فَصْلُ عَطْفِ البَيَانِ:
العطف في اللّغة١: الرُّجوع؛ فكأنّهم في عطف الاسم الثّاني على الأوّل رجعوا إلى الأوّل فأوضحوه بالثّاني، غير محتاجٍ إلى حرف كاحتياج عطف النّسق، كقول الشّاعر:
وَلَقَدْ أَعْطِفُهَا كَارِهَةً ... حَيْثُ لِلنَّفْسِ مِنَ المَوْتِ هَرِيْرُ٢
أي: أرجعها.
هذا هو التّابع الموضّح المخصّص متبوعه غير مقصود بالنّسبة، ولا مشتقًّا، ولا مؤوّلاً بمشتقّ٣؛ كقوله:
أَقْسَمَ بِاللهِ أَبُو حَفْصٍ عُمَرْ٤
стр. 669
فـ١ (الموضّح والمخصّص) : يخرج التّوكيد٢، وعطف النّسق.
و (غير مقصود بالنّسبة) : يخرج٣ البدل؛ لأنّه في نيّة تكرار٤ العامل.
و (لا مشتقًّا ولا مؤوّلاً به) ٥: [يخرج النّعت] ٦.
وعطف البيان لا يكون إلاّ جامِدًا، وإنْ كان كالصّفة كاشفًا حقيقة المقصود به. [١٢٦/أ]
وشرط عطف البيان أن يُطابِق ما قبله في التّعريف والتّنكير٧،
стр. 670
ويختصّ بالأسماء الأعلام والكُنى؛ وهما لا يوصف بهما؛ مثالُه: (رأيتُ أخاك زيدًا) و (لقيت أبا محمدٍ عمرًا) و (مررتُ بعليٍّ أبي الحسن) فـ (زيد) وأبو الحسن) و (أبو محمد) عطف بيان.
وهو كالوصف، ووجه المشابهة١بينه وبين الصّفة: أنّ الصّفة تدلّ على الذّات باعتبار المعنى الّذي وضعت له.
وعطف البيان يدلّ٢ على الذّات من غير اعتبار معنى زائد على مفهوم الذّات٣.
والفائدة الحاصلة بعطف البيان: أنّه إذا كان المسمّى اسمًا ولقبًا٤، أو اسمًا وكُنية، ثم حصل اشتراكٌ في أحدهما بيّنته بالآخر؛
стр. 671
[فإذا قلتَ: (جاء محمّد أبو عبد الله) ] ١ فقد بيّنت٢ الأوّل بالثّاني٣ كالصّفة.
ومنهم مَن يجعل صفات أسماء الإشارة عطف بيان٤؛ لعدم اشتقاقها؛ وكونها من أسماء الأجناس.
ومن الفرق بين عطف البيان والبَدَل في اللّفظ؛ وذلك في موضعين:
أحدهما: النّداء٥.
والثّاني: اسم الفاعل المعرّف بالألِف واللاّم إذا أُضيف إلى معرّف باللاّم، ثم عُطِف على المضاف إليه؛ [١٢٦/ب] وقد جاء الوجهان في قول الرّاجز٦:
........................................ ... ............ يَا نَصْرُ نَصْرٌ نَصْرَا٧
стр. 672
وفي قول الشّاعر:
أَنَا ابْنُ التَّارِكِ البَكْرِيِّ بِشْرٍ ... عَلَيْهِ الطَّيْرُ تَرْقُبُهُ وُقُوعَا١
أمَّا (نصر) الأوّل فمنادى٢ مضموم، والثّاني عطف٣ بيان؛
١ هذا البيتُ من الوافر، وهو للمِرّار بن سعيد الأسديّ.
стр. 673
بدليل تنوينه، ولو كان بدلاً لوجب بناؤُه على الضّمّ؛ لأنّ العامل في البدل مرادٌ؛ وأمّا (نصر) الثّالث فمنصوب إمّا على المصدر، أي: (انصر نصرًا) ، وإمّا على عطف بيان على الموضع١.
الثّاني٢ في قوله: (أنا ابن التّارك البكريّ بشر) بالجرّ٣؛ فإنَّه إذا نصب جاز أن يكون بدلاً من (البكريّ) ٤؛ لأنّ موضعه نصب؛ ولأنّ البدل في حكم تكرير العامل، وإذا كرّرت لم يكن له في (بشر) إلا نصبه٥، نحو: (التّارك بشرًا) ؛ لأنّ اسم الفاعل المعرّف باللاّم لا يُضاف إلى غير المعرّف إلاّ عند الفرّاء - على ما قيل-٦.
فـ (بشر) بالجرّ لا يجوز أن يكون بدلاً٧ من (البكريّ) ٨؛ فإن نصبته جاز أن يكون بدلاً، وأنّ النّاصب له (التّارك) مقدَّرًا٩ قبله مكرّرًا، لا (التّارك) الأوّل.
