Полный текст (1 078 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
وأما قوله: "والرضاع يدخل تبعا" فمن هذيان المفرعين.
وأما كونها من مات لتفريطها عالمة فمعلوم لأن ذلك جناية توجب الضمان ومع عدم العلم هي قاتلة خطأ والكلام فيها كالكلام على قاتل الخطا وسيأتي إن شاء الله تعالى.
قوله: "ولها نقله إلي مقرها".
أقول: هذا اقتضاه إثبات اخصيتها به بالنص النبوي فلها ان تنقله إلي مقرها ولا سيما إذا كان عليها ضرر في بقائها في غير مقرها وقد كانت الحواضن الاجنبيات في أيام النبوة وأيام الصحابة ينقلن الاطفال المدفوعين اليهن للرضاع إلي مساكنهن وقرى قومهن ومن جملة من وقع له هذا رسول الله ﷺ فإن حليمة السعدية لما استرضعت له نقلته إلي دار قومها وإذا جاز هذا للأجنبيات مع عدم ثبوت الحق لهن.
فكيف لا يجز للأمهات ومن يلتحق بهن مع ثبوت الحق لهن.
وأما قوله: "والقول لها فيما عليه" فخروج عن مقصود الباب والحكم فيه ان على المدعى البينة وعلى المنكر اليمين لأن كون الاب هو القائم بمصالحه يقوى كون ما عليه له وكونه في يد الام يقوى كون ما عليه لها وسيأتي بسط الكلام في هذا في الدعأوي إن شاء الله.
[فصل
ومتى استغنى بنفسه فالأب أولى بالذكر والأم بالانثى وبهما حيث لا اب فإن تزوجت فمن يليها فإن تزوجن خير بين الام والعصبة وينقل إلي من اختار ثانيا] .
قوله: فصل: "ومتى استغنى بنفسه فالاب أولى بالذكر والام أولى بالانثى".
أقول: هذا رجوع إلي مجرد الرأي وعمل بالاستحسان مع قطع النظر عن الأدلة والواجب على المتشرع العمل بالدليل وترك القال والقيل وقد قدمنا حديث التخيير وان النبي ﷺ قال لصبي: "هذا أبوك وهذه أمك فاتبع أيهما شئت"، وقدمنا أيضا حديث الاستهام ويعضد ذلك ما أخرجه أحمد والنسائي عن عبد الحميد بن جعفر الانصاري ان جده اسلم وأبت امرأته ان تسلم فجاء بابن صغير له لم يبلغ وفي رواية انها صبية فاجلس النبي ﷺ الاب ها هنا والام ها هنا وخيره وقال: "اللهم اهد قلبه"، فمال إلي أمه, فقال النبي ﷺ : "اللهم اهده"، فمال إلي أبيه فأخذه.
فهذا التخيير وقع بين ابوين احدهما مسلم والاخر كافر وفي الحديث الأول وقع بين ابوين مسلمين ومعلوم ان مصير الصبي أو الصبية إلي يد الكافر فيه عند أهل الرأي مفسدة اعظم من المفسدة المجوزة إذا صار الذكر إلي الام المسلمة أو الانثى إلي الاب المسلم لأن اعظم ما يخشى على الصبي الصائر إلي الكفار أو الكافرة ان يرغباه في دينهما ويحبباه إليه ولهذا ورد في الصحيح
стр. 492
[البخاري "١٢٩٢- ١٢٩٣"] ، "ولكن أبواه يهودانه وينصرانه"، فإذا كان النبي ﷺ لم يراع في حكمه الذي هو الشرع الواجب قبوله على كل مسلم مثل هذه المصلحة والمفسدة فكيف ساغ لأهل الرأي المتلاعبين بالأدلة ان يؤثروا ما هو دونها بمراحل على الدليل الواضح الظاهر فانظر إلي شؤم الرأي وما يجلبه على أهله.
وأما قوله: "فإن تزوجت فمن يليها" فذلك معلوم فإن انتقالها إلي من له حق في الحضانة وهي الخالة ثم الاب كما قدمنا أولى من انتقاله إلي من لا حق له وقد عرفناك ان الحاكم يعين باجتهاده مع الاختلاف أو مع عدم من له الحق من يرى فيه صلاحا.
وأما قوله: "فإن تزوجن خير بين الام والصعبية" فلا وجه له بل حق الام قد بطل بالنكاح ولا حق للعصبة في الحضانة فيرجع في تعيين من يرضعه إلي الحاكم فهو أولى برعاية المصالح.
وأما قوله: "وينقل إلي من اختار ثانيا" فوجه ذلك أنه قليل التمييز ولكن قد جعل الشارع الاختيار موجبا لثبوت الحق لمن اختاره فكونه يبطل باختيار آخر يخالفه محتاج إلي دليل.
стр. 493
[باب النفقات
فصل على الزوج كيف كان لزوجته كيف كانت والمعتدة عن موت أو طلاق أو فسخ الا بحكم غالبا أو لامر يقتضى النشوز ذنب أو عيب كفايتها كسوة ونفقة وإدأما ودواء وعشرة دهنا ومشطا وسدرا وماء ولغير البائنة ونحوها منزلا ومخزنا ومشرفة تنفرد بها والاخدام في التنظيف بحسب حالهما فإن اختلفا فبحاله يسرا وعسرا ووقتا وبلدا الا المعتدة عن خلوة والعاصية بنشوز له قسط ويعود المستقبل بالنوبة ولو في عدة البائن ولا يسقط الماضي بالمطل ولا المستقبل بالابراء بل بالتعجيل ولا تطلب إلا من مريد الغيبة في حال وهو تمليك في النفقة غالبا الا الكسوة ولا يتبرع الغير إلا عنه ولا رجوع وينفق الحاكم من مال الغائب مكفلا والمتمرد ويحبسه للتكسب ولا فسخ ولا تمتنع منه مع الخلوة إلا لمصلح والقول لمن صدقته العدلة في العشرة والنفقة ونفقتها على الطالب وللمطيعة في نفي النشوز الماضي وقدره وفي غير بينة بإذنه في الانفاق قيل ومطلقة ومغيبة وتحلف] .
قوله: باب: "النفقات فصل يجب على الزوج كيف كان لزوجته كيف كانت".
أقول: قد ثبت الاجماع على وجوب نفقة الزوجات على الازواج ولم يرد في ذلك خلاف والأدلة على ذلك كثيرة منها حديث معأوية القشيري عند أبي دأود والنسائي وابن ماجه والحاكم وابن حبان وصححه أيضا الدارقطني في العلل قال:
стр. 494
أتيت رسول الله ﷺ فقلت: ما تقول في نسائنا؟ قال: "أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن".
وفي لفظ من حديثه هذا عند أحمد وأبي دأود وابن ماجه أنه قال: إن النبي ﷺ سأله رجل ما حق المرأة على الزوج؟ قال: "تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت".
ومنها ما في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ قال لرجل: "ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذوي قرابتك".
ومنها حديث عائشة في الصحيحين [البخاري "٥٣٦٤"، مسلم "٥/٥، ٥/٣"] ، وغيرهما أبو داود "٣٥٣٣"، النسائي "٨/٢٤٦، ٢٤٧"، أحمد "٦/٣٩، ٥٠، ٢٠٦"] : أن هندا قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم قال: "خذي ما يكفيك ووندك بالمعروف".
قوله: "والمعتدة عن موت أو طلاق أو فسخ".
أقول: أما المطلقة رجعيا فقد قدمنا ما يدل على وجوب النفقة لها والسكنى وأما المطلقة ثلاثا فحديث فاطمة بنت قيس نص في محل النزاع ان النبي ﷺ قال لها في المطلقة ثلاثا: "ليس لها نفقة ولا سكنى"، وهو في الصحيحين وغيرهما كما تقدم وقال لها أيضا: "إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها الرجعة" وقد تقدم.
وأما المخالعة فقد قدمنا ان الخلع فسخ وقد قدمنا ان العدة فيه حيضة وقدمنا أيضا أنه لا نفقة لها.
وأما المعتدة عن وفاة فقد قدمنا أيضا لا نفقة لها ولا سكنى وذكرنا الأدلة هنالك.
وأما المعتدة عن فسخ فقد قدمنا أيضا عند قوله وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن ما يغني عن تكريره هنا. فالحاصل انها لا تجب النفقة للمعتدة إلا إذا كانت حاملا لقوله : ﴿فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] ، أو كانت مطلقة طلاقا رجعيا وقد تقدم تحقيق هذا في مواطنه بما لا يحتاج إلي زيادة.
وأما ما ذكره من تنويع الفسخ إلي ما هو بحكم وبغير حكم ولأمر يقتضى النشوز ولأمر لا يقتضى النشوز فليس على ذلك أثارة من علم وليس في جميع ذلك عدة بل يجب الاستبراء فقط الحائض بحيضة والحامل بوضع الحمل إلا ما ورد فيمن عتقت خيرت وقد قدمنا الكلام عليه وعلى الجمع بين الأدلة عند قوله وأما عن فسخ من حينه فكالطلاق البائن.
وأما قوله: "كفايتها كسوة ونفقة وإداما" فصحيح مع التقييد بقوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ﴾ [الطلاق: ٧] .
стр. 495
وأما إيجاب الدواء فوجهه ان وجوب النفقة عليه هي لحفظ صحتها والدواء من جملة ما يحفظ به صحتها.
وأما قوله: "وعشرة دهنا ومشطا وسدرا وماء" فليس في هذه الامور دليل يدل على أنها تلزم الزوج ولا هي مما تدعو اليه الضرورة.
وأما قوله: "ولغير البائنة ونحوها" الخ فقد قدمنا لك انها لا تجب السكنى الا للمطلقة رجعيا فقط.
وأما قوله: "والاخدام في التنظيف" فليس في الأدلة ما يدل على إيجاب ذلك على الزوج وإن كان مما يدخل حسن العشرة وتحت الامساك بمعروف وتحت قوله: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] ، ولكن ليس ذلك بحتم على الزوج على تقدير ان الزوجة ممن تعتاد ذلك.
قوله: "بحسب حالهما وإن اختلفا فبحسب حاله" الخ.
أقول: الوجوب على الزوج فينبغي ان يكون الاعتبار بحاله وهو المخاطب ولقوله : ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ، فإذا كان الزوج موسعا عليه انفق نفقة موسعة وإن كان مضيقا عليه انفق بحسب قدرته وما تبلغ إليه استطاعته وليس عليه غير ذلك ولا اعتبار بحال المرأة أبدا فإذا كان مضيقا عليه وهي من أهل الرفاهية وممن يعتاد التوسع في المطعم والمشرب ونحوهما توسعت من مال نفسها إن كان لها مال وإلا صبرت على ما رزق الله زوجها فهو القابض الباسط.
والحاصل ان الانفاق يكون بالمعروف كما أرشد اليه ﷺ بقوله: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، والمعروف بين أهل الغنى والسعة وبين أهل الفقر والشدة لا يخفى على من له خبره بأحوال الناس في مصره وعصره.
وأما قوله: "إلا المعتدة عن خلوة" ففيه ما قدمنا في العدة وهم يوجبون نفقة البائنة فهذه إن كانت بائنة كما ذكروا فيما سبق ان رجعية ما كان بعد وطء على غير عوض مال وبائنة ما خالفه فما بالها لم تجب نفقتها كسائر البائنات وإن كان طلاقها رجعيا لا بائنا فالرجعية قد أوجبوا لها النفقة والسكنى وأوجبهما لها الدليل وقد جعلوا الخلوة موجبة للمهر فما بالها لم توجب النفقة.
قوله: "والعاصية بنشوز له قسط".
أقول: لم يرد في الأدلة ما يدل على ان الزوجة إذا عصت زوجها سقطت نفقتها ويمكن ان يقال إن الله سبحانه قد أمرهن بالطاعة وبالغ النبي ﷺ في ذلك غاية المبالغة حتى قال: "لو جاز السجود لغير الله لامرت الزوجة ان تسجد لزوجها" [الترمذي "١١٥٩"] ثم ورد تقييد عدم البغي عليهن بالطاعة كما في قوله: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: ٣٤] ، فإذا حصلت المعصية منها لزوجها جاز له أن يعاقبها بقطع النفقة حتى تعود إلي طاعته لانها تركت ما هو حق عليها من الطاعة فجاز له ان يترك ما هو حق عليه من النفقة.
стр. 496
وأما ما ذكره انها تعود بالتوبة فظاهر لارتفاع المانع فلا يبقى له حكم المنع بعد ارتفاعه.
قوله: "ولا يسقط الماضي بالمطل".
أقول: وجهه انها قد وجبت نفقة الزوجة على زوجها بالنص والاجماع فمن ادعى أنه إذا مطلها وعصى الله بمطلها وخالف ما أوجبه الله عليه يكون ذلك مسقطا لما هو واجب عليه بيقين فقد ركب شططا وقال غلطا وأخذ بطرف من تحسين الكلام وترويق العبارة كما فعله ابن القيم في الهدى وتابعه على ذلك من اطلع على كلامه ثم هذه المراة المسكينة الممطولة مما فرضه الله لها وجعله حقا على زوجها لا يخلو أما ان تنفق على نفسها في أيام المطل من مالها وذلك مما لم يوجبه الشرع عليها على تقدير ان لها مالا أو تنفق على نفسها دينا من مال غيرها فكيف يجب عليها قضاء ما هو حق على الزوج بالشرع الواضح والاجماع الصحيح؟.
قوله: "ولا المستقبل بالابراء".
أقول: إن استمرت على ذلك طيبة به نفسها سقط بلا شك ولا شبهة لأنه حق لها ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه وليس هو أيضا من أكل اموال الناس بالباطل كما قال تعالي: ﴿وَلا تَأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، بل هو من أكل اموال الناس بالحق.
وأيضا هو مثل ما قال الله : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾ [النساء: ٤] ، ولكنهم عللوا عدم السقوط بالابراء بعلة عليلة فقالوا إنه إسقاط قبل الاستحقاق وليس هذا بشيء نعم إذا لم تستمر طيبة نفسها وطلبت النفقة كان لها ذلك من الوقت الذي تبين فيه انها لم تطب بالابراء نفسا.
وأما ما ذكره من التعجيل فصحيح لانها قداخذت ما تستحقه مؤجلا معجلا وذلك ادخل في الوفاء.
وأما قوله: "ولا تطلب الا من مريد الغيبة في حال" فعدم جواز الطلب صحيح لأنه ليس عليه الا القيام بنفقتها في كل يوم بسحب الحاجة فإن أراد سفرا كان لها ان تطالبه بما تحتاج اليه مدة غيبته.
وأما قوله: "وهو تمليك في النفقة لا الكسوة" فهما مستويان ليس لها من النفقة إلا ما استنفقته وما بقي منها فللزوج كما أنه ليس لها من الكسوة الا ما لبسته وما بقي منها فللزوج ولكن قواعد الرأي المبنية على غير شيء تأتي بمثل هذا.
