في بيان صورة مسمّاه، كـ (جانب) و (ناحية) ، وكأسماء المقادير١ كـ (مِيْلٍ) ٢ و (فَرْسَخٍ) ٣و (بَرِيد) ٤.
[و] ٥ الثّاني: ما اشتقّ من اسم الحدَث٦، كـ (مَذْهَبٍ) و (مَرْمى) ٧.
والمختصّ منه: (ذَهَبْتُ مَذْهَبَ زَيْدٍ) و (رَمَيْتُ مَرْمَى عَمْرٍو) .
والمختصّ: كلّ ما اشتملّ عليه٨ما يحوطُه، كـ (الشّام) و (العِرَاق) و (المسجد) و (الدّار) .
стр. 387
وهذا النّوع يتصّرف بوجوه الإعراب، ولا يسمّى ظرف مكان١؛ فإن وُجِدَ منه شيءٌ منصوبًا كان انتصابُه انتصاب المفعول به لا انتصاب الظّرفيّة٢.
ومن أسماء ظروف الزّمان ما يعبَّر به عن جميعه، كـ (الدّهر) و (قَطّ) و (عَوْض) و (الأبَد) .
فـ (قَطُّ) : اسم لِمَا مضى من الزّمان، و (الأبد) : لجميع الآتي منه؛ فتقول من ذلك: (ما فعلتُه قطّ) ٣ و (لا أفعله أبدًا) ، و (إذْ) ٤: لِمَا مضى من الزّمان، و (إذا) : ظرفٌ لِمَا يُستقبَلُ من الزّمان، يتضمّن معنى الشّرط غالبًا.
ويُضْمَر عاملُ الظّرف على [٧٠/أ] شريطة٥ التّفسير؛ تقول: (اليوم سِرت فيه)
стр. 388
تقديره: سرت اليوم١.
وجميع أسماء الزّمان تكون ظروفًا إذا وردت متضمّنة (في) ولم ينطق بـ (في) ، كقولك٢:
(قدمت يوم الجمعة) و (صُمْتُ يَوْمَ الخميس) ٣؛ فلوقوع الأفعال فيها سُمّيت ظروفًا٤.
ومنها: ما يقع الفعل في جميعه، كقولك: (صمت يوم الخميس) ٥.
ومنها: ما يقع في بعضه، كقولك: (لقيتُه يوم الجمعة) ؛ لأنّ اللّقاء قع في بعضه٦.
стр. 389
وكلُّ اسم صلح أن يكون١جواب٢ (أين) في الاستفهام فهو مكان، تقول من ذلك: (جلست خلفك) و (سرتُ أمامك) و (قعدتّ دونك) و (داري غربي دارك) و (وجهي تلقاء وجهك) و (سرت يَمْنَةَ الأمير) و (لي قبلك حقّ) و (توجّهتُ نحو المدينة) ٣؛ فإن لم تتضمّن٤هذه الأسماء معنى (في) لم تكن ظروفًا، وجاز أن تعتقب عليها العوامل بوُجوه الإعراب؛ فإذا قلتَ: (دخلتُ البيت) فإنه منتصب نصب المفعول به لوُقوع الفِعل عليه، لا بوقوعه فيه٥؛
стр. 390
فليس متضمّنًا١ معنى (في) .
وأمّا قولهم: (هو مِنِّي مَقْعَدَ القَابِلَة) ٢ و (عمرو مَزْجَر الكلب) و (عبد اللهِ مَنَاطَ الثُّرَيَّا) على الظّرفيّة، فشاذٌّ٣.
стр. 391
فإنْ قيل: لِمَ استأثرتْ أسماء الزّمان بصلاحيّة المبهم منها، والمختصّ للظّرفيّة عن أسماء المكان؟ [٧٠/ب]
فالجواب: أنَّ أصلَ العوامل الفِعْلُ، ودلالته على الزّمان أقوى من دلالته على المكان؛ لأنّه يدلّ على الزّمان بصيغته والالتزام١، ويدلّ على المكان بالالتزام فقط؛ فلمّا٢ كانت دلالة الفعل على الزّمان قويّة تعدّى إلى المبهم منها والمختصّ، ولَمَّا كانت دلالته على المكان ضعيفة لم يتعدَّ إلى كلّ أسمائه، بل يتعدّى إلى المبهم منها٣.