стр. 674
بَابُ مَا لاَ يَنْصَرِفُ:
هَذَا وَفِي الأَسْمَاءِ مَا لاَ يَنْصَرِفْ ... فَجَرُّهُ كَنَصْبِهِ لاَ يَخْتَلِفْ
وَلَيْسَ لِلتَّنْوِينِ فِيهِ مَدْخَلُ ... لِشِبْهِهِ١ الْفِعْلَ الَّذِي يُسْتَثْقَلُ
[١٢٧/ أ]
مِثَالُهُ أَفْعَلُ٢ فِي الصِّفَاتِ
كَقَوْلِهِمْ: أَحْمَرُ فِي الشِّيَاتِ
الاسم أصلُه الصَّرْفُ؛ وهو الجرّ والتّنوين٣.
وقيل: صرفه عن شبه الفعل بوجهٍ؛ لأنّ في الأسماء ما شابه الفعل بعلّتين فرعيّتين من علل تسع، فامتنع لذلك٤ ممّا٥ يمتنع منه الفعل؛ وذلك
стр. 675
لأنّ في الفعل فرعيّة على الاسم في اللّفظ؛ وهي اشتقاقه من المصدر١، وفرعيّة في المعنى؛ وهي احتياجه إلى الفاعل، ونسبته إليه، والفاعلُ لا يكون إلاَّ اسما؛ فالاسم حينئذ أصل الفعل٢، فمتى وافق الاسم الفعل في لزوم علّتين فرعيّتين امتنع من التّنوين والجرّ؛ لأنّهما لا يدخلان الفعل.
والصَّرْفُ قيل: هو مَأخوذٌ من صَرِيْفِ البَكْرَةِ، أو من صريف ناب البعير٣؛ لأنّ التّنوين قريب من ذلك.
وموانع الصّرف هذه٤:
شَيْئَانِ مِنْ تِسْعَةٍ فِي اسْمٍ إِذَا اجْتَمَعَا ... لَمْ يَصْرِفَاهُ وَبَعْضُ الْقَوْلِ تَهْذِيبُ
عَدْلٌ وَوَصْفٌ وَتَأْنِيثٌ وَمَعْرِفَةٌ ... وَعُجْمَةٌ ثُمَّ جَمْعٌ ثُمَّ تَرْكِيبُ
وَالنُّونُ زَائِدَةً مِنْ قَبْلِهَا أَلِفٌ ... وَوَزْنُ فِعْلٍ وَهَذَا الْقَوْلُ تَقْرِيبُ٥
[١٢٧/ ب]
فالعدلُ فرعٌ على المعدول عنه، وهو تغيير اللّفظ مع بقاء ما كان
стр. 676
عليه من المعنى؛ وهو على ضربين:
عدلٌ ملتزم بالصّفة، نحو: (مَثْنَى) و (ثُلاَث) و (رُبَاع) ؛ ويقال في هذا المعدول عن العدد: مَثْلَثْ، ومَرْبَعْ.
وأجاز الكوفيّون، والزّجّاج١ قياسا على ما سُمِعَ: (خُمَاسَ) و (مَخْمَس) و (سُدَاسَ) و (مَسْدَس) ، وكذلك إلى (عُشَار) ٢؛ ولم يَرِد ما سمع من ذلك إلاّ نكرة، كقوله تعالى: ﴿أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ﴾ ٣.
стр. 677
وكقول الشّاعر:
وَلَكِنَّمَا أَهْلِي بِوَادٍ أَنَيْسُهُ ... ذِئَابٌ تَبَغَّى النَّاسَ مَثْنَى وَمَوْحَدُ١
ومن العدل المقابل مثل (أُخَر) في مقابلة (آخَرين) ، وهو جمع (أُخْرى) مؤنّث (آخِر) لا جمع (أُخْرَى) بمعنى (آخِرة) ٢؛ لأنّ هذه غير معدولة.
стр. 678
الضَّرْبُ الثَّانِي: عارٍ من الصِّفة، ومنه علَمٌ للمذكّر؛ نحو: (عُمَر) و (زُفَر) عدلا عن عَامِر، وزَافِر.
ومنه: (جُمَعَ) ١ لأنّه مغيّر عن صيغته٢ الأصليّة وهي (جمعاوات) ؛ لأنّ (جَمْعَاء) مؤنّث (أَجْمع) ٣؛ تقول: (مررتُ بالهندات كلّهنّ جُمَعْ) فلا٤ يُصرف للتّأنيث [١٢٨/ أ]
والعدل.
