يتخذونهم آلهة من دون الله موالي لهم لأنهم يوم القيامة يتبرءون منهم.
القسم الثاني: ولاية مقيدة مضافة; فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة، منها: الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، والعتيق.
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢ وقال ﷺ فيما يروى عنه: " من كنت مولاه; فعلي مولاه "٣ وقال ﷺ " إنما الولاء لمن أعتق "٤ ويقال للسلطان ولي الأمر، وللعتيق مولى فلان لمن أعتقه، وعليه يعرف أنه لا وجه لاستنكار بعض الناس لمن خاطب ملكا بقوله: مولاي; لأن المراد
_________
١ سورة محمد آية: ١١.
٢ سورة التحريم آية: ٤.
٣ أخرجه: الإمام أحمد (١/ ٨٤, ١١٨, ١١٩, ١٥٢) , وابن حبان (ص ٥٤٤) ; عن علي بن أبي طالب ﵁. وأخرجه أحمد (٥/٣٦٨, ٣٧٠) , وابن ماجه في (المقدمة, فضل علي ابن أبي طالب, ١/٤٣) ; عن البراء بن عازب. وفيه علي بن زيد, وهو ضعيف; كما في "الزوائد". وأخرجه: أحمد (٤/٦٣٨) , والترمذي في "المناقب" (مناقب علي بن أبي طالب ﵁, ٩/٣٠٠) - وقال: "حسن, صحيح, غريب"-, والنسائي في "الخصائص" (ص ٢١) , والحاكم (٣/١١٠) , والدولابي في "الكنى" (٢/٦١) ; عن زيد بن أرقم. وأخرجه: أحمد (٥/٣٤٧) , والنسائي في "الخصائص" (ص ٢١) ; عن بريدة. وانظر: "مجمع الزوائد (٩/١٠٣) . وإسناده صحيح. وانظر: "فيض القدير" (٦/٢١٨) .
٤ أخرجه: البخاري في (المكاتب, باب استعانة المكاتب, ٢/٢٢٥) , ومسلم في (العتق, باب إنما الولاء لمن أعتق, ٢/١١٤١) ; من حديث عائشة.стр. 916
ولا يقل أحدكم: عبدي وأمتي.........................................
الحواشي
(٢٥٥٢) , ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها(٢٢٤٩) , وأبو داود: الأدب(٤٩٧٥) , وأحمد (٢/٣١٦) .
٣ أخرجه: البخاري في (الجمعة, باب حدثنا عبد الله بن محمد, ١/٢٨٦) , ومسلم في (الصلاة, باب خروج النساء, ١/٣٢٧) ; عن ابن عمر ﵄.
٤ أخرجه: مسلم في (البر والصلة, باب فضل عيادة المريض, ٤/١٩٩٠) ; عن أبي هريرة ﵁.
٥ انظر: (ص ٣٣٨) .стр. 917
وليقل: فتاي وفتاتي وغلامي "١.
الحواشي
(٢٥٥٢) , ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها(٢٢٤٩) , وأبو داود: الأدب(٤٩٧٥) , وأحمد (٢/٣١٦ ,٢/٤٢٣ ,٢/٤٤٤ ,٢/٤٦٣ ,٢/٤٨٤ ,٢/٤٩١ ,٢/٤٩٦ ,٢/٥٠٨) .
٣ سورة البقرة آية: ١٠٤.
٤ سورة المائدة آية: ٢.стр. 918
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن قول: عبدي وأمتي.
الثانية: لا يقول العبد: ربي، ولا يقال له: أطعم ربك.
الثالثة: تعليم الأول قول: فتاي وفتاتي وغلامي.
الرابعة: تعليم الثاني قول: سيدي ومولاي.
الخامسة: التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد، حتى في الألفاظ.
الحواشي
(٢٥٥٢) , ومسلم: الألفاظ من الأدب وغيرها(٢٢٤٩) , وأبو داود: الأدب(٤٩٧٥) , وأحمد (٢/٣١٦) .стр. 919
باب: لا يرد من سأل بالله
......................................................... ...
الحواشي
(١) قوله: "باب لا يرد": "لا": نافية بدليل رفع المضارع بعدها، والنفي يحتمل أن يكون للكراهة، وأن يكون للتحريم.
قوله: "من سأل بالله": أي: من سأل غيره بالله.
والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول: أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك: " أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرا "١.
الثاني: السؤال بشرع الله أي: يسأل سؤالا يبيحه الشرع; كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم، وما شابه ذلك.