وأما قوله: "ولا يتبرع الغير إلا عنه" فصحيح لأنه إذا اعطاها تبرعا من نفسه فهو متصدق عليها ولا يسقط بهذه الصدقة عليها ما هو حق لها وإذا تبرع عن الزوج وقبلت ذلك فقداستوفت حقها ياختيارها ولا يلزم الزوج ذلك إلا إذا كان عن امره وإن اسقط حقا عليه.
قوله: "وينفق الحاكم من مال الغائب".
أقول: هذا صحيح إن طلبت منه ذلك المرأة لان الحاكم يجب عليه القيام بالتخلص مما
стр. 497
أمر الله سبحانه به عباده من حقوق أوجبها عليهم وحق الزوجة من جملة ذلك وهو أيضا من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن أهل الامر القادرين على نهي عن المنكر احق الناسب بالقيام به ومعلوم إن ترك الزوج لانفاق زوجته وماله بمرأى منها ظلم عظيم ومنكر بالغ فلا فسحة لمن يقدر على إنصافها من القيام بذلك وقد أمر الله سبحانه الحكام ان يحكموا بالحق والعدل وهذا من الحكم بالحق وبالعدل وكما يجب ذلك على الحكام في حق الزوج الغائب كذلك يجب عليهم في حق الزوج الحاضر الممتنع ما أوجب الله عليه فيأخذ الحاكم من ماله ما يقوم بنفقة زوجته شاء ام أبي.
قوله: "ويحبسه للتكسب".
أقول: الأولى ان يقال ويأمره بالتكسب إذا كان يجد له مكسبا يعيش به وهو ومن يعول ولم يتركه لعذر بل تركه بطرا أو كسلا أو ضرارا لنفسه ولأهله كما يفعل ذلك من ابتلى بالحمق وقد ارشد النبي ﷺ إلي التكسب حتى أمر بعض من لم يتكسب ان يبيع ما يجد ثم امره ان يشترى فأسا ثم امره بأن يذهب ويحتطب وقال الله : ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] ، فإن أبي وصمم على ذلك مع إمكانه وكان فيتركه ما يضره أو يضر من يعول فلا بأس ان يمسه بعقوبة تحمله على طلب ما فيه مصلحة له ولمن يعول ودفع مفسدة عنه وعنهم وأي مفسدة اعظم من قعود رجل في بيته بلا عذر وأبوب المكاسب مفتحة وأسباب الرزق منتشرة وأطفاله يتضاغون من الجوع وامرأته المحجبة تقاسي شدائد الفاقة وتمارس اهوال المسغبة.
قوله: "ولا فسخ".
أقول: قد ذهب الجمهور كما حكاه ابن حجر في فتح الباري إلي ثبوت الفسخ إذا لم يجد الرجل ما ينفق على أمراته وهو الحق لقوله : ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً﴾ [البقرة: ٢٣١] ، والاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما تقرر في الاصول وأي ضرار اعظم من ان يبقيها في حسبه وتحت نكاحه بغير نفقة فإن هذا ممسك لها ضرارا بلا شك ولا شبهة بل ممسك لها مع اشد أنواع الضرار فإن قوام الانفس لا يكون الا بالطعام والشراب ولقول الله : ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ، فخير الازواج بين الامرين فليس لهم فسحة في المعاملة للزوجات باحدهما فمن لم يمسك بمعروف كان عليه التسريح باحسان فإن لم يفعل كان على حكام الشريعة ان يوصلوا الممسكة ضرارا بحكم الله فيفسخون نكاحها.
وأين الامساك بمعروف من رجل ترك زوجته في مضايق الجوع ومتألف المخمصة وعرضها للهلاك وحبسها عن طلب رزق الله وأراد ان تكون له فراشا وهي بهذه الحالة المنكرة والصفة المستشنعة وكل من يعرف الشريعة يعلم ان هذا منكر من منكراتها ومحرم من محرماتها ولقوله ولا تضاروهن وهذا من اعظم أنواع الضرار وأشدها كما سلف.
стр. 498
وأيضا قد شرع الله سبحانه بعث الحكمين بين الزوجين عند مجرد الشقاق وفوض اليهما ما فوضه إلي الازواج فإذا كان لهما التفرقة بمجرد وجود الشقاق فكيف لا يكون لحاكم الشريعة الفسخ بعد وصول المراة اليه تشكو اليه ما مسها من الجوع ونزل بها من الفاقة لشديدة.
والحاصل ان بعض ما ذكرناه يصلح مستندا لفسخ النكاح في هذه الحالة فكيف وقد أخرج الدراقطني والبيهقي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: "يفرق بينهما" وقد اعله من اعله ودفع الاعلال الحافظ محمد بن ابراهيم الوزير وعلى كل حال فها هنا ما يفي عن هذا الحديث كما عرفت.
وأما استدلال المانعين من الفسخ بقوله سبحانه: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ، فيجاب عنه بأنا لا نكلفه بان ينفق زيادة على ما آتاه بل دفعنا الضرار عن المراة وخلصناها من حباله لتذهب تطلب لنفسها رزق الله بالتكسب أو تتزوج آخر يقوم بمطعمها ومشربها.
وأما قوله: "ولا تمتنع منه مع الخلوة الا لمصلحة" فوجهه وجوب طاعتها له وامتثال ما يامر به ويطلبه منها إذا كان ممسكا لها بمعروف والا كان لها الامتناع حتى تخلص من حباله.
وما ذكره من ان القول لمن صدقته العدلة فذلك صحيح إذا حصل التناكر والاختلاف وطلبا من يرفع إلي الحاكم بحقيقة الحال.
وأما قوله: "وللمطيعة في نفي النشوز الماضي" فصحيح لأن الاصل عدم النشوز مع وجود الطاعة عنها في حال الاختلاف فيكون على الزوج البينة في إثباته وإذا اختلفا في قدر مدة النشوز فالبينة على مدعى الزيادة لأن الاصل عدمها لا كما قاله المصنف.
وإذا اخلتفا هل انفق عليها في الماضي ام لا فا كانت في بيته فالقول قوله لأنها تدعى خلاف الظاهر وإن لم تكن في بيته فالقول قولها وإنما قيده المصنف بالاذن لانها إذا كانت في بيته بغير إذنه فذلك بمجرده نشوز وإذا كانت مطلقة أو كان زوجها غائبا فالقول قولها لأن الاصل عدم الانفاق مع يمينها والبينة على الزوج.
[فصل
ونفقة الولد غير العاقل على أبيه ولو كافرا أو معسرا له كسب ثم في ماله ثم على الام قرضا للأب والعاقل المعسر على ابويه حسب الارث إلا ذا ولد موسر فعليه ولو صغيرا أو كان الوالد كافرا ولا يلزم ان يعفه ولا التكسب الا للعاجر ولا يبيع عنه عرضا إلا باذن الحاكم وعلى كل موسر نفقة كل معسر على ملته يرثه بالنسب فإن تعدد الوارث فحسب الارث غالبا وكسوته وسكناه وإخدامه للعجز ويعوض ما ضاع ويسقط الماضي بالمطل.
стр. 499
والموسر من يملك الكفاية له وللأخص به إلي الدخل والمعسر من لا يملك قوت عشر غير ما استثنى والبينة عليه. وعلى السيد شبع رقه الخادم وما يقيه الحر والبرد أو تخلية القادر وإلا كلف إزالة ملكه فإن تمرد فالحاكم ولا يلزم ان يعفه ويجب سد رمق محترم الدم م ولو بنية الرجوع وذو البهيمة يعلف أو يبيع أو يسيب في مرتع وهي ملكه فإن رغب عنها فحتى تؤخذ وعلى الشريك حصته وحصة شريكه الغائب والمتمرد فيرجع وإلا فلا وكذلك مؤن كل عين لغيره في يده باذن الشرع غالبا والضيافة على أهل الوبر] .
قوله: فصل: "ونفقة الولد غير العاقل على أبيه".
أقول: قد ثبت كتابا وسنة وإجماعا مشروعية صلة الرحم وورود التأكيد في شأنها بأن من وصلها وصله الله ومن قطعها قطعه الله وهذا يشمل كل قريب متحقق القرابة صادق عليه اسم الرحم وورد في خصوص الابوين حديث أبي هريرة في الصحيحين وغيرهما قال رجل يا رسول الله أي الناس احق مني بحسن الصحبة؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أمك" قال: ثم من؟ قال: "أبوك".
وفي لفظ لمسلم أنه قال: "من أبر"، وورد في خصوص الأولاد حديث عائشة في الصحيحين وغيرهما ان هندا قالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما اخذت منه وهو لا يعلم فقال: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
وورد ما هو اعم مما تقدم كحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي دأود والحاكم قال: قلت: يا رسول الله من أبر؟ قال: "أمك" قلت: ثم من؟ قال: "أمك" قلت: ثم من؟ قال: "أمك" قال: قلت: ثم من؟ قال: "أباك ثم الاقرب فالاقرب".
وأخرج النسائي وابن حبان والدارقطني وصححاه الحديث عن طارق المحاربي كما في بلوغ المرام ولعله سقط الصحأبي على الناسخ قال قدمت المدينة فإذا رسول الله ﵌ قائم يخطب الناس على المنبر وهو يقول: "يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك".
وأخرج أبو دأود والطبراني والبيهقي بإسناد لا بأس به عن كليب بن منفعة عن جده أنه اتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله من أبر؟ قال: "أمك وأباك وأختك وأخاك ومولاك الذي يلي ذاك حق واجب ورحم موصولة".
وأخرج مسلم وغيره من حديث جابر ان النبي ﷺ قال لرجل: "ابدأ بنفسك تصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك شيء فلذي قرابتك فإن فضل عن ذوي قرابتك فهكذا وهكذا".
وأخرج أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة قال قال
стр. 500
رسول الله ﷺ : "تصدقوا" قال رجل: عندي دينار, قال: "تصدق به على نفسك"، قال: عندي دينار آخر قال: "تصدق به على زوجتك" قال عندي دينار آخر قال: "تصدق به على ولدك" قال: عندي دينار آخر قال: "تصدق به على خادمك"، قال: عندي دينار آخر قال: "أنت أبصر به"، وأخرجه أيضا أبو دأود لكنه قدم الولد على الزوجة.
والاحاديث في هذا الباب كثيرة جدا وحديث إذنه ﷺ لهند ان تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف يدل على وجوب نفقة الأولاد على أبيهم لكن لا مطلقا إذا لم يكن لهم مال أما إذا كان لهم مال فلا وجه لوجوب النفقة من مال غيرهم وقد دل على ذلك ما جاء في القرآن الكريم من تفصيل الكلام في أموال اليتامى وإنفاقهم منها وجواز ان يأكل المنفق لهم من مالهم بالمعروف.
وأما قوله: "ولو كافرا" فذلك إذا رافعه الابن إلي الشريعة الإسلامية قضينا عليه بما فيها.
وأما قوله: "أو معسرا له كسب" فلا بد ان يفضل من كسبه فضله تكون مالا حتى ينفق منها ولده وأما إذا كان لا يحصل له من الكسب إلا ما يكفيه فقط فليس عليه إنفاق أولاده بل ينفق ذلك على نفسه كما تقدم في الاحاديث ورزق أولاده على خالقهم.
وقد عرفت مما سبق أنه لا وجه لقوله: "ثم في ماله" وان إنفاقه من ماله مقدم على إنفاقه من مال أبيه.
وأما قوله: "ثم على الام قرضا للأب" فإذا كانت غنية فعليها النفقة لأولادها لأن الخطاب في الاحاديث السابقة إن كان للرجال فللنساء حكمهم كسائر الخطابات التي في الكتاب والسنة بصيغة خاصة بالذكور فإن النساء شقائق الرجال ولا يخرجهن من ذلك إلا دليل يخصصهن من الواجبات على الرجال فلا وجه لقوله قرضا للأب.
قوله: "والعاقل المعسر على ابويه حسب الارث"،
أقول: لما قدمنا من الأدلة ولا سيما إذا كان قوله ﷺ لهند: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"، شاملا للكبار فإن من جملتهم إذا ذاك معاوية وقد كان كبيرا لأنه اسلم عام الفتح وكان عمره عند إسلامه ثماني وعشرين سنة فقد كان عند الهجرة في ثماني عشرة سنة.
والحاصل ان هذه النفقات التي هي مما يصدق عليه أنه صلة للارحام إذا لم يوجد دليل ناهض ينتهض على وجوبها فهي من افضل القرب واعظم الطاعات المقربة إلي الله كما قدمنا.
وأما قوله: "إلا ذا ولد موسر فعليه" فوجه ذلك ان وجوب الاحسان من الأولاد لابائهم آكد من وجوب الاحسان من الاباء لابنائهم كما قال الله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة: ٨٣، النساء: ٣٦، الأنعام: ١٥١، الإسراء: ٢٣] ، وكما ورد في الحديث: "أنت ومالك لأبيك"، وهو حديث حسن أخرجه أحمد وابو دأود وابن خزيمة وابن الجارود ومثله حديث: "إن أطيب ما أكل الرجل
стр. 501
من كسبه وولده من كسبه فكلوا من أموالهم"، أخرجه أحمد "٦/٣١، ٤١، ١٢٧، ١٦٢، ١٧٣، ١٩٣، ٢٠١، ٢٠٣"] ، وأهل السنن [أبو داود "٣٥٢٨"، النسائي "٤٤٤٩"، ابن ماجة "٢٢٩٠"، الترمذي "١٣٥٨"] ، وابن حبان والحاكم وصححه أبو حاتم وأبو زرعة.
وأما قوله: "ولو صغيرا" فلما ذكره الله سبحانه في القرأن في أموال اليتامى والاباء احق من يقوم على اموالهم ويستنفق منها بالمعروف.
وبالجملة فعموم قوله : ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] ، وقوله: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: ٧] ، يدخل تحته الزوجات والاباء والابناء دخولا أوليا وتتنأول سائر القراب. ة
وأما قوله: "ولو كان صغيرا" فلعموم ما قدمنا.
وأما قوله: "أو كافرا" فإذا ترافعوا إلي المسلمين وجب الحكم على الكافر بما في الشريعة الإسلامية.
وأما قوله: "ولا يلزمه أن يعفه" فلكون ذلك مما لا يدخل في مسمى النفقة إلا ان يبلغ الحد إلي التضرر البالغ كان من باب التدأوي لحفظ النفس وقد تقدم حديث: "أنت ومالك لأبيك" وتقدم قوله تعالي: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ وهذا من الاحسان.
وهكذا قوله: "ولا التكسب إلا للعاجز" فإنه إذا قعدالأب وعجز عن الكسب وولده قوى سوى وأبواب المكاسب متيسرة له ولم يكسب على والده فهو لم يحسن اليه كما امره الله سبحانه ولا بره كما أوجب ذلك عليه رسول الله ﷺ .
