وعشرة) ، وربّما ألبس قولُ القائل: (اشتريت هذا الثّوب بواحدٍ وعشرة) أنّه ابْتَاعَهُ بواحدٍ في زمان وبعشرة١ في زمان آخر؛ فلذلك٢صار مركّبًا بعد أنْ كان معطوفًا.
ولَمّا كان مركّبًا تضمّن معنى حرف٣ العطف، وبني على حركة لأصالته في التّمكّن، [واختصّ بالفتحة طلَبًا للخفّة] ٤.
ومخالفة٥ أُخرى وهي: أنّ (العشرة) بغير تاء مع المذكّر وبتاء مع المؤنّث خلافًا للعشرة في حال إضافتها؛ لأنّ الشّيء يكون له حكم في التّركيب يخالِف حكمه قبله؛ ألا ترى أنّ (لو) حرف معناه٦ امتناع الشّيء لامتناع غيره؛ فإذا ركّبتَ٧ معه (لا) صار معناه: امتناع الشّيء لوُجود غيره.
وكذلك (أحد عشر) لَمّا ركّبت٨ تغيّرت كلمتاه؛ فـ (أحد) تغيّرت عن واحد، و (عشر) ٩ تغيّرت عن عشرة؛ وكذلك١٠ المؤنّث.
стр. 737
والهمزة في (أَحَد) منقلبَة عن (واو) ١، وكذلك في (أحد وعشرين) ، وكذلك هي في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ٢ لأنّ المعنى في هذا كلّه معنىً واحد. [١٤٠/ب]
وأتى به النّابِغة على الأصل٣ فقال:
...................................... ... ......... عَلَى مُسْتَأْنِسٍ وَحَدِ٤
ويُجمع على (أفعال) فيقالُ: (آحاد) .
فإذا استُعملَت في النّفي من قولك: (ما بالدّار من أحد) فهمْزَتُهَا أصليّة غير مبدلة، ولا تُجمع٥، ولا يجوز استعمالها في العدد، ولا في الواجب.
стр. 738
وقولُه: (كلّ أحدٍ في الدّار) هي الّتي تُستعمَل١ في العدد دون٢ النّفي؛ [وأمّا قولُ الشّاعر:] ٣
حَتَّى ظَهَرْتَ فَمَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ ... إِلاَّ عَلَى أَحَدٍ لاَ يَعْرِفُ القَمَرَا٤
فالأوّل: همزته أصليّة.
والثّاني: همزته مبدلة، كأنّه قال: إلاّ على واحد.
والهمزة في (إِحْدى) منقلبة عن واو مكسورة، [و] ٥ وزنُها (فِعْلَى) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ ٦.
وأمّا (اثنا٧ عشر) فمعرب؛ لأنّ فيه حرف الإعراب، و (عشر) فيه
стр. 739
واقعة موقع النّون من (اثنين) ، ولم يقل أحدٌ أنّه مبنيّ إلاّ ابن دَرَسْتَوَيْه١ فإنّه كان يجعَله هو وأخواته مبنيًّا إلى تسعة عشر٢.
وتقول في المؤنّث: (اثنتا عشرة جارية) فتجمع٣ بين علامتي تأنيثٍ بلفظٍ واحد؛ لأنّ إحدى الكلمتين مبنيّة، والأخرى معربة فتباينا.
ومن (ثلاثة عشر) إلى (تسعة عشر) فالاسم جارٍ على قياسِ٤ ما دون [١٤١/أ] العشرة من ثبات التّاء مع المذكّر، وحذفها مع المؤنّث؛ وليس كذلك الاسم الثّاني لحدوث التّركيب؛ فتقول: (جاءني ثلاثة عشر رجلاً، وثلاث عشرة امرأة) فـ (الرّجل) منصوبٌ على التّمييز، والأصلُ فيه: أحد عشر من الرّجال.
وكذلك: (أحد وعشرون درهمًا) ؛ لأنّ ما قبله قد ثبت أنّه يفسّر بالجمع لا بالواحد، فكان هذا مثله.