وحكم رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسئول والسائل، وهنا عدة مسائل:
المسألة الأولى: هل يجوز للإنسان أن يسأل بالله أم لا؟
وهذه المسألة لم يتطرق إليها المؤلف ﵀; فنقول
أولا: السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدا شيئا إلا إذا دعت الحاجة إلى
_________
١ سبق (ص ٢٨٩) .стр. 920
......................................................................
الحواشي
(٤٧٣) , وفي "الأربعين النووية" (حديث رقم ٣١) . وصححه الألباني في "الصحيحة"(٩٤٤) , وقال المنذري في "الترغيب والترهيب" (٤/ ١٥٧) : "وقد حسن بعض مشايخنا إسناده, وفيه بعد; لأن من رواته خالد بن عمرو, وخالد هذا قد ترك واتهم". وضعفه ابن رجب في "جامع العلوم والحكم" (ص ٢٧٢) .стр. 921
عن ابن عمر ﵄; قال: قال رسول الله ﷺ " من سأل بالله، فأعطوه،........................................................
الحواشي
(١) مزعة لحم "١، وهذا يدل على التحريم إلا للضرورة.
وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن; فهذه مكروهة، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
وأما إجابة السائل; فهو موضوع بابنا هذا، ولا يخلو السائل من أحد أمرين:
الأول: أن يسأل سؤالا مجردا; كأن يقول مثلا: يا فلان! أعطني كذا وكذا، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه; كالفقير يسأل شيئا من الزكاة.
الثاني: أن يسأل بالله; فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا; لأنه سأل بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا العظيم، لكن لو سأل إثما، أو كان في إجابته ضرر على المسئول; فإنه لا يجاب.
مثال الأول: أن يسألك بالله نقودا؛ ليشتري بها محرما كالخمر.
ومثال الثاني: أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك، وما تفعله مع أهلك; فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم، وإجابته في الثاني ضرر على المسئول.
قوله: ﷺ " من سأل بالله ": "من": شرطية للعموم.
قوله: " فأعطوه ": الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسئول; لأن في إعطائه إجابة لحاجته، وتعظيما لله
_________
١ أخرجه: البخاري في (الزكاة, باب من سأل الناس تكثرا, ١/٤٥٧) , ومسلم في (الزكاة, باب كراهة المسألة, ١/٧٢٠) , عن ابن عمر ﵄.стр. 922
ومن استعاذ بالله; فأعيذوه، ومن دعاكم; فأجيبوه ١،..................
الحواشي
(٢٥٦٧) , وأبو داود: الزكاة(١٦٧٢) , وأحمد (٢/٩٩ ,٢/١٢٧) .
٢ سبق (ص ٢٨٩) .
٣ أخرجه: البخاري في (الطلاق, باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق, ٣/٤٠١) ; عن أبي أسيد ﵁.стр. 923
......................................................................
الحواشي
(٢١٦٢) , والترمذي: الأدب(٢٧٣٧) , والنسائي: الجنائز(١٩٣٨) , وأحمد (٢/٣٧٢ ,٢/٤١٢) .
٣ أخرجه: مسلم في (السلام, باب من حق المسلم للمسلم, ٤/١٧٠٥) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 924
......................................................................
الحواشي
(١) حراما، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم.
وقال آخرون: ما كان محرما لكسبه; فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرما لعينه; كالخمر والمغصوب ونحوهما، وهذا القول وجيه قوي، بدليل أن الرسول ﷺ اشترى من يهودي طعاما لأهله١، وأكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر٢، وأجاب دعوة اليهودي٣، ومن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الربا، ويأكلون السحت، وربما يقوي هذا القول قوله ﷺ في اللحم الذي تصدق به على بريرة: " هو لها صدقة ولنا منها هدية "٤.
وعلى القول الأول; فإن الكراهة تقوى وتضعف حسب كثرة المال الحرام وقلته، فكلما كان الحرام أكثر كانت الكراهة أشد، وكلما قل كانت الكراهة أقل.
٥- أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب، أو ما هو أوجب منها، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة.
٦- أن لا تتضمن ضررا على المجيب، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر أو مفارقة أهله المحتاجين إلى وجوده بينهم.
_________
١ أخرجه: البخاري في (البيوع, باب شراء النبي ﷺ بالنسيئة, ٢/٧٩) , ومسلم في (المساقاة, باب الرهن, ٣/١٢٢٦) ; عن عائشة ﵂.