وأما إذا كانا قادرين على التكسب تكسب كل واحد منهما لنفسه فإن قدر الولد ان يكفي والده مؤنة التكسب فهو من تمام البر به والاحسان اليه.
والحاصل أنه إذا كان البر والاحسان واجبين على الولد لوالده كما تدل عليه الأدلة لزمه مالا يتم البر إلا به ولا يخرج عن ذلك الا ما خصه الدليل وأيضا هو أقرب قربا وأمس رحما فالأدلة الدالة على صلة الارحام تتنأوله أوليا كما قدمنا الاشارة إلي ذلك والامهات احق بهذا البر والاحسان والصلة من الاباء للأحاديث المتقدمة في أول الفصل ولغيرها كما أخرجه البخاري في الادب المفرد وأحمد وابن حبان والحاكم وصححاه مرفوعا بلفظ: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب".
وأما قوله: "ولا يبيع عنه عرضا إلا باذن الحاكم" فالعرض من جملة المال الذي جعله الشارع للأب وأمره صلي الله عليه وسلم بالأكل منه.
قوله: "وعلى كل موسر نفقة كل معسر" الخ.
أقول: لا دليل يدل على وجوب هذا الانفاق وما استدلوا به من قوله تعالي: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، فوضع للدليل في غير موضعه فان الآية واردة في غير هذا المعنى لان الله سبحانه قال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، ثم قال: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ
стр. 502
مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] ، أي وارث المولود له وفي الآية احتمالات كما أوضحنا ذلك في تفسيرنا وهذا المعنى هو الظاهر منها ولا يصح الاحتجاج بمحتمل مسأو فكيف بمحتمل مرجوح.
والحاصل ان الأدلة التي قدمنا في أول الفصل تدل على مشروعية الاحسان إلي القرابة الدين هم غير الاباء الابناء وهم داخلون فيما ورد في صلة الارحام وأما كون ذلك حتما لازما فلا دليل على ذلك يتعين الاخذ به.
وأما تقييد ما ذكره من وجوب انفاق الاقارب المذكورين بالارث بالنسب فلا وجه له بل صلة الارحام ثابتة ومشروعيتها عامة والاقرب احق بها من الابعد وهكذا تندرح في مشروعية صلة الرحم كسوته وإخدامه للعجز.
قوله: "ويسقط الماضي بالمطل".
أقول: أما النفقة الواجبه كنفقة الابن لأبويه والاب لأولاده فالكلام فيها كالكلام في نفقة الزوجة وقد قدمنا تحقيق ذلك وهكذا نفقة الارقاء لانها واجبة حتما.
وأما نفقة سائر القرابة فقد عرفناك أنه لا دليل يدل على وجوبها بل هي من باب صلة الارحام ولا يجب على الإنسان قضاء مالا يجب عليه ولكنه ينبغي ان يسلك في هذه الصلة المسلك الذي ارشداليه الشارع في الاحاديث المتقدمة بقوله: "الأقرب فالأقرب" وبقوله: "ثم أدناك أدناك".
وأما ما ذكره من رسم الايسار والاعسار فلا دليل عليه ولكن الذي ينبغي اعتماده هو ما اشار اليه رسول الله ﷺ حيث قال للرجل الذي قال عنده دينار فإنه أمر ان يتصدق به على نفسه ثم قال عندي دينار آخر قال تصدق به على زوجتك إلي آخر الحديث المتقدم وما ورد في معناه وقد قدمنا في تفسير الغني الذي يحرم عليه الزكاة ما فيه كفاية وليس المقصود هنا ان يحصل مسمى الغنى بل المقصود وجود الكفاية التي يصير ما زاد عليها في حكم الفضلة التي لا تدعو اليها حاجة راجعة إلي النفقة والكسوة والمنزل والفراش وما يقي البرد والحر فإذا وجدا لرجل هذا لنفسه ولمن تجب عليه نفقته وهم من قدمنا ذكرهم وصل ارحامه الاقرب فالأقرب بما احب إن أراد الخير وأحب الثواب وإلا يكون من القاطعين للأرحام فيعرض نفسه للقطيعة من الله سبحانه.
قوله: "وعلى السيد شبع رقه الخادم وما يقيه الحر والبرد".
أقول: هذا واجب على السيد من واجبات الشريعة وقد كرر ﷺ التوصية بالارقاء وامر بإطعامهم مما يطعم سيدهم والباسهم مما يلبس وأمر بإطعام المماليك وكسوتهم بالمعروف هذا كله ثابت عنه ﷺ في الصحيحين.
وأخرج مسلم من حديث عبد الله بن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوته".
стр. 503
أخرج أحمد وابو دأود والنسائي وابن ماجه بأسانيد بعضها رجاله رجال الصحيح قال كانت عامة وصية رسول الله ﷺ حين حضرته الوفاة وهو يغرغر بنفسه الصلاة وما ملكت ايمانكم وهو مجمع على وجوب نفقة الارقاء.
وأما قوله: "أو تخلية القادر" فلا وجه له لأنه مهما بقي في ملكه كان الوجوب ثابتا عليه ولا نيفعه تخليته فإنه تخلص مما أوجبه عليه الشرع بغير مخلص شرعي بل يجبر على ينفعه أو إنفاقه أو عتقه ولا عذر له من أحد هذه الثلاثة الامور لأن علاقة وجوب إنفاقه عليه هي كونه مملوكا له فمهما بقي الملك فالعلاقة موجودة والسبب حاصل.
وأما كونه لا يلزمه ان يعفه فظاهر.
قوله: "ويجب سد رمق محترم الدم"
أقول: قد ثبت في الصحيح عنه ﷺ : "أن المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه" وأي إسلام له ابلغ من ان يدعه يموت جوعا وهو يجد ما يسد رمقه ويبقى حياته.
وثبت أيضا في الصحيح عنه ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يؤمن احدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"، فهذا الذي ترك اخاه يموت جوعا وهو يجد ما ينعشه ويدفع عنه ما نزل به من الضر ليس بمومن وواجب على كل مسلم ان لا يفعل ما يسلب عنه الايمان أو يترك ما يكون سببا لذهاب إيمانه وأيضا قد أوجب الله سبحانه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما العمادان العظيمان لهذا الدين ومعلوم ان سد رمق من نزل به الموت من الجوع من اعظم المعروف وتركه من اقبح المنكر وقد قال الله سبحانه وتعالي: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] ، وسد رمق المضطر من اعظم أنواع البر والتقوى وتركه من اعظم الإثم والعدوان.
والحاصل ان كليات الكتاب والسنة وجزئيائتهما تدل على وجوب مثل هذا وجوبا مضيقا ومن استدل على هذا الوجوب بما ورد في الضيافة فقد ابعد النجعة.
وأما ما ذكره عن المؤيد بالله من ان له ان ينوى الرجوع على من سد رمقه فهذا مخالف للقواعد الشرعية فإن المطعم قام بواجب عليه هو من اعظم الواجبات فليس له ان يرجع في ذلك على ذلك المضطر.
قوله: "ودواء البهيمة" الخ.
أقول: أما الأجر على إنفاقها فقد ثبت في الصحيحين وغيرهما ان النبي ﷺ قال: "إن رجلا اشتد عليه العطش فوجد بئرا فنزل فشرب ثم خرج فإذا كلب يلهث بأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ بهذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني فنزل البئر فملأ خفه ثم امسكه بفيه حتى رقى فسقى الكلب فشكر الله له فغفر له"، قالوا: يا رسول الله وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال: "في كل كبد رطبة
стр. 504
أجر"، فإن قول السائل: وإن لنا في البهائم أجرا؟ يشمل كل بهيمة من أهلي ووحشي وجوابه ﷺ "في كل كبد رطبة أجر"، يتناول الجميع.
وأما إثم من حبس البهائم فلم يطعمها ولا تركها فلما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر ان النبي ﷺ قال: "عذبت امرأة في هرة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار لا هي اطعمتها وسقتها إذ حبستها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض"، وهو ثابت في الصحيحين أيضا من حديث أبي هريرة.
وإذا كان هذا في هرة فغيرها من البهائم التي يملكها الناس ولا يحل أكلها أولى بذلك واحق ولا شك أنه يخلص من الإثم باخراجها عن ملكه إلي ملك غيره ببيع أو نحوه.
وأما التسييب فلا بد من تقييده بكون تلك البهيمة مما يأكل ويشرب بنفسه ويقدر على ذلك أما إذا كانت لا تقدر على ذلك كما في كثير من البهائم فلا يبرأ بتسييبها وهكذا لا بد ان تكون لها قدرة على حماية نفسها من السباع وإلا كا نمخرجا لها من الهلاك إلي الهلاك ومسلما لها إلي يد المعاطب والمتالف.
وأما كونها لا تخرج ع ملكه بالتسييب إلا ان يرغب عنها فيأخذها غيره فظاهر وهكذا حكم من في يده تلك البهيمة وهي لغيره بإذنه حكم المالك في وجوب القيام بما يحتاج إليه حتى يرجعها لمالكها وله الرجوع عليه بما أنفق.
وهكذا الشريك فيها إذا غاب شريكه أو تمرد فإنه يجب عليه القيام بما يحتاج إليه ويرجع بما انفقه على حصة شريكه.
قوله: "والضيافة على أهل الوبر".
أقول: الضيافة حق على من نزله ضيف سواء كان من أهل المدر أو الوبر ولا وجه لتخصيصها بأهل الوبر ولم يصح في ذلك شيء.
وأما ما يروى من ان الضيافة على أهل الوبر فهو باطل موضوع كما بينت ذلك في المؤلف الذي سميته الفوائد المجموعة في الاحاديث الموضوعة.
والأحاديث الواردة في مشروعية الضيافة كثيرة ومنها ما في الصحيحين [البخاري "١٠/٥٣١"، مسلم "١٤/٤٨"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٧٤٨"، الترمذي "١٩٦٧، ١٩٦٨"، ابن ماجة "٣٦٧٥"، أحمد "٤/٣١، ٦/٣٨٥"] ، عنه ﷺ : "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته"، قالوا: وما جائزته؟ قال: "يومه وليلته".
ومما يدل على الوجوب حديث عقبة بن عامر في الصحيحين [البخاري"١/٥٣٢"، مسلم "١٧٢٧"، وغيرهما [أبو داود "٣٧٥٢"، الترمذي "١٥٨٩"، ابن ماجة "٣٦٧٦"، أحمد "٤/١٤٩"] : قالوا: يا رسول الله إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ فقال: "إن أمروا لكم بما ينبغي للضيف
стр. 505
فاقبلوا وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم"، فإن إذنه ﷺ بالاخذ يدل على الوجوب على من نزل به ضيف.
стр. 506
[باب الرضاع
ومن وصل جوفه من فيه أو انفه في الحولين لبن آدمية دخلت العاشرة ولو ميتة أو بكرا أو متغيرا غالبا أو مع جنسه مطلقا أو غيره وهو الغالب أو التبس دخول العاشرة لا هل في الحولين ثبت حكم البنوة لها ولذي اللبن إن كان وإنما يشاركها من علقت منه ولحقه حتى ينقطع أو تضع من غيره أو يشترك الثلاثة من العلوق الثاني إلي الوضع وللرجل فقط بلبن من زوجتيه ولايصل إلا مجتمعا ويحرم به من صيره محرما ومن انفسخ نكاح غير مدخولة بفعله مختارا رجع بما لزم من المهر عليه إلا جأهلا محسنا] ي.
قوله: باب: "الرضاع فصل من وصل جوفه من فيه أو انفه" الخ.
أقول: اعلم ان الرضاع المقتضى للتحريم ورد مطلقا كما في قوله سبحانه: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ، وقوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه: "يحرم من الرضاع ما يحرم من الرحم"، وفي لفظ: "من النسب" ونحو ذلك من الاحاديث الواردة بهذا المعنى ثم ورد تقييد هذا الرضاع المطلق بقيود وردت بها السنة.
فمنها حديث عائشة عند مسلم "٧/١٤٥٠"، وغيره [أحمد "٦/٩٦"، أبو داود "٢٠٦٣"، النسائي "٦/١٠١"، الترمذي "١١٥٠"، ابن ماجة "١٩٤٠"] ، أن النبي ﷺ قال: "لا تحرم المصة والمصتان".
وأخرج مسلم وغيره من حديث ام الفضل ان رجلا سأل النبي ﷺ اتحرم المصة فقال: "لا تحرم الرضعة والرضعتان والمصة والمصتان"، وفي لفظ لمسلم "١٨/١٤٥١"، وغيره [النسائي "٦/١٠٠، ١٠١"، أحمد "٦/٣٤٠"] ، من حديثها قالت دخل اعرابي إلي نبي الله ﷺ وهو في بيتي فقال: يا نبي الله إن كانت لي امرأة فتزوجت عليها أخرى فزعمت امرأتي الأولى أنها أرضعت امرأتي الحدثى رضعة أو رضعتين فقال النبي ﷺ : "لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان".
وأخرج أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد الله بن الزبير ان النبي ﷺ قال: "لا تحرم من الرضاعة المصة والمصتان"، قال الترمذي الصحيح عن أهل الحديث من رواية ابن الزبر عن عائشة كما في الحديث الأول ورواه النسائي من حديث أبي هريرة.
стр. 507
فهذه الاحاديثت تدل على ان المصة والمصتين لا تقتضيان التحريم فهذا التقييد الأول مما قيدت به تلك الاطلاقات.
التقييد الثاني ما أخرجه الترمذي والحاكم وصححاه من حديث أم سلمة قالت قال رسول الله ﷺ : "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الامعاء في الثدي وكان قبل الفطام"، ومعنى فتق الامعاء في الثدي أي في أيام الثدي وذلك حيث يرضع الصبي منها.
وأخرج سعيد بن منصور والدارقطني والبيهقي وابن عدي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا رضاع إلا ما كان في الحولين".
وأخرج أبو دأود الطيالسي في مسنده من حديث جابر عن النبي ﷺ قال: "لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام".
فهذه الاحاديث تدل على ان الرضاع الواقع بعدالحولين لا حكم له ولا يقتضى التحريم.
التقييدالثالث ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٩/١٤٦"، مسلم "٣٢/١٤٥٥"] ، وغيرهما [أحمد "٦/٩٤"، أبو داود "٢٠٥٨"، النسائي "٦/١٠٢"، ابن ماجة "١٩٤٥"] ، من حديث عائشة قالت دخل على رسول الله ﷺ وعندي رجل فقال: "من هذا" قلت اخي من الرضاعة فقال: "يا عائشة انظرن من إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة"، فهذا الحديث يدل على ان الرضاع إذا وقع لغير مجاعة من الصبي لم يثبت حكمه.
التقييد الرابع ما أخرجه أبو دأود من حديث ابن مسعود مرفوعا: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم"، ولكن في إسناده مجهولان فلا تقوم به حجة.
