← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

جواز بيع القصيل مطلقا ولا وجه لقول المصنف وإلا فمن الشريك فقط لأنه تخصيص للحديثين المذكورين بغير مخصص وأما توهم أن الشريكين لا يقسمان الزرع إلا عند الحصاد فغير صحيح فإنه قد يتعلق لهما غرض بالقسمة قبل ذلك على أن مثل هذا لو صح لم يصح مخصصا لجواز تلف الزرع قبل بلوغ وقت الحصاد وذلك هو العلة في النهي عن البيع. قوله: "قيل: وكامن يدل فرعه عليه". أقول: إن كانت هذه الدلالة بحيث تتميز عند البائع والمشتري ويعرفان كيفيته وكميته كان ذلك خارجا عن بيع الغرر المنهى عنه وإن كانت هذه الدلالة قاصرة عن ذلك فلا يحل بيعه حتى يخرج ذلك الكامن من الأرض ويحصل الإطلاع عليه ومعرفته بالكنه ومن جوز ذلك مستدلا بما جرت عليه عادة الناس فلم يصب فإن مثل ذلك لا يصلح لتخصيص الأدلة وأما قوله وملصق كالفص ونحوه فإن كان مجرد الإلصاق لا يوجب الجهالة فالبيع صحيح وإلا فلا لأنه من بيع الغرر وأما الفصل للفص فمرجعه تراضيهما فإن تراضيا على ذلك صح سواء حصل التضرر أم لم يحصل وأما تخييرهما قبل الفصل فوجهه أنه إذا كان في الفصل مضرة على الملصق أو الملصق به ولم يحصل التراضي عليه كان ذلك في حكم تعذر تسليم المبيع وسيأتي أنه من الخيارات المذكورة في باب الخيارات. قوله: "وصبرة" إلي قوله: "جزافا". أقول: جاز بيع الجزاف بالدليل الذى خصصه من أحاديث النهي عن بيع الغرر وهو ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال كانوا يبتاعون الطعام جزافا على السوق فنهاهم رسول الله ﷺ أن يبيعوه حتى ينقلوه قال ابن قدامة يجوز بيع الصبرة جزافا لا نعلم فيه خلافا إذا جهل البائع والمشتري قدرها انتهى. وإنما قلنا إن الدليل الوارد بجواز بيع الجزاف مخصص لأحاديث النهي عن بيع الغرر لأن في بيع الجزاف غررا في الجملة إذ الجزاف هو ما لم يعلم قدره على التفصيل. وأما قوله: "غير مستثن إلا مشاعا" فوجهه أن الاستثناء يزيد في الجهالة الكائنة في الصبرة زيادة على الجهالة التى خصصها الدليل فلا يدخل بعد هذه الجهالة في التخصيص وأما إذا كان المستثنى جزءا مشاعا فلا بأس به فإنه لا يوجب مزيد جهالة وهكذا مع الاختيار لما قدمنا قريبا. وأما ما ذكره من قوله: "أو كل كذا بكذا" أو ما بعده من الصور فإن كان وقوع ذلك يرفع من مطلق الجهالة شيئا فهو وإن كان بيع جزاف لكنه قد توصل إلي تفصيله من وجه والتخيير لمعرفة مقدار الثمن صحيح لأنه عند هذا التفصيل جهل المشتري ما يلزمه من الثمن وأما الصورة الثانية والثالثة فالأولى عدم الحكم بالفساد مع الزيادة والنقص بل مجرد إثبات الخيار يكفي كالصورة الأولى وبهذا تعرف عدم الحاجة إلي الكلام على بقية ما في هذا الفصل فإن ما ذكرناه يبصرك بما ينبغي أن يقال في كل ذلك.

стр. 527

[فصل ولا يجوز مطلقا بيع الحر فيؤدب العالم ويرد القابض إلا الصبي ما أتلف فأن غاب منقطعة فالمدلس ويرجع وإلا فلا ولا أم الولد والنجس وماء الفحل للضراب وأرض مكة وما لا نفع فيه مطلقا] . قوله: "فصل: ولا يجوز مطلقا بيع الحر". أقول: تحريم هذا من قطعيات الشريعة وإجماع أهل الإسلام على التحريم معلوم ولا يحتاج إلي الاستدلال على مثله والتعرض بما يستحقه الفاعل لهذا الحرام غير مناسب للمقام بل الذى يستحقه من العقوبة هو سخط الله عليه وغضبه وأليم عقابه ولم يرد على ذلك في الشريعة عقوبة معينة في الدنيا ولا هو من الأمور التى يجب الحد على فاعلها فقول المصنف فيؤدب العالم كلام في غير موضعه وعلى غير قانون الشرع وأما كونه يرد البائع ما قبضه من قيمة الحر فواضح لا يحتاج إلي ذكره. وقوله: "إلا الصبي ما أتلف" فلا يخفى أن ذلك جناية منه على المشتري والصبي يضمن ما جناه لأن ذلك من أحكام الوضع لا من أحكام التكليف فلا وجه لإسقاط الضمان عنه سواء باع نفسه أو غيره. وأما قوله: "فإن غاب منقطعة فالمدلس" فكان الأولى أن يقول فإن لم يمكن الرجوع عليه فعلى المدلس ولا وجه للتنصيص على مجرد الغربة الموصوفة بالانقطاع فإن افتقاره وموته ولا مال له كذلك ووجه تضمين المدلس أنه مشارك بتدليسه في الجناية الواقعة من البائع. قوله: "ولا أم الولد". أقول: استدل المانعون بحديث ابن عباس عن ابن ماجه والدارقطني والبيهقي قال ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله ﷺ قال: "أعتقها ولدها"، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف قال البيهقي وروى عن ابن عباس من قوله ورواه البيهقي من حديث ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن رسول الله صلى الله عليه وآله سلم قال لأم إبراهيم: "أعتقك ولدك"، وهو معضل ورواه ابن حزم من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن مصعب عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس فذكره وقال صح هذا بسند رواته ثقات يعني هذا السند الذى ذكره وتعقبه ابن القطان بأن قوله عن محمد بن مصعب خطأ وإنما هو عن محمد وهو ابن وضاح عن مصعب وهو ابن سعيد المصيصي وفيه ضعف. وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم والبيهقي عن حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من وطئ أمته فولدت له فهي معتقة عند دبر منه"، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي وهو ضعيف كما تقدم ورجع جماعة وقفه وأخرج الدارقطني والبيهقي عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع أمهات الأولاد وقال: "لا يبعن ولا يوهبن

стр. 528

ولا يورثن يستمتع بها السيد ما دام حيا وإذا مات فهي حرة"، قال البيهقي وعبد الحق والصحيح وقفه على عمر وقد رواه مالك في الموطأ والدارقطني من طريق أخرى عن ابن عمر عن عمر ورواه أحمد في مسنده عن الخطاب بن صالح عن أمه قالت حدثتني سلامة بنت معقل قالت كنت للحباب ابن عمرو ولي منه غلام فقالت لي امرأته الآن تباعين في دينه فأتيت رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "من صاحب تركة الحباب بن عمرو؟ " قالوا: أخوه أبو اليسر كعب بن عمرو فدعاه فقال: "لا تبيعوها وأعتقوها فإذا سمعتم برقيق قد جاءني فأتوني أعوضكم"، ففعلوا واختلفوا فيما بينهم بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال قوم: أم الولد مملوكة لولا ذلك لم يعوضكم رسول الله ﷺ وقال قوم: هي حرة قد أعتقها رسول الله ﷺ ففي كان الاختلاف وقد أخرجه أبو دأود بإسناد صالح وذكر البيهقي أنه أحسن شيء في هذا الباب عن النبي ﷺ فهذا جملة ما استدل به المانعون من البيع ولا احتمال في حديث سلامة بنت معقل لأن النبي ﷺ قد أمرهم بإعتاقها ونهاهم عن بيعها وذلك هو محل الاستدلال وأما ما وعدهم به من العوض فذلك من حسن أخلاقه الشريفة ومن كرمه الفياض وجمله ما ذكرناه من الأحاديث يقوي بعضها بعضا ويشهد بعضها لبعض فينتهض للاستدلال به على عدم جواز بيع أمهات الأولاد ويؤيد ذلك ما ثبت في اصحيح البخاري وغيره عن أبي سعيد قال جاء رجل من الأنصار فقال يا رسول الله إنا نصيب سبيا فنحب الأثمان فكيف ترى في العزل فقال النبي ﷺ : "وإنكم لتفعلون ذلك لا عليكم أن لا تفعلوا"، الحديث فإن قول السائل ونحب الأثمان فيه إشارة إلي أنهن إذا ولدن لم يجز بيعهن وأما ما أخرجه أحمد وابن ماجه والشافعي والبيهقي عن جابر أنه قال كنا نبيع أمهات أولادنا والنبي ﷺ حتى لا نرى بذلك بأسا وما أخرجه أبو دأود وابن حبان والحاكم عن جابر أيضا قال بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر فلما كان عمر نهانا فأنتهينا فليس في حديثه هذا المروي من الطريقين عنه أن النبي ﷺ أطلع على ذلك وقد حكى ابن قدامة إجماع الصحابة على المنع وقد حكى القول بالجواز عن علي وابن عباس وابن الزبير وروى عنهم الرجوع كما حكى ابن رسلان في شرح السنن وأخرج عبد الرزاق عن علي بإسناد صحيح أنه رجع عن الجواز إلي المنع وإلي المنع ذهب الجمهور من أهل العلم وقد قيل أنه إجماع وهو غير مسلم. قوله: "والنجس". أقول: أراد المصنف بهذا ما هو عنده نجس كما تقدم في النجاسات فيشكل مثل الكلب والخنزير والخمر والنجاسة العينية كالعذرة وماله حكمها وقد جاءت الأدلة الصحيحة في تحريم بيع أمور أما لكونه نجسا في نفسه أو لكونه يحرم الانتفاع به فمن ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام"، وفي الصحيحين [البخاري "٤/٤٢٤"، مسلم "٧١/١٥٨١"] ، وغيرهما من حديث أبي جحيفة أنه اشترى حجأما فأمر فكسرت محاجمه وقال: إن

стр. 529

رسول الله ﷺ حرم ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي وفي الصحيحين [البخاري "٤/٤٢٦"، مسلم "٣٩/١٥٦٧"، وغيرهما [أبو داود "٣٤٨١"، الترمذي "١٢٦٧"، النسائي "٧/٣٠٩"، ابن ماجة "٢١٥٩"، أحمد "٤/١١٨، ١١٩، ١٢٠"] ، أيضا من حديث أبي مسعود البدري عقبة بن عمر وقال نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلو ان الكاهن وأخرج أحمد وأبو دأود بإسناد رجاله ثقات عن ابن عباس قال نهى النبي ﷺ عن ثمن الكلب وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فملأ كفه ترابا"، وفي صحيح مسلم وغيره عن جابر أن النبي ﷺ نهى عن ثمن الكلب والسنور وقد نقل ابن المنذر وغيره الإجماع على تحريم بيع الخمر وحكى صاحب فتح الباري الإجماع على تحريم بيع الخنزير وذهب الجمهور إلي تحريم بيع الكلب وهو الحق وأما استثناء كلب الصيد فقد استدل له بما أخرجه النسائي من حديث جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب إلا كلب صيد قال في الفتح: ورجال إسناده ثقات إلا أنه طعن في صحته انتهى وفي إسناده الحسن بن أبي جعفر قال يحيى بن معين ليس بشيء وضعفه أحمد وقال ابن حبان لا أصل له وأخرج نحوه الترمذي من حديث أبي هريرة وفي إسناده أبو المهزم وهو ضعيف بل متروك فلم يصح الاستثناء بدليل تقوم به الحجة وإذا عرفت هذا فبيع تلك الأعيان المنصوص عليها في الأحاديث حرام باطل ومن جادل في ذلك وألزم بإلزامات مذهبية فهو منتصب للرد على رسول الله ﷺ وما لنا ولكون فلان لم يعمل بكذا أو ترك العمل بكذا فلزمه كذا فإن هذه المباحثة بالجهل أشبه منها بالعلم واستعمال القواعد الجدلية عند الكلام على الأدلة الشرعية من التلاعب الذى لا يرضاه متدين وإذا جاء نهر الله بطل نهر معقل ولم يضع أهل العلم تلك القواعد الجدلية المذكورة في علم المناظرة إلا لتدريب أذهان المتنازعين في علم الرأي ورياضة أفهامهم ولا يستجيز مسلم أن يثبت بها أحكام الشرع أو يبطلها ومن زعم خلاف هذا فمن قصوره أتي ومن تفريطه أصيب وأما تحريم بيع العذرة وماله حكمها من النجاسات فهو مجمع عليه. قوله: "وأما الفحل للضراب". أقول: لما في اصحيح البخاري "٤/٤٦١"، وغيره [أبو داود "٣٤٢٩"، الترمذي "١٢٧٣"، النسائي "٧٤٧١"، أحمد "٢/١٤"] ، من حديث ابن عمر قال: نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل ولما في مسلم وغيره من حديث جابر: أن النبي ﷺ نهى عن بيع ضراب الفحل وفي الباب أحاديث والنهي حقيقة في التحريم وإلي التحريم ذهب الجمهور وهو الحق وأما ما أخرجه الترمذي من حديث أنس أن رجلا من بني كلاب سأل النبي ﷺ عن عسب الفحل فنهاه فقال: يا رسول الله إنا نطرق الفحل فنكرم فرخص له في الكرامة قال الترمذي: حديث حسن غريب فغاية ما فيه أنه يجوز لصاحب الفحل أن يقبل ما أهدي إليه من غير اشتراط ولا مبايعة فلا ينافي أحاديث النهي ولا يصرفها عن معناها الحقيقي.

стр. 530

قوله: "وأرض مكة". أقول: أعلم أن الأصل في كل شيء أنه يجوز للمالك أن يتصرف فيه بما شاء من أنواع التصرفات كما يفيده قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] ، وإذا كانت هذه الأعيان المخلوقة الموجودة في الأرض لنفع الناس جاز لهم تملكها والتصرف فيها كيف شاؤا حتى يقوم الدليل الصحيح الناقل عن حكم الأصل فيجب الرجوع إليه والعمل به ولم يستدل المانعون من بيع أرض مكة إلا بقوله : ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] ، وهذه الآية محتملة لأمرين أحدهما أن يراد المسجد فلا يكون فيها دليل للمستدل والأمر الثاني أن يراد ما هو أعم من ذلك والمحتمل لا يصلح الاستدلال به ولا تقوم به الحجة لا سيما مع قوله ﷺ في الحديث الصحيح المتفق عليه [البخاري "١٥٨٨، ٢٠٥٨، ٤٢٨٢"، مسلم "٤٣٩، ٤٤٠/١٣٥١"] ، أن أسامة بن زيد قال للنبي ﷺ أين تنزل غدا يا رسول الله؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع" فلو كان البيع باطلا لأبطله ﷺ ولم ينفذه. والحاصل أن البيع هو الذى كان عليه عمل أهل الجأهلية ثم عمل عليه أهل الإسلام بعدهم حتى قيل إن الجواز أمر مجمع عليه بين الصحابة لا يختلفون فيه فالقائلون بعدم الجواز إن جاؤا بدليل ينتهض للاحتجاج ويخلص عن شائبة الاحتمال فذاك ولكنهم لم يأتوا بشيء وأما ما يروى من نهيه ﷺ عن بيع رباع مكة وعن إجارتها فعلى المستدل به أن يصححه وإلا كان وجوده كعدمه ومع ما ذكرنا مع أن البيع كان عليه عمل أهل الجأهلية الذي ثبت عنه ﷺ تقريره وعدم إنكاره وعمل الصحابة ﵃ في عصره ﷺ وبعد عصره فهو أيضا الذي عليه العمل من أهل الإسلام قرنا بعد قرن وعصرا بعد عصر فكيف يقبل في مثل هذا الأمر ما لا تقوم به الحجة ولا ينتهض لمعارضته ما هو دون ذلك بمسافات. قوله: "وما لا نفع فيه مطلقا". أقول: هذا قد أغنى عنه ما تقدم من قوله وبيع كل ذي نفع حلال جائز ولكنه أراد هنا أن يستوفي بيان ما لا يجوز بيعه مع أنه أخل بأشياء كثيرة وردت بالمنع من بيعها الأدلة الصحيحة ثم وجه عدم جواز بيع ما لا نفع فيه مطلقا هو كونه من أكل أموال الناس بالباطل ومن إضاعة المال وقد ورد النهي عن الأول في الكتاب العزيز وورد النهي عن الثاني في الأحاديث الصحيحة والاعتبار بالغالب فإن كان الغالب من الناس لا ينتفع بتلك العين لم يبعها فإن قلت قد تدعو حاجة البائع إلي البيع وحاجة المشتري إلي الشراء في الشيء الذى لا نفع فيه عند غالب الناس؟ قلت: قد صار بهذه الحاجة إلي بيعه وشرائه ذا نفع فيجوز بيعه وليس في هذا من الدور الذى زعمه الجلال في شرحه شيء لأن جواز البيع ترتب على الحاجة ولم تترتب الحاجة على جواز البيع وهكذا ترتب عدم جواز بيعه على عدم نفعه ولم يترتب عدم نفعه على عدم جواز بيعه ومعلوم أن الدور هو عدم تناهي التوقفات في أمور متناهية وأين هذا منها.