٢ أخرجه: البخاري في (الهبة, باب قبول الهدية من المشركين, ٢/٢٤١) , ومسلم في (السلام, باب السم, ٤/١٧٢١) ; عن أنس ﵁.
٣ أخرجه: الإمام أحمد في "المسند" (٣/٢١٠, ٢١١, ٢٥٢, ٢٧٠, ٢٨٩) , وفي "الزهد" وانظر: "الإرواء" (١/٧١) .
٤ أخرجه البخاري في (الزكاة, باب إذا تحولت الصدقة, ١/٤٦٣) , ومسلم في (العتق, باب إنما الولاء لمن أعتق, ٢/١١٤٤) .стр. 925
ومن صنع إليكم معروفا; فكافئوه،....................................
الحواشي
(١) مسألة:
هل إجابة الدعوة حق لله أو للآدمي؟
الجواب: حق للآدمي، ولهذا لو طلبت من الداعي أن يقيلك فقبل; فلا إثم عليك، لكنها واجبة بأمر الله ولهذا ينبغي أن تلاحظ أن إجابتك طاعة لله، وقيام بحق أخيك، لكن لصاحبها أن يسقطها، كما أن له أن لا يدعوك أيضا، ولكن إذا أقالك حياء منك وخجلا من غير اقتناع; فإنه لا ينبغي أن تدع الإجابة.
مسألة:
هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة؟
الجواب: البطاقات ترسل إلى الناس، ولا يدرى لمن ذهبت إليه; فيمكن أن نقول: إنها تشبه دعوة الجفلى، فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه; فإن لها حكم الدعوة بالمشافهة.
قوله: " من صنع إليكم معروفا؛ فكافئوه ": المعروف: الإحسان، فمن أحسن إليك بهدية أو غيرها; فكافئه، فإذا أحسن إليك بإنجاز معاملة وكان عمله زائدا عن الواجب عليه; فكافئه، وهكذا، لكن إذا كان كبير الشأن ولم تجر العادة بمكافأته; فلا يمكن أن تكافئه; كالملك والرئيس ... مثلا إذا أعطاك هدية، فمثل هذا يدعى له; لأنك لو كافأته لرأى أن في ذلك غضا من حقه، فتكون مسيئا له، والنبي ﷺ أراد أن تكافئه لإحسانه.
وللمكافأة فائدتان:
١- تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف.
٢- أن الإنسان يكسر بها الذل الذي حصل له بصنع المعروف إليه، لأن من صنع إليك معروفا فلا بد أن يكون في نفسك رقة له، فإذا رددتстр. 926
فإن لم تجدوا ما تكافئونه; فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه " رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح١.
فيه مسائل:
الأولى: إعاذة من استعاذ بالله.
الحواشي
(٢٥٦٧) , وأبو داود: الأدب(٥١٠٩) , وأحمد (٢/٦٨) .стр. 927
الثانية: إعطاء من سأل بالله.
الثالثة: إجابة الدعوة.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه.
السادسة: قوله: " حتى تروا أنكم قد كافأتموه".
الحواشي
(١) الثانية: إعطاء من سأل بالله: وسبق التفصيل فيه.
الثالثة: إجابة الدعوة: وسبق كذلك التفصيل فيها.
الرابعة: المكافأة على الصنيعة: أي: على صنيعة من صنع إليك معروفا، وسبق التفصيل في ذلك.
الخامسة: أن الدعاء مكافأة لمن لا يقدر إلا عليه: وسبق أنه مكافأة في ذلك، وفيما إذا كان الصانع لا يكافأ مثله عادة.
السادسة: قوله: "حتى تروا أنكم قد كافأتموه": أي: أنه لا يقصر في الدعاء، بل يدعو له حتى يعلم أو يغلب على ظنه أنه قد كافأه. وفيه مسائل أخرى، لكن ما ذكره المؤلف هو المقصود.стр. 928
باب: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
عن جابر; قال: قال رسول الله ﷺ " لا يسأل بوجه الله إلا الجنة " رواه أبو داود ١.
стр. 929
......................................................................
الحواشي
(٤٦٢٨) والاعتصام بالكتاب والسنة(٧٣١٣) والتوحيد(٧٤٠٦) , والترمذي: تفسير القرآن(٣٠٦٥) , وأحمد (٣/٣٠٩) .
