Полный текст (1 078 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
التراضي هو المناط في نقل الأموال من بعض العباد إلي بعض وكررنا ذلك في غير موضع وأما كونه يجب رد مثله قدرا وجنسا وصفة فنعم هذا هو الواجب عند أن يترك المستقرض التفضل والإحسان بالزيادة فإن فعل فذلك إليه بما تقدم من الأدلة.
وأما كونه يجب الرد إلي موضع القرض فصحيح لأن المقرض محسن فعلى المستقرض أن يرد ماله إليه إلي الموضع الذي قبضه منه فيه.
قوله: "ولا يصح الإنظار فيه".
أقول: المستقرض قبض المال على التأجيل فلا يجب عليه قضاؤه إلا عند انقضاء الأجل وتمامه وتأجيل الدين قد ذكره الله سبحانه في كتابه العزيز فقال: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ، وليس فائدة الكتابة إلا حفظ قدر الدين وقدر أجل تسليمه ومما يدل على لزوم التأجيل حديث: "المؤمنون عند شروطهم"، [أبو داود "٦٥٩٤"، أحمد "٢/٣٦٦"] ، وقد ورد في الكتاب العزيز في آيات كثيرة وجوب الوفاء بالعقود وهي ما يحصل عليه التراضي فليس لمن أقرض قرضا مؤجلا أن يطلب قضاءه قبل حلول أجله وهكذا في سائر الديون التي لم تلزم بعقد فإن الدخول في التأجيل يجب على من وقع من جهته الوفاء به.
وأما قوله: "وفاسده كفاسد البيع" فلا وجه له في المشبه ولا في المشبه به لما عرفناك أن مناط البيع وغيره التراضي فإن وقع البيع أو القرض على غير ما يسوغه الشرع فلا يثبت حكمه من الأصل.
وأما قوله: "ومقبض السفتجة" الخ فهذا حكم يرجع إلي باب الأمانة والضمانة والتراضي يسوغ هذا وغيره فلا فائدة في التكلم على مثله وهو معروف في أبوابه وإنما ذكره المصنف هنا لئلا يتوهم أنه من القرض الذي يجر منفعة.
[فصل
وليس لمن تعذر عليه استيفاء حقه حبس حق خصمه ولا استيفاؤه إلا بحكم غالبا وكل دينين استويا في الجنس والصفة تساقطا والفلوس كالنقدين] .
قوله: "وليس بمن تعذر عليه" الخ.
أقول: إذا كان الحق ثابتا شرعا قطعا وبتا وتعذر الوصول إليه من جميع الوجوه إلا من هذا الوجه وذلك لامتناع من هو عليه عن تأديته فعمومات الكتاب والسنة قد دلت على جواز ذلك ولا يعارض هذه العمومات حديث: "أد الأمانة إلي من ائتمنك ولا تخن من خانك"، أخرجه أبو دأود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة وفي الباب عن أنس عند الحاكم مرفوعا وعن أبي بن كعب عند الدارقطني والطبراني وعن رجل من الصحابة عند
стр. 597
أحمد "٣/٤١٤"، وأبي دأود "٣٥٣٤"، والبيهقي وصححه ابن السكن وعن الحسن مرسلا عند البيهقي وفي إسناد كل واحد من هذه مقال حتى قال أحمد هذا حديث باطل لا أعرفه من وجه يصح وقال ابن الجوزي لا يصح من جميع طرقه ولا يخفاك أن وروده من هذه الطرق مع تصحيح إمامين من الأئمة المعتبرين لبعضها وتحسين إمام ثالث منهم لبعضها مما يصير به الحديث منتهضا للاحتجاج به ولكن خاص بالأمانة فلا يجوز خيانة من خان إذا كان مال الذي للخائن عند من وقعت عليه الخيانة أمانة ويؤيد هذا الكلام أئمة اللغة ويدل على أن الخيانة إنما تكون في الأمانة كما في القاموس وغيره والحاصل أن مال المسلم معصوم بعصمه الإسلام وكذلك دمه وعرضه كما يدل على ذلك القرآن والسنة وهذا عموم مخصص بما كان على طريقة المكافأة كما في قوله سبحانه: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤١] ، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وهذه الآيات مخصصه بالخيانة في الأمانة فلا يجوز على طريقة المكافأة وما يؤيد الجواز الحديث الصحيح المتقدم في إذنه ﷺ لهند امرأة أبي سفيان أن تأخذ لها ولولدها من مال زوجها ما يكفيهابالمعروف.
وأما قوله: "وكل دينين" الخ فهذا معلوم بالعقل أنه لا يتعلق بعدم التساقط فائدة فمن ثبت له دينار مثلا على من كان له عليه دينار تساقط ولا يحتاج مثل هذا إلي أن يدون في الكتب العلمية وهكذا قوله والفلوس كالنقدين.
[فصل
ويجب رد الرهن والقبض والغصب والمستأجر والمستعار والحق المعجل والمؤجل والكفالة بالوجه إلي موضع الابتداء غالبا لا المعيب والوديعة والمستأجر عليه وكل دين لم يلزم بعقد والقصاص فحيث أمكن ويجب قبض كل معجل مساو أو زائد في الصفة لا مع خوف ضرر أو غرامة ويصح التعجيل بشرط حط البعض] .
قوله: "فصل: ويجب رد الرهن" الخ.
أقول: وجه أن المقرض محسن وما على المحسنين من سبيل فلو كان عليه أن يتجشم مشقة لرد قرضه لكان ذلك منافيا لإحسانه وأما الرهن فليس في رواية ولا رأي صحيح أنه يكون الوجوب على أحدهما لأن كلاهما منتفع بالرهن من جهة وأما الغصب فوجهه أن الغاصب ظالم متعد فعليه رفع ظلامته عن نفسه أن برد ما غصبه من الموضع الذي غصبه منه بل وإلي حيث استقرار المغصوب عليه وإن كان بعيدا عن وضع الغصب وأما المستأجر فوجهه أنه الطالب للانتفاع بالعين فيردها إلي الموضع الذي أخذها منه ويمكن أن يقال إن المؤجر منتفع بالأجرة
стр. 598
كما ينتفع المستأجر بالمنافع المتعلقة بالعين فلا يكون المستأجر بالرد إلي موضع الابتداء أولى من المؤجر وأما المستعير فوجهه أن المعير محسن كما تقدم في القرض وأما الحق المؤجل والمعجل فوجهه أن من هو عليه لا يخلص ذمته عما هو عليه إلا برده إلي يد من هو له ومثل ذلك الكفالة بالوجه هذا غاية ما يمكن في توجيه كلام المصنف وكان الأولى له أن يعقد الفصل على وجوب الرد إلي المالك من غير نظر إلي موضع الابتداء فيقول مثلا يجب الرد إلي المالك في القرض الخ حتى يكون ذلك عملا بحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، أخرجه أحمد وأبو دأود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث الحسن عن سمرة وفي سماع الحسن من سمرة فقال معروف فإن هذا الحديث يدل على وجوب التأدية لكل ما أخذته اليد ولا تأدية إلا إذا كانت إلي المأخوذ منه ومثل هذا الحديث الذي تقدم بلفظ: "أد الأمانة إلي من ائتمنك"، فإن التأدية في الأمانات لا يكون إلا بدفعها إلي مالكها وبهذا تعرف أنه لا وجه لقول المصنف لا المعيب والوديع الخ وأما كون يجب قبض كل معجل فوجهه أن لمن هو عليه أن يبريء ذمته بالرد فليس لمن هو له أن يمتنع من ذلك مع عدم المانع من خوف ضرر أو غرامة.
قوله: "ويصح شرط حط البعض".
أقول: إذا حصل التراضي على هذا فليس في ذلك مانع من شرع ولا عقل لأن صاحب الدين قد رضي ببعض ماله وطابت نفسه عن باقيه وهو يجوز أن تطيب نفسه عن جميع ذلك المال وتبرأ ذمته من هو عليه فالبعض بالأولى وقد ثبت في الصحيح [البخاري "٤٧١، ٤٥٧، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧١٠" مسلم "١٥٥٨"، أبو داود "٣٥٩٥"، ابن ماجة "٢٤٢٩"، النسائي "٨/٢٤٤"] ، أن النبي ﷺ سمع رجلين يتخاصمان في المسجد وقد ارتفعت أصواتهما وكانت تلك الخصومة في دين لأحدهما على الآخر فأشرف عليهما النبي ﷺ وأشار بيده إلي من له الدين أن يضع الشطر فكان هذا دليلا على جواز التعجيل بشرط حط البعض.
[فصل
ويتضيق رد الغصب ونحوه قبل المراضاة والدين بالطلب فيستحل من مطل وفي حق الله الخلاف ويصح في الدين قبل القبض كل تصرف إلا رهنه ووقفه وجعله زكاة أو رأس مال سلم أو مضاربة وتمليكه غير الضامن بغير وصية أو نذر أو إقرار أو حوالة] .
قوله: "فصل: ويتضيق رد الغصب ونحوه قبل المراضاة".
أقول: وجه ذلك أنه مطالب بالرد في كل وقت فإذا لم يحصل الرضا فوجوب الرد ثابت متضيق عليه.
стр. 599
وأما قوله: "والدين بالطلب فيستحل من مطل" فوجهه أنه مع طلب القضاء قد وجب عليه ذلك إلا كان ظالما إذا كان متمكنا لما ثبت في الصحيح من قوله ﷺ : "لَيُّ الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته".
وأما قوله: "في حق الله الخلاف" فهو الخلاف المعروف في الأصول هل هو على الفور أو التراخي وفي المسألة طول وليس هذا مقام بسط الكلام فيها.
وأما قوله: "ويصح في الدين قبل قبضه كل تصرف إلا رهنه" فوجهه اشتراط التقابض في الرهن وليس هذا الوجه بوجيه فإنه يصح رهن ما في الذمة ويقبضه المرتهن عند حلول أجله فيصير رهنا في يديه وهكذا يصح وقفه ولا مانع من ذلك وهكذا يصح جعله زكاة رأس مال مضاربة ولا مانع من هذه الأمور إلا مجرد تخيلات مختلة وعلل معتله وأما عدم صحة جعله رأس سلم فوجهه أن يكون من بيع الكاليء بالكاليء وقد قدمنا النهي عنه وهكذا يصح تمليكه غير الضامن ولا مانع من شرع ولا عقل ولو بغير وصية أو نذر أو إقرار أو حوالة.
стр. 600
[باب الصرف
هو بيع مخصوص يعبر فيه لفظه أو أي ألفاظ البيع وفي متفقي الجنس والتقدير ما مر إلا الملك حال العقد فإن اختل أحدهما بطل أو حصته فيترادان ما لم يخرج عن اليد وإلا فالمثل في النقدين والعين في غيرهما ما لم يستهلك فإذا أرادا تصحيحه ترادا الزيادة وجددا العقد وما في الذمة كالحاضر] .
قوله: "باب: الصرف هو بيع مخصوص فيعتبر لفظه أو أي ألفاظ البيع".
أقول: قد عرفت مما قدمنا في البيع أن اعتبار اللفظ المخصوص لا أصل له وأن البيع المأذون فيه بقوله : ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، هو ما ذكره في قوله: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، فإذا حصل التراضي فقد وجد المناط الشرعي ولو بمجرد المقابضة من غير لفظ أو أشارة من قادر على النطق.
وأما قوله: "ويعتبر في متفقي الجنس والتقدير ما مر" فصحيح للأدلة الدالة على تحريم التفاضل والنساء فيما كان كذلك.
وأما قوله: "إلا الملك حال العقد" فلا بد من تقييد ذلك بحصول التقابض في محل العقد قبل التفرق وإلا كان ذلك نساء وهو ربا كما تقدم في حديث: "إنما الربا في النسيئة"، وفي
стр. 601
حديث: "إذا كان يحصل يد بيد" وفي حديث: "إذا لم تتفرقا وبينكما شيء".
وقول المصنف: "فإن اختل أحدهما بطل أو حصته" صحيح لأنه ربا كما عرفت وإذا حصل التراد ودفع المثل ففيه استدراك لما فرط منهما من الدخول في الربا.
قوله: "وما في الذمة كالحاضر".
أقول: هذه الكلية محتاجة إلي دليل يدل على تخصيص ما ورد من الأحاديث الصحيحة المصرحة بمثل قوله: "إلا يدا بيد" ومثل قوله: "إلا ها وها" وسائر ما ورد في هذا المعنى هذا مع الاتفاق في الجنس والتقدير ومع الاختلاف كالذهب بالفضة ونحو ذلك ما ورد في قوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"، ولم يثبت ما يدل على خلاف ذلك فالواجب الوقوف على ما تقتضيه الأدلة وعدم التخصيص لها بمجرد الرأي القائل والاجتهاد العاطل وهذا على تقدير أن أحد البدلين أما لو كانا جميعا في الذمة كان ذلك من بيع الكاليء بالكاليء وقد تقدم النهي عنه.
[فصل
ومتى انكشف في أحد النقدين رديء عين أو جنس بطل بقدره إلا أن يبدل الأول في مجلس الطرف فقط والثاني فيه مطلقا أو مجلس الرد إن رد ولم يكن قد علمه فيلزم أو شرط رده فافترقا مجوزا له أو قاطعا فيرضى أو يفسخ فإن كان لتكحيل فصل إن أمكن وبطل بقدره وإلا ففي الكل] .
قوله: فصل: "ومتى انكشف في أحد النقدين رديء عين أو جنس" الخ.
أقول: الأدلة قد أوجبت التقابض في المجلس مع الاتفاق كالذهب بالذهب والفضة بالفضة من غير فرق بين جيد ورديء فإذا انكشف لأحد المتصارفين بعد المجلس رداءة ما صار إليه فله فسخه بخيار العيب بدليله السابق فيرد القابض للجيد ما يقابل ذلك الرديء من الجيد الذى قبضه من صاحب الرديء إذا كان الذى انكشفت رداءته هو بعض ما صار إليه فإن كان رديئا كله فله رده كله بالعيب ويرد صاحب الرديء جميع ما قبضه من الجيد ويبطل الصرف الواقع بينهما هكذا ينبغي أن يقال في هذا الفصل وبه يتضح ما هو الصواب وإذا أراد إبدال الرديء بجيد فلا يجوز ذلك إلا في مجلس الصرف من غير فرق بين رديء العين والجنس فإن تفرقا وقد قبض صاحب الرديء رديئه أو بعضه وترك جيده عند المصارف له فقد وقعا في الربا ولا استدراك إلا بالتراد ثم التصارف والتقابض في المجلس.