стр. 740
ووُجوب نصبه لكون١ التّنوين متضمّنًا لعدد؛ والعامِل في نصبه ما تضمَّنَهُ معنى العدد من الإبهام المقتضي له، ووُجوب تنكيره لكونه٢ فضلة كالحال.
وأمّا (العشرون) وما بعده من العُقود فإنّ المذكّر والمؤنّث فيه بلفظٍ واحد؛ وذلك لأنّ٣ عشرين ليس بجمع لعشرة٤؛ ودليلُ ذلك: فتح العين من عَشرة، وكسرها من عِشرين، والاعتماد على التّمييز في الفرق بين المذكّر والمؤنّث، وكسر عين عشرين لخُروجه عن الجمع السّالم؛ أو لأنّ العين في مقابَلة الهمزة من اثنين ثاني الواحد؛ فكُسرت العين لذلك، واستمرّ الحكم إلى التّسعين.
وإذا عرّفتَ هذا النّوع أدخلت الألِف واللاّم عليهما؛ فتقول: (رأيت الثّلاثة والعشرين رجلاً، والتّسع٥ والتّسعين امرأة) ٦.
стр. 741
وأمّا (مائة) فاسم مؤنّث يُستعمَل بلفظ واحد للمذكّر والمؤنّث كما استعملت العشرون؛ لأنّ (المائة) أخذَت شبَهًا من الآحاد من حيث كانت عشرة عشرات، كما أنّ العشرة عشرة آحاد. [١٤١/ب]
وشبَهًا من العُقود من١ حيث٢ كانت اسمًا لهذا الجمع يشمَل المذكّر والمؤنّث؛ فلذلك خالفتْ الآحاد والعُقود.
فكلّ عددٍ مضافٍ إلى نفس المائة، والمائة مؤنّثة؛ فتقول٣: (عندي ثلاثمائة ثوب، وخمسمائة ناقة) .
وإن أردتّ تعريف هذا النّوع أدخلت الألِف واللاّم على المضاف إليه؛ فتقول: (ما فَعَلَتْ مائةُ الدّراهِم) .
وعكس حكمها (الألف) مذكّرة؛ [و] ٤ لذلك كان كلّ عدد يُضاف٥ إليه بإثبات الهاء؛ فتقول٦: (عندي ثلاثة آلاف امرأة، وثلاثة آلاف٧ رجل) ، وكذلك الحكم إلى تسعمائة، وفي الألْف إلى عشرة الآف،
стр. 742
وهذا نهاية الأعداد، وما بعده يتكرّر١على الأُصول المتقدِّمة بالغاً ما بلغت، إلاَّ أنّ (الألف) يكون مضافًا إلى ما بيّنته من أنواعه؛ فتقول: (عندي أحد عشر ألف رجل) فـ (ألْف) منصوبٌ على التّمييز، وهو مضافٌ للتّبيين٢، وكذلك: (عشرون ألف رجل) و (ألف ألف رجل) .
ومن تعريف العدد: أنّه كلّ إضافة قَصُرَتْ أو طالتْ فإنّك تعرِّف الاسم الآخر فَيَسْرِي تعريفُه إلى الاسم الأوّل؛ تقول: (ما فَعَلَت [مائة] ٣ ألف٤ الدّرهم٥) فعلى هذا فَقِسْ. [١٤٢/أ]
وَقَدْ تَنَاهَى الْقَوْلُ فِي الأَسْمَاءِ ... عَلَى اخْتِصَارٍ وَعَلَى اسْتِيْفَاءِ
يُشير بهذا البيت إلى تناهي كلامه فيما قصده من تعريف ما يلزم المتكلّم من مراعاةِ لفظه وإصلاحِه بما أصّله مشايِخُ هذا العلم من تتبُّع أوضاع ما نطقتْ به العرب واستعمَلَتْهُ في تفريع مفردات الكلِم وجُمل الكلام وأحكام ثَرَاء الكلمات.