٥ أخرجه: البخاري في (التوحيد, باب قول الله تعالى: كل شيء هالك إلا وجهه , ٤/٣٨٥) ; عن جابر ﵁.
٦ سورة القصص آية: ٨٨.
٧ سورة الرعد آية: ٢٢.
٨ سبق (ص ١٤٥) .стр. 930
......................................................................
الحواشي
(١) فيه خلاف، لكن هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا: إنه وجه حقيقي; لأن الله تعالى قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ١ ولما أراد غير ذاته; قال: " ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَالأِكْرَامِ﴾ ٢ ف (ذي) صفة لرب وليست صفة لاسم، و (ذو) صفة لوجه وليست صفة لرب، فإذا كان الوجه موصوفا بالجلال والإكرام; فلا يمكن أن يراد به الثواب أو الجهة أو الذات وحدها; لأن الوجه غير الذات..
وقال أهل التعطيل: إن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، قالوا: ولو أثبتنا لله وجها حقيقيا للزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة، ويلزم من ذلك إثبات المثل لله ، والله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٣ وإثبات المثل تكذيب للقرآن، وأنتم يا أهل السنة تقولون: إن من اعتقد أن لله مثيلا فيما يختص به فهو كافر; فنقول لهم:
أولا: ما تعنون بالجسم الذي فررتم منه; أتعنون به المركب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك; فنحن نوافقكم أن الله ليس على هذا الوجه، ولا يمكن أن يكون كذلك، وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية المتصفة بصفات الكمال; فلا محذور في ذلك، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ ٤ قال ابن عباس ﵄: "الصمد: الذي لا جوف له" ٥.
ثانيا: قولكم: إن الأجسام متماثلة، قضية من أكذب القضايا; فهل
_________
١ سورة الرحمن آية: ٢٧.
٢ سورة الرحمن آية: ٧٨.
٣ سورة الشورى آية: ١١.
٤ سورة آية: ١-٢.
٥ أخرجه: ابن جرير (٣٠/ ٧٤٢) .стр. 931
......................................................................
الحواشي
(١) جسم الدب مثل جسم النملة؟ فبينهما تباين عظيم في الحجم والرقة واللين وغير ذلك. فإذا بطلت هذه الحجة بطلت النتيجة، وهي استلزام مماثلة الله لخلقه. ونحن نشاهد البشر لا يتفقون في الوجوه; فلا تجد اثنين متماثلين من كل وجه ولو كانا توأمين، بل قالوا: إن عروق الرجل واليد غير متماثلة من شخص إلى آخر.
ويلاحظ أن التعبير بنفي المماثلة أولى من التعبير بنفي المشابهة; لأنه اللفظ الذي جاء به القرآن، ولأنه ما من شيئين موجودين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه آخر; فنفي مطلق المشابهة لا يصح، وقد تقدم.
وأما حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: " إن الله خلق آدم على صورته "١ ووجه الله لا يماثل أوجه المخلوقين، فيجاب عنه: بأنه لا يراد به صورة تماثل صورة الرب بإجماع المسلمين والعقلاء، لأن الله وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرضون كلها بالنسبة للكرسي -موضع القدمين- كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة; فما ظنك برب العالمين؟ فلا أحد يحيط به وصفا ولا تخييلا، ومن هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا، وإنما يراد به أحد معنيين:
الأول: أن الله خلق آدم على صورة، اختارها وجعلها أحسن صورة في الوجه، وعلى هذا; فلا ينبغي أن يقبح أو يضرب لأنه لما أضافه إلى نفسه اقتضى من الإكرام ما لا ينبغي معه أن يقبح أو أن يضرب.
الثاني: أن الله خلق آدم على صورة الله ، ولا يلزم من
_________
١ أخرجه: البخاري في (الاستئذان, باب بدء السلام, ٤/١٣٥) , ومسلم في (البر, باب النهي عن ضرب الوجه, ٤/٢٠١٧) .стр. 932
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب.
الثانية: إثبات صفة الوجه.
الحواشي
(١) ذلك المماثلة بدليل قوله ﷺ : " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوإ كوكب في السماء "١ ولا يلزم أن يكون على صورة نفس القمر; لأن القمر أكبر من أهل الجنة، وأهل الجنة يدخلونها طول أحدهم ستون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع كما في بعض الأحاديث. وقال بعض أهل العلم: على صورته; أي: صورة آدم; أي: أن الله خلق آدم أول أمره على هذه الصورة، وليس كبنيه يتدرج في الإنشاء نطفة ثم علقة ثم مضغة. لكن الإمام أحمد ﵀ أنكر هذا التأويل، وقال: هذا تأويل الجهمية، ولأنه يفقد الحديث معناه، وأيضا يعارضه اللفظ الآخر المفسر للضمير وهو بلفظ: "على صورة الرحمن".
