Полный текст (1 122 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
......................................................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٢ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦ ,٢/٣٧٠) .
٣ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٤ أخرجه: البخاري في (القدر, باب تحاج آدم وموسى, ٤/٢١٢) , ومسلم في (القدر, باب حجاج آدم وموسى, ٤/٢٠٤٤) ; عن أبي هريرة ﵁.стр. 947
......................................................................
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٣ أخرجه: البخاري في (الاعتكاف, باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه, ٢/٦٨) , ومسلم في (السلام, باب بيان أنه يستحب لمن رئي خاليا بامرأة, ٤/١٧١٢) ; عن صفية بنت حيي ﵂.стр. 948
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران.
الحواشي
(١) وهي جسم، إذا قبضت تكفن وتحنط وتصعد بها الملائكة إلى السماء.
ومن نعمة الله أن للشيطان ما يضاده، وهي لمة الملك; فإن للشيطان في قلب ابن آدم لمة وللملك لمة، ومن وفق غلبت عنده لمة الملك لمة الشيطان، فهما دائما يتصارعان، نفس مطمئنة، ونفس أمارة بالسوء، وأما النفس اللوامة فهي وصف للنفسين جميعا.
١٠- حسن تعليم النبي ﷺ حين قرن النهي عن قول "لو" ببيان علته; لتتبين حكمة الشريعة، ويزداد المؤمن إيمانا وامتثالا.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير الآيتين في آل عمران: وهما:
الأولى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ١.
الثانية: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٢ أي: ما أخرجنا وما قتلنا، ولكن الله تعالى أبطل ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٣ والآية الأخرى: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ٤ فأبطل الله دعواهم هذه بقوله: ﴿فَادْرَأُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ٥ أي: إن كنتم صادقين في البقاء وأن عدم الخروج مانع من القتل; فادرءوا عن أنفسكم الموت، فإنهم لن يسلموا من الموت، بل لا بد أن يموتوا، ولكن لو أطاعوهم وتركوا الجهاد; لكانوا على ضلال مبين.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة آل عمران آية: ١٦٨.
٥ سورة آل عمران آية: ١٦٨.стр. 949
الثانية: النهي الصريح عن قول (لو) إذا أصابك شيء
الثالثة: تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان.
الرابعة: الإرشاد إلى الكلام الحسن.
الخامسة: الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله.
السادسة: النهي عن ضد ذلك، وهو العجز.
الحواشي
(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) .
٢ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .
٣ مسلم: القدر(٢٦٦٤) , وابن ماجه: المقدمة(٧٩) والزهد(٤١٦٨) , وأحمد (٢/٣٦٦، ٢/٣٧٠) .стр. 950
باب: النهي عن سب الريح
.......................................................................
الحواشي
(١) المؤلف ﵀ أطلق النهي ولم يفصح: هل المراد به التحريم أو الكراهة، وسيتبين إن شاء الله من الحديث.
قوله: "الريح": الهواء الذي يصرفه الله ، وجمعه رياح.
وأصولها أربعة: الشمال، والجنوب، والشرق، والغرب، وما بينهما يسمى النكباء; لأنها ناكبة عن الاستقامة في الشمال أو الجنوب أو الشرق أو الغرب. وتصريفها من آيات الله فأحيانا تكون شديدة تقلع الأشجار، وتهدم البيوت، وتدفن الزروع، ويحصل معها فيضانات عظيمة، وأحيانا تكون هادئة، وأحيانا تكون باردة، وأحيانا حارة، وأحيانا عالية، وأحيانا نازلة; كل هذا بقضاء الله وقدره.
ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يصرفوا الريح عن جهتها التي جعلها الله عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو اجتمعت جميع المكائن العالمية النفاثة لتوجد هذه الريح الشديدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن الله بقدرته يصرفها كيف يشاء وعلى ما يريد; فهل يحق للمسلم أن يسب هذه الريح؟
الجواب: لا; لأن هذه الريح مسخرة مدبرة، وكما أن الشمس أحيانا تضر بإحراقها بعض الأشجار، ومع ذلك لا يجوز لأحد أن يسبها; فكذلك الريح، ولهذا قال: "لا تسبوا الريح".стр. 951
عن أبي بن كعب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " لا تسبوا الريح; فإذا رأيتم ما تكرهون; فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح..................
الحواشي
(١) قوله: " لا تسبوا الريح ": "لا": ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والريح مفعول به. والسب: الشتم، والعيب، والقدح، واللعن، وما أشبه ذلك، وإنما نهى عن سبها; لأن سب المخلوق سب لخالقه، فلو وجدت قصرا مبنيا وفيه عيب، فسببته; فهذا السب ينصب على من بناه، وكذلك سب الريح; لأنها مدبرة مسخرة على ما تقتضيه حكمة الله . ولكن إذا كانت الريح مزعجة; فقد أرشد النبي ﷺ إلى ما يقال حينئذ في قوله ﷺ : " ولكن قولوا: اللهم إنا نسألك ... إلخ".
قوله: " من خير هذه الريح ": الريح نفسها فيها خير وشر; فقد تكون عاصفة تقلع الأشجار، وتهدم الديار، وتفيض البحار والأنهار، وقد تكون هادئة تبرد الجو وتكسب النشاط.
قوله: " وخير ما فيها ": أي: ما تحمله; لأنها قد تحمل خيرا; كتلقيح الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرا; كإزالة لقاح الثمار، وأمراض تضر الإنسان والبهائم.
قوله: " وخير ما أمرت به ": مثل إثارة السحاب، وسوقه إلى حيث شاء الله.
قوله: "ونعوذ بك": أي: نعتصم ونلجأ.
قوله: " من شر هذه الريح ": أي: شرها بنفسها; كقلع الأشجار، ودفن الزروع، وهدم البيوت.стр. 952
وشر ما فيها، وشر ما أمرت به " صححه الترمذي١.
فيه مسائل:
الأولى: النهي عن سب الريح.
الحواشي
(٢٩٩) , والطحاوي في "المشكل" (١/٣٩٨) . وأخرجه: النسائي (٩٣٥, ٩٣٦, ٩٣٧) , والخرائطي في (مكارم الأخلاق" (ص ٨٣) , والطحاوي في "المشكل" (١/٣٩٨) ; عن أبي بن كعب موقوفا. والحديث له شاهد مرفوع عن أبي هريرة وعائشة ﵄.
٢ سورة الأحقاف آية: ٢٥.
٣ سورة فصلت آية: ١١.
٤ سيأتي تخريجه (ص ٤٢٢) .стр. 953
الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة.