стр. 679
والوصفُ فرعٌ - على الموصوف والجُمود -؛ لأنّه مشتقٌّ، والمؤنّث فرعٌ على المذكّر؛ والتّنكير أصل، والتّعريف فرع عليه؛ والعُجمة فرعٌ على العربيّة؛ لاحتياجها إلى التّبيين بها، وبُعْدَ الاشتقاق من العربيّة أو عدمه؛ والجمع فرع على ما جُمع منه الإفراد؛ والتّركيبُ فرعٌ على ما رُكِّب١ منه؛ وما زيد في آخره ألِفٌ ونون فرعٌ على ما عُرّي من الزّيادة؛ ووزن الفعل كذلك.
وجميع ما لا ينصرف أحد عشر ضرْبا؛ خمسةٌ منها لا تنوّن٢ معرفة ولا نكِرة:
أوّلها: وزن الفعل إذا كان صفة عاريا من لُحوق تاء التّأنيث به - وإن صغّر ك (أحيمر) لم تلحقه أيضا -، نحو: (أحمر) و (أبيض) و (أشهل) و (أحسن) ؛ احترازًا بتاء التّأنيث من (أَرْمَل) وهو الفَقير٣، فضعف٤ الشّبه، كقولهم: (امرأةأرملة) .
و (أَرْبَعٌ) فهو أحقّ بالصّرف من (أرمل) ؛ لاعتراض الوصفيّة٥.
стр. 680
ولم يصرف (أَدْهَم) ١- للقيد - نظرًا إلى كونه صفةً في الأصل.
و (أَجْدَلٌ) للصّقر، و (أَخْيَلٌ) لطّائرٍ٢ ذي خِيلان٣، و (أَفْعًى) لضربٍ من الحيّات.
فأكثرُ العربِ٤ يصرفونه للتّجرّد عن الوصفيّة٥؛ ومنهم٦ مَن لا يصرفه لملاحظة معنى الوصفيّة، وهو في (أفعى) [١٢٨/ب]
أبعد منه٧ في (أجدل) و (أخيل) ؛ لأنّهما مأخوذان من (الجَدْلِ) وهو الشِّدّة٨، ومن (المخيول)
стр. 681
وهو الكثيرُ١ الخيلان.
و [أَمّا] ٢ أفعى فلا مادّة [له] ٣ في الاشتقاق، بل بذكره٤.
وممّا جاء فيه (أجدل) و (أخيل) غير مصروفين قولُ الشّاعر:
كَأَنَّ العُقَيْلِيِّينَ يَوْمَ لَقِيتُهُمْ ... فِرَاخُ القَطَا لاَقَيْنَ أَجْدَلَ بَازِيا٥
وقول الآخَر:
ذَرِينِي وَعِلْمِي بِالأُمُورِ وَشِيمَتِي ... فَمَا طَائِرِي يَوْما عَلَيْكَ٦ بِأَخْيَلاَ٧
стр. 682
أَوْ جَاءَ فِي الْوَزْنِ مِثَالَ سَكْرَى١ ... أَوْ وَزْنَ دُنْيَا٢ أَوْ مِثَالَ ذِكْرَى
هذا ممّا فيه ألف التّأنيث مقصورة فهي تمنع صرف ما هي فيه؛ نكرةً كان، أو معرفة، أو اسما، أو صِفة، أو مفرَدًا، أو جمْعا، ك (ذكرى) ٣ و (سكرى) ٤ و (رضوى) و (مرضى) .
وإنّما كانت وحدها سببا مانعا من الصّرف؛ لأنّهازيادة لازمة لبناء ما هي فيه٥.
ففي٦ المؤنّث بها فرعيّة في اللّفظ؛ وهي لُزوم الزّيادة حتى كأنّها من أُصول الاسم، فإنّه٧ لا يصحّ انفكاكها عنه.
стр. 683
وفرعيّة في المعنى [١٢٩/ أ]
وهي الدّلالة على التّأنيث؛ ولا خِلافَ أنّه فرعٌ على التّذكير؛ لاندراج كلّ مؤنّث تحت مذكّر١، من غير عكس.
أَوْ وَزْنَ فَعْلاَنَ الَّذِي مُؤَنَّثُهْ ... فَعْلَى كَسَكْرَانَ فَخُذْ مَا أَنْفُثُهْ٢
هذا الاسم يمنع صرفَه الألفُ والنّون المزيدتان في (فَعْلاَن) صفةً لا تلحقه تاء التّأنيث، ك (سَكْرَان) و (غَضْبَان) و (عَطْشَان) ، ومؤنّثه على (فَعْلَى) ك (سَكْرَى) .
فمنع الصّرف لتحقق٣ العلّتين الفرعيّتين به، أعني: فرعيّة المعنى؛ لأنّ فيه الوصفيّة، وهي فرعٌ على الجُمود؛ لأنّ الصّفة تحتاجُ إلى موصوف يُنسب٤ معناها إليه، والجامِدُ لا يحتاج إلى ذلك٥.
