← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

من الرجال فلاتعطه فليس المراد الا عدم إتيانه اليه حال العطاء لا عدم إتيانه اليه دائما بحيث لو كان قد اتاه مرة في عمره لكان مستحقا للعطاء وقد وقع الاتفاق على ان الصغيرة التي لم تبلغ من التكليف هي من اللائي لم يحضن ومعلوم أنه لا يراد عدم حيضها في جميع الازمنة ماضيها ومستقبلها للقطع بانها إذا بلغت وحاضت ولم يكن ذلك مبطلا لعدتها التي اعتدتها حال صغرها بالاشهر ومعلوم أيضا ان المرأة إذا حاضت مرة واحده صدق عليها انها حاضت فإذا تخلف عنها الحيض يصدق عليها انها لم تحض وإذا عرفت هذا علمت ان المراة إذا وجبت عليها العدة وحيضها منقطع لعارض فهي من اللائي لم يحضن وهكذا إذا انقطع عنها وهي في وسط عدتها فهي من اللائي لم يحضن فعدتها ثلاثة اشهر كعدة اللائي لم يحضن فإن انكشف ان ذلك الانقطاع للحمل فعدتها تنقضي بوضعه وإن استمر الانقطاع ولم يكن سببه الحمل حتى مضت عليها ثلاثة اشهر فقد انقضت عدتها بالثلاثة الاشهر فإن عاد حيضها قبل مضي الثلاثة الاشهر كشف ذلك انها حائض وهي باقية في العدة فتستأنف العدة بالحيض على أنه لو قيل انها تحتسب بما قد مضى من الاشهر وتجعل كل شهر في مقابل حيضة فإذا عاد عليها الحيض وقد مضى عليها شهران اكتفت بحيضة لم يكن هذا بعيدا عن الصواب وأي مانع منه فإنها امراة ادركتها عدتها وهي غير حائض فاعتدت بالاشهر كما أمر الله سبحانه اللائي لم يحضن وإذا عادت عليها الحيضة صارت من النساء الحيض فكملت عدتها بالحيض وهذا وإن بعد فهمه ونبا عن اذهان المقلدين فله وجه صحيح وتوجيه صبيح. وبعد هذا كله فاعلم ان هذا التعسير الشديد الذي أوجبوه على هذه المراة من انها تنتظر إذا لم يعد اليها الحيض إلي ان تيأس من عوده وذلك ببلوغها سن الاياس فيه مخالفة عظيمة لهذه الشريعة المطهرة التي جاءت بالتيسير دون التعسير وبالتبشير دون التنفير فإن المراة إذا انقطع حيضها وهي شابة فانتظرت حتى تكون عجوزا كان في ذلك من التعسير عليها والمضارة لها ما لا يجوز نسبته إلي هذه الشريعة السمحة السهلة فإنها تصير ممنوعة من الازواج طول عمرها. وإذا كانت ممن تجب نفقتها على زوجها الذي طلقها كان في ذلك من التشديد عليه والتغريم له مالا يبيحه الشرع فإنه صار ينفق ماله على امرأة قد أخرجها من نكاحه ما دامت غير عجوز وربما بمضي عليها من السنين العدد الكثير والدهر الطويل فإن من النساء من لا يفارقها الحيض الا وهي في ستين سنة فما زاد عليها فهل سمعت اذناك بأشد من هذا التشريع على هذه المسكينة وزوجها المسكين مع ان الله سبحانه قيد ما شرعه لعباده بالاستطاعة فقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] ، وقال اصادق المصدوق ﷺ : "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم". قوله: "والضهيأ والصغيرة بالاشهر". أقول: لأن كل واحده منهما يصدق عليها انها من اللائي لم يحضن أما الضهيأ فظاهر لانها لم تحض اصلا وأما الصغيرة فلكونها وقت وجوب العدة عليها ليست من ذوات الحيض. وأما حكم العجوز التي قد بلغت سن تعذر الحيض فهي غير داخلة في هاتين اللتين ذكرهما

стр. 457

لانها إذا كانت من ذوات الحيض ووقع عليها طلاق زوجها وهي عجوز فقد نص الله سبحانه في كتابه ان عدتها ثلاثة اشهر. ولعل المصنف ﵀ اكتفى بما قدمه في منقطعة الحيض لعارض من وجوب انتظارها إلي سن الاياس ثم تعتد بالاشهر وما كان يحسن منه هذا الصنع فإنه ادرج من نص القرأن الكريم على عدتها في الكلام على من وقع في عدتها ذلك الاضطراب الشديد. وأما قوله: "والمستحاضة الذاكرة لوقتها" فقد قدمنا في الحيض مالا يحتاج إلي إعادته هنا. [فصل وفي عدة الرجعى الرجعة والارث والخروج بإذنه والتزين والتعرض لداعي الرجعة والانتقال إلي عدة الوفاة والاستئناف لو راجع ثم طلق ووجوب السكنى وتحريم الأخت والخامسة والعكس في البائن وما عن وفاة فبأربعة اشهر وعش كيف كانا والحامل بها مع الوضع ولا سكنى ومتى التبست بمطلقة بائنا مدخولتين فلا بد لذات الحيض من ثلاث معها من الطلاق ولهما بعد مضى اقصر العدتين نفقة واحده فقط كغير مدخولتين في الكل فإن اختلفتا فقس وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن غالبا] . قوله: فصل: "وفي عدة الرجعي الرجعة". أقول: ثبوت الرجعة للزوج في الطلاق الرجعي مجمع عليه قال ابن حجر في الفتح وقد أجمعوا على ان الحر إذا طلق الحرة بعد الدخول بها تطليقة أو تطليقتين فهو احق برجعتها ولو كرهت المرأة ذلك فإن لم يراجع حتى انقضت العدة فتصير اجنبية فلا تحل له إلا بنكاح مستأنف انتهى. ومستند هذا الاجماع قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وهذه الآية وإن كانت منسوخة بقوله تعالي: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، الآية كما أخرجه أبو دأود والنسائي من حديث ابن عباس قال كان الرجل إذا طلق امرأته فهو احق برجعتها وإن طلق ثلاثا فنسخ ذلك: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال خفيف فالمنسوخ منها إنما هو استحقاق الرجعة بعدا لمرتين لا كون بعولتهن احق بردهن قبل التثليث. وقد أخرج الترمذي نحوه من حديث عائشة وروى موقوفا على عروة قال الترمذي وهذا أصح.

стр. 458

ومن الأدلة الدالة على ثبوت الرجعة في الطلاق الرجعي قوله ﷺ لعمر: "مره فليراجعها"، وقد تقدم وما أخرجه أبو دأود والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث ابن عباس عن عمر كان النبي ﷺ طلق حفصة ثم راجعها ومن ذلك قوله ﷺ لركانة: "ارتجعها" [أحمد "١/٢٦٥"] . قوله: "والارث". أقول: إذا صح ثبوت الاجماع على ثبوت الميراث في الطلاق الرجعي فلا بد من مستند والحجة عند من لا يقول بحجيته مستنده لا هو وقد وقعت المسألة في زمن الصحابة فأخرج الشافعي عن سعيد بن سالم عن ابن جريج عن عبد الله بن أبي بكر ان رجلا من الانصار يقال له حبان بن منقذ طلق امرأته وهو صحيح وهي ترضع ابنته فتباعد حيضها ومرض حبان فقيل له إنك إن مت ورثتك فمضى إلي عثمان وعنده على وزيد ابن ثابت فسأله عن ذلك فقال لعلي وزيد بن ثابت ما تريان؟ فقالا: نرى انها إن ماتت ورثها وإن مات هو ورثته لأنها ليست من القواعد اللائي يئسن من المحيض ولا من اللواتي لم يحضن فحاضت حيضتين ومات حبان قبل انقضاء الثالثة قورثها عثمان وأخرجه من هذه الطريق البيهقي وأخرجه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى ابن حبان انها كانت عند جده حبان منقذ امرأتان هاشمية وانصارية فطلق الانصارية وهي ترضع فمرت بها سنة ثم هلك عنها ولم تحض فقالت انا ارثه فاختصما إلي عثمان فقضى لها بالميراث فلامت الهاشمية عثمان فقال لها: ابن عمك أشار بهذا يعني على ابن أبي طالب وأخرجه من هذه الطريق البيهقي أيضا. وأخرج البيهقي بسند صحيح ان علقمة طلق امرأته طلقة أو طلقتين فحاضت حيضة ثم ارتفع حيضها سبعة اشهر وفي لفظ سبعة عشر شهرا ثم مات فاتى ابن مسعود فقال حبس الله عليك ميراثها وورثة منها. ومما يدل على ثبوت الميراث قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، فسماهم بعولا والاصل الحقيقة وقال سبحانه: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] ، وقال: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ الاية. قوله: "والخروج بإذنه". أقول: وجهه انها لم تنقطع الزوجية بينهما فقد بقي له طرف منها وبقي لها طرف منه وذلك إذا تراجعا ومعلوم انها إذا كانت باقية لديه غير مطلقة انها لا تخرج الا باذنه لأنها قد تدعو حاجته اليها وهي خارجة عن البيت وقد يكون عليه في خروجها ما يلحق به غضاضة أو تعتريه بسببه غيره ولهذا صح عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما ان رسول الله ﷺ قال: "لا يحل للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه"، فإذا كان هذا في الصوم الذي هو من اعظم القرب فكيف بالخروج! وإذا عرفت هذا عرفت أنه ينبغي لها في أيام عدة الرجعة ان لا تخرج الا باذن زوجها لأنه إذا كان

стр. 459

عازما على رجعتها لحقه من الغضاضة والغيرة ما يلحقه عليها قبل طلاقها الا ان يكون الخروج للحاجة فقد ثبت تجويز ذلك للمطلقة ثلاثا مع عدم تجويز الرجعة كما في حديث جابر عند مسلم وغيره قال: طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد نخلا لها فلقيها رجل فنهاها وأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال لها: "أخرجي فجدي نخلك لعلك ان تصدقي منه أو تفعلي خيرا". قوله: "والتزين". أقول: لا وجه لهذا الا إذا كانت تقدر اطلاع الزوج عليها في تلك الحال بأن يصل اليها لمراجعتها فيكون في تزينها زيادة في الترغيب له في مراجعتها فإن بقاءهما على النكاح ورجوعهما إلي ما كانا عليه مع عدم ما يقتضي الفرقة هو من الامور المندوب اليها فيكون فيما يرغب اليه طرف من الندب ونوع من القربة وهكذا التعرض منها لداعي الرجعة بان تذكره بحسن العشرة وثنى عليه بما يقتضى عطفه عليها ومراجعته لها وتنشر محاسنه التي عرفتها منه عند من يبلغه ذلك فإن هذا من أعظم ما يدعوه إلي مراجعتها. وليس المراد بالتعرض لذلك هو بروزها له والتعرض لرؤيته لها فإن ذلك أمر قد منع منه الطلاق. قوله: "والانتقال إلي عدة الوفاة". أقول: ليس على هذا دليل ولا هو رأي مستقيم فإنه مات من كان زوجها وهي في عدة طلاقه ولم يتجدد له ولا لها ما يخالف ذلك حتى يكون وجها للانتقال من هذه العدة المتيقنة إلي مالا يوجبه عليها شرع ولا عقل وكونها ترثه إذا مات وهي في هذه العدة لا يستلزم ان يتجدد عليها عدة اخرى لانها إنما ورثته بكونها باقية في عدة طلاقه الرجعي فتستمر على تمام عدتها وليس عليها غير ذلك. وأما وجوب استئناف العدة لو راجع ثم طلق فهذا أمر معلوم لا يحتاج إلي ذكره لأنها قد رجعت بالرجعة إلي نكاح جديد بعد ان خرجت من الأول بتلك الطلقة التي هي محسوبة عليه فإذا خرجت من نكاحه بطلقة اخرى توجه عليها ما شرعه الله للمطلقات بنصوص الكتاب والسنة ومن خالف في هذا فقد جاء بما يخرق الاجماع ويخالف الأدلة القطعية. قوله: "ووجوب السكنى". أقول: يدل على هذا ما أخرجه أحمد والنسائي من حديث فاطمة بنت قيس قالت أتيت النبي ﷺ فقلت إن زوجي فلانا ارسل الي بطلاق وإني سألت أهله النفقة والسكنى فابوا على فقالوا يا رسول الله إنه ارسل اليها بثلاث تطليقات قالت فقال رسول الله ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة"، وفي إسناده مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد تابعه في روايته ضعيف وذلك يقوى رواية مجالد. ويؤيد هذا الحديث ما في صحيح مسلم "٤٤/٤٨٠"، وغيره [أحمد "٦/٤١١، ٤١٢، أبو داود