وأكتفي بذكر الأسماء؛ لاندراج الأفعال تحتها؛ لامتناع وُجود فعلٍ إلاّ مع اسم ظاهرٍ أو مُضْمَرٍ، أي: إنّه قد شرح ذلك فقال بعده مُشيرًا إلى الفِعْل:
стр. 743
وَحُقَّ أَنْ١ نَشْرَحَ٢......................................
وقال: (على اختصار) بمقتَضَى عدد أبياته٣؛ وذلك لِمَا أَوْدَعَهَا بأبوابها مِنَ المعاني.
و (على استيفائه) لِمَا ذكره، لا لِمَا لمْ يذكره بهذا المختصر من التّصريف، والحِكاية، والوقف، والإِمالة، والإدغام.
فإنْ كان فعل الزّمان الحاضر وهو الحال كان مرفوعًا أبدًا، ولم يدخُل عليه عوامِل النّصب، ولا عوامِل الجزْم١؛ لأنّ عوامِل٢ النّصب تدلّ على استقبال الزّمان، وفي عوامل الجزْم٣ ما ينقل معنى المضارِع إلى الماضي؛ نحو: (لم) و (لَمّا) ، وفيه ما يدلّ على وُقوعِه في المستقبَل،
стр. 747
فنافت١ معانيها معنى الموضوع للزّمان [١٤٣/ب] الحاضر٢.
وجُملة الحروف الّتي تَنصب تسعة٣؛ وهي الّتي تقدّم ذكرها.
فمنها: [ما] ٤ ينصب بنفسه؛ وهي: (أنْ) و (لَنْ) و (كَيْ) و (إِذَنْ) .
ومنها: ما ينصب بإضمار حرف بعده مقدّر؛ وهي: (حتَّى) و (الفاء) و (الواو) و (لام تأكيد النّفي) ٥.
ومنها: ما ينصب بنفسه تارةً، وبإضمار حرفٍ تارة؛ وهي: (لام الإيجاب) .
وأصلُ هذه الحروف: (أَنْ) ؛ لأنّها تنصِب ظاهرة ومقدّرة، ويتّسع فيها ما لا يتّسع في غيرها.
واختصّت بعمل النّصب دون غيره؛ لأنّها أشبهت (أنّ) لفظًا وتقديرًا٦؛ فاللّفظ كونها على بعض حروفها، والمعنى وُقوعها وما عملت فيه موقع المصدر.
стр. 748
والشَّبَهُ بينها وبين أخواتها: أنّ كلّ واحدٍ من أخواتها تنقل الفعل نقلين كما تنقُله؛ فـ (لن) تنقُل الفعل إلى الاستقبال بعد أنْ كان حالاً، وإلى النّفي بعد أنْ كان موجِبًا.
و (إِذن) تنقل الفعل إلى الجواب والجزاء بعد أنْ لم يكن كذلك، وإلى الاستقبال أيضًا.
و (كي) تنقله إلى العلّة مع الاستقبال أيضًا؛ ولذلك١ عملت.
والفعل الواقِع قبل (أَنْ) لا يخلو [من] ٢ أن يكون فعلاً غير متيقّن، كالخوف، والطّمع، والرّجاء، والأمل، والتّمنّي؛ فتكون (أنْ) النّاصبة للفعل، كقولك: (أريد أَنْ تَحْفَظَ) [١٤٤/أ]
و (أَرْجُو أَنْ تَعْلَمَ) و (أَخْشَى أَنْ تَنْدَمَ) و (أَرْجُو ألاَّ تَسْأَمَ) ، ومنه قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ ٣.
وإنْ كان الفعل الّذي قبلها فعلاً ثابتًا متيقّنًا٤، كالعلم، والرّؤية، والإنباء، والوجدان، كانت المخفّفة من الثّقيلة، وكان الفعل المستقبل بعدها مرفوعًا؛ وذلك كقولك: ( [قد] ٥ علمت ألاَّ تخرجُ) ، و (ما علمت أَلاَّ يركبُ زيد) ، و (ستعلم٦ ألاَّ يتحدث بكر) ، وكقوله
стр. 749
تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّنْ فَضْلِ اللهِ﴾ ١ فأثبت النّون، وكقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَى﴾ ٢.