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر.
الحواشي
(١) الثانية: الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره: أي: منها، وهو أن يقول: " اللهم إني أسألك من خيرها ... " الحديث، مع فعل الأسباب الحسية أيضا; كالاتقاء من شرها بالجدران أو الجبال ونحوها.
الثالثة: الإرشاد إلى أنها مأمورة: لقوله: " ما أمرت به ".
الرابعة: أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر: لقوله: " خير ما أمرت به، وشر ما أمرت به ".
والحاصل: أنه يجب على الإنسان أن لا يعترض على قضاء الله وقدره، وأن لا يسبه، وأن يكون مستسلما لأمره الكوني كما يجب أن يكون مستسلما لأمره الشرعي; لأن هذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئا إلا بأمر الله .стр. 954
باب: قول الله تعالى:
﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين:
الأولى: قوله تعالى: "يظنون": الضمير يعود على المنافقين، والأصل في الظن: أنه الاحتمال الراجح، وقد يطلق على اليقين; كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ ٢ أي: يتيقنون، وضد الراجح المرجوح، ويسمى وهما.
قوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ عطف بيان لقوله: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ﴾ .
و (الجاهلية) : الحال الجاهلية، والمعنى: يظنون بالله ظن الملة الجاهلية التي لا يعرف الظان فيها قدر الله وعظمته، فهو ظن باطل مبني على الجهل. والظن بالله على نوعين
الأول: أن يظن بالله خيرا.
الثاني: أن يظن بالله شرا.
والأول له متعلقان:
١- متعلق بالنسبة لما يفعله في هذا الكون; فهذا يجب عليك أن تحسن الظن بالله فيما يفعله في هذا الكون، وأن تعتقد أن ما فعله إنما هو لحكمة بالغة، قد تصل العقول إليها
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٢ سورة البقرة آية: ٤٦.стр. 955
......................................................................
الحواشي
(١) وقد لا تصل، وبهذا تتبين عظمة الله وحكمته في تقديره; فلا يظن أن الله إذا فعل شيئا في الكون فعله لإرادة سيئة، حتى الحوادث والنكبات لم يحدثها الله لإرادة السوء المتعلق بفعله، أما المتعلق بغيره بأن يحدث ما يريد به أن يسوء هذا الغير; فهذا واقع; كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ ١.
٢- متعلق بالنسبة لما يفعله بك; فهذا يجب أن تظن بالله أحسن الظن، لكن بشرط أن يوجد لديك السبب الذي يوجب الظن الحسن، وهو أن تعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص، فإذا فعلت ذلك; فعليك أن تظن أن الله يقبل منك، ولا تسيء الظن بالله بأن تعتقد أنه لن يقبل منك، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب; فيحسن الظن بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه. وأما إن كان الإنسان مفرطا في الواجبات فاعلا للمحرمات، وظن بالله ظنا حسنا; فهذا هو ظن المتهاون المتهالك في الأماني الباطلة، بل هو من سوء الظن بالله; إذ إن حكمة الله تأبى مثل ذلك.
النوع الثاني: وهو أن يظن بالله سوء، مثل أن يظن في فعله سفها أو ظلما أو نحو ذلك; فإنه من أعظم المحرمات وأقبح الذنوب، كما ظن هؤلاء المنافقون وغيرهم ممن يظن بالله غير الحق.
قوله: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ مرادهم بذلك أمران:
الأول: رفع اللوم عن أنفسهم.
الثاني: الاعتراض على القدر.
وقوله: (لنا) : خبر مقدم.
_________
١ سورة الأحزاب آية: ١٧.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.стр. 956
......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "من شيء": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد.
قوله: ﴿إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ ١ أي: فإذا كان كذلك; فلا وجه لاحتجاجكم على قضاء الله وقدره، فالله يفعل ما يشاء من النصر والخذلان.
وقوله: "إن الأمر" واحد الأمور لا واحد الأوامر; أي: الشأن كل الشأن الذي يتعلق بأفعال الله وأفعال المخلوقين كله لله -سبحانه-; فهو الذي يقدر الذل والعز والخير والشر، لكن الشر في مفعولاته لا في فعله.
قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ٢ أي: ما لا يظهرون لك، فمن شأن المنافقين عدم الصراحة والصدق; فيخفي في نفسه ما لا يبديه لغيره; لأنه يرى من جبنه وخوفه أنه لو أخبر بالحق لكان فيه هلاكه، فهو يخفي الكفر والفسوق والعصيان.
قوله: ﴿مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٣ أي: في أحد، والمراد بمن "قتل": من استشهد من المسلمين في أحد; لأن عبد الله بن أبي رجع بنحو ثلث الجيش في غزوة أحد، وقال: إن محمدا يعصيني ويطيع الصغار والشبان.
قوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ ٤ هذا رد لقولهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا.
وهذا الاحتجاج لا حقيقة له; لأنه إذا كتب القتل على أحد; لم ينفعه تحصنه في بيته، بل لا بد أن يخرج إلى مكان موته.
والكتابة قسمان:
١- كتابة شرعية، وهذا لا يلزم منها وقوع المكتوب، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ٥ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ ٦.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٥ سورة النساء آية: ١٠٣.
٦ سورة البقرة آية: ١٨٣.стр. 957
......................................................................
الحواشي
(١) ٢- كتابة كونية، وهذه يلزم منها وقوع المكتوب كما في هذه الآية، ومثل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ ١ وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ٢.
قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ ٣ أي: يختبر ما في صدوركم من الإيمان بقضاء الله وقدره والإيمان بحكمته، فيختبر ما في قلب العبد بما يقدره عليه من الأمور المكروهة; حتى يتبين من استسلم لقضاء الله وقدره وحكمته ممن لم يكن كذلك.
قوله: ﴿وليمحص ما في قلوبكم﴾ ٤ أي: إذا حصل الابتلاء فقوبل بالصبر; صار في ذلك تمحيص لما في القلب; أي: تطهير له وإزالة لما يكون قد علق به من بعض الأمور التي لا تنبغي.
وقد حصل الابتلاء والتمحيص في غزوة أحد بدليل أن الصحابة لما ندبهم الرسول ﷺ حين قيل له: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ ٥ خرجوا إلى حمراء الأسد ولم يجدوا غزوا فرجعوا، ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ٦٧.
_________
١ سورة الأنبياء آية: ١٠٥.
٢ سورة المجادلة آية: ٢١.
٣ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٤ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٥ سورة آل عمران آية: ١٧٣.
