وأنْ يكون معرفةً إذْ لا طريق إلى [معرفة] ١ الفائدة إلاَّ به، فإذا لم يُعْرَف في نفسه فأحرى٢ ألاّ يعرف خَبَرَهُ؛ أو مقارنًا للمعرفة بتخصيصٍ أو فائدة؛ وذلك في سِتّة مواضع٣:
أوَّلها: أنْ يكون نكرة موصوفةً٤، كقوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ ٥.
أو أَنْ يتقدَّم٦ خَبَرُه عليه في الجارّ والمجرور أو الظّرف٧، كقولك: (لكَ مالٌ) و (عنده عِلْمٌ) ؛ لأنَّ تقدّمه هُنا قَدْ أبطل كونُهُ صِفَةً.
стр. 247
أو يقع١ دُعاءً٢، كقوله تعالى: [٤٢/ب] ﴿سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ﴾ ٣ و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ ٤ فأفاد لتضمّنه
معنى الفعل.
أو معتمداً٥ على نفيٍ، كقولك: (ما أَحدٌ أفضل منك) .
أو على استفهام٦، كـ (هل فتًى فأقصده؟) .
أو اختصاص بعملٍ، كقولك: (أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ) ٧.
وإذا كانت النّكرة في معنى الفعل وقد ارتفع بها الاسم، كقولك: (أقائمٌ الزّيدان) و (ما ذاهِبٌ العمران) أفادت٨ لاعتماده على الاستفهام،
أو يكون جوابًا١، كقول٢ قائلٍ: (مَنْ جاءك؟) ، فتقول: (رجلٌ) أي: رَجُلٌ جاءني؛ لأنَّهُ داخِلٌ تحتَ (مَنْ) .
فهذه جُمْلَة ما يُبْتَدأُ فيها بالنّكرة.
стр. 250
[فَصْلٌ] ١:
[وَلاَ يَحُوْلُ حُكْمُهُ مَتَى دَخَلْ ... لَكِنْ عَلَى جُمْلَتِهِ وَهَلْ وَبَلْ] ٢
الّذي يُغَيِّرُ المبتدأ عن حاله ثلاثة؛ وهي:
العوامِل اللفظيّة؛ فَمِنْهَا: ما ينصب المبتدأ؛ وهي: (إنّ) وأخواتهَا؛ ومنها: ما ينصبُ الخبر؛ وهي/: (كان) وأخواتها؛ ومنها: ما ينصبهما مَعًا؛ وهي: (ظننت) وأخواتها؛ ويأتي ذِكرُ الجميع إنْ شاء الله تعالى.
وممَّا يَدْخُلُ على المبتدأ ولا يغيّرهُ عن حُكم الابتداء، ولا يؤثّر فيه بِوَجْهٍ٣: (هَلْ) و (بَلْ) و (لَكِنْ) و (حَيْثُ) و (همزة الاستفهام) و (إذ) و (لام الابتداء) و (أَمَا) و (أَلاَ) المخفّفان اللّذان لاستفتاح٤ الكلام، و (أَمّا) - بفتح الهمزة وتشديد الميم - الّتي لتفصيل الجملة، و (لولا) [٤٣/ أ] الّتي معناها امتناع الشّيء لوجود غَيْرِهِ.
وَقَدِّمِ الأَخْبَارَ إِذْ تَسْتَفْهِمُ ... كَقَوْلِهِمْ: أَيْنَ الْكَرِيمُ المُنْعِمُ؟
وَمِثْلُهُ: كَيْفَ الْمَرِيضُ المُدْنَفُ؟ ... وأَيُّهَا الْغَادِي مَتَى المُنْصَرَفُ؟
خَبَرُ المبتدأ يجوز تقديمه إذا كان غَيْرَ مُسْتَفْهَمٍ به، كقولك: (عَالِمٌ زَيْدٌ بالأمر) .
стр. 251
فإنْ كان اسم استفهام وَجَبَ تَقْدِيمُهُ، كقولك: (أَيْنَ زَيْدٌ؟) و (مَتَى الصّيامُ؟) و (كيف أَنْتَ؟) ؛ لأنَّ أسماء الاستفهام لها صدرُ الكلام١.
