← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

الخيار له أسباب يضاف إلي كل واحد منها وسنوضح لك إن شاء الله الكلام في كل واحد منها. قوله: "لتعذر تسليم المبيع". أقول: قد قدمنا لك أن البيع والشراء هو حصول التراضي من البائع والمشتري فالمشتري رضي بالعين المبيعة والبائع رضي بالثمن المقابل لها وإذا تعذر تسليم العين المبيعة ارتفع التراضي المعتبر فلا بيع ولا شراء بل وجود التراضي المتقدم كعدمه لأنه قد انكشف عدم وجود متعلقه الذي كان التراضي عليه والثمن إنما يلزم بعد وجود عين المبيع ومصيرها إلي المشتري فمثل هذا لا ينبغي أن يجعل من أنواع الخيار بل ينبغي أن يعد في مبطلات البيع هذا إذا تعذر تسليمه مطلقا أما إذا تعذر في مدة ثم أمكن فقد دخل البائع في بيع منهي عنه لأنه باع ما ليس عنده فكان من هذه الحيثية غير صحيح وإذا لم يصح التبايع فعند عود المبيع إذا شاء اتبايعا وإلا فهو باق على ملك البائع الأول ولا حكم لما وقع منهما من التبايع مع تعذر التسليم وبهذا تعرف أنه لا فائدة لقوله وهو لهما في مجهول الأمد وللمشتري الجأهل في معلومة. قوله: "ولفقد صفة مشروطة". أقول: هذا نوع من خيار الغرر لأن المشتري لم يقف على حقيقة المبيع كما ينبغي مع مزيد الغرر باشتراطه لتلك الصفة في المبيع وانكشاف عدمها فلا وجه لعدة خيارا مستقلا. قوله: "وللغرر كالمصراة". أقول: هذا نوع من أنواع الغرر لأن البائع قد غرر المشتري بالتصرية فلم يقف على حقيقة المبيع وما هو الغرض الحامل على شرائه وهذا النوع قد ثبت النص عليه بالسنة الصحيحة الثابتة في الصحيحين وغيرهما من طرق وفيها أن النبي ﷺ قال في المصراة: "فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين من بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر"، وقد بسطنا القول على هذا الحديث في شرحنا للمنتقي وبسطنا الكلام في الرد على من خالفه والمقام لا يتسع لبعض ذلك. قوله: "وصبرة علم قدرها البائع فقط". أقول: وهذا أيضا نوع من أنواع خيار الغرر فإنه إذا لم يقف البائع على قدرها ولا عرف حقيقتها فبالأولى المشتري والخيار ثابت لهما جميعا ولا وجه لجعله لأحدهما دون الآخر وقد قدمنا أن هذا أعنى بيع الصبرة الذى هو نوع من بيع الجزاف قد خصصه دليله من أحاديث النهي عن بيع الغرر وما لم يبطل من بيوع الغرر فالخيار ثابت فيه كما في بيع الصبرة والمصراة ونحوهما. قوله: "وللخيانة في التولية والمرابحة". أقول: هذا سبب من أسباب الخيار لأن الخيانة خديعة وقد ثبت في الصحيحين [البخاري

стр. 562

"٤/٣٣٧"، مسلم "٤٨/١٥٣٣"، وغيرهما [أبو داود "٣٥٠٠"، النسائي "٧/٢٥٢"، أحمد "٥٠٣٦، ٥٤٠٥، ٥٢٧١، ٥٥١٥، ٥٥٦١، ٥٨٥٤"] ، من حديث ابن عمر قال ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال: "من بايعت فقل لا خلابة"، والخلابة الخديعة فإذا انكشف أن البائع أو المشتري خدع أحدهما الآخر بنوع من أنواع الخديعة التي من جملتها الخيانة فالخيار ثابت أما إذا اشترط أحد المتبايعين ذلك فظاهر وأما إذا لم يشترط فالبيع مشتمل على الغرر الذى هو المناط الأعظم في الخيارات وقد ثبت في حديث عند البخاري في التاريخ وابن ماجه والدارقطني أنه ﷺ قال لذلك الرجل الذي كان يخدع في البيوع: "ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها"، فهذا من جملة ما خصص بيع الغرر من أحاديث النهي مع ثبوت الخيار. قوله: "ولجهل قدر الثمن أو المبيع". أقول: هذا أيضا من جملة أنواع الغرر لعدم الإحاطة بالمجهول من المبيع أو الثمن فإن ورد دليل يدل على صحة هذا التبايع مع ثبوت الخيار فذاك وألا فالظاهر أنه بيع باطل لاشتماله على ما نهى عنه الشرع من الغرر وأيضا التراضي الذى هو المناط في صحة البيع والشراء ليس بمتحقق مع الجهالة فلم يوجد ما هو المعتبر في هذه المعاملة. قوله: "أو تعيينه". أقول: الغرر في هذا ظاهر واضح فأن جعل البائع للمشتري الخيار في الاختيار فقد دلت السنة الصحيحة أنه يصح كما في حديث: "أو يقول لصاحبه اختر" في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه اختر"، وربما قال: "أو يكون بيع الخيار" وأما إذا لم يقع الخيار فلا يصح البيع من أصله لأنه من بيع الغرر المنهي عنه ولكونه لم يتحقق التراضي الذى هو مناط البيع والشراء. قوله: "وهذه على التراخي". أقول: لا وجه لهذا لا من دليل صحيح ولا من رأي مستقيم أما الدليل فقد دل على أن الخيار في المصراة وفي الخديعة ثلاثة أيام وخيار التعيين مطلق حتى يختار وباقي الخيارات المتقدمة ينبغي أن يكون إلي الوقت الذي يطلع فيه صاحبه على ما لا بد من الاطلاع عليه فإذا وقع منه ذلك ولم يفسخ فلا خيار له. قوله: "ويورث". أقول: إذا كان الخيار ثابتا للبائع أو المشتري بدليل شرعي فاخترمته المنية قبل أن يقع منه الخيار وقبل أن تنقضي مدة الخيار المؤقت شرعا والمؤقت بتراضي البائع والمشتري فلا شك أن هذا الحق الثابت يكون حقا لوارثه فيثبت له ما ثبت له كسائر الحقوق وهكذا سائر الخيارات الآتية وما قيل فيه بأنه لا يورث منها فذلك رأي بحت مخالف لما أثبته الكتاب العزيز والسنة من ميراث الأملاك والحقوق ولم يأتوا في الفرق بشيء إلا بما هو هباء أو سراب بقيعة.

стр. 563

قوله: "ويكلف التعيين بعد المدة". أقول: قد قدمنا أنه لا يصح البيع مع عدم التعيين إلا بشرط الخيار فإذا شرطه كان الاختيار موكولا إلي نظر من له الخيار إن وقع منه الاختيار نفذ البيع وإن لم يقع منه الاختيار فلا بيع وبهذا تعرف أنه لا وجه لتكليفه للتعيين بل يقال له اختر أو اترك فإذا سكت حتى مضت المدة فلا بيع لأن ذلك ترك للاختيار وهو يكفي من غير ما ذكره المصنف من التكليف. قوله: "ولغبن صبي أو متصرف عن الغير فاحشا". أقول: خيار الغبن قد أشار إليه رسول الله ﷺ بما قدمنا من حديث ابن عمر في الصحيحين وغيرهما قال ذكر رجل لرسول الله ﷺ أنه يخدع في البيوع فقال: "من بايعت فقل: لا خلابة"، وأخرجه أحمد "٣/٢١٧"، وأهل السنن [أبو داود "٣٥٠١"، الترمذي " ١٢٥٠"، النسائي "٧/٢٥٢"، ابن ماجة "٢٣٥٤" وصححه الترمذي "٣/٥٥٢"، من حديث أنس أن رجلا على عهد رسول الله ﵌ كان يبتاع وكان في عقدته يعني في عقله ضعف فدعاه ونهاه فقال: يا رسول الله إني لا أصبر عن البيع فقال: "إن كنت غير تارك للبيع فقل ها وها ولا خلابة"، وأخرجه البخاري في تاريخه وابن ماجه والدارقطني عن محمد بن يحيى بن حبان قال هو جدي يعني الرجل الذي كان يخدع في البيوع وكان رجلا قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه وكان لا يدع على ذلك التجارة وكان لا يزال يغبن فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له فقال: "إذا أنت بايعت فقل: لا خلابة ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال إن رضيت فأمسك وإن سخطت فارددها على صاحبها". فظهر بهذا أن من كان غير عارف بحقائق الأمور قاصر الفكرة عن معرفة مقادير أثمان المبيعات وما يصلح منها وما لا يصلح فله الخيار حتى يستشير من له خبرة بذلك وذلك ثلاث ليال فيلحق به كل من باع شيئا أو اشتراه وهو غير عارف به وبمقدار قيمته وإن كان مكلفا والنساء في هذا البيع أكثر وقوعا من غيرهن لنقص عقولهن وعدم كمال تمييزهن فإذا وقع الاشتراط من الرجل المتصف بالصفة التى ذكرناها أو من المرأة كما وقع من حبان بن منقذ فهذا خيار أثبته رسول الله ﷺ وقدر مدته رسول الله ﷺ وهو من خيار المغابنة وأما إذا لم يقع الاشتراط فمعلوم أن البيع الذى مناطه التراضي لا يتم إلا بالرضا المحقق فإن كان البائع قد رضي بما دفع إليه من الثمن مع علمه أن ذلك هو دون ثمن مثله فلا خيار له بعد ذلك وإن لم يعلم وكان معتقدا أن ذلك هو الثمن الذى تباع به تلك العين فقد كشف ظهور أن العين فوق ذلك الثمن أو أن الثمن فوق تلك العين على أن المشتري أو البائع لم يحصل منهما أو من أحدهما الرضا المحقق وطيب النفس وذلك موجب لعدم حصوله المناط الشرعي بلا يتم التبايع بينهما فإذا حصل الاختلاف فقال البائع قد تبين له أن قيمة مبيعه أكثر أو قال المشتري قد تبين له أن الثمن الذي دفعه أكثر من ثمنه وجب على القاضي أن يرفع الخصومة بينهما بتفويض الأمر إلي العدول الذين لهم خبرة بذلك المبيع ويعمل على قولهم. وأما إذا كان البائع وكيلا للمالك أو وليا للصبي أو المجنون فالخيار ثابت بطريق الأولى لكن لا مطلقا بل إذا أخبر العدول بالغبن على البائع أو المشتري ووجه ذلك واضح لأنه لم

стр. 564

يرض المالك إلا بما هو المعتاد في الأعيان والأثمان وإذا قال الصبي بعد تكليفه أو المجنون بعد صحته إنه مغبون كان على القاضي أن يأمر العدول بتقويم العين المبيعة وقت بيعها فإن تقرر الغبن ثبت الخيار لأنه انكشف بالغبن أن الولي لم يتصرف بالعدل كما قال الله سبحانه فلا حكم لتصرفه ولا للرضا الواقع منه فلا بد من حصول الرضا منهما عند زوال المانع من الصغر والجنون ولا بد أن يكون هذا الغبن مما لم تجر للناس عادة باختصار مثله والتسأهل في المعاملات به فهذا هو الغبن الفاحش وذلك يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص ولا وجه لتقديره بمقدار معين ولا لحده بحد معلوم. قوله: "وبكونه موقوفا". أقول: قد عرفناك فيما سبق أن عقد الفضولي لا حكم له ولا اعتبار به بل إن أجازه المالك كان البيع الشرعي بها لأن التراضي المعتبر لم يحصل إلا عندها وإن لم يجزه كان وجوده كعدمه فليس هذا من بيع الخيار في شيء فلا فائدة لقوله وهما على تراخ ولا يورثان لأنه إذا لم يوجد الأصل وهو الخيار لم يوجد ما هو فرع له ومترتب عليه. وأما قوله: "وللرؤية والشرط والعيب" فما أراد المصنف بذكر هذه الثلاثة على هذه الصفة إلا تكميل عدد ما أفتتح به الباب من الخيارات وسنتكلم على كل واحد منها إن شاء الله في فصله. [فصل فمن اشترى غائبا ذكر جنسه صح وله رده عقيب رؤية مميزة بتأمل لجميع غير المثلى إلا ما يعفى ويبطل بالموت والإبطال بعد العقد وبالتصرف غير الاستعمال وبالتعيب والنقص عما شمله العقد غالبا وجس ما يحبس وبسكوته عليها وبرؤية من الوكيل لا الرسول ولبعض يدل على الباقي ومتقدمة فيما لا يتغير وله الفسخ قبلها وفرعية ما قبض وإن رد والقول له في نفي المميزة والبائع في نفي الفسخ] . قوله: "فمن اشترى غائبا ذكر جنسه صح". أقول: لا يخفاك أنه قد صح النهي أن يبيع البائع ما ليس عنده كما قدمناه وبيع البائع للغائب هو من بيع ما ليس عنده وصح أيضا النهي عن بيع الغرر وهو ما لم يقف المشتري على حقيقته والغائب عن المشتري الذي لم يكن قد رآه هو غير واقف على حقيقته فلا بد أن يأتي دليل يخصص هذا البيع من النهيين ولم يثبت في ذلك شيء تقوم به الحجة فإن حديث: "من اشترى ما لم يره فله الخيار" في إسناده من هو مهتم بالوضع كما قال ابن حجر في التلخيص وقد تفرد بروايته مرفوعا الدارقطني والبيهقي وقالا المعروف أن هذا من قول ابن سيرين وأيضا