[وإنْ] ٣ كان الفعل الّذي قبلها فيه طرفٌ مّن الشّكّ، وطَرَفٌ من العلم كنتَ مخيّرًا إنْ شئتَ جعلتها النّاصبة [للفعل] ٤، وإنْ شئت جعلتها المخفّفة من الثّقيلة، ورفعت الفعل بعدها، كقولك: (ما أظنّ أَلاَّ يخرج زيد) و (أَحْسِبُ ألاَّ تكون فتنة) ، قال تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلاَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ﴾ ٥، وهي قراءة أبي عمرو٦، وحمزة٧، والكسائيّ، ويعقوب٨
стр. 750
بالرّفع١؛ وقراءة الباقين٢ بالنّصب؛ لأنّ المشدّدة معناها التّأكيد، والمخفّفة منها بمنزلتها في العمل فجُعلت كذلك مع أفعال العلم؛ وليس كذلك النّاصبة؛ لأنّها تنقل الفعل من حالٍ إلى حالٍ، ولا يجوز أن يتقدّم٣ معمولها [١٤٤/ب] عليها.
وأمَّا (لَنْ) فهي عند سيبويه٤ مفرَدة، وعند الخليل٥ مركّبة؛ وأصلُها عنده: (لا أن) ٦ فحذفت الهمزة تخفيفًا والتقى ساكنان؛ وهما: الألِف والنّون؛ فحذفت الألِف لذلك، وبقي (لَنْ) ٧؛ والصّحيح ما ذهب إليه سيبويه.
стр. 751
وهي لفظةنفي وُضِعَت لجواب الفعل المقتَرن١ بأحد حرفي التّنفيس؛ وهما: السّين وسوف، فـ (لن يخرُج زيد) جوابُ مَن قال: سوف يخرُج، أو سيخرُج.
وتختصّ (لن) دون أخواتها بأن يتقدّم٢ عليها مفعول الفعل الّذي نصبته٣، كقولك: ( [زيدًا] ٤ لن أضرب) وأجمعوا على ذلك، وعلى أنّ معناها نفي الفعل المستقبل.
وأمّا (إِذَنْ) فهي مفرَدة عند سيبويه٥، ومركّبة عند الخليل٦ من (إِذْ) و (أَنْ) ٧.
стр. 752
ولها ثلاثة مواضع:
موضع تَعمل فيه لا غير: وذلك إذا كانت مبتدأة١ جوابًا، ولم يعتمد ما بعدها على ما قبلها، ويكون الفعل مستقبلاً؛ مثالُه: أن يقول لك قائلٌ: (أنا أزورُك٢ اليوم) فتقولُ: إذن أكرمَك؛ ووجب عملها بهذه الشّرائط؛ لأنّ كونها أوّلاً يلحقها٣ بالعوامل الّتي مِن شأنها التّقدّم على المعمول.
وكونُ ما بعدها [غير] ٤ معتمد على ما قبلها، يخرجها من أنْ تكون حشوًا، ويكون٥ الفعل بعدها مرفوعًا، وتكون ملغاة. [١٤٥/أ]
وهذا الموضع الثّاني: وذلك أن يكون الفعل حالاً، كقول قائل: (أنا أحدّثك بكذا وكذا) ٦فتقول [له] ٧: إذن أظنّك صادقًا، وكذلك إذا اعتمد ما بعدها على ما قبلها بكونه٨ خبر مبتدأ٩، أو جوابًا لشرط، أو جوابًا لقَسَم لم تعمل، تقول: (أنا إذن أقوم) و (إنْ
يجرون (إذن) مُجْرى (لن) وهو الصّحيح؛ ويقدّرون محذوفًا١، كأنّه قال: إِنِّي أهلك إذن أهلك أو أطيرَا.