وقد يقع اسمُ الاستفهام مبتدأً؛ وذلك إذا وقع بعده فِعْلٌ أَوْ جارٌّ ومجرورٌ، كقولك: [٤٣/ب]
(أين تسكُن؟) و (كم معك دِرْهَمًا؟) .
وَإِنْ يَكُنْ بَعْضُ الظُّروفِ الْخَبَرَا ... فَأَوْلِهِ النَّصْبَ وَدَعْ عَنْكَ الْمِرَا
تَقُولُ: زَيْدٌ خَلْفَ عَمْرٍو قَعَدَا ... وَالصَّوْمُ يَوْمَ السَّبْتِ وَالسَّيْرُ غَدَا
خبر المبتدأ أنواع:
منها: الظَّرْفُ٢؛ وَهُوَ نَوْعان:
ظَرْفُ زَمَانٍ وهو يختصُّ بالأحدَاث٣، كقولك: (الصِّيام يوم الخميس) .
وظرف مَكَانٍ وهو يختصّ بالأجسام، كقولك: (الإمام٤ أَمَامَ القوم) ؛
стр. 252
وقد يقع ظرف المكان خبرًا عَنْ حَدَثٍ، كقولك: (الصّلاةُ وراء الإمام) ١.
ويقع الخبر جارًّا ومجرورًا، كقولك: (زَيْدٌ في دَاْرِهِ) ٢، ولا يجوز: (في داره زيد) ؛ لأنّه لو قُدِّمَ عادَ الضّميرُ منه٣ إلى مُتأخِّرٍ في اللَّفظِ والرُّتبة؛ والضّابط لتقدير هذين الخبرين: ما يقدَّر٤لهما من مُفْرَدٍ٥ أَوْ جُمْلَةٍ، نحو: (مُسْتَقِرّ) أو (اسْتَقَرَّ) .
ويكون الخبر جُمْلَةً اسميّةً، كقولك: (زيدٌ أبوه عَالِمٌ) ، وفعليَّةً، كقولك٦: (زَيْدٌ قَامَ أبوه) ، أو أَنْ٧تكون الجملة شرطيّة، كقولك: (زَيْدٌ إنْ تُكْرِمْهُ يُكْرِمْك) ؛ ولا بُدَّ أَنْ يكون٨لهذه الجمل ضمير [٤٤/أ] يعود على المبتدأ كالهاء الرّابطة في الثّلاثة٩.ويكون الخبر فعلاً ماضيًا، كقولك: (زيد قام) ؛ ففي هذا الفعل
стр. 253
ضميرٌ [يعود على المبتدأ مُسْتترٌ] ١.
وكذلك يكون مضارِعًا على حكم ما تَقدَّم، كقولك: (خالدٌ يقومُ) فإن ثُنِّي المبتدأ أو جُمِعَ ظهر الضّميرُ، كقولك: (الزّيدان قاما) و (الرّجال قاموا) و (الزّيدون يقومون) .
وبالجملة: لا يخلو٢ الخبر من أنْ يكون مُفردًا، أو جُمْلَة، أو ظرفًا٣.
ويلزم حذف الخبر إذا كان بعد قَسَمٍ مستغنًى عَنْهُ بجواب القسم٤، كقولك: (لعمرك إنَّ زيدًا صادقٌ) ، والتّقدير: قَسمي.
وبعد (لولا) ، كقولك: (لولا زيدٌ لزرتُك) ، والتّقدير: حاضِرٌ.
وفي المُثُل: (أخطبُ ما يكون الأمير قائمًا) أي: إذا كان قائمًا٥.
стр. 254
ويُحذف في غير هذه الثّلاثة١ توسّعًا إذا دَلَّ عليه الكلام، وأكثر ما يقع في الاستخبار٢، كقولك: (أين زَيْدٌ؟) ، فيُقال: (في المسجد) ؛ فالمبتدأ محذوفٌ، والتّقدير: زيد؛ وإذا قيل لك: (مَنْ عندك؟) فقلت: (زيد) ؛ فالخبر محذوف، والتّقدير: زَيْدٌ عِنْدي.