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب: تؤخذ من حديث الباب، وهذا الحديث ضعَّفه بعض أهل العلم، لكن على تقدير صحته؛ فإنه من الأدب أن لا تسأل بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة: الفوز بالجنة، أو النجاة من النار.
الثانية: إثبات صفة الوجه: وقد سبق الكلام عليه
_________
١ أخرجه: البخاري في (بدء الخلق, باب ما جاء في صفة الجنة, ٢/ ٤٣٢) , ومسلم في (الجنة ونعيمها, باب أول زمرة تدخل الجنة, ٤/ ٢١٧٩) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 933
باب ما جاء في "لو "
...
باب: ما جاء في ال (لو)
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: في "اللو": دخلت "أل" على "لو" وهي لا تدخل إلا على الأسماء، قال ابن مالك:
بالجر والتنوين والندا وأل ... ومسند للاسم تمييز حصل١
لأن المقصود بها اللفظ; أي: باب ما جاء في هذا اللفظ. والمؤلف ﵀ جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشيء; لأن "لو" تستعمل على عدة أوجه:
الوجه الأول: أن تستعمل في الاعتراض على الشرع، وهذا محرم، قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٢ في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول ﷺ ، وقالوا: لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم وقد يصل إلى الكفر.
الثاني: أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضا، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ٣ أي: لو أنهم بقوا ما قتلوا; فهم يعترضون على قدر الله.
_________
١ "ألفية ابن مالك" (ص ٣) .
٢ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٦.стр. 934
......................................................................
الحواشي
(٢٣٢٥) , وابن ماجه: الزهد(٤٢٢٨) .
٥ الترمذي: الزهد(٢٣٢٥) , وابن ماجه: الزهد(٤٢٢٨) .
٦ الترمذي: الزهد(٢٣٢٥) .
٧ أخرجه: الإمام أحمد (٤/٢٣٠, ٢٣١) , والترمذي في (الزهد, باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر, ٧/٨١) - وقال: "حسن صحيح"- , وابن ماجه في (الزهد, باب النية, ٢/١٤١٣) ; عن أبي كبشة عمرو بن سعد الأنماري ﵁.стр. 935
وقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ١.
الحواشي
(١) حضرت الدرس لاستفدت، ومنه قوله ﷺ " لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولأحللت معكم "٢ فأخبر النبي ﷺ أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدي ولأحل، وهذا هو الظاهر لي. وبعضهم قال: إنه من باب التمني، كأنه قال: ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدي. لكن الظاهر: أنه خبر لما رأى من أصحابه، والنبي ﷺ لا يتمنى شيئا قدر الله خلافه.
وقد ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
الآية الأولى قوله تعالى: (يقولون) : الضمير للمنافقين.
قوله: "مَا قُتِلْنَا": أي: ما قتل بعضنا; لأنهم لم يقتلوا كلهم، ولأن المقتول لا يقول.
قوله: "لو كان لنا من الأمر" (لو) : شرطية، وفعل الشرط: (كان) ، وجوابه: ﴿مَا قُتِلْنَا﴾ ٣ ولم يقترن الجواب باللام; لأن الأفصح إذا كان الجواب منفيا عدم الاقتران، فقولك: لو جاء زيد ما جاء عمرو أفصح من قولك: لو جاء زيد لما جاء عمرو، وقد ورد قليلا اقترانها مع النفي; كقول الشاعر:
ولو نعطى الخيار لما افترقنا ... ولكن لا خيار مع الليالي
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٢ أخرجه: البخاري في (الحج, باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف, ١/٥٠٦) , ومسلم في (الحج, باب بيان وجوه الإحرام, ٢/٨٨٥) ; عن جابر ﵁.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.стр. 936
وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ١.
الحواشي
(١) قوله: "ها هنا": أي: في أحد.
قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٢ هذا رد عليهم; فلا يمكن أن يتخلفوا عما أراد الله بهم.
وقولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾ ٣ هذا من الاعتراض على الشرع; لأنهم عتبوا على الرسول ﷺ حيث خرج بدون موافقتهم، ويمكن أن يكون اعتراضا على القدر أيضا; أي: لو كان لنا من حسن التدبير والرأي شيء ما خرجنا فنقتل.
