← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

فيما استؤجر عليه وأخرج أحمد والبزار من حديث أبي هريرة أيضا عن النبي ﷺ : "أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان"، قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر قال: "لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله"، فقوله: "إنما يوفى أجره إذا قضي عمله" دليل على ما ذكرناه فلا وجه لقوله فتتبعها أحكام الملك وما بعده لأنه تفريع على أصل منهار. وأما قوله: "أو تسليم العمل واستيفاء المنافع" فصحيح وهكذا قوله أو التمكن منها بلا مانع لأن المؤجر لها قد فعل ما يجب عليه فإذا أفرط المستأجر فقد أتى من قبل نفسه إلا أن يكون تركه رغوبا عن الدخول في الإجارة ولم يكن قد حصل على المؤجر نقص ولا استغراق مدة فله ذلك. وأما قوله: "والحاكم فيها يجبر الممتنع" فقد عرفناك أن الأجير والمؤجر إنما يستحقان الأجرة إذا فرغ الأجير من عمله وفرغ المستأجر من استيفاء المنفعة التي أستأجر العين لأجلها فإذا ترك فلا أجره ولا إجبار. قوله: "ويصح بعض المحمول ونحوه بعد الحمل". أقول: الحكم بصحة هذا ظاهر لعدم المانع من ذلك لا شرعا ولا عقلا. وأما قوله قيل لا المعمول بعد العمل فقد استدل على ذلك بما أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث أبي سعيد قال نهى النبي ﷺ عن عسب الفحل وعن قفيز الطحان قال ابن تيمية في المنتقى وقد فسر قوم قفيز الطحان بطحن الطعام بجزء منه مطحونا لما فيه من استحقاق طحن قدر الأجرة لكل واحد منهما على الآخر وذلك متناقض وقيل لا بأس به مع العلم بقدره وإنما المنهى عنه طحن الصبرة لا يعلم كيلها بقفيز منها وإن شرط حدا لأن ما عداه مجهول فهو كبيعها إلا قفيزا منها، انتهى. والتفسير الأول أقرب وعليه اقتصر صاحب النهاية ولكن الحديث في إسناده هشام أبو كليب قال ابن القطان لا يعرف وكذا قال الذهبي وزاد وحديثه منكر وقال ابن تيمية حفيد مصنف المنتقى إنه حديث ضعيف بل باطل فإن المدينة لم يكن فيها طحان ولا خباز لعدم حاجتهم إلى ذلك انتهى ولكنه قال مغلطاي إن هشاما المذكور ثقة وأورده ابن حبان في الثقات فليس الحديث بعد هذا يضعف فضلا عن أن يكون باطلا والرجوع إلى العمل به أولى من ظلمات الرأي وتخبطات الاجتهاد ويقاس المحمول على المعمول لأن العلة كائنة في المحمول كما في المعمول ولا عذر لمن عمل بمثل هذا القياس وبما هو أضعف منه من العمل به ها هنا. وأما قوله: "وفي الفاسد...." الخ فقد عرفناك غير مرة أن تخصيص ما يسمونه فاسدا بأحكام مخصوصة هو من باب ترتيب الباطل على الباطل وتفريع ما لا أصل له على ما لا أصل له وقد أوضحنا هذا في مواضع من هذا الكتاب.

стр. 632

[فصل ولا تسقط بجحد المعمول فيه في الصحيحة مطلقا وفي الفاسدة إن عمل قبله وتسقط في الصحيحة بترك المقصود وإن فعل المقدمات وبعضها بترك البعض ومن خالف في صفة للعمل بلا استهلاك أو في المدة لتهوين أو عكسه فله الأقل أجيرا وعليه الأكثر مستأجرا] . قوله: "فصل: ولا يسقط بجحد المعمول فيه" الخ. أقول: هذا مبني على ما تقدم له من أن الأجرة تستحق بالعقد وقد عرفناك أنها لا تستحق إلا بالعمل وهو الذي دل عليه الدليل وأما الفرق بين الصحيحة والفاسدة فمن الأمور التي لم تدل عليها رواية ولا رأي. وأما قوله: "ويسقط في الصحيحة بترك المقصود" فوجهه أن المستأجر لم يقصد بالاستئجار ودفع الأجرة إلا ذلك فإن فات لم يبق مقيض لاستحقاق الأجرة ولا فرق بين الصحيحة والفاسدة فلا وجه لقوله في الصحيحة وأما المقدمات فليس من العدل أن يهمل عمل الأجير فيها لأنه عمل بأمر المستأجر ولا سيما إذا كانت تلك المقدمات لا يمكن الوصول إلى المقصود إلا بها فللأجير أجرة ما فعله بحسب ما يقدره من له خبرة بذلك العمل وليس ها هنا ما يدل على سقوط الأجرة عليها فوجب الرجوع إلى كونها مفعولة بأمر المستأجر فكان عليه الأجرة وإلا كان ذلك من إتعاب الغير واستغراق منافعه بلا شيء وذلك ظلم وأما استحقاق بعض الأجرة بفعل البعض من المقصود وسقوط بعضها بترك البعض فظاهر. قوله: "ومن خالف في صفة للعمل". أقول: الأجير إذا خالف ففعل غير ما أمره به المستأجر فلا يستحق أجره في عمله لأنه لم يفعل ما أمره به وإذا حصل في العين بسبب المخالفة نقص كان على الأجير الأرش إن حصل بالمخالفة زيادة لم يكن على المستأجر شيء بل يأخذ العين بزيادتها إذا لم يمكن فصلها لتعديه ومخالفته وأما المخالفة من المستأجر للعين بأنه يلزمه أجرة الزيادة في المسافة أو الحمل أو نحوهما هكذا ينبغي أن يقال لا كما قال المصنف. [فصل ولكل منهما فسخ الفاسدة المجمع على فسادها بلا حاكم والصحيحة بأربعة للرواية والعيب وبطلان المنفعة والعذر الزائل معه الغرض بعقدها ومنه مرض من لا يقوم به إلا الأجير والحاجة إلى ثمنه ونكاح من يمنعها الزوج ولا تنفسخ بموت أيهما

стр. 633

غالبا ولا بحاجة المالك إلى العين ولا بجهل قدر مسافة جهة وكتاب ذكر لقبهما للبريد والناسخ. قوله: فصل: "ولكل منهما فسخ الفاسدة" الخ. أقول: إذا حصل التراضي على مدة معلومة بأجرة معلومة فهذه هي الإجارة الصحيحة وهي من هذه الحيثية داخلة تحت قوله سبحانه: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ، وإذا لم يحصل هذا التراضي فلا إجارة من الأصل وإذا عرفت أن حاصل هذا التراضي هو جعل الأجرة في مقابل تلك المنفعة في تلك المدة مع كون العين ومنافعها باقية في ملك المالك فإذا قال المالك بعد أن وقع الاستغراق لبعض المنافع قد رغبت عن هذه الأجارة أو قال مستأجر العين أو المؤجر لنفسه قد رغبت عن ذلك فهل من دليل يدل على إلزام من رغب بالوفاء فإن الرغوب إن كان من جهة المالك فقد رضي بترك الأجرة المقابلة لما بقي من الأجرة ولا يصح قياس الإجارة على البيع فإن المتراضي في البيع قد خرج به المبيع عن إلى ملك مشتريه بالثمن المتواطئ عليه وها هنا لا خروج بل المنفعة باقية في ملك مالك العين واستحقاق الأجرة إنما هو بحسب ما قد استغرقه من المنافع في وقت بعد وقت فإذا لم يدل دليل على لزوم الاستمرار من الجهتين جاز لكل واحد تركها متى شاء وقد أخذ صاحب العين ما يقابل منفعته من الأجرة وأخذ من عليه الأجرة ما يقابل الأجرة اللازمة له من منفعة العين وإن كان ثم دليل على لزوم الاستمرار فما هو وإذا عرفت هذا هان عليك الخطب وسهل عليك التخلص من هذه التفريعات المبنية على شفا جرف هار المؤسسة على السراب المسندة إلى الهباء ومما يؤيد هذا البحث ويشد من عضده ما قدمنا لك من أن الأجرة إنما تستحق بالعمل في كل إجارة وإذا جاز التتارك بلا سبب في الإجارة الصحيحة فجواز الترك لرؤية أو عيب أو بطلان منفعة أو زوال غرض أو عروض عذر أو موت أو حاجة المالك إلى العين أولى وأحرى. وأما قوله: "ولا بجهل قدره مسافة جهة" الخ فمن غرائب الاجتهاد فإن ذكر اللقب لا يرفع الجهالة للمقدار فكيف لا يجوز لأجير أن يترك الإجارة لهذا الجهل الذي يسوغ به ما هو أشد لزوما من الإجارة كما قدمنا في الخيارات. [فصل وتنفذ مع الغبن الفاحش من رأس المال في الصحة وإلا فالغبن من الثلث ولا يستحقها المتبرع ولا الأجير حيث عمل غيره لا عنه أو بطل عمله قبل التسليم كمقصور ألقته الريح في صبغ أو أمر بالتسويد فحمر ويلزم من ربى في غصب مميزا أو حبس فيه

стр. 634

بالتخويف ومستعمل الصغير في غير المعتاد ولو أبا ويقع عنها إنفاق الولي فقد بنيتها م ولو لم تقارن إن تقدمت ومستعمل الكبير مكرها والعبد كالصغير ويضمن المكره مطلقا ومحجور انتقل راضيا] . قوله: فصل: "وينفذ مع الغبن الفاحش" الخ. أقول: هذا وقد لاحظ المصنف فيه ما يأتي في الوصايا من الفرق بين تصرف المالك حال صحته وحال مرضه والذي ينبغي اعتماده هنا أن الرضا بالزيادة المسماة غبنا قد صيرها بمنزلة الدين في تركه الميت وموته راضيا بها يؤكد كونها دينا وأما الفرق بين تصرف وتصرف وجعل التصرف في المرض المخوف موجبا لخروج ذلك من الثلث فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما كونه لا يستحق الأجرة المتبرع ومن عمل غيره لا عنه فظاهر لأنه لم يوجب السبب الذي يستحق به الأجرة وهكذا إذا بطل عمل الأجير فإنه صار بذلك وجوده كعدمه وهكذا من فعل غير ما أمر به. وأما قوله: "وتلزم من ربي في غصب مميزا" فوجهه أنه مع التمييز صار هو الغاصب وقبل التمييز يكون الرجوع على من رباه ولكن كون هذا الحكم يلزم من لم يبلغ التكليف يحتاج إلى دليل وإذا كان الغصب كالجناية لزمت المميز وغير المميز. وأما قوله: "أو حبس فيه بالتخويف" فذلك مبني على أنه لا يخاف من ذلك التخويف تلفا ولا ضررا ولا خرج به عن حد الاختيار وإلا كان الضمان على الحابس. وأما قوله: "ومستعمل الصغير في غير المعتاد" فظاهر لأنه فعل باستعماله في غير ما يعتاده ما لا يبيحه الشرع فلزمته أجرته والظاهر أنه تلزم في المعتاد لأنه لم يأذن الشرع بذلك إلا إذا كان أبا وفعل ذلك على طريقة التدريب للصبي وتعليمه ما يعود عليه نفعه فلا أجرة عليه لأنه مأذون له من جهة الشرع وبه جرت عادة أهل الإسلام قرنا بعد قرن وأما كونه يقع عنها إنفاق الولي فذلك لمكان الولاية الشرعية. وأما قوله: "ومستعمل الكبير مكرها" فوجهه ظاهر. وأما قوله: "والعبد كالصغير" فالأولى أن يكون له حكم الدابة إذا استعملها غير مالكها بغير إذنه فإنها تلزم الأجرة. وأما قوله: "ويضمن المكره مطلقا" فوجهه أنه صار غاصبا لمنافع من أكرهه. وأما قوله: "ومحجورا انتقل ولو راضيا" فينبغي أن يقال إن مستعمل العبد يضمن ما يقابل ذلك العمل من الأجرة سواء كان راضيا أم لا انتقل أو لم ينتقل لأنه أقدم على ملك الغير بغير إذنه وأي فائدة تتعلق برضا العبد أو انتقاله وهو ملك لغيره وهكذا لا فرق بين أن يكون محجورا أو غير محجور ولكن هذه التفاصيل سببها الرجوع إلى قواعد هي عن القيام بالحجة قواعد.

