[٣٥/ب] وقد تدخل عليها (ما) فتكفّها عن العمل، فتأتي بعدها المعرِفة، كقولك: (رُبّما زَيْدٌ قائم) .
ويأتي بعدها الفعل، كقولك: ( [رُبَّما] ١ يقوم زيد) ، قال اللهُ تعالى: ﴿رُبَّمَا٢ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٣.
وقد تدلّ على التّكثير٤، كقول أبي عَطَاءٍ السِّنديّ٥:
стр. 212
فَإِنْ تُمْسِ مَهْجُورَ الْفِنَاءِ فَرُبَّمَا ... أَقَامَ بِهِ بَعْدَ الوُفُودِ وفُودُ١
وقد تقع زائدة٢ فلا تمنعها عن العمل، كقول عَديّ الغَسَّانيّ٣:
رُبَّمَا ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ صَقِيْلٍ ... دُوْنَ بُصْرَى وَطَعْنَةٍ نَجْلاَءِ٤
وفيها لغاتٌ٥:
(رُبَّ) مضمومة الرّاء مشدّدة الباء، أو مخفّفة؛ و (رُبَّتَ) بإلحاق التّاء
стр. 213
مشدّدة أو مخفّفة، كقول١ الشّاعر:
وَرُبَّتَ سَائِلٍ عَنِّي٢ حَفِيَّ ... أَغَارَتْ عَيْنُهُ أَمْ لَنْ تَغَارَا٣
وقد تدخُل (ما) الكافّة بعد التّاء، فلا تمنعها عن العمل، كقول الشّاعر:
مَاوِيَّ يَا رُبَّتَمَا غَارَةٍ ... شَعْوَاءَ كَاللّذعَةِ٤ بِالْمِيْسَمِ٥
ولا يتعلّق إلا بفعلٍ متأخّر.
стр. 214
بَابُ القَسَمِ:
[ثُمَّ تَجُرُّ الاِسْمَ بَاءُ الْقَسَمِ ... وَوَاوُهُ وَالتَّاءُ أَيْضًا فَاعْلَمِ] ١
لَكِنْ تُخَصُّ التَّاءُ بِاسْمِ اللهِ ... إِذَا تَعَجَّبْتَ بِلاَ اشْتِبَاهِ
[٣٦/أ]
حروف القسم٢:
(الباء) : وهي تدخل على الظّاهر والمضمر، وتأتي بعد فعل القسم، كقولك: (أقسمتُ بالله٣ وبِهِ) ، ومن دخولها على المضمَر قولُ٤ أبي زَيْدٍ٥:
стр. 215
أَلاَ نَادَتْ أُمَامَةُ بِاحْتِمَالِ ... لِتَحْزُنَنِي فَلاَ بِكِ لاَ أُبَالِي١
والواو: بدلٌ منها، وهي تدخل على الظّاهر دون المُضمَر؛ فتقول: (والمصحف) ٢، ولا تأتي بعد الفعل؛ وتوجيه الإبدال كون بعض معاني الباء للإلصاق، ومن معنى الواو العطف، وهو الجمع؛ فلمّا تقارَب معناهما وقع الإبدال فيهما٣.
стр. 216
وقيل: أشبهت الواو لقُرب المخرَج١.
والتّاء: هي بدلٌ من الواو، كما أبدلت من٢الواو في قولهم: (تُراث) و (تخمة) و (تهمة) ؛ إذ اشتقاق هذه الكلمات من: (ورث) ، ومن (الوخامة) ، ومن (الوهم) ٣، فعدلوا إلى الإبدال طلبًا للخفَّة.
ولم تدخل التّاء إلاَّ على اسم الله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿وَتَاللهِ لأَكِيْدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ ٤ لأنّها بدلٌ من بدل، فلم تدخل إلاَّ على اسمٍ واحدٍ [٣٦/ب] معظّم.
ومنهُ٥ قول الشّاعر:
تَاللهِ يَبْقَى عَلَى الأَيَّامِ ذُو حَيَدٍ ... بِمُشْمَخِرٍّ بِهِ الظَّيَّانُ وَالآسُ٦
стр. 217
وهاء التّنبيه١ فهي عِوَضٌ من الواو٢، تقول: (ها الله لأفعلنَّ) .