стр. 565

قد روي من طريق مرسلة وفيها أيضا من لا يقوم به الحجة فلم يبق في الباب ما يصلح للتعويل عليه ومع هذا فقد عرفناك غير مرة أن البيع الشرعي هو التراضي فعلى تقدير أنهما تراضيا على بيع الغائب فلمن وجده على غير الصفة التي رضي بها أن يتركه لإنكشاف عدم الرضى المحقق وهذا هو معنى خيار الرؤية عند المثبتين له ولكنهم يقولون قد انعقد البيع بنفس العقد ونحن نقول إن إنكشافه على خلاف الصفة التي وقع التراضي عليها قد عاد على التراضي السابق بالنقض فكأنه لم يكن وإذا حصلت الرؤية وحصل الرضا عندها فهذا هو البيع والشراء لا ما تقدمه. وأما قوله: "ويبطل بالموت" فهو غير مستقيم على قواعدهم التي يعملون عليها لأن الخيار حق ثابت لصاحبه ومجرد موته لا يصلح سببا لبطلانه على وارثه والحق كالملك في انتقاله عن الميت إلي وارثه فلا بد من وجود مخصص لهذه الكلية الثابتة بعمومات الكتاب والسنة وبالإجماع على الجملة وأما بطلانه بالإبطال بعد العقد فوجهه أن حق له وهو مفوض فيه وأما كونه يبطل بالتصرف فلكونه مشعر بالرضا به ولا وجه للفرق بين التصرف به والاستعمال لأن كلا منهما مشعر بالرضا بالمبيع وهكذا لا وجه لبطلانه بالتعيب والنقص عما شمله العقد إلا أن يكون ذلك بفعل من له الخيار فإنهما يشعران بالرضا بالمبيع ولا فائدة لقوله وجس ما يجس لأن ذلك قد دخل تحت قوله بتأمل لجميع غير المثلى والتأمل هو كل شيء يجسه وبما يهتدي به إلي معرفته والجس هو بمعنى التأمل لما يجس. وأما قوله: "وسكوته عقبها" فوجهه أنه مشعر بالرضا به وفيه ما فيه كما قدمنا في نظائره وأما الرؤية من الوكيل لها فلأنه ينكشف بها ما ينكشف برؤية الموكل إذا كان الوكيل له خبرة بمثل ذلك المبيع بخلاف الرسول المرسل لقبض المبيع فإنه غير قاصد للاطلاع على حقيقته ولا هو مبعوث من مرسله لهذا المقصد وأما ما ذكره من الرؤية للبعض يدل على الباقي فوجهه أن الشيء المتفق تقوم رؤية بعض أجزائه مقام الرؤية لجميعها وهكذا الرؤية المتقدمة فيما لا يتغير فإن الرائي قد وقف على حقيقته وليس المراد من الرؤية حال العقد وبعده إلا ذلك. وأما قوله: "وله الفسخ قبلها" فخبط على غير قياس فإن المناط عندهم هو أن يوجد المبيع غير مطابق لغرض المشتري وقبل الرؤية لا حصول لهذا المعنى. وأما قوله: "وفرعية ما قبض وإن رد" فلا وجه له لأن الرد قد كشف أن المبيع باق على ملك البائع وفوائده تابعة لأصله وما عللوا به لمثل هذا غير صالح لتسويغ مال الغير بغير طيبة من نفسه. وأما قوله: "والقول له في نفي المميزة وللبائع في نفي الفسخ" فوجهه أن الأصل عدم الرؤية وعدم كونها مميزة وعدم وقوع الفسخ فهذا حاصل ما ينبغي أن يقال على كلامهم في هذا الفصل تصحيحا وتسقيما والحق عندنا ما قررناه في أول الفصل فاعرفه فإنه مشى مع الدليل لا مع القال والقيل.

стр. 566

[فصل ويصح ولو بعد العقد لا قبله شرط الخيار مدة معلومة لهما أو لأحدهما أو لأجنبي فيتبعه الجاعل إلا لشرط ويبطل بموت صاحبه مطلقا فيتبعه المجعول له وبإمضائه ولو في غيبة الآخر وهو على خياره عكس الفسخ وأي تصرف لنفسه غير تعرف كالتقبيل والشفع والتأجير ولو إلي المشتري غالبا وبسكوته لتمام المدة عاقلا ولو جأهلا حتى انقضت] . قوله: "ويصح ولو بعد العقد لا قبله شرط الخيار". أقول: هذا الخيار قد جاءت به السنة الصحيحة منها ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يقول أحدهما لصحابه اختر" وربما قال: "أو يكون بيع الخيار"، وفي لفظ لهما أنه ﷺ قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يخبر أحدهما الآخر فإن خير أجدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع" وفي لفظ لهما أيضا: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" ففي هاتين الروايتين قد جعل الخيار قسيما للتفرق فإذا تفرقا فقد وجب البيع إلا أن يكون بينهما خيار فإنه لا يجب البيع إلا بالاختيار وإن تفرقا. وقد وقع الخلاف بين أهل العلم في هذا الاستثناء كما أوضحناه في شرح المنتقى على ثلاثة أقوال وأحسنها ثالثها وهو أن المراد بهذا الاستثناء أنهما بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق وإلا أن يكون البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق قال ابن حجر في الفتح وهو قول يجمع التأويلين الأولين انتهى وفي الباب أحاديث كلها تدل على ثبوت خيار الشرط ومنها قصة حبان بن منقذ التي قدمنا ذكرها فإنها مصرحة بإثبات خيار الشرط بعد التفرق. وأما قوله: "مدة معلومة" فوجهه عدم استقرار البيع مع جهالة مدة الخيار والظاهر أنه يصح مع جهالة المدة وإذا تراخى من له الخيار عن الاختيار كان للآخر مطالبته لذلك وعند ذلك يستقر البيع أو يبطل. وأما قوله: "لهما أو لأحدهما أو لأجنبي" فصحيح لأن الأمر مفوض إليهما أو إلي من له الخيار. قوله: "ويبطل بموت صاحبه". أقول: عللوا هذا البطلان بما لا يصلح له فإن الحق الذي لصاحب الخيار يثبت لوارثه لأنه من جملة ما ينقل إلي الوارث كما قدمنا وعلى تقدير أنه لم يطلع على ما يختاره مورثه فله أن يختار ما يوافقه بحكم الخلافة منه لمورثه وانتقال الحق إليه. وأما قوله: "ويبطل بامضائه" فصحيح ولكن جعل هذا من المبطلات خلاف المعقول فإنه إذا أمضى البيع فهو معنى ما جعل له من الخيار لأنه تفويض له أن يختار أحد الأمرين أما

стр. 567

الفسخ أو الإمضاء أو هذا المبيع أو هذا فهو بالإمضاء قد فعل ما جعل له ولم يبطله فإن أرادوا أن معنى بطلان الخيار أنه لا يصح منه أنه يختار الفسخ بعد اختيار الإمضاء فهذا معلوم ولكنه شيء غير بطلان الخيار بل معناه أنه قد صح خياره وفعل أحد الأمرين فليس له أن يرجع عما قد فعله من الاختيار للإمضاء وما ذكره من الفرق بين الإمضاء والفسخ من اشتراط كون الثاني في وجه الآخر دون الفسخ لا وجه له من رواية ولا رأي. وأما قوله: "وبأي تصرف لنفسه" الخ فوجهه أن ذلك مشعر باختيار الإمضاء كما قدمنا. وهكذا قوله: وسكوته لتمام المدة لإشعاره بذلك على ما في هذا الإشعار من عوج فإن نسبة الدلالة إلي مجرد السكوت لا يكون إلا عند عوارض مشعرة بعدم تيسر النطق ولو بمجرد الحياء كما في قوله ﷺ : في البكر "إذنها صماتها". وأما قوله: "وبردته حتى انقضت" فلا وجه له بل ينتقل هذا الخيار إلي من ينتقل إليه مال المرتد. [فصل وإذا انفرد به المشتري عتق عليه وشفع فيه وتعيب وتلف في يده من ماله فيبطل وإلا فالعكس والفوائد فيه لمن استقر له الملك والمؤن عليه وينتقل إلي وارث من لحق وولي من جن وصبي بلغ ويلغو في النكاح والطلاق والعتاق والوقف ويبطل الصرف والسلم إن لم يبطل في المجلس والشعفة] . قوله: "وإن انفرد به المشتري عتق عليه". أقول: المشتري بخيار شرط لا يدخل المبيع في ملكه إلا باختياره وهو قبل اختياره باق في ملك بائعه استصحابا للحال أو عملا باليد الأصلية فلا يعتق عليه ولا شفع ولا يتعيب ويتلف من ماله وإن كان في يده فهذه اليد غير مستقرة بل مشروطة بالاختيار للإمضاء وهكذا لا تكون المؤن عليه بل على البائع حتى يستقر ملك المشتري وهكذا الفوائد تكون للبائع حتى يستقر ملك المشتري وإذا استقر كانت له من وقت الاستقرار. أما قوله: "وينتقل إلي وارث من لحق وولي من جن وصبي بلغ" فصحيح أما وارث من لحق فلما قدمنا في مواضع من كون الخيار بجميع أقسامه يورث وأما انتقاله إلي ولي من جن فلقوله سبحانه: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] . وأما انتقاله إلي صبي بلغ فلكونه صاحب الحق على الحقيقة وقد صار صحيح التصرف. قوله: "وبلغو في النكاح". أقول: قد صح عن رسول الله ﷺ : "أن أحق ما وفيتم به من الشروط ما استحللتم به

стр. 568

الفروج" إلا أن يشترط عليه ما يرفع موجب النكاح ويخالف مقتضاه وأما في الطلاق والعتاق والوقف فوجه عدم صحة الخيار في هذه الأمور أنه تقييد لإنشاء فاعلها والإنشاء لا يتقيد ولا أرى هذا التعليل صحيحا فإنه إذا قال طلقت فلانة إن اختارت ذلك أو أعتقت العبد إن اختار ذلك أو وقفت هذا على فلان إن قبل كان هذا التقييد بالشروط المذكورة للإنشاء المذكور صحيحا فكيف لا يصح أن يقيدها فاعلها باختيار نفسه إلي وقت يردد فيه فكره ويصحح فيه رأيه ولا يصح قياس هذا على نفوذ ما ينفذ منها من الهازل كما وردت السنة بذلك حسبما قدمنا لأن الهزل باب آخر والشرط وخياره باب آخر وقيل إن خيار الشرط لم يثبته الشارع إلا في البيع فيكون خاصا به لا بسائر المعاملات والإنشاءات ولكنه يقال إن كانت العلة المعأوضة لحق بالبيع ما فيه معأوضة وإن كانت العلة كون البيع فيه وجهتان لحق به ما كان كذلك ومن أثبت مثل هذا القياس في غير هذا الموضع فلا عذر له من القول به هنا. قوله: "ويبطل الصرف والسلم". أقول: علله المصنف باشتراط التقابض في المجلس والباب واسع من هذه فإنه قد تقدم في الربويات فإن اتفقا فيما اشترط الملك والحلول فعلى هذا أن خيار الشرط يبطل كل ما كان التقابض في المجلس شرطا فيه مع أن نفس اشتراط الخيار لا يستلزم عدم التقابض فإذا تقابضا وشرط الخيار لهما أو لأحدهما لم يكن ذلك مبطلا للصرف والسلم ولا لما هو في حكمهما في اشتراط التقابض بل إذا اختار من له الخيار الفسخ رد كل واحد منهما تلك العين التي قبضها كما هى أما إذا كان شرط الخيار مضمونا إليه تأخر قبض أحد البدلين كان باطلا إن لم يبطل في المجلس وكذلك المعاملة باطلة لما فيها من النسيئة التي يقول فيها ﷺ : "إنما الربا في النسيئة"، ولكن هذا البطلان ليس لشرط الخيار بل لتأخير القبض. وأما قوله: "والشفعة" فمبني على أنها تبطل بالتراخي وسيأتي إنشاء الله الكلام على هذا في كتاب الشفعة. [فصل وما ثبت أو حدث في المبيع قبل القبض وبقي أو عاد مع المشتري وشهد عدلان ذوا خبرة أنه عيب ينقص القيمة رد به ما هو على حاله حيث وجد المالك ولا يرجع بما أنفق ولو علم البائع] . قوله: "وما ثبت أو حدث في المبيع قبل القبض" الخ. أقول: الأصل في ثبوت خيار العيب والرد به ما أخرجه أحمد "٦/٨٠، ١١٦"، وأبو دأود "٣٥١٠"، وابن ماجة "٢٢٤٣"، من حديث عائشة أن رجلا ابتاع غلأما فاستغله ثم وجد به عيبا