стр. 635

[فصل ويكره على العمل المكروه وتحرم على واجب أو محظور مشروط أو مضمر تقدم أو تأخر غالبا فتصير كالغصب إلا في الأربعة إن عقدا ولو على مباح حيلة وإلا لزم التصدق بها ويعمل في ذلك بالظن فإن التبس قبل قول المعطي ولو بعد قوله على المحظور] . قوله: " فصل: ويكره على العمل المكروه". أقول: قد جعل بعض أهل العلم من العمل المكروه أجرة الحجام فإنه نهى عنها ﷺ كما في حديث أبي هريرة عند أحمد "٢/٢٩٩، ٣٣٢، ٢٤٧، ٤١٥، ٥٠٠"، بإسناد رجاله رجال الصحيح وسماه النبي ﷺ : "خبيثا" كما في حديث رافع بن خديج عند أحمد "٣/٤٦٤، ٤٦٥"، وأبي داود "٣٤٢١"، والترمذي "١٢٧٥"، وصححه وسماه ﷺ : "شر المكاسب" كما في رواية للنسائي من حديث رافع هذا وزجر ﷺ سيد العبد الحجام عن كسبه ورخص له أن يعلفه ناضحه كما في حديث محيصة بن مسعود عند أحمد "٥/٤٣٥، ٤٣٦"، برجال الصحيح وأخرجه أيضا أبو داود "٣٤٢٢"، والترمذي "١٢٧٧"، وقال حسن وثبت عنه ﷺ أنه حجمه أو طيبة وأعطاه صاعين من طعام وكلم مواليه فخففوا عنه وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وثبت أيضا في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس أنه ﷺ حجمه عبد لبني بياضة وأعطاه أجره وكلم سيده فخفف عنه من ضريبته فيجمع بين هذه الأحاديث بأن الأجرة على الحجامة مكروه ولكنه يبعد منه ﷺ أن يفعل المكروه أو يقرر صاحبه عليه وأما كونها تحرم على واجب أو محظور فقد تقدم دليله عند قول المصنف غير واجبة عليه ولا محظورة وأما تقييد ذلك بالشرط أو الإضمار فلا يظهر له وجه صحيح وأما كون الأجرة تصير كالغصب فوجهه أنه حرام فلا يحل لمن صار إليه أن ينتفع به بوجه من الوجوه. وأما قوله: "إلا في الأربعة" فهي التي تقدمت في البيع حيث قال المصنف لكنه يطيب ربحه وتبرئ من رد إليه والأجرة إن لم يستعمل ولا يتضيق الرد إلا بالطلب وقد قدمنا الكلام عليها هنا لك. وأما قوله: "إن عقد" فلا وجه له لأن الحرام على كل حال. وأما قوله: "وإلا لزم التصدق بها" فلا وجه له بل يجب الرد لمالكه فإن امتنع من قبوله وجب عليه أن يخلي بينه وبينه فإن شاء قبضه وإن شاء تركه لأن التصدق بمال الغير بغير إذنه لا يجوز وأما كونه يعمل بالظن عند اللبس فظاهر ولكن عروض اللبس في مثل هذا قليل الوقوع لأن المقاصد لا تخفي فإن كان في الذي دفع إليه المال ما يحتمل أن يكون دفعه إليه لوجه جائز ولوجه غير جائز فالمؤمنون وقافون عند الشبهات.

стр. 636

وأما قوله: "ولو بعد قوله عن المحظور" فليس بعد هذا القول شيء في الدلالة على مقصد المعطي فكيف يجوز الرجوع إلى الظن بعد أن وضح الأمر وأسفر الصبح لذي عينيين. [فصل والبينة على مدعي أطول المدتين ومضي المتفق عليها وعلى المعين للمعمول فيه وعلى المشترك في قدر الأجرة ورد ما صنع وأن المتلف غالب إن أمكن البينة عليه وعلى المالك في الإجارة والمخالفة غالبا وقيمة التالف والجناية كالمعالج وعلى المدعي إباق العبد بعض المدة إن قد رجع والقول للمستأجر في الرد والعين وقدر الأجرة قيل فيما تسلمه ومنافعه وإلا فللمالك ولمدعي المعتاد من العمل بها ومجانا وإلا فللمجان] . قوله: " فصل: والبينة على مدعي أطول المدتين". أقول: وجهه أنه يدعي خلاف الظاهر لأن الأصل عدم الزيادة وهكذا مدعي مضى المتفق عليها لأنه الأصل عدم المضي وهكذا المعين للعموم فيه لأنه صار بالتعيين مدعيا. وأما قوله: "وعلى المشترك في قدر الأجرة" فلا فرق بينه وبين الخاص في أيجاب البينة وقد عرفناك فيما سبق ما هو الحق الذي ينبغي اعتماده في تقسيم الأجير إلى خاص ومشترك فلا نعيده وهكذا البينة على مدعي أن المتلف غالب لكونه ادعى ما يخالف الظاهر والأولى أن يقال إن الأصل عدم الضمان كما قدمنا فالبينة على مدعي ما يوجب الضمان من جناية أو تفريط وأما كون البينة على الممالك في الإجارة والمخالفة وقيمة التالف والجناية ومدعي إباق من قد رجع فظاهر لأن المدعي لذلك كله يدعي خلاف ما هو الظاهر. وأما قوله: "والقول للمستأجر في الرد والعين وقدر الأجرة" فخلاف الصواب لأنه يدعي خلاف ما هو الأصل والظاهر فالبينة عليه والاستدلال على ذلك بكونه أمينا تركيب دعوى على دعوى وأما كون القول لمدعي المعتاد من العمل بأجرة أو بغير أجرة فصحيح لأن المادة مقصودة للمتعاملين بها فمن أدعى خلافها فعليه البينة. وأما قوله: "وإلا فللمجان" فوجهه أنه إذا لم تكن عادة تعين الرجوع إلى الأصل وهو عدم الأجرة. [فصل ولا يضمن المستأجر والمستعير والمستلم مطلقا والمشترك الغالب إن لم يضمنوا

стр. 637

ويضمن المشترك غير الغالب والمتعاطي والبائع قبل التسليم والمرتهن والغاصب وإن لم يضمنوا وعكسهم الخاص ومستأجر الآلة ضمن أثر الاستعمال والمضارب والوديع والوصي والوكيل والملتقط وإذا أبريء البصير من الخطأ والغاصب والمشترك مطلقا برئوا لا المتعاطي والبائع قبل التسليم والمتبريء من العيوب جملة والمرتهن صحيحا] . قوله: " فصل: ولا يضمن المستأجر" الخ. أقول: قد عرفناك فيما سبق أن الأصل المعلوم بالشرع عصمة أموال العباد وأنها لا تحل إلا بوجه أوضح من شمس النهار فالحكم بالضمان على من لم يحكم عليه الشرع وهو من أكل أموال الناس بالباطل ومن الأمر بالمنكر ومن عكس ما جاءت به كليات الشريعة وجزئياتها وليس في المقام إلا مثل حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك" وقد قدمنا تخريجهما والكلام عيهما والتأدية واجبة في كل مأخوذ فإن فعل بريء وإن لم يفعل ضمن إن تسبب سبب يوجب الضمان من جناية أو تفريط لا إذا كان التلف بغير هذين الوجهين فإنه لم يرد ما يدل على تضييق إيجاب التأدية على أن يقال إنه قد تعدى بالتراخي أو فرط بعدم الرد فورا بل التفريط أن يترك الدابة مثلا في مكان تدخله السباع أو ينتابه اللصوص مع وجود موضع يحفظها فيه وما يشابه ذلك من الأمور التي يتحقق فيها التفريط. وأما قوله: "إن لم يضمنوا" فصحيح لأنهم إذا رضوا بذلك وقبلوه فمن أنفسهم أتوا وفي سوء اختيارهم وقعوا وأما المتعاطي فهو جر إلى نفسه الضمان بسبب تعاطيه لأنه كان في غنى عن ذلك وإقدامه على ما لا بصر له فيه جناية وخيانة وأما البائع قبل التسليم فقد تقدم الكلام عليه وأما المرتهن فسياتي الكلام عليه إن شاء الله وأما الغاصب فظاهر وسيأتي أيضا. وأما قوله: "وإن لن يضمنوا" فلكون الضمان إذا قد ثبت بالشرع لم يحتج إلى التضمين. وأما قوله: "وعكسهم الخاص" الخ فهؤلاء لا فرق بينهم وبين من تقدم في أول الفصل أنها تجب عليهم التأدية ولا يضمنون إلا لجناية أو تفريط وإذا ضمنوا ضمنوا لأنه قد اختاروا ذلك لأنفسهم والتراضي هو المناط في تحليل أموال العباد. وأما قوله: "وإذا بريء البصير من الخطأ" الخ فوجهه ظاهر فإن الإبراء يسقط ضمان المخطيء والغاصب فضلا عن المشترك لأنه قد رضي لنفسه بإسقاط ما يلزم له بالشرع وذلك سبب محلل لماله ومسوغ لغيره أن يتملكه ومبطل لضمان الجناية بخطأ البصير ولكن كون البصير يضمن ما وقع من الخطأ فيه ما فيه لأن بصره يدفع عنه معرة التضمين بما أخطأ فيه فلا يحتاج إلى إبراء. وأما قوله: "لا المتعاطي والبائع قبل التسليم" فغير ظاهر لأن الإبراء كما قدمنا محلل مخلص لمن عليه الضمان من الضمانة وأما ما عللوا به المنع من إبراء المتعاطي بأنه عامد فإن كان العمل الذي تعاطى فيه مما لا يستباح بالإجابة فلا بأس وأما ما عللوا به عدم صحة إبراء البائع قبل التسليم من الضمان بقولهم إنه لا يصح إسقاط ضمان الأعيان فما أبرد هذا التعليل

стр. 638

وأبعده عن قواعد الشرع فإن مالك العين إذا طابت نفسه عنها حلت وهي باقية بعنيها فكيف لا يحل الإبراء من ضمانها وسيأتي إن شاء الله في باب الإبراء ما يدفع هذا الخيال ويبدد شمل هذا الإشكال وأما عدم صحة إبراء المتبريء من العيوب جملة فمن غرائب الرأي وساقط الاجتهاد لا سيما إذا كان المبريء ممن يعرف العيوب ويتعلقها فالإبراء من جميعها كالإبراء من كل واحد منها وأعجب من هذا وأغرب عدم صحة إبراء المرتهن فإنه لا يوجد لهذا المنع وجه يقبله من له عقل فضلا عمن له علم والحاصل أن العالم العارف بقواعد الشرع إذا مرت به هذه المسائل المدونة في هذه الفصول وأمثالها لم يسعه إلا تكرير الاسترجاع وربما يقوم في وجهه من يريد تقويم الباطل فيقول له لا إنكار في مسائل الاجتهاد فيقال له ومتى فوض الله من يدعي الاجتهاد على الشريعة التي أنزلها على رسوله وجعله حاكما فيها بما شاء وعلى ما شاء فإن هذه نبوة لا إجتهاد وشريعة حاثه غير الشريعة الأولى ولم يرسل الله سبحانه إلى هذه الأمة إلا رسولا واحدا وأما ما تقدم للمصنف في المقدمة من أن كل مجتهد مصيب فقد قدمنا بيانه وذكرنا مراد القائل به وأما ما سيأتي للمصنف في السير من أنه لا إنكار في مختلف فيه على من هو مذهبه فتلك مقالة تستلزم طي بساط غالب الشريعة وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان بطلانه.

стр. 639

باب المزارعة [فصل صحيحها أن يكري بعض الأرض ويستأجر المكتري بذلك الكراء أو غيره على عمل الباقي مرتبا أو نحوه مستكملا لشروط الإجارة وإلا فسدت كالمخابرة الزرع في الفاسدة لرب البذر وعليه أجره الأرض أو العمل ويجوز التراضي بما وقع به العقد وبذر الطعام الغصب استهلاك فيغرم مثله ويملك غلته ويعشرها ويطلب له الباقي كما لو غصب الأرض والبذر له أو غصبهما] . قوله: "فصل: صحيحها أن يكري بعض الأرض" الخ. أقول: المزارعة هي تأجير الأرض فالعجب من المصنف ﵀ حيث جعل صحيحها هذه الصور الخاصة التي لم يرد بها شيء من الأدلة مع كثرة ما ورد في المزارعة فإن منها تأجير الأرض بالذهب والفضة كما في حديث رافع بن خديج في الصحيحين [البخاري "٥/١٥"، مسلم "١١٧/١٥٤٧"، وغيرهما أبو داود "٣٣٩٢"، النسائي "٣٩٣٢"، قال: كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه فربما أخرجت هذه ولم

стр. 640

تخرج هذه فنهانا عن ذلك فأما الورق فلم ينهنا, وفي لفظ للبخاري: فأما الذهب والورق فلم يكن يومئذ, وكان الأولى للمصنف أن يتكلم على ما لا يصح منها ثم يقول ويصح ما عدا ذلك وأعلم أن الكلام في تأجير بجزء مما يخرج منها يطول جدا وقد أفردنا ذلك برسالة مستقلة لكثرة الأحاديث واختلافها وذكرنا في شرح المنتقى ما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره بعد إمعان النظر فيه والحاصل أنه قد ثبت في الصحيحين [البخاري "٥/١٣"، مسلم ط٥/١٥٥١"، وغيرهما أبو داود "٣٤٠٩"، الترمذي "١٣٨٣"، النسائي "٧/٥٣"، ابن ماجة "٢٤٦٧"، أحمد "٢/١٧، ٢٢، ٣٠، ٣٧، ١٤٩، ١٥٧"، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع وفي لفظ له فيهما: "ولهم نصف الثمرة" وأخرج البخاري من حديث أبي هريرة قال قالت الأنصار للنبي ﷺ اقسم بيننا وبين إخواننا النخل قال: "لا"، فقالوا" تكفوننا العمل ونشرككم في الثمرة فقالوا سمعنا وأطعنا وفي الباب أحاديث في ثبوت الاستئجار بجزء من الخارج من الأرض ثم ثبت ما يدل على استمرار هذا التأجير بجزء مما يخرج من الأرض حتى قال البخاري قال قيس بن مسلم عن أبي جعفر قال ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون علىالثلث والربع ثم ثبت بعد هذا النهي عن المخابرة كما في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى عن المخابرة وفسرها جابر بالمثلث والربع وورد أن المنهي عنه إنما هو ما كان فيه جهالة كما أخرج البخاري ومسلم وغيرهما من حديث رافع بن خديج قال كنا أكثر الأنصار حقلا فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه فنهانا عن ذلك وفي لفظ لمسلم من حديثه إنما كان الناس يؤاجرون على عهد رسول الله ﷺ بما على الماذيانات وأقبال الجداول وأشياء من الزرع فيهلك هذا ويسلم هذا ويسلم هذا ويهلك هذا ولم يكن للناس كرى إلا هذا فلذلك زجر عنه فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به وفي لفظ للبخاري من حديثه نحوه وفي لفظ للبخاري أيضا من حديثه قال حدثني عماي أنهما كانا يكريان الأرض على عهد رسول الله ﷺ بما ينبت على الأربعاء وبشيء يستثنيه صاحب الأرض فنهى النبي ﷺ عن ذلك فهذا الحديث يدل على أن سبب النهي هو هذا ووجه ذلك الجهالة وتجويز عدم حصول ما ينبت في المكان الذي كان التأجير على ما يخرج منه وعليه يحمل ما ورد من طلق النهي عن المخابرة كما في حديث جابر وفي بعض روايات حديث رافع أو تحمل النهي على الكراهة كما يفيد ذلك حديث ابن عباس عند البخاري وغيره عن عمرو بن دينار قال قلت لطاوس لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن النبي ﷺ نهى عنها فقال إن أعلمهم يعني ابن عباس أخبرني أن النبي لم ينه عنها وقال: "لأن يمنح أحدكم أخاه خير له من