فالمُقْسِمُ هُنا قد نبَّه السَّامِع على تأكيد القسم؛ فهذا الحرف هُنا يقتضي تنبيهًا٣ ومُنَبِّهًا٤ ومُنَبَّهًا عليه.
стр. 218
وتعوّض١ - أيضًا - همزة الاستفهام، وألف القطع،٢ كقولك: (ألله لتفعلنَّ؟) ، ويجوز ألاَّ يؤتى بحرف القسم ولا بالعوض منه فينتقل إلى النّصب، فتقول: (اللهَ) ؛ فيكون من باب ما سقط فيه الجارّ وتعدّى الفِعْلُ فَنَصَبَ.
ويجوز القطع عن مراعاة الفعل، والحمل على الابتداء نحو: (أللهُ لأفعلنَّ) فيكون مبتدأً وخبرًا، كأنّك قُلْتَ: (اللهُ قسمي) أو (قسمي اللهُ) ، ومنه قولُهم: (لَعَمْرُكَ) - بالضّمّ -، ومنه قولُ الشّاعر:
فَقَالَ فَرِيقُ الْقَوْمِ لاَ، وَفَرِيقُهُمْ ... نَعَمْ وَفَرِيقٌ أَيْمُنُ اللهِ مَا نَدْرِي٣
المعنى: أقسِمُ بيمين الله.
وقال امرؤ القيس:
وَقَالَتْ يَمِيْنُ اللهِ مَالَكَ حِيْلَةٌ٤ ... ...................................
стр. 219
ويحذف أوّل (أَيْمَنْ) ١، فيُقال: [٣٧/أ] (مُنُ اللهِ) و (مَنَ اللهِ) ٢ و (مُ اللهِ)
وممّا يقسم به العمر؛ فيقال: (لَعَمْرُ اللهِ) ؛ فهو مرفوعٌ بالابتداء، وكقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ ٣، ويكون مفتوحًا عاريًا من اللاّم: (لَعَمْرَكَ الله) ، وتقديره: (عَمْرَكَ الله) قسمي به، أي: ببقائك٤.
стр. 220
والحروف الّتي يجاب بها القسم أربعة:١
حرفان للنّفي؛ وهما: (ما) و (لا) ؛ وحرفان للإيجاب؛ وهما: (إنَّ) و (اللاّم) ، كقولك: (والله لزيدٌ أفضلُ من عَمْرٍو) ، وكقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ ٢.
وتأتي بعده٣ (قد) ، ويسوغ حذف ما هو للنّفي دون الإيجاب، كقوله تعالى: ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ٤ أي: لا تَفْتَأُ، ومنه قولُ امرئ القيس:
فَقُلْتُ يَمِيْنُ اللهِ أَبْرَحُ قَاعِدَاً ... وَلَوْ قَطَّعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي٥
стр. 221
أي: لا أبرح.
فإنْ أدخلت١ هذه اللاّم على الفعل المضارِع ألحقت بالفعل النّون الثّقيلة أو الخفيفة، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ٢.
وحرف (قد) يقترن باللاّم الّتي يتلقّى بها الفعل، فيجوز [٣٧/ب] أن يليها الماضي؛ وهي في هذا الحكم على أربعةِ أوجهٍ:
أَحَدُها: أنْ تأتي مقترنة بـ (قد) ، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ﴾ ٣.
الثّاني: بحذف (اللاّم) و (قد) ، كقوله٤ [تعالى] ٥: ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ﴾ ٦.
الثّالث: وقوع الجواب بـ (قد) عاريًا من اللاّم، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ٧.
الرّابع: أن يكون باللاّم عاريًا من (قد) ، كقول٨ امرئ القيس:
حَلَفْتُ لَهَا بِاللهِ حَلْفَةَ فَاجِرٍ ... لَنَامُوا فَمَا إِنْ مِنْ حَدِيثٍ وَلاَ صَالِ٩
стр. 222
والفرق بين واو القسم والواو الّتي تضمر بعدها (رُبَّ) :
أنَّ واوَ القسم يجوز أن يدخل عليها واو العطف وفاؤه، كقولك: (وو الله) ، وكما قال اللهُ تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ ١.