وقد تُقام صفة الظّرف مقامه بعد حذفه، كقولك: (أقمتُ عنده قليلاً من النّهار) و (سامرْتُه كثيرًا من اللّيل) وتقديره: زمانًا قليلاً، وزمانًا كثيرًا.
وقد نُصِبَ بعضُ المصادر نَصْبَ٤ الظّروف في قولهم: [ (أتيتُه غروب الشّمس) و (انتبهت طلوعَ الفجر٥) ] ٦.
стр. 392
وَقَدْ أَكَلْتُ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ ... وَإِثْرَهُ وَخَلْفَهُ وَعِنْدَهُ
الأسماء منها ما إذا أُضيف إلى شيء صار من جنسه وأُلحِق بنوعه.
فمن ذلك: (قبلُ) و (بَعْدُ) فهما إنْ أُضيفا إلى ظرف زمانٍ صارا من جنسه، وانتصبا انتصاب [٧١/أ] ظرف الزّمان؛ كقولك: (قدمتُ البلد قبل زيدٍ، وسافرت بعده) ، وإنْ أُضيفا إلى ظرف مكانٍ صارا من جنسه، كقولك: (نزلنا قبل المنزلة، وقيلنا بعد المنهل) .
وكذلك أسماء العدد١، و (كُلّ) و (بعض) و (نصف) و (ثُلث) ، وما أشبهه، وكذلك (بين) ؛ تقول: غاب زيدٌ خمسة أيّام، وأقمتُ عنده كلّ النّهار وبعض اللّيل، وصلَّيْتُ بين الظّهر والعصر٢؛ وتقول: قطعتُ خمسة فراسِخ، وكلّ المرحلة، وسار زيدٌ بعض فرسخٍ، وركب ثلث الطّريق، وأقام بين البلدين٣.
وَعِنْدَ فِيهَا النَّصْبُ يَسْتَمِرُّ ... لَكِنَّهَا بِمِنْ فَقَطْ تُجَرُّ
عِنْدَ: ظرفٌ٤ لازمُ الظّرفيّة، ولا يدخله٥ الرّفع بحال، ولا يُجرُّ٦
стр. 393
إلاَّ بـ (من) دون سائر الظّروف لعدم تصرُّفه؛ لأنَّ الظّرف المتصرّف١ يفارقُ الظّرفيّة، ويُستعمل مخبرًا٢عنه، ومضافًا إليه، ومفعولاً به٣.
ثمّ الظّرف المتصّرف: منه منصرف٤، نحو: (يومٍ) و (شهرٍ) و (حوْلٍ) ، ومنه غير منصرف٥ نحو: (غُدْوَةَ) و (بُكْرَةَ) مقصودًا بهما تعريف الجنس أو العهد.
стр. 394
و (عند) [٧١/ب] يكون١ظرف زمان٢، كقولك: (وصلت البلدَ عند غروب الشّمس) .
[وَأَيْنَمَا صَادَفْتَ فِي لاَ تُضْمَرُ ... فَارْفَعْ وَقُلْ: يَومُ الْخَمِيسِ نَيِّرُ] ٣
فَصْلٌ:
واعلم٤ أنَّ النّاصب٥للظّرف هو الفعل الموجود معه؛
стр. 395
فإنْ وُجِدَ منصوبًا في كلامٍ لا فعل فيه، كقولك: (الرّحيل غدًا) ففي الكلام محذوف؛ وهو النّاصب للظّرف وتقديرُه: (استقرّ غدًا) ، وعند بعضهم: (مستقرّ) ١.
стр. 396
فمتى خلَت أسماء الظّروف ممّا تقدّم١ كانت مبتدأةً، كقولك: (يومُ الجمعةِ مُبَاركٌ) و (وسطُ المسجدِ رَحْبٌ) و (الفرسخُ٢ أربعةُ أميالٍ) .