стр. 460

"٢٢٨٨، ٢٢٨٩"، النسائي:"٦/٢١٠"، ابن ماجة "٢٠٣٥، ٢٠٣٦"] ، من حديث فاطمة بنت قيس أيضا عن النبي ﷺ في المطلقة ثلاثا قال: "ليس لها سكنى ولا نفقة"، فإن كون هذا في المطلقة ثلاثا يدل على ان الرجعية بخلافها. ويدل على هذا أيضا قوله : ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] ، فإن السلف فهموا من هذه الآية انها في الرجعية لقوله في آخر الاية ﴿َلعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ وليس الامر الذي يرجى إحداثه الا الرجعة لا سوى. ومع هذا كله فوجوب السكنى للرجعية مجمع عليه. وأما قوله: "وتحريم الأخت والخامسة" فوجهه ما قدمنا في الارث. قوله: "والعكس في البائن". أقول: أما عدم ثبوت الرجعة في الطلاق البائن فلقوله : ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، فإن هذه الآية فسخت ما كانت الجأهلية تفعله من مراجعة النساء بعد التثليث كما قدمنا وقدمنا أيضا في المختلعة ما يدل على عدم ثبوت الرجعة لها وقد وقع الاتفاق على عدم ثبوت الرجعة للمطلقة قبل الدخول والخلوة كما وقع الاجماع على عدم ثبوت الرجعة للمثلثة. وأما عدم ثبوت الميراث فلكونها قد انقطعت بينهما علاقة الزوجية ولا يصدق عليها بعده انها زوجة وهكذا خروجها بغير إذنه فإنها لما لم تكن أحكام الزوجية باقية عليها كان لها الخروج بغير إذنه وقد قدمنا حديث جابر في خالته المثلثة وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره ان النبي ﷺ اذن لفاطمة بنت قيس عند ان طلقها زوجها الطلقة الثالثة ان تخرج من بيته بغير إذنه وتنتقل إلي عند ابن ام مكتوم. وأما عدم التزين والتعرض لداعي الرجعة فظاهر لأنه قد زال الغرض الذي يفعلان لأجله وهو رجاء الرجعة. وأما عدم انتقالها إلي عدة الوفاة فقد قدمنا أنه لا دليل يدل على ان الانتقال المذكور في الرجعية فكيف في البائنة. وأما عدم وجوب السكنى فللدليل الثابت في الصحيح كما قدمنا وأما عدم تحريم الأخت والخامسة فلكونها قد انقطعت بينهما علاقة الزوجية. قوله: "وأما عن وفاة فبأربعة اشهر وعشر". أقول: هذا مما لا ينبغي ان يقع فيه خلاف لأنه نص القرأن الكريم وأما إذا كانت المتوفى عنها حاملا فقد ذهب الجمهور إلي ان عدتها بوضع الحمل وإن وضعت ليلة موت زوجها وذهب آخرون إلي ان عدتها بآخر الاجلين فلا بد ان تضع حملها ويمضي عليها اربعة اشهر وعشر ووجه هذا القول انهم نظروا في الايتين الكريمتين فإن قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ، الآية عام في كل من مات عنها زوجها سواء كانت حاملا أو غير حامل وقوله تعالي: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] ، عام يشمل المطلقة والمتوفى عنها فجمعوا بين

стр. 461

العمومين بقصر الآية الثانية على المطلقة بقرينة ذكر عدد المطلقات كالايسة والصغيرة قبلها ولم يهملوا ما تنأولته من العموم فعملوا بها وبالتي قبلها في حق المتوفى عنها ولكن قد جاء ها هنا ما يوجب ترك هذا التعارض وعدم الاشتغال بشأنه وهو ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ام سلمة ان امرأة من اسلم يقال لها سبيعة كانت تحت زوجها فتوفي عنها وهي حامل فخطبها أبو السنابل بن بعكك فأبت ان تنكحه فقال والله ما يصلح ان تنكحي حتى تعتدي آخر الاجلين فمكثت قريبا من عشر ليال ثم نفست ثم جاءت النبي ﷺ فقال: "انكحي" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث سبيعة نفسها بمعناه. وفي الباب أحاديث وآثار عن الصحابة فلم يبق بيد من قال تعتد بآخر الاجلين ما يوجب الاشتغال به لأن هذه الأدلة قد بينت أوضح بيان ودلت اظهر دلالة على ان الاعتبار بوضع الحمل وان قوله : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، خاص بغير الحوامل. قوله: "ولا سكنى". أقول: الايات التي فيها ذكر السكنى كقوله تعالي: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] ، وقوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] , ظاهر السياق فيها اختصاصها بالرجعيات فلا ينتهض الاحتجاج بذلك على وجوب السكنى للمتوفى عنها. وأما حديث الفريعة الذي أخرجه أحمد ومالك في الموطأ والشافعي وأهل السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم أنها قالت: خرج زوجي في طلب اعلاج له فأدركهم في طرف القدوم فقتلوه فأتاني نعيه وانا في دار شاسعة من دور أهلي فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقلت:إن نعى زوجي اتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع لي نفقة ولا مالا ورثته وليس المسكن له فلو تحولت إلي أهلي وإخوتي لكان ارفق بي في بعض شأني فقال تحولي فلما خرجت إلي الحجرة دعاني فقال: "امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك حتى يبلغ الكتاب أجله" قالت: فاعتددت فيه اربعة اشهر وعشرا قال فأرسل إلي عثمان فاخبرته فأخذ به. فهذا الحديث وإن كان صحيحا ولم يأت من قدح فيه بشيء ينبغي الالتفات اليه لكن غاية ما فه انها تعتد في المنزل الذي أتاها فيه نعي زوجها وليس فيه ان سكناها في مدة عدة الوفاة من مال الزوج وقد صرحت أنه لا منزل لزوجها فقالت: وليس المسكن له فعرفت بهذا أنه لا دليل في الحديث على إيجاب السكنى للمتوفى عنها من مال زوجها ولكن يجب عليها ان تعتد في المنزل الذي كانت فيه عند موت زوجها سواء كان لها أو للزوج أو لغيرهما ولا يبعد ان أجرة المنزل إذا كان للغير لازمة لها بل هو الظاهر بل لا يبعد ان المنزل إذا كان لزوجها فلورثته أن يطالبوها بالكراء فهذا حكم تعبد الله به المعتدة ولم يوجبه على زوجها ومع هذا فقد قدمنا

стр. 462

حديث فاطمة بنت قيس الذي أخرجه أحمد والنسائي ان النبي ﷺ قال: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة"، وفي لفظ آخر: "إنما النفقة والسكنى للمرأة على زوجها ما كانت له عليها رجعة فإذا لم تكن عليها رجعة فلا نفقة ولا سكنى"، وهذا نص في محل النزاع وفيه مقال كما تقدم قريبا مع أنه لا حاجة لمن نفي وجوب السكنى بالاستدلال على عدم الوجوب بل يكفيه ان يقف موقف المنع حتى يأتي الدليل الذي تقوم به الحجة وإلا كان التمسك بالبراءة الاصلية يكفيه. ويؤيد عدم الوجوب ما أخرجه النسائي وأبو دأود عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة ٢٤٠] ، نسخ ذلك بآية الميراث بما فرض الله لها من الربع أو الثمن ونسخ اجل الحول ان جعل اجلها اربعة اشهر وعشرا وفي إسناد أبي دأود علي بن الحسين بن واقد وفيه مقال خفيف ولكنه رواه النسائي من غير طريقه وقد دل على أنه ليس للمتوفى عنها الا الميراث لا نفقة ولا سكنى ولا وصية. قوله: "ومتى التبست بمطلقة بائنا" الخ. أقول: ووجهه ان المطقة البائنة قد أوجب الله سبحانه عليها العدة ثلاثة قروء والمتوفى عنها أوجب الله عليها العدة بأربعة اشهر وعشر فمع اللبس لا تخرج كل واحده منهما مما أوجبه الله عليها بيقين الا بالعدتين. وأما ما ذكره من ان لهما بعد مضي اقصر العدتين نفقة الخ فالحق أنه لا نفقه للمتوفى عنها ولا للبائنة كما سيأتي بيانه في باب النفقات إن شاء الله. قوله: "وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن". أقول: العدد المبينة في الكتاب والسنة وهي للمطلقات والمتوفى عنهن وثبت في المختلعة انها تعتد بحيضة وقد قدمنا ان الخلع فسخ لا طلاق فالقول بأن عددالفسخ كعددالطلاق البائن يحتاج إلي دليل ولا دليل فوجب الرجوع إلي ما ثبت في نوع من أنواع الفسخ وهو الخلع مع ما يؤيد ذلك من كون المسبية تستبرئ بحيضة كما تقدم النص على ذلك في الحائض وان الحامل تستبرئ بوضع الحمل فينبغي ان تكون عدة الفسخ حيضة إن كانت حائضا أو وضع الحمل إن كانت حاملا لأن براءة الرحم تتحقق بذلك ولم يرد ما يدل على زيادة ذلك والبراءة الاصلية تقتضي عدم ايجاب العدة عليها لان التعبد بغير دليل من التقول على الله بما لم يقل. وهكذا لا يجب للمفسوخة نفقة ولا سكنى لعدم الدليل على ذلك بل لورود النص بان النفقة والسكنى إنا هي للمطلقة رجعيا كما قدمنا لكن ها هنا إشكال وهو ما أخرجه أحمد والدراقطني ورجاله رجال الصحيح ان النبي ﷺ خير بريرة فاختارت نفسها وامرها ان تعتد عدة الحرة. وأخرج ابن ماجه بإسناد رجاله ثقات عن عائشة قالت امرت بريرة ان تعتد بثلاث حيض.

стр. 463

ويمكن ان يجمع بين الاحاديث بان ما ورد فيه النص كالخلع وفسخ الامة إذا عتقت يوقف على محله ويبقى ما عدا ذلك من الفسوخات على البراءة الاصلية ولا يجب الا ما يحصل به براءة الرحم وهي الحيضة في الحائض وإن كانت حاملا فوضع الحمل لما ورد في الاستبراء وأما دعوى المصنف الاجماع فمن اغرب ما يقرع الاسماع. [فصل وهي من حين العلم للعاقلة الحائل ومن الوقوع لغيرها وتجب في جميعها النفقة غالبا واعتدادالحرة حيث وجبت ولو في سفر بريد فصاعدا ولا تبيت الا في منزلها الا لعذر فيهما وعلى المكلفة المسلمة الاحداد في غير الرجعى وتجب النية فيهما لا الاستئناف لو تركت أو الاحداد وما ولد قبل الاقرار بانقضائها لحق ان امكن منه حلالا في الرجعى مطلقا وفي البائن لاربع فدون وكذا بعده بدون ستة اشهر لابها أو بأكثر الا حملا ممكنا من المعتدة بالشهور للياس] . قوله: فصل: "وهي من حين العلم للعاقلة الحائل ومن الوقوع لغيرها". أقول: هذه التفرقة لا يدري ما اصلها ولا ما مقتضيها وما استدلو به من ان الله سبحانه ذكر التربص في عدة ذوات الاقراء فقال: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ، وان ذلك يدل على انها لا بد ان تكون قاصدة للدخول في العدة فتسليم ذلك غايته ان تقصد عندالعلم ولا ينافي ذلك الاعتداد بما قد مضى قبل العلم ومع هذا كان يلزم ان تكون عدة الوفاة من وقت العلم لان الله سبحانه قال فيها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً﴾ [البقرة: ٢٣٤] ، فلم يبق وجه لهذا الفرق بل العدة للحامل والحائل العاقلة على سواء وأما الصغيرة والمجنونة فلا علم لها فالعدة فيهما لاحقة بالعدة للعقالة إن كانت من وقت الوقوع كانت لهما من وقت والوقوع وإن كانت من وقت العلم كانت لهما من الوقت الذي يحصل العلم فيه لوليهما. والحاصل ان هذه التفرقة لا تنبنى على شرع مقبول ولا على رأي معقول ولم يرد في الكتاب والسنة ما يدل على انها لا تعتد الا من وقت العلم بل ظاهر اطلاقات الكتاب والسنة ان العدة من عند وقوع الموت أو الطلاق وإن تأخر العلم بهما لان هذه المدة التي مضت بعد الوقوع وقبل العلم هي مدة من المدة المتعقبة لموت الزوج أو طلاقه فمن زعم أنه لا يحتسب بها فعليه الدليل فإن عجز عنه فهي من جملة العدة ولس على المراة إحداد ولا غيره حتى تعلم لانها لا تكلف بلوازم العدة الا بعد علمها والا كان ذلك من تكليف الغافل وهو مجمع على عدم التكليف به.

стр. 464

هذا على تقدير أن هذا الحكم تكليفي اعني كون الموت والطلاق سببين للعدة فإن كانا وضعيين فالامر اظهر. والحاصل ان العدة من وقت الوقوع على كل حال ولكل معتدة ومن ادعى غير هذا فهي دعوى مجردة لا يعول على مثلها. قوله: "ويجب في جميعها النفقة". أقول: الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة ان النفقة لا تجب للمطلقة ثلاثا لما ثبت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ أنه قال في المطلقة ثلاثا: "ليس لها نفقة ولا سكنى". وثبت في صحيح مسلم "٤١/١٤٨٠"، وغيره أحمد "٦/٤١٤، ٤١٥، أبو داود "٢٢٩٠"، النسائي"٣٥٥٢"، ان النبي ﷺ قال لها: "لا نفقة لك الا ان تكوني حاملا". وهكذا لا نفقة ولا سكنى للمختلعة لما قدمنا من ان ذلك فسخ لا طلاق ولم يرد ما يدل على لزوم النفقة في الفسخ على أنه لو كان طلاق لكانت كالمثلثة بجامع عدم جواز المراجعة لهما. وهكذا لا نفقة ولا سكنى للمتوفى عنها زوجها لعدم الدليل على ذلك وقد مات الزوج وانتقل حقها إلي تركته فليس لها الا الميراث وأما ما ورد من انها تعتد في منزلها الذي يلغها فيه موت زوجها فذلك تعبد لها لا لزوجها وقد قدمنا تحقيقه. وأما المطلقة رجعيا فقد ورد الدليل الدال على وجوب النفقة والسكنى لها حسبما قدمنا وأما المطلقة عن خلوة فلا عذر لمن جعل الخلوة كالدخول من ان يجعلها كالمدخولة فيما يجب لها ويحرم عليها وقد قدمنا كلأما في الخلوة فليرجع اليه ولعله يأتي مزيد بحث في باب النفقات إن شاء الله. وقد قررنا الكلام في هذه المباحث في شرحنا للمنتقى بما لا يبقى بعده حاجة إلي غيره بل افردنا هذه الابحاث برسالة مستقلة. قوله: "واعتداد الحرة حيث وجبت". أقول: قد قدمنا ان النبي ﷺ لم يجعل للمثلثة نفقة ولا سكنى وعلى تقدير أنه يجب عليها ان تعتد في المنزل الذي وقع الطلاق وهي فيه كما يدل عليه ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة أن عروة قال لها: ألم ترى إلي فلانة بنت الحكم طلقها زوجها البتة فخرجت؟ فقالت عائشة: بئسما صنعت فقال: ألم تسمعي إلي قول فاطمة بنت قيس - يعني أنه لم يجعل لها رسول الله ﷺ على زوجها نفقة ولا سكنى فقالت عائشة: أما إنه لا خير لها في ذلك, فذلك تكليف عليها لا على زوجها كما قلنا في المتوفى عنها جمعا ين الأدلة ويحمل تجويز الخروج لها على الخوف وعدم الامن.