قوله: (وقعدوا) : الواو إما أن تكون عاطفة، والجملة معطوفة على (قالوا) ، ويكون وصف هؤلاء بأمرين:
١- بالاعتراض على القدر بقولهم: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٤.
٢- وبالجبن عن تنفيذ الشرع "الجهاد" بقولهم: (وقعدوا) .
أو تكون الواو للحال والجملة حالية على تقدير "قد"; أي: والحال أنهم قد قعدوا; ففيه توبيخ لهم حيث قالوا مع قعودهم، ولو كان فيهم خير لخرجوا مع الناس، لكن فيهم الاعتراض على المؤمنين، وعلى قضاء الله وقدره.
قوله: (لإخوانهم) : قيل: في النسب لا في الدين، وقيل: في الدين ظاهرا; لأن المنافقين يتظاهرون بالإسلام، ولو قيل: إنه شامل للأمرين; لكان صحيحا.
قوله: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ هذا غير صحيح، ولهذا رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين َ﴾ ٥ وإن كنتم قاعدين; فلا تستطيعون أيضا أن تدرءوا عن أنفسكم الموت
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٥ سورة آل عمران آية: ١٦٨.стр. 937
وفي الصحيح عن أبي هريرة ﵁؛..................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .стр. 938
......................................................................
الحواشي
(١) شرح الحديث:
قوله: "القوي": أي: في إيمانه وما يقتضيه إيمانه، ففي إيمانه; يعني: ما يحل في قلبه من اليقين الصادق الذي لا يعتريه شك، وفيما يقتضيه; يعني: العمل الصالح: من الجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والحزم في العبادات وما أشبه ذلك.
وهل يدخل في ذلك قوة البدن؟
الجواب: لا يدخل في ذلك قوة البدن إلا إذا كان في قوة بدنه ما يزيد إيمانه، أو يزيد ما يقتضيه; لأن "القوي" وصف عائد على موصوف وهو المؤمن; فالمراد: القوي في إيمانه أو ما يقتضيه، ولا شك أن قوة البدن نعمة، إن استعملت في الخير فخير، وإن استعملت في الشر فشر.
قوله: " خير وأحب إلى الله ": خير في تأثيره وآثاره; فهو ينفع ويقتدى به، وأحب إلى الله باعتبار الثواب.
قوله: " من المؤمن الضعيف ": وذلك في الإيمان أو فيما يقتضيه، لا في قوة البدن.
قوله: "وفي كل خير": أي: في كل من القوي والضعيف خير، وهذا النوع من التذييل يسمى عند البلاغيين بالاحتراس حتى لا يظن أنه لا خير في الضعيف.
فإن قيل: إن الخيرية معلومة في قوله: "خير وأحب"; لأن الأصل في اسم التفضيل اتفاق المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف؟
فالجواب: أنه قد يخرج عن الأصل; كما في قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً﴾ ١ مع أن أهل النار لا خير في مستقرهم. كذلك الإنسان إذا سمع هذه الجملة: "خير وأحب" صار في
_________
١ سورة الفرقان آية: ٢٤.стр. 939
أن رسول الله ﷺ قال: " احرص على ما ينفعك ١،....................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .
٢ سورة الحديد آية: ١٠.
٣ أخرجه: البخاري في (الأدب, باب حق الضيف, ٤/١١٦) , ومسلم في (الإيمان, باب الحث على إكرام الجار, ١/٦٨) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 940
واستعن بالله،..........................................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .стр. 941
ولا تعجزن،...........................................................
الحواشي
(١) العون بهما جميعا، والغالب أن من استعان بلسان المقال; فقد استعان بلسان الحال.
ولو احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالمخلوق كحمل صندوق مثلا; فهذا جائز، ولكن لا تشعر نفسك أنها كاستعانتك بالخالق، وإنما عليك أن تشعر أنها كمعونة بعض أعضائك لبعض، كما لو عجزت عن حمل شيء بيد واحدة; فإنك تستعين على حمله باليد الأخرى، وعلى هذا; فالاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة ببعض أعضائك، فلا تنافي قوله ﷺ "استعن بالله".