والواو القائمة مقام (رُبَّ) فلا يدخل٢عليها واو العطف، ولا فاؤه؛ فلا يجوز أنْ تقول: و [وصاحب في قول الشّاعر] ٣:
وَصَاحِبٍ نَبَّهْتُهُ لِيَنْهَضَا ... إِذَا الْكَرَى في عَيْنِهِ تَمَضْمَضَا٤
ولا (فو صاحب) .
стр. 223
بَابُ الإِضَافَةِ:
وَقَدْ يُجَرُّ الاسْمُ بِالإِضَافَهْ ... كَقَوْلِهِمْ: دَارُ أَبِي قُحَافَهْ
[٣٨/أ]
الإضافة هي: إمالة الشّيء إلى الشّيء ونسبته إليه١؛ فالأوّل: مُضاف، والثّاني: مُضافٌ إليه، وينزّلان٢ بالتّركيب الإضافي٣ منزلة٤ الاسم الواحد؛ ولذلك سقط التّنوين من الأوّل؛ لأنَّه لا يكون حشوً الكلمة؛ فالاسم٥ الأوّل مُعْربٌ بما يقتضيه العامل، والثّاني مجرورٌ به٦ دائمًا.
стр. 224
فَتَارَةً تَأْتِي بِمَعْنَى اللاَّمِ ... نَحْوُ: أَتَى عَبْدُ أَبِي١ تَمَّامِ
وَتَارَةً تَأْتِي بِمَعْنَى مِنْ إِذَا ... قُلْتَ: مَنَا٢ زَيْتٍ فَقِسْ ذَاْكَ وَذَا
اعلم أَنَّ الإضافة تنقسم إلى قسمين: مَحْضَة، وغَيْر مَحْضَةٍ.
فالمحضة: تقع تارةً بمعنى (اللاَّم) ، وتسمّى إضافة المِلك، كقولك: (غُلام زيدٍ) ، أو الاختصاص٣ كـ (باب الدّار) .
وتارةً بمعنى (مِنْ) ، وتُسمَّى إضافة الجنس، ويكونُ الأوّل بعض الثّاني، كقولك: (خاتم فِضَّةٍ) ٤؛ وهذا٥يجوز في إعراب المضاف إليه [٣٨/ب] ثلاثة أوجهٍ٦:
جرُّه بالإضافة، ونصبه إمَّا على الحال أو على التّمييز وهو الأولى٧، واتباعه للأوّل إمَّا على الصّفة وإمَّا على البدل٨؛ مثاله: (خاتم حديدٍ) و (حديدًا) و (حديدٌ) .
ومن شرطه٩ أن يكون الأوّل نكرة، والثّاني معرفة؛ فيتعرَّفُ
وغير المحضة هي:١ ما يُقَدَّرُ فيها التّنوين، ولا٢يتعرّف بها المضاف، كإضافة اسم الفاعل إذا أُريد به الحال أو الاستقبال، كقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ٣، والتّقدير في هذه الإضافة [الانفصال] ٤ والتّنوين؛ وأصلُ هذا الكلام: (هديًا بالغًا الكعبة) ، وتقول: (مررت برجلٍ حَسَنِ الوجه) [٣٩/ أ] و (حَسَنٍ وجهًا) و (حَسَنٍ وَجْهُهُ) ٥.
ويجوز في الإضافة الّتي هي غير محضةٍ إدخال الألف واللاَّم على المضافين٦، كقولك: (مررتُ بالرّجل الحسنِ الوجه) ، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلاَةِ﴾ ٧.