стр. 465

ويؤيد هذا ما أخرجه البخاري وغيره عن عائشة انها قالت: كانت فاطمة بنت قيس في مكان فخيف على ناحيتها فلذلك أرخص لها رسول الله ﷺ وما أخرجه مسلم وغيره من حديث فاطمة بنت قيس قالت: قلت: يا رسول الله زوجي طلقني ثلاثا وأخاف أن يقتحم على فأمرها فتحولت وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديثها ان النبي ﷺ أذن لها أن تنتقل عند ابن أم مكتوم. وأما المتوفي عنها فقد قدمنا أن رسول الله ﷺ أمرها أن تعتد في المنزل الذي أدركتها فيه وفاة زوجها بعد أن أخبرته ان المنزل ليس لزوجها فدل ذلك على انها متعبدة بذلك كما سلف. وأما المطلقة رجعيا فقد قدمنا ان سياق قوله : ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ [الطلاق: ٦] ، وقوله: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ، يدل على ان المراء المطلقة رجعيا مع ما قدمنا من حديث فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ : "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" وقد قدمنا أيضا انها لا تخرج من البيت الذي يسكنها فيه الا باذنه فقوله ولو في سفر بريد فصاعدا ولا تبيت الا في منزلها صحيح. وهكذا يجب عليها في النهار ان تقعد في منزلها الا لحاجة أو خوف ولهذا قال المصنف ﵀: الا لعذر فيهما وقد قدمنا إذنه ﷺ لفاطمة بالانتقال لذلك العذر وقدمنا أيضا حديث جابر عند مسلم وغيره أنه قال طلقت خالتي ثلاثا فخرجت تجد نخلا لها فلقيها رجل فنهاها فأتت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "اخرجي فجدي نخلك لعلك أن تصدقي أو تفعلي خيرا". قوله: "ويجب على المكلفة المسلمة الاحداد على غير الرجعي". أقول: أما وجوبه على المتوفى عنها فالاحاديث في ذلك كثيرة صحيحة وقد تضمن انها لا تكتحل ولا تتطيب ولا تلبس ثوبا مصبوغا الا ثوب عصب ولا تختضب ولا تلبس الحلى ولا تمتشط. وأما المطلقة رجعيا فلا احداد عليها بالاجماع وأما المطلقة بائنا فلا إحداد عليها عند الجمهور وهو الحق لعدم ورود دليل يدل على ذلك فيجب البقاء على البراءة الاصلية ولا يخرج منها الا من ورد النص بالوجوب عليه وهو المتوفى عنها فقط نعم ورد ما يدل على جواز الاحداد على الميت وإن كان غير زوج لكن ثلاثة أيام فقط كما في الصحيحين وغيرهما من حديث ام حبيبة قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول على المنبر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الاخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا"، وهو في الصحيحين أيضا من حديث زينب بنت جحش وهو في الصحيحين أيضا من حديث أم سلمة. قوله: "ويجب النية فيهما".

стр. 466

أقول: أما وجوب النية في العدة فلكونها عملا "وإنما الاعمال بالنيات" كما صح عنه ﷺ وأما الاحداد فكذلك لكونه عملا تعبد الله به المتوفى عنها وأما عدم وجوب الاستئناف للعدة لو تركت المعتدة النية فلكونها قد وقعت العدة الواجبة بالحيض وهكذا لو تركت الاحداد لانها قد وقعت العدة وإخلالها بواجب عليها لايستلزم بطلان عدتها وسيأتي لنا في فصل الرجعة ما ينبغي اعتبار مثله هنا عند قول المصنف ويصح وإن لم تنو. قوله: "وما ولد قبل الاقرار بانقضائها" الخ. أقول: مهما كان الفراش ثابتا شرعا كان الولد لاحقا قطعا ولا شك ان المطلقة رجعيا تجوز مراجعتها من زوجها وإن طالت المدة ولهذا لحق ولدها مطلقا لثبوت فراشها مع كونها رجعية لم تقر بانقضاء عدتها. وأما البائنة فلا ريب أنه يمكن تجويز وطئها من زوجها في الساعة التي طلقها فيها فإذا جاءت بولد لأربع سنين فما دون عند من جعل هذه المدة أكثر مدة الحمل فقد جاءت به لاحقا بأبيه وقد عرفناك ما هو الذي ينبغي اعتماده في أقل مدة الحمل وأكثرها فارجع اليه. وأما إذا كانت المطلقة قد أقرت بانقضاء العدة فقال المصنف إنها إن جاءت به لدون ستة اشهر من عند الاقرار بالانقضاء لحق وإلا فلا والظاهر أنه لا وجه للتقييد بهذه المدة وأن المطلقة المقرة بانقضاء عدتها إن كان الطلاق رجعيا لحق بزوجها لجواز أنه راجعها قبل إقرارها بالانقضاء بلحظة ولا يكون إقرارها حجة عليه في إبطال نسب ولده منه وإبطال نسبه عن ولده مع إمكان بقاء الفراش والحكم بكذب الاقرار أولي من الحكم بإبطال نسب لم يرتفع فيه الفراش ارتفاعا معلوما. وأما المطلقة بائنا فتجويز وطء زوجها لها لا ينبغي المصير اليه وعلى فرض إمكانه فهو ممنوع منه شرعا فلا يثبت به الفراش وإذا لم يثبت الفراش لم يلحق النسب فلم يلحق النسب بعد إقرار البائنة بالانقضاء الا بدون ستة اشهر لأنه لا يحتمل ان يكون حملا حادثا بعدالاقرار بالانقضاء فيحمل على أنه حمل من الزوج قبل ايقاع الطلاق ولكن كان ينبغي ان لا يقع التقييد بدون الستة الاشهر بل ينبغي ان يقال إنه يلحق به وإن طالت المدة إلي انقضاء اربع سنين عندهم من وقت الطلاق لان عدم العمل باقرارها بالانقضاء أولى من حملها على الزنا وإبطال نسب لم يأذن الشرع بإبطاله ولا جاء به برهان. وأما عندي فإذا كانت قرائن الحمل ظاهرة فلا حكم للإقرار بالانقضاء مطلقا ويلحق به لفوق اربع سنين لأن ظهور القرائن تدل على كذب اقرارها مع احتمال الوهم منها بل يجب حملها على الوهم بوجود ما يدفعه من القرائن مصاحبا له. وأما استثناء حمل المعتدة بالشهور للبائن فوجهه انها إذا حبلت فقد تبين انها غير آيسة فلا حكم لاقرارها بالانقضاء وقد عرفناك عند قوله فإن انقطع ولو من قبل تربصت حتى يعود ما ينبغي ان تضمه إلي هذا ملاحظا لثبوت الفراش وان ارتفاعه لا يكون الا بأمر يوجب القطع.

стр. 467

[فصل ولا عدة فيما عدا ذلك لكن تستبرأ الحامل من زنى للوطء بالوضع والمنكوحة باطلا والمفسوخة من اصله وحربية اسلمت عن كافر وهاجرت كعدة للطلاق الا ان المنقطعة الحيض لعارض اربعة اشهر وعشرا وأم الولد عتقت بحيضتين وندبت ثالثة للموت والمعتقة للوطء بالنكاح بحيضة ولو لمعتق عقيب شراء أو نحوه] . قوله: فصل: "ولا عدة فيما عدا ذلك". أقول: وجه هذا عدم ورود دليل يدل على غير من قد وقع نص الكتاب والسنة بالعدة عليهن لان ذلك حكم شرعي فلا يجوز اثباته الا بحجة شرعية. وأما قوله: "لكن تستبرأ الحامل" الخ فهو استثناء منقطع لأن الاستبراء هو شيء غير العدة شرعه الله سبحانه لبراءة الارحام ولدفع اختلاط الاموال ولم يرد ما يدل على خصوص استبراء الحامل من زنا الا ما قدمنا من الأدلة الدالة على استبراء المسبية والمشتراة ونحوهما فقد ذكرنا هنالك من الأدلة ما يدل بعمومه وإطلاقه على مشروعية الاستبراء إذا كانت تلك العلة موجودة وهي موجودة في الحامل من زنا لكن اقتصاء المصنف على الحامل غير مناسب بل يقال في الزواني لا توطأ منهن حائض حتى تستبرأ بحيضة ولا حامل حتى تضع حملها كما قال ﷺ فيما ذكرناه سابقا. ومن جملة الاحايث العامة الشاملة للحامل من زنا حديث أبي هريرة عند أحمد والطبراني قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقعن رجل على امرأة وحملها لغيره". ومنها حديث رويفع الذي تقدم بلفظ: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يسقى ماءه ولد غيره"، وهو حديث صحيح. وأما المنكوحة باطلا فهي داخلة تحت الأدلة التي اشرنا اليها كما صلت فيها الزانية. والشبهة في هذه لا تنتهض لايجايب العدة الشرعية عليها وغاية ما فيها أنه يسقط بها الحد وقد قدمنا تحقيق الكلام في هذه وأمثالها وأما المفسوخة من اصله فقد قدمنا ما يغني عن إعادته هنا. وأما الحربية التي أسلمت عن كافر وهاجرت فقد قدمنا الاحاديث المصرحة بأنه ﷺ لم يفرق بين المهاجرات وازواجهن الباقين على الكفر الا بعد انقضاء عدتهن ومن اسلم زوجها وهي في العدة أقرها على نكاحها الأول كما وقع منه ﷺ في ابنته زينب مع زوجها أبي العاص بن الربيع. وأخرج مالك في الموطأ عن الزهري أنه قال لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلي الله روسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرا قبل ان تنقضي عدتها ولم يبلغنا ان امرأة فرق بينها وبين زوجها إذا قدم وهي في عدتها. وأما قوله: "إلا ان المنقطعة الحيض لعارض" الخ فقد قدمنا تحقيق الكلام فيه وتخصيص

стр. 468

هذا الموضع بهذا الحكم لهذه المنقطعة لا وجه له بل ينبغي من المصنف ان يجعل حكمها واحدا في عدة واسبتراء. قوله: "وأم الولد عتقت بحيضتين". أقول: تخصيص ام الولد بهذا الحكم من التحكم الذي لا وجه له ولا دليل عليه ولو قال هذا من يقول إن عدة الامة حيضتان كان لذلك وجها الحاقا لها بالاماء المنكوحات وأما المصنف فإنه لا يفرق بين عدة الحرة والامة فما باله جاء بهذا الحكم في أم الولد وكان عليه ان يجعل عليها العدة الكاملة كما يجعله على الامة المنكوحة والحرة أو يجعل عليها الاستبراء الذي يعرف به براءة الرحم وهو حيضة كما تقدم في الاماء وأما هذه العدة المتوسطة بين العدتين فمن غرائب الرأي وعجائب التحكم والاحسن إلحاق هذه أم الولد بالامة المزوجة إذا عتقت ثم خيرت فاختارت نفسها وقد قدمنا في حديث بريرة ان النبي ﷺ امرها ان تعتد عدة الحرة ثلاثة حيض بجامع ان كل واحدة منهما كانت امة منكوحة ثم عتقت وصارت في يد نفسها. وأعجب من هذا الذي ذكره المصنف من اعتدادها بحيضتين ما ذكر عقيبه من قوله وندبت ثالثة للموت فإنه جاء أولا بكلام هو هرولة بين عدة الحرائر والاماء وجاء ثانيا بكلام هو هرولة أيضا بين الوجوب وعدمه مع كون العدة عدة وفاة وليس بعد هذا من التسأهل في اثبات الأحكام الشرعية شيء. وأما قوله: "والمعتقة للوطء بالنكاح بحيضة" فهذا وإن كان رأيا معقولا الحاقا لها بالاماء اللات تجدد عليهن الملك وقد تقدم ما في ذلك من الأدلة لكنه مدفوع بما ذكرناه من امره ﷺ لبريرة ان تعتد بثلاث حيض عدة الحرة فإن هذه امة عتقت وتلك امة عتقت فالحاق المعتقة بمن عتقت أولى من الحاقها بمن لم تعتق ولا فرق بين ان يكون الذي أراد وطئها بالنكاح هو المعتق أو غيره. [فصل ولمالك الطلاق فقط إن طلق رجعيا ولما يرتد احدهما مراجعة من لم تنقض عدتها ويعتبر في الحائض كمال الغسل أو ما في حكمه وتصح وإن لم ينو أما بلفظ العاقل غالبا أو بالوطء أو أي مقدماته لشهوة مطلقا ويأثم العاقل إن لم ينوها به وبلا مراضاة ومشروطة بوقت أو غيره ومبهمة ومولاة ولو لها وفي إجاتها نظر ويجب الاشعار ويحرم الضرار] . قوله: فصل: "ولمالك الطلاق فقط إن طلق رجعيا" الخ. أقول: هذا صحيح فالرجعة بيد من بيده الطلاق ولكنه يجوز له ان يوكل من يراجع عنه كما يجوز له أن يوكل من يتزوج له أو يطلق عنه.