стр. 397
بَابُ الاسْتِثْنَاءِ:
وَكُلُّ مَا اسْتَثْنَيْتَهُ مِنْ مُوْجَبِ ... تَمَّ الْكَلاَمُ عِنْدَهُ١ فَلْيُنْصَبِ
تَقُولُ: جَاءَ الْقَوْمُ إِلاَّ سَعْدَا ... وَقَامَتِ النِّسْوَةُ إِلاَّ هِنْدَا٢
الاستثناء هو: إخراج شيءٍ٣ ممّا دخل فيه غيره، أو إدخال شيء فيما خرج منه غيره؛ والاسم المستثنى ضدّ٤المستثنى منه٥.
والاستثناء نوعان: متّصل، ومنقطع.
فالمتصّل: إخراج مذكور بإِلاَّ أو ما في معناها من حكم شامل له، أو ملفوظٍ [به] ٦، أو مقدّر٧.
فالإخراج جنسٌ يشمل٨ نوعي الاستثناء، ويخرج الوصف ?إِلاّ
стр. 398
[٧٢/أ] كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتَا﴾ ١.
فقوله: إخراج مذكور ولم يقل: إخراج اسم ليعمّ استثناء٢ المفرد، نحو: قام القومُ إلاّ زيدًا، واستثناء الجملة لتأوّلها بالمشتقّ، نحو: ما مررتُ بأحدٍ إلاَّ زيدٌ خيرٌ منه.
وقوله: بإلاّ أو ما في معناها ليخرُج التّخصيص٣ونحوه، ويدخل الاستثناء بغَير وسِوَى وحَاشَا وخَلا وعَدا ولَيْسَ ولا يكون.
وقوله: من حكم شامل له ليخرج الاستثناء المنقطع.
وقوله: ملفوظ به أو مقدّر ليتناول الحدُّ الاستثناءَ التّامَّ والمفرّغَ.
والاستثناء التّامّ هو: أن يكون المخرج منه مذكورًا، نحو: قام القوم إلاَّ زيدًا.
стр. 399
والمفرّغ هو: أن يكون المخرج منه مقدّرًا في قوّة المنطوق به، نحو: ما قام إلاَّ زيدٌ التّقدير: ما١قام أحدٌ إلاَّ زيدٌ.
والمنقطع هو: الإخراج بإلاَّ أو غير أو بَيْد لِمَا دخل في حكم دلالة المفهوم.
فالإخراج جنس، وقولُه: بإلاّ، أو غير، أوبَيْد مدخل لنحو: ما فيها إنسان إلاَّ وتدًا٢ وما عندي أحدٌ غير فرس٣، وكنحو قوله ﷺ : "أَنَا أَفْصَحُ مَنْ نَطَقَ بِالضَّادِ؛ بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ، واسْتُرْضِعْتُ فِي بَنِي سَعْدٍ" ٤.
ومخرج الاستدراك ?لكن، نحو قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ﴾ ٥؛ فإنّه إخراجٌ لِمَا دخل في حكم دلالة المفهوم، ولا يسمّى في اصطلاح النّحويّين استثناءً، بل يختصّ٦ باسم٧ الاستدراك. [٧٢/ب]
стр. 400
وقوله: لما دخل تعميمٌ لاستثناء المفرد والجملة - كما سيأتي -.
وقولُه: في حكم دلالة المفهوم مخرج للاستثناء١ المتّصل؛ فإنّه إخراجٌ لِمَا دخل في دلالة المنطوق.
من أمثلة المستثنى المنقطع الآتي مفردًا٢، قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ٣ [فـ ﴿اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ ] ٤ مستثنى منقطع، مخرج ممّا أفهمه ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ من نفي الأعمّ من العلم والظّنّ؛ فإنّ الظّنّ يستحضر٥ بذكر العلم لكثرة قيامه مقامه، وكأنّه قيل: ما يأخذون٦ بشيءٍ إلاَّ اتّباع الظّنّ.
ومنها: قولهم: له عَلَيَّ ألفٌ إلاَّ أَلْفَيْن وإنّ لفلانٍ مالاً إلاَّ أنّه شقيّ وما زاد إلاّ ما نقص وما نفع إلاَّ ما ضَرَّ وما في الأرض أخبث منه إلاَّ إيّاه وجاء الصّالحون إلاَّ الطّالحين٧؛ فالاستثناء في هذه الأمثلة كلّها على [نحو] ٨ ما تقدّم.
فالأوّل: على معنى له عليَّ ألف لا غير إلاّ ألفين.