٦ سورة آل عمران آية: ١٧٤.
٧ حديث عائشة ﵂: الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم قالت لعروة: "يا ابن أختي! كان أبواك منهم, الزبير وأبو بكر, لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد, وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا, قال: من يذهب في أثرهم؟ فانتدب منهم سبعون رجلا. قال: كان فيهم أبو بكر والزبير". أخرجه: البخاري في (المغازي, باب الذين استجابوا لله والرسول , ٣/١١٠) . ولم يخرجه البخاري في التفسير في هذا الباب المشار إليه, بل ساقه ابن حجر في "الفتح" لكون البخاري لم يسق حديثا في الباب كله, وأشار ابن حجر إلى أن الحديث تقدم في (المغازي- الفتح, ٨/٧٦, ط الريان) , ومسلم في (فضائل الصحابة, باب من فضائل طلحة والزبير, ٤/١٨٨٠) . وأما خروجهم إلى حمراء الأسد; فقد أخرجه النسائي, وابن أبي حاتم, والطبراني; عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (٢/١٠١) . وقال السيوطي: "بسند صحيح".стр. 958
وقوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ١ الآية.
الحواشي
(١) قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢ جملة خبرية فيها إثبات أن الله عليم بذات الصدور; أي: بصاحبة الصدور، والمراد بها القلوب; كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ٣ فالله لا يخفى عليه شيء، فيعلم ما في قلب العبد، وما ليس في قلبه متى يكون وكيف يكون.
الآية الثانية: قوله تعالى: (الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ) المراد بهم: المنافقون والمشركون، قال تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٤ أي: ظن العيب، وهو كقوله فيما سبق: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ومنه ما نقله المؤلف عن ابن القيم رحمهما الله: أنهم يظنون أن أمر الرسول ﷺ سيضمحل، وأنه لا يمكن أن يعود، وما أشبه ذلك.
قوله: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ ٥ أي: أن السوء محيط بهم جميعا من كل جانب، كما تحيط الدائرة بما في جوفها، وكذلك تدور عليهم دوائر السوء، فهم وإن ظنوا أنه تعالى تخلى عن رسوله وأن أمره سيضمحل; فإن الواقع خلاف ظنهم، ودائرة السوء راجعة عليهم.
قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ٦ الغضب من صفات الله الفعلية التي
_________
١ سورة الفتح آية: ٦.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٣ سورة الحج آية: ٤٦.
٤ سورة الفتح آية: ٦.
٥ سورة الفتح آية: ٦.
٦ سورة الفتح آية: ٦.стр. 959
......................................................................
الحواشي
(١) تتعلق بمشيئته ويترتب عليه الانتقام، وأهل التعطيل قالوا: إن الله لا يغضب حقيقة: فمنهم من قال: المراد بغضبه الانتقام. ومنهم من قال: المراد إرادة الانتقام. قالوا: لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، ولهذا قال النبي ﷺ " إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم "١.
فيجاب عن ذلك: بأن هذا هو غضب الإنسان، ولا يلزم من التوافق في اللفظ التوافق في المثلية والكيفية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ٢ ويدل على أن الغضب ليس هو الانتقام قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ ٣.
ف "آسفونا": بمعنى أغضبونا ﴿انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ فجعل الانتقام مرتبا على الغضب، فدل على أنه غيره.
وقوله: "ولعنهم": اللعن: الطرد والإبعاد عن رحمة الله.
قوله: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ ٤ أي: هيأها لهم وجعلها سكنا لهم ومستقرا.
قوله: ﴿وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ٥ أي: مرجعا يصار إليه.
و"مصيرا": تمييز، والفاعل مستتر; أي: ساءت النار مصيرا يصيرون إليه.
_________
١ أخرجه: الإمام أحمد (٣/١٩, ٦١) , والترمذي في (الفتن, باب ما جاء مما أخبر به النبي ﷺ أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة, ٦/٣٥١) , وقال: "حسن صحيح".
٢ سورة الشورى آية: ١١.
٣ سورة الزخرف آية: ٥٥.
٤ سورة الفتح آية: ٦.
٥ سورة الفتح آية: ٦.стр. 960
قال ابن القيم في الآية الأولى: " فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته.
الحواشي
(١) قوله: "قال ابن القيم": هو محمد ابن قيم الجوزية، أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية الكبار الملازمين له رحمهما الله، وقد ذكره في "زاد المعاد" عقيب غزوة أحد تحت بحث الحكم والغايات المحمودة التي كانت فيها.
قوله: "في الآية الأولى": يعني قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ١ فسر بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل; أي: يزول، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، يؤخذ هذا التفسير من قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ٢ ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ وأن يظهره الله على الدين كله. ففسر بما يكون طعنا في الربوبية وطعنا في الأسماء والصفات; فالطعن في القدر طعن في ربوبية الله ؛ لأن من تمام ربوبيته أن نؤمن بأن كل ما جرى في الكون فإنه بقضاء الله وقدره، والطعن في الأسماء والصفات تضمنه الطعن في أفعاله وحكمته، حيث ظننا أن الله تعالى لا ينصر رسوله، وسوف يضمحل أمره; لأنه إذا ظن الإنسان هذا الظن بالله، فمعنى ذلك أن إرسال الرسول ﵊ عبث وسفه، فما الفائدة من أن يرسل رسول ويؤمر بالقتال وإتلاف الأموال والأنفس، ثم تكون النتيجة أن يضمحل أمره وينسى؟ فهذا بعيد. ولا سيما رسول الله ﷺ الذي هو خاتم النبيين; فإن الله تعالى قد أذن بأن شريعته سوف تبقى إلى يوم القيامة.
قال ابن القيم ﵀: "وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٢ سورة آل عمران آية: ١٥٤.стр. 961
ففسر بإنكار الحكمة وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسوله ﷺ وأن يظهره على الدين كله، وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح.
الحواشي
(١) والمشركون في سورة الفتح". وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور:
الأول: أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق; فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح، قال تعالى: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾ ١.
الثاني: أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره; لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته.
الثالث: أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليه الحمد; لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافا كبيرا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله .
ورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا: لأنه لا يسأل عما يفعل، وهذا من أعظم سوء الظن بالله; لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيها; فما بالك بالخالق الحكيم؟!
قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٢ فالظن بأنها خلقت باطلا لا لحكمة عظيمة ظن الذين كفروا، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ ٣
_________
١ سورة الفتح آية: ١٢.
٢ سورة ص آية: ٢٧.