стр. 641

أن يأخذ عليها خراجا معلوما" وأخرج الترمذي وصححه عن ابن عباس أيضا أن النبي صلى الله علي وآله وسلم لم يحرم المزارعة ولكن أمر أن يرفق بعضهم ببعض وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من كانت له أرض فليزرعها أو ليحرثها أخاه فإن أبى فليمسك أرضه"، قال صاحب المنتقى بعد ذكره لحديث أبي هريرة هذا وبالإجماع تجوز الإجارة ولا تجب الإعارة فعلم أنه أراد الندب انتهى وبهذا تعرف الكلام على قول المصنف وإلا فسدت كالمخابرة. وأما قوله: "والزرع في الفاسدة لرب البذر وعليه أجرة الأرض أو العمل" فوجه استحقاق الباذر للزرع إذا كان هو الأجير أنه بذر بإذن المالك ومجرد كون المزارعة فاسدة لا يبطل الإذن الذي ساغ به البذر وصار له لأجله الزرع وأما إذا كان بغير أذن فالزرع لصاحب الأرض كما في حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "من زرع أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته"، [أحمد "٣/٦٥، ٤/١٤١، أبو داود "٣٤٠٣"، ابن ماجة "٢٤٦٦"، وسيأتي هذا الحديث والكلام عليه في الغصب وأما إذا كان الباذر هو مالك الأرض فالظاهر أن الزرع له وعليه أجرة العمل للعامل لأنه عمل بإذنه. وأما قوله: "ويجوز التراضي بما وقع به العقد" فظاهر لا يحتاج إلى التدوين لأن التراضي يصحح كل معاملة إلا ما كانت محرمة في نفسها وهكذا قوله وبذر الطعام الغصب استهلاك فيغرم مثله ووجهه أنه لا يمكن بعد هذا الاستهلاك إرجاع العين فيعدل إلى المثل إن وجد وإلا فالقية وأما كونه يملك غلته فلا بد أن يكون الغاصب له بذر به في أرض نفسه لا في أرض غيره كما تقدم في حديث رافع بن خديج فلا وجه لتشبيهه بقوله كما لو غصب الأرض والبذر له فإن غاصب الأرض لا يستحق من زرعها شيئا وله قيمة بذره وسيأتي الكلام على هذا في كتاب الغصب إن شاء الله تعالى. [فصل والمغارسة الصحيحة أن يستأجر من يغرس له أشجارا يملكها ويصلح ويحفر مدة بأجرة ولو من الأرض أو الشجر أو الثمر الصالح معلومات وإلا ففاسدة وإن اختلف الحكم وكذلك ما أشبهها إلا ما خصه الإجماع وما وضع بتعد من غرس أو غيره ثم تنوسخ فأجرته وإعناته على الواضع لا المالك في الأصح وإذا انفسخت الفاسدة فلذي الغرس الخياران وفي الزرع الثلاثة] . قوله: "فصل: والمغارسة الصحيحة" الخ. أقول: المغراسة نوع من أنواع الإجارات فإذا حصل التراضي على غرس أشجار معلومة

стр. 642

حتى تبلغ إلى حد معلوم صح أن يكون ذلك بأجرة معلومة من غير الأرض أو بجزء من الأرض أو من الشجر وأما جعل الأجرة من الثمر فلا بد أن يكون قد بلغ إلى حد الصلاح لأن علة النهي المتقدمة في البيع حاصلة هنا وأما اشتراط ذكر الإصلاح والحفر فلا حاجة إليه لأن نبات الشجر لا بد أن يكون بحفر وسقي وإصلاح فهو من لازم إطلاق المغارسة ويغني عن ذلك ما قدمنا من ذكر بلوغ الشجر المغروسة إلى حد معلوم فإن لم يذكر هذا لم يكن للغارس إلا ما غرمه في الغرس والإصلاح لأن استحقاق الأجرة المسماة لا يكون إلا على عمل معلوم لا مجهول. وأما قوله: "إلا ما خصه الإجماع" فهو استثناء من قوله: يملكها أي إلا ما أجمع عليه الناس من عدم اشتراط كون رب الأرض يملك تلك الأعيان ومراده بالإجماع إجماع أهل تلك الناحية التي وقعت فيها المغارسة لا الإجماع الأكبر. وأما قوله: "وما وضع بتعد" الخ فوجهه ظاهر لأن الغاصب هو الواضع فيده هي اليد العدوانية ولا فعل من مالك المتاع يوجب ضمانه وسواء تنوسخ أو بقي في ملك مالكه الأول. وأما قوله: "وإذا انفسخت الفاسدة" الخ فهذا مبني على أنه حدث ما يمنع المضي في المغارسة أو اختار الترك وإلا فلا فساد ولا انفساخ بغير أحد الأمرين المذكورين. [فصل والمساقاة الصحيحة أن يستأجر لإصلاح الغرس كما مر والقول لرب الأرض في القدر المؤجر ونفي الإذن ولذي اليد عليها في البذر] . قوله: "فصل: والمساقاة الصحيحة" الخ. أقول: إذا كان الغارس مالك الأرض ثم أستأجر من يصلح له ذلك الغرس بالسقي إلى أن يبلغ حدا معلوما فهذه الإجارة يسميها أهل الفروع مساقاة. وأما قوله: "والقول لرب الأرض في القدر" فلا وجه له بل القول قول نافي الزيادة والبينة على مدعيها وأما في بقاء الإذن فالقول قول المالك لأن الأصل بقاؤه وأما إذا أدعاه الأجير فلا يكون القول قوله لأن المالك ينكره في الحال وهو صاحب الإذن وأما إذا ادعاه الأجير في وقت قد مضى فالقول قوله لأن الأصل عدم ارتفاعه قبل الاختلاف. وأما قوله: "ولذي اليد عليها في البذر" فوجهه أن ثبوت اليد يكون الظاهر مع صاحبه لأن بذرها نوع من من تصرفاته إلى تصرف فيها عند ذلك الثبوت.

стр. 643

باب الإحياء والتحجر [فصل وللمسلم فقط الاستقلال بإحياء أرض لم يملكها ولا تحجرها مسلم ولا تعلق بها حق وبإذن الإمام فيما لم يتعين ذو الحق فيه وإلا فالعين غالبا] . قوله: "باب: الإحياء والتحجر فصل وللمسلم الاستقلال بإحياء أرض" الخ. أقول: الأصل في ثبوت الإحياء وأيجابه للملك ما أخرجه أحمد "٣/٣٠٤، ٣٣٨"، وأبو داود "٣٠٧٣"، والنسائي "٣١٢٩"، والترمذي "١٣٧٩"، وصححه من حديث جابر أن النبي ﷺ قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له"، وفي لفظ لأحمد "٥/١٢، ٢١"، وأبي داود "٣٠٧٧"، من هذا الحديث: "من أحاط حائطا على أرض فهي له" وما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني والبيهقي وصححه ابن الجارود من حديث سمرة بلفظ من أحاط حائطا على أرض فهي له وما أخرج أبو داود والناسئي والترمذي عن سعيد بن زيد قال قال رسول الله ﷺ : "من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق"، وقد حسنه النسائي وأعله بالإرسال ورجع الدارقطني إرساله وأخرج البخاري وغيره من حديث عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : "من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها" وأخرج أبو داود والضياء في المختارة من حديث أسمر بن مضرس قال أتيت النبي ﷺ فبايعته فقال: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له"، قال فخرج الناس يتعادون يتخاطون فهذه الأحاديث وما ورد في معناها تدل على أن من أحيا الأرض التي هي ميتة غير مملوكة لأحد فهو أحق بها وتصير ملكا له أما إذا كان قد سبق إليها أحد من المسلمين أو كانت ملكا لذمي فلا يجوز أحياؤها كما يدل عليه لفظ أحد من حديث عائشة وكما يفيده لفظ ميتة في هذه الأحاديث فأن الأرض المملوكة للذمى ليست بميتة. وأما قوله: "من سبق إلى ما لا يسبق إليه مسلم" فهو من التنصيص على بعض أفراد العام لأنه قد انمحى عنه المعنى الاشتقاقي وصار كالجوامد وأما اشتراط أن لا يكون قد تحجرها مسلم فوجهه أنه قد صار أحق بها لسبقه إليها كما في حديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم" وهذا قد سبق بوضع الأعلام ونحوها. وأما قوله: "وبإذن الإمام" فليس من الأدلة ما يدل على اشتراطه ولكن إذا كانت الأرض غير ميتة ولم يعرف من هي له صار النظر فيها إلى إمام المسلمين كسائر أموال الله فإن التصرف فيها إليه. وأما قوله: "وإلا فالمعين" فلا دخل له في هذا الباب لأنه إذا أذن لغيره بإحياء ما هو حق له كان ذلك من باب الهبة ونحوها.

стр. 644

[فصل ويكون بالحرث والزرع أو الغرس أو امتداد الكرم أو إزالة الخمر أو التنقية أو اتخاذ حائط أو خندق قعير أو مسنا للغدير من ثلاث جهات وبحفر في معدن أو غيره ويعتبر قصد الفعل لا التمليك ويثبت به الملك ولا يبطل بعوده كما كان ولا يصح فيه وفي نحوه الاستئجار والاشتراك والتوكيل بل يملكه الفاعل في الأصح] . قوله: "فصل: ويكون بالحرث والزرع" الخ. أقول: هذه الأنواع الي ذكرها للإحياء يصدق على كل واحد منها مفهوم الإحياء وهو شيء واضح فالتطويل بذكر هذه الصور لا يأتي بطائل والحاصل أن ما صدق عليه أنه إحياء لغة أو شرعا كان سببا لملك الأرض الميتة. وأما قوله: "ويعتبر قصد الفعل" فمعلوم أن العامل لا يعمل عملا إلا لغرض وإلا كان فعله عبثا لا ينبغي حمل أفعال العقلاء عليه. وأما قوله: "يثبت به الملك" فهو الذي دلت عليه الأحاديث الواردة في الإحياء كما تقدم. وأما قوله: "ولا يبطل بعوده كما كان" فوجهه أن الملك لا يزول بعد ثبوته. وأما قوله: "ولا يصح فيه وفي نحوه الاستئجار" الخ فوجهه أنه يصير الأجير هو المحيي فتكون الأرض له كما تدل عليه الأدلة المتقدمة وفيه نظر فإن المباشرة للفعل يختلف باختلاف الأغراض والمقاصد فإذا كان المباشر للإحياء مأمورا من جهة غيره أجيرا له صح ذلك وكان عمله هذا داخلا في أنواع الإجارات ولا مانع من ذلك وهكذا إذا كان المباشر وكيلا فإنه لم يحيي الأرض لنفسه بل أحياها لموكله وليس هذا من الأملاك القهرية التي تدخل في ملك مالكها شاء أم أبى وهكذا يجوز الاشتراك فيها لأنه بعد وقوع الإحياء من كل واحد منهما بمنزلة المواهبة ولا مانع من ذلك من شرع ولا من عقل. [فصل والتحجر بضرب الأعلام في الجوانب يثبت به الحق لا الملك فيبيح أو يهب لا بعوض وله منعه وما حاز ولا يبطل قبل مضي ثلاث سنين إلا بإبطاله ولا بعدها إلا به أو بإبطال الإمام ولا بإحيائه غصبا قيل والكراء لبيت المال والشجر فيه وفي غيره كلاء ولو مسبلا وقيل م فيه حق وفي الملك ملك وفي المسبل يتبعه وفي غيرها كلاء] . قوله: "فصل: والتحجر بضرب الأعلام في الجوانب".

