مثالُ ذلك: (سَأَلْتُ عنه فإذا أنَّهُ عبد) و (إذا إنَّهُ عبد) ١؛ فمن فَتح أراد العبوديّة نفسها، ومَن كسر أراد العبد نفسه؛ تقدير الفتح: مشاهدة [نفس] ٢ المعنى الّذي هو الخدمة، وتقدير الكسر: مشاهدة الشّخص نفسه على غير صفة العمل؛ ففتحت موضع المفرد٣، وكسرت موضع الجملة، تقديره٤: فإذا هو عبد.
ومن ذلك: (أوّل ما أقول: أنّي أحمد الله) و (إِنِّي) ٥ [- بالفتح والكسر -،فتقدير الفتح: أَوّلُ قَوْلِي] ٦ حَمْدُ٧ الله فهو هو؛ وإذا كان كذلك فهو المبتدأ٨ في المعنى، والمبتدأ يختصّ بالاسم؛ فلذلك فُتحت.
وتقدير الكسر مستنبط لا من اللّفظ لأنّه لا خبر معنا حيث كانت مكسورة متّصلة بالقول؛ فإذا لم يكن في اللّفظ صَلَحَ أن يقدّر بالثّبات
стр. 492
والوُجود حسب ما تدلّ عليه الحال؛ وتلخيصُه: أوّل ذلك ثابت؛ فالتّأويلان مختلفان معنىً وإعرابا١.
فإنْ عطف٢ على اسم (إِنَّ) فحقّ المعطوف النّصب، نحو: (إنّ زيدًا وعمرًا في الدّار) - بالنّصب -، قال الرّاجز:
إِنَّ الرَّبِيْعَ الْجَوْنَ وَالْخَرِيفَا ... يَدَا أَبِي الْعَبَّاسِ وَالصُّيُوفَا٣
стр. 493
وقد يرفع على محلّ [اسم] ١ (إنّ) في الابتداء؛ وذلك إذا جاء بعد اسمها وخبرها، [٨٨/ب] ومنه قولُالشّاعر:
إِنَّ النُّبُوَّةَ وَالْخِلاَفَةَ فِيهُمُ ... وَ٢ المَكْرُمَاتُ وَسَادَةٌ أَطْهَارُ٣
ويجوز أن تخفّف (أنّ) المفتوحة فلا٤تلغى، ولا يظهر اسمها إلاَّ لضرورة، كقوله:
لَقَدْ عَلِمَ الضَّيْفُ وَالمُرْمِلُونَ ... إِذَا اغْبَرَّ أُفْقٌ وَهَبَّتْ شَمَالاَ
بِأَنْكَ رَبِيعٌ وَغَيْثٌ مَرِيعٌ ... وَأَنْكَ هُنَاكَ تَكُونُ الثِّمَالاَ٥
وقد يأتي بعدها الماضي مفصولاً١ب (قد) ، كقولك: (علمت أَنْ قد [قام] ٢) .
والمضارع مفصولاً٣بحرف تنفيس، كقوله تعالى: ﴿ [عَلِمَ] ٤ أَن سَيَكُونُ مِنْكُم مَّرْضَى﴾ ٥، ورُبّما جاء الفعل غير مفصول٦، كقول الشّاعر:
عَلِمُوا أَنْ يُؤَمَّلونَ فَجَادُوا ... قَبْلَ أَنْ يُسْأَلُوا بِأَعْظَمِ سُؤْلِ٧
[٨٩/أ]
وَلاَ تُقَدِّمْ خَبَرَ الْحُرُوْفِ ... إِلاَّ مَعَ الْمَجْرُورِ وَالظُّرُوفِ
كَقَوْلِهِمْ: إِنَّ لِزَيْدٍ مَالاَ ... وَإِنَّ عِنْدَ عَامِرٍ جِمَالاَ
стр. 497
هذه الحروف لا يجوز تقديم أخبارها، ولا أسمائها [عليها] ١؛ لأنّها لَمّا لم تتصرّف في أنفسها لم تتصرّف في عملها؛ فلذلك لا يجوز: (زيدًا إنّ قائم) [ولا (قائم] ٢ إنّ زيدًا) ؛ فإن أتيت بضميره جاز، كقولك: (زيدٌ إنّه قائم) .