٣ سورة الدخان آية: ٣٨.стр. 962
وإنما كان هذا ظن السوء; لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق.
فمن ظن أنه يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة; فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.
الحواشي
(١) خلقناهما إلا بالحق﴾ ١ الذي هو ضد الباطل، وهؤلاء قالوا: إن الله تعالى خلقهما باطلا لغير حكمة، قال الله: ﴿ذالك ظن الذين كفروا﴾ ٢ أي: الذين يظنون أن الله خلقهما باطلا وعبثا سفها ولعبا.
والمعتزلة على العكس من ذلك، يقولون: لا يقدر إلا لحكمة، ويفرضون على الله ما يشاءون، وقد ذكر صاحب "مختصر التحرير الفتوحي" ﵀: أن في المسألة قولين في المذهب. ولكن الصواب بلا ريب أنه لا يفعل شيئا ولا يقدره على عبده ولا يشرع شيئا إلا لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر.
قوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ ٣ "ويل": مبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة: للتعظيم، وخبر المبتدأ: "للذين كفروا"، والجار والمجرور "من النار" بيان لويل، وفي هذا دليل على أن كلمة "ويل" كلمة وعيد وليست كما قيل: واد في جهنم، ولهذا نقول: ويل لك من البرد، ويل لك من فلان، ويقول المتوجع: ويلاه، وإن كان قد يوجد واد في جهنم اسمه ويل، لكن ويل في مثل هذه الآية كلمة وعيد.
_________
١ سورة الدخان آية: ٣٨ - ٣٩.
٢ سورة ص آية: ٢٧.
٣ سورة ص آية: ٢٧.стр. 963
وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وفيما يفعله بغيرهم، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده.
الحواشي
(١) قوله: "وأكثر الناس": أي: من بني آدم لا من المؤمنين.
وقوله ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ١ أي: العيب فيما يختص بهم، كما إذا دعوا الله على الوجه المشروع يظنون أن الله لا يجيبهم، أو إذا تعبدوا الله بمقتضى شريعته يظنون أن الله لا يقبل منهم، وهذا ظن السوء فيما يختص بهم.
قوله: "فيما يفعله بغيرهم": كما إذا رأوا أن الكفار انتصروا على المسلمين بمعركة من المعارك ظنوا أن الله يديل هؤلاء الكفار على المسلمين دائما; فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بالله مع وجود الأسباب التي تقتضي ذلك.
قوله: "ولا يسلم من ذلك": أي: من الظن السوء.
قوله: "إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده": صدق ﵀، لا يسلم من ظن السوء إلا من عرف الله وما له من الحكم والأسرار فيما يقدره ويشرعه، وكذلك عرف أسماءه وصفاته معرفة حقة لا معرفة تحريف وتأويل.
ولهذا حُجب المحرِّفون والمؤوّلون عن معرفة أسماء الله وصفاته; فتجد قلوبهم مظلمة غالبا، تحاول أن تورد الإشكالات والتشكيك والجدل، أما من أبقى أسماء الله وصفاته على ما دلت عليه، وسلك في ذلك مذهب السلف، فإن قلبه لا يرد عليه مثل هذه الاعتراضات التي ترد على قلوب أولئك المحرفين; لأن المحرفين إنما أتوا من جهة ظنهم بالله ظن السوء، حيث ظنوا أن الكتاب والسنة دل ظاهرهما على التمثيل والتشبيه، فأخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه وينكرون ما أثبت الله لنفسه،
_________
١ سورة الفتح آية: ٦.стр. 964
......................................................................
الحواشي
(١) ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل.
أما كون كل معطل ممثلا، فلأنه إنما عطل لكونه ظن أن دلالة الكتاب والسنة تقتضي التمثيل، فلما ظن هذا الظن السيئ بنصوص الكتاب والسنة أخذ يحرفها ويصرفها عن ظاهرها; فمثل أولا، وعطل ثانيا، ثم إنه إذا عطل صفات الله تعالى خوفا من تشبيهه بالموجود; فقد شبهه بالمعدوم، وأما كون كل ممثل معطلا; فلأن الممثل عطل الله تعالى من كماله الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص، وعطل كل نص يدل على نفي مماثلة الخالق للمخلوق.
وعلى هذا; فالذي عرف أسماء الله وصفاته معرفة على ما جرى عليه سلف هذه الأمة وأئمتها، وعرف موجب حكمة الله; أي: مقتضى حكمة الله; لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء.
وقوله: "موجب": موجب; بالفتح: هو المسبب الناتج عن السبب بمعنى المقتضى، وبالكسر: السبب الذي يقتضي الشيء بمعنى المقتضي، والمراد هنا الأول. فالذي يعرف موجب حكمة الله وما تقتضيه الحكمة; فإنه لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء أبدا، ولاحظ الحكمة التي حصلت للمسلمين في هزيمتهم في حنين، وفي هزيمتهم في أحد; فإن في ذلك حكما عظيمة ذكرها الله في سورة آل عمران والتوبة; فهذه الحكم إذا عرفها الإنسان لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء، وأنه أراد أن يخذل رسوله وحزبه، بل كل ما يجريه الله في الكون; كمنع الإنبات والفقر; فهو لحكمة بالغة قد لا نعلمها، ولا يمكن أن يظن أن الله بخل على عباده; لأنه أكرم الأكرمين، وعلى هذا فقس.стр. 965
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله، وليستغفره من ظنه بربه ظن السوء.
ولو فتشت من فتشت; لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك; هل أنت سالم؟
الحواشي
(١) قوله: "اللبيب": على وزن فعيل، ومعناه: ذو اللب، وهو العقل.
قوله: "بهذا": المشار إليه هو الظن بالله ؛ ليعتني بهذا حتى يظن بالله ظن الحق، لا ظن السوء وظن الجاهلية.
قوله: "وليتب إلى الله": أي: يرجع إليه; لأن التوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة.
قوله: "وليستغفره": أي: يطلب منه المغفرة، واللام في قوله: "فليتب" وقوله: "وليستغفره" للأمر.
قوله: "تعنتا على القدر وملامة له": أي: إذا قدر الله شيئا لا يلائمه تجده يقول: ينبغي أن ننتصر، ينبغي أن يأتي المطر، ينبغي أن لا نصاب بالجوائح، وأن يوسع لنا في هذا الرزق وهكذا.