والثّاني: على معنى عَدِم فلان البؤس إلاَّ أنّه شقيّ.
стр. 401
وعلى هذا فقِس الباقي من الأمثلة١.
وللاستثناء٢ عدّة أدوات؛ إلاَّ أنّ٣ المستولي عليه٤: إلاَّ.
وقال الشّيخ بدر الدّين بن مالك ﵀ [تعالى] ٥-: "الاسم المستثنى بإلاّ في غير تفريغ يصحّ نصبه على الاستثناء، سواء كان متّصلاً أو منقطعًا. [٧٣/أ]
والنّاصب هو: إلاّ لا ما قبلها بتقويتها، ولا به مستقلاًّ، ولا باستثني مضمرًا، خلافًا لزاعمي ذلك٦.
стр. 402
ويدلّ على أنَّ النّاصب هو إلاَّ أنّها حرف مختصّ بالأسماء غير متنزّل١ منها منزلة الجزء، وما كان كذلك فهو عامل؛ فيجب أنْ تكون عاملة ما لم تتوسّط٢ بين عامل مفرّغ ومعمول، فتُلغى٣ وُجوبًا إنْ كان التّفريغ محقّقًا٤، [نحو: ما قام إلاَّ زيدٌ، وجوازًا إنْ كان مقدّرًا] ٥، نحو: ما قام أحدٌ إلاّ زيدٌ [فإنّه في تقدير: ما قام إلاّ زيدٌ] ٦؛ لأنّ أحدٌ مبدل منه، والمبدَل منه٧ في حكم المطروح٨.
стр. 403
فإنْ قيل: إلاّ تدخُل على الفعل، كقولك: نشدتّك الله إلاّ فعلتَ وما تأتيني إلا قلتَ خيرًا.
الجواب: أنَّ دخولها على الفعل إذا كان في تأويل الاسم؛ فمعنى نشدتُك الله إلاّ فعلتَ: [ما] ١ أسألك إلاَّ فعلك؛ ومعنى الثّاني: ما تأتيني إلاَّ قائِلاً خَيْرًا.
والسّيرافيّ٢ يذهبُ إلى أنّ النّاصب هو ما قبل إلاّ من فعل أو غيره بتعدية إلاَّ.
وذهب ابن خروف٣ إلى أنّ النّاصب هو ما قبل إلاَّ على سبيل الاستقلال.
стр. 404
وذهب الزّجّاج١ إلى أنّ النّاصب٢ استثني مضمرًا"٣.
стр. 405
وَإِنْ يَكُنْ فِيمَا١ سِوَى الإِيجَابِ ... فَأَوْلِهِ الإِبْدَالَ فِي الإِعْرَابِ
تَقُولُ: مَا المَفْخَرُ٢ إِلاَّ الكَرَمُ ... وَهَلْ مَحَلُّ الأَمْنِ إِلاَّ الْحَرَمُ٣
[٧٣/ب]
فَصْلٌ:
إذا كان قبل إلاَّ كلامٌ تامٌّ٤؛ فلا يخلو من قسمين:
أحدهما: أنْ يكون موجَبًا٥- كما تقدّم -، كقولك: قام القومُ إلاَّ زيدًا، أو٦ غير موجب وهو: أن يكون الكلام نفيًا، أو استفهامًا، أو نهيًا؛ فالأجود أن يُعرب ما بعد إلاَّ بإعراب ما قبلها
стр. 406
على سبيل البَدَل١؛ فتقول: ما قام أحدٌ إلاَّ زيدٌ وما ضربتُ أحدًا إلاَّ زيدًا وما مررتُ بأحدٍ إلاَّ زيدٍ٢، ولك أن تنصب الاسم المستثنى على الأصل٣، فتقول٤: ما قام [أحدٌ] ٥ إلاَّ زيدًا٦.