وأمّا فرعيّة اللّفظ فإنّ فيه الزّيادتين المضارعتين لألفي التّأنيث، من نحو: (حَمْرَاء) في أنّهما في بناء يخصّ٦ المذكّر.
كما أنّ ألفيْ (حَمْرَاء) في بناء يخصّ٧ المؤنّث، وأنّهما لا يلحقهما التّاء؛ فلا يُقال: (سَكْرَانة) ولا (حَمْرَاءَة) .
стр. 684
أَوْ وَزْنَ فَعْلاَءَ وَأَفْعِلاَءَ ... كَمِثْلِ حَسْنَاءَ١ وَأَنْبِيَاءَ
حكم الألِف الممدودة في امتناع [صرف] ٢ ما يتّصل بها٣ كحكم الألِف المقصورة [١٢٩/ ب] في كونه مفرَدًا، أو جمعا، أو مذكّرًا، أو مؤنّثا، أو نكِرة، أو معرفة، أو صِفة، أو اسما، ك (بَيْداء) و (أشياء) و (زكريّاء) و (حمراء) .
ف (فَعْلاَءَ) نحو٤: (طَرْفَاء) ٥ و (كَرْمَاء) ، و (أفعلاء) ك (أنبياء) و (أصدقاء) ؛ فهذه الألِف - كما تقدّم - زيادة لازِمة لبناء ما هي [مزيدة] ٦ عليه باعتبار التّأنيث.
أَوْ وَزْنَ٧ مَثْنَى وَثُلاَثَ فِي الْعَدَدْ ... إِذْ مَا رَأَى صَرْفَهُمَا قَطُّ أَحَدْ٨
هذا قد تقدّم الكلامُ في الإشارة إليه بالعدد والمعدول؛ فقولهم: (جاء القومُ أُحَادَ) ، (جاءوا واحدًا واحدًا) ؛ وكذا (مَثْنَى) ٩، (اثنين اثنين) ؛
стр. 685
وكذا١ (ثُلاَث) و (رُباع) ؛ وهذا غير مصروف٢ لِمَا فيه من العدل والصّفة.
وَكُلُّ جَمْعٍ بَعْدَ ثَانِيهِ أَلِفْ ... وَهْوُ٣ خُمَاسِيٌّ فَلَيْسَ يَنْصَرِفْ٤
وَهَكَذَا إِنْ زَادَ فِي المِثَالِ ... نَحْوُ: دَنَانِيرَ بِلاَ إِشْكَالِ
هذا الجمعُ أيضا ممّا لا ينصرف إلاّ إذا كان معرفة بدخول الألِف واللاّم عليه أو أُضيف؛ وهو كلّ جمع على وزن٥ (مفاعل) أو (مفاعيل) ممّا بعد ألِفه حرفان، ك (مساجد) و (دراهم) و (كواعب) ٦ و (دوابّ) وأصله: دوابب٧؛ أو ثلاثة٨ [١٣٠/ أ] غير منويّ به، وبما بعده الانفصال، ك (مصابيح) و (دنانير) فإنّ الجمع المذكور٩ متى كان بهذه الصّفة كان فيه فرعيّة اللّفظ بخروجه عن صيغ الآحاد العربيّة، وفرعيّة
١ في ب: كذلك.
стр. 686
المعنى بالدّلالة على الجمعيّة؛ فاستحقّ بذلك منع١ الصّرف.
والإشارة بخروجه عن الآحاد العربيّة؛ لأنّك لا تجد مفرَدًا ثالثه ألِف بعدها حرفان، أو ثلاثة إلاّ وأوّلها مضموم، ك (عُذَافِر) ٢ أو الألِف عوض عن إحدى يائي النّسب، ك (يمانٍ) ٣ و (شآمٍ) ٤، أو ما يلي الألِف ساكن، ك (عَبَالّ) ٥، أو مفتوح، ك (بَرَاكَاءٍ) ٦، أو مضموم، ك (تَدَارُكٍ) ، أو عارض الكسر لأجل اعتلال آخره، ك (توانٍ) ٧ و (تدانٍ) ٨، أو ثاني الثّلاثة متحرّك، ك (طواعيَة)
стр. 687
و (كراهية) ؛ ومن ثَمَّ صُرِفَ١ نحو: (ملائكة) و (صياقلة) ٢.
ول (سراويل) بهذا الجمع شبه؛ ومنهم٣ مَن زعم أنّ (سراويل) اسم مفرَد أعجميّ [جاء] ٤ على مثال (مفاعيل) ؛ فشبّهوه به ومنعوه من الصّرف.