وأخبارها لم تقدّم٣على أسمائها إلاّ أن تكون ظروفا، أو جارًّا ومجرورًا٤؛ فإنّه يجوز التّقديم والتّأخيرُ ما لم يمنع مانع؛ وقيل: إنّ ذلك لا يخلو من ثلاث مسائل:
الأولى: لا يكون٥الظّرف فيها إلاّ مقدَّما٦؛ مثل: (إنَّ قدّام زيد أباه) ، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالاً﴾ ٧.
الثّانية: لا يكون الظّرف [فيها] ٨ إلاَّ مؤخّرًا٩؛ مثل: (إنّ زيدًا لقدّامك) .
стр. 498
الثّالثة: يجوز فيها الأمران؛ نحو: (إنَّ عِنْدَك زيدًا) و (إنَّ زَيْدًا عِنْدَكَ) ؛ وتقديم١ الظّرف أجود.
وكذلك الجارّ والمجرور، نحو: (إنَّ زيدًا لفي الدّار) و (إنَّ في الدّار لزيدًا) .
وعلّة جواز تقديم ذلك: أنّ العرب [٨٩/ ب] قد اتّسعت في الظّروف وحروف الجرّ اتّساعًا لم تتّسع٢ مثله في غيرها؛ بدليل أنَّهم فصلوا بهما٣ بين المضاف والمضاف إليه، كقول الشّاعر:
لِلَّهِ - دَرُّ الْيَوْمَ - مَنْ لاَمَهَا٤
ففصل بالظّرف.
وقال الآخر:
كَأَنَّ أَصْوَاتَ - مِنْ إِيْغَالِهِنَّ بِنَا - ... أَوَاخِرِ المَيْسِ أَصْوَاتُ الْفَرَارِيجِ٥
стр. 499
وإذا ثبت١ هذا كان في باب (إنَّ) وأخواتها المشبّهات بالأفعال أحرى؛ فلذلك جاز: (إنَّ عِنْدَك زيدًا) و٢ (لعلّ له عُذرًا) إلاّ أنّ ههنا سرًّا وهو: أنّ الاستقرار العامل في الظّرف مقدّر٣ في مثل هذا آخِرًا لا أوّلاً؛ فهذا٤ أوجُه الاتّساع المقدّر في الظّرف.
وَإِنْ تَزِدْ (مَا) بَعْدَ هَذِى الأَحْرُفِ ... فَالرَّفْعُ وَالنَّصْبُ أُجِيزَ فَاعْرِفِ
وَالنَّصْبُ فِي لَيْتَ٥ وَعَلّ أَظْهَرُ ... وَفِي كَأَنَّ فَاسْتَمِعْ مَا يُؤْثَرُ
стр. 500
(ما) تدخُل على هذه الحروف فتكفّها عن العمل؛ فهي إمّا الكافّة، وإمّا الزّائدة١؛ ومنه٢ قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا اللهُ إِلَهُ وَاحِدٌ﴾ ٣. [٩٠/أ]
وهي إذا كانت مَعَ (إنّ) و (أنَّ) و (لَكِنَّ) فالأحسن الأقيس إبطال عملها، وجعل (ما) كافّة٤؛ واختير الرّفع في هذه الثّلاثة؛ لأنّ معنى الابتداء لا يتغيّر فيها، ويتغيّر في الثّلاثة الأُخر٥.
فإن دخلت على (ليت) و (لعلّ) و (كأنّ) كان٦ الأقيس إعمالُ هذه الحروف، وجعل (ما) زائدة٧؛ لأنّ هذه الحروف لَمّا
стр. 501
كانت تغيّر اللّفظ والمعنى قوي شبهها بالأفعال، وضعُف إبطال عملها؛ وعلى هذا أنشدوا١ بيت النّابغة؛ وهو:
قَالَتْ أَلاَ لَيْتَمَا هَذَا الْحَمَامَ لَنَا ... إِلَى حَمَامَتِنَا وَنِصْفُهُ فَقَدِ٢
وقد يجوز الرّفع.
ولقوّة شبهها بالأفعال عملت في الأحوال؛ وقيل: إنّ الإعمال يجوز ل (ليت) دون أخواتها٣.
стр. 502
وروى ابنُ بَرْهَان١: "أَنَّ الأخفش رَوَى: إنَّما زَيْدًا٢ قَائِمٌ، وعزاه إلى الكسائيّ". وهو غريب٣.