وَإِنْ تَقُلْ: لاَ رَبَّ إِلاَّ اللهُ ... فَارْفَعْهُ وَارْفَعْ مَا جَرَى مَجْرَاهُ
стр. 407
[فَصْلٌ] ١:
إذا جِيء بالاسم المستثنى [بـ] ٢ إلاَّ بعد عامل٣ لم يشتغل٤ بما قبلها، ولا بما بعدها، يليها عامل، فمطلوب العامل هو ما يليها؛ لتفريغ٥ الطّلب له٦، فيُرفع٧ إنْ كان [يطلب] ٨مرفوعًا - كما٩ تقدّم -؛ ويُنصب إنْ كان يطلب منصوبًا، نحو: ما رأيتُ إلاَّ زيدًا، ويُجرُّ بالحرف الّذي يتعدّى به١٠، نحو: ما مررتُ إلاَّ بزيدٍ.
стр. 408
وَانْصِبْ إِذَا١ مَا قُدِّمَ المُسْتَثْنَى ... تَقُولُ: هَلْ إِلاَّ العِرَاقَ مَغْنَى٢
إذا قُدِّم المستثنى على المستثنى منه نُصِبَ؛ مُوجَبًا كان أو نفيًا، تقول: ما جاء إلاَّ زيدًا [٧٤/أ]
أحدٌ، كقول الكميت٣:
وَمَا لِي إِلاَّ آلَ أَحْمَدَ شِيْعَةٌ ... وَمَا لِي إِلاَّ مَذْهَبَ الحَقِّ مَذْهَبُ٤
امتنع جعلُ المستثنى بدلاً٥؛ لأنَّ التّابع لا يتقدّم على المتبوع وكان الوجهُ نصبُه٦.
стр. 409
َإِنْ تَكُنْ مُسْتَثْنِيًا بِمَا عَدَا ... وَمَا خَلاَ١وَ٢ لَيْسَ فَانْصِبْ أَبَدَا
تَقُولُ: جَاؤوا مَا عَدَا مُحَمَّدًا ... وَ٣ مَا خَلاَ زَيْدًا وَلَيْسَ أَحْمَدَا
[فَصْلٌ] ٤:
يُنصب المستثنى - من الموجِب - بإلاَّ وعَدَا وخَلا؛ كقولك: قامَ القومُ خلاَ زيدًا وعدا عمرًا بالنّصب؛ وإنْ شئت جررتَ٥ فقلت: قام القوم خَلاَ زيدٍ وعَدَا عَمْرٍو؛ فالجرُّ على أنّهما حرفان مختصّان بالأسماء، والنّصبُ على أنّهما فِعْلان ماضيان غير متصرّفين؛ لوُقوعهما موقع الحرف٦؛ فإذا تقدّم عليهما ما بَعُدَ من
стр. 410
شبه الحرف؛ [لأنَّ الحرف لا يدخُل على الحرف١] ٢؛ فتقول: جاءَ النّاسُ ما خلا زيدًا وما عدا عَمْرًا، كقول لبيد:
أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللهَ بَاطِلُ٣ ... ..........................................
فوجب النّصب بهما؛ لتقدّم ما المصدريّة٤.
ومن أدوات الاستثناء: ليس ولا يكون؛ فهما الرّافعان للاسم٥، النّاصبان [٧٤/ب] للخبر٦؛ فلهذا يجب نصبُ المستثنى بهما؛ لأنّه الخبر.
стр. 411
وأمّا الاسم١ فالتزم إضمارُه٢؛ لأنّه لو ظهر فَصَلَهُمَا من المستثنى، وجُهِلَ قصد الاستثناء؛ تقول: قاموا ليس زيدًا، ونحو: "يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ" ٣، المعنى: إلاَّ الخيانة والكذب؛ والتّقدير: لَيْسَ بَعْضُ خُلُقِهِ الخِيَانَةَ والْكَذِبَ.
وتقول: قاموا لا يكون زيدًا، وتقديره: قاموا لا يكون بعضهم زيدًا.
وأمّا حاشا فَيَجُرُّ ما بعده، وينصب؛ فالجرُّ على أنّها٤حرف، والنّصب على أنّها٥ [فعل] ٦ غير متصرّف٧.