قوله: "فمستقل ومستكثر": "مستقل": مبتدأ، خبره محذوف. و"مستكثر": مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: فمن الناس مستقل، ومنهم مستكثر، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ١ ف"سعيد" مبتدأ خبره محذوف تقديره: ومنهم سعيد، ولا يقال بأن "سعيد" معطوف على شقي; لكونه يلزم أن يكون الوصفان لموصوف واحد.
قوله: "وفتش نفسك: هل أنت سالم": وهذا ينبغي أن يكون في
_________
١ سورة هود آية: ١٠٥.стр. 966
فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة ... وإلا فإني لا إخالك ناجيا
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران.
الثانية: تفسير آية الفتح.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر.
الحواشي
(١) جميع المسائل مما أوجبه الله، فتش عن نفسك: هل أنت سالم من التقصير فيه؟ ومما حرمه الله عليك: هل أنت سالم من الوقوع فيه؟
قوله: "فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة": "تنج" الأول فعل الشرط مجزوم بحذف الواو، "تنج" الثانية جوابه مجزوم بحذف الواو.
وقوله: "من ذي عظيمة": أي: من ذي بلية عظيمة.
قوله: "وإلا; فإني لا إخالك ناجيا": التقدير; أي: وإلا تنج من هذه البلية; فإني لا أخالك ناجيا. ومعنى أخالك: أظنك، وهي تنصب مفعولين: الأول هنا الكاف، والثاني ناجيا.
فيه مسائل:
الأولى: تفسير آية آل عمران: وهي قوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ ١ وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين.
الثانية: تفسير آية الفتح: وهي قوله تعالى: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ ٢ وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين.
الثالثة: الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر: أي: ظن السوء،
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٤.
٢ سورة الفتح آية: ٦.стр. 967
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه.
الحواشي
(١) والذي أخبر بذلك ابن القيم ﵀، وضابط هذه الأنواع أن يظن بالله ما لا يليق به.
الرابعة: أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه: أي: لا يسلم من ظن السوء بالله إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده وعرف نفسه ففتش عنها، والحقيقة أن الإنسان هو محل النقص والسوء، وأما الرب; فهو محل الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه.
ولا تظن بربك ظن سوء ... فإن الله أولى بالجميل
مناسبة الباب للتوحيد
إن ظن السوء ينافي كمال التوحيد، وينافي الإيمان بالأسماء والصفات; لأن الله قال في الأسماء: ﴿وَلِلَّهِ ﴿الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١ فإذا ظن بالله ظن السوء; لم تكن الأسماء حسنى، وقال في الصفات: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾ ٢ وإذا ظن بالله ظن السوء، لم يكن له المثل الأعلى.
_________
١ سورة الأعراف آية: ١٨٠.
٢ سورة النحل آية: ٦٠.стр. 968
باب: ما جاء في منكري القدر
.......................................................................
الحواشي
(١) قوله: "منكري": أصله منكرين -جمع مذكر سالم-; فحذفت النون للإضافة كما يحذف التنوين أيضا، قال الشاعر:
فأين تراني لا تحل جواري
كأني تنوين وأنت إضافة
وقيل: (مكاني) بدل (جواري) .
قوله: "القدر": هو تقدير الله للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله أو من شاء من خلقه.
قال بعض أهل العلم: القدر سر الله في خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه، سواء كان خيرا أو شرا. والقدر يطلق على معنيين:
الأول: التقدير; أي: إرادة الله الشيء.
الثاني: المقدر; أي: ما قدره الله .
والتقدير يكون مصاحبا للفعل وسابقا له ; فالمصاحب للفعل هو الذي يكون به الفعل، والسابق هو الذي قدره الله في الأزل.
مثال ذلك: خلق الجنين في بطن الأم، فيه تقدير سابق علمي قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وفيه تقدير مقارن للخلق والتكوين، وهذا الذي يكون به الفعل; أي; تقدير الله لهذا الشيء عند خلقه.стр. 969
......................................................................
الحواشي
(١) والإيمان بالقدر يتعلق بتوحيد الربوبية خصوصا وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات; لأنه من صفات الكمال لله . والناس في القدر ثلاث طوائف:
الأولى: الجبرية الجهمية، أثبتوا قدر الله تعالى وغلوا في إثباته حتى سلبوا العبد اختياره وقدرته، وقالوا: ليس للعبد اختيار ولا قدرة في ما يفعله أو يتركه; فأكله وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها بغير اختيار منه ولا قدرة، ولا فرق بين أن ينزل من السطح عبر الدرج مختارا وبين أن يلقى من السطح مكرها.
الطائفة الثانية: القدرية المعتزلة، أثبتوا للعبد اختيارا وقدرة في عمله وغلوا في ذلك حتى نفوا أن يكون لله تعالى في عمل العبد مشيئة أو خلق، ونفى غلاتهم علم الله به قبل وقوعه; فأكل العبد وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها واقعة باختياره التام وقدرته التامة وليس لله تعالى في ذلك مشيئة ولا خلق، بل ولا علم قبل وقوعه عند غلاتهم.
استدل الأولون الجبرية: بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ١ والعبد وفعله من الأشياء. وبقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ٢ وبقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٣ فنفى الله الرمي عن نبيه حين رمى وأثبته لنفسه. وبقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ٤ ولهم شبه أخرى تركناها خوف الإطالة.
والرد على شبهاتهم بما يلي:
أما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٥ فاستدلالهم بها معارض
_________
١ سورةالزمر آية: ٦٢.
٢ سورة الصافات آية: ٩٦.
٣ سورة الأنفال آية: ١٧.
٤ سورة الأنعام آية: ١٤٨.
٥ سورة الزمر آية: ٦٢.стр. 970
......................................................................
الحواشي
(١) بالنصوص الكثيرة التي فيها إثبات إرادة العبد وإضافة عمله إليه وإثابته عليه كرامة أو إهانة، وكلها من عند الله، ولو كان مجبرا عليها ما كان لإضافة عمله إليه وإثابته عليه فائدة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ١ فهو حجة عليهم; لأنه أضاف العمل إليهم، وأما كون الله تعالى خالقه; فلأن عمل العبد حاصل بإرادته الجازمة وقدرته التامة، والإرادة والقدرة مخلوقان لله فكان الحاصل بهما مخلوقا لله.
وأما قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ ٢ فهو حجة عليهم; لأن الله تعالى أضاف الرمي إلى نبيه ﷺ لكن الرمي في الآية له معنيان:
أحدهما: حذف المرمي، وهو فعل النبي ﷺ الذي أضافه الله إليه.