التقييد الخامس وعليه تدور الدوائر وبه يجتمع شمل الاحاديث مطلقها ومقيدها وهو ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة قالت: كان فيما نزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات وتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرا من القرآن وله الفاظ.
وقد أخرج البخاري من حديثها نحوه وأخرج مالك في الموطأ وأحمد من حديثها ان النبي ﷺ قال لسهلة في قصة سالم: "أرضعيه خمس رضعات"، فهذا يدل على انها لاتحرم إلا خمس رضعات ولا يعارضه أحاديث: "لاتحرم المصة والمصتان" لأن غاية ما فيها الدلالة بالمفهوم على ان ما فوقها يحرم وحديث الخمس يدل بمفهومة على ما دون الخمس لا يحرمن وكلاهما مفهوم عدد ولكنه يقوى حديث الخمس أنه مات رسول الله ﷺ وهو قرآن يتلى ويقويه أيضا أنه قد ذهب جماعة من ائمة البيان كالزمخشري إلي أن الاخبار بالجملة الفعلية المضارعية يفيد الحصر ومفهوم الحصر ارجح من مفهوم العدد ويقويه أيضا ما أخرجه ابن ماجه من حديثها بلفظ: "لا يحرم إلا عشر رضعات أو خمس"، وهذه الصيغة تقتضي الحصر بلا خلاف.
وإذا عرفت رجحان ما دل على أنه لا يحرم إلا الخمس وأن العشر منسوخة فلا يعارضه ما
стр. 508
دل على اعتبار الحولين بل يجمع بينه وبينه بأن الخمس في الحولين.
ولا يعارضه ما دل على ان الرضاعة من المجاعة بل يجمع بينهما ان يرضع الخمس في وقت حاجة اليها.
ولا يعارضه أيضا حديث: "الرضاع ما فتق الامعاء"، لأن من المعلوم ان الخمس الرضعات بفتقها بعضها.
ولا يعارضه أيضا حديث: "لا رضاع إلا ما انشر العظم وانبت اللحم"، على فرض صحته لان الخمس الرضعات لمن هي طعامه وشرابه تؤثر في ذلك وإن لم يظهر للعيان >و
إذا تقرر لك هذا الجمع بين شمل الاحاديث فاعلم ان حديث زينب بنت ام سلمة قالت قالت ام سلمة لعائشة إنه يدخل عليك الغلام الايفع الذي ما احب ان يدخل علي فقالت عائشة أما لك في رسول الله اسوة حسنة وقالت: إن امرأة أبي حذيفة قالت: يا رسول الله إن سالما يدخل علي وهو رجل وفي نفس أبي حذيفة منه شيء قال ﷺ : "أرضعيه حتى يدخل عليك"، أخرجه مسلم "٢٩/١٤٥٣"، وغيره أحمد "٦/٣٨، ٣٩، ٦/٢٠١"، النسائي "٦/١٠٤، ١٠٥، ٦/١٠٥"، ابن ماجة "١٩٤٣"] ، وهذا الحديث قد رواه امهات المؤمنين وغيرهن من الصحابة ورواه الجمع الجم من التابعين وهكذا من بعدهم حتى قال بعض الائمة إن هذه السنة بلغت رواتها نصاب التواتر.
والحاصل أنه خاص يوقف على من عرضت له تلك الحاجة واحتاج ان يدخل على امراته من لا يتسغنى عن دخوله بيته وتردده في حاجاته ومصالحه ومن رده بلا برهان فقد انتصب للرد على رسول الله ﷺ وعلى الشريعة المطهرة ومن قصره على سالم فقط فقد جاء بمالا يعقل ولا يوافق القواعد المقررة في الاصول.
وبهذا التحقيق تعرف الكلام على ما ذكره المصنف.
وأما قوله: "لبن آدمية" فاحتراز عما لا يقع إلا في ذهن مغفل ولا يسبق إلي فهم أبله فإن الكلام في بني آدم والبانهم لا في ألبان الدواب.
وأما قوله: "دخلت العاشرة" فلكون ذلك المقدار هو من أوائل مظنة البلوغ وقد تقدم له في الحيض أنه يتعذر قبل دخول المراة في التاسعة فكان عليه ان يمضي في الموضعين على نمط واحد فإن التسع إذا كانت مظنة للحيض كانت مظنة للحبل الذي يتاثر عنه اللبن.
وأما قوله: "ولو ميتة" فغير صحيح فإن الأحكام المتعلقة بها وبلبنها قد انقطعت بالموت فلم يبق لذلك حكم ولم يصدق عليها انها مرضعة كما في قوله تعالي: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] .
وأما قوله: "أو بكرا" فصحيح لأن بعض الابكار قد يخرج منها لبن ولا سيما إذا كانت مربية لرضيع وأرضعته من ثديها مرة بعد مرة.
стр. 509
وأما قوله: "أو متغير" فلا بد ان يكون اللبن الخالص بحيث يصدق عليه أنه لبن وكل على اصله في اعتبار مجرد الوصول إلي الجوف أو اعتبار ثلاث رضعات أو اعتبار خمس رضعات.
وهكذا الكلام في قوله: "أو مع جنسه أو غيره وهو الغالب".
وأما قوله: "أو التبس دخول المرأة في العاشرة" فقد تقدم ان دخول العاشرة عندالمصنف من جملة الشروط التي لا يصح الرضاع إلا بها فكان عليه ان يحكم مع اللبس بعدم ثبوت الرضاع لأن الاصل عدم الدخول.
وأما قوله: "لا هل في الحولين" فصحيح لأن الاصل بقاؤه في الحولين وعدم انتقاله عنهما.
قوله: "ثبت حكم النبوة لها ولذي اللبن".
أقول: هذا هو الحق وقد ثبتت النصوص المصرحة بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب وأنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة وهذان اللفظان في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس وعائشة وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عباس ان النبي ﷺ أريد على ابنة حمزة ﵁ فقال: "إنها لا تحل لي إنها ابنة اخي من الرضاعة.
وفي الصحيحين وغيرهما "النسئي "٦/١٠٣"، أحمد "٦/٢٣، ٣٧، ١١٧، ٢٧١"، ابن ماحة "١٩٤٨"، أيضا من حديث عائشة ان افلح اخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها وهو عمها من الرضاعة بعد ان نزل الحجاب وقالت فأبيت ان آذن له فلما جاء رسول ﷺ اخبرته بالذي صنعت فامرني أن آذن له ولم يأت من لم يجعل للرجل حقا في اللبن شيء يصلح لمعارضة ما ذكرناه ولا ثبت عن النبي ﷺ في ذلك حرف واحد.
وأما مجرد الاجتهاد من بعض الصحابة فلا تقوم به حجة ولا سيما والذاهب إلي ما قضت به هذه الأدلة التي ذكرناها هم الجمهور من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أهل العلم.
وأما قوله: "وإنما يشاركها من علقت منه" الخ فصحيح لأنه لا يصدق عليه الابوة من الرضاع إلا بذلك.
وأما قوله: "ويشترك الثلاثة" ألخ فلا وجه لأن دخولها في نكاح الاخر يقطع العلاقة بينها وبين الأول فلا يبقى له حق في اللبن كما أنه لم يبق له حق في المراة ولا يجوز له النظر اليها وإنما أوقع المصنف في مثل هذا التفريع اشتغاله بجمع آراء القائلين وإن كانوا من الواقعين تحت اسر التقليد فإنه ﵀ اختصر هذا الكتاب من التذكرة للفقيه حسن النحوي والفقيه حسن النحوي جمع فيها ما قاله الفقهاء من الهدوية الذين يقال لهم المذاكرون في عرف هذه الطائفة وهؤلاء لم يبلغ الاجتهاد منهم الا النادر وغالبهم لا يعرفون إلا مسائل الفروع المختصة بمذهبهم ولهذا اجتمع في هذا الكتاب المتردية والنطيحة وما أكل السبع.
قوله: "وللرجل فقط بلبن من زوجتيه لا يصل إلا مجتمعا".
أقول: لا يقتضى التحريم إلا الرضاع من امراة واحدة رضاعا يوجب التحريم كما قدمنا ولا
стр. 510
حكم لما لا يكون مجموعه إلا من اثنتين أو ثلاثا أو اكثر ولا يثبت به حكم الرضاع لا للرجل ولا للنساء فمن يعتبر خمس رضعات لا بد ان تكون جميعا من امرأة واحدة فلو رضع من كل واحدى رضعة أو رضع الخمس من ثلاث أو اثنتين لم يكن لذلك حكم ولا يثبت به رضاع.
وهكذا لو لم يصل الجوف عند من يعتبر مجرد الوصول إلي الجوف إلا لبن امرأتين أو اكثر فإنه لا يثبت بذلك حكم عنده وإن قال إنه يثبت به الحكم كما قال المصنف فقد عول على مجرد رأي زائف واجتهاد زائغ.
وأما قوله: "ويحرم به من صيره مرحما" فقد ذكرنا في شرحنا للمنتقى عددالمحرمات بالرضاع فليرجع اليه.
وأما قوله: "ومن انفسخ نكاح غير مدخولة لفعله" الخ فوجهه ان ذلك جناية تسبب عنها تغريم الزوج بما غرمه من المهر ولم يستوف ما في مقابلته وهو الوطء فتغرم المرضعة ما غرم بسبب جنايتها ولا وجه لقوله إلا جأهلا محسنا لأن مجردالجهل والاحسان لا يسقطان الضمان لأن ضمان الجناية من أحكام الوضع فلتزم الجأهل كما تلزم العالم وتلزم المحسن كما تلزم المسيء وتلزم المجنون والصبي كما تلزم العاقل المكلف ومثل هذا لا يخفى على المصنف ولكنه بصدد جمع انظار المقلدين كما قدمنا قريبا.
[فصل
وإنما يثبت حكمه في إقراره أو ببينتها ويجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما فيجبر الزوج المقر به وبإقراره وحده يبطل النكاح لا الحق والعكس في إقرارها إلا المهر بعد الدخول] .
قوله: فصل: "وإننا يثبت حكمه بإقراره أو ببينتها" الخ.
أقول: إذا اقر أو قامت عليه البينة بإقراره أو بمشاهدة الارضاع للرضيع فليس في ذلك نزاع ومن جملة البينة إخبار مرضعته لما ثبت في اصحيح البخاري وغيره ان عقبة ابن الحارث تزوج ام يحيى بنت أبي إهاب فجاءت امة سوداء فقالت قد ارضعتكما قال فذكرت ذلك للنبي ﷺ فأعرض عني قال فتنحيت فذكرت ذلك له فقال: "وكيف وقد زعمت أنها قد أرضعتكما"، فنهاه عنها
وفي رواية للبخاري وغيره "دعها عنك"، وهذا النهي والأمر يدلان أوضح دلالة على وجوب العمل بقول المرضعة ولم يصب من تكلف لرد هذه السنة بما لا يسمن ولا يغني من جوع.
وأما قوله: "ويجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما" فصواب لأن الله سبحانه قد تعبدنا بالعمل بالظن ولا سيما في النكاح الذي يترتب عليه الخطر العظيم من استحلال فرج حرمه الله ولحوق نسب بغير من هول له.
стр. 511
وقد ثبت التعبد بالعمل باخبار الاحاد وهي لا تفيدا لا الظن ولا وجه لتقييدالظن هنا بالغالب بل يجب العمل بكل ظن يصدق عليه مسمى الظن إذا لم يكن مجرد شكوك ووسوة ومقتضى العمل بالظن هو إخبار الزوج المقر بحصول الظن له.
وأما قوله: "وبإقراره وحده يبطل النكاح" فصحيح لأن التسريح إليه والطلاق بيده وقد أقر بما يقتضى ذلك فبطل ما هو إليه ولا يستلزم ذلك بطلان الحق للزوجة.
وأما قوله: "والعكس في إقرارها" فلا وجه له لأنه إذا لم يبطل به النكاح لم يبطل به حق عليها تستحقه بالنكاح لأن النكاح باق شاءت أم أبت.
إلي هنا انتهي النصف الأول من هذه التعليقة المسماة السيل الجرار المتدفق علي حدائق الأزهار في نهار يوم الاثنين لعله حادي عشر شهر جمادي الآخرة من شهور سنة أربع وثلاثين بعد مائتين وألف من الهجرة الشريفة بقلم مؤلفه محمد بن علي الشوكاني غفر الله لهما.
تم إملاء علي جماعة من الطلبة في شهر ذو القعدة سنة ١٢٣٩.
стр. 512
كتاب البيع
مدخل
...
كتاب البيع
[فصل
شروطه أيجاب مكلف أو مميز مختار مطلق التصرف مالك أو متول بلفظ تمليك حسب العرف وقبول غيره مثله متطابقين مضافين إلي النفس أو ما في حكمهما غير مؤقت ولا مستقبل أيهما ولا مقيد لما يفسدهما ولا تخللهما في المجلس إضراب أو رجوع في مالين معلومين يصح تملكهما في الحال وبيع أحدهما بالآخر والمبيع موجود في الملك جائز البيع ويكفي في المحقر ما اعتاده الناس] .
قوله: فصل: "شروطه إيجاب مكلف أو مميز".
أقول: أعلم أن البيع الذي أحله الله سبحانه وجعله مقتضيا لانتقال الأملاك من مالك إلي مالك لا يعتبر فيه إلا مجرد التراضي وطيبة النفس بأي لفظ وقع وعلى أي صفه كان ولو بمجرد إشارة أو كتابة فإذا حصل هذا المناط وتفرق البائع والمشتري من المجلس راضيين بالبيع طيبة به نفساهما فقد انتقل ذلك المبيع من ملك البائع إلي ملك المشتري إذا كان المبيع مما أحل الشرع بيعه وجوز التعامل فيه.
стр. 513
وأما اعتبار كون المالك مكلفا فأمر لا بد منه لأن نفوذ التصرفات موقوف على بلوغ المتصرف إلي سن التكليف وهي أول مظنات الرشد وأما من دون التكليف فقد عرفت أن الله سبحانه أمر الولي بأن يمل عنه وجعل تصرفاته إليه وإذا أذن له بالتصرف كان المعتبر هو هذا الإذن الصادر من الولي لا مجرد تصرف غير المكلف ولعله إن شاء الله تعالي يأتي في باب المأذون زيادة تحقيق للمقام.
وأما اشتراط أن يكون مختارا فأمر لا بد منه لأن المناط هو التراضي وطيبة النفس كما سلف والمكره لا رضا منه ولا طيبة نفس وأما اشتراط كون البائع مطلق التصرف فلأن المحجور محبوس عن التصرف فهو كالمحكوم عليه بعدم التصرف في المال الذى تنأوله الحجر إذا وقع من متأهل للحكم وصادف سببا يقتضي الحجر وسيأتي الكلام إن شاء الله على الحجر وأما كونه ملكا أو متوليا عن غيره بولاية شرعية فأمر لا بد منه فإن من لم يكن مالكا ولا متوليا كذلك لا حكم لبيعه لأن ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وقد قال سبحانه: ﴿وَلا تَأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] .