والحروف تُذكّر وتُؤنّث؛ بدليل قول الشّاعر في التّأنيث:
................................... ... كَمَا بُيِّنَتْ٤ كَافٌ تَلُوحُ وَمِيْمُهَا٥
стр. 503
وفي التّذكير كقول الرّاجز:
كَافا وَمِيْمَيْنِ وَسِيْنا طَاسِما١
[٩٠/ب]
стр. 504
بَابُ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا:
وَعَكْسُ إِنَّ يَا أُخَيَّ فِي الْعَمَلْ ... كَانَ وَمَا انْفَكَّ الْفَتَى وَلَمْ يَزَلْ
وَهَكَذَا أَصْبَحَ ثُمَّ أَمْسَى ... وَظَلَّ ثُمَّ بَاتَ ثُمَّ أَضْحَى
ثُمَّ١ صَارَ ثُمَّ لَيْسَ مَا بَرِحْ٢ ... وَمَا فَتِىءْ فَافْهَمْ٣ بَيَانِي المُتَّضِحْ
وَأُخْتُهَا مَا دَامَ فَاحْفَظَنْهَا ... وَاحْذَرْ هُدِيتَ أَنْ تَزِيغَ عَنْهَا
تَقُولُ: قَدْ كَانَ الأَمِيرُ رَاكِبًا ... وَقَامَ قُسٌّ فِي عُكَاظٍ خَاطِبًا٤
وَأَصْبَحَ الْبَرْدُ شَدِيدًا فَاعْلَم ... وَبَاتَ زَيْدٌ سَاهِرًا لَمْ يَنَمِ
اعلم أنّ (كان) وأخواتها ثلاثة عشر فعلاً.
قيل٥: إنّ دخولها على المبتدأ والخبر على خلاف القياسِ؛ لأنّها أفعال، وحقّ الأفعال أن تُنسب معانيها إلى المفردات لا الجمل؛ فإنّ ذلك للحروف٦، نحو: (هل جاء زيدٌ) و (ليته عندنا) . [٩١/ أ]
стр. 505
لكنّهم توسّعوا في هذه لكونها لا تتمّ بالفاعل؛ فنسبوا معانيها إلى الجمل، فأدخلوها على المبتدأ والخبر على نسبة معانيها [إلى مضمونها] ١؛ فرفعوا بها المبتدأ تشبيهًا بالفاعل، ونصبوا الخبر تشبيهًا بالمفعول، سواءً تأخّر أو تقدّم، نحو: (كان زيد قائمًا) و (كان جوادًا حاتم) .
ويسمّى المرفوع في هذا الباب اسمها، والمنصوب خبرها.
فمعنى (كان) : وجد؛ وهي أصل الباب؛ لأنّ كلّ شيء داخل تحت الكون؛ فلا٢ ينفكّ شيء من الأفعال عن٣ معناه؛ ولأنّها تتصرّف تصرّفًا ليس لغيرها بانقسامها أربعة أقسام٤.
ومعنى (ظَلّ) : أقام نهارًا.
و (بات) : أقام ليلاً.
و (أضحى) و [أصبح] ٥ و (أمسى) : دخل في الضُّحى، والصّباح، والمساء٦.
стр. 506
و (صار) : تجدّد.
و (ليس) : نفي الحال؛ فإن نفت غيره فبقرينةٍ١، كقول الشّاعر:
وَ٢ مَا مِثْلُهُ فِيهِمْ وَلاَ كَانَ قَبْلَهُ ... وَلَيْسَ يَكُونُ الدَّهْرَ٣ مَا دَامَ يَذْبُلُ٤
ومعنى (زال) : انفصل، وكذا (برح) و (فتىء) و (انفكّ) .
ومعنى (دام) : بقيَ.
وهي في العمل على ثلاثة أقسام:
قسمٌ يعمل بلا شرط؛ وهي: (كان) و (أصبح) و (أمسى) [٩١/ب] و (ظلّ) و (أضحى) و (بات) و (صار) و (ليس) .
وقسمٌ يعمل بشرط تقدُّم نفي أو شبهه؛ وهو: (زال) و (برح) و (فتىء) و (انفكّ) ؛ كقولك: (ما زال زيدٌ عالمًا) و (ما فتىء محمّد صادقًا) و (لن يبرح خالدٌ كريمًا) و (ما انفكّ عمرو جوادًا) .