والثاني: إيصال المرمي إلى أعين الكفار الذين رماهم النبي ﷺ بالتراب يوم بدر فأصاب عين كل واحد منهم، وهذا من فعل الله; إذ ليس بمقدور النبي ﷺ أن يوصل التراب إلى عين كل واحد منهم.
وأما قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ٣ فلعمر الله; إنه لحجة على هؤلاء الجبرية، فقد أبطل الله تعالى حجة هؤلاء المشركين الذين احتجوا بالقدر على شركهم حين قال في الآية نفسها: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ ٤ وما كان الله ليذيقهم بأسه وهم على حق فيما احتجوا به.
ثم نقول: القول بالجبر باطل بالكتاب والسنة والعقل والحس وإجماع السلف، ولا يقول به من قدر الله حق قدره وعرف مقتضى حكمته ورحمته.
_________
١ سورة الصافات آية: ٩٦.
٢ سورة الأنفال آية: ١٧.
٣ سورة الأنعام آية: ١٤٨.
٤ سورة الأنعام آية: ١٤٨.стр. 971
......................................................................
الحواشي
(١) , ومسلم(١٩٠٧) .
٦ رواه: البخاري(٧٢٨٨) , ومسلم(١٣٣٧) .стр. 972
......................................................................
الحواشي
(١) باختياره; كأكله وشربه وقيامه وقعوده، وبين ما فعله بغير اختياره; كارتعاشه من البرد والخوف ونحو ذلك.
واستدل الطائفة الثانية (القدرية) بقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ١ فأثبت للعبد إرادة، وبقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ٢ ونحوها من النصوص القرآنية والنبوية الدالة على أن للعبد إرادة، وأنه هو العامل الكاسب الراكع الساجد ونحو ذلك.
والرد عليهم من وجوه:
الأول: أن الآيات والأحاديث التي استدلوا بها نوعان: نوع مقيد لإرادة العبد وعمله بأنه بمشيئة الله; كقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٣ وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ ٤ وكقوله تعالى في العمل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ ٥.
والنوع الثاني: مطلق; كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ٦ وقوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ٧ وقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ ٨ إلى قوله: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً﴾ ٩ وهذا النوع المطلق يحمل على المقيد كما هو معلوم عند أهل العلم.
_________
١ سورة آل عمران آية: ١٥٢.
٢ سورة فصلت آية: ٤٦.
٣ سورة آية: ٢٨-٢٩.
٤ سورة آية: ٢٩-٣٠.
٥ سورة البقرة آية: ٢٥٣.
٦ سورة البقرة آية: ٢٢٣.
٧ سورة الكهف آية: ٢٩.
٨ سورة الإسراء آية: ١٨.
٩ سورة الإسراء آية: ١٩.стр. 973
......................................................................
الحواشي
(٤٦٩١) ، وهو مشهور عند أهل العلم، لكن فيه ضعف.стр. 974
......................................................................
الحواشي
(١) الْعَالَمِينَ﴾ ١، فإذا شاء العبد شيئا وفعله; علمنا أن مشيئة الله تعالى قد سبقت تلك المشيئة.
وهؤلاء هم الذين جمعوا بين الدليل المنقول والمعقول; فأدلتهم على إثبات القدر هي أدلة المثبتين له من الجبرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل والجمع بينها وبين الأدلة التي استدل بها نفاة القدر. وأدلتهم على إثبات مشيئة العبد وقدرته هي أدلة المثبتين لذلك من القدرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل والجمع بينها وبين الأدلة التي استدل بها نفاة مشيئة العبد وقدرته.
وبهذا نعرف أن كلا من الجبرية والقدرية نظروا إلى النصوص بعين الأعور الذي لا يبصر إلا من جانب واحد; فهدى الله أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
حكاية:
مما يحكى أن القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على الصاحب ابن عباد وكان معتزليا أيضا، وكان عنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، فقال عبد الجبار على الفور: سبحان من تنزه عن الفحشاء! فقال أبو إسحاق فورا: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء! فقال عبد الجبار وفهم أنه قد عرف مراده: أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال أبو إسحاق: أيعصى ربنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار: أرأيت إن منعني الهدى وقضى علي بالردى; أحسن إلي أم أساء؟ فقال له أبو إسحاق: إن كان منعك ما هو لك; فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له; فيختص برحمته من يشاء. فانصرف الحاضرون وهم يقولون: والله; ليس عن هذا جواب. اهـ.
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن أهل السنة والجماعة
_________
١ سورة التكوير، آية: ٢٨-٢٩.стр. 975
......................................................................
الحواشي
(١) وسط بين فرق المبتدعة في خمسة أصول ذكرها في "العقيدة الواسطية"; فلتراجع هناك.
مراتب القدر:
وهي أربع يجب الإيمان بها كلها:
المرتبة الأولى: العلم، وذلك بأن تؤمن بأن الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا، فعلم ما كان وما يكون; فكل شيء معلوم لله، سواء كان دقيقا أم جليلا من أفعاله أو أفعال خلقه. وأدلة ذلك في الكتاب كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ١ فالأوراق التي تتساقط ميتة أي ورقة كانت صغيرة أو كبيرة في بر أو بحر; فإن الله تعالى يعلمها، والورقة التي تخلق يعلمها من باب أولى. ولاحظ سعة علم الله وإحاطته، فلو فرض أنه في ليلة مظلمة ليس فيها قمر وفيها سحاب متراكم ممطر وحبة في قاع البحر المائج العميق; فهذه ظلمات متعددة: ظلمة الطبقة الأرضية، وظلمة البحر، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، وظلمة الأمواج، وظلمة الليل; فكل هذا داخل في قوله تعالى: ﴿وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ﴾ ٢ ثم جاء العموم المطلق: ﴿وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ ٣ ولا كتابة إلا بعد علم. ففي هذه الآية إثبات العلم وإثبات الكتابة.
ومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ٤ ففي الآية أيضا إثبات العلم وإثبات الكتابة.
_________
١ سورة الأنعام آية: ٥٩.
٢ سورة الأنعام آية: ٥٩.
٣ سورة الأنعام آية: ٥٩.
٤ سورة الحج آية: ٧٠.стр. 976
......................................................... ...
الحواشي
(١) المرتبة الثانية: الكتابة، وقد دلت عليها الآيتان السابقتان.
المرتبة الثالثة: المشيئة، وهي عامة، ما من شيء في السماوات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته; فلا يكون في ملكه ما لا يريد أبدا، سواء كان ذلك فيما يفعله بنفسه أو يفعله المخلوق، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ٣ الآية.