стр. 645

أقول: من سبق إلى الأرض فوضع عليها أي علامة كانت تدل على سبقه إليها فهو أحق بها كما في الحديث المتقدم بلفظ: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له"، فالشرع قد أثبت أنه له وذلك هو معنى الملك فلا يرجع إلى مجرد الاصطلاح مع وجود الشرع ولا إلى المفاهيم اللغوية على تقدير أن فيها ما يدل على التفاوت بين الحق والملك وبهذا تعرف أنه لا فرق بين الإحياء والتحجر في ثبوت الملك بهما وأنه يصدق على كل واحد منهما أنه إحياء وليس المراد بالإحياء العمل في نفس الأرض بحرث أو غرس أو نحوها وقد تقدم في الأحاديث: "من أحاط حائطا على أرض فهي له" فإن الحائط ليس بعمل في نفس الأرض بل هو من باب التحجر لها عن أن يدخل إليها داخل فهو في الدلالة على السبق كضرب الأعلام في الجوانب ولا وجه لجعل أحدهما من باب الإحياء والآخر من باب التحجر كما فعل المصنف ولا للفرق بين أحكام الإحياء وأحكام التحجير فلا تشتغل بالكلام عليه ففي هذا كفاية. قوله: "والشجر فيه وفي غيره كلأ". أقول: ولا وجه لقول المصنف والشجر فيه الخ لأن الذي حكم عليه النبي ﷺ بأنه مشترك بين الناس هو الكلأ والشجر ليس بكلأ فإنه عند أهل اللغة يطلق على الحشيش ولعل المصنف يريد بهذه العبارة أن الشجر له حكم الكلأ وهذا يحتاج إلى دليل فإن النبي ﷺ قال: "لا يمنع الماء والنار والكلأ"، كما أخرجه ابن ماجة من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح وقال ﷺ : "المسلمون شركاء في ثلاثة في الماء والكلأ والنار"، أخرجه أحمد وأبو داود من حديث أبي خراش عن بعض أصحاب النبي ﷺ مرفوعا ورجال إسناده ثقات وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن عباس وزاد فيه: "وثمنه حرام" وصححه ابن السكن وفي الباب أحاديث. فالحاصل أن هذه الثلاثة الأشياء مشتركة بين الناس وأما الشجر النابت في الأرض المملوكة فهو لمالكها وفي غير المملوكة ملك لمن سبق إليه وليس في الأحاديث ما يدل على أنه مشترك بين الناس ومما يؤيد الاشتراك في الكلاء والماء ما ثبت في - الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ : "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ"، وفي لفظ لمسلم: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ" وفي لفظ للبخاري: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ" وأخرج أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت: نهى رسول الله ﷺ أن يمنع نقع البئر وأخرج أحمد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ قال: "من منع فضل مائة أو فضل كلئه منعه الله عزوجل فضله يوم القيامة"، وأخرج مسلم "٣٤/١٥٦٥"، من حديث جابر أن النبي ﷺ نهى عن بيع فضل الماء وأخرج نحوه أهل السنن [أبو داود "٣٤٧٨"، النسائي "٧/٣٠٧"، الترمذي "١٢٧١"، وصححه الترمذي "٣/٥٧٠"، من حديث إياس بن عبد وقد ورد بزيادة المالح كما أخرجه الخطيب من حديث ابن عمر وإسناده ضعيف ورواه الطبراني

стр. 646

بإسناد حسن عن زيد بن جبير عن ابن عمر وله عنده طريق أخرى وأخرج ابن ماجه عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "الملح والماء والنار" وإسناده ضعيف وأخرج الطبراني في - الصغير من حديث أنس: "خصلتان لا يحل منعهما الماء والنار" قال أبو حاتم: هذا حديث منكر.

стр. 647

باب المضاربة [فصل شروطها الإيجاب بلفظها أو ما في حكمه والقبول أو الامتثال على التراخي ما لم يرد بين جائزي التصرف على مال من أيهما إلا من مسلم لكافر معلوم نقد يتعامل به حاضر أوفى حكمه وتفصيل كيفية الربح ورفض كل شرط يخالف موجبها] . قوله: "باب المضاربة" أقول: لا شك في وقوع التعامل بها في زمن الصحابة ﵃ وقد فعلها جماعة من أكابرهم وحكى صاحب - النهاية المجتهد أنه لا خلاف بين المسلمين في جواز القراض وأنه مما كان في الجاهلية وأقره الإسلام انتهى وقال أبن حجر في - التخليص إنه إجماع صحيح قال والذي يقطع أنه كان في عصره ﷺ فعلم به وأقره ولولا ذلك لما جاز. قوله: "فصل: وشروطها الإيجاب بلفظها أو ما في حكمه". أقول: لا يشترط فيها إلا مجرد التراضي فقد على التعامل وقدر الربح فإذا وقع ذلك فهذه المضاربة داخلة تحت قوله تعالى: ﴿تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ﴾ [النساء: ٢٩] ، وقد عرفناك في كتاب البيع وما فيه من الأبواب وما بعده أن هذا الاشتراط للألفاظ ليس عليه أثارة من علم وأما كونها بين جائزي التصرف فلا بد من ذلك لأن من لا جوز تصرفه لا حكم لصدور الرضا منه. وأما قوله: "على مال من أيهما" فمستغنى عنه لأن مفهوم المضاربة ومعناها لا يوجد إلا بذلك وأما كون المال معلوما فذلك لا بد منه وإلا كانت جهالته ذريعة إلى اختلاط رأس المال بالربح فيكون معاملة مختلة وإذا كانت المضاربة في عروض فلا بد أن يتميز ما هو قيمة لها حتى يعلما أن الزائد عليه ربح ولا وجه لاشتراط كون رأس مالها مما يتعامل به الناس فإنها تصح في كل شيء يقع فيه البيع والشراء لأنها بيع منظور فيه إلى الربح مع بقاء رأس المال ولا يشترط حضور المال إذا كان معلوما عندهما وأما تفصيل كيفية الربح فأمر لا بد منه لأن ذلك هو الغرض من هذه المعاملة.

стр. 648

وأما قوله ورفض كل شرط يخالف موجبها فصحيح لأن ذكر هذا الشرط يعود على ما هما بصدده من هذه المعاملة بالنقض. [فصل ويدخلها التعليق والتوقيت والحجر عما شاء المالك غالبا فيمتثل العامل وإلا ضمن التالف وله مطلقها كل تصرف إلا الخلط والمضاربة والقرض والسفتجه فإن فوض جاز الأولان وإن شارك الثاني في الربح لا الآخران لعرف] . قوله: "فصل: ويدخلها التعليق". أقول: قد عرفناك أنه لا مانع من دخول التعليق والتوقبت مع حصول المناط المعتبر في المعاملات وهو التراضي فلا حجر علي المتعاملين في تعليق التعامل لوقت مستقبل وتوقيته بمدة معيتة وهكذا الحجر عما شاء المالك لأن له أن يشترط في ملكه مالم يكن رافعا لما يقتضبه المعاملة وإذا لم تمثل العامل كان متعديا ضامنا لما خالف فيه لأنه تصرف في ملك غيره بغير إذنه. وأما كون العامل في مطلق المضاربة كل تصرف فظاهر لكن لابد من تقييد هذا العموم بالتصرفات الجارية علي نمط تصفات العارفين بما قي جلب نفع أو دفع ضر، ولا وجه لمنع الخلط إذا رأي العامل في ذلك صلاحا وأما المضاربة من العامل لغيره فلا يجوز إلا بإذن المالك لأنه ضاربه ولم يضارب غيره ولا تكون مضاربة إلا وللعامل الآخر نصيب من الربح فربما يفضي ذلك إلي ما فيه ضرر علي المالك بنقص في الربح أو حدوث خسر وهكذا ليس له أن يقرض مال المرابحة لأنه خلاف ما هو المقصود منها وهو الربح وقد يعرض للمستقرض إخسار يمتنع منه القضاء. وأما السفتجة، فإن كان فيها ما يعود علي مال المضاربة بمصلحة فلا بأس بها. وأما قوله: "فإن فوض جاز الأولان ... الخ"، فلا يخفي التفويض إنما ينصرف إلي ما فيه مصلحة تعود علي المال وصاحبه فليس له أن يفعل ما لا مصلحة فيه أو فيه مظنة مفسدة وتفويض العاقل لا ينصرق إلي ما فيه ضرر أصلا فطلب النفع مقصود مع التفويض لأنه الغرض الذي تقتضيه هذه المعاملة ويوجبه العقل. [فصل ومؤن المالك كلها من ربحه ثم من رأسه وكذلك مؤن العامل وخادمه المعتادة في

стр. 649

السفر فقط مهما اشتغل بها ولم يجوز استغراق الربح وفي مرضه ونحوه تردد فإن أنفق بنية الرجوع ثم تلف المال بين وغرم المالك وصدقه مع البقاء ولا ينفرد بأخذ حصته ويملكها بالظهور فيتبعها أحكام الملك يستقر بالقسمة فلو خسر قبلها وبعد التصرف آثر الجبر وإن انكشف الخسر بعدها] . قوله: " فصل: ومؤن المال من ربحه" الخ. أقول: الاعتماد في مثل هذا على ما حصل عليه التراضي فلو تراضيا على أن يكون المؤن من نصيب العامل من الربع لم يكن بذلك بأس وهكذا العكس وأما تقييد ذكل بعد تجويز استغراق الربح فوجهه أن تجويز استغراقه يذهب بالغرض المقصود منها ولكنه يقال التراضي يحلل ذلك ويسوغه والأصل عدم المانح والدليل على مدعيه. وأما قوله: "فإن أنفق بينة الرجوع" الخ فلا بد من إذن المالك له بذلك وإلا فلا وجه للرجوع إلا أن يقتضي ذلك الحادثة وتوجبه الضرورة. وأما قوله: "ولا ينفرد العامل بأخذ حصته" فلا وجه له لأن هذه المعاملة بينهما قد اقتضت بأن لكل واحد منهما أن يأخذ نصيبه إلا لشرط. وأما قوله: "ويملكها بالظهور" فغير مسلم فإن مجرد الظهور مع عدم القبض معرض للذهاب بخسر أو بأي سبب من أسباب التلف فكيف تتعلق بهذا الربح الذي لم يحصل منه إلا مجرد الظهور أحكام الملك من وجوب الزكاة وقضاء الدين منه ونحو ذلك مع وجود مقتضى الرجاء وعدمه ومظنه سلامته وتلفه. [فصل وللمالك شراء سلع المضاربة منه وإن فقد الربح والبيع منه إن فقد لا من غيره فيهما والزيادة المعلومة على مالها ما لم يكن قد زاد أو نقص والإذن باقتراض معلوم لها ولا يدخل في مالها إلا ما اشتري بعد عقدها بنيتها أو بمالها ولو بلا نية ولا تلحقه الزيادة والنقص بعد العقد إلا لمصلحة ولا ينعزل بالغين المعتاد وشراء من يعتق على المالك أو عليه أو ينفسخ نكاحه والمخالفة في الحفظ إن سلم وإعانة المالك له في العمل ولا بعزله المال عرض يجوز الربح فيه] . قوله: "فصل: وللمالك شراء سلع المضاربة" الخ. أقول: العامل إنما هو بمنزلة الوكيل لصاحب المال والوكالة أمرها إلى الموكل فمتى أراد

стр. 650

عزل الوكيل عزله مع استحقاقه لما قد حصل من نصيبه من الربح إلى وقت العزل فليس ها هنا ما يوجب تسليط العامل على المال حتى يقال إن اشترى المضاربة منه بل ها هنا ما هو أقرب مسافة وأقل مؤنة وهو أن يأخذ المالك سلع المضاربة لأنها ملكه وإذا كانت قد اشتملت على ربح أعطاه نصيبه منه وأما بيع المالك لها من العامل فيها فلا بأس بذلك لأنه باع ملكه إلى غيره وليس من شرط صحة هذا البيع فقدان الربح لأنه يمكن الوقوف على مقداره بتقدير العدول فيكون ذلك خارجا عن البيع. وأما قوله: "لا من غيره فيهما" فقد عرفناك أن له عزلة متى شاء مع تسليم قدر حصته مما قد ظهر من الربح. وأما قوله: "والزيادة والنقص المعلومة على مالها" فلا بأس بذلك ولا وجه لتقييده بقوله ما لم يكن قد زاد أو نقص فإن الزيادة المعلومة لا تمنع منها زيادة الأصل أو نقصانه وتعليلهم ذلك بأنه يؤدي إلى جبر خسر كل واحد منهما بربح الآخر تعليل في غاية السقوط فإن المال واحد والمالك واحد والعامل واحد والزيادة لهما والخسر عليهما وأما إذن المالك للعامل باقتراض مال معلوم فلا مانع منه. وأما قوله: "ولا يدخل في مالها" الخ فلا يخفاك أن الظاهر في كل ما اشتري بمال المضاربة أنه داخل في المضاربة من غير فرق بين أن ينوي كون ذلك المشتري لها أو لم ينو وما اشترى بغير مالها فهو غير داخل في المضاربة به سواء كان ذلك قبل عقدها أو بعده فإن تراضيا بإلحاق شيء بمال المضاربة من ملك رب المال كان ذلك من الزيادة فيه كما تقدم. وأما قوله: "لا ينعزل بالغبن المعتاد" فظاهر لأن هذا شأن هذه المعاملة تارة يحصل الربح وتارة يحصل الخسر. وأما قوله: "وشراء من يعتق عليه" فقد عرفناك أن المال باق على ملك المالك فلا بد أن يأذن بذلك المالك وإلا فلا ينفذ الشراء لأنه خسر محض بغير إذن فلا وجه لعتق من يعتق على العامل إلا أن يكون قد ملك جزءا من مال شراء العتق وضمن وهكذ لا ينفذ شراء من ينفسخ ناكحه إلا بإذن من المالك. وأما قوله: "والمخالفة في الحفظ إن سلم" فلكون تلك المخالفة لم يظهر لها أثر وقد عرفناك أنه يعزله متى شاء فذكر هذه الأمور مبني على لزوم ما وقع بينهما عند الدخول في هذه المعاملة وهكذا لا ينعزل بإعانة المالك له في العمل. وأما قوله: "ولا يعزله والمال عرض يجوز الربح فيه" فلا وجه له بل يعزله ويأخذ نصيبه من الربح إذا كان قد ظهر وإن لم يكن قد ظهر وليس إلا مجرد التجويز فلا يلزم للعامل شيء.