стр. 469

وأما تقييد ذلك بقوله: ولما يرتد احدهما فلا حاجة اليه لأن المرتد منهما ان استمر على ردته فإن كان الزوج هو الذي ارتد فمعلوم أنه لا يجوز للكافر نكاح المسلمة لا بإذنها ولا بغير إذنها بل تتربص حتى تنقضي عدتها ثم تنكح من شاءت وإن كانت المرتدة هي الزوجة فكذلك لا يجوز للزوج ان يراجعها وهي كافرة كما قال تعالي: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . وأما إذا ارتد احدهما بعد طلاق ثم رجع إلي الإسلام قبل انقضاء العدة فقد عرفناك فيما سبق ان الفرقة قد وقعت بالطلاق وأنها لا يتبعها الفسخ لان المحل غير قابل لذلك ما تقدم في كون الطلاق لا يتبع الطلاق. قوله: "ويعتبر في الحائض كمال الغسل" الخ. أقول: قد ذهب إلي هذه جماعة من الصحابة ولكن الحق الذي لا ينبغي العدول عنه هو الرجوع إلي انقضاء العدة التي شرعها الله للمعتدات فإذا انقضت الحيضة الثالثة انقضت العدة وليس الغسل الا لجواز مثل الصلاة والتلأوة ودخول المسجد لا لأمر يرجع إلي العدة فإنها قد انقضت ومضت ولم يبق لها حكم. وأما قوله: "وتصح وإن لم تنو" فإن أراد ان النية غير واجبة في الرجعة فمدفوع بانها عمل وقد قال ﷺ : "إنما الاعمال بالنيات"، وإن أراد انها واجبة ولا تبطل الرجعة بتركها بناء على ان الرجعة التي شرعها الله قد وقعت واثم التارك للنية لا يستلزم بطلان الرجعة فهذا له وجه ولكن كيف يتصور ان تقع الرجعة من الفاعل ولم ينوها فإن نفس القصد إلي الرجعة يستلزم حصول النية لأن النية هي القصد وقد وقع فإن قدرنا مثلا أنه جاء بلفظ يفيد الرجعة وهو غير قاصد للرجعة فليست هذه برجعة اصلا لأن تلفظ المتكلم بما لا يريده لاحكم له بل هو من اللغو الباطل والهذيان البحت. وهكذا لو قدرنا أنه وطئها لا بنية الرجعة فإن هذا الوطء ليس برجعة شرعية بل هو بالزنا اشبه ولعل الذي حمل المصنف على هذا المشي على ما قدمه من قوله ويجب النية لا الاستئناف فيهما ولكن هذا يرد عليه هنالك كما يرد عليه هنا. قوله: "أما بلفظ العاقل أو بالوطء" الخ. أقول: أما اللفظ فظاهر ان الله سبحانه شرع للأزواج الرجعة وليس المراد بها إلا أن يراجعها إلي نكاحه بان يقول قد ارجعتك أو راجعت فلانة أو يؤذنها بأنها تعود إلي ما كانت عليه أو يامرها بأن تدخل إلي المكان الذي كانا يجتمعان فيه وهي غير مطلقة وهو يعلم انها تفهم من ذلك الرجعة. وأما مراجتها بالوطء باديء بدء بأن لا تشعر الا وقد اقتحم عليها وأخذ برجلها ونكحها فهذا وإن كان رجعة لأنه لا يفعله الا من أراد الرجوع فيما كانا فيه من النكاح ومجرد القصد إلي هذا قبل صدوره منه يفيد الرجعة ولكن هذه الرجعة دوأبية لا إنسانية فضلا عن ان تكون شرعية

стр. 470

وإنما يفعل مثل هذا الفعل الزناة ولم يكن له إلي ذلك حاجة فإنه كان يكفيه ان يناديها من وراء الباب للمنزل الذي هي فيه أنه قد راجعها ثم يدخل بعد ذلك سريعا ويطأها كيف شاء وعلى أي صفة أراد فيكون قد وقع منه الاشعار وفعل ما يعفله المتشرعون ولم يفت عليه قضاء حاجته والبلوغ إلي شهوته. وأما قوله: "ويأثم الفاعل إن لم ينوها به" فهذا مع عدم النية لم يرد الرجعة بل أراد الزنا وليست هذه رجعة شرعية. وأما كونها تصح بلا مراضاة فصحيح لان الله سبحانه أباح ذلك للأزواج ولم يعتبر رضا الزوجات. وأما كونها تصح مشروطة فللزوج ذلك وقد يكون له في الشرط فائدة تحت الزوجة على كمال الطاعة وهكذا تصح الرجعة المبهمة ويرجع اليه في التعيين فإن عين من هي المقصود له تعينت وإن لم يعين حتى مات فإحداهما زوجة تستحق الميراث ويكون الميراث بينهما ويجب عليهما العدة. وأما قوله: "ومولاة" فصحيح كما قدمنا في أول هذا الفصل ولا وجه لقول المصنف فقط فإنه إن أراد إخراج رجعة من لم يكن بزوج مع عدم رضا الزوج فذلك معلوم لا يحتاج إلي ذكره وإن أراد أنه لا يصح منه التوكيل بها ونحوه فهو مخالف لما هنا فإن التولية نعم التوكيل. وأما قوله: "وفي إجازتها نظر" فلا وجه لهذا النظر لأن إجازة الرجعة رجعة. قوله: "ويجب الاشعار". أقول: لا شك في ان هذا واجب على الزوج للزوجة ولا سيما إذا كان ترك الاشعار لها يؤدي إلي ان تقع في محظور من إجابة خطبة من يخطبها أو الدخول في نكاح من يريد نكاحها بل الظاهر وجوب الاشعار لمن يتصل به ويجأوره لئلا يظنوا به مالا يحل واجتناب ذلك واجب بل قد ورد ما يدل على وجوب الاشهاد فأخرج أحمد وابن ماجه والطبراني والبيهقي بسند صحيح عن عمران بن الحصين أنه سئل عن الرجل يطلق امراته ثم يقع بها ولم يشهد على طلاقها ولا على رجتها فقال: طلقت لغير سنة وراجعت لغير سنة اشهد على طلاقها وعلى رجتها ولا تعد فإن قوله: لغير سنة يدل على أنه قد عرف من السنة ما يفيد الاشهاد فهو كقول الصحأبي من السنة كذا. ومما يؤيد هذا: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ، فإنه وارد عقب قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢] ، وقد وقد الاجماع على عدم وجوب الاشهاد في الطلاق واتفقوا على الاستحباب. قوله: "ويحرم الضرار". أقول: الضرار محرم على كل حال وهو اشد تحريما لمن وصى الله بهن عباده كما تقدم ولمن قال في حقهن ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، ولمن قال في حقهن ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ

стр. 471

تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، وقد قدمنا ان قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، نزل في الرجل الذي قال لامرأته والله لا اطلقك فتبيني ولا أويك ابدا قالت وكف ذلك قال اطلقك فكلما همت عدتك ان تنقضي راجعتك فبلغ ذلك النبي ﷺ فنزلت الاية [الترمذي "١١٩٢". [فصل والقول لمنكر البائن غالبا ولتمتنع منه مع القطع ولمنكر وقوعه في وقت مضى وفي الحال إن كان الزوج ولمنكر تقييده وحصول شرطه ممكن البينة ومجازيته وللزوج في كيفيته ولمنكر الرجعة بعد التصادق على انقضاء العدة لا قبله فلمن سبق في المعتادة وللزوج في النادرة ولمنكر مضيها غالبا فإن ادعاه الزوج حلفت في دعوى انقضاء الحيض الاخر كل يوم مرة وفي إنكارها الجملة كل شهر مرة وتصدق من لا منازع لها في وقوع الطلاق وانقضاء عدتها. قوله: فصل: "والقول لمنكر البائن". أقول: الاصل عدم البينونة فمدعيها مدع ومنكره منكر وقد ثبت عن النبي ﷺ : "أن البينة على المدعي واليمين على المنكر"، فهذا فرد من الأفراد المندرجة تحت هذا الحديث العام والشرع الشامل. وأما قوله: "ولتمتنع منه مع القطع" فلما هو معلوم من ان تمكينها من نفسها منكر في اعتقادها حيث هي قاطعة بالبينونة قطعا بمستند شرعي لا بمجرد الخيال ولا بمجرد فتأوى المقصرين. وأما قوله: "ولمنكر وقوعه في وقت مضى" فلكون الاصل عدمه وموافق الاصل منكر ومدعى خلاف الاصل مدع وعلى المدعى البينة وعلى المنكر اليمين. وأما قوله: "وفي الحال إن كان الزوج" فصحيح لأن الاصل وقوع الطلاق بخلاف ما إذا كان الزوج ينوي المدعى فإنه يصح منه إنشاء الطلاق في الحال. وهكذا قوله لمنكر تقييده لان الاصل عدم التقييد وهكذا منكر حصول شرطه لان الاصل عدم حصوله ولا وجه للتقييد بقوله وممكن البينة لان كل شرط يمكن البينة عليه الا ان يجعل الشرط امرا يرجع إلي ضميرها وما في نفسها مثلا فإن ذلك لا يعرف الا من جهتها. وهكذا يكون القول لمنكر مجازيته لان المجاز خلاف الاصل والاصل الحقيقة. وأما قوله: "وللزوج في كيفيته" فغير مسلم بل إن كانت تلك الكيفية خلاف ما هو المتبادر

стр. 472

كان القول قول منكرها والبينة على مدعيها وإن كانت هي المتبادرة من العرف والاصطلاح فالقول قول مدعيها. وهكذا القول قول منكر الرجعة لأن الاصل عدمها ولا وجه لقوله بعد التصادق على انقضاء العدة الخ لأن الاصل العدم ملقا وإذا ادعت المرأة انقضاء عدتها وأنكر الزوج فعليها البينة فإن النساء العوارف يفرقن بين الطهر والحيض وبين دم الحيض وغيره وإذا كان هذا الامر المتعلق بالفروج يمكن البينة عليه فغيره بالأولى حسبما حققنا ذلك فيما مضى. وأما تصديق من لا منازع لها فظاهر لا يحتاج إلي ذكره وتدوينه. والحاصل ان هذا الفصل معلوم مما سيأتي في كتاب الدعأوى وإنما يتعرض المصنف في الابواب لمن القول قوله ولمن البينة عليه لقصد مزيد الأيضاح وتكثير الافادة.

стр. 473

[باب الظهار صريحة قول مكلف مختار مسلم لزوجة تحته كيف كانت ظاهرتك أو انت مظاهرة أو يشبهها أو جزءا منها بجزء من امه نسبا مشاع أو عضو متصل ولو شعرا أو نحوه فيقع ما لم ينو غيره أو مطلق التحريم وكنايته كأمي أو مثلها أو في منازلها وحرام فيشترط النية وكلاهما كناية طلاق ويتوقت ويتقيد بالشرط والاستثناء الا بمشيئة الله في الاثبات ويدخله التشريك والتخيير] . قوله: باب: "الظهار فصل صريحة قول مكلف". أقول: اشتراط كون الزوج مكلفا مختارا وجهه ان غير المكلف لا يصلح لايقاع هذا ولم يؤذن له به وهكذا المكره لا حكم لفعله ولا يعتد به لان الاختيار شرط لصحة كل إنشاء. وأما قوله: "مسلم" فوجهه ان ما في الكتاب والسنة متضمن لما شرعه الله لعباده المسلمين وأما الكفار فهم وإن كان فيهم الخلاف في التكليف بالشرعيات فليس ذلك إلا باعتبار العقوبة عليهم في تركها لا باعتبار وجوب تنجيزها عليهم حال الكفر ولا باعتبار صحتها منهم. وأما كونه لزوجة تحته فلأنه لا يكون ظهارا إلا ما كان كذلك لأنه نوع من أنواع الفرقة فلا يقع على اجنبية لعدم المقتضى ووجود المانع وقد صح أنه: "لا طلاق قبل نكاح" كما تقدم فهكذا ما يؤول أمره إلي ما يؤول إليه الطلاق ولو في بعض أحواله وأما اعتبار كونها تحته فلأن المطلقة قد وقعت عليها الفرقة بنفس الطلاق ولا يتبع الطلاق الطلاق كما قدمنا ولا ما هو في معنى الطلاق لأنه تحصيل للحاصل ولا يشترط في الزوجة شيء مما يشترط في الزوج لانها إنما هي مكان للإيقاع عليها وذلك يصح كيف كانت.

стр. 474

قوله: "ظاهرتك وانت مظاهرة". أقول: إن الظهار الذي نص عليه القرآن الكريم المراد به ما كانت توقعه الجأهلية ويجعلونه طلاقا وكانوا يقولون انت على كظهر امي فتصير المرأة بذلك مطلقة فمعنى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] يوقعون عليهن ما كانت توقعه الجأهلية على نسائهم فمن أراد هذا المعنى بلفظ يدل عليه كقوله ظاهرتك وانت مظاهرة أو انت الظهار كان ذلك صحيحا والأرادة جارية على مقتضى اللغة كما لو قال في الطلاق انت الطلاق ونحو ذلك ولا يمنع من هذا شرع ولا عقل ولا لغة. قوله: "أو يشبهها أو جزءا منها بجزء من امه نسبا". أقول: هذا صواب لأن اجزاء الام متفقة فلا فرق بين الظهر وغيره وأما تشبيه مثل الزوجة بابنته واخته أو جزء منها بجزء منها فهذا خارج عن معنى النص وإن كان معنى الحرمة موجودا والقول بالقياس لا يكون الا بجامع الحرمة وجامع الحرمة موجود في الاجنبيات فضلا عن القرائب فإن أريد التحريم المؤبد لزم ذلك في مثل الملاعنة. والحاصل ان هذا القياس لا ينبغي ان يقال به ها هنا فإن الله سبحانه قد وصف المظاهرين بانهم: ﴿لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً﴾ [المجادلة: ٢] ، فلا ينبغي توسيع دائرة ما هذا شأنه بل يقصر على موردا لنص وهن الامهات من النسب وقد استرسل بعض أهل العلم في هذا القياس حتى قال: إن مجرد تحريم الوطء المطلق ظهار وهو باطل من القول وغلط في الاستدلال. وأما اعتبار ان يكون ذلك الجزء مشاعا فظاهر لأنه يدخل فيه كل جزء من أجزاء البدن بقدر ما سمى. وهكذا قوله أو عضو متصل فإنه لا يشترط ان يكون الذي سماه هو الفرج أو ما يدخل فيه الفرج أو جزء منه ليكون موردالنص هو تشبيه الزوجة بظهر الام وهو غير الفرج ولا يدخل فيه شيء منه. وأما قوله: "ولو شعر أو نحوه" فمبني على أنه يعود على مسمى العضو وهو يتخالف كما في كتب اللغة. قوله: "فيقع ما لم ينو غيره". أقول: قد الزم رسول الله ﷺ حكم الظهار من ظاهر في الإسلام وهو لم يرد الا ما كانت تريده الجأهلية ولم يكن قد تبين حكم الظهار في الإسلام حتى يكون مرادا له وقد ورد الإسلام بنسخ كون الظهار الذي كانت تفعله الجأهلية طلاقا وأوجب فيه الكفارة ولا يخفى ان من نوى الظهار ما كانت تنويه الجأهلية به وهو الطلاق فقد صار مظاهرا ولزمته أحكام الظهار التي بينها الكتاب والسنة لأن السبب وارد فيمن أراد ظهار الجأهلية وهو الطلاق فقوله فيقع مالم ينو غيره غير مسلم بل يقع ولو نوى به الطلاق. وأما إذا نوى اليمين فقد نوى به غير معناه اللغوي والشرعي وليس هذا اللفظ من ألفاظ