وأما كونه بلفظ تمليك إلخ فقد عرفناك أن المعتبر هو التراضي وطيبة النفس فما أشعر بهما ودل عليهما فهو البيع الشرعي وهكذا القول المعتبر فيه ذلك فقط فما أشعر به فهو الشراء الشرعي فلو قال البائع بعت هذا منك بكذا فأخذه المشتري ولم يتكلم ولا أشار وتفرقا من المجلس كان ذلك بيعا شرعيا موجبا لانتقال المبيع من ملك البائع إلي ملك المشتري وهكذا لو قال المشتري اشتريت منك هذا بكذا فسلمه البائع إليه ولم يصدر منه لفظ ولا إشارة وتفرقا من المجلس كان ذلك كافيا فيما ذكره من التطابق وما بعده إنما هو مراعاة لجانب الألفاظ ولا اعتبار لذلك.
وأما قوله: "غير مؤقت" فصحيح لأن اللفظ الدال على التوقيت قد أشعر بخلاف موجب البيع وهو مصير البيع إلي ملك المشتري من غير تقييد وأما قوله ولا مستقبل أيهما فيقال إذا أشعر لفظ الاستقبال بالرضا وطيبة النفس بانتقال الملك في الحال فلا يضر كونه مستقبلا ولا يقدح في الصحة بل لا مانع شرعا ولا عقلا بأن يكون مرادهما ما دل عليه لفظ الاستقبال فيكون البيع ناجزا ثابتا عند حصول أول وقت من أوقات المستقبل وهو اللحظة المتعقبة لما تكلما به فيكون بيعا صحيحا وتجارة عن تراض وأي مانع من هذا بل لو قال بعت منك هذا بعد سنة كان بيعا شرعيا إذا حصل التراضي وطيبة النفس ويخرج من ملك البائع إلي ملك المشتري بعد مضي السنة وأما قوله غير مقيد بما يفسدهما وإن كان ذلك المفسد هو مدلول اللفظ مع تحقق الرضى وطيبة النفس فلا حكم له وإن كان باعتبار شرط من الشروط فسيأتي الكلام عليه في باب الشروط المقارنة للعقد.
قوله: "ولا تخللهما في المجلس إضراب ولا رجوع".
أقول: وجهه أن الإضراب قد دل على عدم الرضى وطيب النفس وكذلك الرجوع واعتبار المجلس قد ورد به الشرع كما سيأتي في الحديث الصحيح: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا"، [البخاري
стр. 514
"٤/٣٢٦"، مسلم "٤٧/١٥٣٢"] . وأما اعتبار أن يكون في مالين معلومين فغير مسلم فإنه إذا حصل الرضى وطيبة النفس ببيع المجهول تفصيلا المعلوم جملة كان البيع صحيحا إذا لم يكن في نوع من أنواع الغرر التى ورد النهي عن البيع مع وجودها كما سيأتي وأما اعتبار كونهما مما يصح تملكه في الحال فظاهر لأن الشيء الذي لا يثبت عليه الملك لا يصح بيعه إذ المانع الشرعي من تملكه مانع من بيعه لأن البيع مترتب على ثبوت الملك وأثر من آثاره وهكذا الكلام إذا كان الثمن لذلك المبيع لا يصح تملكه وسيأتي للمصنف التصريح بأن بيع كل ذي نفع حلال جائز.
وأما قوله: "وبيع أحدهما بالآخر" فوجهه إخراج بيع الربا وما فيه مظنة له وسيأتي الكلام عليه في بابه وأما قوله والمبيع موجود في الملك فوجهه ما سيأتي من النهي عن أن يبيع البائع ما ليس عنده وأما قوله جائز البيع فصحيح لأن ما لا يجوز بيعه يمنع الشرع عنه لا يجوز الدخول فيه وليس هذا تكريرا لما سبق من قوله يصح تملكهما فقد يرد النهي عن بيع شيء مع الإذن بتملكه في بيع الربا فإن كل واحد من المبيع والثمن يجوز لكل واحد من البائع والمشتري تملكه مع ورود النهي عن بيع أحدهما بالآخر وهكذا بيع الرطب بالتمر وأمثال ذلك كثير وليس فيه أيضا تكرير لقوله وبيع أحدهما بالآخر فإن التفريق بين ذوي الأرحام المحارم بالبيع غير جائز مع كونه يصح بيعهم من غير تفريق بما يقع التراضي عليه من الثمن وهكذا لا يجوز بيع ما اشتمل على نوع من أنواع الغرر مع كونه يصح بيعه مع عدم اشتماله على ذلك.
قوله: "ويكفي في المحقر ما اعتاده الناس".
أقول: المناط ما قدمنا لك من التراضي وطيبة النفس في الحقير والكثير فإذا حصل ذلك صح به كل بيع وإن لم يوجد ذلك فلا وقد قدمنا لك أن تلك الشروط التى ذكرها المصنف لا دليل على غالبها ولكنه لما جعلها شروطا ووجد الناس في المحقرات يكتفون بمجرد التراضي وإن لم تحصل تلك الشروط جعل هذه العادة مخصصة لما زعم أنها شروط شرعية وقد ذكر المتكلمون في الفقه أن المراد بهذا المحقر هو ما جرت عادة الناس أنهم لا يعقدون عليه لحقارته لا للتسأهل فيه فخصصوا العادة ببعض ما يقع من أهلها فكان ذلك ظلمات بعضها فوق بعض.
[فصل
ويصحان من الأعمى ومن المصمت والأخرس بالإشارة وكل عقد إلا الأربعة ومن مضطر ولو غبن فاحشا إلا للجوع ومن المصادر ولو بتافه ومن غير المأذون وكيلا ولا عهدة عليه وبالكتابة ولا يتولى الطرفين واحد أو في حكمه]
стр. 515
قوله: "ويصحان من الأعمى"
أقول: الأصل صحة تصرف كل مكلف عاقل والأعمى والمصمت والأخرس من جملتهم والإشعار بالرضى وطيبة النفس اللذين هما المناط لصحة البيع وسائر التصرفات الشرعية ممكن منهم أما الأعمى فظاهر وأما المصمت والأخرس فبالإشارة التي يصح بها مراده ومن ادعى أن ثم مانعا في أحدهم فعليه بيان ذلك المانع واعتبار اللفظ عند معتبريه مخصوص بمن يمكنه النطق فيصح منهم كل عقد وكل إنشاء كائنا ما كان] .
وأما استثناء الأربعة التي أشار إليها المصنف وهي الشهادة والإقرار بالزنا والقذف ويمين الإيلاء واللعان فهو عائد إلي المصمت والأخرس ولهذا أعاد لفظ من لأن الشهادة من الأعمى صحيحة إلا فيما لا تتم الشهادة فيه إلا بالرؤية كما سيأتي للمصنف فإن شهادته على ما لا يفتقر إلي الرؤية صحيحة مقبولة وكذلك سائر الأربعة تصح منهم الشهادة وأما المصمت والأخرس فلا تصح منهما الشهادة إلا إذا كانت الإشارة تقوم مقام النطق لوضوحها وأما الإقرار بالزنا وإنشاء القذف فهما وإن كان المراد منهما يفهم بالإشارة لكن لما كان الحد يسقط بالشبهة كان عدم قدرته على النطق الصريح شبهة له لا سيما في الإقرار بالزنا عند من يشترط أن يكون الإقرار أربع مرات ولا تصح منهما اليمين لأنها لا تكون إلا باللفظ ولا وجه لتخصيص اللعان والإيلاء بل جميع الإيمان كذلك.
قوله: "ومن مضطر" الخ.
أقول: هذا رد لما ثبت من النهي عن بيع المضطر ولا فرق بين أنواع الاضطرار بل كل مضطر لا يحل لمسلم أن يغتنم اضطراره إلي البيع فيشتريه منه بدون قيمته بل هو بالخيار أما أوفاه قيمته المتعارفة زمانا ومكانا أو ترك شراءه ومن كان مضطرا لسد فاقته أو لما يخشاه من نزول الضرر به من المصادر له فهو مضطر مشمول بالنهي.
قوله: "ويصح من غير المأذون وكيلا ولا عهدة عليه".
أقول: لا وجه لهذه الصحة ولا يترتب عليها أثر من آثار البيع بل الاعتبار بحصو الرضى من المالك فإن رضي بالبيع كان مجرد هذا الرضى هو البيع الذى أحله الله سبحانه بقوله ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، وإن لم يقع الرضى فلا حكم لبيع الفضولي وإن كان فيه مصلحة للبائع وأما إذا كان وكيلا فبيع الوكيل صحيح إذا باع بما يرضى به البائع لأن وقوع التوكيل قد حصل به المناط الشرعي مع المطابقة كما سيأتي في كتاب الوكالة إن شاء الله وأما ما ذكره من صحة البيع بالكتابة فصحيح لأنها من جملة المشعرات بالرضى وطيب النفس كما قدمنا وهكذا الإشارة من القادر على النطق.
وأما قوله: "ولا يتولى الطرفين واحد أو في حكمه" فمبنى على ما قدمه من اشتراط الإيجاب والقبول وقد عرفناك أن المناط هو الرضى فيصح أن يتولى ذلك واحد وقد ثبت
стр. 516
عنه ﷺ أنه تولى عقد النكاح للزوجين كما قدمنا تحقيقه والحاصل أن الأصل عدم المانع فمن إدعى وجود فعليه البيان.
[فصل
ويلحق بالعقد الزيادة والنقص المعلومان في المبيع والثمن والخيار والأجل مطلقا لا الزيادة في حق الشفيع وأول مطلق الأجل وقت القبض] .
قوله: فصل: "ويلحق بالعقد الزيادة والنقص" الخ.
أقول: هذا صحيح إذا حصل في هذه الزيادة والنقص المناط المعتبر وهو الرضى ولا وجه لذكر هذا فإن الزيادة اللاحقة هى تجارة عن تراض ولكنهم لما جمدوا على اعتبار الألفاظ المقيدة بتلك القيود وجعلوها عقودا احتاجوا إلي ذكر مثل هذا مع أن مثل هذا ينقض عليهم بتلك الشروط والإعتبارات لأنه يقال لهم هذه الزيادة إن كانت مالا فلا بد فيها مما اشترطموه في المزيد لأن كل واحد منهما يصدق عليه اسم المال فما وجه ذكرها ههنا وهكذا النقص لأنه في حكم الزيادة لما وقع له وإن لم يكن مالا عندكم بأن يكون مما لا قيمة له فهو خلاف ما تقولونه فإنكم لا تقيدون ذلك بما لا قيمة له وإن كانت هذه الزيادة من المحقرات عندكم فلا بد فيها من مثل ما ذكرتم في المحقرات.
وأما قوله: "والزيادة في الخيار والأجل" فصحيح لأن مرجع ذلك التراضي ولا حجر على بائع أو مشتر أن يزيد في الخيار والأجل كما أنه لا حجر عليه في إبطالهما وليس للتنصيص على مثل هذه الأمور كثير فائدة لأنها معلومة.
وأما قوله: "لا للزيادة في حق الشفيع" فوجهه أنها تستلزم لحوق غرم على الشفيع فإذا قال المشتري للبائع قد زدتك في ثمن المبيع كذا صح ذلك وملكه البائع ولا يلزم الشفيع من ذلك شيء.
وأما قوله: "وأول مطلق الأجل وقت القبض" للمبيع فلا وجه له بل الاعتبار بالعقد الذي هو التراضي وإن تأخر القبض والتأجيل وقع عنده فالاعتبار بوقته لا بوقت القبض وأما كونه يتلف من مال البائع قبل القبض فبحث آخر سيأتي الكلام عليه.
[فصل
والمبيع يتعين فلا يصح معدوما إلا في السلم أو في ذمة مشتريه ولا يتصرف فيه
стр. 517
قبل القبض ويبطل البيع بتلفه واستحقاقه ويفسخ معيبه ولا يبدل والثمن عكسه في ذلك غالبا والقيمي والمسلم فيه مبيع أبدا وكذلك المثلى غير النقدين إن عين أو قوبل بالنقد وإلا فثمن أبدا كالنقدين] .
قوله: فصل: "والمبيع يتعين فلا يصح معدوما".
أقول: هذا وإن كان تكريرا لقوله والمبيع موجود في الملك ولكنه أراد هنا أن يتوصل بذكره إلي ذكر ما لا يشترط فيه الوجود وأعلم أن الشارع قد نهى عن بيع المعدوم على العموم فقال لحكيم بن حزام لما قال له يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ثم أبتاعه من السوق فقال له ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك"، أخرجه أحمد "٣/٤٠١، ٤٠٣"، وأهل السنن أبو داود "٣٥٠٣"، الترمذي "١٢٣٢"، النسائي "٤٦١٣" ابن ماجة "٢١٨٧"] ، وقال الترمذي حسن صحيح وأخرجه ابن حبان في صحيحه قال الترمذي وقد روي من غير وجه عن حكيم وقد وقع منه ﷺ النهي عن صور من صور البيع والعلة فيها كونه معدوما وسيأتي بيان كل منها في موضعه اللائق به وأما قوله: "إلا السلم"، فسيأتي دليله الخاص به وهو وإن كان نوعا من أنواع البيع فإن ما ورد في صحته على الصفة المذكورة فيما سيأتي يكون مخصصا لعموم النهي عن بيع ما ليس بموجود.
قوله: "أو في ذمة مشتريه".
أقول: هذا الذى في ذمة المشتري هو غير موجود عند البائع فهو داخل تحت النهي عن بيع المعدوم فإن كان إخراجه من عموم الدليل بدليل فما هو فإنه لا دليل ها هنا من كتاب ولا سنة ولا قياس وهذا على تقدير حضور الثمن أما إذا كان غير حاضر فهو مندرج أيضا تحت نهي آخر وهو ما أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه على شرط مسلم من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع الكاليء بالكاليء وهو وإن كان في إسناده موسى بن عبيدة الربذي فقد شد من عضده ما يحكى من الإجماع على عدم جواز بيع الكاليء بالكاليء وقد أخرجه أيضا الطبراني من حديث رافع بن خديج.
قوله: "ولا يتصرف فيه قبل قبضه".