قوله: "ولا تعجزن": فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و"لا": ناهية، والمعنى: لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم الحزم والعزيمة، وليس المعنى: لا يصيبك عجز; لأن العجز عن الشيء غير التعاجز; فالعجز بغير اختيار الإنسان; ولا طاقة له به، فلا يتوجه عليه نهي، ولهذا قال النبي ﷺ : " صل قائما، فإن لم تستطع; فقاعدا، فإن لم تستطع; فعلى جنب "١ فإذا اجتمع الحرص وعدم التكاسل، اجتمع في هذا صدق النية بالحرص والعزيمة بعدم التكاسل؛ لأن بعض الناس يحرص على ما ينفعه ويشرع فيه، ثم يتعاجز ويتكاسل ويدعه، وهذا خلاف ما أمر به الرسول ﷺ ، فما دمت عرفت أن هذا نافع، فلا تدعه، لأنك إذا عجزت نفسك خسرت العمل الذي عملت ثم عودت نفسك التكاسل والتدني من حال النشاط والقوة إلى حال العجز والكسل، وكم من إنسان بدأ العمل -ولا سيما النافع- ثم أتاه الشيطان
_________
١ أخرجه: البخاري في (تقصير الصلاة, باب إذا لم يطق قاعدا صلى على جنب, ١/٣٤٨) ; عن عمران بن حصين ﵁.стр. 942
وإن أصابك شيء; فلا تقل: لو أني فعلت كذا، لكان كذا وكذا،
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) .стр. 943
ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل ;......................................
الحواشي
(١) الثانية: أن يقول: لو فعلت كذا، لأمر لم يفعله لكان كذا.
مثال الأول قول القائل: لو لم أسافر ما فاتني الربح.
ومثال الثاني أن يقول: لو سافرت لربحت.
وذكر النبي ﷺ الثاني دون الأول; لأن هذا الإنسان عامل فاعل; فهو يقول: لو أني فعلت الفعل الفلاني دون هذا الفعل لحصلت مطلوبي، بخلاف الإنسان الذي لم يفعل، وكان موقفه سلبيا من الأعمال.
قوله: "كذا": كناية عن مبهم، وهي مفعول لفعلت.
قوله: "لكان كذا": فاعل كان، والجملة جواب لو.
قوله: "قدر الله": خبر لمبتدأ محذوف; أي: هذا قدر الله.
وقدر بمعنى مقدور; لأن قدر الله يطلق على التقدير الذي هو فعل الله، ويطلق على المقدور الذي وقع بتقدير الله، وهو المراد هنا; لأن القائل يتحدث عن شيء وقع عليه، فقدر الله أي مقدوره، ولا مقدر إلا بتقدير; لأن المفعول نتيجة الفعل.
والمعنى: إن هذا الذي وقع قدر الله وليس إلي، أما الذي إلي فقد بذلت ما أراه نافعا كما أمرت، وهذا فيه التسليم التام لقضاء الله ، وأن الإنسان إذا فعل ما أمر به على الوجه الشرعي; فإنه لا يلام على شيء، ويفوض الأمر إلى الله.
قوله: "وما شاء فعل": جملة مصدرة ب "ما" الشرطية، و"شاء": فعل الشرط، وجوابه: "فعل"; أي: ما شاء الله أن يفعله فعله; لأن الله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ١ وقد سبق ذكر قاعدة، وهي أن كل
_________
١ سورة الرعد آية: ٤١.стр. 944
فإن (لو) تفتح عمل الشيطان "١.
الحواشي
(١) فعل لله تعالى معلق بالمشيئة; فإنه مقرون بالحكمة، وليس شيء من فعله معلقا بالمشيئة المجردة، لأن الله لا يشرع ولا يفعل إلا لحكمة، وبهذا التقرير نفهم أن المشيئة يلزم منها وقوع المشاء، ولهذا كان المسلمون يقولون: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
وأما الإرادة ووقوع المراد; ففيه تفصيل:
فالإرادة الشرعية لا يلزم منها وقوع المراد، وهي التي بمعنى المحبة، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ ٢ بمعنى يحب، ولو كانت بمعنى يشاء لتاب الله على جميع الناس.
والإرادة الكونية يلزم منها وقوع المراد; كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٣.
قوله: " فإن لو تفتح عمل الشيطان ": "لو": اسم إن قصد لفظها; أي: فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان.
وعمله: ما يلقيه في قلب الإنسان من الحسرة والندم والحزن; فإن الشيطان يحب ذلك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ٤ حتى في المنام يريه أحلاما مخيفة ليعكر عليه صفوه ويشوش فكره، وحينئذ لا يتفرغ للعبادة على ما ينبغي، ولهذا نهى النبي ﷺ عن الصلاة حال تشوش الفكر; فقال ﷺ : " لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان "٥ فإذا رضي الإنسان بالله ربا، وقال: هذا قضاء الله وقدره، وأنه لا بد أن يقع; اطمأنت نفسه وانشرح صدره.