стр. 475

اليمين فلا يقع ظهارا لعدم نيته له ولا للطلاق ولا يقع يمينا لان الجأهلية لم تستعمله في ذلك ولا فيه ما يفيد اليمين. وأما إذا أراد تحريم العين فهو يصدق عليه أنه قد أراد ما كانت عليه الجأهلية فإنهم لا يريدون بقولهم للنساء هن عليهم كظهور امهاتهم الا التحريم الذي يستلزم الفرقة لان الشرع اقر أرادة التحريم وإن جعلها منكرا من القول وزورا ورتب عليها ما رتب من التكفير. ومما يؤيد هذا ما أخرجه أهل السنن [أبو داود "٢٢٢١"، الترمذي "١١٩٩"، ابن ماجة "٢٠٦٥"، النسائي "٣٤٧٥"] ، وصححه الترمذي والحاكم من حديث ابن عباس أن رجلا أتى النبي ﷺ قد ظاهر من امرأته فوقع عليها, فقال: يا رسول الله إني ظاهرت من امرأتي فوقعت عليها قبل أن أكفر فقال: "ما حملك على ذلك يرحمك الله؟ " فقال: رأيت خلخالها في ضوء القمر, فقال ﷺ : "فلا تقربها حتى تفعل ما امرك الله"، فإن قوله قبل ان اكفر يفيد أنه أراد الظهار الشرعي وأنه وقع منه ذلك بعد ورودالشرع به فوجب عليه ما وجب على المظاهر وهذا إذا أراد تحريم العين بما جاء به من لفظ الظهار وأما إذا قال حرمتها أو هي حرام فليس شيء لأنه حرم على نفسه ما لم يحرمه الله عليه وليس له ان يشرع لنفسه ما لم يشرع الله لها ولهذا ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس أنه قال: إذا حرم الرجل امراته فهي يمين يكفرها, وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] ، وقد اطلنا المقال في هذا البحث في شرحنا للمنتقى فليرجع اليه. وأما قوله: "وكنايتها كأمي ومثلها" الخ فصحيح لأن اللفظ إذا احتمل معنيين أو معاني لم ينصرف إلي احدهما الا بالنية من المتكلم. وأما قوله: "وحرام" فليس بشيء كما عرفت. وأما قوله: "وكلاهما كناية طلاق" فقد قدمنا لك ان الشرع نسخ ما كانت تفعله الجأهلية من الظهار مريدين به الطلاق وظاهر هذا أنه لا يقع به الطلاق اصلا وإن أراده لأنه أراد ما لم يصح في الشريعة. قوله: "ويتوقت". أقول: لما أخرجه أحمد "٤/٣٧، ٥/٤٣٦"، وابو دأود "٢٢١٣"، والترمذي "١١٩٨، ٣٢٩٩"، وحسنه وصححه ابن خزيمة وابن الجارود والحاكم من حديث سلمة بن صخر قال كنت امرءا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري فلما دخل رمضان ظاهرت من امرتي حتى ينسلخ رمضان الحديث وهو يدل على صحة توقيت الظهار وقد اثبت النبي ﷺ أحكام الظهار كما في بقية الحديث وفيه طول وفيه أنه واقعها قبل انقضاء رمضان وأما قوله: "ويتقيد بالشرط والاستثناء" فظاهر لعدم المانع من ذلك. وأما قوله: "إلا بمشيئة الله" يعني فإنه لا يصح تقييده بها لان الله سبحانه لا يشاؤه لوصفه

стр. 476

له بأنه منكر من القول وزور فإذا قيده بمشيئته لم يقع وأيضا الاحاديث الواردة في مطلق التقييد بالمشيئة تدل على ان ما قيد بها لا يلزم لا في اليمين ولا غيرها كما قدمنا. وأما كونه يدخله التشريك والتخيير فوجهه ما قدمنا في الطلاق. [فصل ويحرم به الوطء ومقدماته حتى يكفر أو ينقضي وقت الموقت فإن فعل كف ولها طلب رفع التحريم فيحبس له إن لم يطلق ولا يرفعه الا انقضاء الوقت أو التكفير بعدالعود وهو أرادة الوطء ولا يهدمه الا الكفارة وهي عتق كما سيأتي فإن لم يجد فصوم شهرين في غير واجب الصوم والافطار لم يطأها فيهما ولا وإلا استأنف الا لعذر ولو مرجوا زال فيبنى فإن تعذر البناء على الصوم قيل اطعم للباقي فإن لم يستطعه فاطعام ستين مسكينا أو تمليكهم كاليمين وياثم إن وطيء فيه قيل ولا يستأنف ولا يجزئ العبد الا الصوم ومن امكنه الاعلى في الادنى استأنف به والعبرة بحال الأداء وتجب النية الا في تعيين كفارتي متحد السبب ولا تتضاعف الا بتعدد المظاهرات أو تخلل العود والتكفير] . قوله: فصل: "ويحرم به الوطء ومقدماته حتى يكفر" أقول: لأن هذا التحريم هو مدلول الظهار الذي ورد به الكتاب والسنة وقد أمر النبي ﷺ سلمة بن صخر في الحديث المتقدم عنه ان لا يقربها حتى يفعل ما امره الله وهو حديث صحيح كما قدمنا ولم يأت من اعله بما يصلح لدعواه. وأما قوله: "أو ينقضي وقت المؤقت" فبمني على ان انقضاء الوقت بمثابة العود والوطء وأما قوله: "فإن فعل كف" يعني حتى يكفر وليس عليه في هذا الوطء كفارة غير الكفارة التي وجبت للظهار لأن النبي ﷺ لم يقض على من وطيء قبل ان يكفر الا بكفارة واحدة كما تقدم وقد أخرج الترمذي وحسنه ابن ماجه من حديث سلمة بن صخر عن النبي ﷺ في المظاهر بواقع قبل أن يكفر قال: "كفارة واحدة"، قال الترمذي والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم. وأما قوله: "ولها طلب رفع التحريم" الخ فصواب لان الاستمرار على التحريم مضاره لها وقدنهى الله سبحانه عن ذلك ولا اعتبار بما يقوله المقلدون بأنه لا حق لها في الوطء فكيف تطلب رفع التحريم نعم إذا كان لا يريد إمساكها سرحها بإحسان كمال قال الله سبحانه. قوله: "ولا يرفعه الا انقضاء الوقت أو التكفير بعد العود" الخ. أقول: أما كونه يرفعه انقضاء الوقت بدون تكفير فغير مسلم وأما كونه يرفعه التكفير بعد

стр. 477

العود فصحيح كما صرح به الكتاب العزيز قال الله : ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: ٣] ، واختلفوا هل العلة في وجوبها العود أو الظهار بعد اتفاقهم على انها تجب الكفارة بعد العود؟. فذهب قوم إلي الأول وذهب آخرون إلي الثاني وذهبت طائفة ثالثة إلي ان العلة مجموع العود والظهار ثم اختلفوا في العود ما هو فقيل إنه أرادة المس لما حرم بالظهار وقيل بل هو إمساكها بعد الظهار وقتا يسع الظهار ولم يطلق وقيل هو العزم على الوطء فقط وإن لم يطأ وقيل هو الوطء نفسه وقيل إعادة لفظ الظهار. والظاهر ان المراد به العود من الحالة التي هو فيها وهي التحريم بالظهار إلي الحالة التي كان عليها وهو كون الوطء حلالا بموجب عقد النكاح وهذا هو الذي تقتضيه اللغة وتنطبق عليه الأدلة كما لا يخفى فإنه إذا عزم الرجل على شيء فقال إنه قد عاد عما عزم عليه كان المفهوم من هذا العود هو الرجوع من العزم على ذلك الشيء إلي عدم العزم عليه فالعائد هو هذا. قوله: "ولا يهدمه الا الكفارة". أقول: هذا صحيح وهو الذي ذكره الله سبحانه وجاءت به السنة المطهرة ومن قال إنه يهدمه غير الكفارة فهو إنما نظر إلي أنه قد حصل موجب للتحريم أما مطلقا أو مقيدا وليس الكلام في هذا إنما الكلام في الشيء الذي يصير به منهدما حتى يكون وجوده كعدمه. وأما مثل الطلاق ونحوه مما تحصل به الفرقة فذلك لا يوجب رفع ما كان قد اقترفه من أمر الموجب لما أوجبه الله من الكفارة عند ان يريد عودها إلي نكاحه. قوله: "وهي عتق" الخ. أقول: التقييد لإجزاء الصوم بعدم وجود رقبة يعتقها ثم تقييد إجزاء الاطعام بعدم الاستطاعة للصوم هو الذي صرح به الكتاب العزيز وصرحت به السنة المطهرة في مظاهرة أوس بن الصامت لزوجته خولة بنت مالك بن ثعلبة. وأما قوله: "لم يطأ فيهما" فهو أمر مجمع عليه كما حكاه ابن القيم وغيره فإنه قال لا خلاف في تحريم وطئها في زمن الصوم ليلا ونهارا. وأما اشتراط ان يكون الصوم متتابعا فلذكر التتابع في الكتاب العزيز والسنة المطهرة وظاهر ذلك ان من لم يتابع لم يفعل ما أمر الله سبحانه ولا صام الصوم الذي شرعه الله فيستأنف وأما إذا كان ترك التتابع لعذر مسوغ فذلك لتقييد ما أوجبه الله سبحانه بالاستطاعة وهذا لم يستطع فلا يجب عليه الاستئناف. وأما قوله: "فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا" فهذا هو الذي صرح به القرآن والسنة وأما قوله: "أو تمليكهم كاليمين" فمراده ان يدفع اليهم ما يأكولنه وذلك هو إطعام إذ لا فرق في صدق مسمى الاطعام بين ان يهيء لهم طعأما يأكلونه أو يدفع إلي كل واحد من الطعام ما يأكله وقد ورد في الروايات أن النبي ﷺ قال: "فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر"، كما

стр. 478

في حديث أوس بن الصامت وورد في حديث سلمة ابن صخر أن النبي ﷺ أعطاه مكتلا فيه خمسة عشر صاعا فقال: "أطعمه ستين مسكينا". وظاهر القرآن والسنة أنه يطعم ستين مسكينا مرة واحدة أما ان يهيء لهم طعأما يأكلونه عنده أو بأن يدفع إلي كل واحد ما يأكله ولا يجب الاطعام مرتين ولا دليل علي ذلك. قوله: "وياثم إن وطيء فيه". أقول: وقع في الكتاب العزيز التقييد بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] ، في العتق والصوم ولم يقع التقييد به في الاطعام فالظاهر عدم الإثم في الاطعام وعدم الاستئناف لأن ترك التقييد فيه مشعر بان احكمه غير حكم ما وقع التقييد فيه إعمالا للكتاب العزيز ورجوعا إلي البراءة الاصلية ومن زعم ان الاطعام لاحق بالعتق والصوم بالقياس بعدم الفارق فزعمه هذا رد عليه فإن التنصيص في الكتاب العزيز على البعض دون البعض دليل على الفرق وإن لم يعلمه ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] ، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . على أنه قد قيل إن عدم وجوب الاستئناف في الاطعام مجمع عليه وهذا الاجماع إن صح يندفع به القياس وتبطل معه دعواه. وأما قوله: "ولا يجزء العبد الا الصوم" فمبنى على ان العبد لا يملك فلا يجب عليه ما هو مال وأما قوله: "ومن أمكنه الاعلى في الادنى استأنف به" فلا وجه له فإنه فعل ما هو الواجب عليه ودخل فيه حال كونه لا يجب عليه غيره فتجدد الوجوب عليه بعد التلبس بما هو الواجب عليه تكليف له بما لم يكلف به. وأما كون العبرة بحال الأداء فصحيح لان اعتبار غيرها مع استمرار الوجوب عليه يحتاج إلي دليل. وأما كونها تجب النية فظاهر لان التكفير عمل والاعمال بالنيات ولو كان ذلك في كفارتي متحدي السبب فإن التعيين بالنية واجب لأن كل واحدة منهما عمل والاتحاد لا يبطل ذلك ولا يرفع الوجوب. وأما قوله: "ولا تتضاعف الا لتعدد المظاهرات" فصحيح لان الله سبحانه لم يوجب في الظهار الا كفارة واحدة فمن زعم أنه يجب غير ذلك فقد ادعى مالا دليل عليه وقد قدمنا الدليل على عدم تعود الكفارة وأنه مذهب الجمهور. وهكذا تعدد الكفارة إذا تخلل العود والتكفير بين الظهارين لأن كل واحد منهما أوجب الشرع فيه كفارة وإن كانت المظاهرة واحدة ومثل هذا ظاهر لا يحتاج إلي التنصيص عليه.

