معنى (كَيْ) ، أو (إلى أَنْ) ، كقولك: (سِرْتُ حتّى أدخلَ المدينة) ، و (صُمْ حتّى تغرُبَ الشّمس) ، وتقديرُ الكلام: إلى أنْ تغرُبَ الشّمس، و (أَطِعِ الله حتّى يرحمَك) أي: كَي يرحمَك.
وكُلُّ موضعٍ كان الفعل الثاني غاية للأوّل١كانت بمعنى (إلى أنْ) .
وكُلُّ موضعٍ كان الأوّل سببًا للثّاني كانت بمعنى (كَيْ) .
وإِنْ كان الفعلُ بعد (حَتَّى) حالاً فيه حَرْفُ ابتداء، والفعلُ بعدَها لازمُ الرّفع؛ لخُلُوِّه عن ناصبٍ أو جازم، كقولك: (سِرْتُ البارحةَ حتى أدخلُها الآن) أي: سِرْت حتى أنا الآن أدخلها؛ ومنه قولُهم: (مَرِضَ فلانٌ حتّى لا يَرْجُونَه) فما لـ (كي) ههنا معنى٢، و (سألتُ عنه حتى لا أحتاج إلى سؤال) .
والحال المقدّرة أن يكون الفعلُ قد وقع فيقدَّرُ المُخْبَر به اتّصافُه بالدُّخول فيه فيُرفع٣؛ لأنّه حالٌ بالنّسبة إلى تلك الحال؛ وقد يقدّر٤اتّصافُه بالعزم عليه فيُنصب؛ لأنّه مستقبَل بالنّسبة إلى تلك الحال؛ ومنه قولُه تعالى: ﴿وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ ٥ قَرَأهُ نافعٌ بالرّفع٦،
стр. 772
والباقون بالنّصب١.
و (اللاّم) الّتي بمعنى (كَيْ) ٢، كقولك: (قصدتُّكَ لتقوم معي) ؛ فهي لامُ التّعليل، كقوله٣تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ ٤. [١٤٩/أ]
وقد تأتي بمعنى العاقبة؛ كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ ٥.
أو زائدة؛ كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ٦.
أو ياء، كـ (يرمي) ١ حَرَّكْتَها بالفتح في حال النّصب، فتقول: إنّ زيدًا لن يدعوَ، ولن يرميَ٢.
فإنْ٣ كان آخرُه ألفًا أَبْقَيْتَهَا على سُكونِها؛ لأنّ الأَلِف لا يمكن تحريكُه، [فتقول:] ٤ لن يرضى زيد، [ولن يخشى] ٥؛ فآخر هذين الفعلين الألِف، وإن كتبا بالياء.
فنفيُه: لَمَّا يفعل.
وهي مركّبة١ من (لَمْ) و (مَا) ٢ فأُدغمت ميمُ (لَمْ) في ميم٣ (ما) . [١٥٠/ب]
ووجه الزّيادة٤: أنّهم لَمّا زادوا حرفًا في الإثبات وهو (قَدْ) ، زادوا حَرْفًا في النّفي وهو٥ (ما) .
وكلاهُما٦ يجزمان الفعل المستقبَل؛ فإنْ كان معتلاًّ سقط منه حرفُ العلّة، كقولك: (لَمْ يغزُ) و (لم يرمِ) و (لم يخش) و (لم يقم) و (لَمّا يغزُ) و (لَمّا يرمِ) و (لَمّا يخش) و (لَمّا يقم) ، قال اللهُ تعالى: ﴿كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ﴾ ٧.
فإنْ كان سالمًا سكن آخره، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ٨،
стр. 780
و (لَمّا يذهب) ، [و] ١ قال الشّاعر:
فَإِنْ كُنْتُ مَأْكُولاً فَكُنْ خَيْرَ٢ آكِلٍ ... وَإِلاَّ فَأدْرِكْنِي وَلَمَّا أُمَزَّقِ٣
والفرقُ بين (لَمْ) و (لَمّا) من وجهين:
أحدُهما: أَنّ (لَمّا) تُفيد امتداد انتفاء الفعل إلى وقت حديثك، تقول: (ندم زيد ولم ينفعه النّدم) أي: عقيب ندمه؛ فإنْ قلتَ: (ولَمّا ينفعه) كان معناه أنّه لم ينفعه إلى وقته هذا، قال اللهُ تعالى: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيْمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ ٤ المعنى: إنّهم إلى وقت الإخبار عنهم كانوا غيرَ مؤمنين.