والموضع الّذي٢ تعمَل فيه وتلغى: هو٣ إذا تقدّمها (فاء) أو (واو) من حروف العطف، كمن يقول: زيد٤ يقوم، فتقول: فإذن أَخْرُجُ،
стр. 755
[وإذن أَخْرُجَ] ١؛ فمن رفع كان عاطِفًا لها على الجُملة الصّغرى.
ومَن نصب كان عاطفًا على الجُملة الكبرى؛ وبه٢قرأ القُرّاء السّبعة في قوله تعالى: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُونَ خِلاَفَكَ﴾ ٣) . [١٤٥/ب]
وفي بعض المصاحف: ﴿وَإِذًا لاَّ يَلْبَثُوا﴾ ٤ والأكثر الرّفع٥، كقوله تعالى: ﴿َإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ ٦) .و (إِذَنْ) عند سيبويه في عوامِل الأفعال بمنزلة (ظننت) في عوامِل الأسماء؛ ولذلك٧ تقع أوّلاً، ووسطًا، وآخِرًا؛ إلاّ أنّها إذا وقعتْ آخِرًا بَطَل عملها لا غير٨.
стр. 756
وأمّا (كي) ١ فتكونُ في موضعٍ ناصبةً بنفسها، وفي موضعٍ ناصبةً بغيرها.
فإذا دَخَلَتْ عليها لامُ الجرّ، كقوله٢ تعالى: ﴿لِكَيْلاَ تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ ٣ كان النّصب بها بنفسها٤، ولم تكن٥ حرف جرّ؛ لأنّ حَرْفَ٦ الجَرِّ لا يدخُل على مثله غالبًا؛ فإذا قلتَ: (جئتُ لكيْ أُكرمَك) فالتّقديرُ: لأنْ أُكرِمَك٧.
وإظهارُ اللاّم بعدها تنبيهٌ على أنّ النّصب بـ (أنْ) مضمَرة؛ فالموضع الّذي تنصب فيه بإضمار (أن) هو الموضع الّذي تكون فيه كاللاّم، كقولك:
стр. 757
(جئتُ كَيْ أُكلِّمَك) ١؛ فهي هُنا٢ بمنزلة لام الجرّ، كأنّك قلتَ: (جئتُ لأُكلّمَك) ؛ فإنْ جئتَ باللاّم كان النّصب بإضمار (أنْ) لا باللاّم؛ لأنّها حرف جرّ.
فهي حرف وضع لمعنى٣ العلّة٤ والغَرض لوُقوع ذلك الفعل؛ ففيها شبَه من المفعول له.
ويجوز إدخال (ما) و (لا) عليها مع (اللاّم) وبغير اللاّم؛ تقول: زُرْتُك لتُكرِمني، و [كيما] ٥، ولكيما [١٤٦/ أ] تُكرِمَني، وجئتُك كيلاَ تغضَب، ولكيلاَ تغضب؛ فهذه الأربعة أُصولٌ ناصبة بأنفسها.
وأمّا الحروف النّاصبة بغيرها فيجوز فيما بعدها وجهان؛ الرّفع والنّصب على تقديرين مختلِفين ما خلاَ اللاّم في النّفي؛ فإنّ٦ الفعل لا يكون بعدها إلا منصوبًا بالفاء٧
стр. 758
إذا١ وقعت جوابًا لأحد ثمانية أشياء؛ الاستفهام، والأمر، والنّهي، والجحد، والعرض، والتّمنّي، والتّحضيض، والدّعاء.
وإنْ كان أحدُ الفعلين سببًا للآخر كان ذلك الفعل٢ منصوبًا، مثل: (أتقوم فتحدّثنا) بمعنى أيكون قيامُك سببًا لحديثنا٣، وتلخيصه الجمع بين قيام وحديث؛ فالفعل٤ الّذي قبل الفاء بمنزلة الشّرط، والفعل الّذي [دخلت] ٥ عليه الفاء بمنزلة الجزاء؛ إذا قلتَ: (لا تقم فأغضب عليك) فالمعنى: إن تقم أغضب عليك.