стр. 479

[باب الايلاء من حلف مكلفا مختارا مسلما غير اخرس قسما لا وطيء ولا لعذر زوجة تحته كيف كانت أو اكثر لا بتشريك مصرحا أو كانيا نأويا مطلقا أو مؤقتا بموت ايهما أو بأربعة اشهر فصاعدا أو بما يعلم تأخره عنها غير مستثنى الا ما تبقى معه الاربعة رافعته بعدها وإن قد عفت إن رجعت في المدة وكلهن مع اللبس لا ولي غير العاقلة فيحبس حتى يطلق أو بفيء القادر بالوطء والعاجز باللفظ ويكلفه متى قدر ولا إمهال الا بعد مضى ما قيد به يوما أو يومين ويتقيد بالشرط لا الاستثناء الا ما مر ولا يصح التكفير الا بعد الوطء ويهدمه لا الكفارة والتثليث والقول لمنكر وقوعه ومضى مدته والوطء وسنة ثم سنة إيلاءان لاسنتان] . قوله: باب: "الايلاء فصل يوجبه حلف مكلف" الخ. أقول: وجهه ان حلف غير المكلف لا ينعقد ولا يلزم لرفع قلم التكليف عنه وهكذا حلف المكره لأن فعله لم يصدر على وجه يتعلق به حكمه. وأما اشتراط ان يكون مسلما فلكون هذه الشريعة واردة لما شرعه الله لأهل الإسلام وأما خطاب الكفار بما اخلوا به من الواجبات في الدنيا عند الحساب يوم القيامة فذلك بحث آخر لأن عقوبتهم عليها في الاخرة لا يستلزم صحتها منهم في الدنيا. وأما اشتراط ان يكون غير اخرس فظاهر لان هذا بحث لفظي والاخرس لا يقدر على الكلام. وأما اشتراط ان يكون الحلف قسما فزيادة قد افادها قوله من حلف لأن مطلق الحلف ينصرف إلي القسم بالله أو بصفاته. وأما قوله: "لا وطيء ولا لعذر" فصحيح لأن الحكم مترتب على الحلف وقد وقع سواء كان سبب الحلف عذرا أو غير عذر وأما كون المحلوف عليه هو وطء الزوجة فظاهر لأنه لا يقال للحلف إيلاء الا إذا كان كذلك وإلا كان يمينا من سائر الايمان. وأما كونها تحته كيف كانت فالكلام فيه كالكلام في الظهار وقد تقدم. وهكذا قوله لا بتشريك فإنه لا يصح مجرد التشريك بل لا بد من الحلف من كل واحدة لان معنى هذا الباب لا يوجد الا بالحلف ولا حلف من الاخرى. وأما قوله: "مصرحا أو كانيا نأويا" فظاهر لأن المراد ما يفهم به المراد وهو يحصل بالكناية كما يحصل بالتصريح وأما النية فلا بد منها في الصريح والكناية كما قدمنا ذلك غير مرة وهكذا لا فرق بين ان يكون الحلف مطلقا أو مقيدا بوقت لأن الكل حلف يصدق عليه مسمى الايلاء. وأما كون التوقيت بالموت أو بأربعة اشهر فصاعدا أو بما يعلم تأخره عنها فالوجه في ذلك

стр. 480

كله ان الله سبحانه قال: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦] ، فإذا وقت بالموت فهو غاية ماله من الحياة ولكن بعد مضى الاربعة ترافعه وإذا وقت بما فوق الاربعة رافعته عند انقضاء الاربعة وهذا مبني على أنه لا يصح التوقيت بدون الاربعة وأنه لا يكون ايلاء الا بذلك والاية غير واردة في هذا المعنى بل واردة في معنى مدة الامهال للمولى وانها تجوز للمرأة المرافعة بعد الاربعة الاشهر لما في الزيادة عليها من الاضرار بها. وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٩/٣٠٠"، مسلم "٢٥/١٠٨٥"] ، ان النبي ﷺ أقسم ان لا يدخل على نسائه شهرا فلو كان ما في القرآن بيانا للمدة التي لا يجوز ان يكون وقت الايلاء دونها لم يقع منه ﷺ الايلاء شهرا فعرفت بهذا ان هذه المدة ليست الا لعدم جواز التوقيت بزيادة عليها وأنه يجوز للمرأة المرافعة بعدها. وأما قوله: "وكلهن مع اللبس" فظاهر لأنه قد جاء بما يحتمل ان كل واحده منهن محلوف منها على انفرادها فلا يجوز قربان إحداهن الا بعد انجلاء اليمين وأما كونه يحبس حتى يطلق أو يفيء فوجهه أنه لا يرتفع الضرار عن الزوجة الا بذلك وقد أخرج البخاري وغيره عن ابن عمر قال إذا مضت اربعة اشهر يوقف حتى يطلق ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق قال البخاري ويذكر ذلك عن عثمان وعلى وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من اصحاب النبي ﷺ . وأخرج أحمد بن حنبل عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر انهم قالوا يوقف المولى بعد الاربعة فأما ان يفيء وأما ان يطلق. وأخرج الدارقطني عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه قال سألت اثني عشر رجلا من اصحاب النبي ﷺ عن رجل يولى قالوا ليس عليه شيء حتى تمضي اربعة اشهر فيوقف فإن فاء وإلا طلق. قوله: "والقادر بالوطء" الخ. أقول: الظاهر ان قوله : ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ [البقرة: ٢٢٦] ، معناه الرجوع كما يفيد ذلك اللغة فمعنى فاءوا رجعوا إلي ما كانوا عليه وحللوا ما وقع منهم من اليمين بالتكفير عنها وذلك أمر يكفي فيه العزم عليه والقصد اليه ولا يعتبر وطء ولا لفظ وبهذا يعرف أنه لا وجه لقول المصنف ﵀ ويكلفه متى قدر ولا إمهال الخ. وأما قوله: "ويتقيد بالشرط" فصحيح لأنه يمينه هذه كلام من جملة الكلام الذي يقبل التقييد بالشرط والاستثناء ولا مانع من ذلك. وأما كونه لا يصح التفكير الا بعدالوطء فوجهه ان الكفارة تلزم بالحنث والمحلوف عليه هو الوطء فلاتلزمه الكفارة الا بعد الحنث بفعل ما حلف عليه أنه لا يفعله. وأما قوله: "ويهدمه لا الكفارة التثليث" فلا وجه له إذ لا مدخل للتثليث في رفع هذه اليمين إلا أن يريد أنها لا ترافعه إذا انقضت الاربعة الاشهر وقد صارت مثلثة فهذا صحيح لأنه

стр. 481

هنا قد حرم وطؤها بسبب آخر وهو التثليث فليس لها المطالبة بشيء قد صار محرما عليها وعلى زوجها. فإن قيل انها تطالبه بأن يفيء باللفظ لترفتع الغضاضة عنها فقد عرفناك ان الفيء الرجوع إلي النكاح وقد ارتفع فلا يصح الرجوع اليه الا بعد ان تنكح زوجا غيره ومتى رجعت اليه بعد نكاح غيره فوطئها لزمته الكفارة. وما أقل جدوى هذا الانهدام الذي ذكره المصنف لا سيما مع اعترافه بأنها لاتنهدم الكفارة وأما قوله: "والقول لمنكر وقوعه ومضى مدته والوطء" فظاهر لأن الاصل عدم هذه الثلاثة فالقول لمنكرها وعليه اليمين وعلى مدعيها البينة. وأما قوله: "وسنة ثم سنة إيلاءان" فلا وجه له بل هو إيلاء واحد تعلقت به تلك اليمين فلا فرق بين قوله سنة ثم سنة وبين قوله سنتان نعم إذا قال والله لا وطئتك هذه السنة ثم قال والله لا وطئتك السنة التي بعدها كان ذلك إيلائين فترافعه في السنة الأولى بعد مضي اربعة اشهر وكذلك في السنة الثانية.

стр. 482

[باب اللعان يوجبه رمي مكلف مسلم غير اخرس لزوجة مثله حرة ممكنة الوطء تحته عن نكاح صحيح أو في العدة بزنا في حال يوجب الحد ولو قبل العقد أو نسبة ولده منها إلي الزنا مصرحا قيل ولو بعد العدة وثم إمام ولا بينة ولا اقرار فيهما ومنه يا زانية] . قوله: باب: "اللعان فصل يوجبه" الخ. أقول: المراد بالايجاب التسويغ والجواز مع ثبوت ذلك ولهذا كان ﷺ يعظ الملاعنين ويخوفهما من الاقدام عليه. وأما اشتراط كون الزوج مكلفا مسلما فلما تقدم غير مرة. وأما كونه غير اخرس فلكون اللعان لا يكون الا باللفظ لا بالاشارة ولا بالكناية. وأما اعتبار كون الزوجة مثل الزوج فلأنها تحلف كما يحلف وتثبت ما ينفي الزوج وتنفي ما يثبت وذلك لا يكون الا من مكلفة مسلمة غير خرساء. وأما اشتراط ان تكون الزوجة حرة فلكون ذلك مورد النص ولكن المفسدة كائنة في الامة كالحرة والأحكام تدور بدوران عللها. وأما كونها ممكنة الوطء فلأن اللعان لا يكون الا بالرمي بالزنا أو النفي للولد وهو يستلزم الزنا فن كانت رتقاء أو عذراء فلا يتيسر ذلك منها.

стр. 483

وأما كونها تحته عن نكاح صحيح فلا وجه له بل يكفي ان تكون تحته عن نكاح شبهة يوجب لحوق النسب لأن ذلك هو المقتضى للعان ومعلوم ان نفي اللاحق بشبهة يترتب عليه من الفائدة ما يترتب على نفي اللاحق بنكاح صحيح. وأما قوله: "في العدة" فصحيح لأن لحوق الولد به في العدة ثابت لثبوت الفراش فالغرض باللعان موجود وهو نفي الولد. وأما قوله: "بزنا في حال يوجب الحد" فهذا صحيح إن كان الغرض من اللعان دفع الحد وأما إذا كان الغرض منه نفي الولد فهذا صحيح وإن كان الحد ساقطا لشبهة كما تقدم واضافة الزنا منها إلي قبل عقده بها صحيح لان الغرض الذي يكون لاجله اللعان موجود. وهكذا يقوم مقام رميه بالزنا نسبة ولده منها إلي الزنا لأن ذلك يستلزم الزنا. وأما قوله: "ولو بعد العدة" فإنما يتم إذا كان الولد لاحقابه بعدها لا إذا لم يلحق به فلا فائدة في اللعان وأما أعتبار ان يكون في الزمان إمام فلا وجه لذلك بل الصالح لتنفيذ أحكام الله سبحانه من هذه لامة يقوم بما تقوم به الائمة في جميع الامور من غير فرق بين الحدود وغيرها كما تدل على ذلك الايات القرآنية والاحاديث النبوية. وأما قوله: "ولا بينة ولا إقرار فيهما" فصحيح لأن اللعان إنما يصح مع التناكر والتدافع وأما قوله: "ومنه يا زانية" فلا حاجة اليه بعد قوله بزنى. [فصل ويطلبه الزوج للنفي وإسقاط الحق وهي للنفي والقذف فيقول الحاكم بعد حثهما على التصادق فامتنعا قل والله إني لصادق فيما رميتك به من الزنا ونفي ولدك هذا اربعا ثم تقول والله إنه لمن الكاذبين في رميه ونفيه كذلك والولد حاضر مشار اليه فإن قدمها اعاد ما لم يحكم ثم يفسخ ويحكم بالنفي إن طلب فيسقط الحد وينتفي النسب وينفسخ النكاح ويرتفع الفراش ويحرم مؤبدا لا بدون ذلك مطلقا ويكفي لمن ولد بعده لدون ادنى الحمل ويصح الرجوع عن النفي فيبقى التحريم فإن رجع بعد موت المنفي لم يرثه قبل وإن لحقه ولده ولا نفي بعد الاقرار أو السكوت حين العلم به وإن له النفي ولا بدون حكم ولعان ولا لمن مات أو أحد ابويه قبل الحكم ولا لبعض بطن دون بعض ولا لبطن ثان لحقه بعد اللعان ويصح للحمل إن وضع لدون ادنى مدته لا اللعان قبل الوضع. وندب تأكيده بالخامسه والقيام حاله وتجنب المسجد] .

стр. 484

قوله: فصل: "ويطلبه الزوج" الخ. أقول: الطلب من كل واحد منهما يكون لاحد غرضين أولهما معا الأول انتفاء نسب الولد من الزوج وغرض الزوج من ذلك أنه لا يلحق به من هو من غيره وغرضها ان يكون ابنا لها على الاستقلال. الثاني دفع الحد فغرض الزوج باللعان ان لا يحد حد القذف وغرضها ان لا تحد حد الزنا. وأما كون من أغراض الزوج إسقاط الحق من نفقة عدة ونحوها فذلك لا يتم الا على القول بوجوب النفقة ونحوها لكل مطلقة رجعيا كان أو بائنا وقد عرفت ما قدمنا من أنه لا نفقة ولا سكنى للمطلقة بائنا فالزوج يمكنه ان يسقط عن نفسه ذلك بطلاق بائن من غير اقتحامه لهذه العقبة الكوود. قوله: "فيقول الحاكم بعد حثهما على التصادق". أقول: قد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين وغيرهما أنه قال لهما: "إن عذاب الدنيا اهون من عذاب الاخرة" وثبت عنه ﷺ في الصحيحين [البخاري "٥٣١٢"، مسلم "١٤٩٣"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٢٥٧"، النسائي "٦/١٧٧"، أحمد "٤٥٨٧"] ، أنه قال لهما: "الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟ ". وأما قوله: "قل: والله إني لصادق فيما رميتك به من الزنا" فقد علمنا الله سبحانه كيف يقول المتلاعنان فلا حاجة إلي الزيادة على ذلك ولا في إحضار الولد. وأما قوله: "فإن قدمها أعاد ما لم يحكم" فوجهه أن القرأن قدم إيمان الزوج على إيمان الزوجة فتقديمها مخالف لما علمنا الله به وأرشدنا إليه وهكذا قدم رسول الله ﷺ في اللعان الواقع لديه الرجل على المراة وأيضا قولها والله إنه لكاذب جواب عن قوله إنه لصادق والجواب لا يتقدم على ما هو جواب عليه. قوله: "ثم يفسخ ويحكم بالنفي". أقول: قد ثبت في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال للزوج: "لا سبيل لك عليها" وفي الدارقطني من حديث سهل بن سعد أن النبي ﵌ فرق بين المتلاعنين وقال: "لا يجتمعان أبدا"، وهكذا روى من حديث ابن عباس [أبو داود "٢٢٥٦"] ، ومن حديث علي وابن مسعود. وأما نفي الولد فثبت في الصحيحين [البخاري "٥٣١٥"، مسلم "٨/١٤٩٤"، وغيرهما [أبو داود "٢٢٥٩"، الترمذي "١٢٠٣"، النسائي " ٦/١٧٨"، أحمد "٢/٧، ٣٨، ٦٤، ٧١"] ، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ فرق بين المتلاعنين والحق الولد بالمرأة. وأما ما ذكره من سقوط الحد فلا ينبغي ان يقع فيه خلاف لأن ذلك هو موجب اللعان وهكذا كونه ينفي النسب لأن ذلك موجب اللعان أيضا وهكذا كونه ينفسخ النكاح بمجرد اللعان لقوله ﷺ : "لا سبيل لك عليها".