المرتبة الرابعة: الخلق; فما من شيء في السماوات والأرض إلا الله خالقه ومالكه ومدبره وذو سلطانه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ٤ وهذا العموم لا مخصص له، حتى فعل المخلوق مخلوق لله; لأن فعل المخلوق من صفاته، وهو وصفاته مخلوقان، ولأن فعله ناتج عن أمرين:
١- إرادة جازمة.
٢- قدرة تامة.
والله هو الذي خلق في الإنسان الإرادة الجازمة والقدرة التامة ولهذا قيل لأعرابي: بم عرفت ربك؟ قال: بنقض العزائم، وصرف الهمم.
والعبد يتعلق بفعله شيئان:
١- خلق، وهذا يتعلق بالله.
٢- مباشرة، وهذا يتعلق بالعبد وينسب إليه، قال تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٥ وقال تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ
_________
١ سورة يس آية: ٨٢.
٢ سورة الأنعام آية: ١١٢.
٣ سورة البقرة آية: ٢٥٣.
٤ سورة الزمر آية: ٦٢.
٥ سورة الواقعة آية: ٢٤.стр. 977
......................................................................
الحواشي
(١) تَعْمَلُونَ﴾ ١، ولولا نسبة الفعل إلى العبد ما كان للثناء على المؤمن المطيع وإثابته فائدة، وكذلك عقوبة العاصي وتوبيخه.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع، وقد جمعت في بيت:
علم كتابة مولانا مشيئته ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين
وهناك تقديرات أخرى نسبية: منها: تقدير عمري: حين يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر يرسل إليه الملك; فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد. ومنها: التقدير الحولي، وهو الذي يكون في ليلة القدر، يكتب فيها ما يكون في السنة، قال الله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ ٢ ومنها التقدير اليومي: كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ ٣ فهو كل يوم يغني فقيرا، ويفقر غنيا، ويوجد معدوما، ويعدم موجودا، ويبسط الرزق ويقدره، وينشئ السحاب والمطر، وغير ذلك.
فإن قيل: هل الإيمان بالقدر ينافي ما علم بالضرورة من أن الإنسان يفعل الشيء باختياره؟
الجواب: لا ينافيه; لأن ما يفعله الإنسان باختياره من قدر الله; كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لما أقبل على الشام، وقالوا له: إن في الشام طاعونا يفتك بالناس، فجمع الصحابة وشاورهم، فقال بعضهم: نرجع. فعزم على الرجوع، فجاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح، فقال: يا أمير المؤمنين! أفرارا من قدر الله؟ فأجاب
_________
١ سورة النحل آية: ٣٢.
٢ سورة الدخان آية: ٤.
٣ سورة الرحمن آية: ٢٩.стр. 978
......................................................................
الحواشي
(١) عمر: "نفر من قدر الله إلى قدر الله"١.
يعني: أن مضينا في السفر بقدر الله ورجوعنا بقدر الله، ثم ضرب له مثلا، قال: أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له شعبتان إحداهما خصبة والأخرى جدبة; أليس إن رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله.
وقال أيضا: "أرأيت لو رعى الجدبة وترك الخصبة; أكنت معجزه؟ قال: نعم. قال: فسر إذن" ومعنى معجزه: ناسبا إياه إلى العجز. فالإنسان وإن كان يفعل; فإنما يفعل بقدر الله.
فإن قيل: إذا تقرر ذلك; لزم أن يكون العاصي معذورا بمعصيته; لأنه عصى بقدر الله؟
أجيب: إن احتجاج العاصي بالقدر باطل بالشرع والنظر. أما بطلانه بالشرع: فقد قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ ٢ فهم قالوا هذا على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله، فرد الله عليهم بقوله: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ ٣ ولو كانت حجتهم صحيحة ما أذاقهم الله بأسه، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ﴾ ٤ وهذا دليل واضح على بطلان احتجاجهم بالقدر على معصية الله، وقال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٥ فأبطل الله الحجة على الناس بإرسال الرسل، ولو كان القدر حجة ما انتفت بإرسال الرسل; لأن القدر باق حتى مع إرسال
_________
١ أخرجه: البخاري في (الطب, باب ما يذكر في الطاعون, ٤/٤١) , ومسلم في (السلام, باب الطاعون والطيرة, ٤/ ١٧٤٠) ; عن ابن عباس ﵁.
٢ سورة الأنعام آية: ١٤٨.
٣ سورة الأنعام آية: ١٤٨.
٤ سورة الأنعام آية: ١٤٨.
٥ سورة النساء آية: ١٦٥.стр. 979
......................................................................
الحواشي
(٤٩٤٥) , ومسلم: القدر(٢٦٤٧) , والترمذي: القدر(٢١٣٦) وتفسير القرآن(٣٣٤٤) , وأبو داود: السنة(٤٦٩٤) , وأحمد (١/٨٢ ,١/١٢٩ ,١/١٣٢ ,١/١٤٠ ,١/١٥٧) .
٢ أخرجه: البخاري في (التفسير, باب فأما من أعطى واتقى , ٣/ ٣٢٤) , ومسلم في (القدر, باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه, ٤/ ٢٠٣٩-٢٠٤٠) ; عن علي ﵁.стр. 980
وقال ابن عمر: "والذي نفس ابن عمر بيده; لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله; ما قبله الله منه، حتى يؤمن بالقدر" ثم استدل بقول النبي ﷺ :.................................................
الحواشي
(١) ١- أنه من تمام توحيد الربوبية.
٢- أنه يوجب صدق الاعتماد على الله لأنك إذا علمت أن كل شيء بقضاء الله وقدره صدق اعتمادك على الله.
٣- أنه يوجب للقلب الطمأنينة، إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك; اطمأننت بما يصيبك بعد فعل الأسباب النافعة.
٤- منع إعجاب المرء بعمله إذا عمل عملا يشكر عليه; لأن الله هو الذي من عليه وقدره له، قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ ١ أي: فرح بطر وإعجاب بالنفس.
٥- عدم حزنه على ما أصابه; لأنه من ربه، فهو صادر عن رحمة وحكمة.
٦- أن الإنسان يفعل الأسباب; لأنه يؤمن بحكمة الله وأنه لا يقدر الأشياء إلا مربوطة بأسبابها.
قوله: "والذي نفس ابن عمر بيده": الصيغة هنا قسم، جوابه: جملة "لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله; ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر": وابن عمر ﵁ وعن أبيه- ذكر حكمهم
_________
١ سورة الحديد، آية: ٢٢-٢٣.стр. 981
"الإيمان أن تؤمن بالله.................................................