أقول: لحديث جابر عند مسلم وغيره قال رسول الله ﷺ : "إذا ابتعت طعأما فلا تبعه حتى تستوفيه"، وأخرج مسلم "٤٠/١٥٢٨"، نحوه أيضا من حديث أبي هريرة وورد النهي على العموم من غير اقتصار على الطعام فأخرج أحمد عن حكيم ابن حزام قال قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: "إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" وأخرجه أيضا الطبراني في الكبير وفي إسناده العلاء بن خالد الواسطي وقد وثقه ابن حبان وأخرج أبو دأود والدارقطني والحاكم وابن حبان وصححاه من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلي رحالهم وفي الصحيحين بالبخاري "٤/٣٤٧"، مسلم "٣٨/١٥٢٧"، وغيرهما من حديث ابن عمر
стр. 518
قال: كانوا يبتاعون الطعام جزافا بأعلى السوق فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه وفي الصحيحين أيضا من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع طعأما فلا يبعه حتى يستوفيه"، قال ابن عباس ولا أحسب كل شيء إلا مثله وهذا الحسبان من ابن عباس قد دل عليه حديث حكيم بن حزام وزيد بن ثابت الذى ذكرناه.
فالحاصل أن بيع الشيء قبل قبضه منهى عنه وليس في الأحاديث إلا النهي عن البيع فلا يلحق به سائر التصرفات فلا وجه لقول المصنف ولا يتصرف فيه قبل قبضه فإن قيل إنها مقاسة عليه فهو قياس مردود بوجود الفارق وأما قوله ويبطل المبيع بتلفه فظاهر لأنه إذا تلف لم يبق ما هو متعلق به وشرط له أو ركن وهكذا استحقاقه لأنه انكشف أنه ملك لغير بائعه فلا نفوذ لما وقع منه وأما كونه يفسخ بالعيب فلما سيأتي في العيوب وأما كونه لا يبدل فلأن التراضي وقع عليه لا على غيره وذلك بيع آخر وإنما ذكر هذه الأمور ليبين أن الثمن لا يكون كذلك فالفصل معقود للفرق بين الثمن والمبيع.
قوله: "والثمن عكسه في ذلك".
أقول: وجهه أنه لم يرد فيه ما ورد من الأدلة في البيع من النهي عن أن يكون معدوما وان يباع قبل قبضه وإذا بطل الثمن فالمبيع باق وهو الذى اعتبروا فيه ما اعتبروا وقيم النقود متسأوية فإذا عدم شيء منها فمثله موجود بخلاف البيع فإن الغرض يتعلق بما وقع التراضي عليه وليست الأعيان المتفقة في الجنس والنوع متسأوية كتسأوي النقود بل مختلفة غاية التخالف والأعراض مختلفة فقد يكون قيمة هذه العين مثل عشر قيمة غيرها مع كون الجنس واحدا والنوع واحد ثم إن التراضي حال البيع على ثمن هو كذا من الدراهم أو الدنانير وليس المقصود للبائع إلا دفع ذلك العدد من ذلك النقد المتعامل به في البلد ولا يتعلق له عرض بغيره ولا بهذا منه دون هذا مع الاتحاد وعدم التفأوت ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وأهل السنن وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي من حديث ابن عمر قال أتيت النبي ﷺ فقلت إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء"، وهو صريح في جوز البيع بأحد النقدين وأخذ الآخر عوضا عنه وجواز التصرف بالثمن المسمى قبل قبضه.
قوله: "والقيمي والمسلم فيه مبيع أبدا".
أقول: اعلم أنه لا مستند لهذا إلا مجرد الرأي الراجع إلي اصطلاح حادث وعادات جارية والشرع أوسع من هذا وهكذا لغة العرب فإذا قال أحد المتبايعين للآخر بع مني هذه العين بهذه العين فباعها وتراضيا على ذلك كان هذا بيعا شرعيا ولغويا سواء كانا قيميين في اصطلاح أهل الفروع أو مثليين أو أحدهما قيميا والآخر مثليا إذا لم يكونا مما يحرم بيع أحدهما بالآخر مطلقا أو مشروطا بالتسأوي والمقايضة وقد رتبوا على هذا الاصطلاح أن المثلى لا يضمن إلا بمثله والقيمي لا يضمن إلا بقيمته وهو رأي بحت لم يقم به دليل ومنقوض أيضا بما ثبت في حديث
стр. 519
المصراة الصحيح المتفق عليه من قوله ﷺ : "ردها وصاعا من تمر"، فها هنا قد ضمن المثلي وهو اللبن بغير مثله ومنقوض أيضا بما ثبت: أن بعض أزواج النبي ﷺ أهدت له وهو عند عائشة صحفة فيها طعام فكسرتها عائشة فرد النبي ﷺ للمهدية صحفة عائشة [أحمد "٦/١٤٨" ٢٧٧"، أبو داود النسائي ٣٩٥٧"] ، فها هنا قد ضمن القيمي بمثله لا بقيمته.
[فصل
ويجوز معاملة الظالم بيعا وشراء في ما لم يظن تحريمه والعبد أو المميز فيما لم يظن حجرهما وهو بالخطر وولي مال الصغير إن فعل لمصلحة وهو أبوه ثم وصيه ثم جده ثم الإمام والحاكم ومنصوبهما والقول له في مصلحة الشراء وبيع سريع الفساد والمنقول وفي الإنفاق والتسليم لا الشراء من وارث مستغرق باع لا للقضاء وينفذ بالإيفاء أو الإبراء وبيع كل ذي نفع حلال جائز ولو إلي مستعمله في معصية غالبا أو واجب كالمصحف ومن ذي اليد ولا يكون قبضا إلا في المضمون غالبا ومؤجر ولا تنفسخ إلا أن يباع لعذر أو من المستأجر أو بإجازته والأجرة للمشتري من العقد ومجهول العين مخيرا فيه مدة معلومة وميراث علم جنسا ونصيبا ونصيب من زرع قد استحصد وإلا فمن الشريك فقط قيل وكامن يدل فرعه عليه وملصق كالفص ونحوه وإن تضرر غالبا ويخيران قبل الفصل وصبرة من مقدر كيلا أو وزنا أو عددا أو ذرعا مستو أو مختلف جزافا غير مستئنن إلا مشاعا أو مختارا أو كل كذا بكذا فيخير لمعرفة قدر الثمن أو على أنه مائة بكذا أو مائة كل كذا بكذا فإن نقص أو زاد في الآخرتين فسد في المختلف مطلقا وفي غيره بخير في النقص بين الفسخ والأخذ بالحصة إلا المذروع في الأولى فبالكل إن شاء وفي الزيادة ردها إلا المذروع فيأخذها بلا شيء في الأولى وبحصتها في الثانية أو يفسخ وبعض صبرة مشاعا أو مقدرا ميز في المختلف قبل البيع وعينت جهته في مختلف المذروع وكذا إن شرط الخيار مدة معلومة لا منها كذا بكذا إن نقصت أو كل كذا بكذا مطلقا فتفسد وتعين الأرض بما يميزها من إشارة أو حد أو لقب] .
قوله: فصل: "ويجوز معاملة الظالم بيعا وشراء فيما لم يظن تحريمه".
أقول: قد ثبت وقوع المعاملة منه ﷺ لمن يفد إلي المدينة من الأعراب الباقين على الشرك إذ ذاك وهكذا معاملة أصحابه ﵃ لهم بمرأى منه ﷺ ومسمع وهم في حال جأهليتهم مرتطمون في المحرمات مرتكبون للظلم وغالب ما في أيديهم مما يأخذونه قهرا وقسرا
стр. 520
وغضبا من أموال بعضهم بعضا مع كونهم مستمرين على ربا الجأهلية الذي هو الربا المحرم بلا خلاف وهكذا كان ﵌ وأصحابه يعاملون اليهود من أهل المدينة وممن حولها وهم مستحلون لكثير ما حرمه شرعنا وهكذا كان ﷺ يعامل هو وأصحابه أهل مكة قبل الهجرة ومن يرد إليها من طوائف الكفار ولم يسمع على كثرة هذه المعاملة وتطأول مدتها أنه ﷺ قال: هذا كافر لا تحل معاملته ولا قال أحد من الصحابة كذلك وإذا كان هذا في معاملة الكفار الذين هذا حالهم وملكهم فكيف لا تجوز معاملة من هو من المسلمين مع تلبسه بشيء من الظلم فإن مجرد كونه مسلما يردعه عن بعض ما حرمه الله عليه وإن وقع في بعض المحرمات تنزه عن بعضها فغاية الأمر ما في يده قد يكون مما هو حرام وقد يكون مما هو حلال ولا يحرم على الإنسان إلا ما هو نفس الحرام وعينه.
وأما طريقة الورع فلا شك أن الأمر كما قال رسول الله ﷺ فيما صح عنه: "الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات" [البخاري "١/١٢٦"، ٤/٢٩٠"، مسلم "٣٣٣٠"، الترمذي "١٢٠٥"، النسائي "٤٤٥٣"، ابن مكاجة "٣٩٨٤"] ، والمؤمنون وقافون عند الشبهات ولكنه قال لو كان هذا أعني معاملة الظالم من هذا القبيل لما فعله رسول الله ﷺ وفعله أصحابه مع علمه لذلك وتقريره له وإذا كان هذا في المعاملة بالبيع والشراء ونحوهما كان في قبول عطائهم وهباتهم كذلك فقد كان الصحابة بعد انقراض خلافة الخلفاء الراشدين يقبضون العطاء والجوائز والهبات ممن بعدهم مع تلبسهم بشيء مما لا يبيحه الشرع وعدم توقفهم على ما يسوغه الحق ولهذا يقول ﷺ : "الخلافة بعدي ثلاثون عأما ثم تكون ملكا عضوضا".
وأما قوله: "والعبد المميز فيما لم يظن حجرهما" فوجهه أن الأصل فيما في أيديهما وقوع الإذن لهما بالتصرف فيه عملا باليد الثابتة عليه ومع ظن الحجر لهما ينتفي ذلك الأصل وإذا انكشف أنهما غير مأذونين كان الضمان متعلقا برقبة العبد ومال الصبي لأنه جناية منهما وهي مضمونة عليهما ولهذا قال وهو بالخطر فإنه تحذير للمعامل لهما لأنه قد لا يكون للصبي المميز مال وقد تكون رقبة العبد قاصرة عن الوفاء بجنايته وقد تقع أمثال هذه الجناية والجميع متعلق برقبته فلا يحصل للفرد من المعاملين له إلا النزر اليسير.
قوله: "وولي مال الصغير إن فعل لمصلحة".
أقول: وجهه أن الحاجة لمثل الصغير والمجنون قد تدعو إلي بيع شيء من ماله أو شراء شيء له لحاجة لا عذر عنها وهو صغير لا يصلح لذلك لعدم بلوغه سن الرشد والمجنون لا يدرك شيئا ولا يفرق بين المصلحة والمفسدة فلا بد من أن يتولى التصرف عنهما غيرهما ولكن إن فعل ذلك لمصلحة وإلا كان تصرفه ردا عليه والمصلحة هى على الحد الذى ذكره الله سبحانه في أموال اليتامى وأما قوله وهو أبوه فاعلم أن الله سبحانه قد ذكر الولي في كتابه العزيز فقال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ فجعل الأمر في هذا الذي لا يستطيع أن يمل إلي وليه واكتفى باملاله عنه فكان هذا دليلا من الكتاب العزيز على أن الولي ينوب عمن لا يستطيع أن يفعل كما يفعله غيره في
стр. 521
التصرفات والإقرارات والإنشاءات إلحاقا لغير هذا الفرد المنصوص عليه بعد لعدم الفارق وتقييد ما في الآية بقوله بالعدل مرشد إلي ما تقدم من قول المصنف إن فعل لمصلحة فإن إيقاع الأمر على وجه العدل هو المصلحة التي ليس وراءها مصلحة وكما ثبت في الكتاب العزيز ذكر الولي الذي يتصرف عن غيره ثبت أيضا في السنة ذكر الولي في النكاح بما صح عنه ﵌ من قوله: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل"، [أحمد "٦/٤٧، ١٦٥"، أبو داود "٢٠٨٣"، ابن ماجة "١٨٧٩"، الترمذي "١١٠٢"، فإن هذا ولي جعل إليه النبي ﷺ عقد النكاح للمرأة وقد كان يعقد نكاح النساء في زمن النبوءة قرابتهن وكان يقدم الأقرب فالأقرب فإذا كان الأب موجودا كان ذلك إليه كما كان من أبي بكر وعمر في تزويجهما عائشة وحفصة من رسول الله ﷺ وكما كان منه ﷺ من تزويج بناته وهكذا كان عمل سائر الصحابة ثم إذا عدم الأب تولى ذلك الأقرب إلي المرأة فعرف بهذا أن الولي في النكاح هم القرابة مع تقديم الأقرب فالأقرب فكان ذلك كالتفسير للولي المذكور في الآية فيلي أمر الصغير ونحوه أبوه فإن عدم الأب فالأقرب فالأقرب ممن له عليه مزيد حنو ورأفة فإن ذلك أقرب إلي رعاية مصلحته وعلى كل حال فعليه أن يتحرى العدل كما ذكره الله سبحانه في تلك الآية هذا إذا أردنا معرفة الولي شرعا فإن ما ذكرناه يدل عليه ومعلوم أن الأب هو الأقرب والأكثر حنوا ورأفة ويليه الجد فإنه كالأب في مزيد حنوه ورأفته على ابن ابنه وقد يزيد على الأب في ذلك ثم الإخوة والأعمام ثم الأقرب فالأقرب فمهما وجدت القرابة كانت صالحة لجعلها مناطا لثبوت كون صاحبها وليا مع عدم وجود من هو أقرب منه ومما يقوي ما ذكرناه قول الله : ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال ٧٥] ، فهذه الآية أثبتت بعمومها الأولوية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ولو رجعنا إلي اللغة لدلت على ما ذكرناه فإن الولي القريب والولي القرب والدنو وقد ذكر أهل اللغة للولي غير هذا المعنى ولكنه لا يناسب المقام وإذا تقرر لك هذا فأعلم أنه لا وجه لإثبات الولاية لوصي الأب ووصي الجد أصلا لأن الموصي إليهما قد انقطعت ولايته بموته مع كون الحنو والرأفة اللذين هما سبب جعل الولي وليا معدومين فيهما وأما الإمام والحاكم فلهما ولاية عامة تشمل هذه الولاية فمن هذه الجهة العامة لهما ولاية وأما مع وجود الولي الخاص فهو أقدم منهما ولهذا يقول ﷺ في الحديث الذى قدمناه في النكاح: "فإن اشتجر الأولياء فالسلطان ولي من لا ولي له"، فجعل ثبوت ولايته في النكاح مشروطة بأشتجار الأولياء فأفاد ذلك أنه لا ولاية للإمام والحاكم مع وجود الأولياء إذا لم يشتجروا.
قوله: "والقول له في مصلحة الشراء وبيع سريع الفساد والمنقول".
أقول: قد قررنا أن لمن كان وليا على الصفة التى حررناها ولاية شرعية وموجب هذه الولاية أن يكون القول قوله في ذلك لأنه متصرف بأمر الشرع ومأمور بالعدل فلو عاد خصما مخاصما وكلف البينة على تصرفاته لكان ذلك مخالفا للولاية الشرعية وأما ما قيل من أن الأصل في الأولياء عدم الصلاح فمجرد رأى بحت بل الأصل فيهم الصلاح وفي تصرفاتهم الصحة ومن
стр. 522
ادعى غير ذلك فهو مدع لخلاف الظاهر فإن جاء ببرهان يقتضي صحة دعواه فذاك وإلا فلا قبول لمجرد دعواه.