стр. 485

وأما ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٥٣٠٨"، مسلم "١٤٩٢"] ، من ان عويمرا العجلاني لما فرغا من اللعان قال كذبت عليها يا رسول الله إن امسكتها فطلقها ثلاثا قبل أن يامره رسول الله ﷺ فليس في ذلك حجة الا أنه ثبت في الصحيحين وغيرهما عن الزهري أنه قال فكانت سنة المتلاعنين وفي الصحيحين وغيرهما أيضا أن النبي ﷺ قال: "ذاكم التفريق بين كل متلاعنين"، وفي لفظ لمسلم وغيره أحمد "وكان فراقه إياها سنة في المتلاعنين". وأخرج أبو دأود بإسناد رجاله رجال الصحيح عن سهل بن سعد في خبر المتلاعنين قال: فطلقها ثلاث تطليقات فانفذه رسول الله ﷺ وكان ما صنع عند النبي ﷺ سنة والحاصل أنه قد ثبت أن النبي ﷺ فرق ما بينهما قبل الطلاق كما تقدم فالفرقة بتفريق الحاكم مغنية عن الطلاق فإن وقع الطلاق فذلك تأكيد للقرعة ولا تتوقف الفرقة عليه وإنما نسبه إلي السنة لكونه وقع بحضرته ﷺ ولم ينكره. وأما كونه يرتفع الفراش فلكونها قد حرمت عليه تحريما مؤبدا كما تقدم عنه ﷺ بلفظ: "لا يجتمعان أبدا". وأما قوله: "لا بدون ذلك مطلقا" فصحيح لكونه لم يكمل السبب. وأما قوله: "ويكفي عن ولد بعده" الخ فلكونه حملا واحدا لا يصح النفي لبعضه دون البعض. قوله: "ويصح الرجوع عن النفي" الخ. أقول: الرجوع عن النفي رجوع عن اللعان وإقرار ببطلان أيمانه وأنه مفتر عليها وقاذف لها فبطل اللعان من اصله ولا يبقى شيء من أحكامه لا تحريم ولا غيره ولا فرق بين ان يرجع قبل موت الولد أو بعده وتجويز ان يكون رجوعه طمعا في الميراث لا يدفع ما هو الظاهر فيرثه ويلحقه ولده. وأما كونه لا يصح نفي الولد بعد الاقرار فظاهر لان الاقرار يكذب النفي. وأما مجرد السكوت مع علمه بأن له النفي فلا وجه لجعله مبطلا لان له حقا في النفي لا يبطل الا بابطاله باقرار صحيح أو ما يقوم مقامه. وأما قوله: "فلا يصح النفي بدون حكم ولعان" فلكون الطريق الشرعية إلي ذلك هو اللعان فمن جاء من طريق غيرها فقد جاء بخلاف الشرع. وأما قوله: "ولا لمن مات أو أحد ابويه قبل الحكم" فلا وجه له بل إذا أمكن اللعان فالسبب الذي يكون به النفي موجود سواء كان الولد حيا أو ميتا وأما إذا كان الميت أحد الزوجين قبل أن يقع اللعان فقد بطل السبب وهو اللعان بموته.

стр. 486

وأما إذا مات بعد اللعان قبل الحكم فقد حصل السبب وهو اللعان لأنه فرقة بمجرده كما تقدم ولو كان الحكم شرطا لما كانم موت احدهما مانعا له لأنه يمكن الحاكم ان يحكم بعد موت احدهما بما يقتضيه اللعان من نفي الولد. وأما قوله: "ولا لبطن ثان لحقه بعد اللعان" فلا وجه له لانها قد حرمت عليه ابدا فلا يمكن بعد ذلك ثبوت الفراش وقد صرح فيما تقدم بأنه يرتفع الفراش وعرفناك ان التحريم المؤبد وارتفاع الفراش يحصلان بمجرد اللعان سواء وقع الحكم من الحاكم ام لا. وأما قوله: "ويصح للحمل إن وضع لدون أدنى مدته" فلا وجه لهذا التقييد بل يصح للحمل مهما كان ممكنا ان يكون للفراش الذي كان بينهما. وأما قوله: "لا اللعان" فوجهه أنه قد يكون غير حمل لعلة من العلل ولا وجه لهذا لأن مرجع اللعان هو ان يشاهدها تزني فإن وقع له ذلك لاعنها ونفى ولدها إن وجد ولا يضره إن لم يوجد. والحاصل ان هذه مسائل مظلمة لم يدل عليها دليل ولا كانت مبنية على رأي معقول. قوله: "وندب تأكيده بالخامسة". أقول: الخامسة منصوص عليها في الكتاب العزيز وأمر بها ﷺ في اللعان الواقع لديه فلها حكم الاربع الشهادات ولا يبعد ان تكون آكد منها ويدل على ذلك قوله ﷺ : "إنها الموجبة"، فإن هذا يشعر بأن تمام اللعان وصحته وإبجابه لما يوجبه يتوقف عليها فكان الأولى الحكم عليها بما يدل على انها آكد من الاربع الشهادات وأدخل منها في اقتضاء حكم اللعان. وأما قوله والقيام حاله فيرشد اليه ما وقع في وصف اللعان الواقع بين يديه ﷺ أنه قام الرجل فقال: وقامت المرأة فقالت. وأما قوله: "ويجنبه المسجد" فلا وجه له بل هو خلاف ما روى من وقوع اللعان بين يدي رسول الله ﷺ في المسجد عند المنبر

стр. 487

[باب الحضانة الأم الحرة أولى بولدها حتى يستغنى بنفسه أكلا وشربا ولباسا ونوما ثم امهاتها وإن علون ثم الاب الحر ثم الخالات ثم امهات الاب وإن علون ثم امهات أب الام ثم الاخوات ثم بنات الخالات ثم بنات الاخوات ثم بنات الاخوة ثم العمات ثم بناتهن ثم بنات العم ثم عمات الاب ثم بناتهن ثم بنات اعمام الاب ويقدم ذو السببين ثم ذو الام وينتقل من كل إلي من يليه بالفسق والجنون ونحوه والنشوز والنكاح الا بذي رحم له "م" وتعود بزوالها ومضى

стр. 488

عدة الرجعى فإن عدمن فالاقرب الاقرب من العصبة المحارم ثم من ذوي الرحم المحارم ثم بالذكر عصبته غير محرم ثم من ذوي رحم كذلك] . قوله: باب: "الحضانة الام الحرة أولى بولدها". أقول: قال الله : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] فجعل الرضاع اليهن واثبت الحق لهن لا ينزع ذلك عنهن نازع الا مع التعاسر كما في قوله : ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٢] . ويؤيد ثبوت الحق لهن وتقديمهن على غيرهن قوله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي"، وهو حديث حسن لا مطعن في إسناده ويؤيده حديث: "لا توله والدة بولدها" وستأتي الاحاديث الدالة على المنع من التفريق ولا يزال الحق ثابتا للأم حتى يبلغ الصبي إلي سن الاستقلال فإذا بلغ ذلك ووقع النزاع بين الام والاب كان العمل على حديث تخيير الصبي الذي أخرجه أحمد وابو دأود والترمذي وحسنه وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي هريرة ان النبي ﷺ قال للغلام: "هذا أبوك وهذه أمك فاتبع أيهما شئت"، فتبع أمه فالجمع بين الحديثين ظاهر مكشوف ولا ينافي ذلك كون الاب اعرف بمصالح المعاش وادرى بما فيه المنفعة للصبي في حاله وماله فإن النظر منه في ذلك ممكن مع كون الصبي عند امه وفي حضانتها ولا وجه لرد الاحاديث بمجرد هذا الخيال ثم لا فرق بين الحرة والامة لعموم الأدلة ولاستوائهما في الحنو على الصبي ورعاية ما يصلحه ودفع ما يضره فإن لم يقع الاختيار من الصبي أو تردد في الاختيار وجب الرجوع إلي الاقراع بينهما لثبوت ذلك في حديث أبي هريرة عند أبي شيبة بلفظ: "استهما فيه" وصححه ابن القطان. قوله: "ثم امهاتها وإن علون". أقول: ليس على هذا دليل الا مجرد القياس على الامهات وغيره من طرق النص الذي لا يجوز معه التعلق بالاقيسة وهو قوله ﷺ : "الخالة أم"، [البخاري "٢٦٩٩"] ، قال ذلك عند وقوع التخاصم في الحضانة فإذا عدمت الأم أو بطل حقها فالخلالة أقدم من الجدات وهي مع الأب كالام معه يثت بينهما التخيير للصبي والاستهام عليه ولم يأت من خالف هذا بشيء يعول عليه أو يصلح للرجوع اليه. وأما قوله: "ثم أمهات الأب" إلي آخر المعدودات فلا دليل على شيء من ذلك بل مجرد رأي بحت وجهه النظر إلي من هو مظنة للحنو على الصبي. والحاصل ان الحق في الحضانة للأم ثم للخالة فإن عدما فالأب أولى بولده يضعه حيث يشاء من قرائبه أو غيرهن وإذا وقع النزاع بينه وبين الام أو الخالة كان الحكم ما تقدم في الاحاديث كما بينا وإذا كان الاب لا يحسن حضانة ولده أو ليس ممن يقوم برعاية مصالحه كان للحاكم أن يعين من يحضنه من قرائبه أو غيرهن وهكذا إذا كان الاب غير موجود.

стр. 489

وما ذكره من تقديم ذوي النسبين على ذوي النسب ومن تقديم ذوي الام على غيرهم فوجهه ما قدمنا من تقديم من هو مظنة للحنو والحياطة. قوله: "وينتقل من كل إلي من يليه بالفسق". أقول: ليس على هذا دليل فإن العدالة معتبرة فيما اعتبره الشرع لا في كل أمر من الامور واعتبارها في هذا الموضع حرج عظيم وتعسير شديد فان غالب النساء التسأهل في كثير من الامور الدينية ولو كانت العدالة معتبرة فيهن ومسوغة لنزع أولادهن من ايديهن لم يبق صبي بيدامه الا في اندر الاحوال وأقلها فيكون في ذلك اعظم جناية على الصبيان بنزعهم عمن يرعى مصالحهم ويدفع مفاسدهم وجناية أيضا على الام بتولها بولدها والتفريق بينها وبينه ومخالفة لما عليه أهل الإسلام سابقهم ولاحقهم. وأما انتقال الولاية بالجنون فظاهر لأنها لا تقدر على تدبير نفسها فضلا عن ان تقدر على تدبير غيرها وأيضا يخشى على الصبي ان تدعه يموت جوعا وعطشا أو تهلكه عند ثوران جنونها واستحكام تخليطها. وأما النشوز فلا وجه لجعلها من أسباب الانتقال ولا مقتضى لذلك بل حقها ثابت بالنص فلا يسقطه الا مسقط شرعي بدليل مرضي. وأما الانتقال بالنكاح فلقوله ﷺ : "أنت أحق به ما لم تنكحي". وقوله: "إلا بذي رحم له" يدل عليه قصة التنازع في ابنة حمزة فإن النبي ﷺ حكم بها للخالة كما تقدم وهي كانت تحت جعفر بن أبي طالب ولم يجعل نكاحها بذي رحم للصبي وهو جعفر عم الصبية مبطلا لحقها. وأما القول بأنه يعودالحق للمرضعة بزوال سبب الانتقال فصحيح لأن المانع قد زال فلم يبق وجه لجعله مانعا بعد زواله. وأما قوله: "فإن عدمن فالأقرب الاقرب" الخ فليس ذلك وجه بل ينبغي الرجوع إلي حاكم الشرع فيضعه عند من رأى فيه صلاحا من هؤلاء فإن كان غيرهم اصلح منهم وضعه عنده إذ لا حق لهؤلاء في الحضانة ولا ورد بذلك دليل يرجع اليه. [فصل وللأم الامتناع إن قبل غيرها وطلب الأجرة لغير ايام اللبإ ما لم تبرع وللأب نقله إلي مثلها تربية بدون ما طلبت وإلا فلا والبينة عليه وليس للزوج المنع من الحضانة حيث لا أولى منها وعلى الحاضنة القيام بما يصلحه لا الاعيان والرضاع يدخل تبعا لا العكس