стр. 227
والإضافة المحضة يجوز أن تَفْصِل بين المضاف والمضاف إليه اضطرارًا١، كما ورد في النّظم، [وذلك] ٢ بنعتٍ في٣ قول الشّاعر:
نَجَوْتُ٤ وَقَدْ بَلَّ المُرَادِيُّ سَيْفَهُ ... مِنَ ابْنِ أَبِي - شَيْخِ الأَبَاطِحِ - طَالِبِ٥
[٣٩/ ب]
وَفِي المُضَافِ مَا يُجَرُّ أَبَدَا ... مِثْلُ: لَدُنْ زَيْدٍ وَإِنْ شِئْتَ لَدَى
وَمِنْهُ سُبْحَانَ وَذُو وَمِثْلُ ... وَمَعْ وَعِنْدَ وَأُوْلُو وَكُلُّ
ثُمَّ الجِهَاتُ السِّتُّ فَوْقُ وَوَرَا ... وَيَمْنَةً وَعَكْسُهَا بِلاَ مِرَا
وَهَكَذَا غَيْرُ وَبَعْضُ وَسِوَى ... فِي كَلِمٍ شَتَّى رَوَاهَا مَنْ رَوَى١
الأسماء المضافة إضافة معنويّةً؛ لازمة الإضافة، وغير لازمة.
فاللاّزمةُ على ضربين: ظروف، وغير ظروف٢.
فمن الظّروف: (لَدُنْ) ، وهو بمنزلة (عند) ٣، وهو مع الظّاهر آخره ألفٌ، ومع المضمَر ينقلب٤ ياءً؛ تقول: (لدى زيد ولديك) ؛ فإذا استقبلها الألف٥واللاّم تسقط نُونها، كقولك: (لدى الرّجل) ؛ ومن العرب مَن ينصب بها٦.
وتكون بمعنى (مُنْذُ) ؛ تقول: (ما رأيته من لَدُنْ غُدْوَةً) ، قال أبو سفيان٧ بن حَرْبٍ:
стр. 233
وَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الكَلْبِ مِنْهُمُ ... لَدُنْ١ غُدْوَةً حَتَّى دَنَتْ لِغُرُوبِ٢
(سُبحان الله) معناه: التّنزيه.
[و] ٣ (ذو) ٤: بمعنى صاحب لازم الإضافة، ومن إضافته إلى المضمَر٥؛ ما أنشده الأصْمَعيُّ٦:
стр. 234
[٤٠/أ]
إِنَّمَا يَصْطَنِعُ المَعْـ ... رُوفَ فِي النَّاسِ ذَوُوهُ١
ومن إضافته إلى المضاف للمضمَر٢قولُ عِثْيَر بن لَبِيد٣:
يَبْكِي عَلَيْهِ غَرِيْبٌ لَيْسَ يَعْرِفُهُ ... وَذُوْ قَرَابتَهِ فِي الحَيِّ مَسْرُورُ٤
стр. 235
(مِثْل) : تسوية١، وقد يَدْخُلُ٢ عليه الكاف تأكيدًا للتّشبيه.
(مَعَ) : كلمةٌ تَضُمُّ الشّيء إلى الشّيء، والغالب عليها الظّرفيّةُ، كقولك: (سِرْتُ مَعَ القوم) أي: في جَمْعهِمْ.
(عِنْد) : ظرف مكان، تقول: (كُنْتُ عِنْدَ زَيْدٍ) ؛ و [قد] ٣ تكون ظرف زمان، كقولك: (كان هذا عند انتصاف٤ النّهار) .
(أولو) : ٥ اسم لجمع٦ أسماء الإشارة.
(كلّ) : معناه العموم والإحاطة.
(فَوْقُ) و (تَحْتُ) : هما٧ ظرفان، وقد٨ يكونان اسمين٩ في قولك: (تحتُكَ رجلاك) ؛ لأنَّ الرِّجْل هي التَّحْتُ نفسه١٠، وكذا: (فوقَكَ بناءٌ حَسَن) ١١.
стр. 236
والجهات السِّت:١ظروف أمكنةٍ؛ ومنها: (يمين) و (شمال) و (أعلى) و (أسفل) و (قُبالَة) و (حِذاءَ) و (إِزاء) [و (تِلْقَاء) ] ٢ و (تِجاه) و (أمام) و (وراء) و (بين ذلك) . ومنها:
(وسَْط) :٣- بسكون السّين [وفتحها -؛ والفرق بينهما: أنَّ المتحرِّكة السّين] ٤ تقع فيما لا ينقسم، كقولك: (ضربت وَسَطَ رأسه) ، والسّاكنة السّين تحلّ محلّ (بين) ، تقول: (جلس٥ وَسْط القوم) [٤٠/ب]
(غَيْرُ) : كلمةٌ بمعنى (سِوى) ، ويستثنى بها بعضُ اختصاص من (كُلّ) ، وبعض الشّيء: طائفةٌ مِنْهُ.
(سِوى) :٦- تُضَمُّ سينه وتُفتح - وهي تكون اسمًا وظرفًا٧؛
стр. 237
فإذا كانت اسمًا مُدَّت وقُصِرَت، ولا تُمَدُّ إلاَّ إذا كانت مفتوحة السّين.
فإذا كانت اسمًا فهي بمعنى (غير) ١، كقول الأعشى٢:
................................. ... وَمَا قَصَدَتْ مِنْ أَهْلِهَا لِسَوائِكَا٣
وإذا٤ كانت ظرفًا فهي بمنزلة (وَسَط) ، وتكون ممدودةً للتّحقيق، تقول: (مررتُ برجُلٍ سَواءٍ) أي: مثلك.
стр. 238
بَابُ كَمِ الْخَبَرِيَّةِ:
وَاجْرُرْ بِكَمْ مَا كُنْتَ عَنْهُ مُخْبِِراً ... مُعَظِّمًا لِقَدْرِهِ مُكَثِّرَا١
تَقُولُ: كَمْ مَالٍ أَفَادَتْهُ يَدِي ... وَكَمْ إِمَاءٍ مَلَكَتْ وَأَعْبُدِ
(كَمْ) : اسم موضوع لعدد مُبْهَمٍ جِنْسًا ومِقْدارًا؛ ولها موضعان٢: الخبر [٤١/أ] ، والاستفهام.
فالخبرُ يقترن بالتّكثير٣؛ والعددُ مجرورٌ بها، ولزمت صدر الكلام لأَنَّها في الخبر بمنزلة (رُبَّ) ؛ لأنَّ الشّيءَ يحمل على نقيضه٤ فلم يتقدّم عليها شيءٌ سِوى حرف الجرِّ؛ لأنَّ الجارّ والمجرور كالشّيء الواحد. ويحكم على موضعها بالرّفع تارةً، وبالنّصب أُخرى، وبالجرّ تارةً على ما يقتضيه العامل.
وهي تشبه الاستفهاميّة من وُجوهٍ، وتخالِفها من وُجوهٍ٥؛ وتوجيه المشابهة:
стр. 239
أنّهما يشتركان في لفظ الكميَّةِ١، ويلزمان صدر الكلام، وأنّهما يشتركان في البِناء لتَضمُّنِهمَا معنى الحرف، وأنّهما يشتركان في احتياجهما إلى مُفَسِّرٍ لأجل ابهامهما، ويشتركان في جواز الحمل على اللّفظ، وتارةً على المعنى في الإفراد والجمع والتّذكير والتّأنيث٢.
ووجوه المخالَفة:
مِنْهَا: أنَّ الاستفهاميّة بمنزلة عَدَدٍ مُنوَّنٍ، نحو: (عشرين دِرْهمًا) ، والخبريّة بمنزلة عَدَدٍ مُضافٍ؛ ويدلّ على ذلك: انتصاب مميّز الاستفهاميَّة، [وانجرار مميّز الخبريّة. ومنها: أنّ مميّز الاستفهاميّة] ٣ فردٌ منصوبٌ٤، ومميّز الخبريّة
стр. 240
جمع مجرور١.
ومنها: [٤١/ب] أنَّ الاستفهاميّة تقتضي جوابًا؛ وجوابها: إعرابه يكون بحسب موضعها؛ فإذا قُلْتَ:
(كم مالك؟) فجوابه: (عشرون) ؛ والخبريّة لا تقتضي جوابًا؛ لأنّ المتكلِّم بها يُخْبِرُ عن نفسه.
ويجوز أن يأتي الاسم بعد الخبريّة مُفْرَدًا وجمعًا٢، كقولك: (كم عَبْدٍ ملكت) و (كم عبيدٍ) .