وَإِنْ تَقُلْ: أَيْنَ الأَمِيْرُ جَالِسُ ... وَفِي فِنَاءِ الدَّارِ بِشْرٌ مَائِسُ
فَجَالِسٌ وَمَائِسٌ قَدْ رُفِعَا ... وَقَدْ أُجِيزَ الرَّفْعُ٣ وَالنَّصْبُ مَعَا
[٤٤/ب]
هذه المسألة يُعْلَمُ منها: أنَّ الجملة الابتدائيّة إذا تَقَدَّمَ خَبَرُها وجُوبًا، أو اختيارًا لكونُه٤ اسم استفهام أو جارًّا ومجرورًا، وأتيت بعد تمام الكلام بنكرة متعلّقة بالجُملة، كقولك: (أَيْنَ الأمير جَالِسٌ؟) ؛ جاز رفع (جالس) ونصبه؛ فإنْ رفعتَ جعلته خبر المبتدأ بإلغاء الظّرف أو الجارّ؛ وإِنْ نَصَبْتَ فعلى الحال؛ والعامِل فيه معنى الاستفهام، ومع الجارّ ما يُقدَّر٥ مِن الاستقرار.
стр. 255
وَهَكَذَا إِنْ قُلْتَ: زَيْدٌ لُمْتُهُ ... وَخَالِدٌ ضَرَبْتُهُ وَضِمْتُهُ١
فَالرَّفْعُ فِيهِ جَائِزٌ وَالنَّصْبُ ... كِلاَهُمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْكُتْبُ
هذه المسألة تُعرف باشتغال العامِل عن المعمول؛ فقولك٢: (زَيْدٌ لُمْتُهُ) فـ (زيدٌ) مبتدأ - وما بعده فِعْلٌ، [و] ٣ ضميرُ فَاعلٍ، وضمير مفعول -، والجملة خبرٌ عنه.
فإنْ نصبت (زيدًا) نصبته على أنّه مفعولٌ، وليس العاملُ فيه الفعل٤الّذي بعده لاشتغاله بالضّمير المنصوب؛ بل بفعلٍ مُقدَّرٍ من جنس الفعل المُتأخّر عنه، كقولك: (أكرمتُ زيدًا أكرمته) ، والرَّفعُ أجودُ من النّصب؛ لاستغنائه عن التّقدير٥ [٤٥/أ] ؛ ومن ذلك قولُ الرّبيع٦:
وَالذِّئْبُ أَخْشَاهُ إِنْ مَرَرْتُ بِهِ ... وَحْدِي وَأَخْشَى الرِّيَاحَ وَالْمَطَرَا٧
بَابُ الفَاعِلِ:
وَكُلُّ مَا جَاءَ مِنَ الأَسْمَاءِ ... عَقِيْبَ١ فِعْلٍ سَالِمِ الْبِنَاءِ
فَارْفَعْهُ إِذْ تُعْرِبُ فَهْوَ الْفَاعِلُ ... نَحْوُ: جَرَى الْمَاءُ وَجَارَ الْعَامِلُ٢
الفَاعِلُ: كُلُّ اسم ذكرته بعد فِعْلٍ، وأسندتّ ذلك الفعل إليه إسنادًا صحيحًا، وجُعِلَ الفِعْلُ حَدِيثًا عنه، وكان في الإيجاب والنَّفي سواء.
فالفاعل مرفوع؛ وفي ذلك أقوالٌ:
قال الخليلُ: "الأصل فيما إعرابه الرّفع٣؛ الفاعل، وباقي المرفوعات محمولات عليه، ومشبَّهاتٌ به"٤.
وقال سيبويه٥: "الأصل هو المبتدأ،
стр. 258
والبواقي١ مشبّهة به".
وقال الأخفش٢: "كُلُّ واحِدٍ منهما أَصل بنفسه".
واحتجَّ الخليل عن مَذْهَبِهِ، وقال: "الفاعل بالرّفع أولى؛ لأنّك إذا قُلْت: (ضرب زَيدْ [بَكرْ] ٣- بإسكان الكلمتين - لم يُعرف الضّارب من المضروب، وإذا قُلْتَ: (زَيدْ قَائِمْ) - بإسكانهما - عُلِمَ من نفس اللّفظتين٤ أيّهما المبتدأ؛ فثبت أنَّ افتقار الفاعل إلى الإعراب أشدُّ؛ فوجب [٤٥/ب]
стр. 259
أنْ يكون هو الأصل"١.