الثّاني: أنّه يوقف على (لَمّا) دون الفعل، كقولك: (خرج زيد ولَمَّا) أي: [و] ٥ لَمّا يخرج.
стр. 781
وقد حملت (لَمْ) على (لَمَّا) في الشِّعر [فَوُقِفَ عليها] ١،كقول٢ الشّاعر: [١٥١/أ]
اُرْدُدْ وَدِيْعَتَكَ٣ الَّتِي اسْتُودِعْتَهَا٤ ... يَوْمَ الأَحَارِبِ إِنْ وَصَلْتَ وَإِنْ لَمِ٥
أي: وإن لم تصل.
وَأمّا (أَلَمْ) فهي (لَمْ) زيدتْ عليها همزة الاستفهام؛ فلمّا رُكِّب النّفي مع الاستفهام [أفاد] ٦ تقريرًا؛ كقوله [تعالى] ٧: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ٨، ويصير الفعل الَّذي يدخلان عليه في معنى الماضي٩؛ لأنّه
стр. 782
يحسُن أن نقول: (لم يخرُج زيد أمس) و (لَمّا يذهب أمس) ١.
وقد يدخُل بين الجازم والهمزة الواو والفاء٢، كقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُمْ﴾ ٣، و ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٤.
وقد تكون٥ (لَمّا) اسمًا ظرفيًّا بمعنى (حين) ٦؛ وذلك
стр. 783
إذا وَلِيَها الفعل الماضي، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا﴾ ١.
وتكون بمعنى (إلاّ) للتّحضيض٢، نحو: (عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَمَّا فَعَلْتَ) أي: إلاّ فعلت.
و (لام) الأمر، و (لا) في النّهي يفهمان٣ الطّلب؛٤ وأصل اللاّم السّكون، وحرّكت لامتناع الابتداء بها ساكنة، وكُسرت٥ للفرق بينها وبين لام التّوكيد٦.
стр. 784
وقيل: أشبهت لام الجرّ المختصّة بالاسم في اختصاصها بالفعل١.
وهي تستعمل في أمرٍ، أو دعاءٍ٢، كقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ﴾ ٣، [١٥١/ ب]
و ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ ٤.
وتكون٥ للغائب، كقول الشّاعر:
[وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ نَفْسِهِ ... لَجَادَ بِهَا] ٦ فَلْيَتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ٧
стр. 785
ويُختار١ تسكينُها بعد الواو والفاء، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَتَقّوا اللهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا﴾ ٢.
وإنْ دخلت ثمّ [عليها] ٣ فالكسر المختار؛ لأنّها كلمة منفصلةٌ عن اللاّم٤.
وعلى هذا قرأ أبو عمرو٥ ﴿ثُمَّ لِيَقْطَعْ﴾ ٦ [بكسر اللاّم] ٧؛
стр. 786
فالواو والفاء يمتزجان [باللاّم كما يمتزجان] ١ بالهاء في دخولهما٢ على المُضْمَر، وتسكين الهاء منه، كقولك٣: (قال محمّد وَهْو صادق) و (سارت النّاقة وهي مثقَلة) ، وقوله [تعالى] ٤: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ [عَلَى عُرُوشِهَا] ٥﴾ ٦.
ويجوزُ في الشّعر أن تحذف اللاّم، ويبقى جزمُها، كقوله:
مُحَمَّدٌ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... إِذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيْءٍ تَبَالاَ٧
(لا) النّاهية: استعمالها في النّهي أو الدّعاء٨؛ كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ﴾ ٩، و ﴿لاَ تُؤَاخِذْنَا﴾ ١٠.