فالنّصب بعد الفاء المسبوقة بنفي حقيقيّ، نحو: (ما استغثتَ فتُغاث) ، وبنفي مؤوّل، نحو: (هل تأتينا٦ فتحدّثَنا) ؛ لأنّ المعنى: ما تأتينا، ومنه قولُه تعالى: ﴿لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ ٧.
ولا ينصب١ الفعل بعد الفاء غير مسبوقةً بنفي٢ أو طلب إلا لضرورة الشّعر؛ كقول الشّاعر: [١٤٧/أ]
سَأَتْرُكُ مَنْزِلِي لِبَنِي تَمِيمٍ ... وَأَلْحَقُ بِالْحِجَازِ فَأَسْتَرِيحَا٣
ولا يجوز النّصب بعد شيءٍ من ذلك إِلاَّ بثلاثة شروط:
الأوّل: أن يكون النّفي خالِصًا من معنى الإثبات.
الثّاني: أن [لا] ٤ يكون الطّلب باسم فعل، ولا بلفظ الخبر؛ ولذلك٥ وجب رفع ما بعد الفاء٦ في نحو: (ما أنتَ إِلاَّ تأتينا فتحدّثنا) و (مَا تَزَالُ تَأتينا٧ فتحدّثُنا٨) ، وكقول الشّاعر:
وَمَا قَامَ مِنَّا قَائِمٌ فِي نَدِيِّنَا ... فَيَنْطِقُ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَعْرَفُ٩
стр. 763
و (حسبُك الحديث فينامُ١ النّاس) .
الثّالث: أن يقصد بالفاء الجزاء٢ والسّببيّة، ولا يكون الفعل بعدها مبنيًّا على مبتدأ محذوف.
فإنْ كان كذلك٣ وجب الرّفع، كقولك: (ما تأتينا فتحدّثُنا) بمعنى:
стр. 764
ما تأتينا فما تحدّثُنا، أو ما تأتينا فأنت تحدّثُنا، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ ١ أي: فهم يعتذرون.
وجميع المواضع الّتي ينصب٢ فيها المضارِع بإضمار (أَنْ) بعد الفاء ينتصب٣ فيها بذلك بعد (الواو) ٤ إذا قُصد بها المصاحبة؛ ومنه قولُ الشّاعر: [١٤٧/ب]
فَقُلْتُ ادْعِي وَأَدْعُوَا إِنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتٍ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ٥
стр. 765
وإذا قلتَ: (لا تأكل السّمك وتشربَ اللّبن) كان [المعنى] ١: النّهي عن الجمع بينهما٢، ولم يكن ناهيًا٣عن استعمال أحدهما على انفراده٤؛ ومنه قولُ بعضِ٥ العرب: (لاَ يَسَعُنِي شَيْءٌ وَيَعْجِزَ عَنْكَ) بالنّصب، ولو رفع لاستحال٦ المعنى؛ لأنّه لا يجوز أَنَّ كلّ الأشياء [لا] ٧ تسعه، وكلّ الأشياء لا تعجز٨ عن صاحبه، وهذا مُحال.
стр. 766
وانتصابُ الفعل بعدها بإضمار (أَنْ) ، وعلى هذا أنشدوا:
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ ... عَارٌ عَلَيْكَ إِذَا فَعَلْتَ عَظِيمُ١
أي: لا تجمع بين النّهي عن القبيح وفعله٢؛ ولم يرد نهيُه عن الفعلين، ومن ذلك:
لَلُبْسُ عَبَاءَةٍ وَتَقَرَّ عَيْنِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ٣
فالفعل منصوبٌ بتقدير: (أَنْ) ؛ لأنّه معطوفٌ على اسم، فلو رفعه
стр. 767
لم يحسن؛ لعطفِه فعلاً صريحًا على اسم صريح.