ومنهم٥ مَن زعم أنّ فيه وجهين: الصَّرف، ومنعه.
ومنهم٦ مَن زعم [أنّ سراويل] ٧ جمع (سِرْوالة) سمّي به المفرد، وأنشد:
عَلَيْهِ مِنَ اللُّؤْمِ سِرْوَالَةٌ٨ ... ..............................
стр. 688
وقيل: هذا مصنوع على العرب لا حُجّة فيه١.
وكلّ ما سمّى به من (مفاعل) ٢ / أو (مفاعيل) ٣ فحقّه منعُ الصّرف. [١٣٠/ ب]
فإنْ كان في آخر هذا الجمع ياء قبلها كسرة، نحو (جواري) و (ليالي) جَرَى مجرى الاسم المنقوص الّذي تحذف ياؤُه في الرّفع والجرّ وينوّن٤؛ فتقول: (هؤلاء جوارٍ) و (مررتُ بجوارٍ) ، وتثبت في حال النّصب وتفتح، فتقول: (رأيتُ جواريَ) .
فَهَذِهِ الأَنْوَاعُ لَيْسَتْ تَنْصَرِفْ ... فِي مَوْضِعٍ يَعْرِفُ هَذَا المُعْتَرِفْ
أي: إنّ هذه الأنواع المتقدّم٥ ذكرها لا تنصرف٦ إلاَّ إذأ أُضيفت، أو دخل عليها الألِف واللاّم.
стр. 689
وَكُلُّ مَا تَأْنِيثُهُ بِلاَ أَلِفْ ... فَهْوَ إِذَا عُرِّفَ غَيْرُ مُنْصَرِفْ
تَقُولُ: هَذَا طَلْحَةُ الْجَوَادُ ... وَ١ هَلْ أَتَتْ زَيْنَبُ أَو٢ سُعَادُ
وَإِنْ يَكُنْ مُخَفَّفا كَدَعْدِ ... فَاصْرِفْهُ إِنْ شِئْتَ كَصَرْفِ سَعْدِ
فصل:
قَدْ أَشَارَ هَهُنا إلى ما ينصرف في حال التّنكير؛ فمن ذلك [١٣١/أ] ما يمنع الصّرف لاجتماع العلميّة والتّأنيث بالتّاء لفظا أو تقديرًا؛ فاللّفظيّ نحو: (حمزة) و (طلحة) ؛ ولم يُصرف٣ لوُجود العلَميّة في معناه، ولُزوم علامة التّأنيث في لفظه؛ ف (التّاء) فيه بمنزلة الألِف في (حبلى) و (صحراء) ، بخلاف (التّاء) في الصّفة.
وأمّا التّقدير ف (سُعاد) و (زينب) ٤، أو في الأصل ك (عَنَاق) اسم رجل، أقاموا [تقدير] ٥ العلامة مقام ظُهورها.
والعلَم المؤنّث [المعنى] ٦ على ضربين:
ما يتحتّم فيه منع٧ الصّرف؛ وهو ما كان زائدًا على ثلاثة أحرُف،
стр. 690
ك (سُعاد) ، نزّل١ الحرف الرّابع منه منزلة هاء التّأنيث، أو كان ثلاثيا متحرّك الأوسط، ك (سَقَر) ٢؛ لأنّ حركة الوسط قامت مقام الحرف الرّابع، أو مسكّن الوسط وهو أعجميّ٣؛ ك (مَاه) و (جُور) ٤ في اسمي بلدتين٥.
الضّرب الثّاني: يجوز فيه الصّرف وتركُه؛ وهو الثُّلاثيّ السّاكن الأوسط غير الأعجميّ٦، [ولا مذكّر الأصل] ٧، ك (هند) و (دَعْد) ، والأعجميّ الثّلاثيّ العلَم، ك (نُوح) و (لُوط) ٨؛ فمن صرفه نظر إلى خفّة اللّفظ وأنّها قد قاومت أحد السّببين، [ومن لم يصرفه - وهو المختار٩- نظر إلى وُجود
وَأَجْرِ مَا جَاءَ بِوَزْنِ الْفِعْلِ ... مُجْرَاهُ فِي الحُكْمِ بِغَيْرِ فَصْلِ
فَقَوْلُهُمْ: أَحْمَدُ مِثْلُ أَذْهَبُ ... وَقَولُهُمْ: تَغْلِبُ مِثْلُ تَضْرِبُ
وممّا يمنع الصّرف اجتماع العلَميّة ووزن الفعل الخاصّ به، أو الغالب فيه؛ بشرط كونه لازِما [غير] ١ مغيّر إلى مثالٍ هو للاسم٢، وذلك نحو٣: (أحمد) و (يزيد) و (يَشْكُر) و (يَعْلَى) .