стр. 569

فرده بالعيب فقال البائع غلة عبدي فقال النبي ﷺ : "الغلة بالضمان" وفي لفظ من حديثهما: أن النبي ﷺ قضى أن الخراج بالضمان وأخرجه بهذا اللفظ أحمد "٦/٤٩، ١٦١، ٢٠٨، ٢٣٧"، وأهل السنن [أبو داود "٣٥٠٨"، الترمذي "١٢٨٥"، النسائي "٧/٣٥٤، ٢٥٥"، ابن ماجة "٢٢٤٢"] ، وصححه الترمذي "٣/٨٥٢"، وابن حبان وابن الجارود والحاكم وابن القطان ومن جملة من صححه ابن خزيمة كما حكى ذلك الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام وحكي عنه في التلخيص أنه قال لا يصح وقد ضعفه البخاري وقد ثبت الحديث بتصحيح هؤلاء الأئمة له وله في سنن أبي دأود ثلاث طرق اثنتان منهما رجالهما رجال الصحيح ومعنى قوله: "الخراج بالضمان" أن فوائد المبيع يملكها المشتري بسبب ضمانه للمبيع إذا أتلف عنده فالباء سببية وظاهر الحديث أن العيب الذي حصل به الرد هو عيب كان عند البائع والاعتبار بكونه عيبا في عرف الناس وعند أهل الخبرة منهم سواء كان ينقص القيمة أم لا. وأما قوله: "رد به ما هو على حاله" فالظاهر أنه يرد به على كل حال وسيأتي الكلام على ذلك وأما قوله: "ولا يرجع بما أنفق" فوجهه أنه أنفق على ملكه كما قالوا وفيه نظر لأن البائع إذا باع ما فيه عيب فقد حصل منه الغرر على المشتري فهو غرم لحق المشتري بسبب تغريره ولا سيما إذا كان عالما هو عاص ببيع المعيب مخالف للشريعة كما في حديث: "لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه له"، أخرجه أحمد وابن ماجة والدارقطني والحاكم والطبراني من حديث عقبة من عامر قال ابن حجر في الفتح وإسناده حسن وأخرج أحمد وابن ماجة والحاكم في المستدرك من حديث واثلة قال قال رسول الله ﷺ : "لا يحل لأحد أن يبيع شيئا إلا بين ما فيه ولا يحل لأحد يعلم ذلك إلا بينه"، وفي إسناده مقال وأخرج مسلم وغيره من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ مر برجل يبيع طعأما فأدخل يده فيه فإذا هو مبلول فقال: "من غشنا فليس منا"، وأخرج الترمذي والنسائي وأبي ماجة وابن الجارود عن العداء بن خالد بن هوذة قال: كتب لي رسول الله ﷺ كتابا: "هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله ﷺ اشترى منه عبدا أو أمة لأداء ولا غائلة ولا خبثه بيع المسلم المسلم". وأما قوله ﷺ : "الخراج بالضمان"، فقد قدمنا أن المراد به ضمان المبيع إذا تلف فكل ما انتفع به من فوائد المبيع فهو إلي مقابل هذا الضمان لا إلي مقابل الإنفاق. [فصل ولا رد ولا أرش إن تقدم العلم ولو أخبر بزوال ما يتكرر أو رضي ولو بالصحيح منه أو طلب الإقالة أو عالجه أو زال معه أو تصرف بعد العلم بأي تصرف غالبا أو تبرأ البائع

стр. 570

من جنس عينه أو قدر منه وطابق لا مما حدث قبل القبض فيفسد] . قوله: "ولا رد ولا أرش" الخ. أقول: هذا صحيح لأن تقدم علم المشتري بالعيب وإقدامه على الشراء بعد العلم يدل على أنه قد رضي به دلالة بينة واضحة. وأما قوله: "أو أخبر بزوال ما يتكرر" فلا بد أن يعلم أن ذلك العيب مما يتكرر أو يبين له البائع ذلك وإلا ثبت له الرد وأما إذا رضي بالعيب فليس بعد الرضي شيء. وأما قوله: "ولو بالصحيح منه" فغير مسلم فإن الرضا بالصحيح دون المعيب لا يستلزم الرضا بالمعيب ولا يكون تفريق الصفقة موجبا لعدم الرد وإذا كان على البائع في التفريق ضرر كان المانع هو هذا لا مجرد تفريق الصفقة فيما لا ضرر في تفريقه وقد قدمنا عند قول المصنف ومتى انضم إلي جائز البيع غيره فسد ما قد عرفته. وأما ما ذكره من طلب الإقالة والمعالجة والتصرف بعد العلم ففي بطلان الرد الثابت شرعا بهذه الأمور نظر لأن إشعار هذه بالرضي بالعيب غير مسلم بل قد بطلت الإقالة محاسنه وطلبا لرضاء البائع بدون خصومه وقد يعالجه لرجاء أن يذهب فلا يرده فإذا لم يذهب فهو على حجته وهكذا التصرف بشيء من فوائده فإن ذلك مما أباحه له الشرع كما تقدم في الحديث. وهكذا إذا تصرف بالعين نفسها ثم ردت عليه بذلك العيب فحقه في الرد ثابت بالشرع ولا يمنع عنه إلا دليل من الشرع أو الرضا المحقق أو ما يشعر بالرضا المحقق وهو تقدم العلم بالعيب وهكذا إذا تبرأ البائع من عيب معين أو من جنس من أجناس العيوب فإن المشتري إذا قبل ذلك فقد رضي لنفسه إذا لم يكن العيب الموجود إلا ما تبرأ منه البائع لا إذا انكشف زائدا عليه ثبت له الرد بالزيادة. وأما قوله: "لا مما حدث قبل القبض" فيفسد ففيه نظر لأن المشتري رضي لنفسه وهو بالغ عاقل والرضا هو المناط الشرعي في البيع فليس لنا أن نقول لا حكم لهذا الرضا لأنه منع لمناط شرعي بغير دليل وأما تعليل ذلك بأنه شرط مقارن للعقد فيقضي فساد عقد البيع فقد عرفت مما قدمنا في الشروط ما يندفع به هذا التعليل. [فصل ويستحق الأرش لا الرد بالرضا بتلفه أو بعضه في يده ولو بعد امتناع البائع عن القبض أو القبول مع التخلية وبخروجه أو بعضه عن ملكه قبل العلم ولو بعوض ما لم يرد عليه بحكم وبتعيبه معه بجناية يعرف العيب بدونها ممن تضمن جنايته وفي عكسها يخير بين أخذه وأرش القديم أو رده وأرش الحديث إلا عن سبب قبل القبض فلا شيء فإن زال

стр. 571

أحدهما فالتبس أيهما تعين الأرش ووطؤه ونحوه جناية وبزيادته معه ما لا ينفصل بفعله وفي المنفصل يخير بين أحد الأرش أو القلع والرد فإن تضرر بطل الرد لا الأرش ولو كان الزائد بها ثمن المعيب قيميا سليما لم تبطل واستحق قيمة الزيادة كلو تضررت الزيادة وحدها فيها وأما بفعل غيره فيرده دون الفرعية مطلقا وكذا الأصلية إلا بحكم فيضمن تالفها] . قوله: "ويستحق الأرش لا الرد إلا بالرضا بتلفه أو بعضه في يده". أقول: أما تلفه فظاهر لأن الأرش هنا غاية ما يمكن بعد تلف المبيع وأما إذا تلف بعضه فله رد الباقي وأخذ أرش التالف لأن الشرع قد أثبت له رد المعيب كله فرد بعضه بالأولى وما عللوا به من تفريق الصفقة لا وجه له. وأما قوله: "ولو بعد امتناع البائع عن القبض أو القبول مع التخلية" فظاهر لأن المشتري قد استحق الرد مع البقاء والأرش مع التلف فلا فرق بين أن يكون التلف بعد الرد أو قبله ولا بين رضا البائع بالرد أو امتناعه. قوله: "وبخروجه أو بعضه عن ملكه قبل العلم ولو بعوض". أقول: إذا خرج عن ملكه قبل العلم بالعيب فهو على حجته وقد أثبت له الشرع رد المعيب وخروجه عن ملكه قبل علمه بعيبه لا يبطل حقه الثابت بالشرع فله استرجاعه ورده بعينه بذلك العيب ولم يمنع من الرد رواية صحيحة ولا رأى مستقيم وأما إذا أخرجه عن ملكه بعد العلم بالعيب فإن رد عليه لذلك العيب فله رده على البائع منه وأن طولب من المشتري الآخر بالأرش فله أن يرجع به على البائع منه لأنه غرم لحقه بسببه وإن رضي به المشتري منه ولم يطالبه برد ولا أرش فقد صح البيع ولم يلحقه نقص بسبب العيب فلا يطالب البائع منه بشيء والحاصل أن مثل هذه المسائل مما يقضي منه العجب لأنها مبنية على غير أساس وأعجب من هذا من يدعي الإجماع على مثل هذه الخرافات. قوله: "وبجناية يعرف العيب بدونها ممن يضمن جنايته". أقول: الجناية مضمونة على الجاني سواء كان المشتري أو غيره وذلك غير مانع من الرد فيرده للمشتري مع الأرش اللازم وكأنها وقعت الجناية على المبيع وهو في ملك البائع ولا يكون مثل هذا مبطلا لحق المشتري الثابت بالشرع وليس ها هنا رواية ولا رأي صحيح يصلحان للمنع من الرد. وأما قوله وفي عكسها يخير الخ فهذا صحيح لأن الحق للمشتري فما رضي به لزمه ولزم البائع قبوله إلا أن يختار رد المبيع إليه بلا أرش فله ذلك. وأما قوله: "إلا عن سبب قبل القبض فلا شيء" فوجهه أن ذلك التعيب كان لهذا السبب ولا اختيار للمشتري في لكونه عن السبب المتقدم على العقد. وأما قوله: "فإن زال فالتبس أيهما تعين الأرش" يعني على البائع للمشتري والأولى أن

стр. 572

يقال تعين الرد للمبيع على بائعه بالدليل الصحيح وإذا نقص عن قيمته وقت الشراء بسبب من المشتري كان للبائع المطالبة بأرش النقص إلا أن يختار المشتري بقاءه لديه وأخذ الأرش فله ذلك. وأما قوله: "ووطؤه ونحوه جناية" فصحيح ولكنه إذا أوقع الحمل امتنع الرد لوجود سبب العتق وله أن يرجع بالأرش لأن المفروض أنه وطيء قبل العلم بالعيب وأما إذا لم يقع الحبل فله الرد ويسلم أرش النقص إن حصل بذلك نقص. قوله: "وبزيادته معه ما لا ينفصل". أقول: لا وجه لجعل هذه الزيادة مبطلة للرد بل نقول للمشتري الرد بالدليل المتقدم وهذه الزيادة مضمونة على البائع لأنه غره ببيع المعيب منه وإن اختار المشتري الأرش فله ذلك وأما الزيادة المنفصلة فإن شاء المشتري أخذها ورد المبيع وإن شاء تركها ورد المبيع وليس له أن يطالب بالأرش لأن الزيادة ها هنا منفصلة ولا مانع له من أخذها إلا يكون قد حدث في المبيع نقص من جهة أخرى فله إذا اختار بقاءه لديه أن يطالب بالأرش. وأما قوله: "فإن تضرر بطل الرد لا الأرش" فلا وجه لبطلان الرد بل المشتري بالخيار إن شاء رده بزيادة وإن شاء أخذ الأرش إن كان في المبيع ما يقتضي النقص الموجب للأرش. وأما قوله: "ولو كان الزائد بها" إلي آخر الفصل بلا يخفاك أنه خروج عن البحث ولكن الكلام في هذه الزيادة كالكلام في الزيادة في المبيع بلا نطول البحث بما لا طائل تحته. [فصل وفسخه على التراخي ويورث وبالتراضي وإلا فبالحكم بعد القبض ولو مجمعا عليه وهو ينوب عن الغائب والمتمرد في الفسخ والبيع لتوفير الثمن أو خشية الفساد وفسخه إبطال لأصل العقد فترد معه الأصلية ويبطل كل عقد ترتب عليه وكل عيب لا قيمة للمعيب معه مطلقا أوجب رد جميع الثمن لا بعد جناية فقط فالأزش فقط وإن لم يعرف بدونها ومن باع ذا جرح يسري فسرى فلا شيء على الجارح في السراية به إن علما أو أحدهما والعكس إن جهلا وتلف أورد بحكم وهو عيب وإذا تعذر على الوصي الرد من التركة فمن ماله] . قوله: "وفسخه على التراخي" أقول: وجه ذلك أن الرد بالعيب حق ثابت للمشتري بالشرع فما دام المعيب موجودا أو العيب ظاهرا كان الرد ثابت وإن طالت المدة إلا أن يرضى به أو يسقطه ولا وجه لتقييد مدة هذا الخيار بثلاثة أيام استدلالا بما في حديث المصراة وفي حديث حبان بن منقذ لأن الأول من خيار فقد الصفة والثاني من خيار الخديعة والغرر وهكذا يورث عنه كما قدمنا غير مرة لأن ما كان