وأما قوله: "وفي الإنفاق" فكذلك أيضا لأن الله سبحانه قد جعل الأمر في أموال اليتامى مناطا بالأولياء فلا وجه لعدم قبول قولهم فيما أنفقوه عليهم لأنهم باشروا ما باشروه منها بأمر الله والمفروض أنهم من أهل الأمانة ومن المتصرفين بالعدل أما إذا تقرر أنهم من أهل الخيانة ومن المتصرفين بالجور منهم لم لا يتوقفوا على ما أمرهم الله به فيضمنون ما تصرفوا فيه بغير ما أمر الله به.
وأما قوله: "في التسليم" فلا بد من تقييد ذلك بأمرين.
الأول: أن يكون اليتيم ونحوه حال النزاع قد بلغ سن الرشد لقوله : ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] ، فلو لم يكن قد بلغ تلك السن كان الولي متعديا بتسليم المال إليه ومع كونه مخالفا لما أمر الله به لا يكون القول قوله لأن الولاية الشرعية تقتضي أن لا يدفع إليه ماله إلا مع إيناس الرشد فدعواه أنه دفعه إليه قبلها يوجب بطلان ولايته والقدح في عدالته وهو لم يقبل قوله إلا لمجموع الولاية والعدالة.
الأمر الثاني: أن يشهد على تسليم ماله إليه كما أمره الله سبحانه بقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦] ، فإذا لم يشهد فقد أخل بواجب عليه فعليه أن يأتي بما يصدق قوله أو يصحح دعواه.
وأما قوله: "ولا الشراء من وارث مستغرق باع لا للقضاء" فإن فعل ذلك عمدا بعد عمله باستغراق التركة بالدين وأن البائع باع لهما للقضاء فهذه خيانة منه فلا ينفذ تصرفه وإن فعل ذلك جأهلا فولايته باقية وعليه الإستدراك بحسب الإمكان فإن تعذر ذلك فلا ضمان عليه لأنه قد فعل ما يظنه صلاحا وهو أمين ولم يحسن ولا فرط وسواء وقع الإيفاء أو الإبراء أو لم يقع واحدا منهما.
قوله: "وبيع كل ذي نفع حلال جائز".
أقول: قد أراد المصنف بهذا الإشارة إلي ما هو جائز للبيع وإلي ما لا يجوز بيعه فكل ما كان يتعلق به منفعة يحلها الشرع فبيعه جائز وكل ما كان لا منفعة له أصلا وكانت تلك المنفعة غير جائزة فبيعه غير جائز لأن الوسيلة إلي الحرام حرام ولكن لا بد أن يكون النفع في ذلك الشيء لا يكون في حرام على كل حال أما لو كان مما يمكن أن يكون نفعه حلالا في حالة وحرأما في حالة أو مما يستعمله هذا في حرام وهذا في حلال فإن علم البائع أن ذلك المشتري لا يستعمله إلا في حرام لم يحل بيعه وإن علم أنه يستعمله في حلال حل بيعه وإن بقي الأمر ملتبسا مع إمكان استعماله في الحلال والحرام جاز بيعه لأنه لم يوجد المانع من البيع ومجرد التردد مع عدم الترجيح لا اعتبار به.
فإن قلت وما الدليل الذى دل على المنع مما نفعه حرم قلت ما ثبت عنه ﷺ في
стр. 523
الصحيحين [البخاري "٢٢٣٦"، مسلم "١٥٨١"، وغيرهما [أحمد "٣/٣٢٤، ٣٢٦"، أبو داود "٣٤٨٦"، الترمذي "١٢٩٧"، النسائي "٧/٣٠٩، ٣١٠"، ابن ماجة "٢١٦٧"] ، من حديث جابر قال إنه سمع النبي ﷺ يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس, فقال: "لا هو حرام"، فصرح ﷺ بأن بيع ذلك حرام مع بيانهم لوجوه الانتفاع به ثم قال بعد ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه" وأخرج أحمد وأبو دأود بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه"، فصرح ﷺ بأن الحرمة مانعة من البيع والتحريم كما يكون في أعيان الأشياء يكون أيضا في منافعها ولهذا قال رسول الله ﷺ : "لا تبيعوا القينات المغنيات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام"، فجعل ﷺ ثمنهن حرأما لأن الغالب أنهن لا يبعن إلا للغناء مع كون الانتفاع بهن في غيره ممكنا كالوطئ والخدمة أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة وقال غريب انتهى ولكن له شواهد تقويه.
فالحاصل أنه إذا كان الغالب في الانتفاع بالمبيع هو المنفعة المحرمة فلا يجوز بيعه وكانت هذه الغلبة توجب حصول الظن للبائع بأن المشتري ما أراد بشرائه لتلك العين إلا تلك المنفعة المحرمة وأما إذا لم تكن ثم غلبة فالأمر كما قدمنا ومن هذا بيع العنب والتمر إلي من يغلب على الظن أنه يتخذه خمرا وبيع آلات الملاهي إلي من يلهو بها فإن ذلك غير جائز لأن تلك المنفعة حرام وكل حرام يحرم بيعه والمنفعة هى المقصودة لا مجرد العين من غير نظر إلي وجه من وجوه الانتفاع بها فما كان للمصنف أن يقول ولو إلي مستعمله فإن البيع إليه مع العلم والظن بأنه يستعمله في معصية لا يجوز لما تقدم بل يحرم مثلا بيع الحمار الأهلي إذا علم البائع أو ظن أن المشتري اشتراه ليأكله لأن هذا البيع وسيلة إلي الحرام وذريعة إلي ما لا يحل ووسائل الحرام حرام وقد أخرج الطبراني والبيهقي من طريق محمد بن أحمد بن أبي خيثمة عن بريدة مرفوعا: "من حبس العنب آيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو من نصراني أو ممن يتخذه خمرا فقد تقحم النار على بصيرة" زاد البيهقي: "أو ممن يعلم أنه يتخذه خمرا" وحسنه ابن حجر في بلوغ المرام.
قوله: "أو واجب كالمصحف".
أقول: المصحف هو آكد لتلأوة القرآن وأما تعلم ما يجب على الإنسان تعلمه فلا دخل للمصحف في ذلك لأنه يتعلمه من المعلم كالفاتحة وسورة فإن العامي لو أخذ المصحف وأراد أن يتعلم ذلك لم يدر ما يقول حتى يتعلم ذلك مشافهة وأما ما روي عن بعض السلف من المنع عن بيع المصحف فليس عليه أثاره من علم وأي شراء أطيب من شراء من يستعمل تلك العين المشتراة في طاعة الله سبحانه كالمجاهد يشتري السيف ليقاتل به الكفار ويجاهد به في سبيل الله ومعلوم أن الجهاد أعظم فرائض الإسلام فلو كان بيع الشيء الذي يستعمله مشتريه في
стр. 524
واجب غير جائز كما قال ذلك البعض لحرم ببيع ما يحتاجه المجاهد للجهاد وما يتجهز به للحج وما يلبسه للصلاة وما يتسحر به للصيام وما ينفقه على ما يجب عليه انفاقه.
قوله: "ومن ذي اليد" الخ.
أقول: إذا ما حصل مناط البيع وهو التراضي المذكور في الكتاب العزيز صار ذلك المبيع ملكا للمشتري وليس هذا من بيع البائع لما ليس عنده حتى يدخل في النهي المتقدم قريبا بل يد الأمين يد من أئتمنه ويكفي المشتري ما وقع من التراضي فإنه قد سلطه بذلك على قبض العين التى لديه وأما إذا كانت العين في يد غاصب لها ممتنع من ردها فقد يندرج ذلك تحت بيع البائع لما ليس عنده فيدخل تحت النهي لأن الغاصب قد حال بينه وبينها باستيلائه عليها عدوانا فلا بد من قبضها منه ثم بيعها إليه.
والحاصل أن إيجاب تحديد القبض والفرق بين المضمون وغير المضمون من غرائب الرأي وعجائب الاجتهاد وليس ذلك بمستنكر من الجامدين على ما وجدوه في كتب الفروع.
قوله: "ومؤجر ولا تنفسخ إلا أن يباع لعذر" الخ.
أقول: إذا أخرج المالك تلك العين من ملكه فقد بطل ما فعله من التأجير فيها لأن إجارته إنما تصح ما دام مالكا للعين وبعد خروجها عن ملكه قد صارت ملكا للمشتري وهو بالخيار أما رضي بتأجيرها من ذلك المستأجر أو نزعها من يده فكونه لا ينفذ له تصرف بالبيع في ملكه مع تأجير منافعها لا يصلح مانعا لأن تسليط المستأجر على الانتفاع بالعين هو إلي مقابل أجرة وقد اختار المالك أن يخرجها عن ملكه وهو محكم في ملكه ولم يرد ما يدل على أن هذا التأجير من موانع البيع حتى يقال اقتضى ذلك الدليل وعلى فرض ورود ما يدل على لزوم الاستمرار على ما اقتضاه عقد الإجارة فهو مقيد ببقاء الملك ولم يبق ها هنا فالظاهر جواز بيع العين المؤجرة سواء كان ذلك لعذر أو لغير عذر وسواء كان من المستأجر أو غيره وسواء رضي المستأجر أم لم يرض ومع هذا فكل بائع لا يبيع العين المؤجرة إلا وقد وجد البيع أنفع له من الاستمرار على التأجير وهذا عذر وأيضا هو بالبيع قد زال الغرض الذى كان له في عقد الإجارة وسيأتي أن من أسباب انفساخ الإجارة الصحيحة العذر الزائل معه الغرض بعقدها وهذا قد زال غرضه من الإجارة بترجيح جانب البيع.
قوله: "ومجهول العين مخيرا فيه مدة معلومة".
أقول: وجه الصحة أن الخيار في الاختيار رافع للجهالة باعتبار الانتهاء وإن كان مجهولا في الابتداء فلا غرر حينئذ عند انجاز البيع وهو وقت الاختيار ومن منع من ذلك نظر إلي أنه وقع البيع لشيء مجهول وإرتفاع الجهالة من بعد لا يقتضي الصحة والقول بالصحة أرجح لأن المانع منها مع التخيير لا يصلح للمانعية وقد ثبت في الصحيحين [البخاري "٤/٣٢٦، ٤/٣٢٧"، مسلم "٤٣/١٥٣١"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٤٥٤، ٣٤٥٥"، الترمذي "١٢٤٥"، النسائي "٧/٢٤٨، ٢٤٩"، ابن ماجة "٢١٨١"، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا
стр. 525
أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع الخيار" وفي لفظ لهما: "أو يخير أحدهما الآخر فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع" وفي لفظ لهما أيضا: "كل بيعين لا بيع بينهما حتى يتفرقا إلا بيع الخيار" ولا يخفاك أن بيع مجهول العين مع التخيير داخل في ذلك وفي الباب أحاديث.
قوله: "وميراث علم جنسا ونصيبا".
أقول: لا شك ولا ريب أن قول القائل مثلا بعت منك نصيبي مما ورثته من فلان وهو الثلث أو الربع أو نحوهما من الأراضي أو الدور أو البقر أو الغنم أو نحو ذلك مجهول الكمية والكيفية وما كان كذلك فهو مجهول الكنه.
ومن جملة ما يصدق عليه بيع الغرر الذى ورد النهي عنه في الأحاديث الصحيحة بيع المجهول بأي نوع من أنواع الجهالة كما يفيد ذلك أقوال أئمة اللغة فالعلم بالجنس والنصيب لا يرفع الجهالة فلا يكون ذلك مسوغا للبيع.
والحاصل أن أدلة النهي عن بيع الغرر قد تنأولت هذا وما فوقه في الجهالة وما هو دونه فلا يخرج عن ذلك إلا ما خصصه الدليل من هذا العموم كبيع الغائب وبيع الجزاف كما سيأتي ولا وجه لقول المصنف وميراث بل كل شيء معلوم الجنس والنصيب الكلام فيه كالكلام فى الميراث المعلوم جنسا ونصيبا.
قوله: "ونصيب من زرع قد استحصد".
أقول: وجهه ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة وما أخرجه أحمد وأبو دأود والترمذي وابن ماجه وابن حبان والحاكم وصححه من حديث أنس قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد ولكن هذين الحديثين إنما يدلان على النهي من البيع إذا كان الزرع قد سنبل حتى يبيض وإذا كان الزرع قد صار حبا حتى يشتد وأما بيعه قبل أن يسنبل ويظهر فيه الحب وهو الذى يقال له بيع القصيل فقال ابن رسلان في شرح سنن أبي دأود واتفق العلماء المشهورون على جواز بيع القصيل بشرط القطع وخالف سفيان الثوري وابن أبي ليلى فقالا لا يصح بيعه بشرط القطع قال وقد اتفق الكل على أنه لا يصح بيع القصيل من غير شرط القطع وخالف ابن حزم الظاهري فأجاز بيعه من غير شرط القطع انتهى ولا يصدق على بيع القصيل أنه بيع المخاضرة الذى ورد النهي عنه لأن في كتب اللغة ما يدل على أن بيع المخاضرة بيع الثمار قبل بدو صلاحها والثمار هى حمل الشجر فلا يتنأول الزرع كما في كتب اللغة أيضا وقد قسر بعض أهل العلم المحاقلة ببيع الزرع قبل أن يغلظ سوقه فإن صح ذلك كان دليلا على المنع وإلا كان الظاهر ما قاله ابن حزم من
стр. 526
جواز بيع القصيل مطلقا ولا وجه لقول المصنف وإلا فمن الشريك فقط لأنه تخصيص للحديثين المذكورين بغير مخصص وأما توهم أن الشريكين لا يقسمان الزرع إلا عند الحصاد فغير صحيح فإنه قد يتعلق لهما غرض بالقسمة قبل ذلك على أن مثل هذا لو صح لم يصح مخصصا لجواز تلف الزرع قبل بلوغ وقت الحصاد وذلك هو العلة في النهي عن البيع.
قوله: "قيل: وكامن يدل فرعه عليه".
أقول: إن كانت هذه الدلالة بحيث تتميز عند البائع والمشتري ويعرفان كيفيته وكميته كان ذلك خارجا عن بيع الغرر المنهى عنه وإن كانت هذه الدلالة قاصرة عن ذلك فلا يحل بيعه حتى يخرج ذلك الكامن من الأرض ويحصل الإطلاع عليه ومعرفته بالكنه ومن جوز ذلك مستدلا بما جرت عليه عادة الناس فلم يصب فإن مثل ذلك لا يصلح لتخصيص الأدلة وأما قوله وملصق كالفص ونحوه فإن كان مجرد الإلصاق لا يوجب الجهالة فالبيع صحيح وإلا فلا لأنه من بيع الغرر وأما الفصل للفص فمرجعه تراضيهما فإن تراضيا على ذلك صح سواء حصل التضرر أم لم يحصل وأما تخييرهما قبل الفصل فوجهه أنه إذا كان في الفصل مضرة على الملصق أو الملصق به ولم يحصل التراضي عليه كان ذلك في حكم تعذر تسليم المبيع وسيأتي أنه من الخيارات المذكورة في باب الخيارات.