стр. 651

[فصل وفسادها الأصلي يوجب أجرة المثل مطلقا والطاريء الأقل منها ومن المسمى مع الربح فقط ويوجبان الضمان إلا للخسر] . قوله: "فصل: وفسادها الأصلي" الخ. أقول: قد عرفناك غير مرة أن حكم هؤلاء على المعاملات بالفساد يرجع إلى فوات أمور لفظية لا تقتضي خلل المعاملات قط ولا يتعلق بها حكم فإذا حصل التراضي بين صاحب المال والعامل على أن يتصرف بماله على نصيب من الربح معلوم فهذه مضاربة صحيحة وإذا لم يحصل هذا فهي باطلة وجودها كعدمها ولا وجه لجعل أمر ثالث بين الصحة والبطلان وإثبات أحكام له مخالفة للأحكام الكائنة في جانبي الصحة والبطلان وقد عرفناك أيضا أن لصاحب المال عزل العامل متى شاء فإذا عزله استحق ما سماه له من الربح إذا كان قد حصل الربح وإذا لم يحصل بل هو باق في أعيان المضاربة كان للعامل ما يقدره العدول من الربح فإذا قدروا جملة سلم له صاحب المال نصيبه هكذا ينبغي أن يقال وإذا اختار العامل الترك فالأمر هكذا وأما ما ذكره من الضمان فقد قدمنا الكلام عليه في الفصل الذي عقده لمن يضمن ومن لا يضمن في آخر كتاب الإجارات. [فصل وتبطل ونحوها بموت المالك فيسلم العامل الحاصل مننقد أو عرض تيقن أن لا ربح فيه فورا وإلا ضمن ولا يلزمه البيع ويبيع بولاية ما فيه ربح ولا يلزمه التعجيل وبموت العامل وعلى وارثه وله كذلك فإن أجملها الميت فدين وإن أغفلها حكم بالتلف وإن أنكرها الوارث أو أدعى بتلفها معه فالقول له لا مع الميت أو كونه ادعاه فيبين والقول للمالك في كيفية الربح ونفيه بعد هذا مال المضاربة وفيه ربح وفي أن المالك قرض أو غصب لا قراض وللعامل في رد المال وتلفه في الصحيحة فقط وفي قدره وخسره وربحه وأنه من بعد العزل وفي نفي القبض والحجر مطلقا ولمدعي المال وديعة منهما] . قوله: "فصل: وتبطل ونحوها بموت المالك" الخ. أقول: المناط الذي جاز للعامل التصرف في مال غيره به هو الإذن من المالك والتراضي الواقع بينهما فإذا مات صاحب المال صار ذلك المال لغيره فإن قرر المضاربة كما كانت عليه في حياة مورثه كانت هذه مضاربة مستقلة حاصلة بينهما بمجرد التراضي وإذا لم يقرر المضاربة

стр. 652

كما كانت عليه كان على العامل إرجاع ماله إليه وياخذ نصيبه من الربح وأما الأعراض التي قد صار فيها ربح فله من ربحها ما قدره العدول. وأما قوله: "فورا وإلا ضمن" ففيه نظر لأنه لا يتضيق الرد إلا بالطلب ولم تكن يده بد عدوان إلا بترك الرد مع الطلب وأما كونه لا يلزمه البيع فواضح لأن صاحب المال قد مات وصار المال إلى وارثه فلم يبق له ولاية التصرف فضلا عن أن يلزمه بيع ما لا ربح فيه وهكذا لا يلزمه بيع ما فيه ربح إلا بإذن من المالك وما كان أحق هذه الأمور بعدم شغلة الحيز بها وإتعاب الطلبة بدرسها فإنها أمور واضحة قد لا تلتبس على العامي فكيف بمن له بعض فقاهة وهكذا تبطل المضاربة بموت العامل لأن الإذن من المالك لم يكن إلا له ولا يلزم وارثه إلا ما يلزم العامل ولو مات المالك لكن على الوجه الذي ذكرناه. قوله: "فإن أجملها الميت فدين". أقول: ينبغي أن يقال إن الميت إذا قال عنده لفلان مال مضاربة هكذا على جهة الإجمال طولب وارثه بتعيينه فإن أنكر معرفته فليس عليه إلا اليمين وعلى مالك المال البينة على تعيينه فإن عجز عن ذلك كله كان ما تضمنه ذلك الإجمال ثابتا في تركه الميت وإذا لم يمكن تعيين مقداره رجع إلى أوساط ما يتعامل به الناس في المضاربات. وأما قوله: "فإن أغفلها حكم بالتلف" فمن غرائب التفريعات وعجائب الاجتهادات فإن مجرد هذا الإغفال لا يكون حجة على رب المال بل يرجع إلى البينة من رب المال أو اليمين من الوراث هذا على تقدير أنه لم يتقرر أصل التعامل أما إذا تقرر فعلى الوارث البينة بأن مورثه قد رد مال المضاربة أو أنه قد تلف بسبب لا يوجب الضمان ومن منكرات التفريعات قول المصنف إن الوارث إذا ادعى تلفها معه فالقول له وإن ادعى تلفها مع الميت فعليه البينة فإنه قلب للشريعة. قوله: "والقول للمالك في كيفية الربح". أقول: البينة على مدعي الزيادة سواء كان العامل أو رب المال. وأما قوله: "ونفيه" فوجهه أن الأصل عدمه فيكون القول قول النافي منهما. وأما قوله: "وفي أن المال قرض أو غصب لاقراض" فلا يخفاك أن ثبوت اليد يقتضي أنه بمسوغ شرعي فالبينة على مدعي الغصب وأما الاختلاف في كونه قرضا أو قراضا فالبينة على مدعي القراض وهو العامل لأنه يدعي ثبوت حق له في الربح وإلا عدمه. وأما قوله: "وللعامل في رد المال وتلفه" في الصحيحة فقط فقد عللوا ذلك بأنه أمين وقد عرفناك أن الدليل وهو قوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، وقوله ﷺ : "أد الأمانة إلى من أئتمنك ولا تخن من خانك"، يدلان عن وجوب الرد عليه وحديث: "البينة على من المدعي واليمين على المدعي عليه" يدل على أن على العامل البينة فيما ادعى رده وهكذا فيما أدعى تلفه لأن التلف خلاف الأصل. وأما قوله: "وفي قدره" فلا وجه له بل القول قوله نافي الزيادة والبينة على مدعيها لأن

стр. 653

الأصل عدمها وهكذا في الخسر والربح يكون القول قول نافي الزيادة والبينة على مدعيها وهكذا القول قول نافي حدوث الربح بعد العزل وبعد القبض والبينة على مدعيها وأما نافي الحجر فالقول قوله لأن الأصل عدمه. وأما قوله: "والمدعي المال وديعة منهما" فوجهه أن مدعي كونه مضاربة يثبت لنفسه حقا في الربح والأصل عدمه هذا إذا كان المدعي هو العامل وأما إذا كان المدعي المالك فإن كان يريد بهذه الدعوى تضمين العامل فالأصل عدم الضمان والحاصل أن هذه المسائل ظلمات بعضها فوق بعض وقد كشفنا عنها ما يحول بينك وبين عدم إدراكها بعين البصيرة. [فصل وإذا اختلطت فالتبست أملاك الأعداد أو أوقافها لا بخالط قسمت وبين مدعي الزيادة والفضل إلا ملكا بوقف قيل أو وقفين لآدمي ولله فيصيران للمصالح رقبة الأول وغلة الثاني وبخالط متعد ملك القيمي ومختلف المثلى لزمته الغرامة والتصدق بما خشي فساده قبل المراضاة وضمن المثلى المتفق وقسمه كما مر] . قوله: "فصل: وإذا اختلطت فالتبست أملاك الأعداد" الخ. أقول: إذا كان الاختلاط بغير خالط ممن يتعلق به الضمان وذلك كالاختلاط بالسيل أو الربح أو نحوهما فإذا لم يمكن الوقوف على نصيب كل واحد بوجه من الوجوه لم يبق طريق من طرق العدل إلا القسمة على رؤوس المتنازعين وبين مدعي الزيادة في القدر أو الجنس ولا وجه للاستثناء بقوله إلا ملكا بوقف أو وقفين بل يقسم ويجعل الوقف بمنزلة المنازع من المالكين فيكون له نصيب كنصيبه وأما الجزم بإبطال ملك المالك ومصير الكل للمصالح فمن الظلم البين للمالك في ملكه المعصوم بعصمة الشرع بغير سبب يوجبه الشرع بل بمجرد المجازفة وأي دليل يدل على تأثير ما هو وقف على ما هو ملك وعلى نزع ملك المالك مع إمكان السلوك به في طريق من طرائق العدل. قوله: "ويخالط متعد" الخ. أقول: الخلط على وجه التعدي جناية مضمونة فغاية ما يلزمه أرش النقص الحاصل بالخلط ولا وجه لقوله ملك القيمي ومختلف المثلى بل الملك باق لمالكه والتعليل بأن فعله قد صار استهلاكا فنحن نمنع أن يكون هذا استهلاكا ثم نمنع أن يكون الاستهلا مقتضيا لخروج الملك عن مالكه والحاصل أنه إذا أمكن التمييز كان ذلك واجبا على الخالط وإن تعذر فليس عليه إلا الأرش الذي نقص به ذلك المخطوط بالخلط وإذا عرفت هذا عرفت عدم صحة ما رتبه المصنف عليه فلا تطول برده.

стр. 654

كتاب الشركة مدخل ... كتاب الشركة [فصل هي نوعان في المكسب والأملاك فشرك المكاسب أربع المفاوضة وهي أن يخرج حران مكلفان مسلمان أو ذميان جميع نقدهما السواء جنسا وقدرا لا فلوسهما ثم يخلطان ويعقدان غير مفضلين في الربح والوضيعة فيصير كل منهما فيما يتعلق بالتصرف فيه وكيلا للآخر وكفيلا له ماله وعليه ما عليه مطلقا وفي غصب استهلك حكما وكفالة بمال عن أمر الأصل خلاف] . قوله: "المفاوضة وهي أن يخرج مكلفان" الخ. أقول: أعلم أن أصل الشركة ثابت بالسنة المطهرة وعليه أجمع المسلمون فيما وردت به السنة في مطلق الشركة حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يقول الله: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما". أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ومنها ما أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث السائب بن أبي السائب أنه كان شريك النبي ﵌ في الجاهلية وفي بعض ألفاظ الحديث أنه كان شريك النبي قبل البعثة فجاء يوم الفتح فقال: "مرحبا بأخي وشريكي لا يداري ولا يماري". وللحديث ألفاظ وقد وقعت الشركة بين جماعة من الصحابة وهي مما قرره الإسلام مما كان في الجاهلية ولكن هذه الأنواع التي ذكرها أهل الفروع وقالوا مفاوضة عنان أبدان وجوه ليست إلا أسامي اصطلحوا عليها وجعلوا لكل واحد منها ماهية وقيدوها بقيود وليس هذا العلم علم مواضعة ولا علم اصطلاح بل هو علم يبين ما فيه ما شرعه الله لعباده من العبادات والمعاملات والشركة الشرعية توجد بوجود التراضي بين اثنين أو أكثر على أن يدفع كل واحد منهم من ماله مقدارا معلوما ثم يطلبون به المكاسب والأرباح على أن لكل واحد منهم بقدر ما دفعه من ماله مما حصل لهم من الربح وعلى كل واحد منهم بقدر ذلك مما لزم في المؤن التي تخرج من مال الشركة فإذا قد حصل التراضي الذي هو المناط في كل المعاملات فليس من شرط هذه الشركة أن يكون مال كل واحد منهم مساويا لمال من شاركه فإن العلم بنصيب كل واحد منهم وإن كان بعضا حقيرا وبعضا كثيرا يحصل به المطلوب من التحاصص في الغنم والغرم وهكذا لا وجه لاشتراط المال باديء بدء وخلطه في تلك الحال ولكن المقصود أن يحصل الاتجار بمجموعه حتى لو شرى أحدهم بنقده نوعا من أنواع العروض وفعل الأخرون مثله وقد حصل التراضي على أن أرباح تلك العروض المشتراة يكون للجميع بحسب الحصص والخسر على الجميع كانت هذه شركة صحيحة شرعية وهكذا لو أخرج

стр. 655

كل واحد منهم عروضا وقد عرف مقدار قيمة كل نوع من أنواع هذه العروض التي أخرجها كل واحد منهم وتراضوا على الاشتراك فيما حصل في المجموع من الأرباح والأغرام كانت هذه شركة صحيحة وهكذا لو حصل التراضي بين اثنين أو أكثر أن يتطلبوا أسباب الرزق وما حصل من مجموع ما رزقهما الله سبحانه كان بينهما على كذا فإن هذه شركة صحيحة ولو اتجر بعضهم في مشارق الأرض وبعضهم في مغاربها. وقد اشترك ابن مسعود وعمار بن ياسر وسعد ابن أبي وقاص فيما يصيبونه من المغانم في يوم بدر كما أخرجه ذلك أبو داود والنسائي وابن ماجه ومعلوم أن مثل هذه الشركة في مثل هذا اليوم مع قلة الصحابة لا يخفي على النبي ﷺ بل ورد ما يدل على أنه كان يقع ذلك في زمنه ﷺ مع أصحابه كما أخرج أحمد وأبو داود والنسائي عن رويفع بن ثابت قال إن كان أحدنا في زمن رسول الله ﷺ ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف وإن كان أحدنا ليصير له النصل والريش وللآخر القدح وهذا الحديث وإن كان في بعض طرقه مجهول فقد أخرجه النسائي من غير طريقة بإسناد رجاله كلهم ثقات. وإذا تقرر لك هذا أغناك عن هذا الكلام المدون في هذا الكتاب في شرك المكاسب وبه تعرف صواب ما ذكروه من الشروط والقيود من خطئه والحاصل أن التراضي على الاشتراك سواء تعلق بالنقود أو العروض أو الآبدان هو كله شركة شرعية ولا يعتبر إلا مجرد التراضي مع العلم بمقدرا حصة كل واحد من الربح والخسر فإن كان الربح والخسر باعتبار مقادير مال الشركة أو مقادير قيمة العروض فلا بد من معرفة المقدار لترتيب الربح عليه فإن حصل التراضي على الاستواء في الربح مع اختلاف مقادير الأموال كان ذلك جائزا سائغا ولو كان مال أحدهم يسيرا ومال غيره كثيرا وليس في مثل هذا بأس في الشريعة فإنه تجارة عن تراض ومسامحة بطيبة نفس وأما كون كل واحدة من هذه الشركة تنفسخ بما ذكره من الفسخ فذلك معلوم لأن كل واحد من المشتركين له فسخ الشركة متى شاء وأما الجحد فإذا لم يمكن دفعه بوجه كان رافعا للشركة وأما الردة فهو مبني على ما قدمه من أنها لا تصح بين المسلم والكافر ولا وجه لذلك وأما الانفساخ بالموت فظاهر لأن المال قد ينتقل من مالك إلى مالك وأما دخول التعليق والتوقيت فيها فصحيح لعدم المانع.

стр. 656

باب شركة الأملاك [فصل يجبر رب السفل الموسر على إصلاحه غالبا لينتفع رب العلو فإن غاب أو أعسر

стр. 657

أو تمرد فهو ويحبسه أو يكريه أو يستعمله بغرمه ولكل أن يفعل في ملكه ما لا يضر بالآخر من تعلية وبيع وغيرهما ويضمن ما أمكنه دفعه من إضرار نصيبة وإذا تداعيا السقف فبينهما والفرس للراكب ثم لذي السرج والثوب للابس والعرم للأعلى] . قوله: "فصل: ويجبر رب السفلى الموسر على اصلاحه". أقول: وجه هذا الأجبار أنه قد ثبت لرب العلو حق في السفل وهو استقرار بنائه عليه فإذا اختل السفل وترك مالكه إصلاحه كان ذلك سببا لذهاب هذا الحق ولكن لا يخفاك أن إجبار المالك على إصلاح ملكه لينتفع به من له حق متعلق به يحتاج إلى دليل فإن هذا مخالف لا جرت عليه القواعد الشرعية من وجهين الوجه الأول أن المالك إذا رغب عن ملكه كان ذلك له فكيف يجبر على إصلاحه الثاني أن مال رب السفل معصوم بعصمة الإسلام فال يحل إلا بشرع يخصص هذه العصمة الثابتة بأدلة الكتاب والسنة ولا سيما وهذا الإجبار واستهلاك المال لغرض يعود على الغير ونفع لا ينتفع به المالك أما إذا علم أن رب السفل راغب في إصلاح ملكه ولكنه كان معسرا أو غائبا بنيابة رب العلو عنه في الإصلاح وله أن يطالبه بما غرم فإن سلم له ذلك فذاك وإن لم يسلم له كان له حبسه أو تأجيره من الغير أو استعماله بقدر ما غرم وأما إذا تمرد ورغب عن إصلاح ملكه فالكلام فيه كما قدمنا. قوله: "ولكل أن يفعل في ملكه ما لا يضر بالآخر" الخ. أقول: هذا صحيح لأن موجب الملك يقتضي أن يفعل فيه ما يريده وموجب الأدلة الدالة على عدم المضارة لا سيما للجار يمنع من أن يفعل ما يضر بشريكه وكلام المصنف هنا أولى مما سيأتي له من قوله فلكل أن يفعل في ملكه ما شاء وإن قصر الجار وأما تعرض شيوخ الفروع للفرق بين الموضعين فمن الهذيان الذي لا وجه له وهكذا قوله ويضمن ما أمكن دفعه من إضرار نصيبه لأنه فرط بترك الدفع فكان ذلك منه جناية على ملك شريكه. قوله: "وإذا تداعيا السقف فبينهما". أقول: السقف إنما يجعل في الغالب لتغطية ما هو موضوع فوقه وأيضا لا يكمل ما تحته منزلا حتى يوضع عليه السقف وهذا يفيد أنه مع التدعي للأسفل فيكون القول قوله مع يمينه لأن الظاهر معه وعلى رب العلو البينة أن ذلك السقف له ببيع أو استثناء أو قسمة لأنه يدعي خلاف الظاهر وأما كون الفرس للراكب فوجهه أن الراكب في الغالب هوالمالك والراجل خارج السرج الذي يقودها الغالب أن يكون خادما للراكب وهكذا يد الراكب على السرج أقوى من يد الراكب خارج السرج لأن الغالب أن المالك هو الذي يثبت على السرج ويردف غيره ممن أراد إردافه خلفه وهكذا الثوب للابس لأنه لا يلبس الثوب في الغالب إلا مالكه وهكذا العرم للأعلى لأنه يوضع لحفظ الماء في العلو وليس لصاحب الأسفل تعلق به وأما إذا لم يكن ثم علو وسفل بل كان العرم منصوبا بين الملكين فهو لهما ولا يكون أحدهما أحق به من الآخر لأنه لنفع كل واحد من الملكين.

стр. 658

[فصل ولا يجبر الممتنع عن إحداث حائط بين الملكين أو عن قسمته غالبا بل على إصلاحه ولا يفعل أيهما فيه غير ما وضع له من سترة وتحريز وحمل ولا يستبد به إلا بإذن الآخر فإن فعل أزال ولا يثبت حق بيد وإذا تداعيا فلمن بين ثم لمن اتصل ببنائه ثم لذي الجذوع ثم لمن ليس إليه توجيه البناء ثم لذي التزيين والتخصيص أو القمط في بيت الخص ثم بينهما وإن زادت جذوع أحدهما] . قوله: "فصل: ولا يجبر الممتنع عن إحداث حائط بين الملكين". أقول: وجه هذا ظاهر لأن إحداث الحائط بين الملكين يستغرق جزءا من كل واحد من الملكين أما إذا كان لا يندفع الضرر بين الشريكين إلا به أجبر الممتنع للأدلة الواردة في عدم جواز المضارة والأخذ على يد من أرادها وأما كونه لا يجبر على قسمته فذلك يستقيم إذا كان لا يمكن قسمته أو تضره القسمة أما إذا كانت ممكنة بحيث ينتفع كل واحد بنصيبه أو طلبها المنتفع أجبر شريكه على ذلك ولا سيما إذا كان يندفع بها ضرار بينهما. وأما قوله: "بل على إصلاحه" فإن كان الإصلاح لدفع ضرار مجوز فذلك وجه صحيح وإن كان لأجل أن ينتفع به الشريك مع رغوب الآخر عن إصلاح ملكه فالكلام فيه كما تقدم في شركة العلو والسفل وأما كونه لا يفعل أحدهما فيه غير ما وضع له فوجهه ظاهر إذا كان وضعه لنفع خاص تواطآ عليه لا إذا كان وضعه لمطلق النفع من غير تقييد وهكذا ليس لأحدها أن يستبد به لأن في ذلك افتيات على شريكه واستغراق لحقه الثابت وأما مع الإذن فظاهر أنه يجوز للمأذون أن يفعل غير ما وضع له وأن يستبدله. قوله: "ولا يثبت حق بيد". أقول: ثبوت اليد على ما هو من الحقوق التابعة للأملاك يفيد الثابت ظهورا يكون به القول قوله مع يمينه والبينة على غريمه لأنه يدعي خلاف الظاهر فهذه الكلية التي جاء بها المصنف لا يعرف لها وجه فإنه صار يجعل القول قول من شهد له الظاهر في كل باب فما باله ها هنا خالف عادته بل سيأتي له في الدعاوى أن المدعي من معه خفي الأمرين ولا شك أن ثابت اليد على الحق معه ظاهر الأمرين ومع من لم يكن ثابت اليد عليه أخفى الأمرين وأما تعليل هذا النفي بأنه قد يتسامح في الحقوق فلا يفيد شيئا لأنه قد يتسامح في بعض الأملاك كما يتسامح في بعض الحقوق على أن هذا التسامح لا ينافي الظهور الذي هو المطلوب من تأثير ثبوت اليد على الحق. وأما قوله: "وإذا تداعيا الجدار" الخ فوجهه أن هذه قرائن يستفاد بها الظهور والقول قول من معه الظاهر فإذا لم يكن ثم قرينة يفيد ذلك اشتركا فيه إذا لم يبق سبيل إلى ما يصلح مستندا للحكم به لأحدهما.

стр. 659

[فصل ولا يضيق قرار السكك النافذة ولا هواؤها بشيء وإن اتسعت إلا بما لا ضرر فيه لمصلحة عامة بإذن الإمام أو خاصة فيما شرعوه كالميزاب والساباط والروشن والدكة والمسيل والبالوعة ولا المسندة إلا بإذن الشركاء ويجوز الطاقات والأبواب والتحويل إلا إلى داخل المنسدة بغير إذن أهله وفي جعل بيت فيها مسجدا أو نحوه نظر] . قوله: "فصل: لا يضيق قرار السكك النافذة". أقول: الوجه في هذا أنه قد صار الحق للمارة ففي تضييقها إبطال لبعض ما هو حق لهم وقد يفضي ذلك إلى الإضرار بهم بالازدحام إذا كثر المارون بها وهذا في المسيلة ظاهر وأما المشروعة بين الأملاك الخاصة فالحق لهم إذا تراضوا على تضييقها كان لهم ذلك. وأما قوله: "إلا بما لا ضرر فيه" فغير ظاهر لأن المفروض أنها قد صارت حقا عاما لمن يمر بها فكيف يجوز تضييقها للمصحلة العامة بإذن الإمام فإن مجرد التضييق يحصل به مفسدة على المارة ولو في بعض الأحوال ودفع المفاسد مقدم على جلب المصالح بالاتفاق ثم نفي الضرر لا يستلزم نفي ما هو دونه من التأذي بالتضييق فإن أراد به نفي الضرر وما هو دونه على كل حال وفي كل وقت فلا بأس لعدم وجود المفسدة حينئذ. وأما قوله: "أو خاصة فيما شرعوه" فلا بد من تقييده بوقوع الإذن من جميع المالكين الشارعين بها بين أملاكهم ولا فرق بينها وبين المنسدة في الاحتياج إلى الإذن من المالكين في كل واحد منهما ولا مدخل لإذن الإمام في ذلك لوجود من له الملك أو الحق. وأما قوله: "ويجوز فتح الطاقات" الخ فوجهه أنه لا يحصل لذلك ضرر على المارة وأما استثناء داخل المنسدة فوجهه أن الحق فيها مشترك بين أهلها فلا يجوز إحداث شيء فيها إلا بإذنهم. وأما قوله: "وفي جعل بيت فيها مسجدا أو نحوه نظر" فلا وجه لهذا النظر لأنه إن حصل الإذن من جميع أهل المسندة جاز جعل بيت فيها اصطبلا فاضلا عن مسجد وإن لم يإذنوا لم يجز لأنه يؤدي إلى كثرة استطراق تلك المنسدة إليه ولا سيما وهو لا يكون مسجدا إلا إذا فتح بابه إلى ما الناس فيه على سواء كما سيأتي في الوقف. [فصل وإذا التبس عرض الطريق بين الأملاك بقي لما تجتازه العماريات اثنا عشر ذراعا ولدونه سبعة وفي المسندة مثل أعرض باب فيها ولا يغير ما علم قدره وإن اتسع وتهدم

стр. 660

الصوامع المحدثة المعورة لا تعلية الملك وإن أعورت فلكل أن يفعل في ملكه ما شاء وإن ضر الجار إلا عن قسمة] . قوله: "فصل: وإذا التبس عرض الطريق بين الأملاك" الخ. أقول: ينبغي أن يقال هنا ترك ما لا يضر بمن يعتاد المرور فيها فإن مآرة الطريق تختلف فقد لا يمر فيها شيء من الدواب لا محملة ولا غير محملة فيترك حينئذ ما لا يضر بمن يمر فيها فإن كانت معتادة لمرور الدواب فيها ترك ما لا يضر بها عند مرورها ولا وجه لما ذكره المصنف من المقادير فقد يحتاج المارة فيها إلى زيادة على ما ذكره كالطرق المعتادة لمرور الجيوش فيها خيلا ورجلا وقد يكفي ما هو دون ما ذكره كالطرق التي لا يمر فيها إلا بنو آدم وصغار الدواب فإنه يكفي فيها دون السبعة الأذرع وهكذا لا وجه لتقييد المنسدة بأعرض باب فيها فقد يعتاد أهلها دخول الدواب إليها بأحمالها ولكنه قد ثبت في الصحيحين [البخاري "٢٤٧٣"، مسلم "١٦١٣"، وغيرهما [أحمد "٢/٢٢٨"، أبو داود "٣٦٣٣"، الترمذي "١٣٥٥"، من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع"، وهو ما يدل على الرجوع إلى هذا المقدار في كل طريق وقد ورد تقييد هذا المطلق بما أخرجه عبد الرزاق من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ بلفظ: "إذا اختلفتم في الطريق الميتاء فاجعلوها سبعة أذرع"، وكذا في حديث عبادة عند الطبراني وحديث أنس عند ابن عدي وفي إسناد كل واحد منها مقال. وأما قوله: "ولا بغير ما علم قدره" الخ فتكرار لما تقدم من قوله ولا يضيق قرار السكك. قوله: "وتهدم الصوامع المحدثة" الخ. أقول: إن كان إحداثها في موضع يختص بمحصورين فلا بد من إذنهم لأن لكل واحد منهم حقا في ذلك الموضع الخاص بهم وإن كان إحداثها في مكان لا يختص بمحصورين ولا تضييق فيها على المارة ولا على أهل الحق العام وليس إلا كونها مرتفعة على البيوت ويمكن أن يكون المؤذن غير عدل في الباطن فهذه مفسدة يمكن دفعها بما يتعذر معه النظر منها إلى المحلات التي يقع الاطلاع عليها مع رعاية المصلحة العامة لهم بسماع الأذان إذا كانوا في مكان بعيد عن الأمكنة التي يؤذن فيها فإن هذه مصلحة خالصة بعد دفع تلك المفسدة فلا ينبغي إطلاق هدمها كما فعل المصنف بل لا بد من التقييد بما ذكرنا. وأما قوله: "لا تعلية الملك وإن أعورت" فمبني على ما عقبه به من قوله فلكل واحد أن يفعل في ملكه ما شاء وإن ضر الجار وهذه الكلية الشاملة لما في السياق وغيره تقشعر لها الجلود وترجف عندها الأفئدة فإن التوصية بالجار كتابا وسنة والأوامر النبوية بالإحسان إليه ودفع ما يضره حتى قال ﷺ : "والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يأمن جاره بوائقه"، [البخاري "٦٠١٦"، مسلم "٤٦"، أحمد "٢/٢٨٨"] ، لو تعرض متعرض لجمعها لجاءت في مصنف مستقل وناهيك بقوله ﷺ : "لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره"، كما في الصحيحين البخاري

стр. 661

"٥/١١٠"، مسلم "١٣٦/١٦٠٩"، وغيرهما [أبو داود "٣٦٣٤"، الترمذي "١٣٥٣"، ابن ماجة "٢٣٣٥"] ، من حديث أبي هريرة ولا يقال إن في منعه من أن يفعل في ملكه ما شاء إضرار به لأنا نقول هو لم يمنع من أن يفعل في ملكه ما شاء بل ممنوع من أن يضر جاره كما أن جاره ممنوع من أن يضر به فما يقتضيه الملك من جواز الانتفاع به كيف يريد مالكه مقيد بعدم الضرار وقد ثبت له على جاره مثلما ثبت له عليه ولم يجعل التقييد خاصا بأحدهما وقد حرم القرآن الكريم الضرار في عدة آيات مع اختلاف الموارد فكيف لا يثبت مثله في حق الجار مع قوله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [البقرة: ٨٣] ، إلى قوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] ، وأما استثناء المصنف من هذه الكلية قوله إلا عن قسمة فما أبرد هذا الاستثناء فإنه لم يرد دليل يدل على مزيد اختصاص المجاورة عن قسمة بحكم زائد على المجاورة لا عن قسمة ولكن تفريع أحكام الشرع إذا كان غير منظور فيها إلى ما ورد به الشرع بل إلى ما دونه الراجعون إلى محض الرأي كان على هذه الصفة. [فصل وإذا اشترك في أصل النهر أو مجاري الماء قسم على الحصص فإن تميزت وإلا مسحت الأرض وأجرة القسام على الحصص ولذي الصبابة ما فضل عن كفاية الأعلى فلا تصرف عنه ومن في ملكه حق مسيل أو إساحة لم يمنع المعتاد وإن ضر وعليه إصلاحه ويمنع المحبي لحريم العين والبئر والمسيل والدار إلا المالك لا من جر ما في ملك غيره من ملك نصيبه أو سقى بنصيبه غير ذات الحق إلا لإضرار] . قوله: "فصل: وإذا اشترك في أصل النهر" الخ. أقول: القسمة لما يتعلق به ملك أو حق ثابتة لأن ذلك يحصل العدل بين الشركاء ويصل كل ذي حق بحقه من غير تظالم فلا وجه للاعتراض على المصنف سواء أراد قسمة المجاري والقرار أو قسمة الماء الذي هو الغرض المقصود وذلك بأن يكون لبعض الشركاء هذا المجرى وللآخر هذا أو يكون لأحدهم الماء النابع من النهر في يوم وللآخر كذلك وإذا لم يمكن الوقوف على قدر الحصص مع ثبوت أصل الاشتراك فالقسمة تكون على قدر الأموال التي ثبت استحقاقها للسقي من ذلك النهر وهذا كلام ظاهر واضح لا غبار عليه. قوله: "ولذي الصبابة ما فضل عن كفاية الأعلى". أقول: وجه هذا ما أخرجه ابن ماجة وعبد الله بن أحمد والبيهقي والطبراني من عنادة أن النبي ﷺ قضى في شرب النخل من السيل إلا الأعلى يشرب قبل الأسفل ويترك الماء إلى الكعبين ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه ثم كذلك حتى تنقضي الحوائط أو

стр. 662

يفنى الماء وفي هذا الحديث انقطاع ولكنه يقر به ما أخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قضى في سيل مهزور أن يمسك حتى يبلغ الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل قال ابن حجر في الفتح إن إسناده حسن وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك وصححه من حديث عائشة وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجة من حديث ثعلبة بن أبي مالك وأخرجه أيضا عبد الرزاق في مصنفه عن أبي حاتم القرظي عن أبيه عن جده ومجموع هذه الأحاديث تقوم به الحجة فيكون امساك الأعلى للماء إلى أن يبلغ الكعبين ثم يرسله وقد ثبت في الصحيحين [البخاري"٥/٣٤، ٥/٣٨، ٥/٣٩، ٥/٣٠٩، ٨/٢٥٤"، مسلم "١٢٩/٢٣٥٧"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٦٣٧"، أحمد "٤/٤ – ٥"، الترمذي ١٣٦٣"، النسائي "٨/٢٤٥"، ابن ماجة "١٥"] ، من حديث عبد الله بن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون بها النخل فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه فاختصما عند رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزبير: "أسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك"، فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك فتلون وجه رسول الله ﷺ ثم قال للزبير: "اسق يا زبير ثم احبس حتى يرجع الماء إلى الجدر"، زاد البخاري في رواية فاستوعى رسول الله ﷺ حينئذ للزبير حقه وكان قبل ذلك قد أشار على الزبير برأي فيه سعة له وللأنصاري فلما أحفظ الأنصاري رسول الله ﷺ استوعى في صريح الحكم وفي رواية للبخاري قال ابن شهاب فقدرت الأنصار والناس قول رسول الله ﷺ : "اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر"، فكان ذلك إلى الكعبين فكان هذا الحديث الصحيح موافقا للأحاديث المتقدمة فثبت أن الأعلى يمسكه حتى يبلغ الكعبين ثم يرسله وأن الأحق بالسقي الأعلى فالأعلى. قوله: "ومن ملكه حق مسيل" الخ. أقول: وجه هذا أن الحق لما تعلق بملكه كان عليه البقاء على ما يوجبه الحق الثابت المستمر فليس له أن يمنع المعتاد ولا لصاحب الحق أن يطلب زيادة عليه وأما كون إصلاحه على من هو في ملكه فهذا مبني على أنه قد تقدم ما يوجب ذلك عليه من التراضي بينهما فإن لم يتقدم بينهما شيء فصاحب الحق هو الذي يصلح ما توصل به إلى استيفاء حقه وليس على صاحب الملك إلا بذل ملكه لإمرار الماء المعتاد فقط. قوله: "ويمنع المحيي تحريم العين" الخ. أقول: وجه هذا سبق الحق مع جري العادات بين الناس لذلك فكان المالك للعين والبئر والمسيل والدار مستحقا لما يجاورها مما يتركه الناس في أعرافهم لمن هو مالك لأحد هذه الأمور ويكون الرجوع في المقدار إلى الأعراف الغالبة إذ ليس في المقام ما يصلح للاحتجاج به والاستناد إليه وأما استثناء المصنف للمالك فليس فية كثير فائدة لأنه إنما يمنع غير صاحب الحق لا صاحبه فله أن يصنع به ما شاء. قوله: "لا من جر ماء في ملك غيره من ملك نفسه".

стр. 663

أقول: وجه هذا أنه حفر في ملكه فانسياق الماء إليه فضل من الله عزوجل فليس لمن كان الماء في ملكه أن يخاصمه لأنه لا يجد عليه سبيلا يقتضي الخصومة وهكذا من سقى بنصيبه غير ذات الحق فإنه لما كان مستحقا للسقي جاز له أن يصرفه حيث شاء ويسقي به من أراد من أملاكه حيث لا مجاوزة للمقدار المستحق وإلا كان ممنوعا من الزيادة التي زادها في السقي لغير ذات الحق ولهذا استثنى المصنف بقوله إلا الإضرار فهذا الاستثناء صواب. [فصل ويملك الماء بالنقل والإحراز أو ما في حكمهما فتتبعه أحكام الملك وهو مثلي في الأصح وما سوى ذلك فحق لمن سبق إليه قدر كفايته ولو مستخرجا من ملك في الأصح لكن يأثم الداخل إلا بإذن والأخذ على وجه يضر] . قوله: "فصل: ويملك الماء بالنقل والإحراز". أقول: قد قدمنا في باب الإحياء الأدلة الدالة على اشتراك الناس في تلك الأشياء التي من جملتها الماء ويقدم ما فيه التصريح بأنه من الأشياء التي لا يحل منعها فاقتضت هذه الأدلة أنه مشترك بين العباد ليس بعضهم أولى به من بعض فهذا هو النوع الأول من الأدلة الواردة في الماء. النوع الثاني من الأدلة: النهي عن منع فضل الماء كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ"، وفي لفظ لمسلم: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ"، وفي لفظ للبخاري: "لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلإ" وفي الباب أحاديث المجموع منها يدل على المنع من بيع فضل الماء ليتوصل بمنعه إلى المنع من الكلأ وظاهرها أنه يجوز منع غير الفضل يوجوز منع الفضل لغير منع الكلأ. النوع الثالث: ما قدمناه قريبا من أنه يجوز للأعلى أن يمسك الماء في أرضه إلى الكعبين ثم يرسله إلى من تحته فحصل من مجموع الأدلة الواردة في الماء بعد تقييد بعضها ببعض أنه يجوز للسابق إلى الماء المتقدم حقه فيه أن يمنع ما تدعو حاجته إليه ويرسل ما فضل لمن ينتفع به إما لسقي أرض أو لسقي دوابه أو للشرب منه أو للتطهر به ويزداد الإثم إذا منعه لغرض منع الكلاء فإنه قد جمع بين المنع لشيئين قد أثبت الشرع الاشتراك فيهما بين الناس وهما الماء والكلاء فالحاصل أن كل ماء موجود على ظهر الأرض فالأصل فيه الشركة بين العباد إلا قدر ما يحتاجه السابق الأحق فإن ذلك قد استثناه له الشرع وسوغه له وأما ما زاد على قدر الحاجة فليس له منعه ولا يملكه بإحراز ولا غيره بل هو متعد

стр. 664

بإحرازه لا لحاجة ومن دعت له إليه حاجة فهو أولى به وإن أحرزه بعد حرز فإن قلت قيد منع فضل الماء بأن يكون لمنع فضل الكلاء وظاهره أنه يجوز منع فضل الماء بغير منع فضل الكلاء قلت عرفت أن النبي ﷺ جعل حبس الماء للأعلى حتى يبلغ الكعبين حقا ثابتا ثم أوجب عليه إرسال ما فضل عن ذلك ولم يسوغ له حبس هذا الفاضل وكذلك صرح بأن الناس شركاء في تلك الأمور التي من جملتها الماء وأنه لا يحل منعه فجمعنا بين الأحاديث بأن السابق إلى الماء أو المستخرج له من منابعه أحق بما تدعو إليه حاجته منه وليس له غير ذلك ولم كان منع فضل الماء لمنع الكلاء من جملة الصور الممنوعة بل من أشدها لجمعه بين منكرين وعارض هذا التقييد غيره مما هو أدل على المقصود منه لم يكن صالحا للتقييد به فلا يجوز منع الفضل على كل حال وإذا تقرر لك هذا عرفت الكلام على جميع ما ذكره المصنف ﵀ في هذا الفصل.

стр. 665

باب القسمة [فصل يشترط في الصحيحة حضور المالكين أو نائبهم أو إجازتهم إلا في المكيل والموزون وتقويم المختلف وتقدير المستوى ومصير النصيب إلى المالك أو المنصوب الأمين واستيفاء المرافق على وجه لا يضر أي الشريكين حسب الإمكان وأن لا تتناول تركة مستغرق بالدين وفي الإجبار توفية النصيب من الجنس إلا في المهايأة وأن لا تتبعها قسمة إلا بالمراضاة فيهما] . قوله: "فصل: يشترط في الصحيحة" الخ. أقول: ما كان مشتركا بين جماعة من ميراث أو غيره كل واحد منهم مالك بقدر نصيبه منه فإن قسموه قسموه على قدر الأنصباء فإن كان ذلك المشترك من المكيل أو الموزون أو المذروع أو المعدود مع الاتفاق في الجنس والصفة فأمر القسمة في هذا ظاهر لا يحتاج إلى كلفة وإن كان من غير ذلك فلا يتم العدل في القسمة إلا بمعرفة القيمة ليذهب التغابن ولا بد عند القسمة من حضور كل مالك ليأخذ نصيبه أو حضور من ينوب عنه فإن كانوا لا يتهمون من حضر بخيانه من غاب كفى حضور بعضهم ولا بد أن يصير إلى كل واحد منهم ما ينتفع به بلا ضرر عليه إلا أن تلجيء الضرورة إلى ذلك بأن يكون المشترك بينهم شيئا واحدا لا يمكن انتفاع كل واحد منهم بنصيبه فسيأتي أنها تكون قسمته بينهم بالمهايأة والحاصل أن مثل هذا الباب مرجعه إلي

стр. 666

التراضي لأنه من باب استيفاء الأملاك والحقوق فإن اختصموا في شيء قطع الخصومة بينهم حكام الشريعة بما هو أقرب إلى العدل. [فصل وهي في المختلف كالبيع في الرد بالخيارات والرجوع بالمستحق ولحوق الإجازة وتحريم مقتضى الربا وفي المستوى إفراز] . قوله: "فصل: وهي المختلف كالمبيع". أقول: وجه هذا أن لكل واحد منهم نصيبا في كل عين من الأعيان المشتركة فإذا تعين بعضها لبعضهم والبعض الآخر للآخر فكأن كل واحد باع ماله في ذلك الصائر إلى غيره ممن صار إليه بعوض وهو ما صار إلى هذا الآخر من النصيب وقد عرفت أن المناط في البيع وغيره من المعاملات هو التراضي فكذا هنا فإن رضا كل واحد بما صار إليه موجب لملك الآخر لما صار إليه وأما ما ذكره من الرد بالخيارات فمبني على وجود ما يقتضي الرد في نصيب أحدهم فقط أما لو كان المقسوم بينهم معينا جميعه فليس لأحدهم أن يرد نصيبه لأن نصيب غيره كنصيبه في ذلك وأما ما ذكره من الرجوع بالمستحق فلا شك فيه لأن هذا الاستحقاق اقتضى بقاء نصيب من أخذ ذلك المستحق في أصل التركة إذ ليس هو منها. وأما قوله: "ولحوق الإجازة وتحريم مقتضى الربا" فظاهران. وأما قوله: "في المستوى إفراز" فغير ظاهر لأن العلة التي صار لها غير المستوى كالبيع حاصلة في المستوى إذ نصيب كل واحد من الشركاء ثابت في كل أجزاء المستوى كما هو ثابت في كل أجزاء المختلف ثم أعلم أن هذا التشبيه لها بالبيع هو خاص بهذه الأحكام التي ذكر المصنف في هذا الفصل فلا يكون كالبيع في غيرها وقد بين ذلك أوضح بيان بقوله هي في المختلف كالبيع في كذا وكذا الخ فلا يرد عليه الاعتراض بغير ما قد بينه هنا. [فصل ولا يجابون إن عم ضرها ولا رجوع إن فعلوا فإن عم نفعها أو طلبها المنتفع أجيبوا ويكفي قسام وعدلان والأجرة على الحصص وبها يأما تضره ويحصص كل جنس في الأجناس وبعض في بعض في الجنس وإن تعدد للضرورة أو الصلاح وإذا اختلفت الأنصباء في أرض أخرج الاسم على الجزء وإلا فمخير ولا يدخل حق لم يذكر

стр. 667

فيبقى كما كان ومنه البذر والدفين ولا يقسم الفرع دون الأصل والثابت دون المنبت والعكس إلا بشرط القطع وإن بقي أو الأرض دون الزرع ونحوه ويبقى بالأجرة وعلى رب الشجرة أن يرفع أغصانها عن أرض الغير ولا تملك بمجرد الشرط فإن ادعى الهواء حقا فالبينة عليه وهي على مدعي الغبن والضرر والغلط وتسمع من حاضر في الغبن] . قوله: "فصل: ولا يجابون إن عم ضررها". أقول: لأن الضرر ممنوع شرعا فطلب الجميع للضرر وإن كان كل واحد قد رضي بضرار نفسه لكن لا حكم لرضائه بضرار غيره بل الظاهر انه لا يجاب طالب الضرار فيما يضر نفسه فقط لما ورد في الضرار عموما وخصوصا كتابا وسنة وبهذا تعرف أنه لا وجه لقوله ولا رجوع إن فعلوا بل لهم دفع الضرار عن أنفسهم ودفع ما يحل نزوله بهم ما لم يحدث بهذا الرجوع ضرار كالضرار الأول أو أشد منه. وأما قوله: "فإن عم نفعها" فمسلم أنهم يجابون إلى ذلك. وأما قوله: "أو طلبها المنتفع أجيبوا" فإن كان انتفاعه يستلزم إنزال الضرر بغيره فلا يجاب بل ينظر في وجه يكون به الخلاص من ضرار غيره من إيصاله إلى نفع نفسه إما ببيع للمشترك من الغير وقسمة ثمنه أو بمصيره إلى أحد الشركاء وتسليم حصته الآخر ثمنا لا عينا. قوله: "ويكفي قسام وعدلان". أقول: إن تشاجروا فلا يقطع خصومتهم إلا قسام يقسم بينهم ويوصل كل ذي حق بحقه وعدلان يقومان ما يحتاج إلى التقويم وأما إذا لم يتشاجروا وتراضوا فيما بينهم فلا يحتاج إلى قسام ولا إلى عدول للتقويم لأن التراضي هو كما عرفناك المناط المقتضي لتحليل بعض أموال العباد لبعض وليس لبعضهم أن يطلب من بعد غير ما قد رضي به. وأما قوله: "والأجرة على قدر الحصص" فإذا لم يتورع القسام ويترك طلب الأجرة للحديث الوارد في الزجر عن ذلك فأخذ الأجرة من كل واحد من المشتركين على قدر نصيبه أعدل من أخذها على خلاف هذا الوجه. قوله: "ويها يأما تضره القسمة". أقول: إن وقع الرضا من الشركاء بذلك فلا بأس وإن طلبوا ما هو أقطع للشركة وأنفع لأهلها من مصير تلك العين التي تضرها القسمة إلى واحد منهم ولو بالقرعة وتسليم حصة الآخرين من الثمن كان لهم ذلك وهكذا بيعها من الغير وقسمة ثمنها بينهم والحاصل أنه ينبغي السعي فيما فيه الصلاح لهم وقطع الخصومة الكائنة بينهم فإن بقاء الشركة مظنة لحدوث ما عساه ينتهي إلى الشجار والضرار. وأما قوله: "ويحصص كل جنس" الخ فوجهه أن لكل واحد منهم نصيبا في ذلك الجنس فإذا طلب مصيره إليه كان طالبا لحق ما لم يحصل بذلك ضرار للشركاء أو لبعضهم وهكذا

стр. 668

الجنس الواحد لكل واحد أن يطلب نصيبه منه إلا إذا كان ذلك يوجب ضررا فإنه يقسم بعضه في بعض كما قال المصنف للضرورة أو الصلاح. والحاصل أن دفع ما فيه مفسدة على الشركاء أو بعضهم وجلب ما فيه مصلحة لهم متعين على متولي القسمة بينهم ومن طلب منهم ما فيه مفسدة أو ذهاب مصلحة كان حقيقا بالعقوبة حتى يرجع عن ذلك. وأما قوله: "وإن اختلف الأنصباء أخرج الاسم على الجزء" فهذا وجه ما فيه رعاية المصلحة لهم ودفع المفسدة عنهم أو عن بعضهم وإذا أمكن ما هو أصلح من هذا فعله. قوله: "ولا يدخل حق لم يذكر" الخ. أقول: القسمة هي إيصال كل شريك بنصيبه من الملك وما يتبعه فلا وجه لقوله ولا يدخل حق لم يذكر بل كل حق يتبع ما هو متعلق به وإلا كان ذلك مقتضيا لخلل القسمة لأنه لم يحصل الإيصال التام والانفصال الحاسم للخصام فيتبع كل أرض طرقها وسواقيها وصباباتها وشربها ويتبع كل دار طرقها ونحوها فإن كان بعض الحقوق تؤدي قسمته إلى الضرار لم تجز قسمته وبقي مشتركا بينهم وينتفع كل واحد منهم به بقدر نصيبه لكن من هذه الحيثية لا من الحيثية التي ذكرها المصنف وهي أنه لا يدخل حق لم يذكر وأما البذر والدفين فإن كان مشتركا بين المقتسمين فلا وجه لبقائه بل يقسم بينهم على قدر الأنصباء إن كانا لواحد منهم أو لغيرهم فليسا مما نحن بصدده وتكون قسمة البذر يتعين نصيب مما يخرج منه لكل واحد منهم بقدر نصيبه وأما الدفين فيستخرج ويقسم كائنا ما كان. قوله: "ولا يقسم الفرع دون الأصل" الخ. أقول: لما في ذلك من الضرار والقسمة إنما شرعت لدفعه وهكذا قسمة النابت دون المنبت وهكذا العكس في الأمرين لأن ذلك كله موجب للخصومة المفضية إلى الضرار بالبعض أو الكل وشرط القطع وإن خفف شيئا من هذه المفسدة لكن لا ينبغي جعله مسوغا وهكذا الأرض دون الزرع لاستلزامه لذلك في الغالب ولكون القسمة غير تامة لعدم استيفاء ما يحتاج إلى استيفائه. وأما قوله: "وعلى رب الشجرة أن يرفع أغصانها عن أرض الغير" فوجهه ظاهر لأنها إذا خرجت الأرض في نصيب أحد الشركاء وخرجت الأرض المجاورة لها التي فيها الشجرة في ملك الآخر كان في إظلالها لأرض صاحب الأرض ضرر عظيم عليه فإن ذلك يؤدي إلى أنها لا تزرع ولا تصلح لغرس الشجر وهكذا غير الشركاء المقتسمين فإنه يجب على رب الشجرة أن يرفع أغصانها عن ملك غيره لما قدمنا من حصول الضرر بذلك ولا يجوز إقرار ما استرسل من الشجر على هواء أرض الغير إلا إذا وقع التراضي والتسامح فإن ادعى رب الشجر أن الهواء حق له فهو يدعي خلاف الظاهر فعليه البينة وأما كون البينة على مدعي الغبن والغلط والضرر فظاهر لأن كل واحد منهم يدعي خلاف الظاهر وأما كونها لا يسمع للدعوى من حاضر في الغبن

стр. 669

فوجهه أن حضوره يدل على خلاف ذلك ولكن لا وجه للمنع من سماع دعواه إذا برهن على ذلك وغاية ما يستفاد من حضوره أن لا يكون القول قوله وأن تكون البينة عليه ولعل المصنف جعل الحضور في القسمة كتولي الملكف للبيع بنفسه وقد تقدم أنه لا يسمع منه دعوى الغبن وقد قدمنا هنا لك ما ينبغي الرجوع إليه والتذكرة له.

стр. 670

كتاب الرهن [شروطه القعد بني جائزي التصرف ولو معلقا أو مؤقتا ويلغو شرط خلاف موجبه وفيه الخيارات والقبض في المجلس أو غيره بالتراضي ويستقر بثبوت الدين قيل وبحلوله قيل وبفوات العين وكونه مما يصح بيعه إلا وفقا وهديا وأضحية صح بيعها والمؤجرة والمزوجة من غيرهما وغير عبديهما والفرع دون الأصل والنابت دون المنبت والعكس إلا بعد القطع وجزءا مشاعا إلا كله فيصح ولو رهن من اثنين فيقتسمان أو يتهايئان حسب الحال ويضمن كل منهما كله ويبقى ضمان المستوفي لا المبريء أو واحد فيضمن كله ويحبسه حتى يستوفي منهما فإن طرأ الشياع فسد] . قوله: "شروطه العقد بين جائزي التصرف". أقول: لا سبب هنا يتقضي اشتراط العقد كما يفعلونه في الأبواب التي توجب انتقال الملك لأنه لا انتقال هنا بل الرهن باق على ملك مالكه وغاية ما يعتبر هو التراضي بين الراهن والمرتهن على الرهينة وأما كونه بين جائزي التصرف فلا بد من ذلك لتوقف صحة التراضي عليه. وأما قوله: "ولو معلقا" فلا مانع من ذلك من شرع ولا عقل. وأما قوله: "ويلغو شرط خلاف موجبه" فوجهه أن موجبه أن يبقى بيد المرتهن حتى يستوفي دينه من الراهن فإذا شرط ما يخالف ذلك فقد شرط ما يرفع موجب الرهن وهو البقاء بيد المرتهن وهكذا كان رهنه ﷺ كما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال رهن رسول الله ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله وفي الصحيحين [البخاري "٥/١٤٥"، مسلم "٧/٢٨٨"، وغيرهما ابن ماجة "٢٤٣٧"، أحمد "٣/١٣٣"، من حديث عائشة أن النبي ﷺ اشترى
следующие страницы →