стр. 573

للمورث فهو ثابت للوارث ومنتقل إليه بالأدلة الثابتة في الكتاب والسنة وأما كون فسخه بالتراضي وإلا فبالحكم فظاهر لأنه إذا حصل التراضي أغني عن التشاجر وإذا لم يحصل ووقع التشاجر احتاجا إلي رفع الخلاف ودفع الخصومة بالحاكم ولا فرق بين أن يكون ذلك قبل القبض أو بعده ولا بين أن يكون بالعيب مجمعا عليه أو مختلفا فيه وأما كون الحاكم ينوب عن الغائب والمتمرد في الفسخ فظاهر لأنه لو لم يكن ذلك له لحصل الإضرار بمن له الفسخ وهو منكر ودفع المنكر واجب والحاكم أقدر الناس عليه ولكن كان الأولى أن يقول المصنف وهو يحكم على الغائب والمتمرد بالفسخ إذ لا معنى للنيابة ها هنا وسيأتي تكميل الكلام في باب القضاء. وكما يحكم عليه بالفسخ يحكم عليه بالبيع لتوفير الثمن أو لخشية الفساد وأما كون فسخ الحاكم إبطالا لأصل العقد فصحيح إذا كان الحكم بوجه الحق ولا وجه للتقييد بقوله ويرد معه الأصلية بل لا يرد معه الأصلية ولا الفرعية لأن الخراج بالضمان كما حكم به رسول الله ﷺ وأما كونه يبطل كل عقد ترتب عليه فظاهر لأن صحة المتأخر مشروطة بصحة المتقدم. قوله: "وكل عيب لا قيمة للمعيب معه" الخ. أقول: هذا كلام قليل الجدوى لأن مجرد وجود العيب سوغ به رد المبيع وإن لم ينقص به القيمة كما قررنا فيما سبق أو نقصت به كما تقدم للمصنف ورد المعيب على كل حال يوجب رد جميع الثمن. وأما قوله: "لا بعد جناية فالأرش فقط" فقد تقدم له في الفصل الذي قبل هذا ما يغني عنه. وأما قوله: "وإن لم يعرف بدونها" فقد جعله فارقا بين الكلام ها هنا وبين ما تقدم وليس لهذا الفرق به ومن منقول ولا من معقول وقد قدمنا ما هو الصواب. قوله: "ومن باع ذا جرح يسري فسري" الخ. أقول: لا يخفاك أن الجاني على ملك الغير قد لزمه أرش الجناية بالشرع فلا يسقط عنه إلا بإسقاط لا بمجرد بيع المالك أو شراء المشتري منه فإن هذا لا يصلح مسقطا لما هو لازم هذا إذا كان الجاني على ذلك أجنبيا أما إذا كان الجاني هو المالك الأول ثم باعه إلي آخر وهذا باعه إلي مشتر فلا شك أن سراية الجناية عيب ثابت من عند البائع الأول فالرد به ثابت فإن علم المشتري منه بالسراية واشتراه منه بهو كما قدمنا في تقدم العلم بالعيب وهكذا إذا علم المشتري منه بأن مثل هذا الجرح يسري فهو كذلك فلا رد ولا أرش وإن جهلا كان لكل واحد منهما الرد بذلك العيب وهو السراية فإن تعذر الرد بوجه فالأرش وبالجملة فهذه المسائل أكثرها تطويل بلا طائل مع كون غالبها على شفا جرف هار وقد تقدم ما يغني عن هذا فإن قوله ولا رد ولا أرش إن تقدم العلم يشمل كل عيب ومنه الجرح الذى يسري ويغني عن قوله والعكس إن جهلا وتلف قوله في الفصل المتقدم قبل هذا ويستحق الأرش لا الرد بتلفه الخ وكون المسألة مفروضة في بائعين أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة أو زيادة على ذلك لا يقتضي شغله الحيز وإتعاب الطلبة بإن البحث واحد.

стр. 574

قوله: "وإذا تعذر على الوصي الرد من التركة فمن ماله". أقول: لا وجه لهذا من معقول ولا من منقول فالوصي لا جناية منه ولا تفريط ولا تغرير ولا تدليس فبأي وجه حل تغريمه بإنه إذا تعذر عليه الرد من التركة لثمن ما باعه كان صاحب ذلك الثمن من جملة من يتعلق له حق بتركة الميت ويصير كأحد الغرماء يصير له من الأسوة بقدر ما هو له من الثمن إذا لم يمكن أن يوجد في التركة ما يقوم بجميع الثمن هذا على تقدير أن العين المبيعة التي اشتراها منه الوصي قد تلفت أما لو كانت باقية كان أحق بها كما حكم بذلك رسول الله ﷺ بقوله: "من وجد سلعته عند مفلس فهو أحق بها"، والميت الذى صارت تركته مستغرقة بالدين له حكم المفلس ولتركته حكم ما في يد المفلس. [فصل وإذا اختلف المشتريان فالقول في الرؤية لمن رد وفي الشرط لمن سبق والجهة واحدة فإن اتفقا فالفسخ لمن رضي ويلزمه جميعا وله أرش حصة الشريك] . قوله: "والقول في الرؤية لمن رد". أقول: وجه ذلك أنه قد ثبت له حق الرد ولا يلزمه رضا صاحبه وكذلك صاحبه لا يلزمه عدم رضا شريكه به فكان لمن اختار الفسخ استيفاء حقه بالرد فإن وافقه الراضي فذاك وإن اختار عدم الفسخ كان له ذلك إلا أن يكون في رد البعض وإمساك البعض ضرر على البائع فإنه يجب دفع الضرر عنه بإجبار الشريكين على الاتفاق أما فسخا أو رضا وهكذا الكلام في خيار الشرط ولا وجه للفرق ولا دل عليه دليل عقل ولا نقل والحكم في السبق والاتفاق منهما واحد لا تأثير لأحدهما في الترجيح لأحد الجانبين أصلا وهكذا الكلام في العيب لكل واحد منهما اختياره إلا فيما يضر بالبائع والحاصل أن هذه المسائل مبنية على خيالات مختلة وعلل معتلة وما بمثل هذه الأمور الزائفة تثبت أحكام الله .

стр. 575

باب ما يدخل في المبيع [فصل يدخل في المبيع ونحوه للمماليك ثياب البذلة وما تعورف به وفي الفرس العذار فقط وفي الدار طرقها وما ألصق بها لينفع مكانه وفي الأرض الماء إلا لعزف والسواقي

стр. 576

والمساقي والحيطان والطرق المعتادة إن كانت وإلا ففي ملك المشتري إن كان وإلا ففي ملك البائع إن كان وإلا فعيب ونابت يبقى سنة فصاعدا إلا ما يقطع منه إن لم يشترط من غصن وورق وثمر ويبقى للصلاح بلا أجرة فإن اختلط بما حدث قبل القبض قيل بسد العقد لا بعده فيقسم ويبين مدعي الزيادة والفضل وما استثنى أو بيع مع حقه بقي وعوض والقرار لذي الأرض وإلا وجب رفعه ولا يدخل معدن ولا دفين ولا درهم في بطن شاة أو سمك والإسلامي لقطة إن لم يدعه البائع والكفري والدرة للبائع والعنبر والسمك في سمك ونحوه للمشتري] . قوله: "باب: ما يدخل في المبيع وتلفه واستحقاقه يدخل في المبيع ونحوه للمماليك" الخ. أقول: هذا وإن كان ردا إلي مجرد العادة فهي في مثل هذا متبعة لأنها كائنة في ضمير كل واحد من المتبايعين فإذا قال بعت منك العبد أو الأمة فمعلوم لكل واحد منهما أنه لا بد أن يكون عليهما ما يستر عورتيهما ويواري ما جرت عادة الناس في مماليكهم بمواراته على اختلاف في ذلك بين أعراف أرباب بالمناصب والحشمة والثروة وبين غيرهم فقد يسمح الغني ومن له رياسة بما لا يسمح به الفقير ومن هو من أهل الحرف الدنية والأعراف الجارية بين الناس التى لا يخالف الشرع قد أمر الله سبحانه في كتابه العزيز بالرد إليها كما في قوله في غير موضع بالمعروف عل أنه قد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر بلفظ: " ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع". ولكن الباب مبني على الأعراف ومن المرجوع إليه في الأعراف بيع الحيوانات الفرس وغيرهما فما كان متعارفا به كان في حكم المنطوق به ولا وجه لقول المصنف وفي الفرس العذار فقط بل المتوجه الرد إلي العرف كائنا ما كان وعرف أهل بلد لا يلزم أهل بلد آخر إذا تخالفت أعرافهم. وأما قوله: "وفي الدار طرقها" فليس دخول الطرقات لمجرد العرف بل هو للضرورة التى لا يمكن الانتفاع بالمبيع إلا بها فلو باع الدار من دون طرقها كان في منع المشتري من الطريق التى لا يمكن دخول الدار إلا منها إبطال لفائدة الدار وقد تقدم أن بيع ما لا نفع فيه لا يصح وهكذا قوله وما ألصق بها لينفع مكانه فإن ذلك داخل في مسمى الدار لاشتمالها على جميع أبوابها وطاقاتها ونحوها حال البيع لمن أدعى أن شيئا من ذلك خارج عن المبيع لم يقبل منه إلا ببرهان وهكذا قوله وفي الأرض الماء الخ فإنه وإن كان العقد واقعا على مجرد الأرض فدخول ما لا يمكن الانتفاع بها إلا به هو من لوازم البيع ومعلوم أن سواقي الأرض ومساقيها والماء الذى تشرب منه تابع للأرض وإذا جرت الأعراف بما يخالف هذا كان ذلك في حكم الاستثناء لتلك الأمور أو لبعضها وهكذا طرق الأرض تابعة لها ويتوقف الانتفاع بها عليها كما

стр. 577

تقدم في الدار فإن اشترى الأرض ولا طريق لها عالما بذلك فقد رضي بالعيب ولا رد ولا أرش وإن كان جأهلا كان له فسخها لأن ذلك عيب من أعظم العيوب بل لم ينعقد البيع من الأصل لأنه لم يرض بأرض لا طريق لها فقد كشف عدم وجود الطريق على أن الرضا السابق كلا رضا فلم يوجد المناط الشرعي الذى هو قوله : ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، بلا وجه لقوله ففي ملك المشتري إن كان وإلا ففي ملك البائع إن كان بل الأعتبار لما ذكرناه من علم المشتري بعدم الطريق أو عدم علمه. قوله: "وثابت يبقى سنة فصاعدا". أقول: ما كان هكذا فالظاهر أنه داخل في بيع الأرض غير مستثنى ولهذا ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من ابتاع نخلا بعد أن يؤبر فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترط المبتاع"، فأفاد أن ثمرة النخل قبل أن يؤبر للمشتري وإذا كان هذا في نفس الثمرة فبالأولى الشجر الثابت الذى يراد به البقاء فلا يقال إنه دخل بالعرف بل بنفس العقد على الأرض وأما ما يقتطع منه من غصن وورق وثمر فينبغي إلحاقه بثمر النخلة فإن كان قد وقع من البائع فيه عمل كالعمل الواقع بالتأبير فهو للبائع وإلا فهو للمشتري وإذا قد فعل فيه البائع عملا كذلك فهو له ويستحق بقاءه حتى يصلح ولا يلزمه أجرة للمشتري لأن الشرع قد جعل ذلك له فلا بد من بقائه حتى يصلح لأن ذلك من تمام كونه له وإذا اختلط هذا الذي قد صار للبائع بالعمل فيه بغيره مما لا عمل له فيه كان الرجوع في ذلك إلي أهل الاختيار فإن ميزوا بينهما فذاك وإن لم يميزوا جعلوا للبائع بقدر ما يكون في أمثال ذلك المبيع وقت البيع وللمشتري ما عدا ذلك فإن التبس الأمر من كل وجه فكما قال المصنف يقسم ويبين مدعي الزيادة. قوله: "وما استثنى أو بيع من حقه" الخ. أقول: هذا مرجعه التراضي بين البائع والمشتري فإن تراضيا على مقدار البقاء لزم ما تراضيا عليه وإن لم يتراضيا فإن جرى عرف بين أهل بلدها بالبقاء أو عدمه كان العمل على ذلك وإن لم يحصل التراضي ولا وجد العرف رفع المستثني ما استثناه ولا حق له في البقاء وأما ما بيع مع حقه فيبقى الحق ثابتا للمشتري وإذا تلف فإن جرت الأعراف باستمرار ثبوتها للمشتري وتعويضها إذا تلفت أو بعضها كان للمشتري ذلك لأن العرف معلوم لكل واحد منهما عند العقد وإن لم يكن منها بل من التي ينتفع بها ما دامت باقية فليس للمشتري التعويض والأعراف في هذا الباب محكمة كما قدمنا وأما كون القرار لذي الأرض فشيء معلوم لا يحتاج إلي النص عليه. وأما قوله: "وإلا وجب رفعه" فقد عرفت مما قدمنا أنه لا بد من التفصيل. قوله: "ولا يدخل معدن". أقول: وجه هذا أن البائع لو علم به لم تطب نفسه بالثمن الذى تراضيا عليه فقد كشف ذلك عن اختلال التراضي الذي هو المناط في نقل الأملاك وإذا اختل فلا بيع فلا بد بعد

стр. 578

انكشاف المعدن والدفين ونحوهما من التراضي عن البيع بثمن تطيب به نفساهما فإن وقع منهما ذلك كان بيعا جديدا وهكذا الكلام فيما وجد في بطن الشاة والسمك أنه مستحق للبائع وأما التفصيل بين كونه إسلاميا أو كفريا فلا دخل له في الباب بل ذلك حكم أخر يعمل البائع فيه بما يقتضيه الشرع وهكذا حكم العنبر في سمك ونحوه والحاصل أن من عرف أن مناط أحكام البيع الشرعية هو التراضي لم يستبعد هذا ومن خفي عليه فمن نفسه أتي. [فصل وإذا تلف المبيع قبل التسليم النافذ في غير يد المشتري وجنايته فمن مال البائع قيل وإن استعمله فلا خراج وإن تعيب ثبت الخيار وبعده من مال المشتري ولو في يد البائع وإذا استحق رد لمستحقه فبالإذن أو الحكم بالبية أو العلم يرجع بالثمن وإلا فلا وما تلف أو استحق منه ما ينفرد بالعقد فكما مر فإن تغيب به الباقي ثبت الخيار] . قوله: "وإذا تلف المبيع قبل التسليم النافذ" الخ. أقول: أعلم أن النبي ﷺ قد أخبرنا بأنه إذا حصل التفرق من مجلس العقد فقد وجب البيع ومعلوم أن وجوب البيع يقتضي دخوله في ملك المشتري وخروجه من ملك البائع وإذا قد دخل في ملك المشتري صار له غنمه وعليه غرمه كسائر أمواله فيتلف من ماله ولم يأت دليل يدل على أنه لا بد من القبض وأنه لا يدخل في ملكه إلا به ولم ترد الأدلة إلا في نهي البائع عن أن يبيع ما لم يكن في قبضه وما ليس عنده إذا تقرر لك أن التفرق من مجلس العقد موجب للبيع كما صرحت بذلك الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما وأنه ﷺ لم يستثن من ذلك إلا بيع الخيار فكيف يقال إن المبيع يتلف من مال البائع بعد البيع قبل القبض فإن هذا من غرائب الأحكام ومع كونه مخالفا للدليل فهو أيضا مخالف للرأي المستقيم الجاري على نمط الاجتهاد لأن تلف ما قد صار في ملك لا يتلف إلا من ملكه وتضمين غير المالك ظلم له. فالحاصل أنا نمنع أولا كونه يتلف من مال البائع بعد التفرق من مجلس العقد مسندين هذا المنع إلي الدليل الناطق بأنه وجب البيع بالتفرق ثم نمنع ثانيا كون القبض شرطا فلا عذر للقائل بأنه يتلف من مال البائع أخذا من الدليل المنتهض لما منعناه فإن قلت قد ثبت فى صحيح مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "إن بعت من أخيك تمرا فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا بم تأخذ مال أخيك بغير حق"، وفى لفظ لأحمد وأبى دأود والنسائى أن النبي ﷺ وضع الجوائح قلت قد ثبت فى الصحيحين وغيرهما من حديث أنس ما يدل على تقييد هذا الوضع بما إذا وقع البيع قبل الصلاح ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم

стр. 579

نهى عن بيع الثمرة حتى تزهى, قالوا: وما تزهى؟ قال: "تحمر" وقال: "إذا منع الله الثمرة فبم تستحل مال أخيك؟ " فهذا الوضع قد ترتب على بيع منهي عنه وما كان منهيا عنه فهو غير صحيح والكلام هنا في بيع صحيح وجب بالتفرق وهذا فارق واضح لا يصح معه القياس ويؤيد هذا ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أبى سعيد قال أصيب رجل في ثمار ابتاعها فكثر دينه فقال النبي ﷺ : "تصدقوا عليه" فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك" ولم يوجب ﷺ على البائع منه للثمار أن يرد الثمن الذى قبضه منه ولو سلمنا تنزلا لكان وضع الجوائح مختصا بما تلف بالآفات السمأويه كما تقدم فى حديث أنس بلفظ: "إذا منع الله الثمرة" وأما إذا تلف المبيع بجناية فإن كانت من المشتري فقد جنى على ماله وأتلفه وإن كان الجاني غيره كان ضمانة عليه سبب الجناية سواء كان الجاني هو البائع أو غيره. قوله: "وإذا استحق رد لمستحقه" الخ. أقول: هذا أمر قد قضى فيه رسول الله ﷺ فأخرج أحمد وأبو دأود والنسائي من حديث سمرة قال قال رسول الله ﷺ : "من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ويتبع البيع من باعه"، وفي لفظ أحمد وابن ماجه: "إذا سرق من الرجل متاع أو ضاع منه فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به ويرجع المشتري على البائع بالثمن"، ورجال إسناد الحديث ثقات وهو من سماع الحسن عن سمرة وفيه خلاف ولكن الحسن إمام لا يروي ما لم يثبت وهذا مبني على أنه قد حصل التصادق على أنه ملك ذلك المدعي له أما إذا وقع الخلاف فلا بد من قيام الشهادة على ذلك ولهذا قال المصنف فبالإذن أو الحكم بالبينة أو العلم يرجع الثمن وإلا فلا. وأما قوله: "وما تلف أو استحق.." الخ فإذا أمكن رد البعض المستحق فهو الواجب وإن تعذر بوجه من الوجوه اختص به أحدهما وسلم للآخر قدر نصيبه من القيمة وإن اختلفا قرع بينهما وأما تلف بعض المبيع قبل التسليم فقد عرفت الكلام في تلف المبيع قبل التسليم وهو أعم من أن يكون التالف كله أو بعضه. [فصل ومن اشترى مشارا إليه موصوفا غير مشروط صح وخير في المخالف مع الجهل فإن شرط فخالف ففي المقصود فسد وفي الصفة صح مطلقا وخير في الأدنى مع الجهل وفي الجنس فسد مطلقا وفي النوع إن جهل البائع وإلا صح وخير المشتري فإن لم يشر وأعطي خلافه ففي الجنس سلم البائع المبيع وما قد سلم مباح مع العلم قرض فاسد مع

стр. 580

الجهل وفي النوع خير في الباقي وترادا في التالف أرش الفضل مع الجهل وحيث يخير المشتري في الأدنى وقد بذر جأهلا فله الخيارات] . قوله: "من اشترى مشارا إليه موصوفا" الخ. أقول: هذا قد تقدم ما يغني عنه وإذا كان المبيع على غير الصفة التى ذكرها البائع ثبت للمشتري خيار فقد الصفقة وهو كما قدمنا نوع من أنواع خيار الغرر وما ذكره من قيد الجهل فلا بد منه لأنه لو علم كان العلم بكونه على غير تلك الصفة مبطلا للخيار فلا رد ولا أرش. وأما قوله: "فإن شرط فخالف ففي المقصود فسد" فالظاهر أنه لا عقل أصلا ولا اعتبار بالواقع لأن التراضي الذي هو المناط للبيع وقع مقيدا بذلك الشرط فمع عدمه انكشف عدم التراضي ولا فرق بين أن يكون موافقا للمقصود أو مخالفا له وهذه الفروق لا ترجع إلي دليل ولا شبهة دليل فلا تشغل نفسك بها وهكذا لا فرق بين جنس ونوع فالحاصل أن عدم وجود الصفة مع كونها مشروطة يوجب بطلان البيع ومع عدم الشرط يوجب ثبوت الخيار إلا أن يعلم بعدمها والإشارة لا تأتي بفائدة قط ولا يترتب عليها حكم وإثبات الأحكام بالخيالات يكون هكذا والمقلد المسكين يظن أن هذه الخرافات في أم الكتاب اللهم غفرا.

стр. 581

باب البيع غير الصحيح [فصل باطله ما اختل فيه العاقد أو فقد ذكر الثمن أو المبيع أو صحة تملكهما أو العقد والمال في الأول غصب وفي التاليين كذلك إلا أنه يطيب ربحه ويبرأ من رد إليه ولا أجرة إن لم يستعمل ولا يتضيق الرد إلا بالطلب وفي الرابع مباح بعوض فيصح فيه كل تصرف غالبا وارتجاع الباقي وفيه القيمة وليس بيعا وفاسده ما اختل فيه شرط غير ذلك ويجوز عقده إلا مقتضي الربا فحرام باطل وما سواه فكالصحيح إلا أنه معرض للفسخ وإن تلف ولا يملك إلا بالقبض بالإذن وفيه القيمة ولا يصح فيه الوطء والشفعة والقبض بالتخلية] . قوله: "باطله ما اختل في العاقد". أقول: قد تقدم للمصنف في شروط البيع وما يجوز منه وما لا يجوز وما يصح منه وما لا يصح ما يغني عن أفراده لهذا الباب فكأنه أراد مزيد الفائدة بالتكرار مع التذكر لما سلف وذكر ما لكل واحد من الصحيح والباطل والفاسد من الأسباب وما يترتب على ذلك من الأحكام التى

стр. 582

ذكرها ها هنا ولا شك أن العاقد إذا اختل باختلال ما هو معتبر فيه صار وجود العقد منه كعدمه لأنه فاقد للحقائق إن كان صبيا أو مجنونا فلا يوجد منه الرضا المعتبر وهكذا إن كان غير مالك للمبيع ولا مأذون ببيعه فما فعله كالعدم وقد قدمنا في عقد الفضولي مما فيه كفاية وهكذا إذا لم يذكر بين المتبايعين ثمن فإنه لا يوجد التراضي المعتبر لأن البائع لا بد أن يرضى بالعوض المعلوم من الثمن والمشتري لا بد أن يرضى بذلك المبيع في مقابلة ما دفعه من الثمن وهكذا إذا لم يذكر بينهما مبيع معروف فإن ذلك التبايع منهما إنما هو من باب العبث واللعب وليس لذكر مثل هذه الأمور فائدة فأنها معلومة للعامي فضلا عمن لديه نصيب من علم. وأما قوله: "أو صحة تملكهما" فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى بل وقدمنا الكلام على غيره مما هو مذكور ها هنا. قوله: "والعقد". أقول: هو ما اجتمع فيه عند المصنف ما تقدم في أول البيع وقد عرفناك أن البيع الذي ثبت في الكتاب والسنة هو حصول التراضي وكررنا لك هذا تكريرا كثيرا لدفع ما يذكرونه مما يخالفه والبيع الذي يسمونه بيع المعاطاة ويجعلونه غير مملك هو الثمرة المستفادة لهم من تلك التى دونوها بغير دليل من عقل ولا نقل وهذه المعاطاة التي تحقق معها التراضي وطيبة النفس هى البيع الشرعي الذي أذن الله به والزيادة عليه هي من إيجاب ما لم يوجبه الشرع ولا دليل عليه وأما الاستدلال لهذا العقد الذي يعتبرونه على الصفة التى ذكروها بمثل ما ورد في النهي عن بيع الملامسة والمنابذة وبيع الحصاة فمن الغلط البين فإن النهي عن هذه الأمور لكونها من بيع الغرر ولعدم استقرار البيع معها وعدم تحقق المناط الشرعي وهو التراضي وهكذا الاستدلال بمثل ما كان يقع في أيام النبوة من قول البائع بعت منك هذا أو نحوه فإنا لا ننازع في دلالة مثل هذا اللفظ على التراضي إنما ننازع في كونه لا يدل على التراضي إلا ما كان على تلك الصفات التى ذكروها فإن هذا من تحجر الواسع وقد قدمنا أن كل مشعر بالتراضي يحصل به البيع والشراء الشرعيان حصولا لا يخفى على عارف ولو كان بالإشارة من قادر على النطق أو بالكتابة أو بمجرد التقابض من غير لفظ أصلا إذا عرف من ذلك التراضي. قوله: "والمال في الأول غصب...." الخ. أقول: لا بد من تقييد الأول بأن قابض المال علم أن البائع منه ممن لا يصح بيعه أولا حكم لمن وقع منه من الرضا فلا يتحقق الاستيلاء على مال الغير عدوانا الذى هو معنى الغضب عند المصنف إلا بهذا وأما في الثاني والثالث فإذا كان القبض مأذونا فيه من جهة مالكه فلا يكون بطلان البيع مستلزما للغصب بل يكون في يد القابض كما يكون في يده ما هو مأذون له بقبضه وأما أنه يطيب له ربحه فلا لأنه مال الغير والربح ربح ما لم يضمن وقد صح النهي عنه كما قدمنا وأما كونه يبرأ من رد إليه فذلك لظاهر اليد الثابتة له وأما كونه لا يتطبق الرد إلا بالطلب فظاهر لأن الشيء في يده بأذن مالكه وهكذا عدم لزوم الأجرة له مع عدم الاستعمال لأن يده ليست يد عدوان.

стр. 583

وأما قوله: "وفي الرابع ... " الخ فقد عرفنا أن ذلك بيع شرعي مع وجود المناط فلا وجه لما ذكره. قوله: "وفاسده ما اختل فيه شرط غير ذلك". أقول: قد قدمنا أن هذا مجرد اصطلاح تواضعوا عليه فجعلوا اختلال بعض ما ذكروه في شرط البيع مقتضيا لبطلانه وبعضها مقتضيا لفساده وكل هذا تلاعب بالكلام ولكن هذا التلاعب قد رتبوا عليه أحكاما شرعية فالعجب من ترتيب أحكام الله على الاصطلاح الذي هو مجرد تلاعب والحاصل أن الصحيح هو ما أذن الله به من قوله: ﴿تِجَاْرَةً عَنْ تَرَاْضٍ﴾ ولم ينه عنه الشارع ولا ثبت عنه ما يدل على عدم جواز التعامل به وما عدا هذا فهو باطل رد على فاعله لأنه لم يكن عليه أمر الشارع كما قال كل أمر ليس عليه أمرنا فهو رد لا يجوز لمسلم أن يدخل فيه فإن فعل فلا حكم لفعله ولا فرق بين ما يقتضي الربا وما لا يقتضيه وإن كان ما يقتضي الربا أشد تحريما وأعظم خطرا. وأما قوله: "وما سواه فكالصحيح" فمن أغرب ما يقرع الإسماع له زاجر من ورع فضلا عن وازع من علم يعلم أن هذه التسوية باطلة هى وما يترتب عليها من الأحكام المستثناه إلي آخر الفصل فأياك أن تغتر بشيء منها فإنها سراب بقيعة وظلمات بعضها فوق بعض. [فصل والفرعية فيه قبل الفسخ للمشتري والأصلية أمانة وتطيب بتلفه قبلها وبفسخه بالرضا فقط ويمنع رد عينه الاستهلاك الحكمه هو قولنا: وقف وعتق وبيع ثم موهبة ... غرس بناء وطحن ذبحك الحملا طبخ ولت وصبغ حشو مثل قبا ... نسج وغزل وقطع كيف ما فعلا ويصح كل عقد ترتب عليه كالنكاح ويبقى والتأجير ويفسخ وتجديده صحيحا بلا فسخ] . قوله: "والفرعية فيه قبل الفسخ" الخ. أقول: الفرعية والأصلية فيه لمالكه وهو البائع لأن هذا البيع مما لم يأذن الله به فإن أتلف شيئا ومنها ضمنه ولا يطيب له شيء منها إلا إذا رضي المالك وطابت به نفسه فذلك محلل لمال الغير في كل باب. وأما قوله: "ويمنع رد عينه الاستهلاك الحكمي" فأقول: قد عرفناك أنه باق على ملك مالكه وأن البطلان والفساد شيء واحد إذا وقع على غير وجه الصحة الذي أذن الله به فلا حكم لوقف ما دل الشرع على أنه غير ملك له ولا لعتقه ولا لبيعه ولا لهبته ولا لغرسه ولا

стр. 584

لصبغه ولا لحشوه ولا لنسبحه ولا لغزله ولا لقطعه فإن أذن له مالكه بشيء من ذلك كان وكيلا له وإذا غرم رجع بالغرم مع الآذن لا مع عدمه. وأما قوله: "ويصح كل عقد ترتب عليه" فينبغي أن يقال ويبطل كل عقد ترتب عليه لأن المترتب على الباطل باطل. وأما قوله: "ويصح تجديده صحيحا" فهذا التجديد هو نفس البيع إذا حصل التراضي فيه وخلا عن المانع منه.

стр. 585

باب المأذون [فصل ومن أذن لعبده أو صبيه أو سكت عنه في شراء أي شيء صار مأذونا في شراء كل شيء وبيع ما شرى أو عومل ببيعه لا غير ذلك إلا بخاص كبيع نفسه ومال سيده] . قوله: "ومن أذن لعبده أو صبيه أو سكت عنه في شراء أي شيء صار مأذونا في شراء كل شيء" الخ. أقول: كل مالك لا يجوز التصرف في أي ملك من أملاكه إلا بأذن يخصه أو يعمه هو وغيره فمن أذن للعبد أو الصبي في شراء شيء خاص أو بيع شيء خاص لم يجز تصرفه في غيره ولا يكون مأذونا به لا شرعا ولا لغة وهذا ظاهر وهذا واضح في الإذن الصريح فكيف بالسكوت فإنه يحتمل عدم الرضا ببيعه والإجازة له وقدمنا في مواضع المنع من كون السكوت إجازة ومن الإذن العام أن يدفع إليه سلع التجارة للبيع وبأمره بالاتجار في جنس أو أجناس ويستمر ذلك وإذا قصره على الأتجار في جنس لم يجز له أن يتعداه فقد تعرف أنه يحسن التجارة في هذا الجنس دون هذا فإذا أذن له إذنا خاص لم يكن ذلك إذنا له في بيعه ولا في إجارته ولا في تأجير نفسه. [فصل وللمأذون كل تصرف جرى العرف لمثله بمثله وما لزمه بمعاملة فدين يتعلق برقبته وما في يده فيسلمها للمالك أو قيمتها ولهم استسعاؤه إن لم يفده فإن هلك لم يضمنه ولو

стр. 586

بعد تمرده وإن استهلكه فبغير البيع لزمته القيمة وبه الأوفى منها ومن الثمن ولهم النقض إن فوته معسرا وبغصب أو تدليس جناية تعلق برقبته فقط فيسلمها أو كل الأرش الخيار له ويتعين إن اختارها أو استهلكها عالما وتلزم الصغير عكس المعاملة ويستويان في ثمنه وغر ماؤه أولى به من غرماء مولاه ومن عامل محجورا عالما أو جأهلا لا لتغرير لم يضمن الكبير في الحال ولا الصغير مطلقا وإن أتلف] . قوله: "وللمأذون كل تصرف جرى العرف لمثله بمثله". أقول: هذا كالتخصيص لما تقدم من كونه يصير مأذونا في شراء كل شيء فلا يحوز للعبد مثلا أن يتصرف بما لم يجر للعبيد المأذونين عادة بالتصرف فيه وكذلك الصبي. وأما قوله: "وما لزمه بمعاملة فدين يتعلق برقبته وما في يده" فيقال هذه المعاملة إن كانت داخله في عموم الإذن له فلا وجه لتعلقها برقبته بل هى مضمونة على السيد من ماله وإن كانت غير داخلة فالعبد متعد بالدخول فيها فتتعلق برقبته ولا وجه لتعلقها بما في يده من مال سيده ولا من مال غيره لأن الدخول في ذلك جناية من العبد لم يكن للسيد فيها سبب فلا يتعلق بغير رقبته ولا معنى لتعلقه بما بيده أصلا إلي على قول من يقول إن العبد يملك فلا شك أنه يتعلق بما هو ملك له ثم ليس على السيد إلا تسليم رقبته وبعد ذلك أهل الدين بالخيار إن شاؤا صار ملكا لهم يتصرفون به كيف شاءوا وإن قنعوا باستسعائه وإرجاعه لسيده فلهم ذلك. وأما كون السيد له أن يفديه ففيه نظر لأنه قد صار استغراقه بما عومل به جانبا فصاروا أحق به وهكذا يقال فيما سيأتي في الجنايات. وأما قوله: "فإن هلك لم يضمنه" فصحيح لأن الرقبة التي تعلق بها الدين قد تلفت بغير جناية منه فإن كان ذلك بجناية منه لزمته قيمته ولا حكم لبيعه له لأنه قدر صار ملكا لأهل الدين الذي عليه إلا أن يأذنوا له بذلك فإذا أذنوا كان كالوكيل لهم لا مع عدم الإذن فالبيع غير صحيح ولا يحتاج إلي نقض بل يقال لهم استرجاعه من يد المشتري له. وأما قوله: "وبغصب أو تدليس" الخ فهذان قد أوجبا تعلق ضمان ما جناه أو دلسه برقبته ولكن لا فرق بينهما وبين ما أخذه برضا أربابه معاملة ثم أتلفه فإن الكل قد انتهى إلي التعلق برقبته كما قدمنا وعند التعلق برقبته يصير أهل الدين أولى به من سيده فإن قلت ملك السيد لرقبة العبد متيقن فكيف لم يكن أولى بالتخيير له بين تسليمه أو قيمته في الطرف الأول وبين تسليمه أو كل الأرش في هذا الطرف قلت هذه الأولوية قد ارتفعت بما تعلق برقبة العبد بسبب جنابته على مال الغير فصار أرباب الأموال محكمين فيها وقد يكون الغرض لهم بالرقبة أتم وأكمل فليس للسيد أن يمنعهم من ذلك وأما كونه ملكه متيقنا فقد تعقبه استحقاق الغير لها بدينه وإلا فلا معنى للتعلق بالرقبة بهذا تعرف أن الخيار لا يكون للسيد لما قدمنا ولا لأهل الدين لأنهم لا يستحقون إلا رقبة العبد وليس لهم المطالبة بقيمتها وإلا بكل الأرش وتعرف أنه لا وجه لقوله

стр. 587

ويلزم الصغير وعكس المعاملة لما قررناه من أن الكل جناية ولا فائدة في قوله وغرماؤه أولى من غرماء مولاه لأن رقبته قد خرجت عن ملك مولاه. قوله: "ومن عامل محجور" الخ. أقول: إن كان هذا المحجور هو من لا يصح تصرفه لكونه صغيرا أو مجنونا أو عبدا فلا شك أن المعامل له قد خاطر بماله ووضعه في مضيعة وأما إذا كان محجورا لثبوت ديون عليه مع كونه مكلفا عاقلا فلا يكون مجرد العلم بحجره مبطلا لتعلق الضمان به بل يكون هذا المال من جملة ديونه ولصحابه أسوته ما دام المال في يده وإنما ذكرنا هذا لإطلاق عبارته فإنها تتنأول الحر المكلف المحجور لأجل ديونه بحجر الحاكم فإن كان مراد المصنف غير هذا فقد رفعنا ما توهمه العبارة. [فصل ويرتفع الإذن بحجره العام وبيعه ونحوه وعتقه وإباقه وغصبه حتى يعود وبموت سيده والجأهل يستصحب الحال وإذا وكل المأذون من يشتريه عتق في الصحيح بالعقد وفي الفاسد بالقبض ويغرم ما دفع الولاء للسيد والمحجور بإعتاق الوكيل إن شاء ويغرم ما دفع بعده والولاء له] . قوله: "فصل: ويرتفع الإذن بحجرة العام". أقول: هذا صحيح لأنه قد بطل المقتضي لجواز معاملته وهو الإذن له بحجرة من كل تصرف وهكذا البيع لأنه لم يبق للإذن بعد خروجه من ملك المالك الذي أذن له تأثير إذ قد صار ملكا للغير وانقطعت العلاقة بينهما وأما العتق فهو وإن صار بعتقه حرا لكن لا يرتفع به الإذن السابق لأنه في حكم التوكيل للحر أقوى إلا أن يجري عرف أن من أعتق عبده رفع يده عن التصرف بماله كان العرف محكما في مثل هذا وأما إباقة فوجهه أنه قد صار عاصيا لسيده خارجا عن طاعته والإذن مقيد بالطاعة وهكذا إذا غصبه الغير لأنه قد صار محكوما عليه من الغاصب ولم يبق لسيده قدرة على استنفاذ ذاته فضلا عن أن تكون له قدرة على ما يتعلق بتلك الذات من التصرفات وأما عود ما تقدم من الإذن له بعوده من إباقة أو من يد غاصبه فصحيح لأن الإذن لم يبطل بل وجب التوقف فيه حتى يزول هذا العارض فإذا زال فالإذن الأول باق والمانع عارض فلا يكون مانعا دائما بل ما دام الإباق والغصب. وأما ارتفاع الإذن بموت سيده فظاهر وقد دخل في قوله ونحوه لأن الانتقال بالإرث كالانتقال بالبيع. وأما قوله: "والجأهل يستصحب الحال" فصواب ولا سيما مع ما اخترناه سابقا من أن ما

стр. 588

لزم العبد كان متعلقا برقبته لا بما في يده من مال سيده فلا بد في كل سبب من هذه الأسباب التى يرتفع بها الحجر من العلم بحصوله. قوله: "وإذا وكل والمأذون من يشتريه". أقول: إن جرى عرف بأن الإذن للعبد بالتصرف بتنأول التصرف بنفسه فلا بد أن يعلم السيد أن المشتري للعبد من وكيل للعبد أما إذا كان الإذن لا يتنأول ذلك أو كان يتنأوله وجهل السيد أن العبد هو الذى وكل ذلك الوكيل ليشتريه منه فلا ينفذ هذا البيع بل هو من بيع الغرر المنهي عنه وهو أيضا لم يقع عن تراض لأن المالك لم يعلم بأن عبده هو الذى اشترى نفسه ولا سيما على القول بأنه لا يملك العبد لأنه إن دفع الثمن بما في يده فهو من مال سيده ولم يبق له رقبة يتعلق بها قيمته لأن المفروض أنه قد ملك نفسه فهذا التوكيل الذى وقع من العبد من المخادعة لسيده والتحيل عليه وذلك ليس من الشرع في شيء ورضا السيد بخروجه عن ملكه إلي الغير لا يستلزم الرضا بخروجه إلي يد نفسه ومصيره حرا بذلك لما فيه من الإضرار به فهو بهذه الحيلة الباطلة لا يخرج من العبودية فلا صحة لما تفرع على هذا التعامل.

стр. 589

باب المرابحة [هى نقل المبيع بالثمن الأول وزيادة ولو من غير جنسه أو بعضه بحصته وزيادة بلفظها أو لفظ البيع وشروطها ذكر كمية الربح ورأس المال أو معرفتهما أو أحدهما إياها حالا تفصيلا أو جملة فصلت من بعد كبر قم صحيح يقرأ وكون العقد الأول صحيحا والثمن مثليا أو قيميا صار إلي المشتري وربح به] . قوله: "باب: المرابحة هي نقل المبيع بالثمن الأول وزيادة". أقول: هذا بيع أذن الله سبحانه به بقوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، وبقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة:٢٧٥] ، وهذا يشمل كل بيع كائنا ما كان إذ لم يصحبه مانع شرعي أو يفقد فيه التراضي فجعل هذا النوع بابا مستقلا بشروط مستقلة ليس كما ينبغي وأما اشتراط لفظ المرابحة أو البيع فقد عرفناك أنه لا اعتبار بالألفاظ ولا بما ذكروه من الصفات المتعلقة بها بل المعتبر حصول التراضي المدلول عليه بأي لفظ كان ولو بإشارة من قادر على النطق أو مجرد مقابضة مشعرة بذلك أو غيرهما مما فيه إشعار بهذا المناط وأما اشتراط ذكر كمية الربح ورأس المال الخ فإذا تعرض البائع لذكر ربحه ورأس ماله وانكشف أن الأمر بخلاف ما قال فللمشتري الخيار لأنه غره بذلك فإن شاء أمسك وإن شاء ترك. وأما قوله: "كون العقد الأول صحيحا" فوجهه ما قد قرروه أن المبيع في العقود الفاسدة.

стр. 590

إنما يملك بالقيمة وهذه قاعدة لم تبن على أساس ولا نظر فيها إلي شيء مما يسوغ به إثبات أحكام الشرع وأضعف من هذا الاشتراط اشتراط كون الثمن مثليا أو قيميا قد صار إلي المشتري ورابح به فإنه لا اعتبار بشيء من ذلك بل إذا ذكر له رأس ماله وربحه كان ذلك كافيا وإن تفأوت باختلاف الأزمنة والأمكنة لأن الاعتبار بوقت الشراء الذي شرى به البائع له الآن فإذا ذكره فقد خلص عن عهده التغرير والتدليس. [فصل ويبين وجوبا تعيبه ونقصه ورخصه وقدم عهده وتأجيله وشراه ممن يحأبيه ويحط ما حط عنه ولو بعد عقدها وتكره فيما اشترى بزائد رغبة ويحوز ضم المؤن غالبا ومن أغفل الوزن اعتبر في رأس المال بموضع الشراء وفي الربح بموضعه وهو بين الشركاء حسب الملك لا الدفع وللكسر حصته] . قوله: "فصل: ويبين وجوبا تعيبه". أقول: هذا لازم لكل بائع بالسنة الثابتة كما قدمنا ذلك في خيار العيب وهكذا يجب عليه أن يبين نقصه وإلا كان من بيع الغرر كما تقدم. وأما بيان رخصه وقدم عهده فوجه ذلك أنه قد يشتريه برخص أو في زمان قديم والسعر لذلك الشيء رخيص وليس لوجوب ذكر مثل هذين وجه صحيح. وهكذا بيان شرائه ممن يحأبيه وتأجيله وأما كونه يحط ما حط عنه فصواب لأن ترك ذكر ذلك تغرير منه وأما كونه تكره المرابحة فيما اشترى بزائد رغبة فيه فلا وجه للحكم بهذه الكراهة وأما كونه يجوز ضم المؤن فصحيح لكن مع بيانه لمقدار المؤن بعد بيانه لمقدار رأس المال وإلا كان في ذلك غرر وأما كون الربح بين الشركاء حسب الملك فظاهر. [فصل والتولية كالمرابحة إلا أنها بالثمن الأول فقط ويجوز ضم المؤن كما مر والخيانة في عقدهما توجب الخيار في الباقي وفي الثمن والمبيع والمسأومة كذلك والأرش في التالف] . قوله: "فصل: والتولية كالمرابحة".

стр. 591

أقول: هذا توسيع لدائرة أحكام الشرع بمجرد فاسد الرأي وزائف الاجتهاد والحاصل أن المرابحة والتولية بيع من بيوع الشرع ونوع مما أذن الله سبحانه به فإن تعرض البائع لذكر رأس ماله فلا بد أن يكون صادقا في قوله وإلا كان ذلك من بيوع الغرر وإن يتعرض لذلك كفاه البيع الشرعي ولا يحتاج إلي ذكر شيء ولو كان الشراء بأحقر ثمن فالبائع هو الذي أوقع بنفسه في هذا المضيق بتعرضه لذكر ما اشتراه به كما لو أوقع نفسه في مضيق وصفه بصفة كما تقدم في خيار فقد الصفة وأما كون الخيانة في عقدهما توجب الخيار في الباقي فصحيح لأنه يصير بالتعرض لذكر ذلك مع عدم المطابقة للواقع مغررا مخادعا خائنا وهكذا الخيانة في الثمن والمبيع فما كان باقيا رده وإذا تلف كله أو بعضه فله الرجوع بالأرش لأن ذلك غاية ما يمكن به استدراك خيانة الخائن ولا يبعد أن يقال إن الخيانة كشفت عن عدم حصول المناط الشرعي وهو التراضي فيكون المبيع المصحوب بها باطلا غير نافذ لعدم وجود المناط الشرعي فإذا تلف المبيع أو بعضه تلف من مال البائع الخائن.

стр. 592

[باب الإقالة إنما تصح بلفظها بين المتعاقدين في مبيع باق لم يزد بالثمن الأول فقط ولو سكت عنه ويلغو شرط خلافه ولو في الصفة وهي بيع في حق الشفيع فسخ في غيره فلا يعتبر المجلس في الغائب ولا تلحقها الإجازة وتصح قبل القبض والبيع قبله بعدها ومشروطة وتولى واحد طرفيها ولا يرجع عنها قبل قبولها وبغير لفظها فسخ في الجميع والفوائد للمشتري] . قوله: "باب الإقالة". أقول: هذا الباب قد ورد الترغيب فيه من الشارع بحديث أبي هريرة الذي صححه جماعة من الحفاظ بلفظ: "من أقال نادما" وفي لفظ: "مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة" فكان على المصنف أن يعنون الباب بما يدل على ندبية الإقالة لا بما هو سراب بقيعة من قوله: إنما يصح بلفظها فإن هذا من جنس ما يكرره هو وأمثاله من الدندنة حول الألفاظ التي لم يرد باعتبارها شرع ولا عقل فإن مجرد رد الثمن أو طلب رد البيع إقالة تامة محصلة للأجر مبطلة للتبايع مع عدم وجود لفظها ولا لفظ آخر يدل عليها وأما اشتراطه بقاء المتعاقدين أنه إذا مات من يريد الإقالة لم يوجد من حصل له الندم على تلك الصفقة ولكن إذا كان وارثه نادما على صفقة مورثة فله حكمه لوجود السبب الذي لأجله شرعت الإقالة وأما قوله في مبيع باق فوجهه أنه إذا كان المبيع قد تلف لم يبق للإقالة معنى إلا أن يتعلق بذلك غرض للمشتري ينتفع به من غير لحوق ضرر للبائع.

стр. 593

وأما قوله: "لم يزد" فلا وجه له لأن الزيادة إن كان يمكن فصلها فصلها المشتري وأرجع المبيع وإن كان لا يمكن فصلها فإن رضي البائع بتسليم قدر قيمتها فذاك وإلا كان المشتري مخيرا بين رد المبيع بزيادة أو ترك الاستقالة ويدع الندم على الصفقة وأما قوله بالثمن الأول فقط فوجهه أن الإقالة لا تكون إلا هكذا ولو كانت بثمن آخر لكان ذلك بيعا جديدا وأما إذا حصل التراضي بالزيادة أو النقص بينهما فذلك باب لا يحتاج إلي ذكره لأن التراضي هو المحلل لأموال بعض العباد لبعض. قوله: "وهي بيع في حق الشفيع". أقول: جعلها بيعا في هذه الصورة الخاصة مما يقضي منه العجب وأعجب من هذا دعوى الإجماع على مثل هذه الخرافة كما حكى ذلك عنه وإن كان لم يذكر في الغيث شرحه لهذا الكتاب إلا قوله لا يختلف السادة في كونها بيعا في حق الشفيع انتهى وهو يريد بالسادة المتكلمين منهم في فروع الزيدية في هذه الديار ولم يرد غيرهم من السادة في سائر أقطار البلاد الإسلامية فضلا عن أن يريد إجماع أهل الإسلام على ذلك وأظن أنه لم يقل بهذه المقالة أحد من علماء الدنيا لأنها مع كونها لم تبن على رواية هى أيضا لم تبن على رأي مستقيم فإن كونها بيعا مجرد دعوى عاطلة عن البرهان بجميع أقسامه ومجرد تخصيص كونها بيعا في حق الشفيع فقط ترتيب دعوى على دعوى فهم فضلا عن أدنى علم ثم الفرق بينها وبين البيع بقوله فلا يعتبر المجلس في الغائب ولا يلحقها الإجازة الخ من تفريع الباطل على الباطل ومن التقول على الشريعة المطهرة بما ليس فيها. وأما قوله: "والفوائد للمشتري" فوجهه أنها حصلت في ملكه".

стр. 594

[باب القرض إنما يصح في مثلي أو قيمي جماد أمكن وزنه إلا ما يعظم تفأوته كالجواهر والمصوغات غالبا غير مشروط بما يقتضي الربا وإلا فسد] . قوله: "باب: القرض إنما يصح في مثلي أو قيمي جماد أمكن وزنه". أقول: هذا باب وردت السنة بالترغيب فيه وتعظيم أجر فاعله ولا خلاف بين المسلمين في مشروعيته وهذا الترغيب وعموم المشروعية لا ينبغي قصره على بعض ما ينتفع به الناس ويطلبون الأجر في قرضه إلا بدليل يدل على ذلك ويقتضي تخصيص العمومات فإن لم يقم دليل على ذلك لم يجز لأحد أن يتقول على الشرع ما ليس فيه ويسد بابا فتحه الله لعباده وجعله نفعا للمحأويج المستقرضين وأجرا للأغنياء المقرضين وأما مجرد تعللهم بأن القرض باب من أبواب

стр. 595

البيع فلا يجوز إلا فيما يجوز فيه فنقول ما بالهم منعوه فيما هو جائز البيع بلا خلاف وشرطوا أن يكون مثليا جمادا يمكن وزنه ثم ما بالهم منعوه فيما جوزه الشرع وثبتت به السنة الصحيحة الصالحة لتخصيص كل عموم للبيع كما في صحيح مسلم "١١٨/١٦٠٠"، وغيره "أبو داود "٣٣٤٦"، الترمذي "١٣١٨"، النسائي "٤٦١٧"، ابن ماجة "٢٢٨٥"، أحمد "٦/٣٩٠"، من حديث رافع بن خديج قال استسلف النبي ﷺ بكرا فجاءت إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره فقلت إني لم أجد في الإبل إلا جملا خيارا رباعيا قال: "أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء"، وهو في الصحيحين [البخاري "٤/٤٨٢"، مسلم "١٦٠١"، وغيرهما الترمذي "١٣١٦، ١٣١٧"، النسائي "٤٦١٨"، من حديث أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل فجاء يتقاضاه فقال: "أعطوه"، فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنا فوقها فقال: "أعطوه"، فقال أوفيتني أوفى الله بك فقال النبي ﷺ : "إن خيركم أحسنكم قضاء"، فقد دلت السنة الصحيحة على جواز قرض الحيوان مع كونه مما يعظم فيه التفأوت فدل ذلك على أنه لا وجه لجعل عظم التفأوت مانعا هذا تبرع بالدليل وإن كان الدليل على من ادعى تخصيص ما دل على عموم المشروعية كما قدمنا وجواز القرض في الحيوانات هو مذهب الجمهور. وأما قوله: "غير مشروط بما يقتضي الربا" فلا ينافي ما قدمنا عنه ﷺ من أنه قضى من أقرضه سنا فوق سنة وأحسن منها لأن ذلك وقع لا على طريق الشرط بل على طريق التفضل والإحسان وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر قال أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني فإن قلت قد ورد ما يدل على أن المقرض لا يقبل من المستقرض هدية أو نحوها كما أخرجه ابن ماجه من حديث أنس أنه ﷺ قال: "إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يركبها ولا يقبله إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك"، قلت في إسناده يحيى بن أبي إسحق الهنائي وهو مجهول وفي إسناده أيضا عتبة بن حميد الضبي وهو ضعيف وقد حققنا البحث في شرح المنتقي فليرجع إليه. [فصل وإنما يملك بالقبض فيجب رد مثله قدرا وجنسا وصفة إلي موضع القرض ولا يصح الإنظار فيه وفي كل دين لم يلزم بعقد وفاسده كفاسد البيع غالبا ومقبض السفتجة أمين فيما قبضا ضمين فيما استهلك وكلاهما جائز إلا بالشرط] . قوله: "فصل: وإنما يملكه بالقبض". أقول: يملكه بقبضه ملكا مستقرا ويملكه أيضا قبل قبضه إذا وقع التراضي على ذلك فإن

стр. 596

التراضي هو المناط في نقل الأموال من بعض العباد إلي بعض وكررنا ذلك في غير موضع وأما كونه يجب رد مثله قدرا وجنسا وصفة فنعم هذا هو الواجب عند أن يترك المستقرض التفضل والإحسان بالزيادة فإن فعل فذلك إليه بما تقدم من الأدلة. وأما كونه يجب الرد إلي موضع القرض فصحيح لأن المقرض محسن فعلى المستقرض أن يرد ماله إليه إلي الموضع الذي قبضه منه فيه. قوله: "ولا يصح الإنظار فيه". أقول: المستقرض قبض المال على التأجيل فلا يجب عليه قضاؤه إلا عند انقضاء الأجل وتمامه وتأجيل الدين قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز فقال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وليس فائدة الكتابة إلا حفظ قدر الدين وقدر أجل تسليمه ومما يدل على لزوم التأجيل حديث: "المؤمنون عند شروطهم"، [أبو داود "٦٥٩٤"، أحمد "٢/٣٦٦"] ، وقد ورد في الكتاب العزيز في آيات كثيرة وجوب الوفاء بالعقود وهي ما يحصل عليه التراضي فليس لمن أقرض قرضا مؤجلا أن يطلب قضاءه قبل حلول أجله وهكذا في سائر الديون التي لم تلزم بعقد فإن الدخول في التأجيل يجب على من وقع من جهته الوفاء به. وأما قوله: "وفاسده كفاسد البيع" فلا وجه له في المشبه ولا في المشبه به لما عرفناك أن مناط البيع وغيره التراضي فإن وقع البيع أو القرض على غير ما يسوغه الشرع فلا يثبت حكمه من الأصل. وأما قوله: "ومقبض السفتجة" الخ فهذا حكم يرجع إلي باب الأمانة والضمانة والتراضي يسوغ هذا وغيره فلا فائدة في التكلم على مثله وهو معروف في أبوابه وإنما ذكره المصنف هنا لئلا يتوهم أنه من القرض الذي يجر منفعة. [فصل وليس لمن تعذر عليه استيفاء حقه حبس حق خصمه ولا استيفاؤه إلا بحكم غالبا وكل دينين استويا في الجنس والصفة تساقطا والفلوس كالنقدين] . قوله: "وليس بمن تعذر عليه" الخ. أقول: إذا كان الحق ثابتا شرعا قطعا وبتا وتعذر الوصول إليه من جميع الوجوه إلا من هذا الوجه وذلك لامتناع من هو عليه عن تأديته فعمومات الكتاب والسنة قد دلت على جواز ذلك ولا يعارض هذه العمومات حديث: "أد الأمانة إلي من ائتمنك ولا تخن من خانك"، أخرجه أبو دأود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وفي الباب عن أنس عند الحاكم مرفوعا وعن أبي بن كعب عند الدارقطني والطبراني وعن رجل من الصحابة عند

стр. 597

أحمد "٣/٤١٤"، وأبي دأود "٣٥٣٤"، والبيهقي وصححه ابن السكن وعن الحسن مرسلا عند البيهقي وفي إسناد كل واحد من هذه مقال حتى قال أحمد هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه ولا يخفاك أن وروده من هذه الطرق مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم لبعضها مما يصير به الحديث منتهضا للاحتجاج به ولكن خاص بالأمانة فلا يجوز خيانة من خان إذا كان مال الذي للخائن عند من وقعت عليه الخيانة أمانة ويؤيد هذا الكلام أئمة اللغة ويدل على أن الخيانة إنما تكون في الأمانة كما في القاموس وغيره والحاصل أن مال المسلم معصوم بعصمه الإسلام وكذلك دمه وعرضه كما يدل على ذلك القرآن والسنة وهذا عموم مخصص بما كان على طريقة المكافأة كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وهذه الآيات مخصصه بالخيانة في الأمانة فلا يجوز على طريقة المكافأة وما يؤيد الجواز الحديث الصحيح المتقدم في إذنه ﷺ لهند امرأة أبي سفيان أن تأخذ لها ولولدها من مال زوجها ما يكفيهابالمعروف. وأما قوله: "وكل دينين" الخ فهذا معلوم بالعقل أنه لا يتعلق بعدم التساقط فائدة فمن ثبت له دينار مثلا على من كان له عليه دينار تساقط ولا يحتاج مثل هذا إلي أن يدون في الكتب العلمية وهكذا قوله والفلوس كالنقدين. [فصل ويجب رد الرهن والقبض والغصب والمستأجر والمستعار والحق المعجل والمؤجل والكفالة بالوجه إلي موضع الابتداء غالبا لا المعيب والوديعة والمستأجر عليه وكل دين لم يلزم بعقد والقصاص فحيث أمكن ويجب قبض كل معجل مساو أو زائد في الصفة لا مع خوف ضرر أو غرامة ويصح التعجيل بشرط حط البعض] . قوله: "فصل: ويجب رد الرهن" الخ. أقول: وجه أن المقرض محسن وما على المحسنين من سبيل فلو كان عليه أن يتجشم مشقة لرد قرضه لكان ذلك منافيا لإحسانه وأما الرهن فليس في رواية ولا رأي صحيح أنه يكون الوجوب على أحدهما لأن كلاهما منتفع بالرهن من جهة وأما الغصب فوجهه أن الغاصب ظالم متعد فعليه رفع ظلامته عن نفسه أن برد ما غصبه من الموضع الذي غصبه منه بل وإلي حيث استقرار المغصوب عليه وإن كان بعيدا عن وضع الغصب وأما المستأجر فوجهه أنه الطالب للانتفاع بالعين فيردها إلي الموضع الذي أخذها منه ويمكن أن يقال إن المؤجر منتفع بالأجرة

стр. 598

كما ينتفع المستأجر بالمنافع المتعلقة بالعين فلا يكون المستأجر بالرد إلي موضع الابتداء أولى من المؤجر وأما المستعير فوجهه أن المعير محسن كما تقدم في القرض وأما الحق المؤجل والمعجل فوجهه أن من هو عليه لا يخلص ذمته عما هو عليه إلا برده إلي يد من هو له ومثل ذلك الكفالة بالوجه هذا غاية ما يمكن في توجيه كلام المصنف وكان الأولى له أن يعقد الفصل على وجوب الرد إلي المالك من غير نظر إلي موضع الابتداء فيقول مثلا يجب الرد إلي المالك في القرض الخ حتى يكون ذلك عملا بحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، أخرجه أحمد وأبو دأود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث الحسن عن سمرة وفي سماع الحسن من سمرة فقال معروف فإن هذا الحديث يدل على وجوب التأدية لكل ما أخذته اليد ولا تأدية إلا إذا كانت إلي المأخوذ منه ومثل هذا الحديث الذي تقدم بلفظ: "أد الأمانة إلي من ائتمنك"، فإن التأدية في الأمانات لا يكون إلا بدفعها إلي مالكها وبهذا تعرف أنه لا وجه لقول المصنف لا المعيب والوديع الخ وأما كون يجب قبض كل معجل فوجهه أن لمن هو عليه أن يبريء ذمته بالرد فليس لمن هو له أن يمتنع من ذلك مع عدم المانع من خوف ضرر أو غرامة. قوله: "ويصح شرط حط البعض". أقول: إذا حصل التراضي على هذا فليس في ذلك مانع من شرع ولا عقل لأن صاحب الدين قد رضي ببعض ماله وطابت نفسه عن باقيه وهو يجوز أن تطيب نفسه عن جميع ذلك المال وتبرأ ذمته من هو عليه فالبعض بالأولى وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٤٧١، ٤٥٧، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧١٠" مسلم "١٥٥٨"، أبو داود "٣٥٩٥"، ابن ماجة "٢٤٢٩"، النسائي "٨/٢٤٤"] ، أن النبي ﷺ سمع رجلين يتخاصمان في المسجد وقد ارتفعت أصواتهما وكانت تلك الخصومة في دين لأحدهما على الآخر فأشرف عليهما النبي ﷺ وأشار بيده إلي من له الدين أن يضع الشطر فكان هذا دليلا على جواز التعجيل بشرط حط البعض. [فصل ويتضيق رد الغصب ونحوه قبل المراضاة والدين بالطلب فيستحل من مطل وفي حق الله الخلاف ويصح في الدين قبل القبض كل تصرف إلا رهنه ووقفه وجعله زكاة أو رأس مال سلم أو مضاربة وتمليكه غير الضامن بغير وصية أو نذر أو إقرار أو حوالة] . قوله: "فصل: ويتضيق رد الغصب ونحوه قبل المراضاة". أقول: وجه ذلك أنه مطالب بالرد في كل وقت فإذا لم يحصل الرضا فوجوب الرد ثابت متضيق عليه.

стр. 599

وأما قوله: "والدين بالطلب فيستحل من مطل" فوجهه أنه مع طلب القضاء قد وجب عليه ذلك إلا كان ظالما إذا كان متمكنا لما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : "لَيُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته". وأما قوله: "في حق الله الخلاف" فهو الخلاف المعروف في الأصول هل هو على الفور أو التراخي وفي المسألة طول وليس هذا مقام بسط الكلام فيها. وأما قوله: "ويصح في الدين قبل قبضه كل تصرف إلا رهنه" فوجهه اشتراط التقابض في الرهن وليس هذا الوجه بوجيه فإنه يصح رهن ما في الذمة ويقبضه المرتهن عند حلول أجله فيصير رهنا في يديه وهكذا يصح وقفه ولا مانع من ذلك وهكذا يصح جعله زكاة رأس مال مضاربة ولا مانع من هذه الأمور إلا مجرد تخيلات مختلة وعلل معتله وأما عدم صحة جعله رأس سلم فوجهه أن يكون من بيع الكاليء بالكاليء وقد قدمنا النهي عنه وهكذا يصح تمليكه غير الضامن ولا مانع من شرع ولا عقل ولو بغير وصية أو نذر أو إقرار أو حوالة.

стр. 600

[باب الصرف هو بيع مخصوص يعبر فيه لفظه أو أي ألفاظ البيع وفي متفقي الجنس والتقدير ما مر إلا الملك حال العقد فإن اختل أحدهما بطل أو حصته فيترادان ما لم يخرج عن اليد وإلا فالمثل في النقدين والعين في غيرهما ما لم يستهلك فإذا أرادا تصحيحه ترادا الزيادة وجددا العقد وما في الذمة كالحاضر] . قوله: "باب: الصرف هو بيع مخصوص فيعتبر لفظه أو أي ألفاظ البيع". أقول: قد عرفت مما قدمنا في البيع أن اعتبار اللفظ المخصوص لا أصل له وأن البيع المأذون فيه بقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، هو ما ذكره في قوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، فإذا حصل التراضي فقد وجد المناط الشرعي ولو بمجرد المقابضة من غير لفظ أو أشارة من قادر على النطق. وأما قوله: "ويعتبر في متفقي الجنس والتقدير ما مر" فصحيح للأدلة الدالة على تحريم التفاضل والنساء فيما كان كذلك. وأما قوله: "إلا الملك حال العقد" فلا بد من تقييد ذلك بحصول التقابض في محل العقد قبل التفرق وإلا كان ذلك نساء وهو ربا كما تقدم في حديث: "إنما الربا في النسيئة"، وفي
следующие страницы →