واحتجَّ سيبويه أنْ قال: "قد ثبت أنّ الجملة الاسميّة مُقَدَّمَةٌ على [الجملة] ٢ الفعليّة؛ فإعراب الجملة الاسميّة يجب أن يكون مُقَدَّمًا على إعراب الجملة الفعليّة"٣.
وقوله: (سالمُ البناء) ٤ احترازًا من مفعول ما لم يُسَمَّ فَاعِله.
وقيل: أُختير للفاعل الرّفع، وللمفعول النّصب؛ لثقل الضّمّة وخِفّة الفتحة؛ والفعلُ لا يُرْفَعُ به إلاَّ فاعلٌ واحدٌ، ويُنصب به عِدَّةٌ من المفاعيل، كالمصدر، والمفعول به، والظّرفين، والمفعول له، والمفعول مَعَه، والحال؛ فَجُعِل المُسْتَثْقَلُ إعرابًا لَما قَلَّ، والمُسْتَخَفُّ إعرابًا لَما كَثُرَ٥.
وَوَحِّدِ الْفِعْلَ مَعَ الْجَمَاعَهْ
كَقَوْلِهِمْ: سَارَ الرِّجَالُ السَّاعَهْ
فِعْلُ الفاعل يُوحَّدُ٦ إنْ كان لمفردٍ،٧ أو مثنّى، أو مجموع؛ فتقول: (جَاءَ زَيْدُ) و (جاءَ الزّيدان) [و (جاء الزّيدون) ] ٨ و (ذهب القوم)
стр. 260
ولا يقال: (ذَهَبَا الزّيدان) ١ ولا (ذهبوا القوم) ٢؛ [٤٦/أ] لامتناع عَوْد الضّمير على غير ذي ضميرٍ، ولا يقع ذلك إلاَّ إذا تَأخَّر الفعل عن الاسم، كقولك: (زَيْدٌ ذَهَبَ) و (الزَّيدان٣ ذَهَبَا) و (الرّجال ذهبوا) ؛ فضمير الفاعل مُسْتَتِرٌ في هذه الأفعال؛ لأنَّ الفعل لا يخلو من فَاعلٍ إمَّا ظاهرًا، و٤ إمّا مُضْمَرًا.
وَإِنْ تَشَأْ فَزِدْ عَلَيْهِ٥التَّاءَ ... نَحْوُ: اشْتَكَتْ عُرَاتُنَا الشِّتَاءَ
وَُتلْحَقُ التَّاءُ عَلَى التَّحْقِيقِ ... بِكُلِّ مَا تَأْنِيْثُهُ حَقِيقِي
كَقَوْلِهِمْ: جَاءَتْ سُعَادُ ضَاحِكَهْ ... وَانْطَلَقَتْ نَاقَةُ هِنْدٍ رَاتِكَهْ٦
وَتُكْسَرُ التَّاءُ بِلاَ مَحَالَهْ ... فِي مِثْلِ: قَدْ أَقْبَلَتِ الْغَزَالَهْ
هذه التّاءُ تَلْتَحِقُ بفعلٍ لفاعلٍ٧ جُمِعَ جَمْعَ تكسيرٍ؛ فيجوز أن
стр. 261
تقول: (قَالَ الرِّجال) و (قَالتِ الرِّجال) بتأنيث الفعل وتذكيره.
وكذلك إذا كان جَمْعًا لمؤنّثٍ حقيقيًّا١ كان أو غير حقيقيٍّ؛ كقولك: (قال النِّساء) و (قالت النّساء) [٤٦/ب] و (اتّسع الدُّور) و (اتَّسَعَتِ الدُّور) ٢، فَيُقدَّر فيها في التَّذكير حَذْفُ مُضافٍ مُذكَّرٍ، كقولك: (قام جَمعُ٣ الرِّجال) ٤.
стр. 262
ويجب إثباتُها في فعل المؤنّث الحقيقيّ١، كقولك: (قامت المرأة) و (بركت النّاقة) ؛ وفي الفعل المتأخّر كَمَا تَقَدَّم ذِكْرُه، كقولك: (الشّجرة حَمَلتْ) و (النّساء قامت) و (الدُّورُ عُمِرَتْ) .