стр. 787
وتصحب فعل المخاطب، والغائب كثيرًا، وقد تصحب١ فعل المتكلِّم، كقول الشّاعر:
إِذَا مَا خَرَجْنَا مِنْ دِمَشْقَ فَلاَ نَعُدْ ... لَهَا٢أَبَدًا مَا دَامَ فِيْهَا الجُرَاضِمُ٣
وعملت هذه الحُروف الجزم؛ لأنّ (لَمْ) تقلبُ معنى المستقبَل إلى الماضي، والفعل ثقيل، وقد ازداد ثقلاً بقلب٤ معناه؛ فناسب أن يُحذَف منه شيء ليخفّ٥؛ وكذلك القولُ في (لَمّا) . [١٥٢/أ]
وأمّا (لام الأمر) فإنّما جَزَمت؛ لأنّ الأمر الصّريح موقوف الآخِر،
стр. 788
كقولك: (اضْرِبْ) ؛ فجعل لفظَ المعرب كلفظ المبنيّ؛ لاشتراكِهما في المعنى.
وأمّا النّهي فهو مثل الأمر؛ لأنّه طلب التَّرْك؛ كما أنّ الأمر طلب الفعل، فكانا كذلك١ في العمل متساويين٢.
وَإِنْ تَلاَهُ أَلِفٌ وَلاَمُ ... فَلَيْسَ غَيرُ الْكَسْرِ وَالسَّلاَمُ
تَقُولُ: لاَ تَنْهَرِ٣ الْمِسْكِينَا ... وَمِثْلُهُ: لَمْ يَكُنِ الَّذِيْنَا
المُراد بهذا الكلام: أنّه لاَ يُجمع بين ساكنين؛ ومتى التقى ساكِنان٤ في المجزوم أو في غيرِه كُسِرَ الأوّل منهما.
أمّا الفعلُ فهو٥ إذا أتى بعدَه٦ الألِفُ واللاّم، كقوله٧ تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ ٨، وكان الأصل [فيه] ٩ تسكين النّون١٠ كما سكنت في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدُ﴾ ١١، ولكن لَمّا التقت (النّون)
стр. 789
- وهي ساكنة - بلام (الّذين) ١ كُسرت؛ فِرارًا من اجتماع ساكنين، ولا اعتبار بالألف٢؛ لسُقوطها عند اندراج الكلام.
وكذلك٣ فعلُ الأمر، كقوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ ٤.
[١٥٢/ب] وكذلك حكم الأسماء المبنيّة على السّكون، كقولك: (كَمِ المال) و (سِرْتُ عن المدينة) .
وشَذَّ مِنْ ذلك فتح نون (من) من قولك٥: (سمعتُ مِنَ الشّيخِ حديثًا) ؛ وذلك لكسرة الميم؛ فكرهوا أن يتوالى كسرتان على حرفين٦.
وَإِنْ تَرَ المُعْتَلَّ فِيهَا رِدْفَا ... أَوْ آخِرَ الْفِعْلِ فَسِمْهُ الْحَذْفَا
تَقُولُ: لاَ تَأْسَ٧ وَلاَ تُؤْذِ وَلاَ ... تَقُلْ بِلاَ عِلْمٍ وَلاَ تَحْسُ٨ الطِّلاَ٩
стр. 790
وَأَنْتَ يَا زَيْدُ فَلاَ تَهْوَ١ الْمُنَى٢ ... وَلاَ تَبِعْ إلاَّ بِنَقْدٍ فِي مِنَى
وَالْجَزْمُ فِي الْخَمْسَةِ مِثْلُ٣ النَّصْبِ ... فَاقْنَعْ بِإِيجَازِي وَقُلْ لِي: حَسْبِي
[فصل] ٤:
إذا كان آخرُ الفعل حرفًا من حروف العلّة، أو ما قبل آخره وهو الرِّدْفُ٥ ودخل عليه عاملُ جَزْمٍ يُحذف حرف الاعتلال؛ لأنّ مِن شرط الجزْم
стр. 791
أن يسكّن المتحرِّك؛ فإذا صادف حرفًا ساكنًا حذفه ليؤثّر دُخولُه على الفعل، ويظهر عمله؛ فتقولُ١ فيما لامُه حرفُ علّة كـ (يخشى) : (لَمْ يَخْش) بِرَوْمِ حركةٍ تدلّ على الحرف المحذوف.
وكذا المعتلّ العين [مثل: يقول] ٢، فتقول: (لم يقل) بسقوط الحرف المعتلّ كيلا يجتمع ساكنان.
وتسقُط النّون من الأفعال الخمسة لدخول الجازم عليها، كقولك: (لَمْ يقوموا) و (لَمّا تقوموا) و (لَمْ تقومي) فتسقُط النّون منها بعامل الجزم كما تسقُط بعامل النّصب. [١٥٣/أ]
والمنصوب من هذه الأفعال محمولٌ على المجزوم، كما حُمِلَ المنصوب في التّثنية والجمع على المجرور؛ حملاً في باب الاسم على خاصّة، وفي باب الفعل٣ على خاصّة٤.
لأنّها تعلّق في الاستقبال جملة بجملة، تسمّى الأولى شرطًا، والثّانية جزاء.
ومن حقِّها: [أنْ يكونا] ١ فعليّتين؛ فإنْ كانا مضارعين جزمتهما؛ لاقتضائهما العمل فيهما.
وأشبهها في ذلك تسع٢ أخوات؛ وهي: (مَنْ) و (مَا) و (أيّ)
стр. 794
و (مَهْمَا) ١؛ وهذه أسماءٌ صريحة؛ و (مَتَى) و (أَيْنَ) و (أَنَّى) ٢ و (حَيْثُما) ؛ وهذه ظُروف؛ و (إِذْمَا) وهو حرف٣.
فهذه تعمل عملها لتضمُّنها معناها٤.
وإذا كان الشّرط وجوابُه فعلين جاز أن يكونا مضارعين؛ وهو الأصل٥، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ ٦.
стр. 795
والشّرطُ في اللّغة١هو: العلامة؛ فكان وُجود الفعل الأوّل في هذا الباب علامة لوُجود الفعل الثّاني.
والظُّروف٢ على ضربين: زمانيّة، ومكانيّة.
فالزّمانيّة: (مَتَى) و (أَيَّان) ٣ و (إِذْمَا) ٤.
والمكانيّة: (أَيْنَ) و (أَنَّى) و (حَيْثُمَا) ٥. [١٥٤/أ]
وتوجيهُ الجزم:
قيل: (إِنْ) [وإن] ٦ جزمت الشّرط، والشّرط جزم الجواب؛ لأنّه يقتضيه فوجب أن يكون عاملاً [فيه] ٧.
وأُجيب عن ذلك بأنّ كلّ واحدٍ منهما يعمل في الآخر؛ فليس أحدهما بأولى من الآخر في العمل٨.
стр. 796
وقيل: حصل للشّرط مزيّة بالتّقدُّم.
وقيل١: إنّ حرف الشّرط اقتضاهما فعمل فيهما معًا.
وفائدة الأسماء: الاختصار لِمَا فيها من العُموم لِمَا وُضعت له.
فـ (مَنْ) يعمُّ ذوي العلم، كقولك: (مَنْ يقم أقم معه) .
و (مَا) تعمُّ٢ غير ذوي العلم.
و (أَيّ) ٣ تعمّ الأبعاض من ذوي العلم وغيرهم؛ فجعلت شرطًا في تلك الأبعاض، نحو: (أيّ الرّجال يقم أقم معه) و (أيّ الدّوابّ تركب٤ اركب) .
و (مَهْمَا) ٥ بمعنى (مَا) ؛ فإذا قلت: (مَهْمَا تفعل أفعَل) فمعناه:
стр. 797
لا أصغُر [عن] ١ كبير فعلِك، و٢ لا أكبر عن صغيره.
وقال الخليل٣: "هي (مَا) زيدت عليها (مَا) أُخرى٤، فكرهوا أن يوالوا بينهما في قولهم: مَا مَا تفعل أفعل، فأبدلوا الألِف الأولى ها".
وقيل٥: أصلُها (مَهْ) الّتي للكَفّ، ضُمَّ إليها (ما) من٦ التّركيب؛ وهي الشّرط٧.
والدّليل على اسميِّتها: عودُ الضّمير إليها في قوله تعالى: ﴿مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ﴾ ٨، وكقول زُهير:
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ ... وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ٩
[١٥٤/ب]
وأمّا قولُ الرّاجز١:
مَهْمَا لِيَ اللَّيْلَةَ٢ مَهْمَا لِيَهْ ... أَوْدَى بِنَعْلَيَّ وَسِرْبَاليَهْ٣
فإنّ (مَا) ٤ الأولى استفهاميّة؛ فقلبت ألفُها هاءً؛ لزيادة (ما) الثّانية عليها.
وأمّا (إِذْ) فلا يجازى بها إلاّ مقرونةً بـ (ما) ، كـ (حيث) ؛ لِتُعَزِّزَ٥ زمانها وهو الماضي إلى المستقبَل؛ تقول: (إذْ ما تفعل أفعل) .
وهي حرف عند سيبويه٦ إذا جُوزِيَ بها؛ لأنّها صارت تدلّ على خلاف ما وُضعت له؛ لأنّها وُضعت للماضي، والشّرطُ يدلّ على المستقبَل.
стр. 800
والشّرطُ يكون مضارِعًا، والجواب١ ماضيًا، [ومنه] ٢:
إِنْ تَصْرِمُونَا وَصَلْنَاكُمْ وَإِنْ تَصِلُوا ... مَلأْتُمُ أَنْفُسَ الأَعْدَاءِ إِرْهَابَا٣
وأكثرُ النّحويِّين٤يخصّون هذا النّوع بالضّرورة، وليس بصحيح٥؛ بدليل ما رواه٦ البخاريّ٧٨ من قول النّبي - صلّى الله عليه٩ وسلّم: "مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ" ١٠. [١٥٥/أ]
فرفع (يقول) ١؛ لأنّ الشّرط غير معرب؛ وعلّلوا هذه بعدم ظهور تأثير٢ العامل في الشّرط، لم يظهر له أثرٌ في الجزاء لتقع٣ المناسبة.
وقد جاء الجواب مرفوعًا والشّرطُ مضارِعًا٤، كقول الرّاجز:
يَا أَقْرَعُ بنَ حَابِسٍ يَا أَقْرَعُ ... إِنَّكَ إِنْ يُصْرَعْ أَخُوكَ تُصْرَعُ٥
فصل:
وأمّا جواب الشّرط فثلاثة أشياء: الفعل، والفاء، وإذا.
أمّا الفعل فقد تقدّم.
وأمّا الفاء فإذا كانت الجملة اسميّة فلا بُدّ من الفاء، نحو: (إِنْ يقم زيدٌ فهو مكرم) ؛ لأنّ الجملة الاسميّة كلامٌ مستقلٌّ بنفسه فاحتاجتْ إلى رابط؛ بخلاف الجملة الفعليّة؛ لأنّ حرف الشّرط يربط بين الجملتين الفعليّتين، ولا يربط بين [الجملة] ١ الفعليّة والاسميّة٢؛ لأنّه لا يصحّ دُخوله على الاسميّة، وكانت الفاء أولى من الواو؛ لكونِها للتّعقيب بغير مهلة، وجوابُ الشّرط كذلك؛ لأنّه يقع عقيب الشّرط بلا مهلة؛ قال الله تعالى: ﴿فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا﴾ ٣ أي: فهو لا يخاف؛ فحذف المبتدأ للعلم به.
واعلم أنّه إذا صحّ أن يُجعل الجوابُ شرطًا، وذلك إذا كان ماضيًا، متصرِّفًا، مجرَّدًا عن٤ (قد) ، أو مضارِعًا، مجرَّدًا، أو منفيًّا٥، فالأكثرُ خُلُوُّهُ من الفاء٦. [١٥٦/ب]
стр. 810
ومتى لم يصحّ أن يُجعل الجوابُ شرطًا وذلك إذا كان جملة اسميّة، أو طَلَبيّة، أو فعلاً غير متصرّف، أو مقرونًا بـ (السّين) ١ أو (قد) ، أو منفيًّا [بـ (ما) ] ٢، أو (لن) ٣؛ فإنّه يجب اقترانُه بـ (الفاء) ٤، نحو قوله تعالى: ﴿إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ٥، و ﴿إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ ٦، و ﴿إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ﴾ ٧،