وتارةً مع اليمين، كقوله تعالى: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القِيَامَةِ﴾ ١.
وتأتي نافية معنى الفعل عن أحد الاسمين، كقولك: (جاء زيدٌ لا عمرٌو) ؛ فإنْ قلتَ: (ما جاء زيدٌ٢ ولا عمرٌو) فالواو ههنا٣ هي العاطفة،
стр. 422
و (لا) زائدة لتأكيد النّفي١.
وتعترض٢بين العامل والمعمول، وتكون بمعنى (غير) ٣، كقولك: (ضربتُه بلا ذنبٍ) .
وبين المبتدأ والخبر، كقولك: (زيد لا صديق ولا عَدوّ) ، وبين الحال وصاحبها، كقولك [٧٦/ب] : (قَدِم الأمير لا ضاحكًا ولا عابسًا) .
وقد تدخُل على الفعل [الماضي] ٤فتحوّل معناه إلى الاستقبال، وتكون٥ بمعنى (لَمْ) كقوله تعالى: ﴿فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صَلَّى﴾ ٦، وكقول الشّاعر:
стр. 423
إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ فَاغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ١ عَبْدٍ لَكَ لاَ أَلَمَّا٢
أي: لم يُلِمَّ.
وتدخل على [الفعل] ٣ المضارع نافيةً؛ فلا يتأثّر٤، كقوله تعالى: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ ٥.
وتكونُ بمعنى (ليس) مختصّة بالنّكرات٦، ومنه قولُ الشّاعر:
أراد: لا بَراح لي.
وقد تُزاد التّاء مع (لا) ١لتأنيث اللّفظ، والمبالغة في معناه٢؛ فتعمل العمل المذكور في أسماء الأحيان لا غير، نحو: (حينٍ) و (ساعةٍ) و (أوانٍ) ٣.
стр. 426
والأعرف - حينئذٍ - في١ ذلك حذف٢ الاسم، كقوله تعالى: ﴿وَلاَتَ حِيْنَ مَنَاصٍ﴾ ٣.
المعنى: ليس هذا الحين حين مَنَاصٍ، أي: فِرَارٍ٤.
стр. 427
قال الشّاعر:
نَدِمَ البُغَاةُ وَلاَتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ ... وَالْبَغْيُ مَرْتَعُ١ مُبْتَغِيْهِ وَخِيمُ٢
وقد تكون ناصبةً للاسم، رافعةً للخبر، حملاً على (إِنَّ) في العمل؛ لأنَّ (إِنَّ) لتوكيد الإيجاب، و (لا) لتوكيد النّفي؛ فهي ضدّها، [٧٧/أ]
стр. 428
والشّيء يُحمل١ على ضدّه، كما يُحمل٢ على نظيره.
وتكون النّكرة بعدها مُضافةً، كقولك: (لا طالبَ جَهْلٍ مشكورٌ) ، أو شبيهةً بالمضافة٣، كقولك: (لا جاهلاً قُربه مقصود) .
فإنْ كانت النّكرة مُفْرَدةً غير مُضافَةٍ، ولا شبيهة به، بنيت على الفتح لتركيبها٤مع (لا) تركيب٥ خمسة عشر٦؛ ولتضمّنها معنى (مِنْ) الجنسيّة، بدليل ظهورها في قول الشّاعر:
فَقَامَ يَذُودُ النَّاسَ عَنْهَا بِسَيْفِه ... وَقَالَ: أَلاَ لاَ مِنْ سَبِيْلٍ إِلَى هِنْدِ٧
فتقول من ذلك ناوِيًا استغراق٨ الجنس: (لا رجل في الدّار) .
стр. 429
وَإِنْ بَدَا بَيْنَهُمَا مُعْتَرِضُ ... فَارْفَعْ وَقُلْ: لاَ لأَبِيكَ مُبْغِضُ
فَإِنْ فَصَلَ بينها وبين النّكرة فاصل عادَ إلى أصله وهو الإعراب١، وزال عنه ما عرض له من البناء، كقوله تعالى: ﴿لاَ فِيْهَا غَوْلٌ﴾ ٢.