الحواشي
(٨) , والترمذي: الإيمان(٢٦١٠) , والنسائي: الإيمان وشرائعه(٤٩٩٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٩٥) , وابن ماجه: المقدمة(٦٣) , وأحمد (١/٢٧ ,١/٢٨ ,١/٥١) .
٣ سورة آية: ١٥٠-١٥١.стр. 982
وملائكته وكتبه.......................................................
الحواشي
(١) شيء، لكنه أنكر أسماءه وصفاته، أو أنكر أن يكون مختضا بها; فهو غير مؤمن بالله.
قوله: "وملائكته":
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
١- الإيمان بوجودهم.
٢- الإيمان باسم من علمنا اسمه منهم.
٣- الإيمان بأفعالهم.
٤- الإيمان بصفاتهم.
فمِمّن علمنا صفاته جبريل ﵇، علمناه على خلقته التي خلق عليها له ستمائة جناح، قد سد الأفق; كما أخبرنا بذلك رسول الله ﷺ وهذا يدل على عظمته، وأنه كبير جدا; فهو فوق ما نتصور، ومع ذلك يأتي أحيانا بصورة بشر; فأتى مرة بصورة دحية الكلبي، وأتى مرة بصورة رجل شديد سواد الشعر، شديد بياض الثياب، لا يرى عليه أثر سفر، ولا يعرفه من الصحابة أحد، فجلس إلى النبي ﷺ جلسة المتعلم المتأدب١.
قوله: "وكتبه": أي: الكتب التي أنزلها على رسله.
والإيمان بالكتاب يتضمن ما يلي:
١- الإيمان بأنها حق من عند الله.
٢- تصديق أخبارها.
٣- التزام أحكامها ما لم تنسخ، وعلى هذا، فلا يلزمنا أن نلتزم بأحكام الكتب السابقة; لأنها كلها منسوخة بالقرآن، إلا ما أقره القرآن. وكذلك لا يلزمنا العمل بما نسخ في القرآن; لأن القرآن فيه أشياء منسوخة.
_________
١ أخرجه: مسلم في (الإيمان, باب بيان الإيمان, ١/ ٣٦) ; عن ابن عمر, عن أبيه ﵄.стр. 983
ورسله................................................................
الحواشي
(١) ٤- الإيمان بما علمناه معينا منها، مثل: التوراة، والإنجيل، والقرآن، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى.
٥- الإيمان بأن كل رسول أرسله الله معه كتاب; كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ﴾ ١ وقال عيسى: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ ٢ وقال عن يحيى كذلك٣.
تنبيه:
الكتب التي بأيدي اليهود والنصارى اليوم قد دخلها التحريف والكتمان; فلا يوثق بها، والمراد بما سبق الإيمان بأصل الكتب.
قوله: "ورسله": هم الذين أوحى الله إليهم وأرسلهم إلى الخلق؛ ليبلغوا شريعة الله.
والإيمان بالرسل يتضمن ما يلي:
١- أن نؤمن بأنهم حق صادقون مصدقون.
٢- أن نؤمن بما صح عنهم من الأخبار، وبما ثبت عنهم من الأحكام; ما لم تنسخ.
٣- أن نؤمن بأعيان من علمنا أعيانهم، وما لم نعلمه; فنؤمن بهم على سبيل الإجمال، ونعلم أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن الله أرسل لكل أمة رسولا تقوم به الحجة عليهم; كما قال تعالى: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤.
والبشر إذا لم يأتهم رسول يبين لهم فهم معذورون; لأنهم يقولون:
_________
١ سورة الحديد آية: ٢٥.
٢ سورة مريم آية: ٣٠.
٣ كما في قوله تعالى: يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا [مريم: ١٢] .
٤ سورة النساء آية: ١٦٥.стр. 984
واليوم الآخر ١.......................................................
الحواشي
(٨) , والترمذي: الإيمان(٢٦١٠) , والنسائي: الإيمان وشرائعه(٤٩٩٠) , وأبو داود: السنة(٤٦٩٥) , وابن ماجه: المقدمة(٦٣) , وأحمد (١/٢٧ ,١/٢٨ ,١/٥١) .
٢ سورة طه آية: ١٣٤.
٣ سورة المائدة آية: ١١٩.
٤ أخرجه: مسلم في (الجنة, باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة, ٤/ ٢١٩٧) ; من حديث عياض بن حمار المجاشعي ﵁.
٥ سورة هود آية: ١١٦.стр. 985
وتؤمن بالقدر خيره وشره " رواه مسلم١.
الحواشي
(١) عراة غرلا بهما من الإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالموازين والصحف والصراط والحوض والشفاعة والجنة وما فيها من النعيم والنار وما فيها من العذاب الأليم; كل هذا من الإيمان باليوم الآخر. ومنه ما هو معلوم بالقرآن، ومنه ما هو معلوم بالسنة بالتواتر وبالآحاد فكل ما صحت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من أمر اليوم الآخر، فإنه يجب علينا أن نؤمن به.
"قوله: " وتؤمن بالقدر خيره وشره ": هنا أعاد الفعل ولم يكتف بواو العطف; لأن الإيمان بالقدر مهم، فكأنه مستقل برأسه.
والإيمان بالقدر هو أن تؤمن بتقدير الله للأشياء كلها، سواء ما يتعلق بفعله أو ما يتعلق بفعل غيره، وأن الله قدرها وكتبها عنده قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، ومعلوم أنه لا كتابة إلا بعد علم; فالعلم سابق على الكتابة، ثم إنه ليس كل معلوم لله مكتوبا; لأن الذي كتب إلى يوم القيامة، وهناك أشياء بعد يوم القيامة كثيرة أكثر مما في الدنيا هي معلومة عند الله ولكنه لم يرد في الكتاب والسنة أنها مكتوبة.
وهذا القدر، قال بعض العلماء: إنه سر من أسرار الله، وهو كذلك لم يطلع الله عليه أحدا; لا ملكا مقربا، ولا نبيا مرسلا; إلا ما أوحاه الله إلى رسله أو وقع فعلم به الناس، وإلا; فإنه سر مكتوم، قال تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ ٢ الآية، وإذا قلنا: إنه سر مكتوم; فإن هذا القول يقطع احتجاج العاصي بالقدر على معصيته; لأننا نقول لهذا الذي عصى الله وقال: هذا مقدر
_________
١ أخرجه: مسلم (في الإيمان, باب بيان الإيمان والإسلام, ١/٣٦) .
٢ سورة لقمان آية: ٣٤.следующие страницы →