قوله: "وصبرة" إلي قوله: "جزافا".
أقول: جاز بيع الجزاف بالدليل الذى خصصه من أحاديث النهي عن بيع الغرر وهو ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال كانوا يبتاعون الطعام جزافا على السوق فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه قال ابن قدامة يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها انتهى.
وإنما قلنا إن الدليل الوارد بجواز بيع الجزاف مخصص لأحاديث النهي عن بيع الغرر لأن في بيع الجزاف غررا في الجملة إذ الجزاف هو ما لم يعلم قدره على التفصيل.
وأما قوله: "غير مستثن إلا مشاعا" فوجهه أن الاستثناء يزيد في الجهالة الكائنة في الصبرة زيادة على الجهالة التى خصصها الدليل فلا يدخل بعد هذه الجهالة في التخصيص وأما إذا كان المستثنى جزءا مشاعا فلا بأس به فإنه لا يوجب مزيد جهالة وهكذا مع الاختيار لما قدمنا قريبا.
وأما ما ذكره من قوله: "أو كل كذا بكذا" أو ما بعده من الصور فإن كان وقوع ذلك يرفع من مطلق الجهالة شيئا فهو وإن كان بيع جزاف لكنه قد توصل إلي تفصيله من وجه والتخيير لمعرفة مقدار الثمن صحيح لأنه عند هذا التفصيل جهل المشتري ما يلزمه من الثمن وأما الصورة الثانية والثالثة فالأولى عدم الحكم بالفساد مع الزيادة والنقص بل مجرد إثبات الخيار يكفي كالصورة الأولى وبهذا تعرف عدم الحاجة إلي الكلام على بقية ما في هذا الفصل فإن ما ذكرناه يبصرك بما ينبغي أن يقال في كل ذلك.
стр. 527
[فصل
ولا يجوز مطلقا بيع الحر فيؤدب العالم ويرد القابض إلا الصبي ما أتلف فأن غاب منقطعة فالمدلس ويرجع وإلا فلا ولا أم الولد والنجس وماء الفحل للضراب وأرض مكة وما لا نفع فيه مطلقا] .
قوله: "فصل: ولا يجوز مطلقا بيع الحر".
أقول: تحريم هذا من قطعيات الشريعة وإجماع أهل الإسلام على التحريم معلوم ولا يحتاج إلي الاستدلال على مثله والتعرض بما يستحقه الفاعل لهذا الحرام غير مناسب للمقام بل الذى يستحقه من العقوبة هو سخط الله عليه وغضبه وأليم عقابه ولم يرد على ذلك في الشريعة عقوبة معينة في الدنيا ولا هو من الأمور التى يجب الحد على فاعلها فقول المصنف فيؤدب العالم كلام في غير موضعه وعلى غير قانون الشرع وأما كونه يرد البائع ما قبضه من قيمة الحر فواضح لا يحتاج إلي ذكره.
وقوله: "إلا الصبي ما أتلف" فلا يخفى أن ذلك جناية منه على المشتري والصبي يضمن ما جناه لأن ذلك من أحكام الوضع لا من أحكام التكليف فلا وجه لإسقاط الضمان عنه سواء باع نفسه أو غيره.
وأما قوله: "فإن غاب منقطعة فالمدلس" فكان الأولى أن يقول فإن لم يمكن الرجوع عليه فعلى المدلس ولا وجه للتنصيص على مجرد الغربة الموصوفة بالانقطاع فإن افتقاره وموته ولا مال له كذلك ووجه تضمين المدلس أنه مشارك بتدليسه في الجناية الواقعة من البائع.
قوله: "ولا أم الولد".
أقول: استدل المانعون بحديث ابن عباس عن ابن ماجه والدارقطني والبيهقي قال ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ قال: "أعتقها ولدها"، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف قال البيهقي وروى عن ابن عباس من قوله ورواه البيهقي من حديث ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال لأم إبراهيم: "أعتقك ولدك"، وهو معضل ورواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن مصعب عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس فذكره وقال صح هذا بسند رواته ثقات يعني هذا السند الذى ذكره وتعقبه ابن القطان بأن قوله عن محمد بن مصعب خطأ وإنما هو عن محمد وهو ابن وضاح عن مصعب وهو ابن سعيد المصيصي وفيه ضعف.
وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عند دبر منه"، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف كما تقدم ورجع جماعة وقفه وأخرج الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: "لا يبعن ولا يوهبن
стр. 528
ولا يورثن يستمتع بها السيد ما دام حيا وإذا مات فهي حرة"، قال البيهقي وعبد الحق والصحيح وقفه على عمر وقد رواه مالك في الموطأ والدارقطني من طريق أخرى عن ابن عمر عن عمر ورواه أحمد في مسنده عن الخطاب بن صالح عن أمه قالت حدثتني سلامة بنت معقل قالت كنت للحباب ابن عمرو ولي منه غلام فقالت لي امرأته الآن تباعين في دينه فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "من صاحب تركة الحباب بن عمرو؟ " قالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو فدعاه فقال: "لا تبيعوها وأعتقوها فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فأتوني أعوضكم"، ففعلوا واختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال قوم: أم الولد مملوكة لولا ذلك لم يعوضكم رسول الله ﷺ وقال قوم: هي حرة قد أعتقها رسول الله ﷺ ففي كان الاختلاف وقد أخرجه أبو دأود بإسناد صالح وذكر البيهقي أنه أحسن شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ فهذا جملة ما استدل به المانعون من البيع ولا احتمال في حديث سلامة بنت معقل لأن النبي ﷺ قد أمرهم بإعتاقها ونهاهم عن بيعها وذلك هو محل الاستدلال وأما ما وعدهم به من العوض فذلك من حسن أخلاقه الشريفة ومن كرمه الفياض وجمله ما ذكرناه من الأحاديث يقوي بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فينتهض للاستدلال به على عدم جواز بيع أمهات الأولاد ويؤيد ذلك ما ثبت في اصحيح البخاري وغيره عن أبي سعيد قال جاء رجل من الأنصار فقال يا رسول الله إنا نصيب سبيا فنحب الأثمان فكيف ترى في العزل فقال النبي ﷺ : "وإنكم لتفعلون ذلك لا عليكم أن لا تفعلوا"، الحديث فإن قول السائل ونحب الأثمان فيه إشارة إلي أنهن إذا ولدن لم يجز بيعهن وأما ما أخرجه أحمد وابن ماجه والشافعي والبيهقي عن جابر أنه قال كنا نبيع أمهات أولادنا والنبي ﷺ حتى لا نرى بذلك بأسا وما أخرجه أبو دأود وابن حبان والحاكم عن جابر أيضا قال بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فأنتهينا فليس في حديثه هذا المروي من الطريقين عنه أن النبي ﷺ أطلع على ذلك وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على المنع وقد حكى القول بالجواز عن علي وابن عباس وابن الزبير وروى عنهم الرجوع كما حكى ابن رسلان في شرح السنن وأخرج عبد الرزاق عن علي بإسناد صحيح أنه رجع عن الجواز إلي المنع وإلي المنع ذهب الجمهور من أهل العلم وقد قيل أنه إجماع وهو غير مسلم.
قوله: "والنجس".
أقول: أراد المصنف بهذا ما هو عنده نجس كما تقدم في النجاسات فيشكل مثل الكلب والخنزير والخمر والنجاسة العينية كالعذرة وماله حكمها وقد جاءت الأدلة الصحيحة في تحريم بيع أمور أما لكونه نجسا في نفسه أو لكونه يحرم الانتفاع به فمن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، وفي الصحيحين [البخاري "٤/٤٢٤"، مسلم "٧١/١٥٨١"] ، وغيرهما من حديث أبي جحيفة أنه اشترى حجأما فأمر فكسرت محاجمه وقال: إن
стр. 529
رسول الله ﷺ حرم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي وفي الصحيحين [البخاري "٤/٤٢٦"، مسلم "٣٩/١٥٦٧"، وغيرهما [أبو داود "٣٤٨١"، الترمذي "١٢٦٧"، النسائي "٧/٣٠٩"، ابن ماجة "٢١٥٩"، أحمد "٤/١١٨، ١١٩، ١٢٠"] ، أيضا من حديث أبي مسعود البدري عقبة بن عمر وقال نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلو ان الكاهن وأخرج أحمد وأبو دأود بإسناد رجاله ثقات عن ابن عباس قال نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فملأ كفه ترابا"، وفي صحيح مسلم وغيره عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الخمر وحكى صاحب فتح الباري الإجماع على تحريم بيع الخنزير وذهب الجمهور إلي تحريم بيع الكلب وهو الحق وأما استثناء كلب الصيد فقد استدل له بما أخرجه النسائي من حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد قال في الفتح: ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته انتهى وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر قال يحيى بن معين ليس بشيء وضعفه أحمد وقال ابن حبان لا أصل له وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة وفي إسناده أبو المهزم وهو ضعيف بل متروك فلم يصح الاستثناء بدليل تقوم به الحجة وإذا عرفت هذا فبيع تلك الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث حرام باطل ومن جادل في ذلك وألزم بإلزامات مذهبية فهو منتصب للرد على رسول الله ﷺ وما لنا ولكون فلان لم يعمل بكذا أو ترك العمل بكذا فلزمه كذا فإن هذه المباحثة بالجهل أشبه منها بالعلم واستعمال القواعد الجدلية عند الكلام على الأدلة الشرعية من التلاعب الذى لا يرضاه متدين وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولم يضع أهل العلم تلك القواعد الجدلية المذكورة في علم المناظرة إلا لتدريب أذهان المتنازعين في علم الرأي ورياضة أفهامهم ولا يستجيز مسلم أن يثبت بها أحكام الشرع أو يبطلها ومن زعم خلاف هذا فمن قصوره أتي ومن تفريطه أصيب وأما تحريم بيع العذرة وماله حكمها من النجاسات فهو مجمع عليه.
قوله: "وأما الفحل للضراب".
أقول: لما في اصحيح البخاري "٤/٤٦١"، وغيره [أبو داود "٣٤٢٩"، الترمذي "١٢٧٣"، النسائي "٧٤٧١"، أحمد "٢/١٤"] ، من حديث ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل ولما في مسلم وغيره من حديث جابر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ضراب الفحل وفي الباب أحاديث والنهي حقيقة في التحريم وإلي التحريم ذهب الجمهور وهو الحق وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أنس أن رجلا من بني كلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل فنهاه فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في الكرامة قال الترمذي: حديث حسن غريب فغاية ما فيه أنه يجوز لصاحب الفحل أن يقبل ما أهدي إليه من غير اشتراط ولا مبايعة فلا ينافي أحاديث النهي ولا يصرفها عن معناها الحقيقي.
стр. 530
قوله: "وأرض مكة".
أقول: أعلم أن الأصل في كل شيء أنه يجوز للمالك أن يتصرف فيه بما شاء من أنواع التصرفات كما يفيده قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] ، وإذا كانت هذه الأعيان المخلوقة الموجودة في الأرض لنفع الناس جاز لهم تملكها والتصرف فيها كيف شاؤا حتى يقوم الدليل الصحيح الناقل عن حكم الأصل فيجب الرجوع إليه والعمل به ولم يستدل المانعون من بيع أرض مكة إلا بقوله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] ، وهذه الآية محتملة لأمرين أحدهما أن يراد المسجد فلا يكون فيها دليل للمستدل والأمر الثاني أن يراد ما هو أعم من ذلك والمحتمل لا يصلح الاستدلال به ولا تقوم به الحجة لا سيما مع قوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه [البخاري "١٥٨٨، ٢٠٥٨، ٤٢٨٢"، مسلم "٤٣٩، ٤٤٠/١٣٥١"] ، أن أسامة بن زيد قال للنبي ﷺ أين تنزل غدا يا رسول الله؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" فلو كان البيع باطلا لأبطله ﷺ ولم ينفذه.
والحاصل أن البيع هو الذى كان عليه عمل أهل الجأهلية ثم عمل عليه أهل الإسلام بعدهم حتى قيل إن الجواز أمر مجمع عليه بين الصحابة لا يختلفون فيه فالقائلون بعدم الجواز إن جاؤا بدليل ينتهض للاحتجاج ويخلص عن شائبة الاحتمال فذاك ولكنهم لم يأتوا بشيء وأما ما يروى من نهيه ﷺ عن بيع رباع مكة وعن إجارتها فعلى المستدل به أن يصححه وإلا كان وجوده كعدمه ومع ما ذكرنا مع أن البيع كان عليه عمل أهل الجأهلية الذي ثبت عنه ﷺ تقريره وعدم إنكاره وعمل الصحابة ﵃ في عصره ﷺ وبعد عصره فهو أيضا الذي عليه العمل من أهل الإسلام قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر فكيف يقبل في مثل هذا الأمر ما لا تقوم به الحجة ولا ينتهض لمعارضته ما هو دون ذلك بمسافات.
قوله: "وما لا نفع فيه مطلقا".
أقول: هذا قد أغنى عنه ما تقدم من قوله وبيع كل ذي نفع حلال جائز ولكنه أراد هنا أن يستوفي بيان ما لا يجوز بيعه مع أنه أخل بأشياء كثيرة وردت بالمنع من بيعها الأدلة الصحيحة ثم وجه عدم جواز بيع ما لا نفع فيه مطلقا هو كونه من أكل أموال الناس بالباطل ومن إضاعة المال وقد ورد النهي عن الأول في الكتاب العزيز وورد النهي عن الثاني في الأحاديث الصحيحة والاعتبار بالغالب فإن كان الغالب من الناس لا ينتفع بتلك العين لم يبعها فإن قلت قد تدعو حاجة البائع إلي البيع وحاجة المشتري إلي الشراء في الشيء الذى لا نفع فيه عند غالب الناس؟ قلت: قد صار بهذه الحاجة إلي بيعه وشرائه ذا نفع فيجوز بيعه وليس في هذا من الدور الذى زعمه الجلال في شرحه شيء لأن جواز البيع ترتب على الحاجة ولم تترتب الحاجة على جواز البيع وهكذا ترتب عدم جواز بيعه على عدم نفعه ولم يترتب عدم نفعه على عدم جواز بيعه ومعلوم أن الدور هو عدم تناهي التوقفات في أمور متناهية وأين هذا منها.
следующие страницы →