والمُرادُ بالوزن الخاصّ بالفعل: [ما] ٤ لا يوجَد دون نُدورٍ في غير فعلٍ، أو علَم، أو أعجميّ؛ فالنّادر نحو: (دُئِل) ٥ لدويبة٦، و (يَنْجَلِبُ) لخرزة٧، و (تُبَشِّر) ٨ لطائر.
стр. 693
والعَلم نحو: (خَضَّم) ١ لرجل، و (شَمَّر) ٢ لفرس.
والأعجميّ ك (بَقَّم) ٣ و (اسْتَبْرَق) ٤.
فلا يمنع وجدان هذه الأمثلة اختصاص أوزانها بالفعل؛ لأنّ النّادر والأعجميّ لا حكم لهما؛ ولأنّ العَلَم منقولٌ من فِعل؛ فالاختصاصُ فيه باق.
والمُراد بالوزن الغالب: ما كان الفعل به أولى؛ إمّا٥لكثرته ك (إِثْمِد) ٦ و (إِصْبَع) ٧ و (أُبْلُم) ٨ فإنّ أوزانها تقلُّ في الاسم وتكثُر
стр. 694
في الأمر من الثُّلاثيّ١.
وإمّا لأنّ أوَّله٢ زيادة تدلّ على معنىً في الفعل، و٣ لا تدلّ على معنىً في الاسم، ك (أَفْكَل) ٤ و (أَكْلُب) فإنّ نظائرهما٥ تكثُر في الأسماء والأفعال، لكن الهمزة في (أَفْعَل) و (أَفْعُل) تدلّ على معنىً في الفعل٦، و٧ لا تدلّ على معنىً في الاسم، وما هي فيه دالّة على معنىً، أصلٌ لِمَا لم تدلّ فيه على [معنى] ٨. [١٣٢/أ]
стр. 695
واشتُرط في وزن الفعل كونُه لازما؛ لأنّ نحو: (امرئ) لو سُمّي به انصرف؛ لأنّ عينه تتبع١ حركة لامه؛ فهو وإن لم يخرج٢ بذلك عن وزن الفعل مخالِف له في الاستعمال، إذِ الفعلُ لا اتباع فيه، فلم يُعتبر في (امرئ) ٣ الموازنة، ولم يجز فيه إلاّ الصّرف.
واشتُرط - أيضا -: كونُ الوزن غير مغيّر إلى مثال هو للاسم٤؛ لأنّ نحو: (رُدّ) و (قِيل) لو سّمي بهما انصرفا؛ لأنّهما - وإنْ كان أصلُهما: (رُدِدَ) و (قُوِل) - قد خرجا بالإعلال [والإدغام] ٥ إلى مشابهة (بُرْد) و (عِلْمٍ) فلم يُعتبر فيهما الوزن الأصليّ.
وَإِنْ عَدَلْتَ فَاعِلاً إِلَى فُعَلْ ... لَمْ يَنْصَرِفْ مُعَرَّفا٦ مِثْلُ: زُحَلْ
يمنع من الصّرف اجتماعُ التّعريف والعدل؛ وهذا اسم عُدِل به٧ عن صيغة (فَاعِل) إلى (فُعَل) ، نحو: (مُضَر) المعدول به عن (مَاضِر) وهو مازِجُ٨ اللّبن بالماء٩، و (جُشَم) ١٠ المعدول به عن (جَاشِم)
стр. 696
وهو الّذي يفعل الشّيء على استثقال، و (دُلَفَ) المعدول [١٣٢/ب] به عن (دَالِف) وهو المتأخّر الخَطْو١، و (زُحَلْ) ٢ [و] ٣ هو النّجم المعروف بالطّارِق، عُدِل به عن (زَاحِل) ؛ لأنّه أبعدُ الكواكب السّيّارة؛ و (عُمَر) المعدول به عن (عامِر) .
فهذه الأسماء لا تنصرف معرفة، وتنصرف نكِرة؛ كقولهم: (ما كلّ عُمَرٍ أبا حفصٍ) .
ولا يحسُن أن تقول٤ في: (مضر) ٥ و (زحل) و (دلف) : المضر، والزّحل، والدّلف٦.
ويجوز في (فُعَل) الّذي من غير هذا الباب، وذلك من أحد ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون اسم جنسٍ، نحو: (صُرَد) ٧ و (رُطَب)
стр. 697
و (جُعَل) ١؛ أو صفة نحو: (حُطَم) ٢ و (لُبَد) ٣؛ أو جمعا نحو: (زُبَر) و (عُمَر) جمع: زُبْرَة٤، وعُمْرَة٥؛ فهذه الأنواع تنصرِفُ بكلّ حالٍ.