стр. 507
وقد يغني معنى النّفي عن لفظه، كقوله تعالى: ﴿ [تَاللَّهِ] ١ تَفْتَؤُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ ٢، وقال الشّاعر:
تَنْفَكُّ تَسْمَعُ مَا حَيِيْـ ... ـتَ بِهَالِكٍ حَتَّى تَكُونَهْ٣
والنّهي٤ يشبه النّفي، كقول الشّاعر:
صَاحِ شَمِّرْ وَلاَ تَزَلْ ذَاكِرَ الْمَوْ ... تِ فَنِسْيَانُهُ ضَلاَلٌ مُبِينُ٥
стр. 508
ومتى خَلَت هذه الأفعال الأربعة عن نهيٍ، أو نفيٍ ظاهرٍ، أو مقدَّرٍ، فإنّها لا تعمل العمل المذكور.
وقسم يعمل بشرط تقدّم (ما) المصدريّة النّائبة عن الظّرف عليه؛ وهي: (دام) كقول شيخنا١- ﵀ [تعالى] ٢ -: "كأعط ما دمت مُصيبًا درهمًا، أي: مدّة دوامك مصيبًا.
فعملت لكونها٣صلةً لـ (ما) فإنْ كانت (ما) غير نائبة عن الظّرف لم يصحّ العمل".
فـ (أصبح) و (أمسى) أختان؛ لأنّهما طرفا الزّمان.
و (ظلّ) و (أضحى) أختان؛ لأنّهما لصدر النّهار.
و (ظلّ) - أيضًا - أُخت (بات) ؛ لدلالتهما [٩٢/أ] على سائر مدّة النّهار واللّيل.
وقيل: (بات) و (صار) أُختان؛ لاعتلال عينهما.
стр. 509
وقيل: ذلك في (كان) و (صار) ؛ لاستعمال (كان) في موضع (صار) ، ومنه قولُ الشّاعر:
ثُمَّ كَانُوا كَأَنَّهُمْ وَرَقٌ جَـ ... ـفَّ١............................
و (ما زال) و (ما بِرَح) و (ما فتىء) و (ما انفكّ) و (ما دام) أخواتٌ؛ لتقدُّم (ما) عليها.
و (ليس) منفردة٢؛ لكونها غير متصرّفة.
وما تصرّف من هذه الأفعال فللمضارع منه وللأمر ما للماضي من العمل؛ تقولُ: (يكون زيدٌ فاضلاً) و (كن عَالِمًا أو متعلِّمًا) ؛ قال الله تعالى: ﴿كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا﴾ ٣.
стр. 510
ويجري المصدر واسم الفاعل في ذلك مجرى الفعل؛ تقول: (أعجبني كونُ زيدٍ صديقَك) ، وقال الشّاعر:
وَمَا كُلُّ مَنْ يُبْدِي الْبَشَاشَةَ كَائِنًا ... أَخَاكَ إِذَا لَمْ تُلْفِهِ لَكَ مُنْجِدَا١
وإذا وقع بعد٢هذه الأفعال جارّ ومجرور أو ظرف كان ما بعد المخفوض مرفوعًا اسمًا لها، وكان المجرور خبرًا لها؛ كقولك: (كان في الدّار زيدٌ) و (كان عندك عمرو) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ ٣.
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يَجْعَلَ الأَخْبَارَا ... مُقَدَّمَاتٍ فَلْيَقُلْ مَا اخْتَارَا
مِثَالُهُ: قَدْ كَانَ سَمْحًا وَائِلُ ... وَوَاقِفًا بِالْبَابِ أَضْحَى السَّائِلُ
[٩٢/ب]
خبر هذه الأفعال على أربعة أقسام:
خبرٌ لا يكون إلاّ مقدّمًا٤؛ وهو إذا كان اسم استفهام، كقولك: (مَنْ كان أخوك؟) و (كيف أصبح زيد؟) و (أين أمسى عمرو؟) .
стр. 511
وخبرٌ لا يكون إلاّ مؤخّرًا بعد الفعل؛ وهو ما كان من الأفعال الّتي تلتزم بتقدّم١ (ما) عليها غالبًا؛ والخبر ههنا لا يجوز تقدمّه على (ما) ؛ لأنّ لها صدر الكلام٢.
وخبرٌ في تقديمه خلاف٣؛ وهو خبر (ليس) ؛ لإجرائها مجرى أخواتها في العمل، ولم يختلفوا في تقديم خبرها على اسمها.
стр. 512
وخبرٌ أنت المخيّر في تقديمه وتأخيره وتوسّطه؛ وهو (كان) وما كان عاريًا من النّفي؛ فتقول: (قائمًا كان زيد) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١ و (مسرورًا ظلّ عمرو) و (أصبح صائمًا خالد) ؛ لأنّ هذه الأفعال لَمّا تصرّفت في أنفسها تصرّفت في معمولها لعدم المانع.
وكلّ ما كان خبرًا لمبتدأ جاز٢ أنْ يكون خبرًا لهذه٣ الأفعال.
فإنْ وقع الخبر فعلاً ماضيًا فهو مستكرَهُ؛ لأنّه مثلها، ولا يحسُن إلاّ أنْ يكون معه (قد) ملفوظًا بها أو مقدّرة؛ فتقولُ: (كان زيدٌ قد قام أمس وإن كان عَمِلَ خيرًا فهو مُجْزء به) ؛ وحَسَّنَ التّقدير كون الكلام شرطًا، ومنه قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ قَمِيْصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ﴾ ٤. [٩٣/أ]
وأمَّا (ليس) فلا يكون خبرها بالماضي؛ لأنّ حقيقتها نفي الحال.
وهذه الأفعال سُمِّيت ناقصة؛ لأنّها سُلِبت الدّلالة على الحدَث٥.
стр. 513
ومن هذه أفعال يجوز أن تجري على القياس فتكتفي بالإسناد إلى الفاعل، وتُسمّى حينئذٍ تامّة، بمعنى: أنّها لم تحتج١ إلى خبر، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ ٣، ومنه قولُ الشّاعر:
وَبَاتَ وَبَاتَتْ لَهُ لَيْلَةٌ٤ ... ..........................
стр. 514
وَإِنْ تَقُلْ: يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ ... فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَرْ
وَهَكَذَا يَصْنَعُ كُلُّ مَنْ نَفَثْ ... بِهَا إِذَا جَاءَتْ وَمَعْنَاهَا حَدَثْ
(كان) لها أربعة أقسام:
تكون ناقصة، وتكون زائدة، وتكون بمعنى (صار) ، [٩٣/ب] وتكون تامّة.
والنّاقصة١ على ضربين:
الأوّل: كقولك: (ما كان زيدٌ قائمًا) ؛ فهذه مسلوبة المصدر، ولا تدلّ على الحدَث، ولا تعمل في الفضلات من الحال، ولا الظّرفين - عند المحقّقين -، وأنّه لا يجوز حذف منصوبها، ولا يُبنى [منها] ٢ ما لم يسمّ فاعله، وأنّها يجوز حذف نون مستقبلها في بعض الأحوال٣.
الثّاني٤: كقولك: (ما كان زيدٌ قائم) - بالرّفع - على إسناد الفعل
стр. 515
إلى ضمير الشّأن والقصّة١، والجملة بعده خبر؛ كما إذا وقع المبتدأ والخبر بعده مرفوعين٢، ومنه قولُ الشّاعر:
إِذَا مُتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ ... وَآخَرُ مُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ٣
فهذه الجملة لا يجوز أن تتقدّم على (كان) ، ويجو في الأولى؛ وهذه
стр. 516
لا تحتاج فيها إلى عائد، وتحتاج في الأخرى.
والتّامّة تتميّز١ عن النّاقصة بأشياء:
منها: أنّها تحتاجُ٢ إلى اسم واحد يكون فاعلاً، وأنّها فعل حقيقيّ يدلّ على الزّمان والحدَث، كالحدوث٣ والوُقوع.
ومنها: أن يستعمل منها المصدر المنصوب؛ كقولك: (كان، يكون، كونًا) بمنزلة حدث، حُدوثًا، ومنه٤ قولُ الشّاعر:
إِذَا كَانَ الشِّتَاءُ فَأَدْفِئُونِي ... فَإِنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ٥
[٩٤/أ]
وأمّا الزّائدة فإنّها لا تحتاج إلى اسمين، ولا إلى اسم واحد؛ فهي تقع [في] ٦ وسط الكلام وآخره لا أوّله؛ ولا يتصرّف فيها بمستقبل٧ ولا أمرٍ،
стр. 517
ولا نهيٍ، ولا اسم فاعلٍ.
وتتعيّن زيادتها إذا وقعت بين (ما) وفعل التّعجُّب، نحو: (ما كان أحسنَ زيدًا) ١، وبين الجارّ والمجرور، كقول الشّاعر:
سَرَاةُ بَنِي [أَبِي] ٢ بَكْرٍ تَسَامَى ... عَلَى كَانَ المُسَوَّمَةِ العِرَابِ٣
و [نَدَر] ٤ زيادتها بلفظ المضارِع، كقول أُمِّ عَقِيل٥:
стр. 518
أَنْتَ تَكُونُ مَاجِدٌ جَلِيلٌ١ ... ..................................
وشَذَّ زيادة (أصبح) و ( [أمسى] ٢) في قولهم: (مَا أَصْبَحَ أَبْرَدَهَا، وَمَا أَمْسَى أَدْفَأَهَا!) ٣.
والّتي بمعنى (صار) ، كقول٤ الشّاعر:
ثُمَّ كَانُوا٥ كَأَنَّهُمْ وَرَقٌ جَـ ... ـفَّ فَأَلْوَتْ بِهِ الصَّبَا وَالدَّبُورُ٦
стр. 519
وإذا اجتمع في باب (كان) النّاقصة معرفة ونكرة؛ فالاسم المعرفة، والخبر النّكرة، كالحكم١في المبتدأ.
وأنت مخيّرٌ إذا كانا معرفتين في جعلك أيّهما شئت الاسم والآخر الخبر؛ للتّساوي في التّعريف إلاّ أن يكون [٩٤/ ب] أحدهما أعرف من الآخر، كالضّمير٢ مع العلم، والعلم مع المُبْهَم، والمُبْهَم مع المعرّف بالألف واللاّم، والألف واللاّم مع المضاف.
فقولُك٣: (كان زيدٌ صديقك) أحسن من قولك: (كان صديقك زيدًا) ، وعلى ذلك يُقاسُ الباقي.
ويكونان مختلفين؛ أحدهما معرفة، والآخر نكرة؛ فإنْ كان الكلام نَثْرًا لم يكن الاسم إلاّ معرفة، وإنْ كان شعرًا جاز أن يجعل٤ الاسم [نكرة] ٥ والخبر معرفة للضّرورة، كقول حسّان بن ثابت [﵁] ٦:
كَأَنَّ سَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ ... يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ٧
стр. 520
وفي هذا البيتُ ثلاث روايات:
رفعُ (العسل) و (المزاج) ؛ وهذا على ضمير الشّأن والقصّة١.
стр. 521
ويروى برفع (المزاج) ونصب (العسل) ، و (الماء) مرفوع بتقدير فعلٍ، والتّقدير: خالطها ماء١.
الثّالثة: ما عليه البيت٢؛ وفيه قولٌ لأبي عليّ الفارسيّ يخرجه٣ من حيّز الضّرورة، قال٤: "مزاجُها ينتصب٥ على الظّرف٦ تشبيهًا، وإذا كان ظرفًا لم ينتصب٧بـ (كان) وجرى مجرى: عندك٨ رجل؛
стр. 522
فكأنّه يقول: يكون عسل وماء [في] ١ مزاجها".
[أو هو] ٢ منصوبٌ بـ (كان) [٩٥/أ] نفسها؛ وهو معرفة بمنزلة [قولك] ٣: حالها أو جملتها؛ و (العسل) و (الماء) جنسان؛ فلم يُرد عسلاً من الأعسال ولا ماءً من المياه؛ فصارا٤ في حكم المعرفة، ومنه قولُ الآخر:
قِفِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ يَا ضُبَاعَا ... و َلاَ يَكُ مَوْقِفٌ مِنْكِ الْوَدَاعَا٥
فلمّا نعت (الموقف) بـ (منك) تقرّب من المعرفة، و (منك) متعلّق باستقرارٍ محذوفٍ.
وَالْبَاءُ تَخْتَصُّ بِلَيْسَ فِي الْخَبَر ... كَقَوْلِهِمْ: لَيْسَ الْفَتَى بِالْمُحْتَقَرْ
стр. 523
(ليس) لا نظير له في١ الأفعال؛ لأنّه فعلٌ ثُلاثيّ، ياؤُه ساكنة؛ ويختصّ٢ بدخول (الباء) في خبره، كقوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ ٣؛ فالجارّ والمجرور في موضع نصبٍ٤.
وقد تُزاد هذه الباء في خبر (كان) إذا دخل عليها (ما) ، كقولك: (ما كان زيدٌ بخارج) فإنْ عطفت على الخبر٥ جاز في المعطوف الجرُّ على اللّفظ، كقولك: (ليس زيد بكاتبٍ ولا فقيهٍ) ، والنّصبُ على الموضع٦، كقول الشّاعر:
مُعَاوِيَ إِنَّنَا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ ... فَلَسْنَا بِالْجِبَالِ وَلاَ الْحَدِيْدَا٧
стр. 524
بَابُ مَا الَّتِي تَعْمَلُ عَمَلَ لَيْسَ: ١
وَمَا الَّتِي تَنْفِي كَلَيْسَ النَّاصِبَهْ ... فِي قَوْلِ سُكَّانِ الْحِجَازِ قَاطِبَهْ
فَقَوْلُهُمْ: مَا عَامِرٌ مُوَافِقًا ... كَقَوْلِهِمْ: لَيْسَ سَعِيدٌ صَادِقًا
[٩٥/ ب]
(ما) في لغة أهل الحجاز ترفع الاسم وتنصب الخبر إذا كان الخبر مؤخّرًا منفيًّا؛ لأنّهم شبّهوها بـ (ليس) ، نحو قوله تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ ٢، وقولُه تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ ٣.
وفي لغة بني تميم لا تعمل شيئًا، فيرفع ما بعدها بالابتداء والخبر؛ فهي عندهم كحروف الاستفهام الدّاخلة على الاسم والفعل٤؛ فليس عملها في أحدهما بأولى من الآخر.
وشَبَهُها بـ (ليس) من ثلاثة أوجُهٍ؛ وهي:
دخولها على المبتدأ والخبر، وكونها٥ للنّفي، وكون النّفي نفي حالٍ.
ومن شرط إعمالها: فقدان الزّيادة٦، وبقاء النّفي٧؛ فإن وُجدت
стр. 525
قبل (إِنْ) ، كقول الشّاعر:
بَنِي غُدَانَةَ مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ ... وَلاَ صَرِيفٌ وَلَكِنْ أَنْتُمُ خَزَفُ١
بطل العمل لضعف شبهها بـ (ليس) .
ومتى انتقض النّفي بحرف الاستثناء٢، نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ ٣؛ بطل عملها لبُطلان معناها.
ولا يجوز٤ تقديم [معمول] ٥ خبرها علىاسمها إلاّ إذا كان ظرفًا [٩٦/أ]
стр. 526
أو حرف جرّ؛ تقول: (ما زيدٌ آكِلاً طعامك) ولو قدّمت (الطّعام) على (زيد) لم يجز [إلاّ أن] ١ ترفع الخبر، [نحو] ٢: (ما طعامك زيدٌ آكل) ، ومنه قولُ الشّاعر:
وَقَالُوا تَعَرَّفْهَا٣ المَنَازِلَ مِنْ مِنًى ... وَمَا كُلُّ مَنْ وَافَى مِنًى أَنَا عَارِفُ٤
وتقولُ: (ما عندك زيد مقيمًا، وما بي أنت معنيًّا) - بالتّقديم٥-؛
стр. 527
لأنّ الظّرف والجارّ والمجرور [يتوسّع بهما في الكلام ما لا] ١ يتوسّع بغيرهما.
ولا يجوز نصب المعطوف بـ (لكن) ولا بـ (بل) على خبر (ما) ؛ لأن المعطوف بهما موجِب، و (ما) لا يَنصب الخبر [إلاّ] ٢ إذا كان منفيًّا٣.
فإذا عطف بهما على خبر (ما) وجب رفع المعطوف؛ لكونه خبر مبتدأ محذوف، تقول: (ما زيدٌ قائمًا بل قاعد) و (ما عمرو شُجاعًا لكن٤ كريم) .
المعنى: بل هو قاعد، ولكن هو كريم.
وقد تُزاد (الباء) الجارّة في الخبر بعد (ما) ؛ توكيدًا للنّفي، كقوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٥.
وقد تُزاد في الخبر بعد (لا) ، كقولك: (لاَ خَيْرَ بِخَيْرٍ بَعْدَهُ٦ النَّارُ) ٧.