وَارْفَعْ إِذَا كَرَّرْتَ نَفْيًا وَانْصِبِ ... وَغَايِرِ٣ الإِعْرَابَ فِيهِ٤ تُصِبِ
تَقُولُ: لاَ بَيْعٌ وَلاَ خِلاَلُ ... فِيهِ وَلاَ عَيْبٌ٥وَلاَ إِخْلاَلُ
[وَالرَّفْعُ فِي الثَّانِي وَفَتْحُ الأَوّلِ ... قَدْ جَازَ وَالْعَكْسُ كَذَاكَ فَافْعَلِ] ٦
وَإِنْ تَشَأْ فَانْصِبْهُمَا٧ جَمِيعَا ... وَلاَ تَخَفْ رَدًّا وَلاَ تَقْرِيعَا
[٧٧/ب]
стр. 430
فصل:
يجوز إذا عطفت النّكرةعلى اسم (لا) في العمل خمسة أوجه١ٍ؛ لأنّ العطف يصحّ معه٢إلغاء (لا) وإعمالها؛ فإن أعملت الأولى فتحت الاسم بعدها، وجاز لك في الثّاني ثلاثة أوجُهٍ:
الأوّل: الفتح على إعمال (لا) ٣ الثّانية؛ مثالُه: (لا حول ولا قوّة إلا بالله) ، وكقوله تعالى: ﴿فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ ٤.
الثّاني: النّصب على جعلها مؤكّدة، وعطف الاسم بعدها على محلّ الاسم قبلها؛ مثالُه: (لا حولَ ولا قوّةً) ، ومنه قولُ الشّاعر:
لاَ نَسَبَ الْيَوْمَ وَلاَ خُلَّةً ... اتَّسَعَ الْخَرْقُ عَلَى الرَّاقِعِ٥
стр. 431
الثّالث١: الرّفع على أحد وجهين٢؛ إلغاء (لا) ، أوزيادتها٣ وعطف الاسم على محلّ (لا) الأولى مع اسمها؛ فإنّ موضعها رفع بالابتداء؛ مثالُه: (لا حولَ ولا قوّةٌ إلاّ بالله) ، و [منه] ٤ قولُ الشّاعر:
هَذَا لَعَمْرُكُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ ... لاَ أُمَّ لِي - إِنْ كَانَ ذَاكَ - وَلاَ أَبُ٥
فلم٦ ينوّن لأجل القافية. [٧٨/أ]
стр. 432
وإنْ ألغيتَ الأولى١ رفعتَ الاسم بعدها، وجاز لك في الثّاني وجهان:
أحدهما: الفتح على إعمال (لا) الثّانية؛ مثالُه: (لا حولٌ ولا قوّةَ إلاَّ بِالله) ، ومنه قولُ الشّاعر:
فَلاَ لَغْوٌ وَلاَ تَأْثِيمَ فِيهَا ... وَمَا فَاهُوا بِهِ أَبَدًا مُقِيمُ٢
الثّاني: الرّفع على إلغاء (لا) ، أو زيادتها وعطف الاسم بعدها على ما قبلها؛ مثالُه: (لا حولٌ ولا قوّةٌ إلاَّ بالله) ، ومنه قولُ الشّاعر:
وَمَا هَجَرْتُكِ حَتَّى قُلْتِ مُعْلِنَةً ... لاَ نَاقَةٌ لِي فِي٣ هَذَا وَلاَ جَمَلُ٤
стр. 433
ولا يجوز نصب الثّاني ورفع الأوّل؛ لأنَّ (لا) الثّانية إنْ أعملت١ وجب في الاسم بعدها البناء على الفتح؛ لأنّه مفرد، وإن لم تعملها وجب فيه الرّفع؛ لعدم نصب المعطوف عليه لفظًا ومحلاًّ.
стр. 434
فصل:
وإذا وُصِفَ١ اسم (لا) المبنيّ معها على الفتح بصفةٍ مفردة متّصلة؛ جاز فيها ثلاثة أوجهٍ:
البناء على الفتح، كقولك: (لا رجلَ ظريفَ فيها) .
والنّصب، نحو: (لا رجلَ ظريفًا فيها) .
والرّفع، نحو: (لا رجل ظريفٌ فيها) .