وقولُه تعالى: ﴿يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ١ في قراءة٢ حمزة٣، وحفص٤؛ وقراءة الباقين٥ (ونَكونُ) على معنى: ونحن نكون. [١٤٨/أ]
وأمّا (أو) ٦ فتَنصب الفعل المستقبَل على ضربين:
أحدهما: بمعنى (إِلاَّ أَنْ) ، كقولك: (لأَلْزَمَنَّكَ أوْ تُعطيني حقِّي) ،
стр. 768
ومعناه: تقريرُ وُجود فعلٍ إِنْ لم يعرض له مانع فيرتفع به وُجوده، وهو: ليكن منّي١ لك لُزومٌ إِلاَّ أَنْ يكون منك إعطاء٢.
[ثانيهما] ٣ بمعنى (حتّى) ٤، ومنهُ قولُ الشّاعر:
لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أُدْرِكَ المُنَى ... فَمَا انْقَادَتِ الآمَالُ إِلاَّ لِصَابِرِ٥
وفي قول الذّريح٦ لابنه قيس٧ وقد أمَره بطلاق زوجته فلم يفعل
١ في ب: لك منّي.
وأمّا (حَتَّى) فقد تقدّم الكلامُ في عملها في أبوابِها. [١٤٨/ب]
وهي إذا نصبت١ الفعلَ المستقبَل فعلى أحد معنيَيْن:
стр. 771
معنى (كَيْ) ، أو (إلى أَنْ) ، كقولك: (سِرْتُ حتّى أدخلَ المدينة) ، و (صُمْ حتّى تغرُبَ الشّمس) ، وتقديرُ الكلام: إلى أنْ تغرُبَ الشّمس، و (أَطِعِ الله حتّى يرحمَك) أي: كَي يرحمَك.
وكُلُّ موضعٍ كان الفعل الثاني غاية للأوّل١كانت بمعنى (إلى أنْ) .
وكُلُّ موضعٍ كان الأوّل سببًا للثّاني كانت بمعنى (كَيْ) .
وإِنْ كان الفعلُ بعد (حَتَّى) حالاً فيه حَرْفُ ابتداء، والفعلُ بعدَها لازمُ الرّفع؛ لخُلُوِّه عن ناصبٍ أو جازم، كقولك: (سِرْتُ البارحةَ حتى أدخلُها الآن) أي: سِرْت حتى أنا الآن أدخلها؛ ومنه قولُهم: (مَرِضَ فلانٌ حتّى لا يَرْجُونَه) فما لـ (كي) ههنا معنى٢، و (سألتُ عنه حتى لا أحتاج إلى سؤال) .
والحال المقدّرة أن يكون الفعلُ قد وقع فيقدَّرُ المُخْبَر به اتّصافُه بالدُّخول فيه فيُرفع٣؛ لأنّه حالٌ بالنّسبة إلى تلك الحال؛ وقد يقدّر٤اتّصافُه بالعزم عليه فيُنصب؛ لأنّه مستقبَل بالنّسبة إلى تلك الحال؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ٥ قَرَأهُ نافعٌ بالرّفع٦،
стр. 772
والباقون بالنّصب١.
و (اللاّم) الّتي بمعنى (كَيْ) ٢، كقولك: (قصدتُّكَ لتقوم معي) ؛ فهي لامُ التّعليل، كقوله٣تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ ٤. [١٤٩/أ]
وقد تأتي بمعنى العاقبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٥.
أو زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ٦.
أو ياء، كـ (يرمي) ١ حَرَّكْتَها بالفتح في حال النّصب، فتقول: إنّ زيدًا لن يدعوَ، ولن يرميَ٢.
فإنْ٣ كان آخرُه ألفًا أَبْقَيْتَهَا على سُكونِها؛ لأنّ الأَلِف لا يمكن تحريكُه، [فتقول:] ٤ لن يرضى زيد، [ولن يخشى] ٥؛ فآخر هذين الفعلين الألِف، وإن كتبا بالياء.