وأمّا (جُمَع) في قولك: (مررت بالهندات جُمَع) فلا ينصرفُ للتّعريف والعدل، وصار (جُمَع) كالعلَم في كونه معرفة بغير قرينة لفظيّة؛ فأثّر تعريفُه في منع الصّرف كما تؤثِّر٦ في العلميّة.
وَالأَعْجَمِيُّ مِثْلُ٧: مِيكَائِيلاَ ... كَذَاكَ فِي الحُكْمِ وَإِسْمَاعِيلاَ
وممّا لا ينصرف: ما فيه فرعيّة المعنى بالعلَميّة، وفرعيّة اللّفظ بالعجميّة؛ [١٣٣/أ] وذلك أن يكون أعجميّ العلَميّة، كـ (إبراهيم) و (إسماعيل)
стр. 698
فإنْ كان عربيّ العلَميّة، كـ (لجام) ١- اسم رجل - انصرف؛ لأنّه قد نقل عمّا وضعته٢ العجم له فألحق بالأمثلة العربيّة٣.
وأن يكون زائدًا على ثلاثة أحرُف؛ فإنْ كان ثُلاثيا ضعف فيه فرعيّة اللّفظ [بـ] ٤ مجيئه على أصل ما تبنى عليه الآحاد العربيّة٥ وصُرِفَ، نحو: (نوح) و (لوط) ؛ ولا فرق في ذلك بين ساكن الوسط ومتحركة٦.
стр. 699
ومنهم١ مَن زعم أنّ [الثُّلاثيّ] ٢ السّاكن٣ الوسط ذو وجهين، والمتحرّك٤ الوسط ممتنعُ الصّرف دائما٥.
وَهَكَذَا الاِسْمَانِ حِينَ رُكِّبَا ... كَقَوْلِهِمْ: رَأَيْتُ مَعْدِي كَرِبا
وممّا لا ينصرف معرفة وينصرف نكرة: العلَم المركّب تركيب المزج، نحو: (بعلبك) و (حضرموت) و (معدي كرِب) ؛ لأنّه لا ينصرف لاجتماع فرعيّة المعنى بالعلَميّة، وفرعيّة اللّفظ بالتّركيب.
والمُراد بتركيب المزْج: أن يجعل٦ الاسمين اسما واحدًا، لا بالإضافة ولا بالإسناد، بل يتنزّل عجزه من الصّدر بمنزلة تاء التّأنيث.
стр. 700
ولذلك١ التزم فيه فتح آخر الصّدر، إلاّ إذا كان معتلاًّ [فإنّه] ٢ يسكّن، نحو: (معدي كرِب) [١٣٣/ب] ؛ لأنّ ثقل٣ التّركيب أشدّ من ثقل٤ التّأنيث؛ فناسَب أن يختصّ بمزيد التّخفيف؛ فسكّنوا منه ما كان معتلاًّ.
وقد يُضاف صدر المركّب٥ إلى عجزه فيعربان: يعرب٦ صدُره بما يقتضيه العامل، ويعرب عجزه بالجرّ للإضافة٧.
فإنْ كان فيه مع التّركيب عُجمة، ك (رَامَ هُرْمُز) ٨ امتنع من الصّرف، وإلاّ كان مصروفا، كقولك: (هذه حضرُموتٍ) ٩ و (رأيت حضرَموتٍ) و (نزلتُ بحضرِموتٍ) ؛ ومن العرب١٠ مَن يقول: (هذا١١ معدِ يكربَ) و (رأيت معد يكرب) و (مررتُ بمعد يكرب) يمنعه١٢
стр. 701
من الصّرف١؛ لأنّه عنده مؤنّث٢.
وَمِنْهُ مَا سُمِّي٣ عَلَى فَعْلاَنا ... عَلَى اخْتِلاَفِ فَائِهِ أَحْيَانا
تَقُولُ: مَرْوَانُ أَتَى كِرْمَانا ... وَرَحْمَةُ اللهِ عَلَى عُثْمَانا
اعلم أنّ كلّ علَم في آخِره ألِف ونون مزيدتان على أيّ وزن كان، فإنّه لا ينصرف للتّعريف والزّيادتين المضارعتين لألفيْ التّأنيث، وذلك نحو: (مروان) و (غطفان) و (إصفهان) .
فإن نُكِّر انصرف؛ فإن دلّ دليل على أنّ [النّون] ٤من/ أصل الكلمة كان الاسم منصرفا، ك (حَسَّان) من الحُسْنِ، و (سَمَّان) من السّمْنِ، و (تَبّان) ٥ من التِّبْن٦، و (علاّن) من العَلَن٧، و (شيطان) [١٣٤/أ]
стр. 702
من الشَّطْنِ١- أي: بَعُدَ - فوزنها على (فَعَّال) .