стр. 490

وتضمن من مات لتفريطها عالمة غالبا وإلا فعلى العاقلة ولها نقله إلي مقرها غالبا والقول لها فيما عليه] . قوله: "وللأم الامتناع إن قبل غيرها". أقول: الحق لها كما تقدم ولها تركه متى شاءت وعليها حق للطفل فلا يجوز لها ان تتركه في حال يتضرر بتركه فيها ومن جملتها عدم قبول الصبي لغيرها. وأما الأجرة فقد صوغها لها القرآن الكريم قال الله : ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] . وأما استثناء ايام اللبإ فلا وجه له لأن الله سبحانه اطلق استحقاق الأجرة ولم يقيده بما يخرج هذ الايام وتعليلهم ذلك بأن الصبي لا يعيش بدونها باطل فكم من صبي تموت امه في النفاس ولم يرضع منها ويعيش بلبن غيرها من النساء بل ولبن غيرهن وكم من امرأة تضع ولا لبن لها ولا يرى فيها اللبن الا بعد أيام فيرضع الصبي في هذه ايام اللبإ من لبن غيرها وهذا معلوم يعرفه كل احد. قوله: "وللأب نقله إلي مثلها تربية بدون طلب". أقول: الله سبحانه قد أمر الازواج بان بعطوهن اجورهن فقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، وأوجب ذلك على الزوج بالامر القرأني وأكد ذلك بقوله: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، ولفظ على ظاهر في الوجوب فان كانت الام راضية بالأجرة المتعارفة المتوسطة في عرف الناس فليس له نقل الرضيع إلي غيرها وإن تبرع الغير بإرضاعه بدون أجرة فضلا عن ان يرضى بدون ما رضيت الام وقد اخبرنا ﷺ بأن الامهات احق بأولادهن وأوجب لهن الأجرة فنزعهم عنهن مخالف للقرآن والسنة وظلم بين فإن طلبت فوق الأجرة المتعارفة وكان الزوج يتعاسر ذلك فلا بأس بأن ينقله منها لقول الله : ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: ٦] . وبهذا تجتمع الأدلة وتجرى على نمط واحدة ويوافق بعضها بعضا ومما يومئ إلي هذا الجمع الذي ذكرناه قوله : ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] , فإن تقييد ذلك بالمعروف مشعر بأنه الذي على الزوج لها فليس عليه ان يزيد عليه ولا عليها ان ترضع بدونه ويوميء إلي ذلك أيضا لفظ التعاسر المذكور في الاية. وأما قوله: "وليس للزوج المنع من الحضانة" الخ فمبني على أنه لم يوجد غيرها فإن وجد من يرضعه لم يتعين الوجوب عليها وجاز للزوج منعها من ذلك لوجوب طاعتها له في غير معصية الله. وأما قوله: "وعلى الحاضنة القيام بما يصلحه" فمعلوم لا يحتاج إلي النص عليه لأن ذلك هو معنى الحضانة وأما الاعيان التي يحتاج اليها الرضيع فذلك على أبيه وقد أوجب الله عليه أجرتها فضلا عما يحتاج اليه ولده.

стр. 491

وأما قوله: "والرضاع يدخل تبعا" فمن هذيان المفرعين. وأما كونها من مات لتفريطها عالمة فمعلوم لأن ذلك جناية توجب الضمان ومع عدم العلم هي قاتلة خطأ والكلام فيها كالكلام على قاتل الخطا وسيأتي إن شاء الله تعالى. قوله: "ولها نقله إلي مقرها". أقول: هذا اقتضاه إثبات اخصيتها به بالنص النبوي فلها ان تنقله إلي مقرها ولا سيما إذا كان عليها ضرر في بقائها في غير مقرها وقد كانت الحواضن الاجنبيات في أيام النبوة وأيام الصحابة ينقلن الاطفال المدفوعين اليهن للرضاع إلي مساكنهن وقرى قومهن ومن جملة من وقع له هذا رسول الله ﷺ فإن حليمة السعدية لما استرضعت له نقلته إلي دار قومها وإذا جاز هذا للأجنبيات مع عدم ثبوت الحق لهن. فكيف لا يجز للأمهات ومن يلتحق بهن مع ثبوت الحق لهن. وأما قوله: "والقول لها فيما عليه" فخروج عن مقصود الباب والحكم فيه ان على المدعى البينة وعلى المنكر اليمين لأن كون الاب هو القائم بمصالحه يقوى كون ما عليه له وكونه في يد الام يقوى كون ما عليه لها وسيأتي بسط الكلام في هذا في الدعأوي إن شاء الله. [فصل ومتى استغنى بنفسه فالأب أولى بالذكر والأم بالانثى وبهما حيث لا اب فإن تزوجت فمن يليها فإن تزوجن خير بين الام والعصبة وينقل إلي من اختار ثانيا] . قوله: فصل: "ومتى استغنى بنفسه فالاب أولى بالذكر والام أولى بالانثى". أقول: هذا رجوع إلي مجرد الرأي وعمل بالاستحسان مع قطع النظر عن الأدلة والواجب على المتشرع العمل بالدليل وترك القال والقيل وقد قدمنا حديث التخيير وان النبي ﷺ قال لصبي: "هذا أبوك وهذه أمك فاتبع أيهما شئت"، وقدمنا أيضا حديث الاستهام ويعضد ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي عن عبد الحميد بن جعفر الانصاري ان جده اسلم وأبت امرأته ان تسلم فجاء بابن صغير له لم يبلغ وفي رواية انها صبية فاجلس النبي ﷺ الاب ها هنا والام ها هنا وخيره وقال: "اللهم اهد قلبه"، فمال إلي أمه, فقال النبي ﷺ : "اللهم اهده"، فمال إلي أبيه فأخذه. فهذا التخيير وقع بين ابوين احدهما مسلم والاخر كافر وفي الحديث الأول وقع بين ابوين مسلمين ومعلوم ان مصير الصبي أو الصبية إلي يد الكافر فيه عند أهل الرأي مفسدة اعظم من المفسدة المجوزة إذا صار الذكر إلي الام المسلمة أو الانثى إلي الاب المسلم لأن اعظم ما يخشى على الصبي الصائر إلي الكفار أو الكافرة ان يرغباه في دينهما ويحبباه إليه ولهذا ورد في الصحيح

стр. 492

[البخاري "١٢٩٢- ١٢٩٣"] ، "ولكن أبواه يهودانه وينصرانه"، فإذا كان النبي ﷺ لم يراع في حكمه الذي هو الشرع الواجب قبوله على كل مسلم مثل هذه المصلحة والمفسدة فكيف ساغ لأهل الرأي المتلاعبين بالأدلة ان يؤثروا ما هو دونها بمراحل على الدليل الواضح الظاهر فانظر إلي شؤم الرأي وما يجلبه على أهله. وأما قوله: "فإن تزوجت فمن يليها" فذلك معلوم فإن انتقالها إلي من له حق في الحضانة وهي الخالة ثم الاب كما قدمنا أولى من انتقاله إلي من لا حق له وقد عرفناك ان الحاكم يعين باجتهاده مع الاختلاف أو مع عدم من له الحق من يرى فيه صلاحا. وأما قوله: "فإن تزوجن خير بين الام والصعبية" فلا وجه له بل حق الام قد بطل بالنكاح ولا حق للعصبة في الحضانة فيرجع في تعيين من يرضعه إلي الحاكم فهو أولى برعاية المصالح. وأما قوله: "وينقل إلي من اختار ثانيا" فوجه ذلك أنه قليل التمييز ولكن قد جعل الشارع الاختيار موجبا لثبوت الحق لمن اختاره فكونه يبطل باختيار آخر يخالفه محتاج إلي دليل.

стр. 493

[باب النفقات فصل على الزوج كيف كان لزوجته كيف كانت والمعتدة عن موت أو طلاق أو فسخ الا بحكم غالبا أو لامر يقتضى النشوز ذنب أو عيب كفايتها كسوة ونفقة وإدأما ودواء وعشرة دهنا ومشطا وسدرا وماء ولغير البائنة ونحوها منزلا ومخزنا ومشرفة تنفرد بها والاخدام في التنظيف بحسب حالهما فإن اختلفا فبحاله يسرا وعسرا ووقتا وبلدا الا المعتدة عن خلوة والعاصية بنشوز له قسط ويعود المستقبل بالنوبة ولو في عدة البائن ولا يسقط الماضي بالمطل ولا المستقبل بالابراء بل بالتعجيل ولا تطلب إلا من مريد الغيبة في حال وهو تمليك في النفقة غالبا الا الكسوة ولا يتبرع الغير إلا عنه ولا رجوع وينفق الحاكم من مال الغائب مكفلا والمتمرد ويحبسه للتكسب ولا فسخ ولا تمتنع منه مع الخلوة إلا لمصلح والقول لمن صدقته العدلة في العشرة والنفقة ونفقتها على الطالب وللمطيعة في نفي النشوز الماضي وقدره وفي غير بينة بإذنه في الانفاق قيل ومطلقة ومغيبة وتحلف] . قوله: باب: "النفقات فصل يجب على الزوج كيف كان لزوجته كيف كانت". أقول: قد ثبت الاجماع على وجوب نفقة الزوجات على الازواج ولم يرد في ذلك خلاف والأدلة على ذلك كثيرة منها حديث معأوية القشيري عند أبي دأود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه أيضا الدارقطني في العلل قال:

стр. 494

أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا؟ قال: "أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن". وفي لفظ من حديثه هذا عند أحمد وأبي دأود وابن ماجه أنه قال: إن النبي ﷺ سأله رجل ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت". ومنها ما في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذوي قرابتك". ومنها حديث عائشة في الصحيحين [البخاري "٥٣٦٤"، مسلم "٥/٥، ٥/٣"] ، وغيرهما أبو داود "٣٥٣٣"، النسائي "٨/٢٤٦، ٢٤٧"، أحمد "٦/٣٩، ٥٠، ٢٠٦"] : أن هندا قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال: "خذي ما يكفيك ووندك بالمعروف". قوله: "والمعتدة عن موت أو طلاق أو فسخ". أقول: أما المطلقة رجعيا فقد قدمنا ما يدل على وجوب النفقة لها والسكنى وأما المطلقة ثلاثا فحديث فاطمة بنت قيس نص في محل النزاع ان النبي ﷺ قال لها في المطلقة ثلاثا: "ليس لها نفقة ولا سكنى"، وهو في الصحيحين وغيرهما كما تقدم وقال لها أيضا: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" وقد تقدم. وأما المخالعة فقد قدمنا ان الخلع فسخ وقد قدمنا ان العدة فيه حيضة وقدمنا أيضا أنه لا نفقة لها. وأما المعتدة عن وفاة فقد قدمنا أيضا لا نفقة لها ولا سكنى وذكرنا الأدلة هنالك. وأما المعتدة عن فسخ فقد قدمنا أيضا عند قوله وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن ما يغني عن تكريره هنا. فالحاصل انها لا تجب النفقة للمعتدة إلا إذا كانت حاملا لقوله : ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، أو كانت مطلقة طلاقا رجعيا وقد تقدم تحقيق هذا في مواطنه بما لا يحتاج إلي زيادة. وأما ما ذكره من تنويع الفسخ إلي ما هو بحكم وبغير حكم ولأمر يقتضى النشوز ولأمر لا يقتضى النشوز فليس على ذلك أثارة من علم وليس في جميع ذلك عدة بل يجب الاستبراء فقط الحائض بحيضة والحامل بوضع الحمل إلا ما ورد فيمن عتقت خيرت وقد قدمنا الكلام عليه وعلى الجمع بين الأدلة عند قوله وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن. وأما قوله: "كفايتها كسوة ونفقة وإداما" فصحيح مع التقييد بقوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾ [الطلاق: ٧] .

стр. 495

وأما إيجاب الدواء فوجهه ان وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها والدواء من جملة ما يحفظ به صحتها. وأما قوله: "وعشرة دهنا ومشطا وسدرا وماء" فليس في هذه الامور دليل يدل على أنها تلزم الزوج ولا هي مما تدعو اليه الضرورة. وأما قوله: "ولغير البائنة ونحوها" الخ فقد قدمنا لك انها لا تجب السكنى الا للمطلقة رجعيا فقط. وأما قوله: "والاخدام في التنظيف" فليس في الأدلة ما يدل على إيجاب ذلك على الزوج وإن كان مما يدخل حسن العشرة وتحت الامساك بمعروف وتحت قوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، ولكن ليس ذلك بحتم على الزوج على تقدير ان الزوجة ممن تعتاد ذلك. قوله: "بحسب حالهما وإن اختلفا فبحسب حاله" الخ. أقول: الوجوب على الزوج فينبغي ان يكون الاعتبار بحاله وهو المخاطب ولقوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ، فإذا كان الزوج موسعا عليه انفق نفقة موسعة وإن كان مضيقا عليه انفق بحسب قدرته وما تبلغ إليه استطاعته وليس عليه غير ذلك ولا اعتبار بحال المرأة أبدا فإذا كان مضيقا عليه وهي من أهل الرفاهية وممن يعتاد التوسع في المطعم والمشرب ونحوهما توسعت من مال نفسها إن كان لها مال وإلا صبرت على ما رزق الله زوجها فهو القابض الباسط. والحاصل ان الانفاق يكون بالمعروف كما أرشد اليه ﷺ بقوله: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، والمعروف بين أهل الغنى والسعة وبين أهل الفقر والشدة لا يخفى على من له خبره بأحوال الناس في مصره وعصره. وأما قوله: "إلا المعتدة عن خلوة" ففيه ما قدمنا في العدة وهم يوجبون نفقة البائنة فهذه إن كانت بائنة كما ذكروا فيما سبق ان رجعية ما كان بعد وطء على غير عوض مال وبائنة ما خالفه فما بالها لم تجب نفقتها كسائر البائنات وإن كان طلاقها رجعيا لا بائنا فالرجعية قد أوجبوا لها النفقة والسكنى وأوجبهما لها الدليل وقد جعلوا الخلوة موجبة للمهر فما بالها لم توجب النفقة. قوله: "والعاصية بنشوز له قسط". أقول: لم يرد في الأدلة ما يدل على ان الزوجة إذا عصت زوجها سقطت نفقتها ويمكن ان يقال إن الله سبحانه قد أمرهن بالطاعة وبالغ النبي ﷺ في ذلك غاية المبالغة حتى قال: "لو جاز السجود لغير الله لامرت الزوجة ان تسجد لزوجها" [الترمذي "١١٥٩"] ثم ورد تقييد عدم البغي عليهن بالطاعة كما في قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] ، فإذا حصلت المعصية منها لزوجها جاز له أن يعاقبها بقطع النفقة حتى تعود إلي طاعته لانها تركت ما هو حق عليها من الطاعة فجاز له ان يترك ما هو حق عليه من النفقة.
следующие страницы →