فالبناء على أنّه رُكّب الموصوف مع الصّفة تركيب خمسة عشر، ثم دخلت (لا) عليها، والنّصب على اتباع [الصّفة] ٢ محلّ اسم٣ (لا) ، والرّفع على اتباعها لمحلّ (لا) مع اسمها. [٧٨/ب]
وإنْ فصل النّعت عن اسم (لا) تعذّر بناؤها على الفتح؛ لزوال التّركيب بالفصل، وجاز النّصب، نحو: (لا رجلَ فيها ظريفًا) ، والرّفع أيضًا، نحو: (لا رجل فيها ظريفٌ) ، وكذلك إذا كان النّعت غير مفرَد؛ تقول: (لا رجلَ قبيحًا فعله عندك) ٤.
فإن عطفت على اسم (لا) بدون تكرارها امتنع إلغاء (لا) ، وجاز في المعطوف الرّفع بالعطف على موضع (لا) مع اسمها؛
стр. 435
نحو: (لا رجل وامرأةٌ في الدّار) ، والنّصبُ بالعطف على [موضع] ١ اسم (لا) ٢، ومنه قولُ الشّاعر:
فَلاَ أَبَ وَابْنًا مِثْلَ مَرْوَانَ وَابْنِهِ ... إِذَا هُوَ بِالمَجْدِ اِرْتَدَى وَتَأَزّرَا٣
стр. 436
وتدخل همزة الاستفهام على (لا) النّافية للجنس؛ فيبقى ما كان لها١ من العمل، وجواز الإلغاء إذا كرّرت، والاتباع لاسمها على محلّه [من النّصب، أو على محلّ (لا) معه] ٢ من الابتداء.
وأكثر ما يجيء ذلك إذا قُصد بالاستفهام التّوبيخ والإنكار، كقوله:
أَلاَ ارْعِوَاءَ لِمَنْ وَلَّتْ شَبِيْبَتُهُ ... وَآذَنَتْ بِمَشِيْبٍ بَعْدَهُ هَرَمُ؟ ٣
وقد يجيء ذلك؛ والمراد مجرّد الاستفهام عن النّفي، كقول الشّاعر: [٧٩/أ]
أَلاَ اصْطِبَارَ لِسَلْمَى أَمْ لَهَا جَلَدٌ؟ ... إِذَا أُلاَقِي الَّذِي لاَقَاهُ أَمْثَالِي٤
ويجب ذكر خبر (لا) إذا لم يُعْلم١، كقول الشّاعر:
وَرَدَّ جَازِرُهُمْ٢ حَرْفًا مُصَرَّمَة ... وَلاَ كَرِيمَ مِنَ الْوِلْدَانِ مَصْبُوحُ٣
стр. 439
وندَر حذْفُ الاسم وإثبات الخبر في قولهم: (لا عليك) أي: لا بأس عليك.
وتكونُ (لا) نافية للمعرفة، وذلك بتقدير محذوفٍ١، ومنه قولُ الرّاجز٢:
لاَ هَيْثَمَ اللَّيْلَةَ لِلْمَطِيِّ٣
стр. 440
ومن ذلك قيل: (قَضِيَّةٌ وَلاَ أَبَا حَسَنٍ لَهَا) ١.
فإنّما القصد فيه إلى عليّ بن أبي طالب ﵁ -٢، وتقدير الكلام: لا مِثل عليّ، ولا مثل الهيثم؛ لأنّ (لا) لا تنصب إلا نكرة - كما تقدّم -، وجواز ذلك بتقدير: مثل.
وتقول مِن ذلك: (مَا أَحْسَنَ زَيْدًا!) و (أَحْسِنْ بِهِ!) .
فـ (ما) عند سيبويه١ نكِرة غير موصوفة، في موضع رفع بالابتداء؛ وساغ الابتداء بها٢؛ لأنّها في تقدير: التّخصيص٣.
والمعنى: شيءٌ عظيمٌ أحسنَ٤ زيدًا، أي: جعلهُ حسنًا؛ وهذا كقولهم: (شيءٌ جاء بك) و (شَرٌّ أَهَرَّ ذَا نَابٍ) ٥.