وهذه التّاء إذا وليها أَلِفٌ وَلاَمٌ كُسِرَت؛ لالتقاء السّاكنَيْن٢.
стр. 263
بَابُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ:
وَاقْضِ قَضَاءً لاَ يُرَدُّ قَائِلُهْ ... بِالرَّفْعِ فِيمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهْ
مِنْ بَعْدِ ضَمِّ أَوَّلِ١الأَفْعَالِ ... كَقَوْلِهِمْ: يُكْتَبُ عَهْدُ الْوَالِي
وَإِنْ يَكُنْ ثَانِي الثُّلاَثِيِّ أَلِفْ ... فَاكْسِرْهُ حِينَ تَبْتَدِي وَلاَ تَقِفْ
تَقُولُ: بِيعَ الثَّوْبُ٢وَالْغُلاَمُ ... وَكِيْلَ زَيْتُ الشَّامِ وَالطَّعَامُ
المفعول الّذي لم يُسَمَّ فَاعِلُهُ يقوم مقامَ الفاعل المحذوف؛ وذلك للعلم به، أو الجهل به، أو لتَعْظِيْمِهِ، أو لتحقيره٣؛ فينوب عنه فيما له من الرّفع، ولزوم الفِعل، ووجوب تأخيرِهِ عنه٤.
وغُيِّرت له صيغةُ الفعل المسند إليه؛ [٤٧/أ] ليعلم أنّه ليس بفعل الفاعل؛
стр. 264
وذلك بضمِّ أوّله؛ [فإنْ] ١ كان ماضيًا كُسِرَ ما قبل آخره، فتقول: ضُرِب الرَّجُلُ؛ وإنْ كان مضارِعًا فُتِحَ ما قبل آخره، فتقول: (يُضْرَبُ) .
فإنْ كان ثُلاثيًّا مُعْتَلّ العين، وبُنِيَ لِمَا لَم يُسَمَّ فاعله، وَجَبَ تخفيفُهُ من استثقال الكسرة بعد الضّمّة، فألقيت حركة الفاء، ونقلت حركة العين إليها، فتقول في (قال) و (باع) : قِيلَ، وبِيعَ؛ وكان الأصل: (بُيِعَ) ٢ و (قُوِلَ) ، فاستثقلت كَسْرةٌ على حرف علَّةٍ بعد ضمَّةٍ، فَأُلْقِيَت الضّمّةُ، ونُقِلَت الكسرة إلى مكانها، فَسَلِمت الياءُ من (بِيعَ) ؛ لسكونها بعد حركةٍ تُجانِسُهَا، وانقلبت٣ الواو ياءً من (قِيلَ) ؛ لسكونها بعد كسرة، فصار اللّفظ٤ بما أصله الياء، كاللّفظ بما أصله الواو٥.
وبعض العرب٦ ينقل٧، ويشير٨ إلى الضّمّ مع التّلفّظ بالكسر،
стр. 265
ولا يغيّرُ الياء، وَيُسمَّى١ذلك إشمامًا٢.
ومن العرب٣من يخفِّف هذا النّوع بحذف حركة عَيْنِهِ، فإنْ كانت واوًا سَلِمَتْ، كقول الرّاجِز٤:
حُوكَتْ عَلَى نَوْلَيْنِ إِذْ تُحَاكُ ... تَخْتَبِطُ الشَّوْكَ وَلاَ تُشَاكُ٥
стр. 266
[٤٧/ب] فإنْ كانتْ ياءً قُلِبت واوًا؛ لسكونها وانضمام ما قبلها، كقول١ الآخر:
لَيْتَ وَهَلْ يَنْفَعُ شَيْئًا لَيْتُ ... لَيْتَ شَبَابًا بُوعَ فَاشْتَرَيْتُ٢
وقد يعرض٣ بالكسر أو بالضّمّ التباس فِعل المفعول به بفعل الفاعل؛ فيجب - حينئذ - الإشمام وإخلاص الضّمّة، في نحو قولك: (خُفْتُ) مقصودًا به خشِيتُ؛ والإشمام وإخلاص الكسرة٤، في نحو قولك:
стр. 267
(طُلْتُ) ١ مقصودًا به غُلِبْتُ في المطاولة٢.