_________
١ أخرجه: مسلم في (القدر, باب في الأمر بالقوة وترك العجز, ٤/٢٠٥٢) ; عن أبي هريرة ﵁.
٢ سورة النساء آية: ٢٧.
٣ سورة البقرة آية: ٢٥٣.
٤ سورة المجادلة آية: ١٠.
٥ أخرجه: مسلم في (المساجد, ١/٣٩٣) .стр. 945
......................................................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .
٢ سورة المدثر آية: ٣١.
٣ سورة الفتح آية: ٤.
٤ أخرجه: مسلم في (الإيمان, باب نقصان الإيمان, ١/٨٦) ; عن ابن عمر ﵁. وأخرجه: البخاري(٣٠٤) , ومسلم(٨٠) ; عن أبي سعيد الخدري ﵁.
٥ سورة البقرة آية: ٢٦٠.стр. 946
......................................................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٢ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .
٣ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٤ أخرجه: البخاري في (القدر, باب تحاج آدم وموسى, ٤/٢١٢) , ومسلم في (القدر, باب حجاج آدم وموسى, ٤/٢٠٤٤) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 947
......................................................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٣ أخرجه: البخاري في (الاعتكاف, باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه, ٢/٦٨) , ومسلم في (السلام, باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة, ٤/١٧١٢) ; عن صفية بنت حيي ﵂.стр. 948
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الحواشي
(١) وهي جسم، إذا قبضت تكفن وتحنط وتصعد بها الملائكة إلى السماء.
ومن نعمة الله أن للشيطان ما يضاده، وهي لمة الملك; فإن للشيطان في قلب ابن آدم لمة وللملك لمة، ومن وفق غلبت عنده لمة الملك لمة الشيطان، فهما دائما يتصارعان، نفس مطمئنة، ونفس أمارة بالسوء، وأما النفس اللوامة فهي وصف للنفسين جميعا.
١٠- حسن تعليم النبي ﷺ حين قرن النهي عن قول "لو" ببيان علته; لتتبين حكمة الشريعة، ويزداد المؤمن إيمانا وامتثالا.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران: وهما:
الأولى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ١.
الثانية: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٢ أي: ما أخرجنا وما قتلنا، ولكن الله تعالى أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٣ والآية الأخرى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٤ فأبطل الله دعواهم هذه بقوله: ﴿فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥ أي: إن كنتم صادقين في البقاء وأن عدم الخروج مانع من القتل; فادرءوا عن أنفسكم الموت، فإنهم لن يسلموا من الموت، بل لا بد أن يموتوا، ولكن لو أطاعوهم وتركوا الجهاد; لكانوا على ضلال مبين.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٥ سورة آل عمران آية: ١٦٨.стр. 949
الثانية: النهي الصريح عن قول (لو) إذا أصابك شيء
الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز.
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) .
٢ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٣ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .стр. 950
باب: النهي عن سب الريح
.......................................................................
الحواشي
(١) المؤلف ﵀ أطلق النهي ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة، وسيتبين إن شاء الله من الحديث.
قوله: "الريح": الهواء الذي يصرفه الله ، وجمعه رياح.
وأصولها أربعة: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، وما بينهما يسمى النكباء; لأنها ناكبة عن الاستقامة في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب. وتصريفها من آيات الله فأحيانا تكون شديدة تقلع الأشجار، وتهدم البيوت، وتدفن الزروع، ويحصل معها فيضانات عظيمة، وأحيانا تكون هادئة، وأحيانا تكون باردة، وأحيانا حارة، وأحيانا عالية، وأحيانا نازلة; كل هذا بقضاء الله وقدره.
ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يصرفوا الريح عن جهتها التي جعلها الله عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو اجتمعت جميع المكائن العالمية النفاثة لتوجد هذه الريح الشديدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن الله بقدرته يصرفها كيف يشاء وعلى ما يريد; فهل يحق للمسلم أن يسب هذه الريح؟
الجواب: لا; لأن هذه الريح مسخرة مدبرة، وكما أن الشمس أحيانا تضر بإحراقها بعض الأشجار، ومع ذلك لا يجوز لأحد أن يسبها; فكذلك الريح، ولهذا قال: "لا تسبوا الريح".следующие страницы →