و (أَحْسَنَ) : فعلٌ ماضٍ٦، لا يتصرّف٧، مسندٌ إلى ضمير (ما) ؛
стр. 444
والدّليل على فعليّته: لزومه متّصلاً بياء المتكلِّم نُونُ الوقايةِ، نحو: (ما أعرفني بكذا!) و (ما أَرْغَبَنِي في عفو الله) .
وقد قيل فيه [٨٠/أ] إنّه اسم١ لمجيئه مُصَغَّرًا في قولِ الشّاعر:
يَا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلاَنًا شَدَنَّ لَنَا٢ ... ........................................
стр. 445
ولا حجّة في هذا؛ لشذوذه، واحتمال١ أن يكون التّصغير دخله لشبهه بـ (أَفْعَل) التّفضيل لفظًا ومعنىً؛ والشّيء قد يخرج عن بابه لمجرّد الشّبه بغيره٢.
وذهب الأخفش٣ إلى أنَّ (ما) في نحو: (ما أحسن زيدًا) موصولة،
стр. 446
وهي مبتدأ، و (أحسن) صلته، والخبر محذوف وُجوبًا تقديرُه: الّذي أَحْسَنَ [زَيْدًا] ١ شَيءٌ عظيم.
واحْتَجَّ هو ومَن تابعه: أنّهم لم يجدوا (ما) إذا كانت غير استفهامٍ وغير شرطٍ إلاّ موصولة أو موصوفةً؛ فجعلوها في التّعجُّب موصولة.
وهذا الاستدلال ينتقض بقولهم: (إنِّي مِمّا أَنْ٢ أَفْعَلَ) ٣ تقديرُه: إِنِّي من الأَمْر فِعْلي.
وقيل: إنَّ٤ ما ذهب إليه سيبويه أوْلى؛ لأنَّ (ما) لو كانت موصولةً لَمَا كان حذفُ الخبر واجبًا؛ لأنّه لا يجب حذفُ الخبر إلاَّ إذا عُلِمَ وسدَّ غيره مسدّه؛ وههنا لم يسدّ مسدّ الخبر شيء؛ لأنّه ليس بعد المبتدأ الموصول٥ إلاَّ صلته؛ والصّلة من تمام المبتدأ؛ فليست في محلّ خبره،
стр. 447
وإنّما هي١ في محلّ بقيّة حروف الاسم؛ فلا تصلُح٢ للسّدّ مسدّ الخبر. [٨٠/ب]
فالمُتَعَجَّبُ منه مَنْصُوبٌ على المفعوليّة، والفاعل لا خلاف٣ في أنّه مُضْمَرٌ في (أحسن) ؛ ولا خلاف في أنَّ هذا المُضْمَر لا يظهر قطّ في مُفْرَدٍ ولا تَثْنِيَةٍ ولا جَمْع؛ وكُلمّا أُضْمِر الشّيء وسُتِرَ كان أفخم له، وأَزْيَد في معناه.
ولا خلاف [في] ٤ أنّه لا يجوز العطف على ذلك المضمَر، ولا أن يبدل منه، ولا أن يُخبَر عنه.
وأمَّا (أَفْعِلْ) [في] ٥ نحو: (أَحْسِنْ بزيدٍ) فَفِعْلٌ٦: لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وعُدِل عن ذكر الخبر لاحتماله الصّدق والكذب؛ والأمرُ ليس كذلك؛ فكان وُرودُه به أبلغ وأفخم؛ وهو مسند إلى المجرور بعده، و (الباء) زائدة٧، مثلُه
стр. 448
[قولُهم] ١: (كفى بزيدٍ رجلاً) ٢٣، وهو في قوّة: (حَسُنَ زَيْدٌ) بمعنى: ما أحسنَهُ٤، [و] ٥ تقول: (ما أَحْسَنَ زَيْدًا!) فتنصب ما
стр. 449
بعد [أَفْعَل] ١ بالمفعوليّة؛ [وهو في] ٢ الحقيقة فاعل الفعل المتعجّب منه٣، لكن دخلت عليه همزة النّقل، فصار الفاعل مفعولاً بعد إسناد الفعل إلى غيره.