والثّلاثيّ المُضاعَف يجوز في فائه من الضّمّ، والإشمام، والكسر ما جاز في فاء الثّلاثيّ المعتلّ العين، نحو: (حُبَّ الشّيء) و (حِبَّ) ٣.
والأشياء الّتي يجوز [أن تقوم] ٤ مقام الفاعل أربعةٌ؛ وهي:
المفعول به، سواءً كان من جُملةِ الأفعال المتعدِّية إلى واحدٍ أو إلى اثنين أو إلى ثلاثةٍ.
والمفعول بحرف الجرِّ.
و٥الظّرف من الزّمان والمكان إذا كانا متمكّنين.
والمصدر إذا كان مُعرّفًا أو منعوتًا مُخْتصًّا٦؛ ومثال ذلك:
стр. 268
(ضُرِبَ زَيْدٌ) و (أُعْطِيَ عَمْرٌو دِرْهَمًا) و (ظُنَّ زيدٌ قائمًا) و (أُعْلِمَ زَيْدٌ عَمْرًا مُنْطَلِقًا) و (مُرَّ بزيدٍ) و (سِيرَ بِهِ يومان) و (مُشِيَ [عليه] ١ فَرْسَخان) و (قيلَ في خَالدٍ قَوْلٌ حَسَنٌ) .
стр. 269
بَابُ المَفْعُولِ بِهِ:
[٤٨/أ]
وَالنَّصْبُ لِلْمَفْعُولِ حُكْمٌ أُوجِبَا١ ... كَقَوْلِهِمْ: صَادَ الأَمِيرُ أَرْنَبَا
وَرُبَّمَا أُخِّرَ عَنْهُ الْفَاعِلُ ... نَحْوُ: قَدِ اسْتَوْفَى الْخَرَاجَ٢ الْعَامِلُ
المفعول به: كلّ اسم اتّصل به تعدّي الفعل فَنَصَبَهُ؛ فهو ما انتصب بعد تَمامِ الكلام إيجابًا أو نفيًا، مثل (ضَرَبْتُ زَيْدًا) و (مَا ضَرَبْتُ عَمْرًا) و (هَلْ رَأَيْتَ خَالِدًا؟) ، وكلّ ما جاء من باب المفاعَلة، كقولك: (ضَارَبَ زَيْدٌ عَمْرًا) ، فالمنصوب مرفوعٌ في المعنى؛ لأنّك تقول: (تَضَارَبَ زَيْدٌ وَعَمْرٌو) ؛ فإن اختصَّ أحدهما بمعنى الفاعليّة، كان الآخَرُ منصوبًا بالمفعوليّة، كقولك: (عاقبت اللِّصَّ) .
وشرط المفعول: أَنْ يكون آخِرًا؛ لأنَّهُ فضلةٌ في الكلام، ومرتبة الفاعل أنْ تكون٣ وسطًا٤، فإنْ توسَّط المفعول، أو قُدِّم على الفعل؛ فذلك للاهتمام٥ [به] ٦.
стр. 270
قال سيبويه - عقيب ذكر المفعول -: "يقدِّمون في كلامهم ما هم ببيانه أهمّ وأَعْنَى"١ على هذا الحكم تَقَدَّمُه٢ على الفاعل، كقولك: (ركب الفرسَ الأميرُ) اهتمامًا٣ بذكره.
وكذلك تَقَدُّمُهُ، كقولك: (عَمْرًا ضَرَبَ زيدٌ) ومرتبة مجيئه بعد الفاعل الأصيل٤.
وَإِنْ تَقُلْ: كَلَّمَ مُوسَى يَعْلَى ... فَقَدِّمِ الْفَاعِلَ فَهْوَ أَوْلَى٥
[٤٨/ب]
قد تقدّم ذكر جواز تقديم٦ المفعول على وجه الاهتمام به، والتوسّع٧ في الكلام، بشرط الأمن من اللَّبس؛ فمتى وقع اللّبس لعدَم٨ الإعراب٩، كالمقصورين [في قولك: (أَكرم موسى عيسى) ] ١٠؛
стр. 271
فموسى واجب تقدّمه١ إنْ كان فاعلاً، وتأخّره إنْ كان مفعولاً.