стр. 602
[فصل
ولا تصححه الجريرة ونحوها إلا مسأوية لمقابلها ولا يصح في متفقي الجنس والتقدير قبل القبض حط ولا إبراء ولا أي تصرف ويصح حط البعض في المختلفين لا التصرف ولا يصح الربا بين كل مكلفين في أي جهة ولا بين العبد وربه] .
قوله: "فصل: ولا تصححه الجريرة".
أقول: هذا صحيح وقد تقدم الكلام عليه عند قول المصنف فإن صحب أحد المثلين غيره ذو قيمة.
وأما قوله: "ولا يصح في متفقي الجنس والتقدير" الخ فهذا معلوم لأنه يؤدي إلي صرف الجنس بجنسه متفاضلا وذلك ربا والاعتبار بالمجلس فلا حكم لما وقع قبله من حط أو إبراء أو تصرف.
وأما قوله: "ويصح حط البعض في المختلفين" فيدل عليه قوله ﷺ : "فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"، فإنه ﷺ جوز التفاضل ومنع النساء وقد قدم المصنف ﵀ في باب الربويات ما يغني عن هذا وإنما أعاده تكميلا لمباحث الصرف.
وأما قوله: "ولا يحل الربا بين كل مكلفين في أي جهة" فهذا معلوم أما المسلمون فظاهر وأما الكفار فلما تقدم من أنهم مخاطبون بالشرعيات أي معذبون على فعل ما يحرم وترك ما يجب ولا فرق بين دار الحرب وغيرها لأن ما حرمه الله حرام في كل زمان ومكان وتخصيص دار الحرب بأحكام لا يقتضي تخصيصها بتحليل الربا فيها.
قوله: "ولا بين العبد وربه".
أقول: هذا الربا غير معقول لأنه إذا أعطى الفقير درهما عن دراهم تواطئا على أنها في ذمة الغني المذكر للفقير المصروف إليه فهذه إنما هى حيلة باطلة ودلسة عاطلة لا نفوذ لها ولا قبول ومعلوم أنه لو واطأ الفقير على أن يبيع منه ما في ذمته من الزكاة وهي ألوف مؤلفة بدرهم واحد أو بدونه لقبل منه ذلك وفي الحقيقة أنه لم يقع عن الزكاة إلا هذا الدرهم ولا يبعد أن لا يقع عن الزكاة لما شابه من القصد الباطل والإضمار المخالف للحق.
стр. 603
[باب السلم
لا يصح في عين أو ما يعظم تفأوته كالحيوان والجواهر واللآلئ والفصوص والجلود ومالا ينقل وما يحرم فيه النساء فمن أسلم جنسا في جنسه وغير جنسه فسد في
стр. 604
الكل ويصح فيما عدا ذلك بشروط الأول ذكر قدر المسلم فيه وجنسه ونوعه وصفته كرطب وعتق ومدته وقشر زيت ولحم كذا من عضو كذا سمنه كذا وما له طول وعرض ورقة وغلط بينت مع الجنس ويوزن ما عدا المثلى ولو أجرا أو حشيشا الثاني معرفة إمكانه للحلول وإن عدم حال العقد فلو عين ما يقدر تعذره كنسج محلة أو مكيالها بطل الثالث كون الثمن مقبوضا في المجلس تحقيقا معلوما جملة أو تفصيلا ويصح بكل مال وفي انكشاف الرديء ما مر الرابع الأجل المعلوم وأقله ثلاث ورأس ما هو فيه لآخره وإلا فلرؤية هلاله وله إلي آخر اليوم المطلق ويصح التعجيل كما مر الخامس تعيين المكان قبل التفرق وتجويز الربح والخسران] .
قوله: "باب: السلم لا يصح في عين".
أقول: هذا الباب قد وقع إجماع المسلمين إلي جوازه إلي ما وقع في رواية عن ابن المسيب كما حكى ذلك في فتح الباري والبحر الزخار للمصنف وثبت بالسنة الصحيحة كما في الصحيحين [البخاري "٢٢٤٠، ٢٢٤١"، مسلم "١٢٧/١٦٠٤"، وغيرهما [أبو داود "٣٤٦٣"، الترمذي "١٣١١"، النسائي "٤٦١٦" ابن ماجة "٢٢٨٠"، أحمد "١/٢١٧، ٢٢٢، ٢٨٢، ٣٥٨"] ، من حديث ابن عباس قال قدم النبي ﷺ المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: "من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلي أجل معلوم"، والسلف الشرعي بيع موصوف في الذمة ببدل يعطي عاجلا وقد دل على هذا قوله: "من أسلف فليسلف" فإنه يدل أن المسلم فيه غير حاضر في ذمة المسلم إليه ويؤده قوله إلي أجل معلوم والتصريح يكون المسلم فيه معلوما والأجل معلوما يفيد أنه لا يصح السلم في غير معلوم ولا يصح أن يكون الأجل مجهولا قال فتح الباري واتفقوا على أنه يشترط له ما يشترط للبيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس انتهى ومراد المصنف لقوله لا يصح في عين أي في حاضر والحديث قد دل على هذا فمن زعم أنه يصح في حاضر فقد تمسك بغير دليل ولا ينفعه الاستدلال بما ورد في السلم من غير ذكر التأجيل لأن المطلق يحمل على المقيد وأيضا لفظ يفيد ذلك فلا يطلق على ما كان حاضرا.
وهكذا قوله: "أما من يعظم تفأوته" فإن قوله في الحديث: "في كيل معلوم ووزن معلوم" يدل على أنه لا يصح السلم فيما يعظم تفأوته لعدم ضبطه بضابط يصح به وصفه يكون معلوما ومن أدعى أنه يمكن ضبطه بمضابط فقد أبعد فإن الحيوان والجواهر واللآلئ والفصوص مختلفة غاية الاختلاف فمنها ما تكون قيمته الدينار والدينارين ومنها ما يكون قيمته الألف والألفين وهكذا لا يصح السلم فيما لا ينقل كالأراضي والدور لأنه لا يكون إلا حاضرا وهكذا لا يصح فيما يحرم فيه النساء من الأجناس الربوية لأنها ربا.
وأما قوله: "فمن أسلم جنسا في جنسه وغير جنسه فسد في الكل" فمبني على ما تقدم له من أنه إذا انضم إلي جائز البيع غيره وقد قدمنا ما فيه.
стр. 605
قوله: "ويصح فيما عدا ذلك بشروط الأول ذكر قدر المسلم فيه وجنسه" الخ.
أقول: هذا صحيح لأنه لا يكون معلوما إلا بذلك وقد اشترط الشارع المعلومية كما تقدم
وأما قوله: "الثاني: معرفة إمكانه للحلول" فوجهه أنه لو ذكر في السلم وصفا يدل على عدم إمكانه لكان ذلك عائدا على الغرض المقصود من السلم بالنقص وأما وإن عدم حال العقد فيدل عليه ما أخرجه أحمد والبخاري عن عبد الرحمن بن أبزى وعبد الله بن أبي أوفى قالا كنا نصيب المغانم مع رسول الله ﷺ وكان يأتينا أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزيت إلي أجل مسمى قيل أكان لهم زرع أو لم يكن قالا ما كنا نسألهم عن ذلك وفي رواية كنا نسلف على عهد النبي ﷺ وأبي بكر وعمر في الحنطة والشعير والزبيب والتمر وما نراه عندهم أخرجه أحمد وأبو دأود والنسائي وابن ماجه والسكوت تقرير.
قوله: "الثالث: كون الثمن مقبوضا في المجلس".
أقول: هذا الشرط لا بد منه ولا يتم السلم إلا به وإلا كان من بيع الكاليء بالكاليء وقد قدمنا النهي عنه وأما كونه يصح بكل مال فلكون الأدلة لم تدل إلا على اشتراط أن يكون ثمن السلم معلوما للمسلم والمسلم إليه وذلك ممكن في كل الأمور.
وأما قوله: "في انكشاف الرديء ما مر" فوجهه أنه عيب وقد دل الدليل على أنه يرد على صاحبه وقد تقدم في خيار العيب وفي الصرف ما يغني عن الإعادة هنا.
وأما قوله: "الرابع: للأجل المعلوم" فقد دل عليه الدليل الصحيح المتقدم فلا يصح السلم بدون تأجيل بل ينقلب بيعا كما قدمنا ولا يصح بأجل مجهول وأما تعيين أقل مدته أو أكثرها فلم يثبت فيه ما يصلح للاحتجاج به لكنه إذا لم يوجد في الأجل المعلوم فقد أخرج مالك في الموطأ وأبو دأود من حديث ابن عمر أن رجلا أسلم في نخل فلم يخرج في تلك السنة شيئا فاختصما إلي رسول الله ﷺ فقال صلي الله عليه وسلم: "بم تستحل ماله اردد عليه ماله" ثم قال: "لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحه"، وفي إسناده رجل مجهول فإن أبا دأود رواه عن محمد بن كثير عن سفيان عن أبي إسحق عن رجل نجراني عن ابن عمر فلا يصلح للاحتجاج به.
وأما قوله: "الخامس: تعيين المكان" فليس على هذا الشرط دليل لا صحيح ولا عليل وهكذا تجويز الربح والخسران.
[فصل
ومتى بطل الفسخ أو عدم جنس لم يؤخذ إلا رأس المال أو مثله أو قيمته يوم قبض إن تلف ولا يبتع به قبل القبض شيئا إلا لفساد فيأخذ ما شاء ومتى توافيا فيه
стр. 606
مصرحين صار بيعا وإلا جاز الارتجاع ولا يجدد إلا بعد التراجع ويصح إنظار معدم الجنس والحط الإبراء قبل القبض غالبا وبعده ويصح بلفظ البيع كالصرف لا هو بأيهما ولا أيهما بالآخر] .
قوله: فصل: "ومتى بطل بفسخ أو عدم جنس لم يؤخذ إلا رأس المال".
أقول: هذا صحيح لأن المسلم إليه معذور بالفسخ أو عدم الوجود فلا يطالب بغير رد رأس المال أما مع الفسخ فظاهر وأما مع عدم الجنس فلعدم قدرته على إيجاد المعدوم فيرد رأس المال بعينه وإن كان قد تلف فمثله إن كان مثليا وإلا فقيمته.
وأما قوله: "ولا يبيع به قبل القبض شيئا" فوجهه ما تقدم من النهي عن أن يبيع الرجل ما ليس عنده وفي خصوص السلم حديث أبي سعيد قال قال رسول الله ﷺ : "من أسلم في شيء فلا يصرفه إلي غيره"، أخرجه أبو دأود وابن ماجه وفي إسناده عطية العوفي ولا يحتج بحديثه ولكنه يشهد له ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "من أسلف شيئا فلا يشترط على صاحبه غير قضائه" وفي لفظ: "من أسلف في شيء فلا يأخذ إلا ما أسلف فيه أو رأس ماله".
وأما قوله: "لا لفساد فيأخذ ما شاء" فأقول: قد عرفناك غير مرة أنه لا وجه للتفرقة بين البطلان والفساد إلا مجرد الرأي فإذا بطل السلم بمبطل شرعي بطل حكمه وليس للمسلم إلا رأس ماله فقط فلا يصح ما رتبه على هذا بقول: "ومتى توافيا فيه" الخ.
وأما قوله: "ويصح إنظار معدم الجنس" فصحيح لأن المسلم محكم فيما أسلم فيه إن اختار إرجاع رأس ماله كان له ذلك وإن اختار الإنظار كأن يمهله إلي عام آخر كان له ذلك إلي هذا ذهب الجمهور وهكذا يصح الحط والإبراء قبل القبض وبعده ويصح للبعض وللكل ولا حجر على فاعله لأنه ملكه يتصرف به كيف يشاء ولا مانع شرعيا يمنع من ذلك.
وأما قوله: "ويصح بلفظ البيع" الخ فالحق أنه يصح بكل لفظ يدل على التراضي كما قدمنا في البيع والصرف مع ملاحظة كونه معلوما والأجل معلوما وإذا تقرر لك ما ذكرناه في الباب علمت أنه لا يعتبر فيه إلا ما صرح به الحديث الصحيح الذى ذكرناه في أوله.
[فصل
وإذا اختلف البيعان فالقول في العقد لمنكر وقوعه وفسخه وفساده والخيار والأجل وأطول المدتين ومضيها وإذا قامت بينتا بيع الأمة وتزويجها استعملتا فإن حلفا أو نحوه ثبتت للمالك لا بينتا العتق والشراء والعتق قبل القبض وبعده إن أطلقتا وفي
стр. 607
المبيع لمنكر قبضه وتسليمه كاملا أو مع زيادة وتعيبه وأن ذا عيب وقبل القبض فيما يحتمل والرضا قبل وأكثر القدرين لبائع لم يقبض الثمن في نفي إقباضه وللمسلم إليه في قيمة رأس المال بعد التلف فأما من جنس المبيع وعينه ونوعه وصفته ومكانه ولا بينة فيتحالفان ويبطل غالبا فإن بينا فللمشتري إن أمكن عقدان وإلا بطل وفي الثمن لمدعي ما يتعامل به في البلد ثم للبائع في نفي قبضه مطلقا إلا في السلم ففي المجلس فقط وفي قدره وجنسه ونوعه وصفته قبل تسليم المبيع لا بعده فللمشتري] .
قوله: " فصل: وإذا اختلف المبيعان فالقول في العقد لمنكر وقوعه".