ولا يجوز حذف المتعجّب منه لغير دليل؛ لأنّك لو٤قلت: (ما أحسن! وما أجمل!) لم يكن كلامًا٥.
وأمّا نحو: (أفعل [به] ٦) فلا يُحذف منه المتعجّب منه٧ إلاّ إذا دَلَّ على المتعجّب [٨١/أ] منه دليل؛ وكان المعنى واضحًا عند الحذف٨؛ ومنه قولُ عليّ [بن أبي طالب] ٩ ﵁ ١٠:
стр. 450
جَزَى اللهُ عَنِّي وَالْجَزَاءُ بِلُطْفِهِ ... رَبِيْعَةَ خَيْرًا: مَا أَعَفَّ! وَأَكْرَمَا! ١
وتقول: (أَحْسِنْ بِزَيْدٍ! وَأَجْمِلْ!) بالحذف، كما قال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِم وَأَبْصِرْ﴾ ٢.
[و] ٣ يسوغ ذلك في (أفعل به) إذا كان معطوفًا على آخر مذكور معه الفاعل٤.
وينبغي معرفة الفعل الّذي يبنى منه فعلا التّعجُّب؛ ولذلك٥أحكامٌ:
منها: أنّه٦ لا يكون منقولاً إلاّ من فعلٍ غير متعدٍّ غالبًا، ثم عُدِّي بالهمزة إلى مفعولٍ، نحو: (ما أظرفَ أباك! وأكرمَ أخاك!) ؛ لأنَّ المتعجّب
стр. 451
منه فاعلٌ في الأصل؛ فَوَجَبَ أن يكون فعله غير متعد.
[و] ١منها: أنّه لا يكون منقولاً٢إلاَّ من فعلٍ ثُلاثيٍّ، نحو: (ظَرُفَ) و (شَرُفَ) و (عَلِمَ) و (سَمِعَ) ؛ ولا يكون من [فعل] ٣ رُباعيٍّ حروفه أصول، نحو: (دحرج) ؛ لأنّ صيغة (أفعل) من هذا هدم لا بِناء٤؛ فإن٥ كان الرّباعيّ بزوائد٦ فإنّه مختلف٧ فيه؛
стр. 452
[من] ١ نحو: (أَكْرَمَ) و (أَعْطَى) و (أجمل) ؛ فمنهم مَن يُجيز التّعجُّب [به] ٢ بتعويضه همزة التعجُّب [عن همزتها] ٣، [وحُجّته] ٤: ما سمع [من العرب] ٥ من قولهم: (ما أيسر٦ فلانًا! وما أسنّه!) ؛ ومنهم من لا يُجيز ذلك قياسًا على الرّباعيّ الّذي٧حروفه أصول؛ ومنه حكاية الكتاب٨: "ما أبغضني [٨١/ب] له! "، وهو من أبغض يُبغض؛ ووجهه أن يُقدَّر له فعل
ثلاثيّ، كقولك: (بَغُضَ) ٩.
стр. 453
وقال ابن بابشَاذ١: "هَا هُنا نُكْتَةٌ حَسَنَةٌ؛ وهي: ما أبغضني له، وما أبغضني إليه، وما أمقتني له، وما أمقتني إليه، وما أحبَّني له، وما أحبّني إليه؛ فكلّ ما كان باللاّم فهو للفاعل، وما كان٢ بـ (إلى) فهو للمفعول؛ فإذا قلتَ: ما أبغضني له، فأنت المُبْغِضُ الكارهُ، وإذا قلتَ:
стр. 454
[ما أبغضني] ١ إليه، فأنت المَبْغُوضُ المَكْرُوه"٢.
ولا يبنى إلاَّ من فعل، ثلاثيّ، متصرّف، قابل للتّفاوُت، غير ناقص٣ كـ (كان) وأخواتها، ولا ملازم للنّفي٤، نحو: (ما عَاجَ زيدٌ بهذا الدَّوَاءِ) أي: ما انتفع به؛ فإنّ العرب لم تستعمله إلاَّ في النّفي؛ فلا٥ يبنى منه فعل التّعجّب؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى مخالفة الاستعمال بالخروج من النّفي إلى الإيجاب.