وإنْ٢ كان (حَسَّان) من الحِسِّ، و (سَمّان) من السَّمِّ، و (تَبّان) من التَّبّ - وهو الخُسران -، و (عَلاَّن) من العَلِّ٣- إذا شرِب ثانيا -، و (شيطان) من شَاطَ إذا التهب؛ فالنّون زائدة، ووزنُه (فَعْلاَن) فلا ينصرف٤.
فَهَذِهِ إِنْ عُرِّفَتْ لاَ تَنْصَرِفْ ... وَمَا أَتَى مُنَكَّرًا مِنْهَا صُرِفْ
يعني: أنّ كلّ ما كان مَنعٌ صرفِه موقوفا٥ على التّعريف إذا نُكِّر انصرف لذهاب جزء السّبب؛ وذلك فيما المانع من صرفه٦ التّعريف مع التّأنيث بالهاء لفظا أو تقديرًا، أو العُجمة، أو العدل في (فُعَل) ، أو وزن الفعل في غير باب (أَحْمَر) أو التّركيب، أو زيادة الألِف والنّون؛ تقول: رُبَّ طَلْحَةٍ وسُعادٍ وإبراهيمٍ وعمرٍ ويزيدٍ٧ ومعدي كرِبٍ وعمرانٍ لقيتُهم؛ فتُصرف لذهاب الموجِب لمنع الصّرف.
стр. 703
وما سوى ما ذُكِرَ١ ممّا لا ينصرف وهو معرفة؛ نحو: ما فيه العلميّة / مع وزن الفعل في باب (أَحْمر) ، أو مع٢ صيغة منتهى الجُموع، أو مع العدل في أسماء العدد. [١٣٤/ب]
و (أُخَر) فإنّه إذا نُكّر بقي على منع الصّرف؛ لأنّه كان قبل التّعريف ممنوعا منه، فإذا طرأ عليه أشبه الحال التّي كان عليها قبل التّعريف؛ فلو سمّيت رجلاً بـ (أَحْمَرَ) لم تصرفه للعلَميّة ووزن الفعل، فلو نكّرته٣لم تصرفه أيضا لأصالة الوصفيّة ووزن الفعل.
وَإِنْ عَرَاهَا أَلِفٌ وَلاَمُ ... فَمَا عَلَى صَارِفِهَا مَلاَمُ
وَهَكَذَا تَصْرِفُ فِي٤ الإِضَافَهْ ... نَحْوُ: سَخَا بِأَطْيَبِ الضِّيَافَهْ
قد تقدّم أنّ منع الصّرف لشبه الفعل؛ فإنْ دخل الاسمَ الّذي
стр. 704
لا ينصرف الألِفُ واللاّمُ أو أُضيف، كـ (الأحمر) و (الحمراء) و (مساجد المدينة) و (عمركم) و (عثماننا) انصرف؛ لخُروجه بالإضافة والتّعريف عن شبه الفعل.
وَلَيْسَ مَصْرُوفا مِنَ الْبِقَاعِ ... إِلاَّ نَوَاحٍ١ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ: حُنَيْنٍ ومِنًى وَبَدْرِ ... وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحَجْرِ
/الغالبُ على أسماء البِقاع التّأنيث؛ فلا تنصرف٢ في المعرفة؛ إلاّ أنّه قد جاء في كلام العرب تذكير٣ ثلاثة فصرفوها؛ وهي: (وَاسِطٌ) و (بَدْرٌ) و (فَلْجٌ) ٤. [١٣٥/أ]
وجاء عنهم التّذكير والتّأنيث في خمسة؛ وهي: (منى) و (دَابِق) ٥ و (هَجَر) و (حنين) و (حَجْر) - وهو قصبة اليمامة -؛ فيجوز صرفها وترك صرفها، وما عدا هذه المواضع الثّمانيّة٦ فالغالبُ تركُ صرفه.
وَجَائِزٌ فِي صَنْعَةِ الشِّعْرِ الصَّلِفْ ... أَنْ يَصْرِفَ الشَّاعِرُ مَا لاَ يَنْصَرِفْ
стр. 705
فصل:
واعلم أنّ صرف الاسم المستحقّ١ لمنع الصّرف جائز؛ لاضطّرار الشّاعر لإقامة الوزن بلا خلاف.
فمن٢ذلك قولُ الشّاعر في وزن (مَفَاعِيل) :
كَأَنَّ دَنَانِيرًا عَلَى قَسَمَاتِهِمْ ... وَإِنْ كَانَ قَدْ شَفَّ الوُجُوهَ لِقَاءُ٣
فالوزن هو محلّ ضرورة.
فلنذكر ما٤ جُوِّز للشّاعر ممّا ورد من كلام العرب للضّرورة؛ فمن ذلك قطعُ ألِفُ الوصل
[في] ٥ قولُ حسّان: