← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأما المعتدة فقد علم باعتدادها براءة رحمها لكن ظاهر الدليل أنه لا بد من استبرائها بحيضة عند سبيها أو ملكها فإن بقي من العدة قدر حيضة فذلك هو استبراءها وكمال عدتها وإن لم يبق من العدة قدر حيضة فلا بد من حيضة. وأما قوله: "وكالبيعين" الخ فلا فائدة فيه لأنه إن صدق عليه أنه من تجدد الملك فقد اغنى عنه ما تقدم وإن لم يصدق عليه ذلك فلا وجه له الا ان يكون قد وقع من المشتري قبل الاقالة والفسخ وطء. وأما ذكر جواز الاستمتاع فلا حاجة اليه لأن الممنوع هو الوطء الذي يسقي به زرع غيره لا غيره. قوله: "ويجوز الحيلة". أقول: هذه الحيلة التي جوزها قد استند فيها إلي ما يحكى في كتب التواريخ من قصة وقعت لأبي يوسف مع الرشيد وما بمثل هذاتؤكل الكتف ولا يجوز لمسلم ان يجترئ على مخالفة الادلة الثابتة من كون الحائض تستبرأ بحيضة والنهي منه صلي الله عليه وسلم عن ان يسقي ماء الرجل ولد غيره ومعلوم ان هذه الحيلة لا تخلص من مثل هذا مع كون براءة الرحم التي هي العلة في وجوب الاستبراء غير حاصلة بل لا براءة اصلا فكيف يقال بجواز هذه الحيلة الفاسدة الكاسدة وابو يوسف قد ربح مالا كثيرا من الرشيد ومن الجارية فما بال من لم يربح بها الا شغلة الحيز في قرطاسه بمداد يصدرها في كتابه هذا الذي وضعه لهداية المقصرين وإرشاد المقلدين اللهم غفرا. هذا إذا أراد ان هذه الحيلة البائسة والذريعة الخاسرة تسقط الاستبراء على المشتري والبائع كما هو الواقع من أبي يوسف. أما إذا أراد انها تسقطه على البائع فقد عرفناك أنه لااستبراء عليه ولا حاجة له في تطلب الحيل فالشرع لم يوجب عليه ذلك حتى يحتاج إلي التخلص عنه بالتحيلات التي لا تنصب في الغالب الا لردأحكام الله واخراج المكلفين مما كلفهم الله إخراجا طاغوتيا عنادا لله وتجرؤا عليه والامر لله العلي الكبير. [فصل ومن وطيء امة ايما له ملك في رقبتها ثبت النسب وإن لا ملك فلا إلا امة الابن مطلقا واللقيطة والمحللة والمستأجرة والمستعارة للوطء والموقوفة والمرقبة المؤقتة ومغصوبة شراها مع الجهل فيهن ومهما ثبت النسب فلا حد والعكس في العكس الا المرهونة والمصدقة قبل التسليم مع الجهل والمسبية قبل القسمة والمبيعة قبل التسليم مطلقا والولد

стр. 422

من الأول حر وعليه قيمته غالبا ومن الاخر عبد ويعتق إن ملكه ولهن المهر الا المبيعة] . قوله: فصل: "ومن وطيء امة ايما له ملك في رقبتها ثبت النسب". أقول: الحكم في ولدالمشتركة سيأتي وغالب ما ذكره المصنف ﵀ في هذا الفصل ظلمات بعضها فوق بعض واعتماد على القيل والقال والرأي الذي ليس له إلي منهج الحق سبيل أما ثبوت النسب فلا يثبت الا بدليل يدل على ذلك لا بمجرد دعوى شبهة لا أصل لها فإن غالب هؤلاء الاماء المذكورات وطؤها وطء زنا بلا شك ولا شبهة والولد ولد زنى لا يلحق بالزاني الا بدليل. وأما سقوط الحد فإن وجدت شبهة يدرأ بها الحد فذاك كوطء المسبية قبل القسمة لان الواطيء من جملة الغانمين فله ملك في رقبتها ويكون حكم ولدها حكم ولد المشتركة وسيأتي. وأما المبيعة قبل التسليم فقد صارت ملكا له بالعقد وليس وطؤها من وطء الشبهة بل من وطء الملك الحلال وولدها لاحق بهذا المشترى وليس مجرد التسليم الا لتمام العقد ونفوذه ولا اعتبار بخلاف من يخالف في هذا. والعجب من المصنف ﵀ حيث يجعل اللقيطة والمحللة والمستأجرة والمستعارة للوطء من جملة الموطوءات لشبهة فإنه لا شبهة هنا اصلا بل الواطيء زان والولد ولد زنا. وأما أمة الابن إذا وطئها الاب والموقوفة إذا وطئها الموقوف عليه والمرقبة إذا وطئها المرقب والمغصوبة إذا اشتراها مشتر فوطئها فها هنا شبهة مع الجهل لا مع العلم وغاية هذه الشبهة سقوط الحد لا لحوق النسب فالولد ولد زنا. وأما الموهوبة فهي خامسة الاربع المتقدمات وكذا المصدقة هي سادستهن فلا شبهة ها هنا في هؤلاء الست ولا تأثير للجهل في لحوق النسب وأما قول المصنف والولد من الأول حر الخ فنقول الولد من الجميع ولد زنا الا ما دل عليه دليل ولا دليل الا في وطء المشتركة وتلحق بها المسبية قبل القسمة لما قدمنا وأما المبيعة قبل التسليم فما ينبغي جعلها في عداد المتردية والنطيحة وما أكل السبع لما عرفناك. وأما المهر فمتى وجب على الواطىء الحد في وطئها فلا مهر وإذا لم يجب فإن كانت راضية مطأوعة غير مكرهة فلا وجه لايجاب المهر لها لأنه إنما يجب في النكاح الشرعي وما يلحق به. [فصل وتستهلك امة الابن بالعلوق فيلزم قيمتها ولا عقر والا فالعقر فقط قوله فصل وتستهلك امة الابن بالعلوق] .

стр. 423

أقول: إن كان حديث انت ومالك لأبيك شبهة يسقط بها الحد فلا وجه للحقوق النسب ولا للزوم قيمتها ولا للزوم مهرها لان الاب زان اندفع عنه الحد والولد ولد زنى فلا تصير الامة ام ولد ولا يلحق ولدها باحد. هذا على تقدير أنه قد علم ان الولد من وطء الاب والا فالولد للفراش إن ثبت لها فراش. [فصل ولا توطأ بالملك مشتركة فإن وطيء فعلقت فادعاه لزمه حصة الاخر من العقر وقيمتها يوم الحبل وقيمته يوم الوضع إلا لأخيه ونحوه فإن وطئا فعلقت فادعياه معا تقاصا أو ترادا وهو ابن لكل فرد ومجموعهم اب ويكمل الباقي فإن اختلفوا فللحر دون العبد م بالله ولو مسلما ثم للمسلم] . قوله: فصل: "ولا توطا بالملك مشتركة". أقول: هذا معلوم بالضرورة الدينية. وأما قوله: "فإن وطيء تعلقت" الخ فوجهه انها قد صارت ام ولد للواطيء فصارت حرة وبطل ملك الشريك فهو كما لو اعتقها فإنها تعتق ويزلمه حصة شريكة ولا وجه لايجاب حصة شريكة من العقد لأنه ضمن له قيمة نصيبه ولا يجب عليه غير ذلك. وهكذا لا يجب عليه حصة شريكه من قيمة الولد لأنه قد صار لاحقا به وبسببه كان الاستهلاك للأمة فلا يجب عليه الا حصة شريكه من قيمتها فقط ولا وجه للاستثناء في قوله الا لأخيه ونحوه لأنه لم يملك حتى يعتق عليه بل هو ولد للواطيء ولو قدرنا أنه يملكه الواطيء كان عتقه بكونه رحما له لأنه المالك ولا ملك لأخيه هذا على تقدير أنه تضمن حصة الشريك من قيمة الولد إذا كان غير اخ له وقد عرفناك أنه لا وجه لذلك. قوله: "فإن وطئا فعلقت" الخ. أقول: ينبغي العمل في مثل هذا بحديث زيد بن ارقم الذي أخرجه أحمد وابو دأود والنسائي وابن ماجه قال اتى علي وهو باليمن في ثلاثة وقعوا على امراة في طهر واحد فسأل اثنين فقال اتقران لهذا بالولد قالا لا ثم سأل اثنين اتقران لهذا بالولد فقالا لا فجعل كلما سأل اثنين اتقران لهذا بالولد قالا لا فأقرع بينهم فألحق الولد بالذي اصابته القرعة وجعل عليه ثلثي الدية فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذه وفي إسناده يحيى بن عبد الله الكندي المعروف بالاجلح قيل لا يحتج بحديثه ووثقة يحيى بن معين والعجلي وقال ابن عدي مستقيم الحديث وضعفه النسائي وقد روى مرسلا وصوبه النسائي.

стр. 424

فهذا الحديث يدل على ان الحكم في الامة المشتركة هو هذا الحكم العلوي مع هذا التقرير المصطفوي والقرعة قد ثبت العمل بها في السنة في مواضع كثيرة كما أوضحنا ذلك في شرح هذا الحديث من شرحنا للمنتقى. وأما ما ذكره المصنف فهو مجرد رأي لا يجمل الرجوع اليه مع ورود اقل دليل وأبعد مستند.

стр. 425

[باب الفراش إنما يثبت للزوجة بنكاح صحيح أو فاسد امكن الوطء فيهما أو باطل يوجب المهر غالبا تصادقا على الوطء فيه مع بلوغهما ومضى اقل مدة الحمل وللأمة بالوطء في ملك أو شبهته مع ذينك والدعوة] . قوله: باب: "الفراش إنما يثبت للزوجة بنكاح صحيح أو فاسد امكن الوطء فيهما" الخ. أقول: هذا الذي ذكره المصنف صحيح وقد افرط من قال إنه لايعتبر إمكان الوطء وان العقد بمجرده يكفي فإن هذا إثبات للفراش بما لا يصدق عليه اسم الفراش لا لغة ولا شرعا وفرط من قال إنه لا بد من العلم بالدخول فإن معرفة هذا متعسرة جدا فاعتباره يؤدي إلي بطلان كثير من الانساب فالتوسط بين الافراط والتفريط هو الحق وهو ما ذكره المصنف الا ان قوله أو باطل يوجب المهر تصادقا على الوطء فيه لا وجه له بل يكفي فيه مجرد الامكان كما كفى في الصحيح والفاسد لأن الدخول فيه مع العقد وجهل المبطل يصير به في حكم العقد الشرعي في ثبوت الفراش ولحوق النسب. وأما فيما عدا ذلك فقد قدمنا الكلام فيه وأما مضى اقل مدة الحمل فامر لا بد منه لانها إذا ولدت قبل مضيها كان ذلك كاشفا عن كون المولود هذا كائنا من غير هذا الفراش. قوله: "وللأمة بالوطء في ملك أو شبهته مع ذينك والدعوة". أقول: ثبوت فراش الامة هو مورد النص كما في حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلي رسول الله ﷺ فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلي أنه ابنه انظر إلي شبهه وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي فنظر رسول الله ﷺ إلي شبهه فرأى شبها بينا بعنبة, فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة".

стр. 426

وفي لفظ للبخاري أنه قال: "هو أخوك يا عبد". فهذا الحديث قد دل على ثبوت الفراش للأمة ودل على ثبوت افراش الحرة بفحوى الخطاب وتمسك المشترطون للدعوة بهذه الدعوة الواقعة في الحديث ولكن هذا انما اتفق في هذه الحادثة وليس فيه ما يدل على ان ذلك شرط لا يثبت النسب بدونه فقد كان الصحابة في زمنه ﷺ يطأون الاماء ويحدث لهم منهن الأولاد ويصيرون أولادا لهم ولم يسمع أنه ﷺ اخبرهم بأنه لا بد من الدعوة ولا ورد ذلك في شيء من المرفوع ولا سمع عن صحأبي أنه قال باشتراط ذلك وهكذا من بعد الصحابة. فالحاصل ان فراش الامة يثبت بما يثبت به فراش الحرة وثبوت الملك عليها بمنزلة العقد على الحرة فلا يعتبر معه الا ما يعتبر في فراش الحرة من إمكان الوطء. [فصل وما ولد قبل ارتفاعه لحق بصاحبه قيل وإن تعدد كالمشتركة والمتناسخة في طهر وطئها كل فيه قبل بيعه وصادقهم الاخر وادعوه معا فإن اتفق فراشان مترتبان فبالاخر إن امكن والا فبالأول إن امكن والا فلا يهما واقل الحمل ستة اشهر واكثره اربع سنين] . قوله: فصل: "وما ولد قبل ارتفاعه لحق بصاحبه". أقول: وجهه ان السبب وهو الفراش لما كان باقيا كان المسبب وهو لحوق الولد ثابتا وأما قوله: "وإن تعدد كالمشتركة والمتناسخة" فالحكم في هاتين الامتين هو الحكم الذي قضى به على رضيى الله عنه وقرره رسول الله ﷺ . وأما قوله: "فإن اتفق فراشان مترتبان" الخ فهذا هو غاية ما يجب من التحري في حفظ الانساب وعدم التسأهل في إثباتها فإن تعذر على كل حال لم يجز حمل النسب على الغير بغير مسوغ لان ذلك ظلم له وللولد. قوله: "واقل الحمل ستة أشهر وأكثره أربع سنين". أقول: لم يات دليل قط لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف مرفوع إلي رسول الله ﷺ في ان اقل الحمل كذا ولم يستدلوا الا بقوله : ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً﴾ [الأحقاف: ١٥] ، مع قوله سبحانه: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ [لقمان:١٤] . ويقوى هذه الدلالة الايمائية أنه لم يسمع في المنقول عن أهل التواريخ والسير أنه عاش مولود لدون ستة اشهر وهكذا في عصرنا لم يسمع بشيء من هذا بل الغالب ان المولود لستة اشهر لا يعيش إلا نادرا لكن وجود هذا النادر يدل على أن الستة الاشهر اقل مدة الحمل وقد كان من جملة من ولد لستة اشهر من المشهورين عبد الملك بن مروان الخليفة الاموي وهكذا لم

стр. 427

يرد في حديث صحيح ولا حسن ولا ضعيف مرفوع إلي رسول الله ﷺ ان اكثر مدة الحمل اربع سنين ولكنه قداتفق ذلك ووقع كما تحكيه كتب التاريخ غير ان هذا الاتفاق لا يدل على ان الحمل لا يكون اكثر من هذه المدة كما ان اكثرية التسعة الاشهر في مدة الحمل لا تدل على أنه لا يكون في النادر اكثر منها فإن ذلك خلاف ما هو الواقع. والحاصل أنه ليس هناك ما يوجب القطع بل إذا كان ظاهر بطن المرأة ان فيه حملا كأن يكون متعاظما ولا علة بالمراة تقتضي ذلك وحيضها منقطع وهي تجد ما تجده الحامل فالانتظار متوجه ما دامت كذلك وإن طالت المدة أما إذا كان ثم حركة في البطن كما يكون في بطن الحامل فلا يقول بأنها إذا مضت الاربع السنين لا يكون له حكم الحمل الا من هو من أهل الجمودالذين لا يميزون فإن الحمل ها هنا قد صار متيقنا بوجود الحركة التي لا تكون الا من جنين موجود في البطن ولا يجوز المصير إلي تجويز ان ذلك المتحرك غير جنين. وأما إذا لم يكن البطن متعاظما وليس الا مجرد دعوى المراة على الحمل بانقطاع حيضها أو بغيره من القرائن التي لا تظهر وتحس فيجب الانتظار إلي انقضاء المدة الغالبة وهي التسعة الاشهر فإن مضت ولم يظهر في بطنها ما يدل على الحمل من التعاظم والحركة فلا انتظار بعدها لأن هذه المدة الغالبة لاتنقضي والبطن كما هي في غير الحامل فهذا هو الذي ينبغي اعتماده في مثل هذه المسألة. [فصل وإنما يقر الكفار من الانكحة على ما وافق الإسلام قطعا أو اجتهادا فمن اسلم عن عشر واسلمن معه عقد بأربع إن جمعهن عقد والا بطل ما فيه الخامسة فإن التبس صح ما وطيء فيه فإن التبس أو لم يدخل بطل فيعقد وقيل يطلق ويعقد فيختلف حكمهن في المهر ولميراث] . قوله: فصل: "وإنما يقر الكفار من الانكحة" الخ. أقول: الاصل في هذا ما أخرجه أحمد وابو دأود والترمذي وابن ماجه والشافعي وصححه ابن حبان وغيره وحسنه الترمذي من حديث الضحاك بن فيروز عن أبيه قال اسلمت وعندي امراتان اختان فأمرني النبي ﵌ أن أطلق إحداهما ولفظ الترمذي: أنه ﷺ قال له: "اختر أيتهما شئت". وهكذا حديث غيلان الثقي أنه اسلم عن عشر واسلمن معه فامره رسول الله ﷺ ان يختار منهن أربعا وقد قدمنا تخريجه وتصحيحه. وفي هذين الحديثين دليل على أنه لا يقر الكفار من انكحتهم الا على ما يوافق الإسلام أي

стр. 428

يوافق ما هو متقرر في الشريعة الإسلامية لا في اجتهادات المجتهدين من أهلها إن كان الاجتهاد مخالفا للدليل فإن مثل ذلك لا يصلح للرد اليه ولا للتعويل عليه. وأما قوله: "عقد بأربع" فلا وجه له بل يكفيه ان يختار منهن اربعا بغير عقد فإن النبي ﷺ إنما امره بذلك وفي رواية أنه قال: "أمسك منهن أربعا" وقال في حديث الضحاك المذكور: "اختر أيتهما شئت". وإذا تقرر لديك أنه لا وجه لتجديد العقد عرفت عدم الحاجة إلي الكلام على ما جعله المصنف متفرعا على ذلك إلي آخر البحث.

стр. 429

كتاب الطلاق [باب إنما يصح من زوج مختار مكلف غالبا قصد اللفظ في الصريح وهو مالا يحتمل غيره إنشاء أو إقرارا أو نداء أو خبرا ولو هازلا أو ظانها غير زوجته أو بعجمي عرفة واللفظ والمعنى في الكتابة وهو ما يحتمله وغيره كالكتابة المرتسمة وإشارة الاخرس المفهمة وعلى أو يلزمني الطلاق وتقنعي وانت حرة وانا منك حرام لا طالق. وسنيه واحدة فقط في طهر ولا وطء منه في جمعيه ولا طلاق ولا في حيضته المتقدمة وفي حق غير الحائض المفرد فقط وندب تقديم الكف شهرا ويفرق الثلاث من أرادها على الاطهار أو الشهور وجوبا ويخلل الرجعة بلا وطء ويكفي في نحو انت طالق ثلاثا للسنة تخليل الرجعة فقط. وبدعيه ما خالفه فيأثم ويقع ونفي احدالنقيضين إثبات للاخر وإن نفاه كلا لسنة ولا لبدعة. ورجعيه ما كان بعد وطء على غير عوض مال وليس ثالثا وبائنه ما خالفه مطلقه يقع في الحال ومشروطه يترتب على الشرط نفيا واثباتا ولو مستحيلا أو مشيئة الله تعالي. وآلاته إن وإذا ومتى وكلما ولا يقتضى التكرار الا كلما م ومتى غالبا ولا الفور الا ان في التمليك غير إن وإذا مع لم ومتى

стр. 430

تعدد لا بعطف فالحكم للأول وإن تأخر وقوعه إن تقدم الجزاء فإن تأخر أو عطف المتعدد بأو أو بالوأو مع إن فلواحد. وينحل وبالوأو لمجموعه] . قوله: "كتاب الطلاق إنما يصح من زوج". أقول: الايات القرآنية والاحاديث النبوية الواردة في الطلاق هي كلها مصرحة بأن الطلاق هو الواقع من الازواج ولم يرد غير هذا حتى يحتاج إلي الكلام عليه فمن ادعى أنه يصح طلاق من غير زوج فعليه البرهان فإن نهض به والا كانت دعواه ردا عليه. وأما ما ورد في التخيير والتوكيل فهو كائن من جهة الزوج فأنه إذا خير زوجته فقد جعل الامر الذي هو اليه اليها وهكذا إذا وكل وكيلا يطلق زوجته. وإذا تقرر لك هذا عرفت أنه لا حاجة إلي الاستدلال على كون الطلاق إنما يصح من الزوج بالاحاديث التي لا تقوم بها حجة كحديث: "الطلاق لمن أمسك بالساق" "ابن ماجة ٢٠٨١". نعم يجب على الزوج إذا امره ابوه ان يطلق امرأته ان يطيعه ويطلقها لما أخرجه أحمد وابو دأود والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي حسن صحيح من حديث ابن عمر قال كان تحتي امراة احبها وكان أبي يكرهها فأمرني ان اطلقها فأبيت فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: "يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك"، فهذا الحديث فيه أنه يجب على الزوج ان يطلق امرأته إذا امره ابوه بذلك وفيه أيضا دليل على أنه لا يصح الطلاق الا من الزوج فإنه لو كان يصح من غيره لكان الاب احق بذلك فإذا لم يصح من الاب لم يصح من غيره بفحوى الخطاب. وأما ما روى عن ابن عباس أنه يقع طلاق السيد على عبده فهو قول صحأبي لا تقوم به حجة مع أنه قد روى هو نفسه عن رسول الله ﷺ ما يخالف قوله هذا في حديث العبد الذي قال يا رسول الله سيدي زوجني امته وهو يريد ان يفرق بيني وبينها فقال ﷺ : "يا أيها الناس ما بال أحدكم يزوج عبده أمته ثم يريد أن يفرق بينهما إنما الطلاق لمن أخذ بالساق"، أخرجه ابن ماجه والدارقطني والطبراني وابن عدي وفي إسناده ابن لهيعة. قوله: "مختار". أقول: الأقوال والأفعال الصادرة على وجه الاكراه قد دلت ادلة الشرع الكلية والجزئية على أنه لا يترتب عليها شيء من الأحكام فإن الله سبحانه لم يجعل من كفر مكرها كافرا فقال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وإذا كان الاكراه مبطلا للكفر بالله والاشراك فما ظنك بغيره وقال الله سبحانه: ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال لما دعاه عباده بهذه الدعوات قال: "قد فعلت". فالمكره لو كلف بما أكره به ويثبت عليه أحكامه لكان قد حمل مالا طاقة له به ومن هذا

стр. 431

القبيل حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فإن له طرقا يشهد بعضها لبعض ولذلك حسنه من حسنه. والمراد بالرفع رفع الخطإ بذلك وترتب أحكامه عليه وهذا المقدار يكفي في الاستدلال على عدم صحة طلاق المكره على تقدير عدم وجوب ما يدل عليه بخصوصه فكيف وقد دل عليه خصوصا حديث: "لا طلاق ولا عتاق في إغلاق" فإن ابن قتيبة والخطأبي وابن السيد حكوا عن ائمة اللغة أنهم فسروه بالاكراه ولا ينافي ذلك تفسير بعضهم له بالغضب وبعضهم له بالتضييق على ما في هذين التفسيرين من الضعف البين والمخالفة لما هو الظاهر. قوله: "مكلف". أقول: للانفاق على ان الصبي والمجنون غير مكلفين بالأحكام الشرعية ولكون ما صدر منهما لم يكن صادرا عن قصد أما المجنون فظاهر اذ لا قصد له صحيح اصلا وأما الصبي فلأن قصده كلا قصد لنقصان إدراكه. ومما يدل على عدم الوقوع حديث: "رفع القلم عن ثلاثة"، [أحمد "٦/١٠٠، ١٠١ ١٤٤"، أبو داود "٤٣٩٨"، النسائي "٦/١٥٦" ابن ماجة "٢٠٤١"] ، ولا وجه لاستثناء السكران بقوله غالبا لأنه إذا ذهب إدراكه كان لاحقا بالمجانين وله حكمهم. وأما قول من قال إنه يقع طلاقه عقوبة له فقد ورد الشرع بأن عقوبته الحد وليس لنا ان تجعل له عقوبة من جهة انفسنا ونرتب عليها أحكاما لم يأذن الله بها وقد سكر حمزة ﵁ قبل تحريم الخمر وقال للنبي ﷺ ولعلي ﵁ لما دخلا عليه وهو سكران: هل أنتم الا عبيد لأبي, فلو كان لكلام السكران حكم لكان هذا الكلام كفرا. وقد أطلنا الكلام على طلاق السكران في شرحنا للمنتقي فليرجع اليه ففيه مالا يحتاج الناظر فيه إلي غيره. قوله: "قصد اللفظ في الصريح". أقول: هذا من غرائب الاجتهاد وعجائب الراي وكيف يؤاخذ من قصد التكلم باللفظ غير مريد لمعناه بما هو مدلول ذلك اللفظ مع أنه غير مقصود ولا مراد واي تكليف ورد بمثل هذا واي شرع أو لغة أو عرف دل عليه فإن الالفاظ إنما هي قوالب المعاني ولا تراد لذاتها اصلا لا عند أهل اللغة ولا عند أهل الشرع فالمتكلم بلفظ الطلاق الصريح في معناه إذا لم يرد المعنى الذي وضع له ذلك اللفظ وهو فراق زوجته فهو كالهاذي الذي يأتي في هذيانه بألفاظ لا يريد معانيها ولا يقصد مدلولاتها. فالحاصل ان من لم يقصد معنى اللفظ لم يؤاخذ به وإن تكلم به الف مرة ومن زعم غير هذا فقد جاء لما لم يعقل ولا يطابق شرعا ولا عقلا ولا رايا قويا نعم إذا جاء في لفظه بما هو طلاق صريح وقال إنه لم يقصد معناه ولا أراد مدلوله كان مدعيا لخلاف الظاهر لأنه ادعى ما لا

стр. 432

يفعله العقلاء في غالب الاحوال ولكن لما كان القصد لا يعرف الا من جهته كان القول قوله مع يمينه إن خاصمته في ذلك امرأته أو احتسب عليه محتسب. وأما قوله: "إنشاء كان أو إقرارا أو نداء أو خبرا" فكل هذه إذا وقعت من الزوج قاصدا بها معانيها كان ذلك طلاقا بلا شك ولا شبهة لا إذا لم يقصدها كما عرفناك. قوله: "ولو هازلا". أقول: الهازل هو الذي تكلم باللفظ قاصدا لمعناه المراد منه ولكن أوقعه على طريقة الهزل ولم يوقعه على طريقة الجد أما لو لم يقصد به المعنى بكل تكلم باللفظ من غير قصد قط فإن هذا لا يصدق عليه أنه هازل وهذا ظاهر مكشوف ووجه وقوع الطلاق من الهازل ورود الشرع بذلك وهو ما أخرجه أحمد وأبو دأود وابن ماجه والترمذي وحسنه والحاكم وصححه وأخرجه أيضا الدارقطني عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة". وما قيل من أن في إسناده عبدا لرحمن بن حبيب بن اردك وقد قال النسائي إنه منكر الحديث فهو مدفوع بأنه قد وثقه غيره قال ابن حجر فهو على هذا حسن. وأخرج الطبراني من حديث فضالة بن عبيد بلفظ: "ثلاث لا يجوز فيهن اللعب الطلاق والنكاح والعتق" وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج الحارث بن أبي أسامة في مسنده عن عبادة بن الصامت بلفظ: "لا يجوز اللعب فيهن الطلاق والنكاح والعتاق فمن قالهن فقد وجبن" وإسناده منقطع. وأخرج عبد الرزاق عن أبي ذر "من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز ومن أعتق وهو لاعب فعتقه جائز ومن نكح وهو لاعب فنكاحه جائز" وفي إسناده انقطاع أيضا. وأخرج عبد الرزاق نحوه عن علي وعمر موقوفين. فالحديث المتقدم وما في معناه قد دل على وقوع هذه الثلاثة من الهازل ولولا ورود ذلك لم يقع بها شيء لأنه لم يخرجها مخرج القصد الصحيح والعزم المعتبر كما قال : ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧] . قوله: "أو ظانها غير زوجته". أقول: هذا بناء على ان مجرداللفظ يكفي كما سلف وقد عرفت أنه لا بد ان يقصد باللفظ أي لفظ كان فراق زوجته فالقاصد لغيرها فانكشف انها هي هو غير قاصد لفراق زوجته فلا يقع طلاقه عليها فإنه لم يوقعه عليها بل أوقعه على غيرها. وأما قوله: "أو بعجمي عرفه" فصحيح إذا كان عارفا بمعناه وقصد به فرقتها فليس الطلاق مختصا بألفاظ العرب. وأما قوله: "واللفظ والمعنى في كناية" فقد عرفت أنه لا فرق بين اللفظ الصريح والكناية لأنه إذا لم يكن قاصدا لمعناه لم يقع به الطلاق ولا فرق بين ان تكون الكناية بلفظ أو إشارة أو

стр. 433

كتابة إذا ليس المراد الا الافهام وهو يقع بجميع ذلك ولم يصب من قال إنه لا يقع الطلاق بالكناية. والحاصل أنه يقع الطلاق لكل لفظ أو نحوه يدل على الفرقة كائنا ما كان حيث كان مريدا للفرقة به فلا فائدة في تعداد الالفاظ. قوله: "وسنيه واحدة فقط في طهر". أقول: أما اشتراط كونها واحدة فليس في الاحاديث الصحيحية ما يدل عليه وأما ما روى من حديث ابن عمر عند الدارقطني بلفظ في كل قرء طلقة فلم يثبت ولا تقوم بمثله الحجة وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أنه ﷺ قال لعمر لما طلق ابنه عبد الله امرأته وهي حائض: "مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا"، فقوله: "ثم ليطلقها" يدل على جواز الطلاق منه في تلك الحال كيف شاء واحدة أو أكثر. وهكذا سائر روايات الصحيحين فإنها مصرحة بلفظ الطلاق وهو لا يختص بالواحدة فله ان يطلقها في ذلك الطهر ثم يراجعها ثم يطلقها اخرى. وثبت في حديثه في الصحيحين [البخاري "٥٣٣٢" مسلم "١٤٧١"، وغيرهما [أبو داود "٢١٧٩"، الترمذي "١١٧٥"، النسائي "٦/١٣٧، ١٤١"] ، أنه قال له: "مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض فتطهر فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها"، فدل على أنه إذا وقع الطلاق في الحيض فلا بد في طلاق السنة من ان تطهر في هذه الحيضة ثم ينقضى هذا الطهر والحيض بعده ويطلقها في الطهر الثاني فإن طلقها في الطهر الذي يلي الحيضة التي طلقها فيها لم يكن سنيا كما قال المصنف وفي طهر لا وطء فيه ولا طلاق ولا في حيضته المتقدمة الا ان اشتراط ان لا يكون وطؤها في هذا الحيض ليس في الادلة ما يدل عليه فالنبي ﷺ إنما عرف بان لا يطلقها في الطهر الذي وقع بعدالحيضة التي طلقها فيها. وأما قوله: "في حق غير الحائض المفرد فقط" فوجهه ان الذي انكره النبي ﷺ هو ايقاع الطلاق في الحيض وهذه ليست بحائض ولم يدل دليل على كيفية الطلاق السني في حقها فكان ايقاع الطلاق عليها في أي وقت كان موافقا للسنة. وأما اشتراط ان تكون واحدة فقد قدمنا أنه لا يدل دليل على ذلك في الحائض ولا ورد ما يدل على اشتراطه في طلاق السنة في غير الحائض. ولا وجه لقوله: "وندب تقديم الكف شهرا" لأن الندب حكم شرعي فلا يثبت الا بدليل. وأما قوله: "ويفرق الثلاث" الخ فمبني على ان الطلاق لا يكون على السنة الا إذا كان مفردا وليس على ذلك دليل. وأما قوله: "وتخلل الرجعة". وقوله: "ويكفي في نحو انت طالق ثلاثا للسنة تخليل الرجعة" فمبني على ان الطلاق لا يتبع الطلاق وسيأتي البحث عنه إن شاء الله. قوله: "ويدعيه ما خالفه فياثم ثم يقع".

стр. 434

أقول: الذي دل على هذا الطلاق المسمى بطلاق السنة هو حديث ابن عمر الذي قدمنا ذكر بعض طرقه وقد ورد فيه في رواية في الصحيحين [البخاري "٤٩٠٨، ٧١٦٠"، مسلم "٤/١٤٧١"] ، وغيرهما [أحمد "٢/٢٦، ٥٨، ٨١، ١٣٠"، الترمذي "١١٧٦"] : وكان عبد الله طلق تطليقة فحسبت من طلاقها. وفي رواية لمسلم وأحمد والنسائي أن ابن عمر كان إذا سئل عن ذلك قال لأحدهم أما إن طلقت امرأتك مرة أو مرتين فإن رسول الله ﷺ امرني بهذا وإن كنت قد طلقت ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك وعصيت الله فيما امرك به من طلاق امرأتك. وفي لفظ في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال: "مره فليراجعها". وفي لفظ للبخاري عن ابن عمر أنه قال: "حسبت علي بتطليقه". فهذه الروايات تدل على وقوع البدعي وقد ذهب إلي ذلك الجمهور واستدل القائلون بعدم وقوعه بما أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي عن ابن عمر بلفظ فردها على رسول الله ﷺ ولم يرها شيئا ورجال هذا الحديث رجال الصحيح قال ابن حجر وإسناده هذه الزيادة على شرط الصحيح وقال ابن القيم إن هذا الحديث صحيح قال الخطابي قال أهل الحديث لم يرو أبو الزبير انكر من هذا الحديث وقد يحتمل ان يكون معناه ولم يرها شيئا يحرم معه المراجعة ولم يرها شيئا جائزا في السنة ماضيا في الاختيار. وقال ابن عبد البر قوله لم يرها شيئا منكر لم يقله غير أبي الزبير وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله فكيف إذا خالفه من هو أوثق منه ولو صح فمعناه عندي والله أعلم ولم يرها شيئا مستقيما لكونها لم تكن على السنة. وقال أبو دأود بعد إخراجه لهذه الزيادة روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة واحاديثهم على خلاف ما قال أبو الزبير. وبهذا تعرف ان القول بوقوع البدعي ارجح ويؤيد هذا أنه أخرج ابن وهب في مسنده عن ابن أبي ذئب أنه قال في الحديث عن النبي ﷺ : "وهي واحدة"، وقال ابن أبي ذئب وحدثني حنظلة بن أبي سفيان سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي ﷺ بذلك وأخرجه الدارقطني عن يزيد بن هرون عن بن أبي ذئب وأبي اسحق جميعا عن نافع عن أبي عثمان عن النبي ﷺ : "هي واحدة". وأخرج الدارقطني أيضا من رواية سعيد عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في القصة فقال عمر: يا رسول الله أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". وقد حررت هذا البحث في رسالة مستقلة. قوله: "ونقى أحد النقيضين إثبات للآخر". أقول: يعني حيث نفاهما معا فإن نفى الأول يكون اثباتا للآخر فإذا قال هي طالق لا

стр. 435

لبدعة ولا للسنة طلقت للسن والعكس للبدعة وانت خبير بأن هذا إن كان رجوعا إلي مدلول ما تكلم به فقد تكلم بما يفيد عدم وقوع الطلاق على كل حال لأنه قال لا كذا ولا كذا ومعنى هذا عدم الوقوع في كلا الحالتين وعلى كلا الوصفين المتقابلين وإن كان رجوعا إلي شيء آخر غير مدلول الكلام الذي تكلم به فما هو وللرجل ان ينفي الطلاق عن نفسه بأي عبارة أراد فكيف يكون نفيه البالغ المتضمن لرفع النقيضين أو الضدين موجبا لوقوع الطلاق. قوله: "ورجعيه ما كان بعد وطء على غير عوض مال وليس ثالثا". أقول: هذا الرسم للرجعي صحيح الا اشتراط الوطء ففيه ما فيه فإن الخلوة توجب العدة وكونه لا يثبت لزوجها عليها الرجعة فيها محتاج إلي دليل. وأما المختلعة فهي افتدت نفسها فلو كان له مراجعتها من جهة نفسه بدون اختيارها لكان ذلك خلاف ما هو مقصوده من الافتداء. وأما المثلثة فبنص القرآن وهكذا قوله وبائنه ما خالفه فإن الكلام فيه هكذا. قوله: "ومطلقه يقع في الحال وشروطه يترتب على الشرط". أقول: أما وقوع المطلق في الحال فظاهر لا يحتاج إلي ذكره لان تجرد اللفظ عن التقييدات يوجب ان يكون زمانه زمان التكلم به اذ هو مقتضى اللفظ ولا صارف يصرف عنه. وأما كون مشروطه يترتب على الشرط فظاهر ومن شكك في وقوع الطلاق المشروط فهو لم يأت في تشكيكه بطائل فإن التقييد بالشروط في الكتاب والسنة لا يحيط به الحصر فضلا عن كلام العرب وليس هذا التشكيك مختصا بالطلاق بل يجري في جميع الابواب وفي كل شرط مستقبل في اللغة العربية باسرها وهذا دفع للشرع بالصدر فضلا عن كونه ردا للغة العرب. قوله: "أو مشيئة الله". أقول: قد جاءت السنة الصحيحة بأن التقييد بالمشيئة يوجب عدم وقوع ما علق بها كمن حلف ليفعلن كذا إن شاء الله فإنه لا يلزمه حكم اليمين في هذا أو غيره فالمعلق للطلاق بالمشيئة إن أراد هذا المعنى لم يقع منه الطلاق وان أرادا لطلاق إن كان الله سبحانه يشاؤه في تلك الحال فإن كان ممسكا بها بالمعروف وهي مطيعة له فالله سبحانه لا يشاء طلاقها. وإن كان غير ممسك بالمعروف فقد أراد الله سبحانه منه في تلك الحالة ان يسرحها بإحسان كما قال في كتابه العزيز فمراده هو ما في كتابه من التخيير بين الامساك بالمعروف والتسريح بالاحسان. وإن أراد ما يريده غالب الناس من لفظ التقييد بالمشيئة فإنهم يريدون تأكيد وقوع ما قيدوه بها في الاثبات وتأكيد عدم وقوع ما قيدوه بها في النفي وقع الطلاق المقيد بالمشيئة لأنه قد أراد الفرقة بعبارة مؤكدة. وأما قوله: "وآلاته" الخ فالمصنف ﵀ إنما اقتصر على هذه لكونها أمهات الات الشرط كما صرح هو بذلك.

стр. 436

قوله: "ولا يقتضي التكرار الا كلما". أقول: لهذا صحيح لانها تقتضيه لذاتها بخلاف عيرها فا متى لا تدل على تكرار كما يعلم من قول القائل متى جئتني اكرمتك فإنه لا يراد بهذا أنه يكرمه في كل وقت من أوقات مجيئه وأما كلما فإنها دالة على التكرار دلالة بينة واضحة ولا ترد لغيره الا لقرينة تصرفها عما هو اصلها وأما تكرر المعلق على علة بتكررها فهذا بحث آخر ليس المصنف بصدد بيانه. قوله: "ولا يقضتي الفور الا إن في التمليك". أقول: إن كان هذا الاقتضاء من هذا الحرف فهو محتاج إلي نقل عن أهل اللغة وإن كان ذلك بخصوص كونها في التمليك فلا شك أنه لم يرد ما يدل على الفور في مثل قول الرجل لامرأته طلقي نفسك إن شئت فإن المشيئة منها كما يصح اعتبارها في الحال يصح اعتبارها في الاستقبال وكذا قوله وغير ان وإذا مع لم فإنه لم يرد ما يدل على هذه الدعوى من شرع ولا لغة وان كان هذا الاقتضاء هو مجرد اصطلاح للمصنف وأهل محله فلا مشاحة في الاصطلاحات. قوله: "ومتى تعدد لا بعطف فالحكم للأول" الخ. أقول: ايقاع القيود بعدالكلام يوجب ان يكون كلها قيودا له فيقول القائل انت طالق إن أكلت إن شربت هو كقوله انت طالق إن أكلت انت طالق إن شربت فيقع الطلاق بواحد منهما فإن أكلت طلقت وإن شربت طلقت ولا فرق بين المتقدم في كلامه والمتأخر بل الاعتبار بما تقدم وقوعه من المرأة هكذا ينبغي ان يكون الكلام في هذا المقام. وأما مع العطف فيما اقتضاه العاطف من جمع أو ترتيب كان العمل عليه وهو ظاهر فالقائل انت طالق إن أكلت وشربت لا يقع طلاقه الا بمجموع الأكل والشرب وإن قال إن أكلت ثم شربت فلا يقع طلاقه الا بوقوع الأكل أولا ثم الشرب ثانيا وهكذا في التخيير تطلق بواحد منهما. [فصل ويصح التعليق بالنكاح والطلاق نفيا وإثباتا لواحدة أو اكثر وبالوطء فيقع بالتقاء الختانين والتتمة رجعة في الرجعي وبالحبل قيل ويكف بعد الانزال حتى يتبين وبالولادة فيقع بوضع متخلق لا وضع الحمل فبمجموعه وبالحيض فيقع برؤية الدم إن تم حيضا قوله فصل ويصح التعليق بالنكاح والطلاق] الخ. أقول: لا حاجة لذكر هذا الفصل فإنه يغني عنه ما تقدم من تجويز الطلاق المشروط ووقوعه عنه وقوع شرطه وهذه الصورة المذكورة في هذا الفصل هي داخلة تحت ذلك العموم فإن قول

стр. 437

الزوج إن نكحت فلانة أو طلقتها فأنت طالق وكذا قوله إن وطئتها وكذا قوله إن ولدت فأنت طالق وإن حضت فأنت طالق هي طلاقات مشروطة فهي داخلة فيما تقدم ولعله أراد ان يبين ما ذكره من ان التتمة رجعة في الرجعى وان الولادة تكون بوضع مولود متخلق ووضع الحمل لا يكون وضعا الا بوضع المجموع ولكن لا يخفاك ان بيان مثل هذه الامور لا يلجىء إلي هذا التكرار الطويل مع وضوح الامر في هذه الاشياء وعدم خفائها حتى يقتضي ذلك بيانها. [فصل وما علق بمضي حين ونحوه قيل وقع بالموت ومنه إلي حين ويقع بأول المعين وأول الأول إن تعدد كاليوم غدا ولو بتخيير أو جمع غالبا ويوم يقدم ونحوه لوقته عرفا وأول آخر اليوم وعكسه لنصفه أمس لا يقع وإذا مضى يوم في النهار لمجيء مثل وقته وفي الليل لغروب شمس تاليه والقمر لرابع الشهر إلي سبع وعشرين والبدر لرابع عشر فقط والعيد وربيع وجمادي وموت زيد وعمرو لأول الأول وقبل كذا للحال وبشهر لقبله به وقبل كذا وكذا بشهر لقبل أخرهما به ويدخله الدور ولا يصح التحبيس وهو متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا ومهما لم يغلب وقوع الشرط لم يقع المشروط وما أوقع على غير معين كإحداكن أو التبس بعد تعينه أو ما وقع شرطه أوجب اعتزال الجميع فلا خيرجن الا بطلاق فيجبر الممتنع فإن تمرد فالفسخ ولا يصح منه التعيين ويصح رفع اللبس برجعة أو طلاق] . قوله: فصل: "وما علق بمضى حين ونحوه" الخ. أقول: إن كان الحين مشتركا بي ما يطلق عليه من الحصص الزمانية فلا بد ان يريد واحدة منها ولا تطلق بمجرد وقوع اللحظة اليسيرة لانها أحد معاني الحين فهي كغيرها لا مرجع لها على ما هومن جملة معاني الحين حقيقة وإن كان لاحين حقيقة في واحد منها مجازا فيما عداه لم تطلق الا بالحين الحقيقي الا ان يكون مريدا للمجاز فله أرادته. وإن كان الحين مطلقا في أفراده يتنأولها على جهة البدل كرجل فإن أراد واحدا منها كان الطلاق واقعا بمضية وان لم يرد وقع الطلاق بما يصدق عليه ذلك المطلق وأول ما يصدق عليه اللحظة من الزمان. وأما قول المصنف: "ومنه إلي حين" فليس مراده ما يدل عليه لفظ إلي من كون الطلاق مغيا بغاية هي مضي الحين فإن هذه الأرادة لا تصدر من متشرع فضلا عن عالم فليس مراده الا ان إلي هنا بمعنى مع فكأنه قال انت طالق مع مضي حين فإذا مضى طلقت.

стр. 438

وأما قوله: "ويقع بأول المعين" فصحيح لان ذلك الوقت قد صار زمانا لوقوع الطلاق وليس بعضه أولى من بعض فتطلق لدخول ذلك الوقت المعين حيث لم يكن متعددا وبأول وقت يدخل من المتعدد وإن كان الظاهر أنه قد جعل المتعدد وقتا للطلاق فيرجع إلي أرادته إن كان له أرادة كان العمل عليها وإن كان لا أرادة له فكما قدمنا أنه في حكم الواحد فيقع بدخول جزء من الوقت. وأما التخيير فالظاهر أنه لا جزم بوقوع الطلاق في احدهما فإذا قال: أنت طالق اليوم أو غدا فإن كان له أرادة كان العمل عليها وإن لم تكن له أرادة فلا يقع بمضي اليوم طلاق بل لا يقع الا بدخول جزء من الغد لعدم استقرار الكلام مع حرف التخيير فإنه إنما يكون للشك أو التشكيك. وما الجمع نحو ان يقول انت طالق اليوم وغدا فإنه قد صار الجمع كالوقت الواحد لما يقتضيه حرف الجمع ويقع بدخول جزء من اجزاء الأول. وأما قوله: "ويوم يقدم ونحوه لوقته عرفا" فهذا صحيح إن كان ثم عرف وإلا فالظاهر انها تطلق بأول جزء من اليوم الذي قدم فيه ويكون قدومه كاشفا عن وقوع الطلاق في أول اليوم. وأما قوله: "وأول آخر اليوم وعكسه لنصفه" فالظاهر أن آخر اليوم وهو آخر اجزائه فتطلق في أول هذا الجزء ولا يتحقق وقوع هذا الطلاق الا بانقضاء اليوم كله وتطلق في العكس عند مضى جزء من أول اليوم. لانه يصدق بمضي ذلك الجزء أنه آخر أول اليوم. وأما كون امس لا يقع فظاهر لأنه قد انقضى فلم يبق منه ما يكون وقتا لوقوع الطلاق. وأما قوله: "وإذا مضى يوم في النهار فلمجيء مثل وقته" فالظاهر أنه لا بد من مضي يوم مستقل من غير اعتبار الكسر لان هذا هو المعنى الحقيقي فلا تطلق الا بمضي اليوم المستقبل كله كما لو قال ذلك وهو في الليل. وأما قوله: "والقمر لرابع الشهر" الخ فإن كان هذا مدلوله اللغوي فلا باس به وإلا فالظاهر أن يقال له قبل الكمال هلال وهكذا اختصاص البدر بليلة رابع عشر إن كان ذلك مدلولا لغويا فلا بأس والا فالظاهر أنه يقال له بدر ما بقي كاملا: توفي البدور النقص وهي أهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل وأما قوله: "والعيد وربيع وجمادي" الخ فليس لذكر هذا فائدة يعتد بها بعد قوله ويقع بأول المعين وأول الأول. وأما قوله: "وقبل كذا للحال" فصحيح لأن وقت التكلم هو أول الأوقات القبلية وليس المراد القبلية المطلقة والا لزم ان لا يقع الطلاق بل يكون كقوله انت طالق امس ووجهه أن هذه القبلية لذلك الامر الذي سماه كائنة قبل التكلم. وأما قوله: "وقيل كذا وكذا بشهر لقبل آخرهما به" فالظاهر ان القبلية المنسوبة إلي الشيئين

стр. 439

المذكورين تكون قبل أولهما ولا وجه لجعلها مختصة بقبلية الاخر فإذا دخل أولهما وقد مضى من وقت التكلم شهر فصاعدا كشف عن وقوع الطلاق قبله الشهر وأما إذا دخل أولهما قبل مضى شهر فالظاهر عدم وقوع الطلاق كما لو قال انت طالق امس. قوله: "ويدخله الدور". أقول: الدور هو عدم تناهي التوقفات في أمور متناهية كأن يتوقف كل واحد من الامرين على الاخر مثلا فلا ينجز واحد منهما لأنه متوقف على الاخر والاخر متوقف عليه فهذا المطلق الذي جاء في طلاقه بما يقتضي الدور لم يرد ايقاع الطلاق فلا يقع طلاقه لعدم أرادته ولعدم اقتضاء ما جاء به من الدور للوقوع فمن قال إنه يقع الطلاق المشتمل على الدور فهو لم يصب لأنه إن أراد وقوعه من حيث الصيغة فهي متمانعة كما هو شأن الدور وإن أراد وقوعه من حيث الأرادة فهو بحث آخر. وأما قوله: "ولا يصح التحبيس" فهو راجع على ما قدره من أنه يدخله الدور بالنقض لأنه صادق على التحبيس معنى الدور فإن قوله في مثاله وهو تى وقع عليك طلاقي فأنت طالق قبله ثلاثا قد جعل هذا الطلاق متوقفا على وقوع الثلاث ووقوع الثلاث متوقفا على وقوع الطلاق وهذا هو الدور لصدق حقيقته التي قدمنا ذكرها عليه فلا عذر لمن قال بأنه يدخل الطلاق احدهما ان يقول بعدم دخول الاخر. ومن قال بعدم دخول الطلاق احدهما ان يقول بدخول الاخر والحاصل ان الطلاق الذي وقع على هذه الصفة ينبغي الرجوع إلي مدلول لفظه وقد وجدنا اللفظ الذي جاء به متمانعا لا يقع بعضه الا بوقوع البعض الاخر فلا يجوز لنا ان نحكم بالوقوع لأنه حكم على الزوج بغير ما تكلم به وتفويت لزوجته وإخراج لها من عقد نكاحه بغير صدور ما يدل على ذلك منه فالحكم بالوقوع فيه ظلم له من هذه الحيثية. وأما استدلال من ابطل الدور والتحبيس بأن ذلك بدعة وأنه على غير ما كان عليه النبي ﷺ وأنه يلزم منه ان يمتنع منه إيقاع الطلاق عليها دائما وهو مأذون به فهو استدلال لشيء آخر وقد عرفت ان الله سبحانه جعل الطلاق بيد الازواج فلهم ان يطلقوا متى شاءوا ولهم ان لا يطلقوا ابدا وهذا الذي جاء بالدور قد أراد ان لا يطلق أبدا فما المانع من هذا؟ قوله: "ومهما لم يغلب وقوع الشرط لم يقع المشروط". أقول: الاصل عدم الوقوع فلا يقع الطلاق الا إذا تيقن وقوع الشرط ولا يكفي مجرد الظن وإنما اعتبره المصنف هنا لما سيأتي من أنه يكفي الظن الغالب في النكاح تحريما ولكن الذي ينبغي ها هنا ان لا ينتقل عن الاصل الذي هو عدم وقوع الشرط الا بعلم لا بظن. قوله: "وما أوقع على غير معين" الخ. أقول: هذه الصور ينبغي تحقيق الكلام فيها بما يظهر به الصواب إن شاء الله. أما الصورة الأولى أعني قوله: "وما أوقع على غير معين فإحداكن" فالمتكلم بهذا اللفظ مخاطبا به زوجاته قد أراد ايقاع الطلاق على واحدة منهن غير معينة ولم يجعل لنفسه في الامر

стр. 440

سعة فلا وسع الله عليه قد صارت احداهن طالقا بيقين وكل واحدة يحتمل ان تكون هي المرادة وان تكن غير المرادة فلا تحل له واحدة منهن الا بعد رجعة في الطلاق الرجعى لكل واحدة وللواحدة التي ابهمها ولكن تحسب هذه طلقة على كل واحد ولا وجه ها هنا للرجوع إلي البراءة فقد وقع منه طلاق واحدة بيقين وعدم تعينها لا يستلزم عدم وقوع ذلك الطلاق لا عقلا ولا شرعا ولا لغة ولا عرفا. وهكذا الكلام في الصورة الثانية أعني قوله: "أو التبس بعد تعيينه" بل الوقو في هذه الصورة اظهر من الوقوع في الصورة التي قبلها لانها قد طلقت واحدة منهم معينة بيقين. وأما الصورة الثالثة اعني قوله: "وما وقع شرطه" فإن كان ذلك الشرط دائرا بين نقيضين لا يجتمعان ولا يرتفعان وهي القضية المانعة للجمع والخلو معا نحو ان يقول لشبح رآه إن كان هذا حيوانا فزينب طالق وإن كان غير حيوان ففاطمة طالق والتبس بعد ذلك ما هو فمعلوم أنه قد وقع الطلاق على إحداهما وتكون هذه الصورة مثل الصورتين الأوليين. وأما إذا كان ذلك الشرط دائرا بين شيئين غير متناقضين كأن يقول إن كان هذا الطائر غرابا فزينب طالق وإن كان حدأة ففاطمة طالق فلا يقع الطلاق ولا يجب عليه الاعتزال لأنه يجوز ان يكون ذلك الطائر غير الغراب وغير الحدأة. ولعل المصنف لا يريد الا المثال الأول في هذه الصورة لا المثال الثاني فعرفت بهذا صحة ما ذكره من وجوب الاعتزال وصحة قوله فلا يخرجن الا بطلاق وهكذا لا يرجعن إلي نكاحه الا برجعة لمن وقع عليها الطلاق أو لكل واحدة إذا كان الطلاق رجعيا أو بعقد على المبهمة أو على كل واحدة إذا كان الطلاق بائنا. وأما قوله: "فيجبر الممتنع فإن تمرد فالفسخ" فصواب لانهن قد صرن معلقات عن النكاح مع حصول الاضرار بهن بالاعتزال فإذا لم يطلق كان الفسخ من الحاكم هو الواجب عليه دفعا لما صرن فيه من الضرار مع حبسهن عن الازواج. وأما قوله: "ولا يصح منه التعيين" فإن كان هذا التعيين لامر اقتضى ارتفاع اللبس فكيف لا يقبل منه التعيين عند حصول مقتضيه وزوال مانعه هـ وإن كان التعيين منه لا لارتفاع سبب اللبس بل مجرد التشهي فلا وجه له ولا يصح بحال. وأما قوله: "ويصح رفع اللبس برجعة أو طلاق" فظاهر. [فصل ولا يجوز التحليف به مطلقا ومن حلف مختارا أو مكرها ونواه حنث المطلق ليفعلن بموت أحدهما قبل الفعل والمؤقت بخروج آخره متمكنا من الحنث والبر

стр. 441

ولم يفعل ويتقيد بالاستثناء متصلا غير مستغرق ولو بمشيئة الله تعالي أو غيره فيعتبر المجلس وغير وسوى للنفي والا له مع الاثبات وقيل الا ان للفور] . قوله: فصل: "ولا يجوز التحليف به مطلقا". أقول: لا يجوز التحليف به ولا بغيره والحلف إنما هو بالله وقد نهى ﷺ عن الحلف بغير الله وأمر بالحلف به والاحاديث في هذا الباب كثيرة. وأما قوله: "ومن حلف مختارا أو مكرها ونواه حنث" فاعلم ان إيقاع الطلاق على الزوجة قد يكون بإنشاء لفظ يدل عليه أو بالاخبار عن وقوع طلاق منه متقدم أو بالشرط نحو إن دخلت الدار فأنت طالق. وأما قول القائل: عليه الطلاق أو يلزمه الطلاق ونحو ذلك فليس من ذلك في شيء ولم يجعله الله على رجل طلاقا ولا ألزمه احدا من عباده به ولا يصح من العبد ان يجعل على نفسه غير ما جعله الله عليه ويلزمها غير ما الزمه الله به وهو لم يكن مريدا بالحلف بالطلاق فراق زوجته وإخراجها من حباله حتى يكون هذا اللفظ بمنزلة كنايات الطلاق بل هو لم يرد الا تأكيد وقوع ما حلف على وقوعه أو تأكيد نفي ما حلف على نفيه فمن قال عليه الطلاق ليفعلن كذا أو عليه الطلاق ما فعل كذا أو يلزمه الطلاق ليفعلن أو ما فعل فليس المراد له والمقصود منه عند التكلم بهذا الكلام الا وقوع ذلك الامر أو عدم وقوعه ولكنه أراد ان يشعر السامع بحرصه وتكالبه على الوقوع أو عدمه. وإذا تقرر لك هذا علمت ان وقوع الطلاق بمجرد الحلف به في حيز الاشكال لأنه إلزام نفسه بما لا يلزمها لا من جهة الشرع ولا من جهة الشخص نفسه ولم يكن في لفظه ما يدل على الفرقة ولا ظهر منه حال الحلف أنه مريد للطلاق بهذا اللفظ الذي جاء به حال التكلم به ولا أنه مريد له في المستقبل لأنه بصدد الاخبار بحرصه على وقوع ما حلف عليه بالطلاق أو عدم وقوعه. وبالجملة فليس في الشرع ما يدل على وقوع هذا الطلاق ولا في اللفظ ولا في القصد فتدبر هذا. قوله: "ويتقيد بالاستثناء". أقول: هذا صحيح ولا يحتاج إلي التنصيص عليه فكل كلام إذا قيد بقيد كان ذلك القيد معتبرا من غير فرق بين الاستثناء وغيره ولا بد ان يكون الاستثناء متصلا غير مستغرق كما قال. وأما قوله: "ولو بمشيئة الله تعالي" فقد قدمنا الكلام على ذلك وهكذا التعليق بمشيئة غير الله سبحانه فإن الاعتبار بما يختاره حال التكلم بهذا الكلام والتشكيك في مثل هذا هذيان لا يلتفت اليه. وأما قوله: "وغير وسوى للنفي" فمسلم ان أراد الدلالة المنطوقية لا إذا أراد مطلق الدلالة

стр. 442

فإنهما يدلان بمفهومها على إثبات المقدار الذي توجها إلي نفي ما عداه وإن كانت دلالة الا أوضح من دلالتهما على ذلك. وأما قوله: "قيل: وإلا للفور" فغير مسلم لان الصيغة لا دلالة لها على ذلك وأما مجرد الأرادة والاعراف فباب آخر. [فصل ويصح توليته أما بتمليك وصريحه ان يملكه مصرحا بلفظه أو يأمر به مع إن شئت ونحوه والا فكنابة كأمرك أو امرها اليك أو اختاريني أو نفسك فيقع واحدة بالطلاق أو الاختيار في المجلس قبل الاعراض الا المشروط بغير إن ففيه وبعده ولا رجوع فيهما ولا تكرار الا بكلما وأما بتوكيل منه ان يأمر به لا مع إن شئت ونحوه فلا يعتبر رالمجلس ويصح الرجوع قبل الفعل ما لم يحبس الا بمثله ومطلقه لواحدة على غير عوض ويصح تقييده وتوقيته والقول بعد الوقت للأصل في نفي الفعل لا حاله فللوكيل] . قوله: فصل: "ويصح توليته" الخ. أقول: الطلاق لما كان إلي الزوج كان له ان يجعله بيد غيره ولا مانع من ذلك لا من شرع ولا من عقل ولا من لغة فله ان يأمر من يطلق عنه بأي لفظ كان ومن ذلك ان يقول لزوجته امرك اليك أو يقول لغيرها امرها اليك أو يقول للمرأة اختاريني أو نفسك وقد ثبت أصل التخيير في كتاب الله سبحانه فقال : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨،٢٩] ، ثم لما نزلت هذه الآية خير النبي ﷺ زوجاته وخاطب كل واحدة منهن بذلك كما في الصحيحين [البخاري "٩/٣٦٧"، مسلم "٢٧/١٤٧٧"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٢٠٣"، الترمذي "١١٧٩"، النسائي "٦/١٦١"، ابن ماجة "٢٠٥٢"] . وأما كونه لا يقع واحدة بالطلاق ممن جعل الزوج الامر اليه أو بالاختيار من الزوجة فظاهر لأن المطلق ينصرف إلي ذلك ويصدق بالواحدة الرجعية. وأما اشتراط ان يكون ذلك في المجلس فلا دليل يدل عليه بل الظاهر أنه يصح وإن طال الوقت ما لم يحصل الاضراب المشعر بعدم القبول. وأما كونه لا يصح الرجوع من الزوج فلكونه قد صرف عن نفسه امرا هو اليه فصار الغير مسلطا عليه ويمكن ان يقال إنه إذا رجع قبل الفعل فالرجوع صحيح إلا أن يمنع عنه مانع شرعي أو عقلي ولا مانع هنا ولم يكن قد وقع الفعل فكان الرجوع في محله.

стр. 443

وأما قوله: "ولا تكرار الا بكلما" فلما قدمنا قريبا. وأما قوله: "وأما بتوكيل ومنه ان يأمر به لامع إن شئت ونحوه" فلا يعتبر المجلس فلا يخفاك أنه لا فرق بين التمليك والتوكيل في عدم اعتبار المجلس ولا يظهر للفرق وجه يعتد به. وأما قوله: "فيصح الرجوع" فوجهه ان للموكل عزل الوكيل متى شاء الا ان يأتي بما يمنع لرجوع كالتحبيس. وأما كون مطلقه لواحدة على غير عوض مال فلما قدمنا. وأما كونه يصح تقييده وتوفيته فظاهر لان للموكل ان يامر الوكيل بما أراده وأما كون القول بعدالوقت للأصل في نفي الفعل فلكون الاصل عدمه لا في الوقت فإن الظاهر مع الوكيل.

стр. 444

[باب الخلع أما يصح من زوج مكلف مختار أو نائبه بعقد على عوض مال أو في حكمه صائرا أو بعضه إلي الزوج غالبا من زوجته صحيحة التصرف ولو محجورة ناشزة عن شيء مما يلزمها له من فعل أو ترك أو من غيرها كيف كانت مع القبول أو ما في حكمه في مجلس العقد أو الخبر به قبل الاعراض فيهما كأنت كذا على كذا فقبلت أو الغير أو طلقني أو طلقها على كذا فطلق أو شرطه كإذا كذا أو طلاقك كذا فوقع ولو بعد المجلس فيجبر ملتزم العوض في العقد والزوج على القبض فيهما ولا ينعقد بالعدة ولا تلحق الاجازة الا عقده] . قوله: باب: "الخلع إنما يصح من زوج". أقول: أما كونه لا يصح الا من زوج مكلف مختار فظاهر لما قدمناه وكذلك يصح من نائبه لما سلف. وأما قوله: "بعقد" فليس لهذا حاجة بل المراد حصول التراضي بأي لفظ كان وعلي أي صفة وقع. وأما كونه على عوض مال أو في حكمه فلما تقدم في المهور لانها تفتدى نفسها بما صار اليها أو بعضه كما في قوله ﷺ : "ردي عليه حديقته" [البخاري "٩/٣٩٥"] . وأما اشتراط النشوز منها فلقوله : ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، فقيد سبحانه حل الافتداء بمخافتهما الا يقيما حدود الله وظاهر الآية ان الخلع لا يجوز

стр. 445

إلا بحصول المخافة منهما جميعا بأن يخاف الزوج ان لا يمسكها بالمعروف وتخاف الزوجة أن لا تطيعه كما يجب عليها. ولكنه لما ثبت حديث ابن عباس عند البخاري وغيره ان امراة ثابت بن قيس بن شماس جاءت إلي النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إني ما اعتب عليه في خلق ولا دين ولكني اكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله ﷺ : "أتردين عليه حديقته"، قالت نعم. فقال رسول الله ﷺ : "اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، دل ذلك على ان المخافة لعدم إقامة حدود الله من طريقها كافية في جواز الاختلاع. ولا ينافي جواز الاختلاع الاحاديث الواردة في اثم المختلعات فإن ذلك محمول على الكراهة فقط لتصريح القرأن الكريم والسنة بجواز ذلك. وأما قوله: "أو من غيرها كيف كانت" فوجهه ان العوض لما كان من غيرها لم يشترط فيها ما يشترط حيث العوض منها ولكن كون هذا خلعا تثبت به أحكامه غير مسلم. وأما قوله: "مع القبول أو الامتثال أو ما في حكمه" فالمراد ما يشعر بالرضا بذلك كما تقدم. وأما المعاقدة العرفية والمحافظة على ما يفيدها فليس ذلك الا مجرد رأي فلا تشتغل بالكلام على ما تفرع على هذا إلي آخر الفصل. [فصل ولا يحل منها أكثر مما لزم بالعقد لها ولأولادها منه صغار ويصح على ذلك ولو مستقبلا وعلى المهر أو مثله كذلك فإن لم يكن قد دخل رجع بنصفه ونحو ذلك] . قوله: فصل: "ولا يحل منها أكثر مما لزم بالعقد" الخ. أقول: ظاهر القرآن يدل على هذا فإنه سبحانه قال: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً﴾ [البقرة: ٢٢٩] إلي آخر الآية فإنها واردة في اخذ الزوج لشيء مما اتاها فإذا اخذ منها زيادة على ما أتاها فقد خالف ما في الكتاب العزيز. ويدل على هذا أيضا ما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله رجال الصحيح الا ازهر بن مروان وهو مستقيم الحديث من حديث ابن عباس أنه ﷺ قال لامرأة ثابت بن قيس: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم وازيده فامره رسول الله ﷺ أن يأخذ حديقته ولا يزداد وأخرجه أيضا النسائي "٦/١٦٩"، والبيهقي. وأخرج الدارقطني عن أبي الزبير ان النبي ﷺ قال لها: "أما الزيادة فلا ولكن حديقته".

стр. 446

قالت: نعم فاخذها قال الدارقطني وقد سمعه أبو الزبير من غير واحد انتهى وإسناده إلي أبي الزبير صحيح. ولا يعارض الدلالة القرآنية وما ذكرناه عنه ﷺ ما روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري قال كانت اختي تحت رجل من الانصار فارتفعا إلي رسول الله ﷺ فقال لها: "أتردين عليه حديقته؟ "، قالت: وأزيده فخلعها فردت عليه حديقته وزادته فإن إسناد هذا الحديث ضعيف لا تقوم به حجة مع كونها زادته من قبل نفسها فلا حجة في ذلك. وأما قوله: "ولأولاد منه صغار" فوجهه أنه من جملة ما أتاها ولكن لا يخفى ان المراد بما أتاها ما جعله صداقا لها فقط فلا يدخل في ذلك ما سلمه لسبب آخر من نفقة أو كسوة لها أو لأولادها أو أجرة حضانة أو نحو ذلك. وأما قوله: "ويصح على ذلك..... إلي آخر الفصل" فظاهر. [فصل ويلزم بالتغرير مهر المثل ولا تغرير إن ابتدأ أو علم وحصة ما فعل وقد طلبته ثلاثا أولها وللغير حسب الحال وقيمة ما استحق وقدر ما جهلا سقوطه أو هو وهي المبتدئة وينفذ في المرض من الثلث ولها الرجوع قبل القبول في العقد لا في الشرط ويلغو شرط صحة الرجعة] . قوله: "ويلزم بالتغرير مهر المثل". أقول: الزوجة إذا غررت على زوجها كأن تقول له طلقني على ما في هذا المكان فطلقها عليه ثم انكشف أنه لم يكن في ذلك المكان شيء فالطلاق غير واقع لأنه أوقعه مقيدا بقيد وهو العوض الذي غررت به ولم يوقعه مطلقا فلا يصح في هذا طلاق خلع ولا غير خلع ولو قدرنا أنه قد صح الطلاق ولزمها ما غررت به لم يكن للرجوع إلي مهر المثل وجه بل ينبغي الرجوع إلي المقدار الذي يكون به الاختلاع في العرف الغالب لأنه المقصود لهما. وأما قوله: "ولا تغرير إن ابتدأ" فغير مسلم لأنه إذا كان الابتداء منه مقتضيا لعدم التغرير منها فإنه إنما طلق إلي مقابل مال في ظنه فلا يقع الطلاق إذا لم يكن ثم مال كما تقدم. وأما إذا علم بأنه لاشيء فقد رضي لنفسه بايقاع الطلاق بلا عوض. وأما قوله: "وحصة ما فعل وقد طلبته ثلاثا" فظاهر وهكذا ما بعده. وأما قوله: "وينفذ في المرض من الثلث" فسيأتي البحث في الوصايا وهو شامل لهذه المختلعة ولغيرها.

стр. 447

وأما قوله: "ولها الرجوع" الخ فإذا لم يقع الرضا من الزوج كان لها ذلك وهكذا إذا لم يكن قد ظهر منه ما يدل على الرضا فلها ذلك من غير فرق بين عقد وشرط. وأما قوله: "ويلغو شرط صحة الرجعة" فلكون مقتضى الخلع هو عدم صحة الرجعة وان الامر مفوض إلي اختيار المراة لانها لم تفتد بمالها الا لهذا المقصد ولو علمت أنه يفارقها في هذا الوقت ويراجعها في الوقت الثاني شاءت ام ابت لم ترض بما افتدت به فإن ذلك لا يفعله عاقل فليس هذا من الشروط الشرعية بل من الشروط التي يراد بها المخادعة والمخالفة لما شرعه الله. [فصل وهو طلاق بائن يمنع الرجعة والطلاق ولفظه كناية ويصير مختله رجعيا غالبا ويقبل عوضه الجهالة ويتعين أوكس الجنس المسمى ويبطل الخلع ببطلانه غير تغرير لا الطلاق قوله فصل وهو طلاق بائن] الخ. أقول: قد استدل على كونه طلاقا بما تقدم عند البخاري من حديث ابن عباس بلفظ وطلقها تطليقة ومعلوم ان هذه الطلقة الواقعة منه لها حكمها ولا ينافي ما في هذا الحديث ما وقع من حديث الربيع بنت معوذ أن النبي ﵌ قال لثابت بن قيس: "خذ الذي لك عليها وخل سبيلها"، كما أخرجه النسائي بإسناد صحيح لان تخلية السبيل كناية عن الطلاق فلا اشكال من هذه الحيثية وإنما الاشكال فيما قد ثبت عنه ﷺ : "أنها تعتد بحيضة"، كما في حديث الربيع المذكور فإنه ﷺ : "أمرها ان تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها"، وكذلك في حديث ابن عباس عند أبي دأود والترمذي وحسنه وفيه فأمرها ﷺ ان تعتد بحيضة وهكذا في حديث آخر عن الربيع أخرجه الترمذي وفيه: فأمرها ﷺ أن تعتد بحيضة. فهذه الاحاديث تدل على أنه فسخ لا طلاق لأن الطلاق حكمه ما ذكره الله سبحانه بقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، ومن جملة ما استدلوا به على أنه فسخ لا طلاق قوله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، ثم ذكر سبحانه الافتداء ثم عقبه بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، قالوا: ولو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل فيه الا بعد زوج هو الطلاق الرابع. والذي ينبغي الجمع به هو ان عدة هذه الخلع حيضة لا غير وليس غير سواء كان بلفظ الطلاق أو بغيره مما يشعر بتخلية السبيل أو بتركها وشأنها من دون ان يجرى منه لفظ قط ويكون الوارد في هذا الطلاق الكائن في الخلع مخصصا لما ورد في عدة المطلقة فتكون عدة الطلاق

стр. 448

ثلاثة قروء الا إذا كان الطلاق مع الافتداء فإنه حيضة واحده لا تحسب عليه طلقة الا إذا جاء بلفظ الطلاق أو بما يدل عليه لا إذا لم يقع منه لفظ البتة بل تركها وشأنها فإن هذا لا يحسب عليه طلاقا. وبهذا التقرير تجتمع الادلة ويرتفع الاشكال على كل تقدير. وأما كونه يمنع الرجعة فلما قدمنا في الفصل الأول فلا نعيده. وأما كونه يمنع الطلاق فمبنى على أنه طلاق وعلى ما سيأتي من ان الطلاق لا يتبع الطلاق وستعرف ما هو الحق في ذلك إن شاء الله. وأما كون لفظه كناية إذا قال به لزوجته من دون مال منها فإذا أراد به الطلاق كان طلاقا لعدم انحصار الصيغ التي يكون بها الطلاق. قوله: "ويصير مختله رجعيا". أقول: ليس المعتبر في صحة الخلع الا ما ذكره الله من وقوع المخافة من الزوجين ان لا يقيما حدود الله فإذا حصل ذلك ووقع منها الافتداء طيبة به نفسها فهذا هو الخلع الذي شرعه الله وإذا وقع على غير هذا الوجه كأن تكون الزوجة مكرهة أو الزوج مكرها أو كان احدهما صغيرا فهذا ليس هو الخلع الذي اذن الله به فلا يصح من الاصل ولا يصير رجعيا لان ايقاع الطلاق إنما كان إلي مقابل المال الذي افتدت به المراة فإذا وجد مع كونهما مكلفين مختارين خائفين ان لا يقيما حدود الله فهو خلع بأي صيغة كان وعلي أي صفة وقع وإن أختل أحد هذه الامور فلا يكون خلعا ولا يثبت به طلاق لا بائن ولا رجعي. ولا يعتبر في صحة الخلع صدور النشوز من المراة بالفعل أو عدم إحسان العشرة من الزوج بالفعل بل المراد حصول مجرد المخافة فإن كان قد وقع ما خافاه أو احدهما وجازت المخالعة بفحوى الخطاب. وأما قوله: "ويقبل عوضه الجهالة" فإذا خالعها على شيء مجهول القدر أو الجنس ورضيا بذلك ثبت الخلع ويلزمها تسليم أوسط الجنس المسمى لا اعلاه ولا أدناه فهذا هو الذي ينبغي اعتماده ولا يتم العدل بينهما الا به. وأما قوله: "ويبطل الخلع" الخ فقد تقدم له ما يغني عن ذكره هنا. [فصل والطلاق لا يتوقت ولا يتوإلي متعدده بلفظ أو الفاظ ولا تلحقه الاجازة لكن يتم كسره ويسرى وينسحب حكمه ويدخله التشريك والتخيير غالبا ويتبعه الفسخ لا العكس ويقع المعقود وعلى غرض بالقبول أو ما في حكمه في المجلس قبل الاعراض ولا ينهدم الا ثلاثة

стр. 449

ولا شرطه الا معها فينهدم ولو بكلما ولا ينهدمان الا بنكاح صحيح مع وطء في قبل ولو من صغير مثله يطأ أو مجبوب غير مستأصل أو في الدمين أو مضمر التحليل وينحل الشرط بغير كلما م ومتى بوقوعه مرة ولو مطلقة] . قوله: فصل: "والطلاق لا يتوقت". أقول: مراده أنه لا يصح إيقاع الطلاق مؤقتا بوقت محدود كأن يقول انت طالق شهرا أو سنة لا إذا قال: أنت طالق في الشهر الفلاني أو في أول سنة كذا فإن هذا صحيح. وأما قوله: "ولا يتوإلي متعدده" فاعلم ان البحث في هذه المسألة يطول إذا اردنا استيفاء ما احتجت به كل طائفة وما اجيب به عليها وقد افردنا ذلك برسالة مستقلة وذكرنا في شرحنا للمنتقى ما ينتفع به الناظر فيه وينشرح له قلبه. والحاصل ان ها هنا حجة تأكل الحجج ودليلا لا يقوم له شيء مما أورد في هذا المقام وهو حديث ابن عباس الثابت في صحيح مسلم وغيره قال كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه اناة فلو امضيناه عليهم فأمضاه عليهم. فإذا كان هذا هو الطلاق الكائن في زمن رسول الله ﷺ وعمل به الصحابة من بعده زيادة على اربع سنين فأي دافع يدفع هذه الحجة واي معارض يقوم بمعارضتها. وجميع ما جاءوا به من الاجوبة قد دفعناه في شرحنا المشار اليه ولكن لما كان القول بالتتابع هو الذي ذهب اليه أهل المذاهب الاربعة وقع الاستكثار من المجأولة والمجادلة والامر اقرب من ذاك والحق بين المنار واضح السبيل على ان الادلة الدالة على ما في حديث ابن عباس هذا هي ارجح وأصرح من الادلة المخالفة له كما يعرف ذلك من انصف ولم يتعسف. وأما ما قيل من التشكيك في لفظ التوالي الواقع في عبارة المصنف فهذيان غريب. وأما قوله: "ولا تلحقه الاجازة" فلا وجه له بل الظاهر ان قول الزوج عند سماع الطلاق لزوجته من فضولي اجزت ذلك هو بمنزلة ابتداء الطلاق وقد عرفناك ان الطلاق يقع بأي لفظ كان وعلى أي صيغة وقع إذا أراد به الزوج الفرقة. وأما تعليلهم لعدم الوقوع بأن الاجازة لا تلحق الاستهلاكات فدعوى على دعوى ورأى بحث على راى بحث ولا يغني ذلك من الحق شيئا. قوله: "لكن يتم كسره". أقول: إذا قال: أنت طالق نصف طلقة وأراد إيقاع هذا القدر عليها فقط فلا يقع الطلاق اصلا لأنه لم يرد الطلاق الشرعي الذي اذن الله به ولا أراد الفرقة الخالصة التي هي معنى الطلاق فالحكم عليه بالطلاق لم يستند إلي لفظ تكلم به ولا إلي قصد قصده.

стр. 450

وهكذا قوله: "ويسرى" لا وجه له لمثل ما ذكرنا وهكذا ما ذكره من الانسحاب فإنه ابعد عن صوب الصواب. وأما قوله: "ويدخله التشريك" فإن أراد أن إحدى زوجتيه مشاركة للأخرى التي أوقع عليها الطلاق وان ذلك الذي أوقعه مشترك بينهما فقد عرفت ما قلناه في كسر الطلاق وهذا منه. وإن أراد ان الاخرى طالق مع الأولى أو كما طلق الأولى فهذا صحيح لانه قد جاء بما يدل على فراق الأولى قاصدا لفراقها ثم تكلم آخرا بما يفيد ان االاخرى قد فارقها كما فارق الأولى. وأما قوله: "والتخيير" فلا حكم له لأن التخيير في الطلاق بين هذه أو هذه لم يستقر على واحده منهما معينة ولا مبهمة فلا يقع بخلاف ما قدمنا في قوله وما أوقع على غير معين كإحداكن فإنه جازم هنا بطلاق واحدة مبهمة فقد صارت أحداهن مطلقة وهكذا ما التبس بعد تعيينه وبهذا تعرف الفرق بن هذا التخيير وبين ما تقدم. وأما كونه يتبعه الفسخ فمحتاج إلي دليل لان المحل قد صار غير قابل فلا فرق بين الطرد والعكس. وأما اعتبار المجلس في المعقود على مال فقد عرفناك ما هو الصواب فيما تقدم. قوله: "كولا ينهدم الا ثلاثة". أقول: وجه تخصيص الانهدام بالثلاث لا بما دونها انها مورد النص فإن الله سبحانه قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، أي فإن طلق مرة ثانية من طلقها مرتين فلا تحل له بعد هذا التثليث حتى تنكح زوجا غيره فإن نكحت زوجا غيره حلت له والظاهر انها تحل له حلا مطلقا فيملك عليها من الطلاق ما يملكه لو نكحها ابتداء. وإذا عرفت ان التثليث هو مورد النصف فاعلم أنه لم يرد في شيء من الكتاب والسنة ما يدل على انها إذا نكحت زوجا غيره بعد طلقة أو تطليقتين ان الطلقة أو الطلقتين يكون لها حكم الثلاث في الانهدام لكن ها هنا قياس قوي هو القياس الذي يسمونه قياس الأولى وتارة يسمونه فحوى الخطاب فإنه يدل على ان انهدام ما دون الثلاث مأخوذ من الآية بطريق الأولى ويعضد هذا ان الاحتساب بما وقع من طلاق الزوج عليها بعد ان نكحت زوجا غيره خلاف ما يوجبه الحل المفهوم من قوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] ، فإن ظاهره انها تحل له الحل الذي يكون للزوج على زوجته لو تزوجها ابتداء. وأما انهدام الشرط فالظاهر أنه ينهدم بنكاحها للغير سواء كان ذلك بعد طلاق الثلاث أو بعد اقل منها لانها لما تزوجت بالغير كان هذا الشرط في حكم العدم ودخلت تحت قوله ﷺ : "لا طلاق قبل نكاح"، [أبو داود "٢١٩٠"، الترمذي "١١٨١"، ابن ماجة "١/٦٦٠"، أحمد "٢/١٨٩، ١٩٠، ٢٠٧"] ، ولو قلنا إنه يقع الطلاق بوقوع الشرط إذا صادف كونها زوجة له بعد نكاح زوج آخر لها لكان هذا مما يصدق عليه أنه من الطلاق قبل النكاح وإن كان تعليقه وهي زوجة له لكنها قد

стр. 451

انمحت تلك الزوجية وصار وجودها كعدمها فكأنه قال لأجنبية إن دخلت الدار بعد ان اتزوجها فهي طالق. وأما كونهما لا تنهدمان الا بنكاح صحيح فليس المراد بهذه الصحة هو ما يصطلح عليه المفرعون بل المراد الصحة الشرعية وهي الواقعة على الصفة التي كانت تقع عليها انكحة الإسلام. وأما قوله: "مع وطء" فالاية وإن كانت تتنأول العقد كما تتنأول الوطء على القول بأن لفظ النكاح مشترك بين العقد والوطء اشتراكا لفظيا لكن حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما قالت جاءت امراة رفاعة القرظي إلي النبي ﷺ فقالت كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب قال: "أتريدين أن ترجعي لرفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك"، يدل على ان المراد بالنكاح في الآية الوطء لا العقد ومعلوم أنه لا يكون وطء الا بعد عقد ولا سيما مع ما أخرجه أحمد والنسائي وأبو نعيم في الحلية من حديث عائشة أيضا قالت: إن النبي ﷺ قال: "العسيلة هي الجماع". وأخرج أيضا أحمد والنسائي عن ابن عمر قال سئل النبي ﷺ عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا ويتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر ثم يطلقها قبل ان يدخل بها هل تحل للأول قال: "لا حتى يذوق العسيلة"، ولفظ النسائي: "لا تحل للأول حتى يجامعها الاخر"، وأما قوله: "في قبل" فلأن ذلك هو النكاح الذي اذن الله به وهو العسيلة التي ذكرها رسول الله ﷺ . وأما صحة وطء الصغير إذا كان مثله يطأ فلأنه يصدق عليه أنه نكحها وأنه وطئها وإن لم يكن له من اللذة ما يكون للكبير. وأما المجبوب فلا بد ان يصدق على وطئه أنه وطء والا فلا اعتبار بذلك. وأما قوله أو في الدمين فلكون ذلك مما يصدق عليه مسمى الوطء. قوله: "أو مضمر التحليل". أقول: هذا الذي اضمر التحليل أو واطأ عليه هو الذي لعنه رسول الله ﷺ كما في حديث ابن مسعود عند أحمد والنسائي والترمذي وصححه وصححه أيضا ابن القطان وابن دقيق العيد على شرط البخاري قال لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له وهو الذي لعنه رسول الله ﷺ في حديث علي بن أبي طالب عند أحمد وأبي دأود والترمذي وابن ماجه وصححه ابن السكن قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل والمحلل له, وهو الذي لعنه رسول الله ﷺ في حديث عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ "، قالوا: بلى يارسول الله, قال: "هو المحلل لعن الله المحلل والمحلل له"، أخرجه "١٩٣٦"، ابن ماجه والحاكم وفي إسناده مقال وأخرج ابن ماجه "١٩٣٤"، نحوه من حديث ابن عباس وأخرج أحمد "٢/٣٢٣"، والبيهقي

стр. 452

والبزار وابن أبي حاتم عن أبي هريرة نحوه وحسنه البخاري. واللعن على الذنب يدل على أنه ذنب كبير شديد ولا تحل لزوجها الأول بهذا التحليل لأن الله سبحانه قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ البقرة: ٢٣٠] ، والمراد النكاح الشرعي وهذا ليس بنكاح شرعي بل نكاح ملعون فاعله والمفعول لأجله. وأما قوله: "وينحل الشرط بغير كلما" الخ فقد قدمنا الكلام في كلما ومتى ولا شك ان الشرط ينحل في غيرهما بمرة واحده لأن الشرط مطلق والمطلق يصدق بالمرة ولو وقع الشرط مطلقة انحل بذلك لأنها وقت دخولها غير صالحة لوقوع الطلاق عليها على قول من يقول إن الطلاق لا يتبع الطلاق كما تقدم فقد وجد ها هنا مانع من وقوع الطلاق عليها وهو كونها مطلقة.

стр. 453

[باب العدة هي أما عن طلاق فلا تجب الا بعد دخول أو خلوة بلا مانع عقلي ولو من صغير مثله يطأ فالحامل بوضع جميعه متخلقا والحائض بثلاث غير ما طلقت فيها أو وقعت تحت زوج جهلا فإن انقطع ولو من قبل تربصت حتى يعود فتبنى أو تيأس فتستأنف بالاشهر ولو دمت فيها فإن انكشفت حاملا فبالوضع ان لحق والا استأنفت والضهيا والصغيرة بالاشهر فإن بلغت فيها فبالحيض استأنفت به والا بنت والمستحاضة الذاكرة لوقتها تحرى كالصلاة والا تربصت] . قوله: باب: "العدة هي أما عن طلاق فلا تجب الا بعد دخول أو خلوة". أقول: لأن من طلقت قبل الدخول والخلوة فهي التي قال الله سبحانه فيها: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الطلاق: ٤] ، وقد قدمنا طرفا من الكلام على الخلوة في النكاح فارجع إليه. وأما قوله: ولو من صغير مثله يطأ فصحيح لأنه يصدق عليه أنه زوج وأنه ناكح والعدة لم تشرع لبراءة الرحم فقط ولو كان ذلك المقصود لكانت الحيضة كافية بل شرعت لأمور منها البراءة ومنها انتظار الرجعة ومراعاة حق الزوج لكونه الاحق بها. وعلى كل تقدير فهي أمر تعبد الله به النساء عند مفارقة أزواجهن بطلاق أو فسخ أو موت. قوله: "فالحامل بوضع الحمل". أقول: هذا مجمع عليه وهو نص الكتاب العزيز والمراد وضع ما يصدق عليه أنه حمل من غير فرق بين حي وميت تام الخلق أولا نفخ فيه الروح أم لا ولا بد من وضعه

стр. 454

جميعه كما قال المصنف لأنه ظاهر قوله: ﴿أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ فلو ولدت أحد التوأمين لم يصدق عليها انها وضعت حملها بل وضعت بعضه. قوله: "والحائض بثلاث حيض". أقول: هذا هو الحق وإن كان لفظ القرء في لسان العرب مشتكرا بين الطهر والحيض أو حقيقة في أحدهما مجازا في الاخر لكن لما كان الشارع لا يستعمله الا في الحيض كما نقله المحققون كان ذلك كالحقيقة الشرعية وهي مقدمة على الحقيقة اللغوية وقد انكر صاحب الكشاف إطلاق القرء على الطهر. قال ابن القيم إن لفظ القرء لم يستعمل في كلام الشارع الا للحيض ولم يجيء عنه في موضع واحد استعماله للطهر إلي أن قال: فإذا ثبت استعمال الشارع للقرء في الحيض علم ان هذا لغته فتعين حمله عليها في كلامه قال ويدل على ذلك ما في سياق الآية من قوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وهذا المخلوق هو الحيض والحمل عند عامة المفسرين قال وبهذا قال السلف والخلف ولم يقل أحد إنه الطهر وأيضا فقد قال سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] ، فعلق الحكم بعدم الحيض لا بعدم الطهر وقد اطال ابن القيم ﵀ في تحقيق هذا البحث وأطاب. وإذا تقرر لك ان الاستعمال النبوي واستعمال السلف والخلف للقرء في الحيض لا في الطهر وجب حمل ما في الآية من قوله : ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ على الحيض لا على الاطهار. ويدل على هذا ما أخرجه ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات عن عائشة قالت: أُمرت بريرة ان تعتد بثلاث حيض هذا مع ما في حديث ابن عباس عند أحمد والدارقطني ورجاله رجال الصحيح ان النبي ﷺ خير بريرة فاختارت نفسها وامرها ان تعتد عدة الحرة فكانت عدة الحرة هي الثلاث الحيض. ومما يدل على ما ذكرناه ما أخرجه الترمذي وأبو دأود من حديث عائشة أن النبي ﷺ قال: "طلاق الامة تطليقتان وعدتها حيضتان"، وفيه مقال معروف وقد قدمنا بيانه. وشهد له ما أخرجه ابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "طلاق الأمة اثنتان وعدتها حيضتان". وقد قدمنا في حديث امراة ثابت بن قيس بن شماس ان النبي ﷺ امرها ان تعتد بحيضة. وقد قدمنا أيضا في سبايا أوطاس ان النبي ﷺ قال: "ولا حائض حتى تستبرأ بحيضة"، والاستبراء هو عدة مختصرة فكان النص على الحيض فيه معنويا لكون عدة الحرائر بالحيض لا بالطهر.

стр. 455

وأما قوله غير ما طلقت فيها فوجهه ان هذه التي طلقت وهي فيها هي بعض حيضة لا حيضة كاملة والاعتبار بالحيضة الكاملة ليصدق قوله سبحانه: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] . وأما قوله: "أو وقعت تحت زوج جهلا" فوجهه أن الله سبحانه أوجب عليها أن تعتد بثلاثة قروء في غير نكاح وهذه وقعت حيضتها وهي في نكاح زوج اخر وإن لم يكن نكاحا صحيحا لكن كان الجهل فارقا بينه وبين الزنا. قوله: "فإن انقطع ولو من قبل تربصت حتى يعود" الخ. أقول: هذه المسألة قد اضطربت فيها الاقوال وتفرقت فيها المذاهب وسبب ذلك ان الله سبحانه بين في كتابه العزيز اقسام المعتدات فجعلهن اربعا الحائض والحامل والتي لم تحض اصلا والايسة وهذه التي انقطع حيضها بالعلة ليست واحدة منهن ولم يثبت في السنة المطهرة ما يدل على عدة هذه وكل مسألة لم يوجد عليها النص ولا الظاهر في الكتاب ولا في السنة كانت عرضة لاراء الرجال وموطنا لاختلاف الاقوال. وقد حاول بعض أهل العلم إدراج هذه تحت الايسة فلم يصب فإن معنى الاياس عن الحيض لم يحصل لهذه لأنه انقطع حيضها وهي في وقت إمكانه فإن قدرنا أنه حصل الاياس من عود الحيض فهي ايسة ولكن حصول الاياس لها بعيد جدا فإن اسباب انقطاع الحيض كثيرة كما صرح بذلك الحكماء في تصانيفهم في العلل وأسبابها. والحاصل ان اليأس إن كان كما ذكر كثير من المحققين إنه هو المقابل للرجاء والطمع كان المعتبر في حق هذه هو عدم وجود الرجاء منها لرجوع الحيض وعدم طمعها في عوده فإذا حصل لها ذلك كانت مندرجة تحت قوله سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤] . وأما إذا كان اليأس هو القطع بعدم العود فلا تندرج تحت هذه الايسات الا بعد حصول القطع لها بعد معاودة الحيض. والموجود في كتب اللغة أن اليأس القنوط فإن تقرر ثبوت حقيقة شرعية للياس كانت مقدمة وإن لم يتقرر ذلك كان الرجوع إلي المعنى اللغوي هو المتوجه. ولا يقدح في وجوب الرجوع إلي المعنى اللغوي ورود الاستعمال في الكتاب أو السنة للياس بمعنى عدم مجرد الطمع في الحال فإن ذلك يكون مجازا أما إذا كثر الاستعمال حتى صار مفيدا لكونه الحقيقة الشرعية فهو مقدم كما تقدم. وإذا عرفت هذا فها هنا بحث آخر ينبغي ان تمعن النظر فيه وتتدبره وهو ان هذه التي انقطع حيضها قبل عدتها أو حال عدتها مندرجة تحت قوله: ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فإنها يصدق عليها عند هذا الانقطاع انها من اللائي لم يحضن فتكون عدتها كعدتهن وليس في الآية ما يدل على أن المراد انهن لم يحضن اصلا بل المراد عدم وجود الحيض عند العدة كما تقول من لم يأتك

стр. 456

من الرجال فلاتعطه فليس المراد الا عدم إتيانه اليه حال العطاء لا عدم إتيانه اليه دائما بحيث لو كان قد اتاه مرة في عمره لكان مستحقا للعطاء وقد وقع الاتفاق على ان الصغيرة التي لم تبلغ من التكليف هي من اللائي لم يحضن ومعلوم أنه لا يراد عدم حيضها في جميع الازمنة ماضيها ومستقبلها للقطع بانها إذا بلغت وحاضت ولم يكن ذلك مبطلا لعدتها التي اعتدتها حال صغرها بالاشهر ومعلوم أيضا ان المرأة إذا حاضت مرة واحده صدق عليها انها حاضت فإذا تخلف عنها الحيض يصدق عليها انها لم تحض وإذا عرفت هذا علمت ان المراة إذا وجبت عليها العدة وحيضها منقطع لعارض فهي من اللائي لم يحضن وهكذا إذا انقطع عنها وهي في وسط عدتها فهي من اللائي لم يحضن فعدتها ثلاثة اشهر كعدة اللائي لم يحضن فإن انكشف ان ذلك الانقطاع للحمل فعدتها تنقضي بوضعه وإن استمر الانقطاع ولم يكن سببه الحمل حتى مضت عليها ثلاثة اشهر فقد انقضت عدتها بالثلاثة الاشهر فإن عاد حيضها قبل مضي الثلاثة الاشهر كشف ذلك انها حائض وهي باقية في العدة فتستأنف العدة بالحيض على أنه لو قيل انها تحتسب بما قد مضى من الاشهر وتجعل كل شهر في مقابل حيضة فإذا عاد عليها الحيض وقد مضى عليها شهران اكتفت بحيضة لم يكن هذا بعيدا عن الصواب وأي مانع منه فإنها امراة ادركتها عدتها وهي غير حائض فاعتدت بالاشهر كما أمر الله سبحانه اللائي لم يحضن وإذا عادت عليها الحيضة صارت من النساء الحيض فكملت عدتها بالحيض وهذا وإن بعد فهمه ونبا عن اذهان المقلدين فله وجه صحيح وتوجيه صبيح. وبعد هذا كله فاعلم ان هذا التعسير الشديد الذي أوجبوه على هذه المراة من انها تنتظر إذا لم يعد اليها الحيض إلي ان تيأس من عوده وذلك ببلوغها سن الاياس فيه مخالفة عظيمة لهذه الشريعة المطهرة التي جاءت بالتيسير دون التعسير وبالتبشير دون التنفير فإن المراة إذا انقطع حيضها وهي شابة فانتظرت حتى تكون عجوزا كان في ذلك من التعسير عليها والمضارة لها ما لا يجوز نسبته إلي هذه الشريعة السمحة السهلة فإنها تصير ممنوعة من الازواج طول عمرها. وإذا كانت ممن تجب نفقتها على زوجها الذي طلقها كان في ذلك من التشديد عليه والتغريم له مالا يبيحه الشرع فإنه صار ينفق ماله على امرأة قد أخرجها من نكاحه ما دامت غير عجوز وربما بمضي عليها من السنين العدد الكثير والدهر الطويل فإن من النساء من لا يفارقها الحيض الا وهي في ستين سنة فما زاد عليها فهل سمعت اذناك بأشد من هذا التشريع على هذه المسكينة وزوجها المسكين مع ان الله سبحانه قيد ما شرعه لعباده بالاستطاعة فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وقال اصادق المصدوق ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قوله: "والضهيأ والصغيرة بالاشهر". أقول: لأن كل واحده منهما يصدق عليها انها من اللائي لم يحضن أما الضهيأ فظاهر لانها لم تحض اصلا وأما الصغيرة فلكونها وقت وجوب العدة عليها ليست من ذوات الحيض. وأما حكم العجوز التي قد بلغت سن تعذر الحيض فهي غير داخلة في هاتين اللتين ذكرهما

стр. 457

لانها إذا كانت من ذوات الحيض ووقع عليها طلاق زوجها وهي عجوز فقد نص الله سبحانه في كتابه ان عدتها ثلاثة اشهر. ولعل المصنف ﵀ اكتفى بما قدمه في منقطعة الحيض لعارض من وجوب انتظارها إلي سن الاياس ثم تعتد بالاشهر وما كان يحسن منه هذا الصنع فإنه ادرج من نص القرأن الكريم على عدتها في الكلام على من وقع في عدتها ذلك الاضطراب الشديد. وأما قوله: "والمستحاضة الذاكرة لوقتها" فقد قدمنا في الحيض مالا يحتاج إلي إعادته هنا. [فصل وفي عدة الرجعى الرجعة والارث والخروج بإذنه والتزين والتعرض لداعي الرجعة والانتقال إلي عدة الوفاة والاستئناف لو راجع ثم طلق ووجوب السكنى وتحريم الأخت والخامسة والعكس في البائن وما عن وفاة فبأربعة اشهر وعش كيف كانا والحامل بها مع الوضع ولا سكنى ومتى التبست بمطلقة بائنا مدخولتين فلا بد لذات الحيض من ثلاث معها من الطلاق ولهما بعد مضى اقصر العدتين نفقة واحده فقط كغير مدخولتين في الكل فإن اختلفتا فقس وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن غالبا] . قوله: فصل: "وفي عدة الرجعي الرجعة". أقول: ثبوت الرجعة للزوج في الطلاق الرجعي مجمع عليه قال ابن حجر في الفتح وقد أجمعوا على ان الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو احق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير اجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف انتهى. ومستند هذا الاجماع قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وهذه الآية وإن كانت منسوخة بقوله تعالي: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، الآية كما أخرجه أبو دأود والنسائي من حديث ابن عباس قال كان الرجل إذا طلق امرأته فهو احق برجعتها وإن طلق ثلاثا فنسخ ذلك: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال خفيف فالمنسوخ منها إنما هو استحقاق الرجعة بعدا لمرتين لا كون بعولتهن احق بردهن قبل التثليث. وقد أخرج الترمذي نحوه من حديث عائشة وروى موقوفا على عروة قال الترمذي وهذا أصح.

стр. 458

ومن الأدلة الدالة على ثبوت الرجعة في الطلاق الرجعي قوله ﷺ لعمر: "مره فليراجعها"، وقد تقدم وما أخرجه أبو دأود والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن عباس عن عمر كان النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها ومن ذلك قوله ﷺ لركانة: "ارتجعها" [أحمد "١/٢٦٥"] . قوله: "والارث". أقول: إذا صح ثبوت الاجماع على ثبوت الميراث في الطلاق الرجعي فلا بد من مستند والحجة عند من لا يقول بحجيته مستنده لا هو وقد وقعت المسألة في زمن الصحابة فأخرج الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر ان رجلا من الانصار يقال له حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته فتباعد حيضها ومرض حبان فقيل له إنك إن مت ورثتك فمضى إلي عثمان وعنده على وزيد ابن ثابت فسأله عن ذلك فقال لعلي وزيد بن ثابت ما تريان؟ فقالا: نرى انها إن ماتت ورثها وإن مات هو ورثته لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض ولا من اللواتي لم يحضن فحاضت حيضتين ومات حبان قبل انقضاء الثالثة قورثها عثمان وأخرجه من هذه الطريق البيهقي وأخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى ابن حبان انها كانت عند جده حبان منقذ امرأتان هاشمية وانصارية فطلق الانصارية وهي ترضع فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت انا ارثه فاختصما إلي عثمان فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان فقال لها: ابن عمك أشار بهذا يعني على ابن أبي طالب وأخرجه من هذه الطريق البيهقي أيضا. وأخرج البيهقي بسند صحيح ان علقمة طلق امرأته طلقة أو طلقتين فحاضت حيضة ثم ارتفع حيضها سبعة اشهر وفي لفظ سبعة عشر شهرا ثم مات فاتى ابن مسعود فقال حبس الله عليك ميراثها وورثة منها. ومما يدل على ثبوت الميراث قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فسماهم بعولا والاصل الحقيقة وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ، وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الاية. قوله: "والخروج بإذنه". أقول: وجهه انها لم تنقطع الزوجية بينهما فقد بقي له طرف منها وبقي لها طرف منه وذلك إذا تراجعا ومعلوم انها إذا كانت باقية لديه غير مطلقة انها لا تخرج الا باذنه لأنها قد تدعو حاجته اليها وهي خارجة عن البيت وقد يكون عليه في خروجها ما يلحق به غضاضة أو تعتريه بسببه غيره ولهذا صح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما ان رسول الله ﷺ قال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه"، فإذا كان هذا في الصوم الذي هو من اعظم القرب فكيف بالخروج! وإذا عرفت هذا عرفت أنه ينبغي لها في أيام عدة الرجعة ان لا تخرج الا باذن زوجها لأنه إذا كان

стр. 459

عازما على رجعتها لحقه من الغضاضة والغيرة ما يلحقه عليها قبل طلاقها الا ان يكون الخروج للحاجة فقد ثبت تجويز ذلك للمطلقة ثلاثا مع عدم تجويز الرجعة كما في حديث جابر عند مسلم وغيره قال: طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد نخلا لها فلقيها رجل فنهاها وأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: "أخرجي فجدي نخلك لعلك ان تصدقي منه أو تفعلي خيرا". قوله: "والتزين". أقول: لا وجه لهذا الا إذا كانت تقدر اطلاع الزوج عليها في تلك الحال بأن يصل اليها لمراجعتها فيكون في تزينها زيادة في الترغيب له في مراجعتها فإن بقاءهما على النكاح ورجوعهما إلي ما كانا عليه مع عدم ما يقتضي الفرقة هو من الامور المندوب اليها فيكون فيما يرغب اليه طرف من الندب ونوع من القربة وهكذا التعرض منها لداعي الرجعة بان تذكره بحسن العشرة وثنى عليه بما يقتضى عطفه عليها ومراجعته لها وتنشر محاسنه التي عرفتها منه عند من يبلغه ذلك فإن هذا من أعظم ما يدعوه إلي مراجعتها. وليس المراد بالتعرض لذلك هو بروزها له والتعرض لرؤيته لها فإن ذلك أمر قد منع منه الطلاق. قوله: "والانتقال إلي عدة الوفاة". أقول: ليس على هذا دليل ولا هو رأي مستقيم فإنه مات من كان زوجها وهي في عدة طلاقه ولم يتجدد له ولا لها ما يخالف ذلك حتى يكون وجها للانتقال من هذه العدة المتيقنة إلي مالا يوجبه عليها شرع ولا عقل وكونها ترثه إذا مات وهي في هذه العدة لا يستلزم ان يتجدد عليها عدة اخرى لانها إنما ورثته بكونها باقية في عدة طلاقه الرجعي فتستمر على تمام عدتها وليس عليها غير ذلك. وأما وجوب استئناف العدة لو راجع ثم طلق فهذا أمر معلوم لا يحتاج إلي ذكره لأنها قد رجعت بالرجعة إلي نكاح جديد بعد ان خرجت من الأول بتلك الطلقة التي هي محسوبة عليه فإذا خرجت من نكاحه بطلقة اخرى توجه عليها ما شرعه الله للمطلقات بنصوص الكتاب والسنة ومن خالف في هذا فقد جاء بما يخرق الاجماع ويخالف الأدلة القطعية. قوله: "ووجوب السكنى". أقول: يدل على هذا ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث فاطمة بنت قيس قالت أتيت النبي ﷺ فقلت إن زوجي فلانا ارسل الي بطلاق وإني سألت أهله النفقة والسكنى فابوا على فقالوا يا رسول الله إنه ارسل اليها بثلاث تطليقات قالت فقال رسول الله ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة"، وفي إسناده مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد تابعه في روايته ضعيف وذلك يقوى رواية مجالد. ويؤيد هذا الحديث ما في صحيح مسلم "٤٤/٤٨٠"، وغيره [أحمد "٦/٤١١، ٤١٢، أبو داود

стр. 460

"٢٢٨٨، ٢٢٨٩"، النسائي:"٦/٢١٠"، ابن ماجة "٢٠٣٥، ٢٠٣٦"] ، من حديث فاطمة بنت قيس أيضا عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا قال: "ليس لها سكنى ولا نفقة"، فإن كون هذا في المطلقة ثلاثا يدل على ان الرجعية بخلافها. ويدل على هذا أيضا قوله : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ، فإن السلف فهموا من هذه الآية انها في الرجعية لقوله في آخر الاية ﴿َلعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وليس الامر الذي يرجى إحداثه الا الرجعة لا سوى. ومع هذا كله فوجوب السكنى للرجعية مجمع عليه. وأما قوله: "وتحريم الأخت والخامسة" فوجهه ما قدمنا في الارث. قوله: "والعكس في البائن". أقول: أما عدم ثبوت الرجعة في الطلاق البائن فلقوله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، فإن هذه الآية فسخت ما كانت الجأهلية تفعله من مراجعة النساء بعد التثليث كما قدمنا وقدمنا أيضا في المختلعة ما يدل على عدم ثبوت الرجعة لها وقد وقع الاتفاق على عدم ثبوت الرجعة للمطلقة قبل الدخول والخلوة كما وقع الاجماع على عدم ثبوت الرجعة للمثلثة. وأما عدم ثبوت الميراث فلكونها قد انقطعت بينهما علاقة الزوجية ولا يصدق عليها بعده انها زوجة وهكذا خروجها بغير إذنه فإنها لما لم تكن أحكام الزوجية باقية عليها كان لها الخروج بغير إذنه وقد قدمنا حديث جابر في خالته المثلثة وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره ان النبي ﷺ اذن لفاطمة بنت قيس عند ان طلقها زوجها الطلقة الثالثة ان تخرج من بيته بغير إذنه وتنتقل إلي عند ابن ام مكتوم. وأما عدم التزين والتعرض لداعي الرجعة فظاهر لأنه قد زال الغرض الذي يفعلان لأجله وهو رجاء الرجعة. وأما عدم انتقالها إلي عدة الوفاة فقد قدمنا أنه لا دليل يدل على ان الانتقال المذكور في الرجعية فكيف في البائنة. وأما عدم وجوب السكنى فللدليل الثابت في الصحيح كما قدمنا وأما عدم تحريم الأخت والخامسة فلكونها قد انقطعت بينهما علاقة الزوجية. قوله: "وأما عن وفاة فبأربعة اشهر وعشر". أقول: هذا مما لا ينبغي ان يقع فيه خلاف لأنه نص القرأن الكريم وأما إذا كانت المتوفى عنها حاملا فقد ذهب الجمهور إلي ان عدتها بوضع الحمل وإن وضعت ليلة موت زوجها وذهب آخرون إلي ان عدتها بآخر الاجلين فلا بد ان تضع حملها ويمضي عليها اربعة اشهر وعشر ووجه هذا القول انهم نظروا في الايتين الكريمتين فإن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ، الآية عام في كل من مات عنها زوجها سواء كانت حاملا أو غير حامل وقوله تعالي: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، عام يشمل المطلقة والمتوفى عنها فجمعوا بين
следующие страницы →