стр. 531

[فصل ولا يصح في ملك لا قيمة له أو عرض ما منع بيعه مستمرا كالوقف أو حالا كالطير في الهواء ولا في حق أو حمل أو لبن لم ينفصلا أو ثمر قبل نفعه أو بعده قبل صلاحه قيل إلا بشرط القطع ولا بعدهما بشرط البقاء ولا فيما يخرج شيئا فشيئا ويصح استثناء هذه مدة معلومة والحق مطلقة ونفقه مستثنى اللبن على مشتريه ويمنع إتلافه ولا ضمان إن فعل إلا في فعل إلا في مستثنى الثمر ولا في جزء غير مشاع من حي ولا في مشترى أو موهوب قبل قبضة أو بعده قبل الرؤية في المشترك إلا جميعا ومستحق الخمس والزكاة بعد التخلية إلا المصدق ومتى انضم إلي جائز البيع غيره فسد إن لم يتميز ثمنه] . قوله: "ولا يصح في ملك لا قيمة له". أقول: إن كان مع كونه لا قيمة له لا نفع فيه فقد دخل فيما تقدم وإن كان فيه نفع فلا يصح قوله لا قيمة له لأنه كل ذي نفع يتعلق به الغرض وما تعلق به الغرض فلا بد أنه يبذل صاحب الغرض المتعلق به فيه من القيمة ما يقابله ويسأويه وإن كان ذلك يسيرا فليس لذكر مثل هذه الصورة فائدة. قوله: "أو عرض ما منع بيعه مستمرا كالوقف". أقول: إنما سمي الوقف وقفا لكونه يبقى ولا يخرج عن المصرف الذى صرف فيه فما هية الوقف بذاتها تدل على عدم جواز التصرف فيه ببيع أو نحوه ومع هذا فقد ثبت عنه ﷺ في الصحيحين [البخاري "٢٧٣٧"، مسلم "١٦٣٢"، وغيرهما [أبو داود "٢٨٧٨"، الترمذي "١٣٧٥"، النسائي "٣٥٩٩"، ابن ماجة "٢٣٩٦"، أحمد "٢/١٢، ١٣،٥٥، ١٢٥"] ، أن عمر قال له: يا رسول الله أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منها فما تأمرني؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها" ومن هذا أنه ﷺ قال: "من يشتري بئر رومه فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة"، فاشتراها عثمان وجعلها كذلك أخرجه البخاري تعليقا والنسائي والترمذي وقال حديث حسن ومن ذلك حديث أنه ﷺ قال: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة أشياء صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد يدعو له"، أخرجه مسلم "١٣/٢٦٨٢"، وغيره أبو داود "٢٨٨٠"، الترمذي "١٣٧٦"، أحمد "٢/٣٧٢"، ووصف هذه الصدقة بأنها جارية لا تنقطع يدل على أن الوقف كذلك ولو جاز بيعه لكان خلاف موجبه وقد ثبت في رواية للدارقطني مرفوعة في وصف الوقف: "أنه حبيس ما دامت السموات والأرض" وفي رواية للبيهقي مرفوعة: "تصدق بثمره وحبس أصله لا يباع ولا يورث" ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين [البخاري "١٤٦٨"، مسلم ط١١/٩٨٣"، وغيرهما [أبو داود "١٦٢٣"، النسائي "٢٤٦٤"، أحمد "٢/٣٢٢"] ، من قوله ﷺ : "أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله"، والأمر في هذا أوضح من أن

стр. 532

نطول الكلام فيه وأما تسويغ بيعه لأصلح منه أو عند خشية تلفه أو عند الانتفاع به فسيأتي الكلام عليه. قوله: "أو حالا كالطير في الهواء". أقول: قد ثبت بالأحاديث الصحيحة النهي عن بيع الغرر وهذا من أعظم أنواعه وقد أثبت ﷺ الغرر فيما هو دون هذا فأخرج أحمد "٣/٥٤١"،من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر"، وشراء العبد الآبق من جملة أنواع الغرر وقد ورد النهي عنه في حديث أبي سعيد عند أحمد "٣/٤٢"، وابن ماجه "٢١٩٦"، والبزار والدارقطني وفي إسناده مقال ولكن هو مندرج تحت الأحاديث الصحيحة المصرحة بالنهي عن بيع الغرر لأن ما كان يتعذر تسليمه حال البيع أو الاطلاع على كنهه فهو غرر كثير وقد نقل صاحب نهاية المجتهد انفاق الفقهاء على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز على أن القليل يجوز. قوله: "وفي حق". أقول: المنافع المتعلقة بالأعيان لا وجود لها مستقر بل هى معدومة فبيع مجرد المنفعة دون ما هى متعلقة به وهو الذي يقال له في عرف الفقهاء الحق وهو مندرج تحت بيع المعدوم الذى تقدم النهي عنه فلا يصح بيعه إلا بدليل يخصه وقد ورد تجويز الإجارة وهي في الحقيقة متعلقة بالحق ولكن هذا التخصيص للعموم يقصر على محله ويبقى النهي عما عداه كما هو شأن العام والخاص على تقدير دخول هذا الخاص تحت النهي عن بيع المعدوم وهو غير مسلم فإن الإجارة باب من أبواب المعاملات كالبيع فالعجب ممن جعل ما ورد في تجويز الإجازة مخصصا لبيع المعدوم ثم ألحق بيع سائر الحقوق بها وجعل ذلك أصلا يقاس عليه وهذا خبط وجوابه ما قدمناه وحاصله أنا نمنع دخول الإجارة تحت النهي عن بيع المعدوم حتى يقال أنها مخصصة بدليلها منه ثم نمنع ثانيا جواز إلحاق بيع الحقوق بهذا الفرد المخصوص على تسليم الدخول والتخصيص فإن هذا إهمال لدلالة العموم بمجرد الخيار المختل. قوله: "أو حمل أو لبن لم ينفصلا". أقول: المنع من هذا قد دخل تحت أدلة النهي عن بيع الغرر وهذا منه لأنه لا يحاط بكنههما قبل خروجهما وقد دخلا أيضا تحت بيع المعدوم لأنهما معدومان وقد دخل أيضا المنع من بيع الحمل تحت الأحاديث المصرحة بالنهي عن بيع الملاقيح والمضامين ودخلا جميعا تحت حديث أبي سعيد عند أحمد وابن ماجة والبزار والدارقطني قال نهى النبي ﷺ عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع وعن بيع ما في ضروعها إلا بكيل ودخل اللبن تحت حديث ابن عباس عند الطبراني والدارقطني والبيهقي نهى رسول الله ﷺ أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع ولو لم يرد في المنع من بيع هذين وأمثالهما إلا الأحاديث الصحيحة في النهي عن بيع الغرر وفي النهي عن بيع المعدوم لكان في ذلك ما يغني عن غيره فليت شعري ما هو الحامل للجلال على التلاعب بالأدلة والتكلف لردها بما هو سراب بقيعة وهباء في الهواء

стр. 533

فإن كان ذلك لمحبته للاعتراض على ما قد وقع تدوينه في هذا الكتاب فهذا أمر لا يعجز عنه أحد ولكن الرزية كل الرزية أنه صدر نفسه للتكلم على أدلة الكتاب والسنة المتعلقة بهذه المسائل ثم تجرأ على درها بما هو أوهن من بيت العنكبوت وخبط وخلط وركب الشطط وجاء بأقبح الغلط فكان ذلك جناية على الشرع والشارع اللهم غفرا. قوله: "أو ثمر قبل نفعه أو بعده قبل صلاحه". أقول: الأدلة المصرحة بالنهي عن بيع الثمار قبل صلاحها ثابتة في الصحيحين [البخاري "٤/٣٩٤"، مسلم "٤٩/١٥٣٤"، وغيرهما [أبو داود "٣٣٦٧"، الترمذي "١٢٢٦"، النسائي "٤٥١٩"، ابن ماجة "٢٢١٤"، ثبوتا أوضح من شمس النهار حتى وقع التأكيد لهذا النهي بزيادة لفظ نهى البائع والمبتاع ثم ورد بيان الصلاح عن الشارع في حديث أنس في الصحيحين [البخاري "٢١٩٧، ٢١٩٨"، مسلم "١٥٥٥"] : أن النبي ﷺ نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى قالوا وما تزهى قال: "تحمر"، ثم أكد ما ورد من النهي بما وقع في حديث أنس هذا في الصحيحين [البخاري "٤/٤٠٤"، مسلم "١٥/١٥٥٥"] ، من قوله ﷺ : "إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك"، فجاء بهذا الاستفهام المتضمن للتقريع والتوبيخ للبائع وأنه يستحل مال أخيه إذا باع قبل الصلاح ومنع الله الثمرة بغير ما يحل به وما قاله الدارقطني من أن هذه الزيادة مدرجة من قول أنس مردود بأنه قد ثبت من حديث جابر عند مسلم "١٤/١٥٥٤": "إن بعت من أخيك ثمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق"، وقد أوضحت هذا في الشرح المنتقى وكل هذا ظاهر في أن النهي للتحريم وأما مشروعية وضع الجوائح فباب آخر لأن وضع الجائحة عند وقوعها لا ينافي ما دلت عليه هذه الأحاديث من تحريم المبايعة وتحريم الدخول فيها قبل الصلاح. وأما قوله: "قيل إلا بشرط القطع" فلا وجه له لأن مثل هذا لا يرفع التحريم الثابت بالأدلة وأما قوله: ولا بعدهما بشرط البقاء, فلم يرد ما يدل على أن هذا الشرط مانع من البيع الذى أذن فيه الشارع وجعله غاية للنهي ومجرد الشرط لا يوجب ذلك ولا يقتضيه وقد ثبت في الصحيحين [البخاري "٥/٤٩"، مسلم "٨٠/١٥٤٣"،] ، وغيرهما أبو داود "٣٤٣٣"، الترمذي "١٢٤٤"، النسائي "٤٦٣٦"، ابن ماجة "٢٢١١"، أحمد "٢/٩، ٨٢، ١٥٠"] ، عنه ﷺ : "من ابتاع نخلا قبل أن يؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع"، فإذا كان هذا الشرط غير مؤثر في بيع النخل فكذا في بيع الثمر. قوله: "ولا فيما يخرج شيئا فشيئا". أقول: لا وجه لإطلاق المنع بل يجوز بيع الخارج الأول بعد صلاحه إلا أن يتعذر ذلك بوجه من الوجوه أو يتداخل الحاصل بحيث لا يتميز ما قد صلح منه مما لم يصلح فإنه بيع ذلك لا يصح لوجهين الأول أنه من بيع الغرر المنهى عنه كما قدمنا والثاني أنه لم يحصل شرط صحة بيع الثمار وهو الصلاح لعدم تميز الصالح.

стр. 534

وأما قوله: "ويصح استثناء هذه" يعني ما تقدم من قوله: "وفي حق" إلي هنا ووجه ذلك أن الاستثناء هو تبقيها في ملك بائعها وذلك يصح لعدم ورود ما يدل على منعه لأنها كانت للبائع قبل بيع ما هي متعلقة به وبقيت بالاستثناء على ملكه وإنما احتاجت إلي الاستثناء لئلا يقال قد دخلت تبعا للمبيع ومما يدل على صحة الاستثناء في الجملة ما في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع"، وأخرج نحوه ابن ماجه "٢٢١٣"، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند من حديث عبادة بن الصامت وفي إسناده انقطاع. وأما قوله: "مدة معلومة والحق مطلقا" فوجه التقييد بكون المدة معلومة في غير الحق تتسبب عنها الخصومة والاختلاف وأما جواز الاستثناء في الحق مطلقا فلكون استثنائه لا يؤدي إلي ذلك بل يصير للبائع مطلقا وهذا الفرق بين الحق وغيره معقول ولكن الشأن في كون ما يؤدي إلي الخصومة يكون سببا وأما مجرد الشرط فسيأتي في الشروط المقارنة ما يصح منها وما لا يصح. وأما قوله: "ونفقة مستثنى اللبن على مشتريه" فظاهر لأنه المالك للعين وهكذا ويمنع اتلافه لأنه سيتلف بإتلاف ما هو له شيئا مستحقا لغيره. وأما قوله: "ولا ضمان إن فعل" فلا وجه له بل يجب عليه ضمان مقداره إلي وقت انقضاء المدة المعلومة كما في مستثنى الثمر وما أدعوه من الفرق بين الأعيان والمنافع فهو مجرد رأي ليس عليه دليل فالذي أتلف الدابة التي لبنها مستحق لغيره إلي مدة معلومة قد جنى جناية توجب الضمان كما لو أتلف الثمر المستثنى إلي مدة معلومة. وأما قوله: "ولا في جزء غير مشاع من حي" فوجهه أنه لا يوقف على مقداره فيكون ذلك من بيع الغرر المنهى عنه كما تقدم. قوله: "ولا في مشترى أو موهوب قبل قبضه". أقول: أما في الطعام فالأحاديث في ذلك كثيرة في الصحيحين وغيرهما وقد قدمنا بعضا من ذلك وأما في غيره فأخرج أحمد والطبراني في الكبير عن حكيم ابن حزام قال: قلت: يا رسول الله إني أشتري بيوعا فما يحل لي منها وما يحرم على؟ قال: "إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى تقبضه" وفي إسناده العلاء بن خالد الواسطي وقد وثقه ابن حبان وأخرج أبو دأود والدارقطني والحاكم وابن حبان وصححاه من حديث زيد بن ثابت أن النبي ﷺ نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يجوزها التجار إلي رحالهم فهذان الحديثان يكفيان في التعميم على أن قياس سائر المبيعات على الطعام يكفي لعدم الفارق وأما ذكر المصنف للموهوب مع المشتري فلعله يخصصه بما إذا كانت الهبة بمعنى البيع كما سيأتي في الهبات وإلا لزمه إلحاق مثل التمليك والنذر والصدقة

стр. 535

قوله: "أو بعده قبل الرؤية في المشترك إلا جميعا". أقول: عللوا ذلك بتفريق الصفقة بالبيع على من يريد الفسخ بخيار الرؤية وليس هذا مانعا شرعيا ولا ورد ما يدل على منع أحد الشركاء من البيع في مثل هذه الصور فللمالك أن يتصرف بملكه كيف شاء ولغيره من الشركاء أن يرد نصيبه بخيار الرؤية وسيأتي للمصنف في الخيارات كلام في الاختلاف بين المشركين في الشرك إذا رده بخيار الرؤية بعضهم دون بعض والكل مبني على مجرد الرأي وليس عليه أثارة من علم. قوله: "ومستحق الخمس والزكاة" الخ. أقول: هذا التضرب من المصنف ﵀ عجيب فإنه أولا ذكر المشتري والموهوب ثم قيده بذلك القيد الذى لا دليل عليه ثم خصص ها هنا مستحق الخمس والزكاة ولا وجه لهذا التخصيص إلا مجرد الاعتماد على الرأي البحت الذي لا تأثير له والذي يحسن من مثله أن يقف على ما يقتضيه الدليل من تخصيص ذلك بالمبيع قبل قبضه أو يعتمد على القياس لسائر أسباب الملك بالبيع فيشترط القبض في جميعها وإن كان هذا القياس غير معمول به ها هنا ولكنه صار يعتمد على ما هو دون هذا ثم تخصيص المصدق بأن التخلية إليه تكفي هو من ذلك الرأي الذى ذكرنا لك وقد عرفناك غير مرة أن المصنف ﵀ في هذا الكتاب مقصوده جمع ما دونه المذاكرون من المسائل الفقهية على أي صفة كان ذلك والعجب من مثل الجلال في شرحه لهذا الكتاب فإنه إذا رأى المصنف قد دل على كلامه الدليل زحلفة بالرأي وإن رآه قد جاء بكلام لا دليل عليه بل هو مجرد رأي بحت مشى في الغالب معه وقد يعارضه برأي مثل ذلك الرأي وتأمل هذه المسائل في هذا الفصل فقط حتى يتضح لك ما ذكرناه وغالب عمله في شرح هذا الكتاب هكذا. قوله: "ومتى انضم إلي جائز البيع" الخ. أقول: لا وجه لهذا الفساد إلا مجرد الرجوع إلي رأي قائل واجتهاد عن طريق الحق مائل والحق أنه يصح بيع ما يصح بيعه لأنه تجارة عن تراض فقد وجد المصحح وهو التراضي ولم يوجد مانع شرعي ووجود المانع في أحد العينين لا يستلزم وجوده في الأخرى والتعليل باستلزام الصحة فما يصح والبطلان فيما يبطل لتفريق الصفقة تعليل عليل مبني على رأي كليل. [فصل وعقد غير ذي الولاية بيعا وشراء موقوف ينعقد قيل ولو فاسدا أو قصد البائع عن نفسه مع بقاء المتعاقدين والعقد بإجازة من هى له حال العقد غالبا أو إجازتها بلفظ أو فعل يفيد التقرير وإن جهل حكمه لا تقدم العقد ويخير لغبن فاحش جهله قبلها قيل ولا

стр. 536

تدخل الفوائد ولو متصلة ولا يتعلق حق بفضولي غالبا وتلحق آخر العقدين وينفذ في نصيب العاقد شريكا غالبا] . قوله: "فصل وعقد غير ذي الولاية" الخ. أقول: البائع لمال غيره بغير إذنه لا يسمى بيعه شرعيا ولا هو البيع الذي أذن الله به بقوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النسائ: ٢٩] ، بل هو واقع على صورة تدخل تحت قوله سبحانه: ﴿وَلا تَأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، فإذا وقعت الإجازة له كانت هي على ما قد عرفناك أنه التراضي وطيبة النفس وأنه لا يعتبر غير ذلك وأما الاستدلال بشراء عروة البارقي فمن وضع الدليل في غير موضعه فإن مأذون بالشراء وقد فعل وزاد خيرا وأما ما نحن بصدده فلا إذن فيه من المالك أصلا وغاية ما يدل عليه حديث عروة أنه يجوز للوكيل المأذون أن يطلب ما فيه مصلحة إذا كان يعرف أن المالك يرضى بذلك ومعلوم أن كل عاقل يرضى بمثل هذا العمل الواقع من عروة ويطلبه إن أمكن لأنه أرجع الثمن وجاءه بالمطلوب مع كونه مأذونا له في الجملة وبهذا تعرف أن عقد الفضولي لا يصح من أصله لأن رضاه ليس هو الرضا المعتبر في قوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، فكان فعله كالعدم ووقوع البيع عند حصول الرضا من المالك المدلول عليه بالأجازة وقد قدمنا لك أنه لا يعتبر شيء من تلك الألفاظ التي جعلوها شروطا للبيع. وأما قوله: "ولو فاسدا أو قصد البائع عن نفسه" فمن التصلب في التفريع على ما هو باطل من أصله ومردود من أوله وأما قوله مع بقاء المتعاقدين والعقد فلا يخفاك أنه لا عقد ولا متعاقدين بل البيع لم يحصل بشيء مما وقع بغير إذن المالك لعدم وجود الرضا المعتبر في تلك الحالة وعند وجوده بالإجازة هو البيع الشرعي. وأما قوله: "بإجازة من هى له حال العقد" فقد عرفناك أن هذه الإجازة هى العقد الشرعي الذي جاء به القرآن ولا حكم لشيء مما تقدمها لوقوعه على غير ما أعتبره الشرع وهذا الكلام الذي قررناه وإن كانت أذهان المقلدين تنبو عنه فهو الحق الذي لا شك فيه ولا شبهة فإذا وقع من البائع لفظ أو فعل يشعر بالرضا فقد وقع منه البيع الشرعي فإن وقع الرضا بذلك من المشتري فقد وقع منه الشراء الشرعي وأما قوله وإن جهل حكمه فلا وجه له بل لا بد أن يعلم أن قوله هذا وفعله هو الذي يخرج له المبيع عن ملكه بذلك الثمن الذي وقع التراضي عليه وإلا كان من أكل أموال الناس بالباطل وهكذا. قوله: "لا تقدم العقد" لا وجه له بل مجرد وقوع المشعر بالرضا منه هو البيع الشرعي والعقد المتقدم وجوده كعدمه سواء علمه أو جهله وأما قوله ويخير لغبن فاحش جهله قبلها فقد عرفناك أن البيع الشرعي هو الإجازة فلا بد أن يعلم بمقدار الثمن عندها حتى تكون تجارة عن تراض وأما ما ذكره من عدم دخول الفوائد للمالك ولو يقع منه البيع ولا حكم لعقد الفضولي ولا يؤثر في خروج الفوائد ولا في دخولها وقد حكم النبي ﷺ كما في الصحيحين

стр. 537

وغيرهما من حديث ابن عمر: أن من ابتاع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع ومن ابتاع عبدا فما له للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع. وأما قوله: "ولا يتعلق حق بفضولي" فصحيح لأنه لا حكم لما وقع منه فلا يتعلق به شيء ولا يترتب على فعله فائدة على ما قررناه. وأما قوله: "وتلحق آخر العقدين" فهي كما عرفناك وعرفت لا تلحق أولها ولا آخرهما. وأما قوله: "وينفذ في نصيب العاقد شريكا" فصحيح لأنه قد حصل منه المناط الشرعي وهو الرضا ولم يحصل من شريكه فمتى حصل من شريكه كان هو البيع لا ما وقع من بيع الشريك عنه. [فصل والتخلية للتسليم قبض في عقد صحيح غير موقوف ومبيع غير معيب ولا ناقص ولا أمانة مقبوض الثمن أو في حكمه بلا مانع من أخذه في الحال أو نفعه ويقدم تسليم الثمن إن حضر المبيع ويصح التوكل بالقبض ولو للبائع ولا يقبض بالتخلية والمؤن قبل القبض عليه كالنفقة والفصل والكيل لا القطف والصب ولا يجب التسليم إلي موضع العقد غالبا أو منزل المشتري إلا لعرف ولا يسلم الشريك إلا بحضور شريكه أو إذنه أو الحاكم وإلا ضمن إن أذن والقرار على الآخر إن جنى أو علم ولا ينفذ في المبيع قبل القبض إلا الوقف والعتق ولو بمال ثم إن تعذر الثمن فللبائع فسخ ما لم ينفذ واستسعاؤه في النافذ بالأقل من القيمة أو الثمن ويرجع على المعتق ومن أعتق ما اشتراه من مشتر ولم يقبض صح إن أعتقه بعد القبض بأذن الأولين أو الثاني موفرا للثمن وإلا فلا وما اشترى بتقدير وقع قبل اللفظ أعيد لبيعه حتما إلا المذروع ويستحق القبض بإذن البائع مطلقا أو توفير الثمن في الصحيح فلا يمنع منه إلا ذو حق كالمستأجر لاالغاضب والسارق] . قوله: "والتخلية للتسليم" الخ. أقول: هذه التخلية بين المشتري وبين ما باعه البائع منه هي غاية ما يجب على البائع لعدم ورود دليل يدل على أنه يجب عليه زيادة على ذلك فإذا أتلف المبيع بعد ذلك تلف من مال المشتري لأن البائع قد أخرجه عن ملكه وفعل ما يجب عليه من تخليته للمشتري وعلى المشتري إذا أراد أن يبيعه أن ينقله للأدلة التى ذكرناها عند قوله: "ولا يتصرف فيه قبل قبضه" فالحاصل أن التخلية قبض باعتبار سقوط الضمان على البائع ولا يكون قبضا يجوز للمشتري التصرف في المبيع بعدها إلا مع النقل وأما اشتراط أن يكون العقد صحيحا فكلام لا يترتب عليه

стр. 538

فائدة عند من لم يعتبر ما يعتبرونه من الألفاظ ونحوها لأن المراد التراضي المدلول عليه بأي دلالة فإذا قد حصل كان البيع صحيحا وترتب عليه أحكامه وإن لم يحصل فلا بيع وما ذكره من أشتراط أن يكون غير موقوف لا وجه له لأن الإجازة قد حصلت من مالكه فهي البيع لما قدمنا وإن لم يحصل فلا بيع ولا حكم للتخلية أصلا ولا يترتب عليها حكم قط. وأما قوله: "في مبيع غير معيب ولا ناقص" فإن لم يعلم بذلك المشتري فهو من بيع الغرر وهو باطل والرضا المتقدم لا حكم له لأنه رضي بما لم يعلم بعيبه ولا نقصه فلم يصح البيع من الأصل فضلا عن أن تصح التخلية وأما قوله ولا أمانة فلا وجه له لأن البائع إذا باع من المشتري عينا هى أمانة عند المشتري انتقلت بالبيع إلي ملك المشتري وكونها في يده يغني عن المقابضة ولكن هذه من المصنف وأمثاله دندنة حول قواعد فرعية هي على شفا جرف هار لم ترتبط بدليل شرعي ولا عقلي وهكذا قوله مقبوض الثمن أو في حكمه فإنه لا وجه له لأن مجرد التراضي على المعاوضة هو المصحح الشرعي فإذا قد وقع بريء البائع من عهده الضمان بالتخلية بين المشتري وبين العين وإن أمهله بالثمن زمانا طويلا. وأما قوله: "بلا مانع من أخذه في الحال" فصحيح لأن وجود المانع من القبض يقتضي عدم ثبوت حكمه فلا يتبرأ البائع من عهدة الضمان بذلك. قوله: "ويقدم تسليم الثمن إن حضر المبيع". أقول: إذا تشاجرا في التقديم فلا شك أن المبيع في ملك البائع فلا يجب عليه تسليمه إلا بعد قبض عوضه وهو الثمن والمشتري مالك الثمن فلا يجب عليه تسليمه إلا بتسليم العوض وهو المبيع وليس أحدهما بأولى من الآخر في تقديم تسليم ما يملكه قبل أن يسلم الآخر ما يملكه فلم يبق وجه للترجيح وحينئذ ينبغي أن يكون الحكم بينهما بأن يكون التسليم من كل واحد منهما عند التسليم من الآخر وتكون المقابضة يدا بيد في المنقولات وتكون في غيرها بأن يقر البائع عند الشهود أن تلك الأرض أو الدور قد باعها من المشتري بالثمن المقبوض عند ذلك الإقرار. وأما قوله: "ويصح التوكل بالقبض" فصحيح لأنه لم يمنع من ذلك مانع شرعي ولا عقلي فهذه الصورة مندرجة تحت أدلة الوكالة. وكذلك قوله: "ولو للبائع" ويكون التغاير باعتبار جهتي البيع والشراء اعتباريا وقد تقدم ما شهد لهذا من توليه ﷺ لطرفي عقد النكاح وقد قدمنا هناك أيضا عند قوله ولا يتولى الطرفين واحد ما يقوي هذا وأما قوله ولا يقبض بالتخلية فتخصيص بغير مخصص منقول ولا معقول. وأما قوله: "والمؤن قبل القبض عليه" فلا وجه له لأنه إذا قد حصل المناط في البيع وهو التراضي فقد صار المبيع ملكا للمشتري ولكن البائع لا يخرج عن عهدة الضمان إلا بالتسليم إلي المشتري أو التخلية الصحيحة وأما أنه يلزمه أن ينفق عليه أو يقوم بسائر مؤنه فلا إلا أن يكون

стр. 539

التراخي في التسليم من جهته مع طلب المشتري لذلك فإنه كالجاني على نفسه بذلك وأما ذكره من مؤنة الفصل والكيل والفرق بينهما وبين القطف والصب فهذا شيء لم يبن على شرع بل على عرف فقط والأعراف مختلفة فيتبع في كل جهة عرفها في هذا وأمثاله لأن العرف الجاري المستمر الذي يعلم به البائع والمشتري هو في حكم التراضي عليه وإن لم ينطقا به ولا ذكراه ولهذا قال ولا يجب التسليم إلي موضع العقد أو منزل المشتري إلا لعرف. وأما قوله: "ولا يسلم الشريك إلا بأذن شريكه" الخ فصحيح إذا كان لا يمكنه تمييز نصيبه عن نصيب الشريك فإنه حينئذ يصير بالتسليم لنصبيه مسلما لنصيبه شريكه وذلك جناية على الشريك فلا بد من حضوره أو إذنه أو إذن الحاكم وإلا ضمن نصيب الشريك إذا أتلف بهذا التسليم لأن ذلك منه جناية على مال الشريك ولا يكون ذلك إلا مع العلم بأن في ذلك المبيع نصيبا لغيره لا إذا كان جأهلا لذلك فإنه لا يكون بالتسليم جانيا وأما لو جهل ثبوت الضمان عليه بالتسليم مع علمه بأن فيه نصيبا للغير فلا تأثير لهذا الجهل في سقوط الضمان. قوله: "ولا ينفذ في المبيع قبل القبض إلا الوقف والعتق". أقول: الأدلة التى ذكرناها عند قوله ولا يتصرف فيه قبل قبضه ليس فيها إلا المنع من البيع وليس في شيء منها المنع من غيره من سائر التصرفات فالوقف والعتق وغيرهما باقيان على أصل الإباحة وإلحاقهما بالقياس على البيع قياس مع الفارق لما في البيوعات للأشياء الربوية من مظنة الربا ولهذا كان أكثر النصوص الدالة على المنع من البيع قبل القبض واردة في الطعام كما تقدم. وأما قوله: "فإن تعذر الثمن فللبائع فسخ ما لم ينفذ" فلا وجه له لأن البائع أحق بمبيعه إذا أفلس المشتري عن الثمن ولو كان نفذ قبضه المشتري فكيف لا يكون أحق به وهو باق لديه لم يقبضه المشتري وقد دلت السنة الصحيحة بأن من وجد سلعته عند مفلس فهو أحق بها ولا حكم للعتق والوقف الواقعين من المشتري لأنه لم يتم له الملك ولا فرق بين النافذ وما لم ينفذ ولا يجب على العبد شيء بل هو باق في ملك بائعه وكل هذه التفاريع وما بعدها منهارة لم ترتبط بدليل نقل ولا عقل. قوله: "وما اشترى بتقدير وقع قبل اللفظ أعيد لبيعه حتما". أقول: وجه هذا ما أخرجه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي عن جابر قال نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري وأعل هذا الحديث بأن في إسناده محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الفقيه أحد الأعلام وهو ضعيف الحفظ ولكنه قد روي من طريق غير هذه منها عند البزار عن أبي هريرة بإسناد حسن وعن أنس وابن عباس عند ابن عدي بإسنادين ضعيفين جدا كما قال ابن حجر ومعنى الحديث أن من أراد بيع الطعام الذى يملكه فلا بد أن يكيله عند البيع ويكيله المشتري عند الشراء وأخرج أحمد "١/٦٢، ٧٥"، وعبد الرزاق والشافعي وابن أبي شيبة والبيهقي عن عثمان قال: كنت أبتاع

стр. 540

التمر من بطن من اليهود يقال لهم بنو قينقاع وأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "يا عثمان إذا ابتعت فاكتل وإذا بعت فكل"، قال في مجمع الزوايد إسناده حسن انتهى وقد أخرج البخاري "٤/٣٤٣، ٣٤٤"، منه كلام النبي ﷺ بغير إسناد ومعنى الحديث هذا من اشترى طعأما بكيل ثم أراد أن يبيعه فلا يكفيه الكيل الواقع عن شرائه بل لا بد أن يكيله عند بيعه منه إلي مشتر يشتريه منه وسبب هذا الأمر منه ﷺ المخافة من الوقوع في مظنه الربا إذا وقع البيع بعد البيع وكان مثلا من بيع الطعام بالطعام لتجويز النقص بأي سبب وأيضا مجرد تجويز النقص من غير نظر إلي مظنة الربا يكفي لأنه يصير جزءا من بيع الغرر ولهذا وجب على نفس المتبايعين أن يكيله كل واحد منهما وإن لم يبعه إلي آخر كما في الحديث الأول وقد ذهب الجمهور إلي أن من اشترى شيئا مكايلة وقبضه ثم باعه إلي غيره لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله على من اشتراه ثانيا. وأما قوله: "إلا المزروع" فإن كانت العلة هى تجويز النقص فذلك كائن في المذروع كما هو كائن في المكيل وإن كان التجويز في المكيل أكثر وإن كانت العلة مظنة الربا فلا وجود لها في المذروع والقياس الوقوف على محل النص وهو المكيل لعدم وجود ما يقتضي الإلحاق بالقياس إلحاقا صحيحا. قوله: "ويستحق القبض بإذن البائع" الخ. أقول: يستحق القبض بوقوع المناط الشرعي وهو التراضي لأنه بذلك قد خرج عن ملك بائعه ودخل في ملك مشتريه ولكن للبائع حبسه بيده حتى يستوفي ثمنه ولا وجه للتفرقة بين صحيح وفاسد فإن المعتبر المناط المذكور. وأما قوله: "ولا يمنع منه إلا ذو حق" فقد عرفناك فيما تقدم أن الإجارة تبطل البيع. وأما قوله: "لا الغاصب والسارق" فيدهما يد عدوان وعليهما رده إلي يد من قد استقر الملك له.

стр. 541

باب الشروط المقارنة للعقد [فصل يفسده صريحها لا الحالي ومن عقدها ما أقتضى جهالة في البيع كخيار مجهول المدة أو صاحبه أو في البيع كعلي إرجاحه أو كون البقرة لبينا ونحوه أو في الثمن كعلي إرجاحه ومنه على حط قيمة كذا من الصبرة لا كذا من الثمن وعلى أن ما عليك من خراج الأرض كذا شرطا لا صفة فخالف ومنه شرط الإنفاق من الغلة ولو لمعلومين أو رفع موجبه غالبا

стр. 542

كعلي أن لا تنتفع ومنه بقاء المبيع ولو رهنا لا رده وبقاء الشجرة المبيعة في قرارها مدتها وعلى أن يفسخ إن شفع أو علقه بمستقبل كعلي أن تغل أو تحلب كذا لا على تأدية الثمن ليوم كذا وإلا فلا بيع أو لا تعلق له به كشرطين أو بيعين في بيع ونحوهما مما نهي عنه غالبا] . قوله: "باب: الشروط المقارنة للعقد فصل يفسده صريحها لا الحالي". أقول: كون الشرط مفسدا للبيع للواقع عن تراض لا بد فيه من دليل عليه ولم يثبت في ذلك إلا حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد وأبي دأود والنسائي والترمذي أن النبي ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع"، الحديث قال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن خزيمة والحاكم ومعنى هذا الحديث هو أن يقول البائع بعت منك هذا بكذا إن كان نقدا وبكذا إن كان نسيئة ووجه كون هذا الشرط لا يحل ما يستلزمه من عدم استقرار البيع والتردد بين الطرفين. ومن هذا القبيل حديث النهي عن الثنيا إلا أن تعلم أخرجه النسائي "٣٨٧٩"، ٣٨٨٠"، والترمذي "١٢٩٠، ١٣١٣"] ، وصححه وأصله في صحيح مسلم "٨٥/١٥٣٦"، بلفظ نهي عن الثنيا ومعناه أن يقول بعت منك كذا واستثنى بعضه فإن كان ذلك البعض معلوما كان البيع صحيحا وإن لم يكن معلوما لم يصح البيع للنهي عنه وهذا وإن لم يكن بلفظ الشرط فوقوع الثنيا التى لم تعلم تفيد عدم الاستقرار للبيع والتردد فيما هو داخل في المبيع وخارج عنه وذلك نوع من أنواع الغرر المنهي عنه ومما يستلزم الجهالة وإذا عرفت أنه لم يرو إلا هذان الحديثان فينبغي الحكم لما دل عليه بعدم الصحة ويلحق بهما ما له تأثير في الغرور والجهالة وما عدا هذا فلا تأثير له هذا على فرض أنه لم يرد في الشروط الخارجة عما ذكرناه دليل فكيف وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر: أنه كان يسير على جمل قد أعيا فأراد أن يسيبه قال: ولحقني النبي ﷺ فدعا لي وضربه فسار سيرا لم يسر مثله فقال: "بعنيه"، فقلت: لا ثم قال: "فبعنيه" فبعته واستثنيت حملانه إلي أهلي وفي لفظ لأحمد والبخاري: وشرطت ظهره إلي المدينة فهذا الحديث يدل على أن الشروط الواقعة من جهة البائع صحيحة إذا لم تستلزم الغرر والجهالة ومن ذلك حديث بريرة المشهور كما في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق فاشترطوا ولاءها فذكرت عائشة ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "اشتريها وأعتقيها فإنما الولاء لمن أعتق وإن اشترطوا مائة شرط"، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر وأبي هريرة نحو حديث عائشة ففي هذا الحديث دليل على عدم تأثير الشروط المخالفة لما يوجهه العقد ويقتضيه وأنها باطلة في أنفسها لا تصح بوجه ومما ورد في الشروط الجائزة حديث ابن عمر في الصحيحين [البخاري

стр. 543

"٤/٣٣٧"، مسلم "١٥٣٣"، وغيرهما أبو داود "٣٥٠٠"، النسائي "٤٤٨٤"، أحمد "٥٠٣٦، ٥٤٠٥، ٥٢٧١، ٥٥١٥، ٥٥٦١، ٥٨٥٤"] ، قال: ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع, فقال: "ما بايعت فقل: لا خلابة"، فإن هذا وإن لم يكن بلفظ الشرط ففيه معنى الشرط فيصح هذا الشرط ولا يبطل به البيع فعرفت بمجموع ما ذكرناه أن الشروط الواقعة في العقد لا تقتضي الفساد بل هي أما باطلة في نفسها لكون ذكرها كعدمها أو صحيحة معمول بها هي والعقد إلا ما كان منها مقتضيا للوقوع في الغرر الذي يحصل عنده التردد وعدم العلم بالحقيقة فإن ذلك لا يتحقق معه التراضي الذي هو المناط في المعاملات الشرعية وليس عدم الصحة لمجرد الشرط بل لاقتضائه الوقوع في بيع الغرر المنهي عنه حسبما قدمنا. وبهذا تعرف أن لا فرق في الشروط بين صريحها ومستقبلها وحاليها وعقدها فإن كل ما سلم منها من الجهالة الموقعة في بيع الغرر فهو غير مؤثر في المناط الذى هو التراضي ولا منع من أن يحصل التراضي على انتقال الملك من ملك البائع إلي ملك المشتري بعد شهر أو سنة أو أكثر إذا كان مما لا يجوز فيه المصير إلي صفة غير الصفة التي كان عليها عند التراضي كالأراضي ونحوها من الأعيان التى لا تتغير بمضي مدة من الزمان عليها فإن هذا تجارة عن تراض أباحها الشرع ولم يرد ما يدل على المنع منها لا من شرع ولا عقل وهذا التحقيق يبصرك في جمع ما ذكره المصنف ﵀ من الصور والأمثلة فما كان منها مستلزما للجهالة في المبيع الموجبة لبيع الغرر فهو ممنوع وما لم يكن كذلك فلا اعتبار به بل هو أما باطل في نفسه غير مؤثر في البيع كالشروط المستلزمة لرفع موجب العقد المخالفة لما يقتضيه كما يفيد ذلك حديث بريرة أو هو صحيح في نفسه مع صحة العقد وهو ما يرجع إليه منها إلي حديث جابر وحديث ابن عمر في شرط عدم الخداع فلا نطول الكلام على هذه الصورة التي ذكرها المصنف فإن في هذا البحث ما يغني عن ذلك. قوله: "كشرطين في بيع أو بيعتين في بيع". أقول: أما الشرطان في بيع فقد قدمنا ما ورد في النهي عنه وأما البيعتان في بيع فلحديث أبي هريرة عند أحمد "٢/٤٣٢، ٤٧٥"، ٥٠٣"] ، وأبي دأود "٣٤٦١" والنسائي "٤٦٣٢"، والترمذي "١٢٣١"، وصححه قال قال رسول الله ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أو كسهما أو الربا"، وفي لفظ: نهى النبي ﷺ عن بيعتين في بيعة. وأخرج أحمد بإسناد رجاله ثقات كما قال في مجمع الزوائد من حديث ابن مسعود قال نهى النبي ﷺ عن صفقتين في صفقة قال سماك الراوي للحديث: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنسا بكذا أو ينقد بكذا وقد وافق سماك على هذا التفسير أحمد والشافعي فيكون معنى البيعتين في بيعة والصفقتين في صفقة هو معنى الشرطين في بيع كما قدمنا وقد روي عن الشافعي تفسير آخر فقال هو أن تقول بعتك ذا العبد بألف على أن تبيعني دارك بكذا ووجه الفساد هو ما قدمنا في شرطين في بيع من استلزام ذلك للجهالة الموجبة للغرر.

стр. 544

[فصل ويصح منها ما لم يقتضي الجهالة من وصف للبيع كخيار معلوم أو للمبيع كعلى أنها لبون أو تغل كذا صفة في الماضي ويعرف بأول المستقبل مع انتفاء الضار وحصول ما تحتاج إليه أو للثمن كتأجيله أو يصح أفراده بالعقد كأيصال المنزل ومنه بقاء الشجرة مدة معلومة وما سوى ذلك فلغو وندب الوفاء ويرجع بما حط لأجله من لم يوف له به] . قوله: "ويصح منها ما لم يقتضي الجهالة". أقول: هذا صحيح لما قدمنا وما ذكره من الأمثلة صحيح أيضا وكذلك قوله وما سوى ذلك فلغو ووجه كونه لغوا هو ما قدمناه في أول الباب هذا وأما قوله وندب الوفاء فالظاهر من دليل مطلق الشروط حيث قال ﷺ : "المؤمنون عند شروطهم"، أبو داود "٣٥٩٤"ن أحمد "٢/٣٦٦"] ، أنه يجب الوفاء بها جميعها إلا ما استثناه الحديث من قوله: "إلا شرطا أحل حرأما أو حرم حلالا"، وأما كونه يرجع بما حط لأجله من لم يوف له به فظاهر لأن ذلك الحط مقيد بحصول الشرط.

стр. 545

باب الربويات [فصل إذا اختلف المالان ففي الجنس والتقدير بالكيل والوزن يجوز التفاضل والنساء وفي أحدهما أو لا تقدير لهما التفاضل فقد إلا الموزون بالنقد فكلاهما ونحو سفرجل برمان سلما فإن اتفقا فيها اشترط الملك والحلول وتيقن التسأوي حال العقد والتقابض في المجلس وإن طال أو انتقل البيعان أو أغمى عليهما أو أخذ رهنا أو إحالة أو كفالة ما لم يفترقا إلا المتدرك وما في الذمة كالحاضر والحبوب أجناس وكذلك الثمار واللحوم أجناس وفي كل جنس أجناس والألبان تتبع اللحوم والثياب سبعة والمطبوعات ستة فإن اختلف التقدير اعتبر بالأغلب في البلد فإن صحب إحدى المثلين غيره ذو قيمة غلب المنفرد ولا يلزم إن صحبهما ولا حضور المصاحب ولا المصاحبين غالبا] . قوله: "باب: الربويات إذا اختلف المالان في الجنس والتقدير بالكيل والوزن يجوز التفاضل والنساء". أقول: قد أشار المصنف ها هنا إلي ثبوت الربا في كل مالين اتفقا جنسا وتقديرا ثم خص

стр. 546

التقدير بالكيل والوزن وهذا هو أحد الأقوال في تعيين العلة التى تقتضي الربا مع الاتفاق في الجنس وقد قيل إنه قال بهذا العترة جميعا وحكى عن أبي حنيفة واصحابه واستدلوا على ذلك لذكر النبي ﷺ للوزن كما في حديث أبي سعيد عند مسلم "٧٧/١٥٨٤"، وغيره أحمد "٢/٥٣، ٦١" بلفظ: "لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء"، ومثل هذا عند مسلم "٩١/١٨٩١"، وغيره "أحمد ٢/٢٦٢"، النسائي "٤٥٦٩"، من حديث أبي هريرة قال فيه: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل"، وهكذا في حديث فضالة بن عبيد بن مسلم وغيره قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن"، وورد ذكر الكيل في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر قال نهى رسول الله ﷺ عن المزابنة أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام وورد في حديث آخر: "لا صاعين بصاع" ولا يخفاك أن ذكره ﷺ للكيل والوزن في الأحاديث لبيان ما يتحصل به التسأوي في الأجناس المنصوص عليها فكيف كان هذا الذكر سببا لإلحاق سائر الأجناس المتفقة في الكيل والوزن بهذه الأجناس الثابتة في الأحاديث وأي تعدية حصلت بمثل ذكر ذلك وأي مناط استفيد منها مع العلم أن الغرض بذكرها هو تحقيق التساوي كما قال: "مثلا بمثل سواء بسواء" وقال الشافعي ومن وافقه إن العلة هي الاتفاق في الجنس والطعام واستدلوا على ذلك بما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث معمر بن عبد الله قال كنت اسمع النبي ﷺ يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل"، وكان طعامنا يومئذ الشعير وأقول: ذكر النبي ﷺ الطعام فكان ماذا وأي دليل دل على أنه أراد بهذا الذكر الإلحاق وأي فهم يسبق إلي كون ذلك هو العلة المعدية حتى تركب على ذلك القناطر وتبنى عليه القصور ويقال هذا دليل على أن كل ما به طعم كان بيعه ما به طعم متفاضلا ربا مع أن أول ما يدفع هذا الاستدلال ويفت في عضده الذهب والفضة اللذان هما أول منصوص عليه في الأحاديث المصرحة لذكر الأجناس التى يحرم فيها الربا ومما يدفع القولين جميعا أنه قد ثبت في الأحاديث أن النبي ﷺ ذكر العددي كما في حديث عثمان عند مسلم بلفظ لا تبيعوا الدينار بالدينارين وفي رواية من حديث أبي سعيد: "ولا درهمين بدرهم" ولم يعتبر العدد أحد من أهل هذين القولين ولا من غيرهم وقد وافقت المالكية الشافعي في الطعام وزادت عليه الإدخار والاقتيات فوسعوا الدائرة بما ليس بشيء. والحاصل أنه لم يرد تقوم به الحجة على إلحاق ما عدا الأجناس المنصوص عليها بها ولكنه روى الدارقطني والبزار عن الحسن بن عبادة وأنس بن مالك أن النبي ﷺ قال: "ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا وما كيل فمثل ذلك فإذا اختلف النوعان فلا بأس به"، وقد ذكره ابن حجر في التلخيص ولم يتكلم عليه وفي إسناده الربيع بن صبيح قال أحمد لا بأس به وقال يحيى بن معين في رواية عنه: إنه ضعيف وفي أخرى ليس به بأس ربما دلس وقال ابن

стр. 547

سعد والنسائي ضعيف وقال أبو زرعة شيخ صالح وقال أبو حاتم رجل صالح انتهى ولا يلزم من وصفه بالصلاح أن يكون ثقة في الحديث وقال في التقريب صدوق سيء الحفظ ولا يخفاك أن الحجة لا تقوم بمثل هذا الحديث لا سيما في مثل هذا الأمر العظيم فإنه حكم بالربا الذى هو من أعظم معاصي الله سبحانه على غير الأجناس التى نص عليها رسول الله ﷺ وذلك يستلزم الحكم على فاعله بأنه مرتكب لهذه المعصية التى هى من الكبائر ومن قطعيات الشريعة ومع هذا فإن هذا الإلحاق قد ذهب إليه الجمع والجم والسواد الأعظم ولم يخالف في ذلك إلا الظاهرية فقط. وأعلم أن من أعظم الربا وأشده ربا الجأهلية الذى وضعه رسول الله ﷺ ودلت عليه الأحاديث الصحيحة وثبت إجماع الأئمة جميعا على تحريمه وهو أن يحضر أجل الدين فلا يرده من هو عليه فيزيد عليه من هو له شيئا ويمهله إلي أجل آخر فهذا ربا ثابت وإن لم يكن التبايع الكائن في تلك الأجناس المنصوص عليها ثم أعلم أنه لا ينافي ثبوت ربا الفضل في تلك الأجناس ما ثبت في الصحيحين [البخاري "٢١٨٧"، مسلم "١٠١، ١٠٢، ١٠٣/١٥٩٦"] وغيرهما [النسائي: "٤٥٨٠، ٤٥٨١"، ابن ماجة "٢٢٥٧"، أحمد "٥/٢٠٠"] ، من حديث أسامة بن زيد مرفوعا بلفظ: "إنما الربا في النسيئة" زاد مسلم في رواية عن ابن عباس: "لا ربا فيما كان يدا بيد" لأنه وقع الاختلاف في الجمع بين هذا الحديث وبين الأحاديث المصرحة بالربا في الأجناس المنصوص عليها إذا لم يكن مثلا بمثل سواء بسواء فقيل إن حديث أسامة هذا منسوخ ولكن النسخ لا يثبت بالاحتمال ولعل القائل بالنسخ لما بلغه رجوع ابن عباس عن العمل به ظن أنه منسوخ وقيل معنى قوله إنما الربا في النسيئة الربا الأغلظ الشديد التحريم فيكون من الحصر الادعائي وهو خلاف الظاهر والأولى أن يقال إن حديث: "إنما الربا في النسيئة" دل بمفهومه على نفي ربا الفضل في الأجناس المنصوص عليها وفي غيرها وأحاديث ربا الفضل المنصوص عليه في الأجناس المنصوص عليها مخصصة لهذا العموم وأيضا الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل تدل على ذلك بمنطوقها ودلالة المنطوق أرجح من دلالة المفهوم. وأما رواية مسلم عن ابن عباس بلفظ: "لا ربا فيما كان يدا بيد" فلم يثبت ذلك من قول رسول الله ﷺ ولو كان ثابتا لبقي عليه ابن عباس ولم يرجع عن قوله وقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله ﷺ بما يدل على تحريم ربا الفضل وقال حفظا من رسول الله ﷺ ما لم أحفظ ولو سلمنا ثبوت تلك الزيادة عن رسول الله ﷺ لكان عمومها المدلول عليه بالنكرة الواقعة في سياق النفي مخصص بأحاديث ربا الفضل في تلك الأجناس المنصوص عليها ولو سلمنا التعارض تنزلا لكانت الأحاديث المصرحة بربا الفضل أرجح لثبوتها في الصحيحين وغيرهما من طريق جماعة من الصحابة قال الترمذي بعد أن ذكر حديث أبي سعيد المصرح بالأجناس المثبت لربا الفضل وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان وأبي وهشام بن عامر والبراء بن أرقم

стр. 548

وفضالة بن عبيد وأبي بكرة وابن عمر وأبي الدرداء وبلال وبما ذكرناه يرتفع الإشكال على كل تقدير وقد وقع للجلال في هذا المقام من شرحه لهذا الكتاب من الهذيان الذى جرت به عادته ما لا يخفي بطلانه إلا على فاقد الفهم غير نافذ العرفان ولا ناقد لزائف الكلام. قوله: "وفي أحدهما أولا تقدير لهما التفاضل فقط". أقول: أما الأجناس الربوية إذا اختلف فيدل على جواز التفاضل فيها دون النساء ما أخرجه مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وآله س وسلم قال: "الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"، وفي لفظ لأبي دأود والنسائي وابن ماجة: وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر يدا بيد كيف شئنا والإشارة بقوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأصناف"، الخ يدل على أنه يجوز فيها مع الاختلاف التفاضل دون النساء فلا يجوز مثلا بيع الطعام بالدراهم إلا إذا كان يدا بيد وقد استدل من جوز ذلك بما صح في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة قالت اشترى رسول الله ﷺ من يهودي طعأما بنسيئة وأعطاه درعا له رهنا ولا معارضة بين هذا وبين حديث عبادة لإمكان الجمع بأن هذا مخصص لاشتراط التقابض بمثل هذه الصورة إذا سلم المشتري رهنا في الثمن وقد استدل بعضهم بالإجماع على جواز ذلك من غير تقابض إذا كان الثمن نقدا فإذا صح هذا الإجماع كان حجة عند من يرى حجيته. وأما قول الجلال إنها زيادة تفرد بها عبادة فليس من جنس كلام أهل العلم فإن الزيادة الخارجة من مخرج صحيح مقبولة بالإجماع وتفرد الصحأبي بالرواية حجة عند جميع المسلمين كيف وقدمنا حديث ابن عمر الثابت عند أحمد وأهل السنن مع تصحيح الحاكم له أنه قال للنبي ﷺ إني أبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير فقال: "لا بأس أن تأخذ بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء"، وأخرجه ابن حبان والبيهقي ولم يأت من أعله بحجة مقبولة وسماك إمام حجة وأما جواز التفاضل فيما لا تقدير له بكيل أو وزن فقد ثبت عند أحمد ومسلم وأهل السنن من حديث جابر أن النبي ﷺ اشترى عبدا بعبدين وثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس أن النبي ﷺ اشترى صفية بسبعة أرؤس من دحية الكلبي وما أظنه يخالف في جواز التفاضل في هذا إذا كان يدا بيد أحد من أهل العلم. وأما جواز النساء فيه فقد أخرج أحمد وأبو دأود والدارقطني من حديث عبد الله ابن عمر وقال أمرني رسول الله ﷺ أن أبعث جيشا على إبل كانت عندي قال فحملت الناس عليها حتى نفدت الإبل وبقيت بقية من الناس وقلت: يا رسول الله الإبل قد نفدت وقد بقيت بقية من الناس لا ظهر لهم فقال لي: "ابتع علينا إبلا بقلائص من إبل الصدقة

стр. 549

إلي محلها حتى تنفذ هذا البعث" فلما جاءت إبل الصدقة أداها رسول الله ﷺ وفي إسناده محمد بن إسحق وهو إمام وإن كان قد تكلم فيه بعض أهل العلم فذلك بغير حق وقد رواه البيهقي من غير طريقه وقوى ابن حجر في الفتح إسناد هذا الحديث ولكنه قد عارض هذا الحديث ما أخرجه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وابن الجارود من حديث الحسن عن سمرة قال نهى النبي ﷺ عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ورجال إسناده ثقات إلا ما هو مشهور من الخلاف في سماع الحسن من سمرة وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند من حديث جابر بن سمرة مثله وأخرج البزار والطحأوي وابن حبان والدارقطني من حديث ابن عباس نحو حديث سمرة قال في الفتح ورجاله ثقاة إلا أنه اختلف في وصله وإرساله فرجح البخاري وغيره إرساله وقد ذهب الجمهور إلي جواز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة متفاضلا مطلقا وشرط مالك أن يختلف الجنس ومنع من ذلك مطلقا مع النسيئة أبو حنيفة وأحمد بن حنبل وحمل الشافعي المنع على النسئية من الطرفين لأنه من بيع الكاليء بالكاليء وهو لا يصح عند الجميع وعلى فرض عدم إمكان الجمع فأحاديث النهي أرجح واصح ولم يصب من حمل النهي على المضامين وهي ما في بطون الأنعام كما فعل الجلال فإنه حمل الأحاديث على أندر صورة وقد ورد النهي عن بيع الملاقيح والمضامين على حدته وهو أعم من أن تشتري بنقد أو عرض ولكن محبة الإغراب تأتي بمثل هذا العجاب. وأما قوله المصنف: "إلا الموزون بالنقد فكلاهما" فقد قدمنا الكلام عليه قريبا. وأما قوله: "ونحو سفرجل برمان سلما" فليس ها هنا ما يدل على المنع من بيع السفرجل بالرمان على أي صفة كان ولا مدخل للربا في ذلك بوجه لكونهما لم يكونا من الأجناس التي نص عليها الشارع ولا اتفق التقدير فيهما بالكيل أو الوزن ولا اعتبار عند المصنف بالعدد ولا عند غيره. قوله: "فإن اتفقا فيهما اشترط الملك" الخ. أقول: هذا كله صحيح وأما اشتراط الملك فلكون التصرف في مال الغير بغير إذنه من أكل أموال الناس بالباطل لا من التجارة عن تراض وأما اشتراط الحلول فللأحاديث المصرحة باشتراط أن يكون يدا بيد ولحديث: "إنما الربا في النسيئة" وأما تيقن التسأوي حال العقد فللأحاديث المصرحة باشتراط أن يكون مثلا بمثل سواء بسواء وأما التقابض في المجلس فلقوله يدا بيد ونحو ذلك وإن كان قد أغنى عن هذا القيد قوله الحلول فإنه عدم التأجيل ولا يتحقق عدم التأجيل إلا بالتقابض وأما قوله وإن طال فما دأما في المجلس فلا فرق بين أن يقفا فيه وقوفا طويلا أو قصيرا. وأما قوله: "أو انتقل البيعان" فمشروط بأن لا يتفرقا أما لو انتقلا متفرقين فقد انقضى المجلس الأول وهما غير متقابضين فلم يكن ذلك القبض الواقع في المجلس الآخر مما يدخل تحت قوله ﷺ : "إلا يدا بيد". وقوله: "إلا هاء وهاء".

стр. 550

وأما قوله: "أو أغمى عليهما أو على أحدهما" فصحيح لأن ذلك عذر مسوغ. وأما قوله: "أو أخذ رهنا أو إحالة أو كفالة" فباطل مخالف للأدلة مدفوع بها إن أراد أن أحد هذه الأمور يغني عن القبض وإن أراد أنه يكفي ذلك ما دأما في المجلس كما يفيده قوله ما لم يفترقا فلا حاجة إلي هذه الأمور مع البقاء في المجلس لأن التقابض فيه يكفي من غير توسيط هذه الأمور والتعرض لذكر مفارقة المستدرك لهما مما لا حاجة إله ولا مدخل له. قوله: "وما في الذمة كالحاضر". أقول: هذه الكلية وإن كان ظاهرها المخالفة للأدلة المشروطة للتقابض المحقق فيمكن أن يستشهد لصحتها بالقرض فإن المستقرض دفع مثل الثابت في ذمته مع عدم وجوده حال القضاء فكان ما في ذمته كأنه حاضر ولكن لا بد أن يكون ما في الذمة باعتبار أحد المتبايعين والمقابل له حاضر وإلا كان من بيع الكاليء بالكاليء كما تقدم. وأما قوله: "والحبوب أجناس" إلي قوله: "فإن اختلف التقدير" فلا يخفاك أنه لا بد أن يصدق على ما قيل بجنسيته أن أهل اللغة يطلقون عليه ذلك الاسم أو يثبت أنه جنس عند أهل الشرع وأما مجرد الأعراف والاصطلاحات فلا يتعلق ببيانها كثير فائدة ولا يترتب عليها ثمرة إلا في مثل الأيمان وما يلتحق بها فإن كل حالف أو متكلم بكلام لا يقصد في الظاهر إلا عرف قومه واصطلاح أهل بلده والمقام مقام ثبوت الربا أو عدمه فلا يتكل فيه على ما لا يسمن ولا يغني من جوع. قوله: "فإن اختلف التقدير اعتبر بالأغلب في البلد". أقول: هذا العرف الغالب لا يثبت به شيء من الأمور الشرعية مثلا لو جرى عرفهم أن الذهب والفضة يكالان لم يكن الكيل مصححا لبيع الجنس بجنسه حتى يقع الوزن لأن النبي ﷺ يقول: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل والفضة بالفضة وزنا بوزن مثلا بمثل"، وهكذا لو جرى عرفهم أن البر أو الشعير يوزنان لم يجز بيع الجنس بجنسه حتى يعرف التسأوي بينهما بالكيل ومن قال إن الاتفاق في التقدير بالكيل والوزن موجب لثبوت الربا كما سبق لم يكن مجرد كيل بلد أو وزنها مقتضيا لذلك لأنه قد رتب على هذا أمر شرعي ولو كان مثل ذلك مسوغا لإثبات الأحكام الشرعية لكان الربا في الشيء ثابتا في بلد وغير ثابت في أخرى وإنما يثبت بذلك حمل ما يصدر من أهل البلد في المجأوزة عليه لأنه الذي يتعلق به القصد لهم وأما مثل صاع الفطرة وأوساق الزكاة فالاعتبار بمكيال المدينة في المكيل وهكذا الاعتبار في مثل قوله ﷺ : "في خمس أواق صدقة"، وفي الدية ونصاب السرقة ونحو ذلك بميزان مكة لما أخرجه أبو دأود والنسائي والبزار وابن حبان والدارقطني وصححاه من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة"، ورواه أيضا أبو دأود من حديث ابن عباس وأخرجه أيضا الدارقطني عن ابن عباس من طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان عن خنظلة عن طأوس عنه وأخرجه عنه ومن طريق أبي نعيم عن الثوري عن حنظلة عن سالم بدل طأوس قال الدارقطني أخطأ أبو أحمد فيه.

стр. 551

وإذا تقرر لك أن الاعتبار في الأمور الشرعية بمكيل المدينة ووزن مكة عرفت أنه لا اعتبار بما يخالف ذلك وأن أطبق عليه الأكثر أوالأغلب بل يعتبر في الأمور العرفية ما جرى به العرف في البلد فإن اختلف كان الاعتبار بالأغلب لما تقدم فكلام المنصف لا يصح إلا من هذه الحيثية وبهذا الاعتبار فمن حلف مثلا لا أكل موزونا لم يحنث إلا بما هو موزون في بلدة لأنه المقصود له عند حلفه ولا يتصور غيره. قوله: "فإن صب أحد المثلين إلي آخر الفصل". أقول: هذا المسائل التي يسمونها مسائل الاعتبار مردودة مدفوعة بالنسبة الصحيحة الصريحة دفعا أظهر من شمس النهار وأجل من عمود الصباح أما أولا فبالأحاديث المتواترة المشتملة على أن تلك الأجناس لا تباع إلا مثل بمثل سواء بسواء فانضمام ما ليس من جنس واحد المتسأويين إلي أحدهما لا يسوغ أن يكون الجنس المقابل له أكثر قدرا منه ولو بلغ في القيمة ما بلغ ووصل في النفاسة وارتفاع الجنس إلي أبلغ غاية وأما ثانيا فحديث القلادة الذى أخرجه مسلم وغيره وصححه جماعة من الأئمة من حديث فضالة بن عبيد قال اشتريت قلادة يوم خيبر بأثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "لا يباع حتى يفصل"، وفي لفظ أن النبي ﷺ قال: "لا حتى تميز بينه وبينه"، فقال: إنما أردت الحجارة, فقال النبي ﷺ : "لا حتى تميز بينهما"، وقد أخرجه الطبراني في الكبير من طرق كثيرة جدا يدل أبلغ دلالة على أن هذه المسائل مخالفة للشريعة المطهرة مضادة لها وتنادى بأعلى صوت أن مثلها يستلزم تحليل ما حرم الله من الربا الذى توعد عليه بالحرب منه واتفق المسلمون على تحريمه وأنه من كبائر الذنوب والعجب ممن يزعم من أهل الإنصاف كالمقبلي أنها إذا طابت أنفس المتعاملين لذلك ورضيا به كان من البيع المأذون فيه فإن هذه غفلة عظيمة للعلم لأن الله سبحانه لم يجعل للتراضي فيما هو ربا أو وسيلة إلي الربا حكما يحلل هذا الحرام البحت والكبيرة العظيمة وأما تأويل حديث القلادة هذا بأنه وجد فيها ذهبا أكثر من شرائها به فلم يكن المنفرد غالبا كما فعل الجلال في شرحه لهذا الكتاب فتأويل زائف وقد ذهب إلي العمل بحديث القلادة كثير من السلف الصالح وإليه ذهب مالك والليث وأحمد وإسحق وغيرهم وهو الحق الذى لا شك فيه ولا شبهة. [فصل ويحرم بيع الرطب والتمر والعنب بالزبيب ونحوهما والمزابنة إلا العرايا وتلقي الجلوبة واحتكار قوت الآدمي والبهيمة الفاضل عن كفايته ومن يمون إلي الغلة مع الحاجة

стр. 552

وعدمه إلا مع مثله فيكلف البيع في القوتين فقط والتفريق بين ذوي الأرحام المحارم في الملك حتى يبلغ الصغير وإن رضي الكبير والنجش والسوم على السوم والبيع على البيع بعد التراضي وسلم أو سلف وبيع وربح ما اشترى بنقد غصب أو ثمنه وبيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء وبأقل مما شرى به إلا من غير البائع أو منه غير حيلة أو بغير جنس الثمن الأول أو بقدر ما انتقص من عينه وفوائده الأصلية] . قوله: "ويحرم بيع الرطب بالتمر". أقول: وجهه ما أخرجه أحمد "١/١٧٥"، وأهل السنن أبو داود "٣٣٥٩"، الترمذي "١٢٢٥"، النسائي "٤٥٤٥، ٤٥٤٦"، ابن ماجة "٢٢٦٤"، وصححه الترمذي "٣/٥٢٨"، وابن خزيمة والحاكم كلهم وصححه أيضا قبلهم ابن المديني من حديث سعد بن أبي وقاص قال سمعت أن النبي ﷺ يسأل عن اشتراء التمر بالرطب فقال لمن حوله: "أينقص الرطب إذا يبس؟ "، قالوا: نعم فنهى عن ذلك. وأما قوله: "والعنب بالزبيب" فلما سيأتي في الحديث المتفق عليه من تحريمه ﷺ لبيع الكرم بالزبيب والمراد بالكرم العنب ولا علة للمنع من ذلك إلا تجويز النقص وكونه في شجرة لا تأثير له فكان محرما بالنص لا بالقياس على التمر بالرطب وأما قوله ونحوهما فالمراد به كل جنس ربوي إذا كان بعضه أخضر وبعضه يابسا أو بعضه مبلولا وبعضه غير مبلول لعدم العلم بالتساوي فمنعه داخل تحت النصوص المصرحة بقوله ﷺ : "إلا مثلا بمثل سواء بسواء". قوله: "والمزابنة إلا العرايا". أقول: المزابنة بيع التمر في النخل بالتمر كما وقع تفسيرها بذلك في الصحيحين [البخاري "٤/٣٨٤"، مسلم "٧٢/١٥٤"] ، وغيرهما أبو داود "٣٣٦١"، النسائي "٧/٢٦٦"، ابن ماجة "٢٢٦٥"، أحمد "٢/٥"، بلفظ: "وهي بيع التمر على رؤوس النخل كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا"، وهذا التفسير إن صح رفعه قامت به الحجة في تفسير المزابنة وإن كان مدرجا كما قيل فهو يدل على معناه ما في الصحيحين [البخاري "٥/٥٠"، مسلم "٧٠/٨١٥٤٠"] ، وغيرهما أحمد "٤/١٤٠"، من حديث رافع بن خديج وسهل ابن أبي حثمة أن النبي ﷺ نهى عن المزابنة بيع الثمر بالثمر إلا أصحاب العرايا والثمر بالثاء المثلثة وقوله بالتمر بالتاء المثناة الفوقية والمراد بالثمر بالمثلثة هو ما كان في النخلة فلا يقال له ثمرا إلا ما دام فيها وهكذا في الصحيحين وغيرهما من غير حديثهما وقد صرح بذلك مسلم في رواية له فقال ثمر النخلة وفي الصحيحين أيضا في حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن المزابنة أن يبيع الرجل تمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام نهى عن ذلك كله فتقرر بهذا أن المزابنة بيع ثمر النخلة ما دام فيها ومثل ذلك بيع العنب في أصوله وبيع الزرع قبل قطعه بأجناس هذه الثلاثة الأجناس التي قد جفت ويبست فإن كل ذلك مزابنة ووجه المنع عدم العلم بالتساوي في الجنس الربوي وأما العرايا فأصلها أن العرب كانت تتطوع على من لا ثمر له كما

стр. 553

يتطوع صاحب الشاة أو الإبل بالمنيحة وهي عطية اللبن دون الرقبة قال الجوهري في الصحاح العرية هي النخلة التى يعريها صاحبها رجلا محتاجا بأن يجعل له ثمرها عأما من عراه إذا قصده انتهى فرخص ﷺ لمن لا نخل لهم أن يشتروا الرطب على النخل بخرصها تمرا كما وقع في الصحيحين [البخاري "٤/٣٨٧، مسلم "٦٧/١٥٤٠"، وغيرهما أبو داود "٣٦٦٣"، الترمذي"١٣٠٣"، النسائي "٧/٢٦٨"، من حديث سهل بن أبي حثمة وكذا في البخاري وغيره من حديث زيد بن ثابت وفي لفظ في الصحيحين [البخاري "٤/٣٧٧، مسلم "٦١/١٥٣٩"] ، من حديثه: "رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا"، وفي لفظ لهما من حديثه: "ولم يرخص في غير ذلك" فهذا جائز والذي أخبرنا بتحريم الربا ومنعنا من المزابنة هو الذي رخص لنا في العرايا والكل حق وشريعة واضحة وسنة قائمة ومن منع من ذلك فقد تعرض لرد الخاص بالعلم ولرد الرخصة بالعزيمة ولرد السنة بمجرد الرأي وهكذا من منع من البيع وجوز الهبة كما روى عن أبي حنيفة ولكن هذه الرخصة مقيدة بأن يكون الشراء بالوسق والوسقين والثلاثة والأربعة كما وقع في حديث جابر عند الشافعي وأحمد وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم فلا يجوز الشراء بزيادة على ذلك. قوله: "وتلقي الجلوبة". أقول: لنهيه ﷺ عن ذلك كما ثبت في الصحيحين [البخاري"٤/٣٧٣"، مسلم "١٥/٥١٨" [، وغيرهما [أحمد "١/٤٣٠"، ابن ماجة "٢١٨٠"، الترمذي "١٢٢٠"] ، من حديث ابن مسعود نهى النبي ﷺ عن تلقي البيوع وفي لفظ من حديث أبي هريرة عند مسلم وغيره: نهى النبي ﷺ أن يتلقى الجلب فإن تلقاه إنسان فابتاعه فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق والنهي ثابت في الصحيحين أيضا من حديث ابن عمر وابن عباس وقد اختلف أهل العلم هل هذا البيع صحيح أم باطل واستدل من قال بأنه صحيح بإثبات الخيار المذكور في الحديث فإنه يدل على انعقاد البيع وقالوا أيضا النهي هنا لأمر خارج لا لعين البيع ولا لوصفه ونقول هذا التلقي حرمه الشارع على فاعله بنهيه الثابت بلا خلاف فمن زعم أن ما ترتب على هذا الحرام صحيح فقد خالف مقاصد الشرع بمجرد رأي حرره أهل الأصول لا يستند إلي ما تقوم به الحجة وأما إثبات الخيار فهو دليل على أن هذا البيع موكول إلي اختيار صاحبه إن أمضاه مضى وإن لم يمضه فوجوده كعدمه فهو حجة عليهم لا لهم لأن هذا الإمضاء هو الذي وقع به التجارة عن تراض وما تقدم منه من الرضا فقد أبطله انكشاف الأمر على غير ما وقع من تغرير المتلقي وليس المراد بقوله سبحانه: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، مثل هذا الرضا الناشيء عن التغرير والتلبيس بل الرضا المحقق بلا تغرير وطيبة النفس الصحيحة. قوله: "واحتكار قوت الآدمي والبهيمة".

стр. 554

أقول: لما ثبت في صحيح مسلم "١٢٩/١٦٠٥"، وغيره [أبو داود "٣٤٤٧"، الترمذي "١٢٦٧"، ابن ماجة "٢١٥٤"، أحمد "٦/٤٠٠"] ، من حديث معمر بن عبد الله العدوي أن النبي ﷺ قال: "لا يحتكر إلا خاطيء"، ولحديث معقل بن يسار عند أحمد والترمذي قال قال رسول الله ﷺ : "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يعقده بعظم من النار يوم القيامة"، ورجاله رجال الصحيح كما قال في مجمع الزوائد إلا زيد بن مرة أبو المعلا قال ولم أجد من ترجمة ولحديث ابن عمر عند ابن ماجه وإسحق بن راهويه والدارمي وأبي يعلى والعقيلي والحاكم بلفظ: "الجالب مرزوق والمحتكر معلون" وفي إسناده ضعف ولحديث ابن عمر عند أحمد وابن أبي شيبة والبزار وأبي يعلى والحاكم بلفظ: "من احتكر الطعام أربعين يوما فقد برئ من الله وبرئ الله منه" وفي إسناده أصبغ بن زيد وكثير بن مرة والأول مختلف فيه والثاني كذلك وقد وثق الأول النسائي ووثق الثاني أو سعيد وفي الباب أحاديث والاحتكار والحكرة قد فسرا بحبس السلع عن البيع وهذا يدل على تحريم الاحتكار لكل ما تدعو إليه حاجة الناس ويؤيد هذا حديث: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين" فإنه يعم كل ما له سعر فلا يكون التنصيص على الطعام في بعض الأحاديث مقتضيا لتخصيص تحريم الاحتكار لأن ذلك من التنصيص على بعض أفراد العام وأيضا إذا كانت العلة الإضرار بالمسلمين فهو يشمل كل ما يتضررون باحتكاره وتدعو حاجتهم إليه وإن كان التضرر باحتكار الطعام أكثر لمزيد الحاجة إليه ويدخل في ذلك قوت الدواب. وأما قوله: "الفاضل عن كفايته ومن يمون إلي الغلة" فقد حكى ابن رسلان في شرح السنن الإجماع على جواز ذلك فقال ولا خلاف في أن ما يدخره الإنسان من قوت وما يحتاجون إليه من سمن وعسل وغير ذلك جائز لا بأس به انتهى ويدل على ذلك ما ثبت أن النبي ﷺ كان يعطي كل واحدة من أزواجه مائة وسق من خيبر قال ابن رسلان في شرح السنن وقد كان رسول الله ﷺ يدخر لأهله قوت سنتهم من تمر وغيره. وأما قوله: " مع الحاجة" فهذا القيد لا بد منه لأن إدخار ما لا حاجة للناس إليه لا يضربهم إلا إذا كان فعله لذلك يقضي إلي الغلاء فإنه يتنأوله قوله ﵌: "ليغليه عليهم". قوله: "فيكلف البيع". أقول: هذا صحيح لأنه فاعل لما هو من محرمات الشريعة مع مزيد أن فيه إضرارا بالمسلمين فلا يجوز تقريره على الحرام ولا يجوز ترك المسلمين يتلهفون من الجوع صيانة لهذا المحتكر الخاطيء المضار للمسلمين ولهذا عاقبة أمير المؤمنين علي ﵁ بتحريق طعامه وأما قول الجلال ها هنا إلي المنكر هو ما كان دليله قطعيا بحيث لا خلاف فيه فمن ساقط الكلام وزائفه فإن إنكار المنكر لو كان مقيدا بهذا القيد لبطل هذا الباب وانسد بالمرة وفعل من شاء ما شاء إذ لا محرم من محرمات الشريعة في الغالب إلا وفيه قول لقائل أو شبهة من الشبه وسيأتي في هذا الكتاب في السير أنه لا إنكار في مختلف فيه على ما هو مذهب وهو أيضا باطل من القول وإن كان أقل مفسدة من هذا الكلام.

стр. 555

قوله: "إلا التسعير في القوتين". أقول: يدل على عدم جواز التسعير القرآن الكريم قال الله : ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، فمن وقع الإجبار له أن يبيع بسعر لا يرضاه في تجارته فقد أجبر بخلاف ما في الكتاب وهكذا يدل على عدم جواز التسعير قوله سبحانه وتعالي: ﴿وَلا تَأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] ، فإن من أكره على بيع ماله بدون ما يرضى به فقد أكل ماله بالباطل وهكذا يدل على عدم جواز التسعير قوله ﷺ : "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه"، ويدل على عدم جوازه على الخصوص ما أخرجه أحمد وأبو دأود والترمذي وابن ماجه والدارمي والبزار وأبو يعلى وصححه الترمذي وابن حبان من حديث أنس إن السعر غلاء فقالوا يا رسول الله سعر لنا فقال: "إن الله هو المسعر القابض الباسط وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال"، قال ابن حجر وإسناده على شرط مسلم. ويدل على عدم جوازه على الخصوص أيضا ما أخرجه أحمد وأبو دأود من حديث أبي هريرة قال جاء رجل فقال: يا رسول الله سعر, فقال: "بل أدعو الله" ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله سعر فقال: "بل الله يخفض ويرفع" قال ابن حجر وإسناده حسن. ويدل على ذلك أيضا ما أخرجه ابن ماجة والبزار والطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد بنحو حديث أنس قال ابن حجر وإسناده حسن أيضا قال وللبزار نحوه من حديث علي وعن ابن عباس في الطبراني في الصغير وعن أبي جحيفة في الكبير وأغرب ابن الجوزي فأخرجه في الموضوعات عن علي وقال إنه حديث لا يصح انتهى وظاهر هذه الأدلة عدم الفرق بين القوتين وغيرهما لأن الكل يتأثر عنه عدم طيبة النفس ويقع على خلاف التراضي المعتبر ولا فرق بين أن يكون في التسعير الرد إلي ما يتعامل به الناس أو إلي غيره فإن الفرق بمثل هذا الفرق هو مجرد رأي وملاحظة مصلحة في شيء يخالف الشرع وقد أشار ﷺ في حديث أنس السابق إلي ما يفيد أن في التسعير مظلمة فلا خير ولا مصلحة في مظلمة بل الخير كل الخير والمصلحة كل المصلحة في العمل بما ورد به الشرع. قوله: "والتفريق بين ذوي الأرحام والمحارم". أقول: لحديث أبي أيوب عند أحمد والترمذي وحسنه والدارقطني والحاكم وصححه قال سمعت النبي ﷺ يقول: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، ولحديث أبي موسى عند ابن ماجه والدارقطني بإسناد لا بأس به قال: لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالد وولده وبين الأخ وأخيه ولحديث علي عند أبي دأود والدارقطني أنه فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي ﷺ عن ذلك ورد البيع وقد أعله أبو دأود بالانقطاع ولكنه أخرجه الحاكم وصحح إسناده ورجحه البيهقي لشواهده ولحديث علي أيضا عند ابن ماجه والدراقطني وصححه ابن خزيمة وابن الجارود

стр. 556

وابن حبان والحاكم والطبراني وابن القطان قال أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين فبعتهما وفرقت بينهما فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "أدركهما فارتجعهما ولا تبعهما إلا جميعا"، ولحديث أنس أيضا عند ابن عدي بلفظ: "لا يولهن والد عن ولده"، وفي إسناده مبشرين عبيد وهو ضعيف ورواه من طريق أخرى فيها إسماعيل ابن عياش عن الحجاج بن أرطاه وقد تفرد به إسماعيل وهو ضعيف في غير الشاميين ولحديث أبي سعيد عند الطبراني بلفظ: "لا توله والدة بولدها"، وأخرجه البيهقي. وهذه الأحاديث تدل على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها وبين الوالد وولده وبين الأخوين وقد قيل إنه مجمع على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها ومن عدا من هو مذكور في هذه الأحاديث فقيل إنه يحرم بطريق القياس وظاهر الأحاديث أنه يحرم التفريق بالبيع وغيره. وأما قوله: "حتى يبلغ الصغير وأن رضى الكبير" فقد استدل على ذلك بما أخرجه الدارقطني والحاكم من حديث عبادة بن الصامت بلفظ: "لا يفرق بين الأم وولدها" قيل: إلي متى؟ قال: "حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية" وفي إسناده عبد الله بن عمرو الواقعي وهو ضعيف وقد رماه علي بن المديني بالكذب ولكن لم يبق بعد البلوغ ما يحصل به التضرر التام كما في من كان صغيرا وقد حكى المصنف في الغيث الإجماع على جواز التفريق بعد البلوغ. قوله: "والنجش". أقول: النجش في اللغة تنفير الصيد وإثارته من مكان ليصاد يقال نجشت الصيد أنجشه وفي الشرع الزيادة في السلعة فيعطي بها الشيء وهو لا يريد شراءها ليقتدي به السوام فيعطون بها أكثر مما كانوا يعطون لو لم يسمعون نجشه وقد ثبت النهي عن ذلك في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عمر وعند مسلم من حديث عقبة بن عامر وفي الباب غير ذلك وقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الناجش عاص بفعله قال واختلفوا في البيع إذا وقع على ذلك ونقل ابن المنذر عن طائفة من أهل الحديث فساد ذلك البيع إذا وقع على ذلك وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك وهو المشهور عند الحنابلة وهو وجه للشافعية قلت وهو الحق لاقتضاء النهي لذلك. قوله: "والسوم على السوم". أقول: لما ثبت في الصحيحين وغيرهما من النهي عنه من حديث أبي هريرة وغيره كما ثبت النهي عن السوم على السوم ثبت النهي عن البيع على البيع في الصحيحين [البخاري "٢١٤٠"، مسلم "١٥١٥"، وغيرهما أبو داود "٣٤٤٣"، من حديث أبي هريرة أيضا وثبت في غير الصحيحين من غير حديثه وصورة السوم أن يأخذ الرجل سلعة ليشتريها فيقول له قائل رده لأبيعك خيرا منه أو مثله بأرخص منه أو يقول للبائع رده لأشتريه منك بأكثر وأما صورة البيع على البيع والشراء على الشراء فهو أن يقول لمن اشترى سلعة في زمن الخيار أفسخ لأبيعك بأنقص أو

стр. 557

يقول للبائع: أفسخ لأشتري منك بأزيد قال ابن حجر في الفتح وهذا مجمع عليه فعرفت بهذا أن صورة السوم على السوم غير صورة البيع على البيع وأن تقييد المنع بكونه بعد التراضي هو الصواب وأما بيع المزايدة فقد دل على جوازه ما أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي والترمذي وحسنه من حديث أنس أن النبي ﷺ باع قدحا وحلسا فيمن يزيد وفي لفظ لأبي دأود أن النبي ﷺ نادى على قدح وحلس لبعض أصحابه فقال رجل هما علي بدرهم قال آخرهما علي بدرهمين وحكى البخاري عن عطاء أنه قال أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع المغانم فيمن يزيد وقال الترمذي بعد إخراجه لحديث أنس المذكور والعمل على هذا عند بعض أهل العلم لم يروا بأسا ببيع من يزيد في المغانم والمواريث قال ابن العربي لا معنى لاختصاص الجواز بالغنيمة والميراث فإن الباب واحد والمعنى مشترك. قوله: "وسلم أو سلف وبيع". أقول: قد ثبت النهي عن السلف والبيع بما أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي والترمذي وقال حسن صحيح وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم من حديث عبد الله ابن عمرو أن النبي ﷺ قال: "لا يحل سلف وبيع"، الحديث قال أحمد هو أن يقرضه قرضا ثم يبايعه عليه بيعا يزداد عليه وهو فاسد لأنه إنما يقرضه على أن يحأبيه في الثمن وقد يكون السلف بمعنى السلم وذلك مثل أن يسلم إليه في شيء ويقول إن لم يتهيأ المسلم فيه عندك فهو بيع لك وهذه الصورة داخلة تحت الأحاديث المشتملة على النهي عنه أن يبيع الإنسان ما ليس عنده وداخلة تحت الأحاديث المشتملة على النهي عن بيع الشيء قبل قبضه فهذه الصورة التى ذكرها المصنف قد منع الشارع عنها وكل ما منع الشارع عنه فهو باطل ولا فرق بن منع ومنع ولا بين نهي ونهي إلا أن تقوم قرينة تدل على أن المراد من ذلك مجرد الكراهية فقط القاصرة عن رتبة التحريم وما اعتل به الحامدون على الرأي من قولهم هذا نهي عنه لذاته وهذا نهي عنه لوصفه وهنا نهى عنه لأمر خارج عنه كما وقع ذلك في كتب الأصول فقد عرفناك غير مرة أن هذه التفرقة مبنية على رأي بحت لم تربط بدليل عقل ولا نقل ولا شك أنه لم يذكر كثيرا من المناهي ولها حكم هذه المذكورة. قوله: "وربح ما اشترى ينقد غصب أو ثمنه". أقول: إنما تعرض المصنف لذكر الربح هنا مع كونه في مناهي البيع لأن ذلك مترتب على الشراء بنقد الغصب أو ثمنه فهو من ذيول مباحث البيع والشراء من هذه الحيثية على أن النبي ﷺ قد ذكر عدم حل هذا الربح مقترنا بمناهي البيع كما في حديث عبد الله بن عمرو بلفظ: "لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يضمن ولا بيع ما ليس عندك"، أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي والترمذي وصححه أيضا ابن خزيمة والحاكم وقد تقدم طرف منه قريبا. قوله: "وبيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النسا".

стр. 558

أقول: يمكن الاستدلال لهذا المنع بما أخرجه أحمد والنسائي والترمذي وصححه من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا"، وبما أخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط عن سماك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال نهى النبي ﵌ عن صفقتين في صفقة قال سماك هو الرجل يبيع البيع فيقول هو بنسا بكذا وهو ينقد بكذا وكذا قال في مجمع الزوائد رجال أحمد ثقات فهذان الحديثان قد دلا على أن الزيادة لأجل النسا ممنوعة ولهذا قال: "فله أوكسهما أو الربا" والأعيان التي هي غير ربوية داخلة في عموم الحديثين وقد أفردت هذا البحث في رسالة مستقلة سميتها شفاء العلل في حكم زيادة الثمن لأجل الأجل والكلام في المقام يطول وقد ذهب الجمهور إلي جواز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النسا ونازعوا في دلالة الحديثين المذكورين على محل النزاع. قوله: "وبأقل مما اشترى به" الخ. أقول: إذا كان المقصود التحيل فلا فرق بين بيعه من البائع أو غيره وبين أن يكون بجنس الثمن الأول أو بغير جنسه فالأولى أن يقال وبأقل مما شرى به حيلة فإن ذلك يغني عن هذا التطويل الذي ذكره المصنف ووجه المنع من ذلك ما فيه من التوصل إلي الربا لأن الغالب في مثل هذا أن يريد الرجل أن يزيد له المستقرض زيادة على ما أقرضه فيتوصل إلي تحليل ذلك بهذه الحيلة الباطلة وهي أن يبيع منه عينا بأكثر من قيمتها ثم يشتريها منه بأقل من ذلك فتبقى هذه الزيادة في ذمة المشتري وهي في الحقيقة زيادة في قدر ما استقرضه وهنا البيع هو بيع العينة الذى ورد الوعيد عليه بما أخرجه أحمد وأبو دأود عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه حتى يراجعوا دينهم"، ولفظ أبي دأود: "إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه حتى ترجعوا إلي دينكم" وأخرجه أيضا الطبراني وابن القطان وصححه قال ابن حجر في بلوغ المرام ورجاله ثقات وقال في التلخيص إنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا لأن الأعمش مدلس ولم يذكر سماعه من عطاء وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني فيكون فيه تدليس التسوية بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر انتهى ولا يخفاك أن الحديث بعد تصحيح ذلك الإمام والحكم على رجاله بأنهم ثقات قد قامت به الحجة والأصل عدم ما ذكره من الاحتمال فلو كان مجرد الاحتمال الذي في مثل هذا مبطلا للاستدلال لمذهب شطر السنة بالدعأوى ودفع من شاء ما شاء والأعمش إمام حافظ ثقة حجة فأقل أحواله أن يحمل ما يرويه على الصحة حتى يتبين ما يخالف ذلك ولكنه قال المنذري في مختصر السنن إن في إسناده إسحق بن أسيد أبو عبد الرحمن الخراساني نزل مصر لا يحتج بحديثه وفيه أيضا عطاء الخراساني وفيه مقال انتهى قال الذهبي في الميزان إن هذا من مناكيره انتهى قال أبو حاتم في إسحق بن أسيد لا يشتغل به شيخ ليس بالمشهور وقال ابن عدي مجهول.

стр. 559

وفي التقريب في ضعيف وأما عطاء الخراساني فقد ضعفه بعض أهل الحديث ووثقه ابن معين وأبو حاتم وقال ابن حجر في التقريب صدوق يهم كثيرا ويدلس انتهى قلت إذا كان كلام ابن حجر في الرجلين هكذا ولم يرو الحديث من طريق غيرهما فكيف يحكم على رجال إسناده بأنهم ثقات ولا يخفاك أن عطاء الخراساني من رجال مسلم قد أخرج له في صحيحه فجاز القنطرة وقد عقد البيهقي لطرق هذا الحديث بابا وقال ابن كثير إنه روي من وجه ضعيف عن عبد الله بن عمر بن العاص مرفوعا. ويشهد لحديث الباب ما أخرجه الدارقطني عن أبي إسحق السبيعي عن امرأته أنها دخلت على عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم فقالت يا أم المؤمنين إني بعت غلأما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم نسيئة وإني ابتعته منه بستمائة نقدا فقالت لها عائشة بئس ما اشتريت وبئس ما شريت إن جهاده مع رسول الله ﷺ قد بطل إلا أن يتوب. والحاصل أن مجموع ما في الباب تقوم به الحجة ولا سيما وهذه حيلة من الحيل الباطلة التى جاءت الشريعة بإبطالها وأيضا قد استلزمت أن يرد المستقرض زيادة على ما استقرضه وذلك ربا مجمع على تحريمه فلو لم يرد في الباب شيء لكان ما ورد في تحريم هذا الربا كافيا مغنيا عن غيره قال الجوهري في الصحاح العينة بالكسر السلف قال في القاموس وغيره أخذ بالعينة بالكسر أي السلف أو أعطى بها قال والتاجر باع سلعته بثمن إلي أجل ثم اشتراها منه بأقل من ذلك الثمن انتهى قال الرافعي وبيع العينة هو أن يبيع شيئا من غيره بثمن مؤجل ويسلمه إلي المشتري ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن نقدا أقل من ذلك العقد وقد ذهب إلي عدم جواز بيع العينة مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم وهو الحق وجوز ذلك الشافعي وأصحابه واستدلوا بما لا دلالة فيه على المطلوب.

стр. 560

[باب الخيارات هى ثلاثة عشر نوعا لتعذر تسليم المبيع وهو لهما في مجهول الأمد وللمشتري الجأهل في معلومة ولفقد صفة مشروطة وللغرر كالمصراة وصبرة علم قدرها البيع فقط وللخيانة في المرابحة والتولية ولجهل قدر الثمن أو المبيع أو تعيينه وهذه على التراخي وتورث غالبا ويكلف التعيين بعد المدة ولغبن صبي أو متصرف عن الغير فاحشا وبكونه موقوفا وهما على تراخ ولا يورثان وللرؤية والشرط والعيب] . قوله: "هى ثلاثة عشر نوعا". أقول: قد بلغ استقراء المصنف لأسباب الخيارات إلي هذا المقدار وليس مراده إلا أن

стр. 561

الخيار له أسباب يضاف إلي كل واحد منها وسنوضح لك إن شاء الله الكلام في كل واحد منها. قوله: "لتعذر تسليم المبيع". أقول: قد قدمنا لك أن البيع والشراء هو حصول التراضي من البائع والمشتري فالمشتري رضي بالعين المبيعة والبائع رضي بالثمن المقابل لها وإذا تعذر تسليم العين المبيعة ارتفع التراضي المعتبر فلا بيع ولا شراء بل وجود التراضي المتقدم كعدمه لأنه قد انكشف عدم وجود متعلقه الذي كان التراضي عليه والثمن إنما يلزم بعد وجود عين المبيع ومصيرها إلي المشتري فمثل هذا لا ينبغي أن يجعل من أنواع الخيار بل ينبغي أن يعد في مبطلات البيع هذا إذا تعذر تسليمه مطلقا أما إذا تعذر في مدة ثم أمكن فقد دخل البائع في بيع منهي عنه لأنه باع ما ليس عنده فكان من هذه الحيثية غير صحيح وإذا لم يصح التبايع فعند عود المبيع إذا شاء اتبايعا وإلا فهو باق على ملك البائع الأول ولا حكم لما وقع منهما من التبايع مع تعذر التسليم وبهذا تعرف أنه لا فائدة لقوله وهو لهما في مجهول الأمد وللمشتري الجأهل في معلومة. قوله: "ولفقد صفة مشروطة". أقول: هذا نوع من خيار الغرر لأن المشتري لم يقف على حقيقة المبيع كما ينبغي مع مزيد الغرر باشتراطه لتلك الصفة في المبيع وانكشاف عدمها فلا وجه لعدة خيارا مستقلا. قوله: "وللغرر كالمصراة". أقول: هذا نوع من أنواع الغرر لأن البائع قد غرر المشتري بالتصرية فلم يقف على حقيقة المبيع وما هو الغرض الحامل على شرائه وهذا النوع قد ثبت النص عليه بالسنة الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق وفيها أن النبي ﷺ قال في المصراة: "فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر"، وقد بسطنا القول على هذا الحديث في شرحنا للمنتقي وبسطنا الكلام في الرد على من خالفه والمقام لا يتسع لبعض ذلك. قوله: "وصبرة علم قدرها البائع فقط". أقول: وهذا أيضا نوع من أنواع خيار الغرر فإنه إذا لم يقف البائع على قدرها ولا عرف حقيقتها فبالأولى المشتري والخيار ثابت لهما جميعا ولا وجه لجعله لأحدهما دون الآخر وقد قدمنا أن هذا أعنى بيع الصبرة الذى هو نوع من بيع الجزاف قد خصصه دليله من أحاديث النهي عن بيع الغرر وما لم يبطل من بيوع الغرر فالخيار ثابت فيه كما في بيع الصبرة والمصراة ونحوهما. قوله: "وللخيانة في التولية والمرابحة". أقول: هذا سبب من أسباب الخيار لأن الخيانة خديعة وقد ثبت في الصحيحين [البخاري

стр. 562

"٤/٣٣٧"، مسلم "٤٨/١٥٣٣"، وغيرهما [أبو داود "٣٥٠٠"، النسائي "٧/٢٥٢"، أحمد "٥٠٣٦، ٥٤٠٥، ٥٢٧١، ٥٥١٥، ٥٥٦١، ٥٨٥٤"] ، من حديث ابن عمر قال ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال: "من بايعت فقل لا خلابة"، والخلابة الخديعة فإذا انكشف أن البائع أو المشتري خدع أحدهما الآخر بنوع من أنواع الخديعة التي من جملتها الخيانة فالخيار ثابت أما إذا اشترط أحد المتبايعين ذلك فظاهر وأما إذا لم يشترط فالبيع مشتمل على الغرر الذى هو المناط الأعظم في الخيارات وقد ثبت في حديث عند البخاري في التاريخ وابن ماجه والدارقطني أنه ﷺ قال لذلك الرجل الذي كان يخدع في البيوع: "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها"، فهذا من جملة ما خصص بيع الغرر من أحاديث النهي مع ثبوت الخيار. قوله: "ولجهل قدر الثمن أو المبيع". أقول: هذا أيضا من جملة أنواع الغرر لعدم الإحاطة بالمجهول من المبيع أو الثمن فإن ورد دليل يدل على صحة هذا التبايع مع ثبوت الخيار فذاك وألا فالظاهر أنه بيع باطل لاشتماله على ما نهى عنه الشرع من الغرر وأيضا التراضي الذى هو المناط في صحة البيع والشراء ليس بمتحقق مع الجهالة فلم يوجد ما هو المعتبر في هذه المعاملة. قوله: "أو تعيينه". أقول: الغرر في هذا ظاهر واضح فأن جعل البائع للمشتري الخيار في الاختيار فقد دلت السنة الصحيحة أنه يصح كما في حديث: "أو يقول لصاحبه اختر" في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع الخيار" وأما إذا لم يقع الخيار فلا يصح البيع من أصله لأنه من بيع الغرر المنهي عنه ولكونه لم يتحقق التراضي الذى هو مناط البيع والشراء. قوله: "وهذه على التراخي". أقول: لا وجه لهذا لا من دليل صحيح ولا من رأي مستقيم أما الدليل فقد دل على أن الخيار في المصراة وفي الخديعة ثلاثة أيام وخيار التعيين مطلق حتى يختار وباقي الخيارات المتقدمة ينبغي أن يكون إلي الوقت الذي يطلع فيه صاحبه على ما لا بد من الاطلاع عليه فإذا وقع منه ذلك ولم يفسخ فلا خيار له. قوله: "ويورث". أقول: إذا كان الخيار ثابتا للبائع أو المشتري بدليل شرعي فاخترمته المنية قبل أن يقع منه الخيار وقبل أن تنقضي مدة الخيار المؤقت شرعا والمؤقت بتراضي البائع والمشتري فلا شك أن هذا الحق الثابت يكون حقا لوارثه فيثبت له ما ثبت له كسائر الحقوق وهكذا سائر الخيارات الآتية وما قيل فيه بأنه لا يورث منها فذلك رأي بحت مخالف لما أثبته الكتاب العزيز والسنة من ميراث الأملاك والحقوق ولم يأتوا في الفرق بشيء إلا بما هو هباء أو سراب بقيعة.

стр. 563

قوله: "ويكلف التعيين بعد المدة". أقول: قد قدمنا أنه لا يصح البيع مع عدم التعيين إلا بشرط الخيار فإذا شرطه كان الاختيار موكولا إلي نظر من له الخيار إن وقع منه الاختيار نفذ البيع وإن لم يقع منه الاختيار فلا بيع وبهذا تعرف أنه لا وجه لتكليفه للتعيين بل يقال له اختر أو اترك فإذا سكت حتى مضت المدة فلا بيع لأن ذلك ترك للاختيار وهو يكفي من غير ما ذكره المصنف من التكليف. قوله: "ولغبن صبي أو متصرف عن الغير فاحشا". أقول: خيار الغبن قد أشار إليه رسول الله ﷺ بما قدمنا من حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال: "من بايعت فقل: لا خلابة"، وأخرجه أحمد "٣/٢١٧"، وأهل السنن [أبو داود "٣٥٠١"، الترمذي " ١٢٥٠"، النسائي "٧/٢٥٢"، ابن ماجة "٢٣٥٤" وصححه الترمذي "٣/٥٥٢"، من حديث أنس أن رجلا على عهد رسول الله ﵌ كان يبتاع وكان في عقدته يعني في عقله ضعف فدعاه ونهاه فقال: يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع فقال: "إن كنت غير تارك للبيع فقل ها وها ولا خلابة"، وأخرجه البخاري في تاريخه وابن ماجه والدارقطني عن محمد بن يحيى بن حبان قال هو جدي يعني الرجل الذي كان يخدع في البيوع وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه وكان لا يدع على ذلك التجارة وكان لا يزال يغبن فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها". فظهر بهذا أن من كان غير عارف بحقائق الأمور قاصر الفكرة عن معرفة مقادير أثمان المبيعات وما يصلح منها وما لا يصلح فله الخيار حتى يستشير من له خبرة بذلك وذلك ثلاث ليال فيلحق به كل من باع شيئا أو اشتراه وهو غير عارف به وبمقدار قيمته وإن كان مكلفا والنساء في هذا البيع أكثر وقوعا من غيرهن لنقص عقولهن وعدم كمال تمييزهن فإذا وقع الاشتراط من الرجل المتصف بالصفة التى ذكرناها أو من المرأة كما وقع من حبان بن منقذ فهذا خيار أثبته رسول الله ﷺ وقدر مدته رسول الله ﷺ وهو من خيار المغابنة وأما إذا لم يقع الاشتراط فمعلوم أن البيع الذى مناطه التراضي لا يتم إلا بالرضا المحقق فإن كان البائع قد رضي بما دفع إليه من الثمن مع علمه أن ذلك هو دون ثمن مثله فلا خيار له بعد ذلك وإن لم يعلم وكان معتقدا أن ذلك هو الثمن الذى تباع به تلك العين فقد كشف ظهور أن العين فوق ذلك الثمن أو أن الثمن فوق تلك العين على أن المشتري أو البائع لم يحصل منهما أو من أحدهما الرضا المحقق وطيب النفس وذلك موجب لعدم حصوله المناط الشرعي بلا يتم التبايع بينهما فإذا حصل الاختلاف فقال البائع قد تبين له أن قيمة مبيعه أكثر أو قال المشتري قد تبين له أن الثمن الذي دفعه أكثر من ثمنه وجب على القاضي أن يرفع الخصومة بينهما بتفويض الأمر إلي العدول الذين لهم خبرة بذلك المبيع ويعمل على قولهم. وأما إذا كان البائع وكيلا للمالك أو وليا للصبي أو المجنون فالخيار ثابت بطريق الأولى لكن لا مطلقا بل إذا أخبر العدول بالغبن على البائع أو المشتري ووجه ذلك واضح لأنه لم

стр. 564

يرض المالك إلا بما هو المعتاد في الأعيان والأثمان وإذا قال الصبي بعد تكليفه أو المجنون بعد صحته إنه مغبون كان على القاضي أن يأمر العدول بتقويم العين المبيعة وقت بيعها فإن تقرر الغبن ثبت الخيار لأنه انكشف بالغبن أن الولي لم يتصرف بالعدل كما قال الله سبحانه فلا حكم لتصرفه ولا للرضا الواقع منه فلا بد من حصول الرضا منهما عند زوال المانع من الصغر والجنون ولا بد أن يكون هذا الغبن مما لم تجر للناس عادة باختصار مثله والتسأهل في المعاملات به فهذا هو الغبن الفاحش وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ولا وجه لتقديره بمقدار معين ولا لحده بحد معلوم. قوله: "وبكونه موقوفا". أقول: قد عرفناك فيما سبق أن عقد الفضولي لا حكم له ولا اعتبار به بل إن أجازه المالك كان البيع الشرعي بها لأن التراضي المعتبر لم يحصل إلا عندها وإن لم يجزه كان وجوده كعدمه فليس هذا من بيع الخيار في شيء فلا فائدة لقوله وهما على تراخ ولا يورثان لأنه إذا لم يوجد الأصل وهو الخيار لم يوجد ما هو فرع له ومترتب عليه. وأما قوله: "وللرؤية والشرط والعيب" فما أراد المصنف بذكر هذه الثلاثة على هذه الصفة إلا تكميل عدد ما أفتتح به الباب من الخيارات وسنتكلم على كل واحد منها إن شاء الله في فصله. [فصل فمن اشترى غائبا ذكر جنسه صح وله رده عقيب رؤية مميزة بتأمل لجميع غير المثلى إلا ما يعفى ويبطل بالموت والإبطال بعد العقد وبالتصرف غير الاستعمال وبالتعيب والنقص عما شمله العقد غالبا وجس ما يحبس وبسكوته عليها وبرؤية من الوكيل لا الرسول ولبعض يدل على الباقي ومتقدمة فيما لا يتغير وله الفسخ قبلها وفرعية ما قبض وإن رد والقول له في نفي المميزة والبائع في نفي الفسخ] . قوله: "فمن اشترى غائبا ذكر جنسه صح". أقول: لا يخفاك أنه قد صح النهي أن يبيع البائع ما ليس عنده كما قدمناه وبيع البائع للغائب هو من بيع ما ليس عنده وصح أيضا النهي عن بيع الغرر وهو ما لم يقف المشتري على حقيقته والغائب عن المشتري الذي لم يكن قد رآه هو غير واقف على حقيقته فلا بد أن يأتي دليل يخصص هذا البيع من النهيين ولم يثبت في ذلك شيء تقوم به الحجة فإن حديث: "من اشترى ما لم يره فله الخيار" في إسناده من هو مهتم بالوضع كما قال ابن حجر في التلخيص وقد تفرد بروايته مرفوعا الدارقطني والبيهقي وقالا المعروف أن هذا من قول ابن سيرين وأيضا

стр. 565

قد روي من طريق مرسلة وفيها أيضا من لا يقوم به الحجة فلم يبق في الباب ما يصلح للتعويل عليه ومع هذا فقد عرفناك غير مرة أن البيع الشرعي هو التراضي فعلى تقدير أنهما تراضيا على بيع الغائب فلمن وجده على غير الصفة التي رضي بها أن يتركه لإنكشاف عدم الرضى المحقق وهذا هو معنى خيار الرؤية عند المثبتين له ولكنهم يقولون قد انعقد البيع بنفس العقد ونحن نقول إن إنكشافه على خلاف الصفة التي وقع التراضي عليها قد عاد على التراضي السابق بالنقض فكأنه لم يكن وإذا حصلت الرؤية وحصل الرضا عندها فهذا هو البيع والشراء لا ما تقدمه. وأما قوله: "ويبطل بالموت" فهو غير مستقيم على قواعدهم التي يعملون عليها لأن الخيار حق ثابت لصاحبه ومجرد موته لا يصلح سببا لبطلانه على وارثه والحق كالملك في انتقاله عن الميت إلي وارثه فلا بد من وجود مخصص لهذه الكلية الثابتة بعمومات الكتاب والسنة وبالإجماع على الجملة وأما بطلانه بالإبطال بعد العقد فوجهه أن حق له وهو مفوض فيه وأما كونه يبطل بالتصرف فلكونه مشعر بالرضا به ولا وجه للفرق بين التصرف به والاستعمال لأن كلا منهما مشعر بالرضا بالمبيع وهكذا لا وجه لبطلانه بالتعيب والنقص عما شمله العقد إلا أن يكون ذلك بفعل من له الخيار فإنهما يشعران بالرضا بالمبيع ولا فائدة لقوله وجس ما يجس لأن ذلك قد دخل تحت قوله بتأمل لجميع غير المثلى والتأمل هو كل شيء يجسه وبما يهتدي به إلي معرفته والجس هو بمعنى التأمل لما يجس. وأما قوله: "وسكوته عقبها" فوجهه أنه مشعر بالرضا به وفيه ما فيه كما قدمنا في نظائره وأما الرؤية من الوكيل لها فلأنه ينكشف بها ما ينكشف برؤية الموكل إذا كان الوكيل له خبرة بمثل ذلك المبيع بخلاف الرسول المرسل لقبض المبيع فإنه غير قاصد للاطلاع على حقيقته ولا هو مبعوث من مرسله لهذا المقصد وأما ما ذكره من الرؤية للبعض يدل على الباقي فوجهه أن الشيء المتفق تقوم رؤية بعض أجزائه مقام الرؤية لجميعها وهكذا الرؤية المتقدمة فيما لا يتغير فإن الرائي قد وقف على حقيقته وليس المراد من الرؤية حال العقد وبعده إلا ذلك. وأما قوله: "وله الفسخ قبلها" فخبط على غير قياس فإن المناط عندهم هو أن يوجد المبيع غير مطابق لغرض المشتري وقبل الرؤية لا حصول لهذا المعنى. وأما قوله: "وفرعية ما قبض وإن رد" فلا وجه له لأن الرد قد كشف أن المبيع باق على ملك البائع وفوائده تابعة لأصله وما عللوا به لمثل هذا غير صالح لتسويغ مال الغير بغير طيبة من نفسه. وأما قوله: "والقول له في نفي المميزة وللبائع في نفي الفسخ" فوجهه أن الأصل عدم الرؤية وعدم كونها مميزة وعدم وقوع الفسخ فهذا حاصل ما ينبغي أن يقال على كلامهم في هذا الفصل تصحيحا وتسقيما والحق عندنا ما قررناه في أول الفصل فاعرفه فإنه مشى مع الدليل لا مع القال والقيل.
следующие страницы →