وَإِنْ تَعَجَّبْتَ مِنَ الأَلْوَانِ ... أَوْ عَاهَةٍ تَحْدُثُ فِي الأَبْدَانِ
فَابْنِ لَهُ فِعْلاً مِنَ الثُّلاَثِي ... ثُمَّ اِئْتِ بِاللَّوْنِ وَبِالأَحْدَاثِ٦
تَقُولُ: مَا أَنْقَى بَيَاضَ الْعَاجِ ... وَمَا أَشَدَّ ظُلْمَةَ الدَّيَاجِي
стр. 455
اعلم أنّه لا يبنى فعل التّعجّب من فعل اسم فاعله على (أَفْعَل) ١، نحو: (شَهِلَ) ٢ فهوأَشْهَلُ، وَ (عَوِرَ) فهو أَعْوَرُ، و (عَرِجَ) فهو أَعْرَجُ؛ لأنَّ (أَفْعَلَ) هو لاسم الفاعل ما كان لونًا أو خلقة٣. [٨٢/أ]
стр. 456
أمّا الألوان١ فتقول: (مَا أَحْمَرَهُ) تريد٢: البلادَة؛ وإن قصدتّ اللّون لم يجُز٣؛ وكذلك تقول: (مَا أَسْوَدَ زيدًا) من السُّودَدِ٤ لا من السَّوَادِ، و (مَا أَبْيَضَ٥الطّير) ، و (مَا أَصْفَرَ العبدَ) من الصَّفير، والمكان إذا خلا من قولهم: (صَفِرَ الإناء) إذا خلا٦، و (ما أَسْمَرَهُ) من السَّمَر؛ فإن أردتّ بجميع ذلك اللّون لم يجز٧.
стр. 457
وتقول: (ما أرأسَ زيدًا) من الرّئاسة، و (ما أيدَاه) ١ من اليد الّتي هي النّعمة، و (ما أَرْجَله) من الرّجلة، كقولهم: (رَجَلٌ بَيِّن الرُّجْلة) و (رَجِيلٌ) إذا كان قويًّا على المشي٢؛ و (ما أوجهه) بمعنى الوجاهة، وكذلك: (ما أجبهه) من قولك: جَبَهَ٣، يجبه٤؛ فإن أردتّ بشيءٍ٥ من ذلك الخلق الثّابتة من٦ الجوارح٧ كـ (الرّأس) ٨ و (اليد) و (الرّجل) و (الوجه) و (الجبهة) لم يجز٩.
وتقولُ: (ما أَعْرَجَ زَيدًا) إذا أردتّ عَرَجَ في السُّلَّم١٠، وكذلك: (ما أَحْوَله) من حال يحول من التّغيّر، و (ما أعمى قلبه١١ عن طاعة الله) ؛
стр. 458
فإن أردتّ به العيوب لم يجز١.
فما زاد على الثُّلاثيّ نحو٢: (انطلق) والألوان، والعُيوب، والخلق؛ [٨٢/ب] يُتعجّب من جميع ذلك
بـ (أشدّ) و (أشْدِد) وما جرى مجراهما٣؛ تقول: (ما أحسن استخراج زيدٍ) و (اشدد بانطلاقه) و (ما أَشَدّ سَوَاده) و (ما أَصْبَح وجهه) و (ما أَخْفَى عرجَه) و (ما أَحْسَنَ حَوَله) .
стр. 459
ويجوز في فعل التّعجُّب أن يعمل في ظرفي الزّمان والمكان والحال؛ لأنَّ هذه الأشياء مُبيّنةٌ١ ما قبلها وموضِّحة؛ تقول: (ما أحسن زيدًا ضاحكًا!) و (ما أكرم أباك يوم الخميس!) و (ما أجمل خالدًا عندك!) .
[ولا يجوز] ٢ تقديم٣ الظّرفين على فعل التّعجُّب؛ وتقدّمه على المتعجّب منه فيه خلاف، والأقيَسُ جوازُه، وكذلك الجارّ والمجرور٤؛
стр. 460
وسيبويه١ يمنع الفصل، وكذلك الأخفش٢، والمبرّد٣.وكثيرٌ من البصريّين يُجيز٤ ذلك؛ منهم الجرميّ٥.