وَغَيْرُ إِنْ جِئْتَ بِهَا مُسْتَثْنِيَهْ ... جَرَتْ عَلَى الإِضَافَةِ المُسْتَوْلِيَهْ
وَرَاؤُهَا تَحْكُمُ فِي إِعْرَابِهَا ... مِثْلَ اسْمِ إِلاَّ حِينَ يُسْتَثْنَى بِهَا
غير: يستثنى بها بشرط صلاحيّة إلاَّ مكانها؛ فيجرّ١المستثنى بها، وتعرب هي بما يستحقّه المستثنى بإلاَّ؛ من نَصْبٍ لازمٍ٢، أو نصب مرجّح٣عليه الإتباع٤، [أو نصب مرجّح على الإتباع٥] ٦، أو تأثّر٧بعاملٍ مُفرَّغ؛ تقول في اللاّزم: جاءني القومُ غيرَ زيدٍ، والمرجّح عليه الإتباع٨: ما جاءني أحدٌ غيرُ زيد، والمرجّح على٩ الإتباع:
стр. 414
ما لزيدٍ علم غيرَ ظنِّ، وإيجابُ التّأثّر١ بالعامل المفرّغ: ما جاءني غيرُ٢ زيدٍ فغير هُنا٣ كإلاَّ٤؛ وقد جاءت إلاَّ كغير في قول الشّاعر:
وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ ... لَعَمْرُ أَبِيكَ إِلاَّ الفَرْقَدَانِ٥
وسُوى وسَواء لغتان في سِوَى٦؛ وهي مثل غير
ولا سِيَّمَا١ يستثنى بها، ومعناها: التّخصيص، ويجرّ ما بعدها٢، كقولك: أكرمني النّاس [ولا] ٣ سِيَّمَا زيدٍ أي: لا مثل زيدٍ؛
стр. 419
ويرفع١ ما بعدها، كقول الشّاعر:
............................... ... وَلاَ سِيَّمَا يَوْمٌ بِدَارَةِ جُلْجُلِ٢
[٧٦/أ]
أي: ولا مثل الّذي هو يوم.
ولا سِيَّمَا زيدًا٣ بمعنى: [إلاَّ] ٤.
стр. 420
بَابُ لاَ فِي النَّفْيِ:
وَانْصِبْ بِلاَ فِي النَّفْيِ كُلَّ نَكِرَهْ ... كَقَوْلِهِمْ: لاَ شَكَّ فِيمَا ذَكَرَهْ
(لا) حرف له مَعَانٍ:
أحدُها: أنْ تكون ناهيةً١؛ وتختصُّ بالدُّخول على الفعل المضارِع جازمة [له] ٢، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا﴾ ٣.
وقد تقع بمعنى الدُّعاء، كقولك: (لا يفضض الله فاك) .
وتأتي زائدةً لتأكيد النّفي٤، كقولك: (ما زيدٌ قائمًا ولا عمرٌو قاعدًا) ٥.
وتارةً٦ للتّوسُّع في الكلام، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ ٧.
стр. 421
وتارةً مع اليمين، كقوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ١.
وتأتي نافية معنى الفعل عن أحد الاسمين، كقولك: (جاء زيدٌ لا عمرٌو) ؛ فإنْ قلتَ: (ما جاء زيدٌ٢ ولا عمرٌو) فالواو ههنا٣ هي العاطفة،
стр. 422
و (لا) زائدة لتأكيد النّفي١.
وتعترض٢بين العامل والمعمول، وتكون بمعنى (غير) ٣، كقولك: (ضربتُه بلا ذنبٍ) .
وبين المبتدأ والخبر، كقولك: (زيد لا صديق ولا عَدوّ) ، وبين الحال وصاحبها، كقولك [٧٦/ب] : (قَدِم الأمير لا ضاحكًا ولا عابسًا) .
وقد تدخُل على الفعل [الماضي] ٤فتحوّل معناه إلى الاستقبال، وتكون٥ بمعنى (لَمْ) كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى﴾ ٦، وكقول الشّاعر:
стр. 423
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ١ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا٢
أي: لم يُلِمَّ.
وتدخل على [الفعل] ٣ المضارع نافيةً؛ فلا يتأثّر٤، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ٥.
وتكونُ بمعنى (ليس) مختصّة بالنّكرات٦، ومنه قولُ الشّاعر:
أراد: لا بَراح لي.
وقد تُزاد التّاء مع (لا) ١لتأنيث اللّفظ، والمبالغة في معناه٢؛ فتعمل العمل المذكور في أسماء الأحيان لا غير، نحو: (حينٍ) و (ساعةٍ) و (أوانٍ) ٣.