فإن أُمِنَ اللّبس جَازَ التَّقديم والتّأخير، كقولك: (أكلتْ الكُمَّثْرى الحبلى) و (أخذت ليلى الحُمَّى) ٢ وما أشبه ذلك.
стр. 272
[بَابُ] ١ أَقْسَامِ الأَفْعَالِ فِي التَّعَدِّي:
وَكُلُّ فِعْلٍ مُتَعَدٍّ يَنْصِبُ ... مَفْعُولَهُ مِثْلُ: سَقَى وَيَشْرَبُ
الأفعال في التّعدّي أَنْواعٌ٢:
فيُقال: الفعل منه لازِمٌ وهو: كُلّ ما لا يقتضي معناه تعدِّيًا إلى مفعولٍ؛ كأفعال الألوان، والخِلَق، والمطاوعة، كـ (اسْوَدَّ) و (حَوِلَ) و (تَدَحْرَجَ) و (ظَرُفَ) .
والمتعدِّي على ضربين:
ما يتعدّى بحرف جرٍّ٣.
وما يتعدّى بنفسه.
والّذي يتعدَّى بحرف الجرِّ على ضربين٤:
أَحَدُهما: لا يجوز إسقاط حرف الجرِّ منه إلاَّ في الشّعر؛ وذلك نحو: (مررت بزيدٍ) ، فلا يجوز إسقاط هذه الباء؛ لأنَّها كالجزء من الاسم
стр. 273
لاتّصالها بِهِ، وكالجزء من الفعل لكونها [٤٩/أ] معدّية١ له، وموصِّلة٢ إلىالاسم؛ فكلّ واحدٍ من هذين - الاسم والفعل - مفتقرٌ إلى هذا الحرف؛ فخُلُوّهُما منه إجحافٌ بهما؛ وقد ورد حذفه في الشّعر، كقول الشّاعر:
تَمُرُّونَ الدِّيَارَ وَلَمْ تَعُوجُوا ... كَلاَمُكُمُ عَلَيَّ إِذَنْ حَرَامُ٣
الثّاني: الّذي يتعدّى بحرف الجرّ، والمتكّلم مُخيّرٌ في إثباتِهِ وحَذْفِهِ، كـ (شكرتُ) و (أَمَرْتُ) و (نَصَحْتُ) و (وَزَنْتُ) و (كِلْتُ) و (اخْتَرْتُ) ٤؛ تقول: شكرتُ زيدًا، وشكرتُ له، ونصحتُه، ونصحتُ له، ووَزَنْتُه،
وقوله: (مِثْلُ: سَقَى وَيَشْرَبُ) يشير إلى الرّابع؛ وهو١ أقوى ممّا تقدّمه٢ وهو (يشرب) ٣ فإنّه متعدٍّ بنفسه إلى مفعولٍ واحدٍ؛ تقول: (شَرِبْتُ ماءً) ؛ وإلى الخامس وهو (سَقَى) ؛ لأنّه متعدٍّ بنفسه إلى مفعولين ثانيهما غير الأوّل٤، تقول: (سقيتُ زيدًا ماءً) ، وهذا يجوزُ فيه ذكر المفعولين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوثَرَ﴾ ٥، والاقتصار على أَحدِهما، [٤٩/ب]
стр. 276
كقولك: (أعطيتُ زيدًا) ، ولا تذكر ما أَعطيت، [و] ١ كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ ٢؛ و (أعطيت درهمًا) ولا تذكر مَنْ أَعطيت؛ ولك أن تقول: (أعطيت) بحذفهما، كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ ٣؛ وهذا القسم أقوى من القسم الرّابع.
والسّادس: هي٤ أفعال القلوب - ويأتي ذكرها -، وهو أقوى من الخامس.