فإن فَصَل بينها٣ وبين ما عملت فيه فاصلٌ انتصب على التّمييز٤،
بَابُ الْمُبْتَدَأ [وَخَبَرِهِ] ١:
وَإِنْ فَتَحْتَ النُّطْقَ باسْمِ ... مُبْتَدَا فَارْفَعْهُ وَالإِخْبَارَ عَنْهُ أَبَدَا٢
تَقُولُ مِنْ ذَلِكَ: زَيْدٌ عَاقِلُ ... وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَالأَمِيرُ عَادِلُ
المبتدأ: كُلُّ اسمٍ ابتدأت به، وعرّيته من العوامِل [اللّفظيّة٣ لتسند إليه خبرًا يكون به جملةً تحصُل به الفائدة.
وهو وخبره - إذا لم يكن ظرفًا ولا جارًّا ومجرورًا - مرفوعان، كـ (الصُّلْحُ خَيْرٌ) فالمبتدأ مُعْتمد السّؤال، والخبر - من ذي (خير) - معتمد الفائدة٤.
وهو مرفوعٌ بالابتداء٥؛ والابتداءُ مَعْنىً لا لفظ، وهو وَصْفٌ؛
وذلك الوصفُ اهتمامُك بالمبتدأ وجعلك إيّاهُ أوّلاً لثانٍ، يكون الثّاني خبرًا عنه.
والخبر مرفوع بالمبتدأ فهو العامِل فيه.
ومن شرط الخبر أنْ يكون نكرة١] ٢، [فإنْ كان معرفةً فأنتَ مخيَّرٌ في جعلك أيّهما شئتَ المبتدأ] ٣، كقولك: (اللهُ رَبُّنَا) ، [٤٢/أ] وكقول الرّاجز:
أَنَا أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي٤
стр. 245
والمبتدأ يُشْبِهُ الفاعل مِنْ وَجْهٍ، ويخالفه مِنْ وَجْهٍ:
فالمشابهةُ: أَنَّهُمَا أَبَدًا مرفوعان لفظًا أو تقديرًا؛ و١ أنَّهُمَا مُحَدّث عنهما٢.
والمخالَفةُ: أنَّ حديث المبتدأ بعده، وحديث الفاعل قبله؛ وأنَّ عامل الفاعل لفظيٌّ، وعامل المبتدأ معنويٌّ.
ويشترط في المبتدأ أَنْ يكون اسمًا، أو مُنَزَّلاً منزلةَ الاسم مُخْبَرًا عنه؛ والمنزّل منزلة الاسم قولهم: (تَسْمَعُ بِالمُعَيْدِيِّ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَرَاهُ) ٣ تقديره: سَمَاعك بالمعيديّ.
стр. 246
وأنْ يكون معرفةً إذْ لا طريق إلى [معرفة] ١ الفائدة إلاَّ به، فإذا لم يُعْرَف في نفسه فأحرى٢ ألاّ يعرف خَبَرَهُ؛ أو مقارنًا للمعرفة بتخصيصٍ أو فائدة؛ وذلك في سِتّة مواضع٣:
أوَّلها: أنْ يكون نكرة موصوفةً٤، كقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ ٥.
أو أَنْ يتقدَّم٦ خَبَرُه عليه في الجارّ والمجرور أو الظّرف٧، كقولك: (لكَ مالٌ) و (عنده عِلْمٌ) ؛ لأنَّ تقدّمه هُنا قَدْ أبطل كونُهُ صِفَةً.
стр. 247
أو يقع١ دُعاءً٢، كقوله تعالى: [٤٢/ب] ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٣ و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ٤ فأفاد لتضمّنه
معنى الفعل.
أو معتمداً٥ على نفيٍ، كقولك: (ما أَحدٌ أفضل منك) .
أو على استفهام٦، كـ (هل فتًى فأقصده؟) .
أو اختصاص بعملٍ، كقولك: (أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) ٧.
وإذا كانت النّكرة في معنى الفعل وقد ارتفع بها الاسم، كقولك: (أقائمٌ الزّيدان) و (ما ذاهِبٌ العمران) أفادت٨ لاعتماده على الاستفهام،