أقول: هذا قد دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين وهاهنا المنكر للوقوع القول قوله مع يمينه وعلى مدعي الوقوع البينة لكن قد أخرج أحمد وأبو دأود والنسائي من حديث ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ : "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول صاحب السلعة أو يترادان" وزاد فيه ابن ماجه "والبيع قائم بعينه"، وذكر معنى هذه الزيادة أحمد بلفظ: "والسلعة كما هى"، وفي لفظ للدراقطني: "إذا اختلف البيعان والبيع مستهلك فالقول قول البائع"، وفي لفظ لأحمد والنسائي أن النبي ﷺ أمر البائع أن يستحلف ثم يخير المبتاع إن شاء أخذ وإن شاء ترك والحديث له طرق وقد اختلف فيه على إسماعيل بن أمية ثم على ابن جريج واختلف أيضا في سماع أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود من أبيه ولكنه قد رواه الشافعي عن عون بن عبد الله بن عتبه عن ابن مسعود وفيه انقطاع لأن عونا لم يدرك ابن مسعود وقد روى من غير طريقهما عن عبد الله بن مسعود كما بيناه في شرح المنتقى وأوضحنا طرقه وألفاظه وقد صحح بعض طرقه الحاكم وابن السكن وصحح بعضا منها الحاكم وحسنها البيهقي وهذا الحديث لو سلم من المعارض الناهض لكانت طرقه يشهد بعضها لبعض ويقوي بعضها بعضا ولكنه عارضه الحديث الصحيح المتفق عليه "أن البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه"، وبين الحديثين عموم وخصوص من وجه فيتعارضان في مادة الاجتماع وهي حيث يكون البائع مدعيا فإن قوله: "فالقول ما يقول رب السلعة" يدل على أن القول قوله مع يمينه وحديث: "البينة على المدعي" يدل على أنه لا يكون القول قوله بل عليه البينة ومعلوم أن الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما من طرق أرجح فالمصير إليه متعين ولا تعارض في مادتي الافتراق وهما حيث يكون البائع منكرا وحيث يكون غير البائع مدعيا فإن الحديثين كلاهما يدلان على أن القول البائع المنكر مع يمينه ويدلان على أن البينة على المدعي الذى ليس ببائع وبهذا تستريح مما وقع فيه الغير من التعب والنصب في الجمع بين الحديثين فتقرر لك بهذا أن القول قول منكر وقوع البيع ومنكر فسخه ومنكر فساده ومنكر الخيار والأجل ومنكر أطول المدتين ومضيها مع يمينه والبينة على المدعي في ذلك كله.
قوله: "وإذا قامت بينتا بيع الأمة وتزويجها استعملتا".
стр. 608
أقول: وجهه إمكان الجمع بين الأمرين بأن يزوجها منه أولا ثم يبيعها ثانيا وإذا لم يكن استعمال البينتين بأن يضيفا إلي وقت واحد بطلتا ورجع إلي الأصل وهو بقاء ملك البائع إلا أن يدعي البيع فإنه ها هنا مقر بخروجها عن ملكه ومدعي النكاح ناف لملكها فتصير لبيت مال المسلمين لكن إذا كان البائع مقرا بأستيفاء ثمنها أما إذا كان مطالبا به فإقراره مشروط بتسليم الثمن فلا تخرج عن ملكه إلا به وإلا بقيت في ملكه وأما إذا حلف فقد تضمنت يمين البائع وفي إنكاحها وتضمنت يمين مدعي التزويج نفي بيعها فتبقى في ملك البائع إلا أن يكون البائع مع إنكار إنكاحها مدعيا لبيعها فهو ناف لملكها والكلام فيه كما تقدم في المبينتين.
وأما قوله: "ولا بينتا العتق والشراء" فالعتق قبل القبض والشراء بعده فوجهه أن بينة المشتري قبل القبض ضعيفة بالنسبة إلي بينة العتق لأنها قوية مع بقاء الأمة في يد معتقها ولا أرى هذا المرجح راجحا بل ينبغي الترجيح بين نفس البينتين فإن تسأويا من كل وجه بطلتا وبقيت الأمة لمالكها هذا إذا أطلقتا كما ذكر المصنف أو أرختا بوقت واحد وأما إذا اختلف التاريخ فالحكم للبينة الأولى فإن شهدت بالبيع لم يصح العتق وإن شهدت بالعتق لم يصح البيع.
قوله: "ولبائع لم يقبض الثمن في نفي اقباضه".
أقول: وجهه أن الأصل عدم قبض المشتري للمبيع وأما بعد أن يقبض البائع الثمن فلا يكون القول قوله والظاهر أنه لا فرق بين قبض الثمن وعدمه وأن بقاء المبيع في يد البائع يوجب أن يكون القول قوله في نفي الاقباض على كل حال لأن الأصل عدمه وبقاؤه في يد البائع قرينة مقوية للأصل.
وأما قوله: "وللمسلم إليه قيمة رأس المال" فلا وجه له لأنه لا أصالة ها هنا ولا ظهور فينبغي أن يكون القول قول منكر الزيادة والبينة على مدعيها.
قوله: "وأما في تعيين جنس المبيع" الخ.
أقول: هذه الأمور الخمسة لا يترجح فيها أحد الجانبين بل يستويان فمن بدأ بالدعوى منهما فيها كان هو المدعي وعليه البينة ومن أنكر كان هو المدعى عليه وعليه اليمين فإن ادعى كل واحد منهما بأن يقول هو هذا الجنس ويقول الآخر هو هذا أو هو هذه العين ويقول الآخر هو هذه وكذا في النوع والصفة والمكان فتطلب من كل واحد منهما البينة على ما ادعاه ويعمل على ما قامت عليه وإن بينا جمعيا فقال المصنف إن بينة المشتري أرجح لأنها خارجة إن أمكن عقدان وإلا بطل البيع وهذا مسلم مع استواء البينتين وعدم وجود مرجح يرجح أحداهما على الأخرى بوجه من وجوه الترجيح الآتية وهكذا إذا تخالفا مع عدم البينة لأن المفروض أن كل واحد منهما مدع من جهة ومنكر من أخرى فلا يكون أحدهما أرجح حيث كانا متفقين على أنه لم يقع المبيع إلا لشيء واحد.
وأما قوله: "وفي الثمن لمدعي ما يتعامل به في البلد" فصحيح لأنه السابق إلي الأذهان فالظاهر مع من ادعاه وأنكر ما سواه وأما كون القول للبائع في نفي قبض الثمن فوجهه أن الأصل
стр. 609
عدم ذلك وأما ثمن السلم فلما كان قبضه في مجلس عقده شرطا لئلا يكون من بيع الكاليء بالكاليء كان القول قول المنكر قبضه في المجلس لا بعده ولا وجه له إلا ما يذكرونه من أنه إذا احتمل العقد وجهي صحة وفساد كان جانب الصحة أرجح ولا أرى هذا مرجحا بل يتوجه الرجوع إلي حكم رسول الله ﷺ بأن على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين.
وأما قوله: "وللبائع في قدره وجنسه ونوعه وصفته قبل تسليم المبيع" فلا وجه لهذا إلا ما يذكرونه من أن اليد للبائع قبل التسليم ولا أرى هذا مرجحا بل القول في القدر لمنكر الزيادة وأما في الجنس أو النوع أو الصفة فكما تقدم في المبيع من غير فرق بين أن يكون الاختلاف قبل تسليم المبيع أو بعده.
стр. 610
كتاب الشفعة
[فصل
تجب في كل عين ملكت بعقد صحيح بعوض معلوم مال على أي صفة كانت لكل شريك مالك في الأصل ثم الشرب ثم الطريق ثم الجار الملاصق وإن ملكت بفاسد أو فسخ بحكم بعد الحكم بها إلا لكافر على مسلم مطلقا أو كافر في خططنا ولا ترتيب في الطلب ولا فضل بتعدد السبب وكثرته بل بخصوصه ويجب بالبيع وتستحق بالطلب وتملك بالحكم أو التسليم طوعا] .
قوله: "كتاب الشفعة فصل يجب في كل عين".
أقول: قد حكى الإجماع على مشروعية الشفعة كثير من المحققين فخلاف أبي بكر الأصم لم ينبغي الاعتداد به ولا الالتفات إليه فإنه كما هو مخالف للإجماع من المسلمين هو أيضا مخالف لما تواتر من السنة وأراد المصنف بقوله في كل عين إخراج الشفعة في المنافع فإنها إنما تكون تبعا لملك الأعيان وإذا وقع تصييرها إلي الغير بإجارة أو نحوها فهي باقية في ملك مالكها والشفعة إنما هى فيما خرج من مالك إلي مالك خروجا تأما فالعجب ممن أثبتها في الإجارة ونحوها وأدخلها تحت عموم أدلة الشفعة زاعما بأن ذلك هو الحق وتبعه من تبعه وهو خارج عن معنى الشفعة ومضمونها وفائدتها وأما استدلاله بمثل عموم قضائه ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فهو عليه لا له فإن القسمة من خواص الأعيان لا منافعها فلا معنى لقسمتها لأنها متعلقة بالعين تابعة لها ولهذا يقول ﷺ في تمام هذا الحديث: "فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا
стр. 611
شفعة"، فأي حدود بمجرد الحقوق وأي تصريف لطرقها وفي حديث آخر وفي الصحيح بلفظ: أن النبي ﷺ قضى بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط وبهذا تعرف أن أطلاق الشيء كما في حديث "الشفعة في كل شيء"، [أبو داود "٣٥١٣، ٣٥١٤"، الترمذي "١٣٧٠"،النسائي "٤٦٤٦"، ابن ماجة "٢٤٩٢، ٢٤٩٣"، أحمد "٣/٢٩٦، ٢٧٢"، مقيد بالشيء الذي ينتقل من ملك إلي ملك ويمكن قسمته وضرب الحدود له وتصريف الطرق إليه كما صرحت بذلك الأحاديث والحاصل أنا أولا نمنع أنها شيء ونمنع ثانيا ثبوت الشفعة في شيء باق على ملك مالكه بمجرد تسليطه للغير على الانتفاع به والقيام في مقام هذين المنعين لا ينقل عنه إلا ما ينتهض للحجية من الدليل لا مجرد المرأوغة بالقال والقيل.
وأما قوله: "بعقد صحيح" فقد عرفناك أن العقود الصحيحة هى التي حصل فيها المناط الشرعي وتجردت عن المانع الشرعي فما كان كذلك ثبت في نفسه وثبتت فيه الشفعة وما لم يكن كذلك لم يثبت في نفسه فضلا عن أن يثبت ما ترتب عليه وأما كونها بعوض مال معلوم فقد تقدم في البيع أنه لا يكون إلا كذلك والشفعة مترتبة عليه.
وأما قوله: "على أي صفة كانت" فوجهه عموم أدلة الشفعة ووجود ما علل ثبوتها من دفع الضرر.
قوله: "لكل شريك مالك في الأصل" الخ.
أقول: أحاديث ثبوت الشفعة لمطلق الجار قد قيدتها الأحاديث الواردة بأن الشفعة في كل ما لم يقسم وأنها إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة فإفاد هذا التقييد بأنه لا شفعة للجار الملاصق الذي لا خلطة بينه وبين شريكه ودعوى الإدراج في قوله فإذا وقعت الحدود الخ غير مقبولة فإنها ثابتة من حديث جابر عند البخاري وغيره وقد أخرجها أبو دأود وابن ماجه بإسناد رجاله ثقات بلفظ: "إذا قسمت الدار وحدث فلا شفعة"، ومع هذا فأصل الحديث الثابت في الصحيحين وغيرهما بلفظ أنه قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم وفي لفظ قضى بالشفعة في كل شركة لم يقسم يدل على أنه لا شفعة فيما قد قسم وهذا هو معنى هذه الزيادة فمن أعلها بالإدراج ورتب على ذلك ثبوت شفعة الجار الملاصق بعد القسمة مردود عليه بأصل الحديث وأما حديث: "الشفعة في كل شيء"، على فرض ثبوته فهو مطلق مقيد بالأحاديث المصرحة بعدم القسمة وبأنها إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وأما حديث الشريد بن سويد قال: قلت: يا رسول الله أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال: "الجار أحق بسقيه ما كان" أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه فقد أعل بالاضطراب والإرسال وعلى كل حال فهو لا يصلح لمعارضة ما في الصحيحين وغيرهما وأما حديث سمرة عن النبي ﷺ قال: "جار الدار أحق بالدار من غيره". أخرجه أحمد "٥/٨:١٢"، وأبو دأود "٣٥١٧"،والترمذي "١٣٦٨"،وصححه والبيهقي والطبراني والضياء فهو من طرق الحسن عن سمرة وفي سماعه منه المقال المتقدم على أنه مقيد بما في الصحيحين وغيرهما وبحديث جابر قال قال النبي ﷺ : "الجار أحق بشفعة
стр. 612
جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا". أخرجه أحمد "٣/٣٠٣"، وأبو دأود "٣٥١٨"،وابن ماجه "٢٤٩٤"،والترمذي "١٣٦٩"،وحسنه ومع الاشتراك في الطريق فالشركة باقية وعدم القسمة كائن ولم تصرف الطرق.
فعرفت بمجموع ما ذكرناه أن مجرد الجوار بعد القسمة وتصريف الطرق لا تثبت به الشفعة.
فالحاصل أنه لا سبب للشفعة إلا الخلطة وهي أعم من أن تكون في أرض أو دار أو طريق أو في ساقية للشرب أو في شيء من المنقولات.
وأما قوله: "وإن ملكت بفاسد أو فسخ بحكم" فقد قدمنا أنه إذا وجد ما يبطل عقد البيع بطل ما يترتب عليه وأما إذا كان قد حصل التراضي فهو المقتضى فإذا انضم إليه عدم المانع وهو أن لا يكون البيع من البيوع المنهي عنها فلا يضره ما يدعي أنه مفسد ولا يضره عروض التفاسخ الذي لم يكن السبب موجبا لإبطال البيع من أصله.
قوله: "إلا لكافر على مسلم" الخ.
أقول: الكافر المعصوم الدم بالذمة الإسلامية إذا طلب شفعة له من مسلم ورافعه إلي الشريعة الإسلامية وجب علينا الحكم له كما تدل على ذلك الآيات القرآنيه ولم يثبت في السنة ما يدل على إخراج أهل الذمة من هذا الحكم الذى شرعه الله لعباده وقد جازت المعاملة لهم للبيع ونحوه وإذا كان الذمي الطالب للشفعة في جزيرة العرب فلا شك أنا مأمورون بإخراجه وإخراج أمثاله منها لكن إذا لم نفعل وقررناهم فيها كان ذلك موجها للحكم بالشريعة الإسلامية ما داموا فيها كما يجوز البيع منهم لاتحاد البيع والشفعة في كونهما موجبين لانتقال الملك مع تحريم المضارة لهم بوجه من وجوه الضرر فلهم ما للمسلمين فيما توجبه الشريعة من دفع المفاسد وجلب المصالح إلا ما خصه دليل ولا يصلح لمثل هذا الاستدلال بقوله: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [النساء: ١٤١] ، وقوله ﷺ : "الإسلام يعلو"، فإنه ها هنا لم يكن له سبيل على المؤمنين بشريعته ولا من جهة نفسه بل بشريعة الإسلام ولم يعل لدفع الضرر عن نفسه بها وأما ثبوت التشافع في ذات بينهم فالأمر أظهر.
قوله: "ولا ترتيب في الطلب".
أقول: إذا ترك الطلب من له حق في الشفعة وقت العلم بالبيع لظنه أن غيره أولى بها منه كان ذلك عذرا له كما سيأتي هذا على تقدير أن الطلب على الفور وأن التراخي مبطل.
وأما قوله: "ولا فصل بتعدد السبب" فصحيح لأن المراد وجود ما تستحق به الشفعة والواحد والكثير مستويان في هذا وهكذا الاعتبار بكثرته.
وأما قوله: "بل بخصوصه" فقد عرفناك أن السبب ليس إلا الخلطة وهي شيء واحد فلا يتم الخصوص إلا على الفور بتعدد أسباب الشفعة كما تقدم للمصنف ومعنى قوله ويجب البيع أنه يصير من له الشفعة مستحقا للمطالبة بها وأما كونها تستحق بالطلب فمعناه أن الشفيع إذا طلب فذلك هو السبب في الاستحقاق فإن رضي المشتري صار المشفوع فيه ملكا له بمجرد
стр. 613
ذلك ويجب عليه دفع ما دفعه من الثمن وإن لم يرض مع عدم المانع الشرعي صار آثما لأنه امتنع من حق واجب عليه وعلى حاكم الشرع إجباره بتسليم ما أوجبه عليه الشرع وأما كونها تملك بالحكم أو التسليم طوعا فظاهر.
[فصل
وتبطل بالتسليم بعد البيع وإن جهل تقدمه إلا لأمر فارتفع أو لم يقع بتمليكها الغير ولو بعوض ولا يلزم وبترك الحاضر الطلب في المجلس بلا عذر قيل وإن جهل استحقاقها وتأثير التراخي لا ملكه السبب أو اتصاله وبتولي البيع لا إمضائه وبطلب من ليس له طلبه أو المبيع بغيرها أو بغير لفظ الطلب عالما أو بعضه ولو بها غالبا إن اتحد المشتري ولو لجماعة ومن جماعة وبخروج السبب عن ملكه باختيار قبل الحكم بها وبتراخي الغائب مسافة ثلاث فما دون عقيب شهادة مطلقا أو خبر يثمر الظن دينا فقط عن الطلب والسير أو البعث بلا عذر موجب قدرا يعد به متراخيا فلو أتم نفلا ركعتين أو قدم التسليم أو فرضا تضيق لم تبطل] .
قوله: "فصل: وتبطل بالتسليم بعد البيع".
أقول: لأن ذلك حق للشفيع فإذا أبطله بطل وأما قوله وإن جهل تقدمه فغير مسلم لأنه لا بد أن يعلم ثبوت الحق له ثم يبطله وأما قبل أن يعلم بتقدم العقد فيمكن أنه أبطله لعلمه أنه لا يبطل بإبطاله قبل المبيع فهو من جملة ما يصدق عليه قوله إلا لأمر فارتفع فإنه أبطله لظنه أمرا وهو عدم تقدم العقد فارتفع بانكشاف تقدم العقد والوجه فيه أنه أسقط لظنه أمرا فانكشف خلافه فلا تطيب نفسه بذلك الإسقاط والحق له حكم الملك في إنه لا يحل للغير إلا بطيبة من نفس من هو له والكل يصدق عليه اسم المال والفرق إنما هو مجرد إصطلاح للفقهاء وهكذا إذا ظن وقوع أمر فانكشف أنه لم يقع فإنه كظنه الأمر الذى ارتفع.
وأما قوله: "وتمليكها الغير" الخ فغير مسلم فإنه لم يرض بإسقاط حق نفسه إلا بشرط هو مصيره إلي من ملكه فإذا لم يصر إليه فهو على حجته وأما تعليل هذا التمليك لكونه نوعا من التراخي فسيأتي الكلام على التراخي وأما كون العرض لا يلزم فغير صحيح لأنه مال أمريء مسلم طابت به نفسه فحل لمن صار إليه مع تراضيهما على ذلك وكان تجارة عن تراض.
قوله: "ويترك الحاضر الطلب في المجلس بلا عذر".
أقول: قد ثبت في السنة المطهرة بالأحاديث الصحيحة أن الشفعة حق ثابت لمن له سبب يستحقها به فمن زعم أنه يشترط فيها الفور وأن التراخي يبطلها فعليه الدليل فإن جاء به صافيا عن
стр. 614
شرب الكدر فبها ونعمت وإن عجز عن ذلك كان الحق الثابت بالدليل الصحيح باقيا غير باطل بترك الفور وحصول التراخي ولم يأت المدع للبطلان بشيء يصلح للتمسك به أصلا فإن حديث: "الشفعة كحل العقال" قد قال ابن حبان لا أصل له وقال أبو زرعة منكر وقال البيهقي ليس بثابت وأما الاستشهاد له بحديث: "الشفعة لمن واثبها" فهذا إنما رواه من لا معرفة له بعلم الرواية من الفقهاء كأبي الطيب الطبري وابن الصباغ صاحب الشامل في الفقه والمأوردي وهؤلاء ليس من رجال الرواية ولا يرجع إلي مثلهم في ذلك فليس هذا بحديث لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف ولا هو في كتاب حدثني فمن اغتر به وزعم أنه يشهد للحديث الأول ويفيد أن لهما أصلا في الجملة فقد أخطأ فإن الحديث الأول منكر غير ثابت وإن أخرجه ابن ماجه ففي كتابة السنن الكثير من أمثاله وأما الآخر فليس بحديث ومما يؤيد ما ذكرناه ما تقدم في حديث جابر بلفظ: "ينتظر بها وإن كان غائبا"، وهو حديث حسن كما تقدم.
وإذا تقرر لك هذا عرفت أن من تراخى جأهلا لاستحقاقها أو يكون تراخيه مؤثرا للبطلان لا تبطل شفعته بالأولى فإنها إن لم تبطل بالتراخي لغير عذر كان عدم بطلانها بالتراضي بعذر مثل هذا من باب فحوى الخطاب.
وأما قوله: "لا ملك السبب واتصاله" فتكرير لقوله إلا لأمر فارتفع أو لم يقع فإن هذين قد أفادهما ذاك.
وأما قوله: "وتولى البيع" الخ فمبني على ما تقدم من بطلانها بالتراخي وقد عرفت ما فيه فلا فرق بين تولي البيع وبين إمضائه وقد أكثروا من التعسفات فى إبطال هذا الحق الثابت بالشرع كقوله ويطلب من ليس له طلبه أو المبيع بغيرها أو بغير لفظ الطلب فإن جعل هذه المبطلات للشفعة مجرد دعأوي لم تعضد ببرهان ولا دل عليها نقل ولا عقل ومجرد قولهم إن الاشتغال بذلك مع العلم تراخ فنقول لهم هذا الأصل الذى بنيتم عليه هذه القناطر قد هدمناه وأرحناكم من التعب في تقويمه وهكذا قوله أو بعضه ولو بها إلي آخر البحث فإنه مبني على ذلك الأصل المهدوم.
قوله: "وبخروج السبب عن ملكه" الخ.
أقول: وجه ذلك أنه رضي بإبطال شفعته بإخراج ما هو سبب لثبوتها عن ملكه قبل مصيرها إليه فبطلت.
وأما قوله: "وبتراخي الغائب" الخ فلا وجه لهذا التحديد وقد تقدم في حديث جابر بلفظ: "ينتظر بها وإن كان غائبا" وظاهره أنه ينتظر سواء طالت المدة أو قصرت وسواء كان في مسافة ثلاث أو أكثر وكلام المصنف هذا وما بعده إلي آخر الفصل مبني على أن الشفعة تبطل بالتراخي وقد عرفت ما فيه فلا نطيل الكلام في غير طائل.
стр. 615
[فصل
ولا تبطل بموت المشتري مطلقا ولا الشفيع بعد الطلب أو قبل العلم أو التمكن ولا بتفريط الولى والرسول ولا بالتقائل مطلقا ولا بالفسخ بعد الطلب ويمتنعان بعده ولا بالشراء لنفسه أو للغير ويطلب نفسه ولا يسلم إليها] .
قوله: "فصل: ولا تبطل بموت المشتري مطلقا".
أقول: لأن الحق للشفيع قد ثبت بنفس البيع فموت المشتري لا يؤثر في بطلان حق شرعي.
وأما قوله: "ولا الشفيع بعد الطلب" فالظاهر أنه الشفعة لا تبطل بموت الشفيع مطلقا من غير فرق بين قبل الطلب وبعده لأنه حق يورث عنه كما تورث سائر الحقوق ودفع الضرر غير مختص لمن كان موجودا عند الشراء لأن وارثه يتضرر كما يتضرر وإذا مات الشفيع قبل أن يعلم بالبيع أو قبل أن يتمكن من الطلب فلوارثه ما كان له وهكذا لو مات بعد العلم أو بعد التمكن من الطلب كما قدمنا لك من عدم اشتراط الفور في الطلب وأما كونها لا تبطل بتفريط الولي والرسول فلكون صدور ذلك من جهة أنفسهما وهما إنما أمرا بإيقاع الطلب فلا يبطل بتفريطهما ما هو حق لغيرهما.
قوله: "ولا بالتقائل مطلقا".
أقول: إذا أقال المشتري البائع رجع المبيع له وكأن البيع لم يكن وهكذا إذا أقال البائع المشتري أو أقال كل واحد منهما الآخر فلم يتم البيع تمأما شرعيا فلا وجه لما قاله المصنف وهكذا لا وجه لما تقدم له من أن الإقالة بيع في حق الشفيع وهكذا لا وجه لقوله ولا بالفسخ بعد الطلب لأنه بفسخ قد عاد على أصل البيع الذى هو سبب استحقاق الشفعة بالبطلان وهكذا لا وجه لقوله ويمنعان بعده.
والحاصل أن هذه تفريعات على أصول منهارة وأن كونها لا تبطل بالشراء لنفسه فلعدم ورود ما يدل على أن ذلك مبطل لحقه من الشفعة إذا قام يشفع غيره مما له استحقاق لها وهكذا لا تبطل للشراء لغيره ولكن لا بد عند من يوجب الفور أن يطلب نفسه كما قال المصنف وأما كونه لا يسلم إليها فلأنه مأمور بإدخال المبيع في ملك موكله لا بإخراجه عن ملك فإن ذلك لا يقتضيه التوكيل.
[فصل
وللمشتري قبل الطلب الانتفاع والإتلاف لا بعده لكن لا ضمان للقيمة ولو أتلف
стр. 616
ولا أجرة وإن استعمل إلا بعد الحكم أو التسليم باللفظ وللشفيع الرد بمثل ما يرد به المشتري إلا الشرط ونقض مقاسمته ووقفه وعتقه واستيلاده وبيعه فإن تنوسخ شفع بمدفوع من شاء فإن أطلق فبالأول ويرد ذو الأكثر لذي الأقل وعليه مثل الثمن النقد المدفوع قدرا وصفة ومثل المثلى جنسا وصفة فإن جهل أو عدم بطلت فيتلف المشتري أو ينتفع حتى يوجد وقيمة القيمي وتعجيل المؤجل وغرامة زيادة فعلها المشتري قبل الطلب للنماء ولا للبقاء وقيمة غرسه وبنائه وزرعه قائما لإبقاء له إن تركه أو أرش نقصانها إن رفعه أو بقاء الزرع بالأجرة وله الفوائد الأصلية إن حكم له وهي متصلة لا منفصلة فللمشتري إلا مع الخليط لكن يحط بحصتها من الثمن إن شملها العقد وكذا في كل ما نقص بفعله أو فعل غيره وقد اعتاض] .
قوله: "فصل: وللمشتري قبل الطلب الانتفاع والإتلاف لا بعده".
أقول: هذا صحيح لأنه هالك تصرف في ملكه قبل أن يتعلق به حق للغير وبعد الطلب قد تعلق به حق للشفيع فلا يجوز له إبطاله بالتصرف.
وأما قوله: "لكن لا ضمان للقيمة وأن أتلف" فوجهه أنه أتلف ملكه وإن عصى بتفويت الحق على الشفيع وهكذا لا وجه للزوم الأجرة له إذا استعمل المبيع لأنه استعمل ملكه قبل أن يخرج عنه وإنما يضمن القيمة وتلزمه أجرة الاستعمال إذا أتلف أو استعمله بعد أن انتقل إلي ملك الشفيع بحكم أو بالتراضي وهذا كله من تكثير الكلام بما لا تدعو إليه حاجة ولا يتعرض دونه إشكال.
قوله: "وللشفيع الرد بمثل ما يرد به المشتري".
أقول: هذا صحيح لأن المبيع انتقل إليه بحكم رسول الله ﷺ فله أن يرده على مشتريه بما أثبته له لشرع ولا ينافي ذلك كونه يأخذه من يد مشتريه وإن كره انتقاله إليه لأن مثل هذا ليس بمانع شرعي لما سوغه الشرع ولا فرق بين سبب وسبب من أسباب الرد المتقدمة ولا مانع من أن يجعل لنفسه خيار الشرط في هذا الأمر الذى أثبته له الشرع فيقول للمشتري إن رغبت في انتقال هذا المبيع إلي بحق الشفعة في مدة كذا وكذا وإلا فهو رد عليك وليس للمشتري أن يمتنع من قبول هذا الشرط وهذا ونحوه وإن أبته المقلدة فهو لا يأباه من وفى الاجتهاد حقه.
وأما قوله: "ويقض مقاسمته" الخ فوجهه أن إيقاع المشتري لهذه الأمور لا تبطل الحق الثابت في تلك العين للشفيع لأنها مسبوقة بحقه الذى أثبته له الشرع وموقوفة على إبطاله أو بطلانه بمتقض للبطلان.
قوله: "فإن تنوسخ شفع بمدفوع من شاء".
أقول: الشفعة وجد سببها بالعقد الأول فإذا انضم إليه الطلب وبذل ما دفعه المشتري من الثمن فلا حكم للعقود التى ترتبت على هذا العقد الذى كان هو السبب للشفعة بل تبطل كلها
стр. 617
ويتراجع أهلها بما دفعوه من الأثمان سواء زادت على ما دفعه المشتري الأول أو نقصت عنه فإن قلت: إن حق الشفيع يثبت بكل واحد منها على حد ثبوته بالعقد الأول فما المانع للشفيع من أن يشفع ما شاء منها؟ قلت: إذا كان حق الشفيع ثابت في العقد الأول فلا يصح ما ترتب عليه ولا يشفع إلا به وإن كان قد أبطل شفعته فيه أو بطلت بمبطل شرعي كان العقد الثاني بمنزلة عقد أول فليس له أن يشفع إلا به لا بما ترتب عليه ثم هكذا الكلام في بقية العقود وأما الحكم لجميعها بالصحة وتفويض الشفيع إلي ما يقترحه ويريده فخارج عن مسلك العدل والعقل فإنه يؤدي إلي تغريم بعض البائعين بعد أن باع ملكه بيعا أذن الله له به وأحل له ما قبضه من الثمن بمجرد هذا التشهي المجعول للشفيع خبطا وجزافا.
وأما كون عليه مثل الثمن فمعلوم لا تدعو إليه حاجة إلي ذكره.
وأما كونها تبطل مع جهل الثمن أو عدمه فإن استمر ذلك ولم يتبين القدر أو لم يوجد فوجه البطلان أن المشتري لا يجب عليه إخراج المبيع من ملكه إلي ملك الشفيع إلا بالثمن الذى دفعه والمفروض أنه قد طرأ ما أوجب جهالته أو تعذر وجوده فلا يجوز أن يكلف بإخراجه من ملكه لأنه هجوم على ما لا عدل فيه والعدول إلي القيمة قد يكون مخالفا لغرض مالكه فالشفيع مخير بين أن يدفع له بما يرضى به حتى يكون ذلك تجارة عن تراض أو يدع الشفعة.
وأما قوله: "وتعجيل المؤجل" فلا وجه له لأنه صار إليه البيع بالحق الثابت له بالشرع فلا يلزمه إلا ما لزم المشتري ولا يجب عليه دفع الثمن إلا في الوقت الذى يجب على المشتري دفعه فيه.
قوله: "وغرامة وزيادة" الخ.
أقول: ما غرمه المشتري في المبيع مما يحصل به زيادة فيه من حرث أو غرس أو بناء ونحوها كان له الرجوع بقيمة ذلك على الشفيع لأنه فعله في ملكه قبل أن يستحق عليه بالشفعة وأما بعد أن يعلم أن الشفيع قد صار مطالبا بالشفعة مضيقا في مصير المبيع إليه فليس له أن يفعل فيه شيئا إلا بإذن الشفيع فإن فعل بغير إذنه والحال هكذا كان له رفع ما يمكن رفعه ولا يرجع بما لا يمكن رفعه وللمشتري الفوائد الحادثة في المبيع بعد البيع قبل طلب الشفيع سواء كانت أصلية أو فرعية لأنها فوائد ملكه فإن اختلط بما كان منها موجودا قبل البيع كان له بقدر ما حدث بعد البيع قبل الطلب وإذا حصل في المبيع نقص بعد البيع قبل طلب الشفع فإن كان بفعل المشتري أو تفريطه كان مضمونا عليه للشفيع وإن كان لا بفعله ولا تفريطه فليس عليه وذلك كرخص السعر والهزال بلا سبب والآفات السمأوية والأمر الغالب من غيرها والحاصل أن المشتري لا يضمن إلا ما كان بجنايته أو تفريطه فإن كانت بجناية الغير على المبيع رجع عليه الشفيع بما قبضه من الجاني إن كان قد قبض الأرش منه وإلا كان للشفيع مطالبة الجاني بأرش جنايته هكذا ينبغي أن يقال في الزيادة والنقص.
стр. 618
[فصل
وإنما يؤخذ المبيع قسرا بعد الحكم فهو كالأمانة أو التسليم والقبول باللفظ فهو كالمبيع فيؤخذ من حيث وجد ويسلمه من هو في يده وإلا فغصب إلا لقبض الثمن ولو بائعا مستوفيا وهي هنا نقل في الأصح ويحكم للموسر ولو في غيبة المشتري ويمهل عشرا ولا تبطل بالمطل إلا لشرط وللملتبس مشروطا بالوفاء لأجل معلوم وللحاضر في غيبة الأولى ومتى حضر حكم له وهو معه كالمشتري مع الشفيع وللوكيل وإن طلب المشتري يمين الموكل الغائب في نفي التسليم أو التقصير لا للمعسر وإن تغيب حتى أيسر والحط والإبراء والإحلال من البعض قبل القبض يلحق العقد لا بعده ولا الهبة ونحوها مطلقا والقول للمشتري في قدر الثمن وجنسه ونفي السبب وملكه والعذر في التراخي والحط وكونه قبل القبض وللشفيع في قيمة الثمن العرض التالف ونفي الصفقتين بعد اشتريتهما وإذا تداعيا الشفعة حكم للمبين ثم الأول ثم المؤرخ ثم تبطل] .
قوله: "فصل: وإنما يؤخذ المبيع قسرا" الخ.
أقول: إذا وقع الطلب من الشفيع وصح سببه الذى يستحق به الشفعة وبذل تسليم الثمن كان على المشتري تسليم المبيع إليه فإن أبى لا لموجب شرعي كان غاصبا وإذا تلف تلف من ملكه وإن لم يحصل منه الامتناع من التسليم بل هو باذل لتسليمه ومنع من التعجيل مانع معقول فقد صار في ملك الشفيع ويتلف من ملكه.
وأما قوله: "وهي نقل في الأصح" فلا يخفاك أن الشفعة حق للشفيع ثبت بالشرع فمصيره إليه هو بما أوجبه الشرع على المشتري من قبول حكم الله عليه فهذا هو الذى أوجب الملك للشفيع ونزعه من يد البائع وأما التعبير بكونه نقلا وفسخا فاصطلاح متجدد لا يحل أن يترتب عليه شيء من أحكام الشرع.
وأما قوله: "ويحكم للموسر" الخ فصحيح لأنه إذا رافع من له هذا الحق الشرعي إلي حاكم الشرع وجب عليه أيضا له به كما يحكم على الغائب في سائر ما يجب عليه التخلص منه.
وأما ما ذكره من أنه يمهل عشرا فهذا ليس عليه دليل ولا هو رأي مستقيم والذى ينبغي أن يقال إنه يمهله إن كان يحتاج في تحصيل الثمن إلي بيع من أملاكه أو نحو ذلك مدة يتمكن فيها من ذلك سواء كانت أقل من العشر أو أكثر ولا تبطل شفعته إن مطل زيادة على المدة المجعولة له ومجرد الشرط لا يسقط حقه الثابت بالشرع إلا أن يرضى بذلك لنفسه وإلا فهو شرط مخالف ما يقتضيه الشرع لكنه إذا عرف منه تعمد المطل ومضارة المشتري بعدم تسليم الثمن أجبره الحاكم على التسليم إلا أن يختار ترك الشفعة.
وأما قوله: "وللملتبس مشروطا بالوفاء" فلا يحتاج إلي هذا الشرط لأنه مشروط من جهة
стр. 619
الشرع أن يدفع الشفيع مثلما دفعه المشتري فإن لم يفعل فلا شفعة.
وأما قوله: "ويحكم للحاضر" الخ فصحيح لأنه طالب بحق له أثبته الشرع لوجود سببه والاعتبار بالانتهاء إذا كان ثم شفيع أحق منه بالشفعة وهكذا يحكم لوكيل الشفيع إن وجد السبب المقتضي لذلك.
قوله: "لا للمعسر وإن تغيب حتى أيسر".
أقول: هذا هو الحق الثابت بالشرع إذ لا بد أن يكون الشفيع متمكنا من تسليم مثل الثمن ولا يشترط في هذا أن يكون متمكنا منه في ملكه بل إذا تمكن منه بالقرض ثبتت شفعته ولو كان فقيرا لا يملك شيئا لأنه قد حصل المقصود برد مثل الثمن ولا يجب غير ذلك.
وأما الحكم ببطلانها بمجرد الإعسار فدفع للشرع بالصدر بغير برهان.
وأما كون الحط والإبراء والإحلال من البعض يلحق العقد قبل القبض فصحيح لأنه لا يجب على الشفيع أن يدفع إلا ما دفعه المشتري.
وأما بعد القبض فوجهه أنه قد يكون ذلك بمقصد خارج عن التبايع من مكارمة أو صداقة أو نحوهما والظاهر أن ما كان راجعا إلي ذلك العقد الواقع بينهما فهو لا حق له وكونه بمقصد آخر خلاف الظاهر لأن كونه مضافا إلي ثمن المبيع يوجب للشفيع مثلما وقع للمشتري إلا أن يتقرر ببرهان شرعي أن ذلك كان لسبب آخر فله حكمه.
وأما الهبة ونحوها فلا مانع منها إذا كانت لمقصد صحيح لا لمجرد الحيلة على الشفيع والفرق بين ما كان بلفظ الهبة ولفظ الحط ونحوه لا يخفى أنه مجرد ملاحظة للألفاظ التي لا اعتبار بها في الشرع كما عرفناك غير مرة فينبغي في الجميع الرجوع إلي ما يقتضيه الظاهر وتوجبه المقاصد.
قوله: "والقول للمشتري في قدر الثمن وجنسه".
أقول: ينبغي أن يكون القول قول النافي للزيادة في القدر والنافي لكون الجنس أعلى وأكثر قيمة والبينة على مدعي الأمرين وأما الجزم بأن القول للمشتري فيهما مطلقا فخلاف الصواب بل خلاف قواعدهم المألوفة في غير هذا الباب ومعلوم أن الشفيع لا يقع منه إنكار أصل الثمن ولا إنكار كونه على جنس من الأجناس إنما يقع منه إنكار الزيادة والنفاسة ونحوهما.
وأما كون القول قوله في نفي السبب فصحيح لأن الأصل عدمه وهكذا القول له في إنكار اتصاله بالمبيع أي كونه سببا يصح له التشافع على ما قدمنا تقريره وهكذا القول له في نفي الحط لا الأصل عدمه وسواء كان المشتري يدعي أنه قبل القبض أو بعده.
وأما قوله: "وللشفيع في قيمة الثمن العرض التألف" فلا يخفاك أنه ليس أحدهما أولى من الآخر لكون القول قوله فيكون فيه كما قدمنا في قدر الثمن وجنسه.
وأما كون القول قول الشفيع في نفي الصفقتين فظاهر لأن الأصل عدم كون البيع وقع دفعات ولا فرق بين أن يكون المشتري قد قال اشتريتهما أم لا.
стр. 620
وأما قوله: "وإذا تداعيا الشفعة حكم للمبين" فظاهر.
وأما قوله: "ثم الأول" فلا وجه له بعد وقوع التخاصم.
وأما قوله: "ثم للمؤرخ" فلا وجه له لأن التاريخ منه التخاصم.
وأما قوله: "ثم يبطل" فلا وجه بل ينبغي أن يقال إن كل واحد منهما مدع ومدعي عليه فإذا لم توجد البينة حلف كل واحد منهما على نفي دعوى الآخر فيكون ثبوت كل واحد منهما على ما تحت يده بهذه الطريقة لا بمجرد الحكم بالبطلان بادئ بدء.
стр. 621
كتاب الإجارة
مدخل
...
كتاب الإجارة
[فصل
تصح فيما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه ونماء أصله ولو مشاعا وفي منفعة مقدورة للأجير غير واجبة عليه ولا محظورة وشرط كل مؤجر ولايته وتعيينه ومدته أو ما في حكمها وأول مطلقها وقت العقد وأجرته وتصح منفعة وما يصح ثمنا ومنفعته إن اختلفت وضررها ويجوز فعل الأقل ضرا وإن عين غيره ويدخلها الخيار والتخيير والتعليق والتضمين غالبا ويجب الرد والتخلية فورا وإلا ضمن هو وأجرة مثله وإن لم ينتفع إلا لعذر ومؤنهما ومدة التخلية عليه لا الإنفاق] .
قوله: "كتاب الإجارة فصل تصح فيما يمكن الانتفاع به".
أقول: ثبوت الإجارات في هذه الشريعة قطعي لا يكاد ينكر أصل الجواز والصحة إلا من لا يعرف الكتاب والسنة ولا يعرف ما كان الأمر عليه في أيام النبوة وأيام الصحابة وقد أجر النبي ﷺ نفسه كما في البخاري "٤/٤٤١"، وغيره ابن ماجة "٢١٤٩"، من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسم أنه قال: "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم"، فقال أصحابه وأنت؟ قال: "نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة"، وثبت عنه ﷺ أنه استأجر كما في اصحيح البخاري وغيره من حديث عائشة أنه ﷺ استأجر رجلا من بني الديل هاديا خريتا الحديث المذكور في وصف هجرته ﷺ وقد كان أكابر الصحابة يؤجرون أنفسهم في الأسواق وغيرها وهذا معلوم لا يشك فيه أحد.
وأما التكلم في لزوم عقدها فمن فضول الكلام الذى لا يدعو إليه حاجة لأن الأجير إن
стр. 622
أراد الأجرة فلا يستحقها إلا بالوفاء بما تراضيا عليه وإن رغب عن الأجرة فلا يلزمه الوفاء ولهذا يقول شعيب ﵇ لموسى ﵇ ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ [القصص: ٢٧] ، فذكر له القدر الذى يستحق به أن ينكحه إحدى ابنتيه ثم ذكر له الزيادة على جهة المكارمة والتفضل فمعلوم أنه لا يلزم موسى ﵇ الدخول في هذا العقد ابتداء ثم لو رغب عن الأجرة واختار الترك في وسط المدة لم يكن عليه التمام شاء أم أبى وهكذا سائر الإجارات فلزوم عقدها هو من هذه الحيثية وهو مفوض إلي الأجير إن شاء مضى فيه واستحق الأجرة وإن شاء تركه وترك المطالبة بالأجرة.
وأما اشتراط كون الإجارة فيما يمكن الانتفاع به فلا بد من ذلك وإلا كان البحث خارجا عن الإجارة.
وأما قوله: "ونماء أصله" فلا يدري ما هو الموجب لهذا الاشتراط ولا ثبت ما يمنع منه من شرع ولا عقل فاستئجار الشجرة للانتفاع بثمرها واستئجار الحيوان للانتفاع بما يخرج منه من صوف ولبن جائز صحيح ومن ادعى خلاف هذا فعليه الدليل.
وأما قوله: "ولو مشاعا" فصحيح لأن المالك لبعض الشيء له أن يتصرف به كيف يشاء كالمالك للشيء جميعه إلا أن يتصرف في نصيبه بما يضر شريكه فإن ذلك ممنوع بالأدلة الواردة في المنع من الضرار.
وأما قوله: "في منفعة مقدورة للأجور" فلا بد منه فإن ما لا يقدر عليه لا ينتفع به فيه.
قوله: "غير واجبه عليه".
أقول: الأدلة الواردة في تحليل الإجارة على العموم وفي تحليل مطلقها من غير تقييد يقتضي أنه لا يصح القول بعدم جواز نوع خاص من أنواعها إلا بدليل يدل عليه يصلح لتخصيص العموم أو تقييد المطلق وقد استدلوا على عدم جواز الاستئجار على ما هو واجب على الأجير بما أخرجه ابن ماجه والبيهقي من حديث أبي بن كعب قال علمت رجلا القرآن فأهدى لي قوسا فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: "إن أخذتها أخذت قوسا من نار" فرددتها. قال البيهقي وابن عبد البر وهو منقطع يعني بين عطية العوفي وأبي بن كعب وكذلك قال المزني وتعقبهم ابن حجر بأن عطية ولد في زمن النبي ﷺ وأعله ابن القطان بالجهل يحال عبد الرحمن بن سلم الرأوي عن عطية وله طرق عن أبي قال ابن القطان لا يثبت منها شئ قال ابن حجر وفيما قال نظر وذكر المزي في الأطراف له طرقا وشهد له ما أخرجه أبو دأود وابن ماجه من حديث عبادة ولفظه قال علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت ليست بمال وأرمى عليها في سبيل الله لآتين رسول الله ﷺ فلأسألنه فأتيته فقلت يا رسول الله رجل أهدى إلي قوسا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليس بمال وأرمي عليها في سبيل الله فقال: "إن كنت تحب أن تطوق طوقا من نار فاقبلها"، وفي إسناده المغيرة بن زياد أبو هاشم الموصلي وقد تكلم فيه جماعة ووثقه وكيع ويحيى بن معين ولكنه قد روي عن عبادة من
стр. 623
طريق أخرى عند أبي دأود "٣٤١٧"، بلفظ ما ترى فيها يا رسول الله فقال: "جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها"، وفي إسناد هذه الرواية بقية بن الوليد وقد تكلم فيه جماعة ووثقه الجمهور وقد روي حديث أبي السابق الطبراني في الأوسط عن الطفيل بن عمرو الدوسي بنحوه وهذه الروايات يقوي بعضها بعضا فتقوم بها الحجة وكونها واردة في خصوص الهدية لا يمنع من الاستدلال بها على تحريم الأجرة لأنه ﷺ قد ذكر ما يدل على تحريم أخذ العوض عن ذلك كما في هذه الروايات وقد تركوا الاستدلال على التحريم بما هو أصرح من هذه الأحاديث وهو ما أخرجه أحمد بإسناد رجاله ثقات والبزار من حديث عبد الرحمن بن شبل عن النبي ﷺ قال: "اقرأوا القرآن ولا تغلوا فيه ولا تجفوا عنه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به"، وما أخرجه أيضا أبو دأود من حديث جابر قال خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نقرأ القرآن وفينا الأعرأبي والعجمي فقال: "اقرأوا فكل حسن وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه"، وأخرجه أبو دأود أيضا من حديث سهل بن سعد.
ومما له دخل في منع أخذ الأجرة على ما هو طاعة ما تقدم في الإذان من قوله ﷺ لعثمان بن أبي العاص: " اتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا"، وفي الباب أحاديث وقد ذهب الجمهور إلي أنها تحل الأجرة على تعليم القرآن وأجابوا عن حديث أبي وعبادة وما في معناهما بأجوبة منها أنها واقعات عينية فتحتمل أن النبي ﷺ علم أنهما فعلا ذلك خالصا لله فكره أخذ العوض عنه وقد استوفيت ما أجابوا به وما أجيب عليهم في شرحي للمنتقى ومن جملة ما استدل به المجوزون ما أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عباس أن نفرا من أصحاب النبي ﷺ مروا بماء فيهم لديغ أو سليم فعرض لهم رجل من أهل الماء فقال هل فيكم من راق فإن في الماء رجلا لديغا أو سليما فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء فجاء بالشاء إلي أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا أخذت على كتاب الله أجرا حتى قدموا المدينة فقالوا يا رسول الله أخذ على كتاب الله أجرا فقال رسول الله ﷺ : "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله"، فإن هذا العموم يدل على جواز أخذ الأجرة على القرآن على كل وجه من وجوه الإجارات وقد خصص بالأحاديث المتقدمة فيقتصر المنع على ما اشتملت عليه.
قوله: "ولا محظورة".
أقول: يدل على هذا ما ورد في الأحاديث من النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن فإن العلة في المنع من هذه ونحوها هى كونها محرمة فيلحق بذلك كل محرم للاستواء في علة المنع.
وأما قوله: "وشرط كل مؤجر ولايته" فوجهه أنه لا يجوز استعماله إلا بإذن مالكه أو من ينوب عن المالك وإلا كان ذلك من باب الغصب لا من باب الإجارة وهكذا لا بد من تعيين ما أستأجره أو استؤجر عليه وإلا كان الانتفاع به متعذرا وهكذا لا بد من تعيين مدته ويصح أن تكون الإجارة غير مشتملة على مدة معلومة وذلك كان يستأجره على كذا في كل يوم بكذا أو في شهر بكذا فإن هذه الإجارة صحيحة ولم يرد ما يدل على امتناعها وهما بالخيار أحدهما ترك ذلك كان له من غير حرج وأما اشتراط تعيين الأجرة فيدل عليه ما أخرجه أحمد
стр. 624
"٣/٥٩، ٦٨، ٧١"، من حديث أبي سعيد قال نهى رسول الله ﷺ عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره قال في مجمع الزوائد ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أن إبراهيم النخعي لم يسمع من أبي سعيد فيما أحسب انتهى وأخرجه أيضا عبد الرزاق وإسحق في مسنده وأبو دأود في المراسيل والنسائي في المزارعة غير مرفوع ولفظ بعضهم: "من استأجر أجيرا فليسم له أجرته" وأخرجه أيضا البيهقي.
وأما قوله: "ويصح منفعة" فصحيح لأن الاعتبار بما وقع عليه التراضي في الأجرة من عين أو منفعة وما صح أن يكون ثمنا في المبيعات صح أن يكون أجرة في الإجارت.
وأما قوله: "ومنفعته أن اختلفت وضررها" فصحيح لأن الاحتمال لمنافع من غير تراض على تسليط المستأجر على كل منفعة يكون سببا لتوقف الانتفاع الذى هو المقصود من الإجارة.
وأما قوله: "يجوز فعل الأقل ضرا وأن عين غيره" فغير مسلم بل يجب عليه الاقتصار على المنفعة التى وقع التراضي عليها فقد يكون في فعل غيرها وإن كان أقل ضررا مفسده على المؤجر وقد يكون مخالفا لغرضه فلا يجوز فعل غير ما تراضيا على تعيينه.
قوله: "ويدخلها الخيار".
أقول: وجهه أن الأغراض في المنافع مختلفة كاختلافها في الأعيان فللمسلط على منافع العين مدة من الزمان أن يفسخها بما يفسخ به المبيع إذا كان لذلك وجه مقبول يلحقه يفوت الغرض في الأعيان وهكذا يدخلها التخيير فإنه إذا جاز في البيع كما تقدم في الأحاديث الصحيحة فدخوله في المنافع من باب فحوى الخطاب وهكذا يدخل الإجارة التعليق بوقت مستقبل نحو أن يقول أجرت منك هذه العين في شهر كذا من الشهور المستقبلة ولا يمنع من هذا شرع ولا عقل وما قيل من أنه يخالف ما سيأتي من قوله ولا يدخل عقد على عقد فوهم ولو صح هذا الوهم لما كان في هذه المخالفة لما هو مبني على مجرد الرأي للبحث بما يقدح في هذا التعليق وقد عرفناك غير مرة أن المناط في تحليل الأموال أعم من أن يكون أعيانا أو منافع هو التراضي إلا أن يرد الشرع الذى يقوم به الحجة بمنع التراضي في ذلك بخصوصه كما ورد في النهي عن مهر البغي وحلوان الكاهن ونحوهما وأما كونه يدخل الإجارة التضمين للعين فوجهه أن المستأجر لها رضي لنفسه بذلك فكان هذا الرضا الصادر منه محللا لماله الذى دفعه في ضمانها ولا حجر في مثل هذا ولا وجه لقوله من قال إنه لا يصح.
قوله: "ويجب الرد" الخ.
أقول: وجهه قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وقد قدمنا ذكره من باب القرض وبيان من خرجه فهذا المستأجر للعين قد أخذ العين من مالكها للانتفاع بها بأجرة فكان عليه تأديتها إلي مالكها ولا نزاع في دخول المستأجر تحت هذا العموم فقول المصنف: "وإلا ضمن" صحيح يصدق عليه قوله في الحديث: "على اليد ما أخذت" فإن المراد به على اليد ضمان ما أخذت حتى تؤديه.
стр. 625
[فصل
وإنما تستحق أجرة الأعيان باستيفاء المنافع أو التخلية الصحيحة فإن تعذر الانتفاع لعارض في العين سقط بحصتها وعلى المالك الإصلاح فإن تعذر في المدة سقط بحصتها وإذا عقد لاثنين فللأول إن ترتبا وإجازته عقد المالك لنفسه فسخ لا إمضاء ثم للقابض ثم للمقر له وإلا اشتركا إلا لمانع وللمستأجر القابض إلي غير المؤجر لمثل ما أكترى وبمثله وإلا فلا إلا بإذن أو زيادة مرغب ولا يدخل عقد على عقد أو نحوه إلا في الأعمال غالبا وما تعيب ترك فورا ولو خشي تلف ماله لا نفسه وإلا كان رضا ومنه نقصان ماء الأرض الناقص للزرع لا المبطل له أو لبعضه فتسقط كلها أو بحصته وإذا انقضت المدة ولما يحصد الزرع وينقطع البحر بلا تفريط بقي بالأجرة] .
قوله: "فصل: وإنما تستحق أجرة الأعيان باستيفاء المنافع".
أقول: وجهه أن الأجرة هى إلي مقابل المنفعة المتعلقة بالعين فلا يستحقها من هى له إلا بانتفاع المستأجر لها بها ولكنها إذا كانت المنافع مما يتجدد الانتفاع به في الأوقات كان للمؤجر أن يطالب المستأجر بقدر أجرة ما قد انتفع به ولا يلزمه أن يمهله حتى يستوفي كل ما تراضيا عليه إلا أن يتراضيا على تأجير تسليم الأجرة إلي استيفاء جميع ما تعلق به الإجارة من المنافع كان ذلك لازما لهما.
وأما قوله: "والتخلية الصحيحة" فمبني على أن التأجير إذا وقع لمدة كان الدخول في الإجارة بمثابة الرضا بدفع ما تراضيا عليه من الأجرة وإن لم يشرع في الانتفاع كما تقدم في البيع ولكن بين البأبين بون بعيد فإن المشتري بمجرد قبضه للمبيع صار ملكا له يتصرف به كيف يشاء وأما الإجارة فالمنافع لمالك العين وليس للأجير إلا الانتفاع في وقت من الزمان فإلزامه بتسليم أجرة ما لم ينتفع به غير معقول وربما يتعذر الانتفاع لعارض في العين كما ذكره المصنف هنا فإنه يسقط بحصتها من الأجرة فكيف يكلف المستأجر بالتسليم للجميع مع الاحتمال.
وأما قوله: "وإذا عقد لاثنين فللأول" فظاهر لأنه قد صار من تقدم العقد له أحق بها كما تقدم في البيع.
وأما قوله: "وإجازته عقد المالك لنفسه فسخ لا إمضاء" فوجهه أنه قد رضي بذلك بعد أن صار مستحقا للمنفعة فكأنه فسخ العقد الذى كان في يده وإذا علم ترتب العقدين ثم التبس كان القابض للعين التى تعلقت بها المنفعة أولى بالمنفعة لأن ذلك دليل على تقدم عقدة وفيه نظر لأنه يمكن أن يسبق إلى القبض من تأخر عقده ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال وهكذا يكون إقرار البائع لأحدهما بتقدم عقده مفيد التقدمة وفيه نظر على قواعدهم لأن هذا الخبر من المالك فيه
стр. 626
تقرير لفعله وهم يجعلون ذلك قادحا كما سيأتي في الشهادات.
وأما قوله: "وإلا اشتركا" فوجهه عدم وجود مرجح لأحقية أحدهما والأولى أن يقال إن هذا اللبس من كل وجه يقتضي بطلان إجارة كل واحد منهما فيؤجره مالكه ممن شاء لأن الرضا الذى هو المناط الشرعي غير متحقق مع اللبس.
قوله: "وللمستأجر القابض التأجير إلى غير المؤجر".
أقول: المالك للعين مالك لمنافعها ومجرد الإذن لمن يستعمله مدة من الزمان بأجرة لا يدل على جواز صرفها إلى غيره لاختلاف الأشخاص والأغراض والمقاصد وبهذا تعرف أنه لا يجوز للمستأجر أن يؤجرها ولا حق له في ذلك بل حقه مختص باستيفائه للمنافع المأذون له بانتفاعه بها فإن قلت أما كان له في استحقاقه لمنافع العين ما يسوغ له تأجيرها من غيره قلت هذا الاستحقاق سببه إذن المالك له بالانتفاع بها إلى مقابل الأجرة فإخراجها إلى غيره وتسليطه للانتفاع بها لم يتناوله الإذن وأما إذا أذن له مالك العين بذلك فظاهر.
وأما قوله: "أو زيادة مرغب" فلا وجه له فإنه لا يجوز ذلك إلا إذا رضي بذلك المرغب إلى مقابل إخراج العين إلى مستأجر آخر ولا يصح أن يكون مجرد وجود زيادة المرغب مصححا لتأجير المؤجر شاء المالك أم أبى فإن ذلك من الافتيات عليه في ملكه وفيما أمره إليه.
قوله: "ولا يدخل عقد على عقد إلا في الأعمال".
أقول لا مانع من هذا الإدخال لا من شرع ولا عقل ولا وجه لقياس الإجارة على البيع لما قد عرفناك من الفرق بينهما وأيضا قد قدمنا في البيع ما قد عرفته والحاصل أن المناط في الكل التراضي المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، فمن زعم تقييد هذا التراضي بقيد لم يدل عليه دليل فهو رد عليه وهكذا قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ، فمن زعم أنه لا يحل كذا من البيوع بغير دليل فهو رد عليه وإذا كان هذا في البيع الذى هو نقل الأملاك نقلا منجزا فكيف بالتجارة في المنافع الباقية على ملك مالكها ببقاء العين في ملكه والعجب من الفرق بين الأعيان والأعمال مع أن الكل منفعة فإن إجارة الأعيان تسليط المستأجر على الانتفاع بها والإجارة في الأعمال تسليط العامل لصاحب العمل على منافعه.
قوله: "وما تعيب ترك فورا ولو خشي تلف ماله لا نفسه".
أقول: ظهور العيب يقتضي ثبوت الرد به ولا يبطل إلا بمطل شرعي أو حصول الرضا المحقق به وأما هذا الذى جعلوه رضا شاء أم أبى وإن أدى إلى تلف ماله فمن غرائب الرأي وعجائب الاجتهاد ثم التفرقة بين تلف المال والنفس أغرب وأعجب ولا شك أن حفظ النفس مقدم على حفظ المال ولكن إضاعة المال منكر وحرمته مقترنة بحرمة النفوس كما حديث: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام".
وأما قوله: "ومنه نقصان ماء الأرض" الخ فمن التفريع المستغنى عنه.
стр. 627
[فصل
وإذا اكترى للحمل فعين المحمول ضمن إلا من الغالب ولزم إبدال حامله إن تلف بلا تفويت غرض والسير معه ولا يحمل غيره وإذا امتنع المكتري ولا حاكم فلا أجرة والعكس إن عين الحامل وحده إلا لشرط أو عرف في السوق فيتبعه ضمان الحمل ولا يضمن بالمخالفة إلى مثل الحمل أو المسافة قدرا وصفة فإن زاد ما يؤثر ضمن الكل وأجرة الزيادة فإن حملها المالك فلا ضمان ولو جهلا فإن شورك حاص وكذا المدة والمسافة ولا بالإهمال لخشية تلفهما ومن اكترى من موضع ليحمل من آخر إليه فامتنع أو فسخ قبل الأوب لزمت للذهاب إن مكن فيه وخلي له وإلا فلا] .
قوله: "فصل: وإذا اكترى" الخ.
أقول: مجرد استئجاره على أن يحمل له شيئا على دابته أو على ظهره ليس فيه ما يدل على تضمينه لا بمطابقة ولا تضمن ولا التزام ولا ورد بذلك شرع ولا دل عليه رأي صحيح ولا عقل بل غاية ما يجب على هذا الأجير هو إيصاله إلى المكان الذي عينه المالك ولا يضمن إلا إذا حصلت منه جناية أو تفريط فإن التضمين حكم شرعي يستلزم أخذ مال مسلم معصوم بعصمة الإسلام فلا يجوز إلا بحجة شرعية وإلا كان ذلك من أكل أموال الناس بالباطل وإذا عرفت أن الإجارة إنما هى على إيصال الشيء المحمول إلى المكان الذي وقع التواطؤ عليه فقد صار ذلك واجبا على الأجير سواء كان على حامل واحد أو أكثر وإذا تلف الحامل لزمه إبداله وله أن يستنيب من يسير مع الدواب الحاملة ولا وجه لإيجاب السير وله أن يحمل غيره على تلك الدابة أو غيرها ولا وجه لمنعه من ذلك ولا يستحق الأجرة إلا بإيصاله إلى المكان المعين فإن تلف الحمل دونها بغير جناية منه ولا تفريط استحق حصة ما قد قطعه من المسافة ولا فرق بين أن يكون المعين هو الحامل أو المحمول فإن الكلام في الجميع هو ما ذكرناه ولا وجه للفرق إلا مجرد خيالات لا يحل بناء أحكام الشرع عليها إلا أنه إذا استأجر الدابة لحمل ذلك الحمل المعين إلى المكان المعين فليس لمالكها أن يحمل عليها غيره لأن منافعها قد صارت مستحقة للمستأجر ولكنه لا يحمل فوقها غير ما عينه فإن خالف وتلفت بسبب المخالفة ضمن الدابة بسبب جنايته عليها بالزيادة.
وأما قوله: "من اكترى من موضع" الخ فصحيح فإن المستأجر بسبب امتناعه من التحميل أو فسخه للإجارة قد لزمه قدر ما قد فعله الأجير بإذنه إذا لم يصدر منه ما يكون سببا للتفاسخ على وجه التعدي.
стр. 628
باب وإجارة الآدميين
[فصل
إذا ذكرت المدة وحدها أو متقدمة على العمل فالأجير خاص له الأجرة بمضيها إلا أن يمتنع أو يعمل للغير والأجرة له ولا يضمن إلا لتفريط أو تأجير على الحفظ ويفسخ معيبه ولا يبدل وتصح للخدمة ويعمل المعتاد والعرف لا بالكسوة والنفقة للجهالة والظئر كالخاص فلا تشرك في العمل واللبن وإذا تغيبت فسخت إلا أنها تضمن ما ضمنت] .
قوله: "فصل: إذا ذكرت المدة وحدها".
أقول: إذا ذكرت المدة وحدها صار الأجير فيما مستحق المنافع للمستأجر فليس له أن يعمل للغير.
وأما قوله: "وله الأجرة بمضيها" فلا وجه له لأنه خلاف مقصود المستأجر إنما أراد استئجاره على عمل في تلك المدة المعينة لا مجرد كونه أجيرا له بغير عمل فيها فإذا لم يعمل لم يستحق شيئا وإن عمل وفرط في العمل فلم يعمل إلا بعض ما يقدر عليه من العمل في العادة فليس له إلا قدر أجرة عمله وأما إذا ذكر العمل مع المدة فذكره معها قريبة دالة على أن المراد عمل ذلك العمل المسمى فإذا فرغ منه في بعض اليوم فقد انقضت الإجارة وسواء تقدم ذكر العمل أو تأخر وإذا تلفت العين التي استؤجر على فيها فلا ضمان عليه إلا لجناية أو تفريط على ما قررناه قبل هذا الباب.
وأعلم أن الفرق بين تقديم العمل أو تأخيره كما في هذا الفصل والفصل الذي بعده وجعل ذلك مقتضيا لتسميته أجيرا خاصا أو أجيرا مشتركا هو كله ظلمات بعضها فوق بعض وتلاعب بأحكام الشرع بلا سبب لا من شرع ولا من لغة ولا من عقل ولا من رأي صحيح وحاصل ما ينبغي الاعتماد عليه في هذا أن استئجار الأجير على عمل يقتضي استحقاقه للأجرة المسماة بفراغه منه إلا أن يشترط عليه التمام للعمل في مدة معينة وإلا فلا أجرة فإن رضي لنفسه لذلك لزمه حكم ما رضي به وإن لم يرض استحق الأجرة بتمام العمل سواء طالت المدة أو قصرت وإذا عرفت هذا هان عليك ما ذكره المصنف وغيره من هذه التفاصيل والتفاريع التي لا يفوح منها رائحة من روائح العلم ولا يلوح عليها نور من أنوار الشرع فأضرب بما ذكره من الفرق بين تقديم العمل على المدة وتأخيره عليها ومن الفرق بين الخاص والمشترك ومن الفرق بين تعريف العمل وتنكيره وبين الأربعة ومن عداهم وجه من جاءك محتجا به معتقدا أنه من هذه الشريعة الواضحة التي ليلها كنهارها وقل له من استأجر أجيرا على عمل كان عليه أجرته وعلى الأجير
стр. 629
عمل ما استؤجر عليه على الوجه الذي وقع التراضي به والتواطؤ عليه وما ذكره الأجير أو المستأجر فيما فيه زيادة على ذلك من تعيين مدة أو اشتراط كون العمل على صفة معروفة أو نحو ذلك كان ما تراضيا عليه لازما لهما لا يجوز لهما المخالفة له ولا الخروج عما يقتضيه وقد قدمنا لك أنه لا يضمن إلا لجناية أو تفريط أو شرط عليه ورضا به وقد ثبت عنه ﷺ أنه استأجر على عمل واستؤجر عليه كما قدمنا ومن استئجاره ﷺ على عمل ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر فأتينا مكة فجاءنا رسول الله ﷺ يمشي فساومنا سراويل فبعناه ثم رجل يزن بالأجر فقال له: "زن وأرجح" وصححه الترمذي وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه أيضا من حديث أبي صفوان بن عمير.
[فصل
فإن قدم العمل فمشترك ويفسد إن نكر مطلقا أو عرف إلا في الأربعة وتصح إن أفرد معرفا إلا فيها فيذكران معا وهو فيهما يضمن ما قبضه ولو جاهلا إلا من الغالب أو بسبب من المالك كإناء مكسور أو شحن فاحشا وله الأجرة بالعمل وحبس العين لها والضمان بحالة ولا تسقط إن ضمنه مصنوعا أو محمولا وعليه أرش يسير نقص بصنعته وفي الكثير يخير المالك بينه وبين القيمة ولا أرش للسراية عن المعتاد من بصير والذاهب في الحمام بحسب العرف [
[فصل
وللأجير الاستنابة فيما لا يختلف بالأشخاص إلا لشرط أو عرف ويضمنان معا والفسخ إن عتق أو بلغ ولو لعقد الأب في رقبته لا ملكه وإذا شرط على الشريك الحفظ ضمن كالمشترك] .
قوله: "وللأجير الاستنابة فيما لا يختلف بالأشخاص".
أقول: إن عرف من مقصد المستأجر أنه لا يريد إلا تحصيل ذلك العمل على صفة يستوي في تحصيلها الأجير وغيره كان للأجير الاستنابة من هذه الحيثية وأما إذا كان الأجير أحسن صناعة من غيره ولا يلحق غيره به فيها فاستئجار على ذلك العمل قرينة تدل على أن المراد تولى العمل بنفسه وجعله على الصفة التى لا يحسنها غيره وهكذا إذا كان بمكان من الدين رفيع
стр. 630
فاستأجره المستأجر على شيء من الأمور الدينية فإنه لا يجوز الاستنابة لغيره لأن استئجاره على ذلك العمل قرينة كما تقدم وهذا مع عدم الشرط أما إذا شرط عليه أنه لا يستنيب فلا يجوز له الاستنابة ولو استناب من هو أحسن منه صناعة أو أكثر دينا وأتم عدالة.
هكذا العرف إذا جرى في المحل فإنه محكم لأنه مقصود لهما كما تقدم في غير موضع.
وأما قوله: "ويضمنان معا" فقد عرفت أنه لا يضمن إلا لجناية أو تفريط كما قدمنا لأنه إنما استؤجر على العمل في الشئ ولم يستأجر على حفظه وأما كون لمن عتق أو بلغ الفسخ فظاهر لان العبد قد ملك نفسه فلا يلزمه ما ألزم به وهو في الرق والصبي قد انتقل الحكم إليه بعد بلوغه فلا يلزمه ما وقع بالولاية عليه لأن المانع قد زال والمقتضى قد حصل إلا ما كان من تصرف الأولياء في ماله فإنه يلزم بموجب الولاية التى لهم مع المصلحة ولا وجه لتخصيص ذلك بالأب.
قوله: "وإذا شرط على الشريك الحفظ" الخ.
أقول: ذكر في هذا الباب غير مناسب ومحله - كتاب الشركة لأنه كلام في شرط الضمان من أحد الشريكين على الآخر وبالوجه أنه إذا قبل الشرط لزمه الحفظ ولزمه الضمان وأما قوله كالمشترك فلا وجه لما عرفت في الأجير المشترك من أنه أجير على العمل لا على الحفظ.
[فصل
والأجرة في الصحيحة تملك بالعقد فيتبعها أحكام الملك وتستقر بمضي المدة وتستحق بالتعجيل أو شرطه أو تسليم العمل أو استيفاء المنافع أو التمكن منها بلا مانع والحاكم فيها يجبر الممتنع ويصح بعض المحمول ونحوه بعد الحمل قيل لا المعمول بعد العمل وفي الفاسدة لا يجبر ولا تستحق وهي أجرة المثل إلا باستيفاء المنافع في الأعيان وتسليم العمل في المشترك]
قوله: "فصل: والأجرة في الصحيحة تملك بالعقد".
أقول: ليس على هذا أثارة من علم والأجير المتسأجر على عمل لا يستحق أجره إلا بالعمل الذى استؤجر عليه هذا معلوم بالعقل ولم يرد في الشرع ما يخالفه بل ورد ما يقويه ويعضده فأخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يقول الله : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ومن كنت خصمه خصمته: رجل أعطى بي ثم غدر ورجل باع حرا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره"، فقوله: فاستوفى منه يدل على أن الأجرة إنما تستحق باستيفاء العمل
стр. 631
فيما استؤجر عليه وأخرج أحمد والبزار من حديث أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ : "أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان"، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر قال: "لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله"، فقوله: "إنما يوفى أجره إذا قضي عمله" دليل على ما ذكرناه فلا وجه لقوله فتتبعها أحكام الملك وما بعده لأنه تفريع على أصل منهار.
وأما قوله: "أو تسليم العمل واستيفاء المنافع" فصحيح وهكذا قوله أو التمكن منها بلا مانع لأن المؤجر لها قد فعل ما يجب عليه فإذا أفرط المستأجر فقد أتى من قبل نفسه إلا أن يكون تركه رغوبا عن الدخول في الإجارة ولم يكن قد حصل على المؤجر نقص ولا استغراق مدة فله ذلك.
وأما قوله: "والحاكم فيها يجبر الممتنع" فقد عرفناك أن الأجير والمؤجر إنما يستحقان الأجرة إذا فرغ الأجير من عمله وفرغ المستأجر من استيفاء المنفعة التي أستأجر العين لأجلها فإذا ترك فلا أجره ولا إجبار.
قوله: "ويصح بعض المحمول ونحوه بعد الحمل".
أقول: الحكم بصحة هذا ظاهر لعدم المانع من ذلك لا شرعا ولا عقلا.
وأما قوله قيل لا المعمول بعد العمل فقد استدل على ذلك بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي سعيد قال نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان قال ابن تيمية في المنتقى وقد فسر قوم قفيز الطحان بطحن الطعام بجزء منه مطحونا لما فيه من استحقاق طحن قدر الأجرة لكل واحد منهما على الآخر وذلك متناقض وقيل لا بأس به مع العلم بقدره وإنما المنهى عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز منها وإن شرط حدا لأن ما عداه مجهول فهو كبيعها إلا قفيزا منها، انتهى.
والتفسير الأول أقرب وعليه اقتصر صاحب النهاية ولكن الحديث في إسناده هشام أبو كليب قال ابن القطان لا يعرف وكذا قال الذهبي وزاد وحديثه منكر وقال ابن تيمية حفيد مصنف المنتقى إنه حديث ضعيف بل باطل فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك انتهى ولكنه قال مغلطاي إن هشاما المذكور ثقة وأورده ابن حبان في الثقات فليس الحديث بعد هذا يضعف فضلا عن أن يكون باطلا والرجوع إلى العمل به أولى من ظلمات الرأي وتخبطات الاجتهاد ويقاس المحمول على المعمول لأن العلة كائنة في المحمول كما في المعمول ولا عذر لمن عمل بمثل هذا القياس وبما هو أضعف منه من العمل به ها هنا.
وأما قوله: "وفي الفاسد...." الخ فقد عرفناك غير مرة أن تخصيص ما يسمونه فاسدا بأحكام مخصوصة هو من باب ترتيب الباطل على الباطل وتفريع ما لا أصل له على ما لا أصل له وقد أوضحنا هذا في مواضع من هذا الكتاب.
стр. 632
[فصل
ولا تسقط بجحد المعمول فيه في الصحيحة مطلقا وفي الفاسدة إن عمل قبله وتسقط في الصحيحة بترك المقصود وإن فعل المقدمات وبعضها بترك البعض ومن خالف في صفة للعمل بلا استهلاك أو في المدة لتهوين أو عكسه فله الأقل أجيرا وعليه الأكثر مستأجرا] .
قوله: "فصل: ولا يسقط بجحد المعمول فيه" الخ.
أقول: هذا مبني على ما تقدم له من أن الأجرة تستحق بالعقد وقد عرفناك أنها لا تستحق إلا بالعمل وهو الذي دل عليه الدليل وأما الفرق بين الصحيحة والفاسدة فمن الأمور التي لم تدل عليها رواية ولا رأي.
وأما قوله: "ويسقط في الصحيحة بترك المقصود" فوجهه أن المستأجر لم يقصد بالاستئجار ودفع الأجرة إلا ذلك فإن فات لم يبق مقيض لاستحقاق الأجرة ولا فرق بين الصحيحة والفاسدة فلا وجه لقوله في الصحيحة وأما المقدمات فليس من العدل أن يهمل عمل الأجير فيها لأنه عمل بأمر المستأجر ولا سيما إذا كانت تلك المقدمات لا يمكن الوصول إلى المقصود إلا بها فللأجير أجرة ما فعله بحسب ما يقدره من له خبرة بذلك العمل وليس ها هنا ما يدل على سقوط الأجرة عليها فوجب الرجوع إلى كونها مفعولة بأمر المستأجر فكان عليه الأجرة وإلا كان ذلك من إتعاب الغير واستغراق منافعه بلا شيء وذلك ظلم وأما استحقاق بعض الأجرة بفعل البعض من المقصود وسقوط بعضها بترك البعض فظاهر.
قوله: "ومن خالف في صفة للعمل".
أقول: الأجير إذا خالف ففعل غير ما أمره به المستأجر فلا يستحق أجره في عمله لأنه لم يفعل ما أمره به وإذا حصل في العين بسبب المخالفة نقص كان على الأجير الأرش إن حصل بالمخالفة زيادة لم يكن على المستأجر شيء بل يأخذ العين بزيادتها إذا لم يمكن فصلها لتعديه ومخالفته وأما المخالفة من المستأجر للعين بأنه يلزمه أجرة الزيادة في المسافة أو الحمل أو نحوهما هكذا ينبغي أن يقال لا كما قال المصنف.
[فصل
ولكل منهما فسخ الفاسدة المجمع على فسادها بلا حاكم والصحيحة بأربعة للرواية والعيب وبطلان المنفعة والعذر الزائل معه الغرض بعقدها ومنه مرض من لا يقوم به إلا الأجير والحاجة إلى ثمنه ونكاح من يمنعها الزوج ولا تنفسخ بموت أيهما
стр. 633
غالبا ولا بحاجة المالك إلى العين ولا بجهل قدر مسافة جهة وكتاب ذكر لقبهما للبريد والناسخ.
قوله: فصل: "ولكل منهما فسخ الفاسدة" الخ.
أقول: إذا حصل التراضي على مدة معلومة بأجرة معلومة فهذه هي الإجارة الصحيحة وهي من هذه الحيثية داخلة تحت قوله سبحانه: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وإذا لم يحصل هذا التراضي فلا إجارة من الأصل وإذا عرفت أن حاصل هذا التراضي هو جعل الأجرة في مقابل تلك المنفعة في تلك المدة مع كون العين ومنافعها باقية في ملك المالك فإذا قال المالك بعد أن وقع الاستغراق لبعض المنافع قد رغبت عن هذه الأجارة أو قال مستأجر العين أو المؤجر لنفسه قد رغبت عن ذلك فهل من دليل يدل على إلزام من رغب بالوفاء فإن الرغوب إن كان من جهة المالك فقد رضي بترك الأجرة المقابلة لما بقي من الأجرة ولا يصح قياس الإجارة على البيع فإن المتراضي في البيع قد خرج به المبيع عن إلى ملك مشتريه بالثمن المتواطئ عليه وها هنا لا خروج بل المنفعة باقية في ملك مالك العين واستحقاق الأجرة إنما هو بحسب ما قد استغرقه من المنافع في وقت بعد وقت فإذا لم يدل دليل على لزوم الاستمرار من الجهتين جاز لكل واحد تركها متى شاء وقد أخذ صاحب العين ما يقابل منفعته من الأجرة وأخذ من عليه الأجرة ما يقابل الأجرة اللازمة له من منفعة العين وإن كان ثم دليل على لزوم الاستمرار فما هو وإذا عرفت هذا هان عليك الخطب وسهل عليك التخلص من هذه التفريعات المبنية على شفا جرف هار المؤسسة على السراب المسندة إلى الهباء ومما يؤيد هذا البحث ويشد من عضده ما قدمنا لك من أن الأجرة إنما تستحق بالعمل في كل إجارة وإذا جاز التتارك بلا سبب في الإجارة الصحيحة فجواز الترك لرؤية أو عيب أو بطلان منفعة أو زوال غرض أو عروض عذر أو موت أو حاجة المالك إلى العين أولى وأحرى.
وأما قوله: "ولا بجهل قدره مسافة جهة" الخ فمن غرائب الاجتهاد فإن ذكر اللقب لا يرفع الجهالة للمقدار فكيف لا يجوز لأجير أن يترك الإجارة لهذا الجهل الذي يسوغ به ما هو أشد لزوما من الإجارة كما قدمنا في الخيارات.
[فصل
وتنفذ مع الغبن الفاحش من رأس المال في الصحة وإلا فالغبن من الثلث ولا يستحقها المتبرع ولا الأجير حيث عمل غيره لا عنه أو بطل عمله قبل التسليم كمقصور ألقته الريح في صبغ أو أمر بالتسويد فحمر ويلزم من ربى في غصب مميزا أو حبس فيه
стр. 634
بالتخويف ومستعمل الصغير في غير المعتاد ولو أبا ويقع عنها إنفاق الولي فقد بنيتها م ولو لم تقارن إن تقدمت ومستعمل الكبير مكرها والعبد كالصغير ويضمن المكره مطلقا ومحجور انتقل راضيا] .
قوله: فصل: "وينفذ مع الغبن الفاحش" الخ.
أقول: هذا وقد لاحظ المصنف فيه ما يأتي في الوصايا من الفرق بين تصرف المالك حال صحته وحال مرضه والذي ينبغي اعتماده هنا أن الرضا بالزيادة المسماة غبنا قد صيرها بمنزلة الدين في تركه الميت وموته راضيا بها يؤكد كونها دينا وأما الفرق بين تصرف وتصرف وجعل التصرف في المرض المخوف موجبا لخروج ذلك من الثلث فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما كونه لا يستحق الأجرة المتبرع ومن عمل غيره لا عنه فظاهر لأنه لم يوجب السبب الذي يستحق به الأجرة وهكذا إذا بطل عمل الأجير فإنه صار بذلك وجوده كعدمه وهكذا من فعل غير ما أمر به.
وأما قوله: "وتلزم من ربي في غصب مميزا" فوجهه أنه مع التمييز صار هو الغاصب وقبل التمييز يكون الرجوع على من رباه ولكن كون هذا الحكم يلزم من لم يبلغ التكليف يحتاج إلى دليل وإذا كان الغصب كالجناية لزمت المميز وغير المميز.
وأما قوله: "أو حبس فيه بالتخويف" فذلك مبني على أنه لا يخاف من ذلك التخويف تلفا ولا ضررا ولا خرج به عن حد الاختيار وإلا كان الضمان على الحابس.
وأما قوله: "ومستعمل الصغير في غير المعتاد" فظاهر لأنه فعل باستعماله في غير ما يعتاده ما لا يبيحه الشرع فلزمته أجرته والظاهر أنه تلزم في المعتاد لأنه لم يأذن الشرع بذلك إلا إذا كان أبا وفعل ذلك على طريقة التدريب للصبي وتعليمه ما يعود عليه نفعه فلا أجرة عليه لأنه مأذون له من جهة الشرع وبه جرت عادة أهل الإسلام قرنا بعد قرن وأما كونه يقع عنها إنفاق الولي فذلك لمكان الولاية الشرعية.
وأما قوله: "ومستعمل الكبير مكرها" فوجهه ظاهر.
وأما قوله: "والعبد كالصغير" فالأولى أن يكون له حكم الدابة إذا استعملها غير مالكها بغير إذنه فإنها تلزم الأجرة.
وأما قوله: "ويضمن المكره مطلقا" فوجهه أنه صار غاصبا لمنافع من أكرهه.
وأما قوله: "ومحجورا انتقل ولو راضيا" فينبغي أن يقال إن مستعمل العبد يضمن ما يقابل ذلك العمل من الأجرة سواء كان راضيا أم لا انتقل أو لم ينتقل لأنه أقدم على ملك الغير بغير إذنه وأي فائدة تتعلق برضا العبد أو انتقاله وهو ملك لغيره وهكذا لا فرق بين أن يكون محجورا أو غير محجور ولكن هذه التفاصيل سببها الرجوع إلى قواعد هي عن القيام بالحجة قواعد.
стр. 635
[فصل
ويكره على العمل المكروه وتحرم على واجب أو محظور مشروط أو مضمر تقدم أو تأخر غالبا فتصير كالغصب إلا في الأربعة إن عقدا ولو على مباح حيلة وإلا لزم التصدق بها ويعمل في ذلك بالظن فإن التبس قبل قول المعطي ولو بعد قوله على المحظور] .
قوله: " فصل: ويكره على العمل المكروه".
أقول: قد جعل بعض أهل العلم من العمل المكروه أجرة الحجام فإنه نهى عنها ﷺ كما في حديث أبي هريرة عند أحمد "٢/٢٩٩، ٣٣٢، ٢٤٧، ٤١٥، ٥٠٠"، بإسناد رجاله رجال الصحيح وسماه النبي ﷺ : "خبيثا" كما في حديث رافع بن خديج عند أحمد "٣/٤٦٤، ٤٦٥"، وأبي داود "٣٤٢١"، والترمذي "١٢٧٥"، وصححه وسماه ﷺ : "شر المكاسب" كما في رواية للنسائي من حديث رافع هذا وزجر ﷺ سيد العبد الحجام عن كسبه ورخص له أن يعلفه ناضحه كما في حديث محيصة بن مسعود عند أحمد "٥/٤٣٥، ٤٣٦"، برجال الصحيح وأخرجه أيضا أبو داود "٣٤٢٢"، والترمذي "١٢٧٧"، وقال حسن وثبت عنه ﷺ أنه حجمه أو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وثبت أيضا في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أنه ﷺ حجمه عبد لبني بياضة وأعطاه أجره وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته فيجمع بين هذه الأحاديث بأن الأجرة على الحجامة مكروه ولكنه يبعد منه ﷺ أن يفعل المكروه أو يقرر صاحبه عليه وأما كونها تحرم على واجب أو محظور فقد تقدم دليله عند قول المصنف غير واجبة عليه ولا محظورة وأما تقييد ذلك بالشرط أو الإضمار فلا يظهر له وجه صحيح وأما كون الأجرة تصير كالغصب فوجهه أنه حرام فلا يحل لمن صار إليه أن ينتفع به بوجه من الوجوه.
وأما قوله: "إلا في الأربعة" فهي التي تقدمت في البيع حيث قال المصنف لكنه يطيب ربحه وتبرئ من رد إليه والأجرة إن لم يستعمل ولا يتضيق الرد إلا بالطلب وقد قدمنا الكلام عليها هنا لك.
وأما قوله: "إن عقد" فلا وجه له لأن الحرام على كل حال.
وأما قوله: "وإلا لزم التصدق بها" فلا وجه له بل يجب الرد لمالكه فإن امتنع من قبوله وجب عليه أن يخلي بينه وبينه فإن شاء قبضه وإن شاء تركه لأن التصدق بمال الغير بغير إذنه لا يجوز وأما كونه يعمل بالظن عند اللبس فظاهر ولكن عروض اللبس في مثل هذا قليل الوقوع لأن المقاصد لا تخفي فإن كان في الذي دفع إليه المال ما يحتمل أن يكون دفعه إليه لوجه جائز ولوجه غير جائز فالمؤمنون وقافون عند الشبهات.
следующие страницы →