والسّابع: لم يذكره الشّيخ٥؛ وهو أقواها بتعديته إلى ثلاثة مفعولين٦؛ وذلك إمّا بحرف جرٍّ، وإمّا بتضعيف عين الفعل، وإمّا بهمزة النّقل؛
стр. 277
وأنشد الفرّاءُ:
تَعْدِيَةُ اللاَّزِمِ يَا حَمْزَهْ ... بِالْحَرْفِ وَالتَّضْعِيْفِ وَالهَمْزَهْ١
والأفعال٢ هي: (أَعْلَمَ) و (أَرَى) و (أَنْبَأَ) و (نَبَّأَ) و (خَبَّرَ) و (أَخْبَرَ) و (حَدَّثَ) ؛
كقولك٣: (أَعْلَمَ اللهُ النَّاسَ مُحَمَّدًا صَادِقًا) و (نَبَّأْتُ عَمْرًا زَيْدًا كَرِيمًا) و (أَخْبَرْتُ عَنْ عَمْرٍو زَيْدًا خَبَرًا) والتّقدير: أَعْلمَ اللهُ النّاسَ أنَّ محمدًا صَادِقٌ.
وذوات التّعديَةِ٤ أَتمّها الحرف٥؛ لأنّه يتعدّى به جميع الأفعال
стр. 278
الثّلاثيّة وما زاد عليها.
وأمَّا الهمزةُ [٥٠/أ] فلا يتعدّى بها إلاَّ الثّلاثيّ؛ وكذلك التّضعيف، تقول من ذلك: (فَرّحتُ زيدًا) و (أخرجته من السّجن) و (ذهبتُ به) ١ و (ما اختفيتُ منه) ٢.
стр. 279
بَابُ أَفْعَالِ القُلُوبِ:
لَكِنَّ فِعْلَ الشَّكِّ وَالْيَقِينِ ... يَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ فِي التَّلْقِينِ
تَقُولُ: قَدْ خِلْتُ الْهِلاَلَ لاَئِحَا ... وَقَدْ وَجَدْتُ المُسْتَشَارَ نَاصِحَا
وَمَا أَظُنُّ عَامِرًا رَفِيقَا ... وَلاَ أَرَى لِي خَالِدًا صَدِيقَا
وَهَكَذَا تَفْعَلُ١ فِي عَلِمْتُ ... وَفِي حَسِبْتُ ثُمَّ فِي زَعَمْتُ
هذه أفعال القلوب٢؛ وهي تدخل على المبتدأ والخبر فتَنْصِبُهُمَا جميعًا؛ وهي: (ظَنَنْتُ) و (رَأَيْتُ) و (وَجَدْتُ) و (عَلِمْتُ) و (حَسِبْتُ) و (خِلْتُ) و (زَعَمْتُ) .
فـ (خال) ٣ لا بمعنى تكبَّر، كقولك: (خِلْتُ زيْدًا صديقًا) .
стр. 280
و (ظنّ) لا بمعنى اتّهم١، نحو (ظننت عمرًا صادقًا) .
و (حَسِبَ) ٢ لا من صار أَحْسَبَ، أي: ذا شُقْرةٍ، أو حُمْرَةٍ وبياضٍ كالبَرص٣، بل كقول الشّاعر:
وَكُنَّا حَسِبْنَا كُلَّ بَيْضَاءَ شَحْمَةً ... عَشِيَّةَ لاَقَيْنَا جُذَامَ وَحِمْيَرَا٤
[٥٠/ب]
стр. 281
و (زعم) لا بمعنى كَفَل أو سَمِنَ أو هَزُل١، كقولك: (زَعَمْتُ بَكْرًا مقيمًا) .
و (عَلِمْتُ) لا لإدراك المفرد وهو العِرفَان٢، نحو: (علمت خالدًا مُحْسِنًا) . و (وَجَدْتُ) لا من وجدَان الضَّالّة٣، كقولك: (وجدت محمَّدًا عالمًا) . و (رأيت) لا من قولهم: (رأيته) إذا رماه فأصاب رئته٤،
стр. 282
كـ (رأيت الأميرَ عادلاً) . وقيل: (عَدّ) و (أَلْفَى) يجريان مجرى هذه الأفعال؛ فـ (عَدَّ) لا بمعنى (حَسَبَ) ١، كقول الشّاعر:
لاَ أَعُدُّ الإِقْتَارَ٢ عُدْمًا وَلَكِنْ ... فَقْدُ مَنْ قَدْ فَقَدْتُهُ الإِعْدَامُ٣
و (ألفى) بمعنى وَجَدَ٤.
ومنه (حَجَا) لا بمعنى (غَلَب) في المحاجَاة، أو قَصَدَ٥، كقوله: