Полный текст (1 078 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
التراضي لأنه من باب استيفاء الأملاك والحقوق فإن اختصموا في شيء قطع الخصومة بينهم حكام الشريعة بما هو أقرب إلى العدل.
[فصل
وهي في المختلف كالبيع في الرد بالخيارات والرجوع بالمستحق ولحوق الإجازة وتحريم مقتضى الربا وفي المستوى إفراز] .
قوله: "فصل: وهي المختلف كالمبيع".
أقول: وجه هذا أن لكل واحد منهم نصيبا في كل عين من الأعيان المشتركة فإذا تعين بعضها لبعضهم والبعض الآخر للآخر فكأن كل واحد باع ماله في ذلك الصائر إلى غيره ممن صار إليه بعوض وهو ما صار إلى هذا الآخر من النصيب وقد عرفت أن المناط في البيع وغيره من المعاملات هو التراضي فكذا هنا فإن رضا كل واحد بما صار إليه موجب لملك الآخر لما صار إليه وأما ما ذكره من الرد بالخيارات فمبني على وجود ما يقتضي الرد في نصيب أحدهم فقط أما لو كان المقسوم بينهم معينا جميعه فليس لأحدهم أن يرد نصيبه لأن نصيب غيره كنصيبه في ذلك وأما ما ذكره من الرجوع بالمستحق فلا شك فيه لأن هذا الاستحقاق اقتضى بقاء نصيب من أخذ ذلك المستحق في أصل التركة إذ ليس هو منها.
وأما قوله: "ولحوق الإجازة وتحريم مقتضى الربا" فظاهران.
وأما قوله: "في المستوى إفراز" فغير ظاهر لأن العلة التي صار لها غير المستوى كالبيع حاصلة في المستوى إذ نصيب كل واحد من الشركاء ثابت في كل أجزاء المستوى كما هو ثابت في كل أجزاء المختلف ثم أعلم أن هذا التشبيه لها بالبيع هو خاص بهذه الأحكام التي ذكر المصنف في هذا الفصل فلا يكون كالبيع في غيرها وقد بين ذلك أوضح بيان بقوله هي في المختلف كالبيع في كذا وكذا الخ فلا يرد عليه الاعتراض بغير ما قد بينه هنا.
[فصل
ولا يجابون إن عم ضرها ولا رجوع إن فعلوا فإن عم نفعها أو طلبها المنتفع أجيبوا ويكفي قسام وعدلان والأجرة على الحصص وبها يأما تضره ويحصص كل جنس في الأجناس وبعض في بعض في الجنس وإن تعدد للضرورة أو الصلاح وإذا اختلفت الأنصباء في أرض أخرج الاسم على الجزء وإلا فمخير ولا يدخل حق لم يذكر
стр. 667
فيبقى كما كان ومنه البذر والدفين ولا يقسم الفرع دون الأصل والثابت دون المنبت والعكس إلا بشرط القطع وإن بقي أو الأرض دون الزرع ونحوه ويبقى بالأجرة وعلى رب الشجرة أن يرفع أغصانها عن أرض الغير ولا تملك بمجرد الشرط فإن ادعى الهواء حقا فالبينة عليه وهي على مدعي الغبن والضرر والغلط وتسمع من حاضر في الغبن] .
قوله: "فصل: ولا يجابون إن عم ضررها".
أقول: لأن الضرر ممنوع شرعا فطلب الجميع للضرر وإن كان كل واحد قد رضي بضرار نفسه لكن لا حكم لرضائه بضرار غيره بل الظاهر انه لا يجاب طالب الضرار فيما يضر نفسه فقط لما ورد في الضرار عموما وخصوصا كتابا وسنة وبهذا تعرف أنه لا وجه لقوله ولا رجوع إن فعلوا بل لهم دفع الضرار عن أنفسهم ودفع ما يحل نزوله بهم ما لم يحدث بهذا الرجوع ضرار كالضرار الأول أو أشد منه.
وأما قوله: "فإن عم نفعها" فمسلم أنهم يجابون إلى ذلك.
وأما قوله: "أو طلبها المنتفع أجيبوا" فإن كان انتفاعه يستلزم إنزال الضرر بغيره فلا يجاب بل ينظر في وجه يكون به الخلاص من ضرار غيره من إيصاله إلى نفع نفسه إما ببيع للمشترك من الغير وقسمة ثمنه أو بمصيره إلى أحد الشركاء وتسليم حصته الآخر ثمنا لا عينا.
قوله: "ويكفي قسام وعدلان".
أقول: إن تشاجروا فلا يقطع خصومتهم إلا قسام يقسم بينهم ويوصل كل ذي حق بحقه وعدلان يقومان ما يحتاج إلى التقويم وأما إذا لم يتشاجروا وتراضوا فيما بينهم فلا يحتاج إلى قسام ولا إلى عدول للتقويم لأن التراضي هو كما عرفناك المناط المقتضي لتحليل بعض أموال العباد لبعض وليس لبعضهم أن يطلب من بعد غير ما قد رضي به.
وأما قوله: "والأجرة على قدر الحصص" فإذا لم يتورع القسام ويترك طلب الأجرة للحديث الوارد في الزجر عن ذلك فأخذ الأجرة من كل واحد من المشتركين على قدر نصيبه أعدل من أخذها على خلاف هذا الوجه.
قوله: "ويها يأما تضره القسمة".
أقول: إن وقع الرضا من الشركاء بذلك فلا بأس وإن طلبوا ما هو أقطع للشركة وأنفع لأهلها من مصير تلك العين التي تضرها القسمة إلى واحد منهم ولو بالقرعة وتسليم حصة الآخرين من الثمن كان لهم ذلك وهكذا بيعها من الغير وقسمة ثمنها بينهم والحاصل أنه ينبغي السعي فيما فيه الصلاح لهم وقطع الخصومة الكائنة بينهم فإن بقاء الشركة مظنة لحدوث ما عساه ينتهي إلى الشجار والضرار.
وأما قوله: "ويحصص كل جنس" الخ فوجهه أن لكل واحد منهم نصيبا في ذلك الجنس فإذا طلب مصيره إليه كان طالبا لحق ما لم يحصل بذلك ضرار للشركاء أو لبعضهم وهكذا
стр. 668
الجنس الواحد لكل واحد أن يطلب نصيبه منه إلا إذا كان ذلك يوجب ضررا فإنه يقسم بعضه في بعض كما قال المصنف للضرورة أو الصلاح.
والحاصل أن دفع ما فيه مفسدة على الشركاء أو بعضهم وجلب ما فيه مصلحة لهم متعين على متولي القسمة بينهم ومن طلب منهم ما فيه مفسدة أو ذهاب مصلحة كان حقيقا بالعقوبة حتى يرجع عن ذلك.
وأما قوله: "وإن اختلف الأنصباء أخرج الاسم على الجزء" فهذا وجه ما فيه رعاية المصلحة لهم ودفع المفسدة عنهم أو عن بعضهم وإذا أمكن ما هو أصلح من هذا فعله.
قوله: "ولا يدخل حق لم يذكر" الخ.
أقول: القسمة هي إيصال كل شريك بنصيبه من الملك وما يتبعه فلا وجه لقوله ولا يدخل حق لم يذكر بل كل حق يتبع ما هو متعلق به وإلا كان ذلك مقتضيا لخلل القسمة لأنه لم يحصل الإيصال التام والانفصال الحاسم للخصام فيتبع كل أرض طرقها وسواقيها وصباباتها وشربها ويتبع كل دار طرقها ونحوها فإن كان بعض الحقوق تؤدي قسمته إلى الضرار لم تجز قسمته وبقي مشتركا بينهم وينتفع كل واحد منهم به بقدر نصيبه لكن من هذه الحيثية لا من الحيثية التي ذكرها المصنف وهي أنه لا يدخل حق لم يذكر وأما البذر والدفين فإن كان مشتركا بين المقتسمين فلا وجه لبقائه بل يقسم بينهم على قدر الأنصباء إن كانا لواحد منهم أو لغيرهم فليسا مما نحن بصدده وتكون قسمة البذر يتعين نصيب مما يخرج منه لكل واحد منهم بقدر نصيبه وأما الدفين فيستخرج ويقسم كائنا ما كان.
قوله: "ولا يقسم الفرع دون الأصل" الخ.
أقول: لما في ذلك من الضرار والقسمة إنما شرعت لدفعه وهكذا قسمة النابت دون المنبت وهكذا العكس في الأمرين لأن ذلك كله موجب للخصومة المفضية إلى الضرار بالبعض أو الكل وشرط القطع وإن خفف شيئا من هذه المفسدة لكن لا ينبغي جعله مسوغا وهكذا الأرض دون الزرع لاستلزامه لذلك في الغالب ولكون القسمة غير تامة لعدم استيفاء ما يحتاج إلى استيفائه.
وأما قوله: "وعلى رب الشجرة أن يرفع أغصانها عن أرض الغير" فوجهه ظاهر لأنها إذا خرجت الأرض في نصيب أحد الشركاء وخرجت الأرض المجاورة لها التي فيها الشجرة في ملك الآخر كان في إظلالها لأرض صاحب الأرض ضرر عظيم عليه فإن ذلك يؤدي إلى أنها لا تزرع ولا تصلح لغرس الشجر وهكذا غير الشركاء المقتسمين فإنه يجب على رب الشجرة أن يرفع أغصانها عن ملك غيره لما قدمنا من حصول الضرر بذلك ولا يجوز إقرار ما استرسل من الشجر على هواء أرض الغير إلا إذا وقع التراضي والتسامح فإن ادعى رب الشجر أن الهواء حق له فهو يدعي خلاف الظاهر فعليه البينة وأما كون البينة على مدعي الغبن والغلط والضرر فظاهر لأن كل واحد منهم يدعي خلاف الظاهر وأما كونها لا يسمع للدعوى من حاضر في الغبن
стр. 669
فوجهه أن حضوره يدل على خلاف ذلك ولكن لا وجه للمنع من سماع دعواه إذا برهن على ذلك وغاية ما يستفاد من حضوره أن لا يكون القول قوله وأن تكون البينة عليه ولعل المصنف جعل الحضور في القسمة كتولي الملكف للبيع بنفسه وقد تقدم أنه لا يسمع منه دعوى الغبن وقد قدمنا هنا لك ما ينبغي الرجوع إليه والتذكرة له.
стр. 670
كتاب الرهن
[شروطه
القعد بني جائزي التصرف ولو معلقا أو مؤقتا ويلغو شرط خلاف موجبه وفيه الخيارات والقبض في المجلس أو غيره بالتراضي ويستقر بثبوت الدين قيل وبحلوله قيل وبفوات العين وكونه مما يصح بيعه إلا وفقا وهديا وأضحية صح بيعها والمؤجرة والمزوجة من غيرهما وغير عبديهما والفرع دون الأصل والنابت دون المنبت والعكس إلا بعد القطع وجزءا مشاعا إلا كله فيصح ولو رهن من اثنين فيقتسمان أو يتهايئان حسب الحال ويضمن كل منهما كله ويبقى ضمان المستوفي لا المبريء أو واحد فيضمن كله ويحبسه حتى يستوفي منهما فإن طرأ الشياع فسد] .
قوله: "شروطه العقد بين جائزي التصرف".
أقول: لا سبب هنا يتقضي اشتراط العقد كما يفعلونه في الأبواب التي توجب انتقال الملك لأنه لا انتقال هنا بل الرهن باق على ملك مالكه وغاية ما يعتبر هو التراضي بين الراهن والمرتهن على الرهينة وأما كونه بين جائزي التصرف فلا بد من ذلك لتوقف صحة التراضي عليه.
وأما قوله: "ولو معلقا" فلا مانع من ذلك من شرع ولا عقل.
وأما قوله: "ويلغو شرط خلاف موجبه" فوجهه أن موجبه أن يبقى بيد المرتهن حتى يستوفي دينه من الراهن فإذا شرط ما يخالف ذلك فقد شرط ما يرفع موجب الرهن وهو البقاء بيد المرتهن وهكذا كان رهنه ﷺ كما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة قال رهن رسول الله ﷺ درعا له عند يهودي بالمدينة وأخذ منه شعيرا لأهله وفي الصحيحين [البخاري "٥/١٤٥"، مسلم "٧/٢٨٨"، وغيرهما ابن ماجة "٢٤٣٧"، أحمد "٣/١٣٣"، من حديث عائشة أن النبي ﷺ اشترى
стр. 671
طعاما من يهودي إلى أجل ورهنه درعا من حديد وفي لفظ لهما [البخاري "٢٩١٦"، مسلم "١٦٠٣"] ، توفي ﷺ ودرعه مرهون عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير وأما كون فيه الخيارات فوجهه أن الراهن قد يمطل في الدين او يفلس فيصير الرهن للمرتهن بهذا السبب فله أن يرده بالعيب ونحوه وقد يكوب سبب ما يوجب الخيار فيه ناقصا عن الوفاء بدين المرتهن فيطلب إبداله بما يفي بدينه.
وأما قوله: "والقبض في المجلس" فوجهه أنه لا يكون الرهن رهنا إلا بقبض المرتهن له لأنه باق على ملك الراهن فلا يثبت به الحق للمرتهن إلا بالتراضي مع القبض ولا يحتاج مثل هذا إلى الاستدلال لأن ماهية الرهينة لا توجد إلا بذلك وأما اعتبار المجلس فلا وجه له إلا مجرد الخيال بما يزعمونه من اشتراط العقد وقد أحسن المصنف بتعقيبه بقوله أو بعده مع التراضي فإن الرهن ليس هو إلا التراضي مع القبض حتى يثبت تعلق الحق للمرتهن به وليس في حديث: "الرهن يركب ودره يشرب وعلى الذي يركب ويشرب نفقته" ما يدل على عدم اشتراط القبض لأن الرهن غير مراد بهذا الحديث لكونه ملكه وعلى المالك إنفاق ملكه فكيف جعل عليه النفقة في مقابل الشرب والركوب وأيضا ورد في لفظ من ألفاظ هذا الحديث عند أحمد: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها" وأما كونه يستقر ثبوت الدين فوجهه أنه لا يصدق عليه مسمى الرهن إلا بذلك لأنه لا يكون إلا في مقابلة دين ثابت على الراهن فقبل ثبوته عليه ليس برهن وإنما هو مهيأ للرهنية.
وأما قوله: "وبفوات العين" فلا وجه له بل يستقر رهنا بمجرد قبض الراهن لتلك العين التي وقع الرهن لها فليس للراهن استرجاعه إلا برد العين وهذا هو المعنى الاستقراري استقرار الرهينة وتسلط المرتهن على حبس الرهن وأما الضمان فباب آخر وأما اشتراط كون الرهن مما يصح بيعه فلا وجه له بل ينبغي أن يقال وكونه مما يصح تملكه حتى إذا عجز الراهن عن الوفاء أو أفلس صار الرهن ملكا للمرتهن ولو قال المصنف هكذا لم يحتج إلى قوله: إلا وقفا الخ وقد طول المقال في الصور المستثناة.
[فصل
ولا يصح في عين إلا بعد التضمين ويكفي طلبه من المستعير والمستآم لا الوديع والمستأجر ولا في وجه وجناية عبد وتبرعا بغير أمر وإضافة وكل فوائده رهن مضمون لا كسبه ومؤنه كلها على الراهن فإن اتفق المرتهن فكالشريك] .
قوله: " فصل: "ولا يصح في عين" الخ.
أقول: إذا كان المطلوب من المراهنة هو أن يتوثق المرتهن بما صار من ماله عند الراهن فلا
стр. 672
فرق بين عين ودين لوجود الغرض من المراهنة فيهما ومن ادعى أنه لا يكون إلا في دين فعليه الدليل ولا ينفعه ورود الرهن في الدين فإن ذلك لا ينفي صحته في العين ولا يصلح للمانعية ثم ما ذكره من الاكتفاء بطلب الرهن في التضمين للمستعير والمستام دون الوديع والمستأجر لا وجه له ولا يرجع إلى رواية ولا رأي صحيح وقد قدمنا الكلام على هذا في الفصل الذي عقده في الإجارة لمن يضمن ومن لا يضمن.
وأما قوله: "ولا في وجه" فظاهر لأنه لم يكن قد تعلق بذمة كفيل الوجه ما يقتضي الاستيثاق منه بالرهن.
وأما قوله: "وجناية عبد" فلا وجه للمنع منه لأنه قد تعلق أرش تلك الجناية بمال السيد وإن اختار تسليم رقبة العبد لأنها مال من جملة ماله ولا منافاة بين تعلقها برقبة العبد وبين كونها متعلقة بمال السيد وإنما هذه الفروقات والتفريعات كثيرا ما تقع مبنية على غير أساس.
وأما قوله وتبرعا بغير أمر وإضافة فصحيح لأنه مع عدم الأمرين لا يكون رهنا عن الذي عليه الدين أما لو أمره أو أضافه إليه وأجاز فظاهر أن ذلك يصح.
قوله: "وكل فوائده رهن مضمون".
أقول: قد قدمنا ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه كان يقول: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، وقد قدمنا أنه ثبت في رواية بلفظ: "إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب وعلى الذي يشرب نفقته"، فكانت هذه الرواية معينة للمراد بالحديث وهو أن الفوائد للمرتهن والمؤن عليه ومما يؤيد هذا أنه لا معنى لكون الراهن يركب ويشرب إلى مقابل النفقة فإن الرهن ملكه فلا ينفق على ملكه بعوض ولا يعارض هذا حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه"، أخرجه الشافعي والدارقطني وحسن إسناده والحاكم والبيهقي وابن حبان في صحيحه وله طرق ولكن محل الحجة منه قوله: "له غنمه وعليه غرمه"، وقد اختلف في رفع هذه الزياد ووقفها وصرح ابن وهب راوي هذا الحديث بأن هذه الزيادة من قول سعيد بن المسيب وهكذا صرح أبو داود في المراسيل أنه من كلام سعيد بن المسيب فالرجوع إلى الحديث الأول مع صحته هو المتعين فتكون الفوائد المنصوص عليها في الحديث للمرتهن ويلحق غيرها من الفوائد بها بالقياس بعدم الفارق والكسب من جملتها فلا وجه للفرق بينه وبينها فتكون كلها للمرتهن والمؤن عليه من نفقة وغيرها مما تدعو إليه حاجة الرهن.
[فصل
وهو كالوديعة إلا في جواز الحبس وأنه في العقد الصحيح ولو مستأجرا أو مستعارا لذلك ولم يخالف المالك مضمون كله ضمان الرهن إن تلف بأوفر قيمه من القبض إلى التلف
стр. 673
والجناية إن أتلف وفي نقصان بغير السعر يسيرا الأرش غالبا وكثيرا التخيير ويساقط الدين إلا لمانع وعلى مستعمله منهما إلا بإذن الآخر الأجرة وتصير رهنا ولا تصرف للمالك فيه بوجه إلا بإذن المرتهن فإن فعل نقض كالنكاح إلا العتق والاستيلاد على الخلاف]
قوله: "فصل: وهو كالوديعة".
أقول: يرد أنه كالوديعة في أمر خاص وهي عدم جواز انتفاع المرتهن به وتصرفه فيه لا في جواز حبسه له حتى يستوفي دينه فإن ذلك هو موضع الرهن.
وأما قوله: "وفي أنه في العقد الصحيح" فمبني على أنه لا بد من العقد وقد عرفناك أنه لا وجه لذلك.
وأما قوله: "ولو مستأجرا أو مستعارا لذلك" فظاهر أنه لا فرق بين كون الرهن ملكا للراهن أو أنه استأجره أو استعاره ليرهنه فإن الكلام واحد في ضمان المرتهن عند من قال بضمانه وإن اختلف الحال فيما بين الراهن ومن استأجر منه الرهن أو استعاره منه.
وأما قوله: "مضمون كله ضمان الرهن إن تلف بأوفر قيمة من القبض إلى التلف" فمن ساقط التفريع وزائف الرأي وخبط الاجتهاد يا لله العجب كيف يكون هذا الضمان المشدد المؤكد الذي جاوز حد كل ضمان في الأبواب التي قد حصل فيها سبب من أسباب الضمان الشرعية كالغصب فلو أن رجلا ارتهن عينا وتوثق ببقائها لديه حتى يستوفي دينه ثم تلف بغير جناية ولا تفريط بأمر سماوي فهل يسوغ هذا شرع أو يقبله عقل أو يستحسنه رأي وقد عرفناك أن أموال العباد معصومة بعصمة الإسلام لا يحل لمسلم أن يحلها لغيره أو يستحلها بغير شرع واضح وإلا كان من أكل أموال الناس بالباطل أو تأكيلها وإذا عرفت هذا فلا ضمان على المرتهن إلا لجناية أو تفريط لأنه قد تسبب بذلك إلى تلفها ولا يضمن غير ذلك كائنا ما كان لأنه أخذها بإذن مالكها في حق أثبته له الشرع وهو التوفق ببقائها لديه في دينه الذي انتفع به مالكها.
وأما قوله: "وعلى مستعمله منهما" الخ فقد عرفت ما تقدم في فوائد الرهن والركوب استعمال للرهن وقد تقدم النص عليه في الحديث وأما استعماله على وجه ينقص به كلبس الثوب فلا يجوز ذلك للمرتهن فإن فعل لزمه أرش النقض فيما نقص بالاستعمال وأما الراهن فلا يجوز له ذلك لأن الرهن في حبس المرتهن فإن فعل فلا شيء عليه لأنه استعمل ملكه وأما كونه لا ينفذ للمالك فيه تصرف فظاهر لأن تصرفه فيه ببيع أو نحوه يخالف موجب الرهن فإن أذن المرتهن فقد رضي لنفسه بترك حقه المتعلق بالرهن من الحبس له حتى يستوفي دينه فإن فعل كان للمرتهن نقضه وأما استثناء العتق والاستيلاد فالظاهر أنهما لا ينفذان في الحال لأن حق المرتهن سابق لهما فإن انتهى الحال إلى رجوع الرهن للراهن نفذ وإلا فلا يثبت للعبد أو الأمة حكم الحرية ولا تصير أم الولد أم ولد بذلك.
стр. 674
[فصل
وإذا قارن التسليط العقد لم ينعزل إلا بالوفاء وإلا صح بالموت أو اللفظ وإيفاء البعض أمارة ويد العدل يد المرتهن غالبا وإذا باعه غير متعد للإيفاء أو لرهن الثمن وهو في غير يد الراهن فثمنه وفاء أو رهن مضمون وهو قبل التسليم مضمون غالبا] .
قوله: "فصل: وإذا قارن التسليط العقد" الخ.
أقول: مجرد وقوع التسليط مسوغ للمرتهن أن يبيع الرهن في الوقت الذي عينه له أو مطلقا مع عدم التعيين واشتراط المقارنة ليس إلا لمراعاة الأمور اللفظية التي قد عرفناك غير مرة أنها لا تراعى ولا تؤثر بل التراضي هو المناط الشرعي في المعاملات وما ترتب عليها من التصرفات فإذا قال الراهن للمرتهن إذا لم أوفك بدينك في وقت كذا فالرهن لك به كان ذلك موجبا لثبوت ملكه للرهن ولا يشترط غير ذلك وهكذا إذا قال له إذا لم أوفك بالدين إلى وقت كذا فقد سلطتك على بيع هذا الرهن واستوف من ثمنه دينك كان هذا صحيحا والزائد والناقص يتراجعان فيه وبهذا تعرف أنه لا فرق بين التسليط المقارن للعقد أي لوقت الرهن وبين المتقدم عليه والمتأخر عنه فالكل تجارة عن تراض وإذا سلم الراهن بعض الدين وقبضه المرتهن فقد رضي لنفسه بعدم التسليط على ما يقابل ذلك القدر الذي قبضه فلا يجوز له بيع ما يقابله من الرهن وله بيع ما يقابل الباقي من الدين إذا لم يسلم الراهن ما بقي عليه من الدين.
وأما قوله: "ويد العدل يد المرتهن" فينبغي أن يقال إن يده يد لهما فإن تراضيا على أن الفوائد تكون له إلى مقابل نفقة الرهن ونحوها فذاك وإن لم يتراضيا فالفوائد للمرتهن والمؤن عليه على ما قدمنا ولا يجوز له تمكين أحدهما منه إلا بعد تسليم الدين لأن ذلك هو الذي يقتضيه وضعه له على يد العدل.
وأما قوله: "وإذا باعه غير متعد للإيفاء أو لرهن الثمن فثمنه وفاء أو رهن مضمون" فظاهر لأنه إذا بيع الإيفاء صار ثمنه مكان دين المرتهن وإن بيع لسبب موجب لبيعه ليكون الرهن هو ثمنه فحكم هذا الثمن حكم الرهن الذي هو ثمن له في الرهنية وليس لهذا الكلام كثير فائدة لا سيما على ما قررناه في هذا البحث.
[فصل
ولا يضمن المرتهن إلا جناية العقور إن فرط وإلا فعلى الراهن إن لم تهدر ولا يخرجه عن صحة الرهنية والضمان إلا أن يجب القصاص أو التسليم والمالك متمكن من الإيفاء أو الإبدال وكذا لو تقدمت العقد ويخرجه عنهما الفسخ وسقوط الدين بأي وجه
стр. 675
وزوال القبض بغير فعله إلا المنقول غالبا ط ويعود إن عاد ولا يطالب قبله الراهن ومجرد الإبدال عند م ومن الضمان فقط بمصيره إلى الراهن غصبا أو أمانة أو أتلفه وعليه عوضه لا تعجيل المؤجل وهو جائز من جهة المرتهن وتصح الزيادة فيه وفيما هو فيه والقول للراهن في قدر الدين ونفيه ونفي الرهنية والقبض والإقباض حيث هو في يده والعيب والرد والعين غالبا ما لم يكن المرتهن قد استوفى ورجوع المرتهن عن الإذن بالبيع وفي بقائه غالبا وللمرتهن في إطلاق التسليط والثمن وتوقيته وقدر القيمة والأجل وفي أن الباقي الرهن وبعد الدفع في أن ما قبضه ليس عما فيه الرهن أو الضمين وفي تقدم العيب غالبا وفي فساد العقد مع بقاء الوجه كرهنيته خمرا وهي باقية] .
قوله: "فصل: ولا يضمن المرتهن إلا جناية العقور إن فرط".
أقول: هذا صحيح وقد قدمنا أنه لا يضمن إلا ما جنى أو فرط فإذا فرط في حفظ العقور كان هذا التفريط أحد السببين الموجبين لثبوت الضمان عليه وإذا لم يحصل منه تفريط فضمان ما جناه العقور على مالكه وهو الراهن لأن كونه عقورا يوجب ثبوت الضمان عليه وإذا كان الرهن عبدا فجنى ما يوجب القصاص وجب تسليمه للقصاص وإذا اختار المجني عليه الأرش كان متعلقا برقبة العبد ووجب تسليمها إليه.
وأما قوله: "والمالك متمكن من الإيفاء أو الإبدال" فوجهه أنه قد تعلق بهذا الرهن حق المرتهن فيحسبه حتى يستوفي دينه أو يبدله الراهن برهن آخر فإن لم يتمكن الراهن من أحد الأمرين استسعى العبد بما تلعق برقبته حتى يوفي ما عليه من أرش الجناية ويبقى رهنا هذا أعدل ما يقال وأحسن ما يقضى به ويكون تعلق المرتهن به مسوغا لمثل ذلك ليحصل الوفاء بالحقين ولا ظلم على العبد فهو إنما استسعي بجناية.
وأما قوله: "ولو تقدمت العقد" فلا وجه له فإن تقدم الجناية على الرهن قد أوجب تعلقها برقبة العبد فكان المجني عليه أحق بها ولم يكن إذ ذاك قد عارض هذا الحق في رقبته ما هو حق للمرتهن فالراهن عند رهنه له كأنه رهن ما هو لغيره وأما تعليل ما ذكره بأنه بقي للسيد في العبد تصرف فهذا التصرف الذي بقي على تقدير التسليم لا يبلغ إلى هذا الحد المقتضي لخلاف ما توجبه الجناية المتعلقة بالرقبة.
قوله: "ويخرجه عنهما الفسخ".
أقول: هذا صحيح لأن المرتهن قد رضي بإسقاط حقه من حبس هذه العين المرهونة إن كان الفسخ بالتراضي وإن كان بالحكم فقد لزمه ما حكم به الحاكم ويجب على الراهن إبدال الرهن أو تسليم الدين وهكذا سقوط الدين بأي وجه لأنه قد زال السبب الذي استحق به المرتهن حبس الرهن.
وأما قوله: "وزوال القبض بغير فعله" فوجه ذلك أن الرهن إذا زال قبض المرتهن له بما لا
стр. 676
يوجب ضمانة عليه فقد خرج الرهن بذلك عن الرهينة ووجب على الراهن إبداله أو تسليم الدين فإن عاد قبل تسليم الدين عاد عليه حكم الرهن ويرد المرتهن ما أبدله به الراهن إلا أن يتراضيا على رهنية البدل عاد الرهن المبدل إلى ماكله ولا فرق بين المنقول وغيره في هذا فلا وجه لقوله إلا المنقول وبهذا تعرف صحة قول أبي طالب ويعود إن عاد وعدم صحة قوله ولا يطالب قبله الراهن وأما ما حكاه عن المؤيد بالله من أن الرهن يخرج عن الرهنية والضمان بمجرد الإبدال فصحيح إذا تراضيا على ذلك.
وأما قوله: "ويخرج عن الضمان فقط بمصيره إلى الراهن غصبا أو أمانة" فقد عرفناك أن المرتهن لا يضمن إلا ما جنى أو فرط لأنه صار إليه بإذن الشرع فإذا لم يحصل أحد هذين السببين فالرهن خارج عن ضمانة من الأصل وإن حصل منه أحدهما فالضمان ثابت عليه إلا أن يصير إلى المالك باختياره وعلمه فقد صارت العين إلى مالكها وسيأتي في الغصب أنه يسقط الضمان بمثل هذا ولعله يأتي هنالك إن شاء الله ما يزيد المقام وضوحا وأما كونه يخرج عن الضمان إذا أتلفه الراهن فصحيح وعليه عوضه برهن آخر لأن المرتهن قد استحق حبس الرهن حتى يستوفي دينه فإذا أتلفه الراهن فقد ألزم نفسه العوض ولا يلزمه تعجيل الدين المؤجل لأن له حقا في الأجل الذي تراضيا عليه.
وأما قوله: "وهو جائز من جهة المرتهن" فظاهر لا يحتاج إلى ذكره لأنه إذا أسقط حقه من الحبس سقط بل إذا أسقط دينه من الأصل سقط.
قوله: "والقول للراهن في قدر الدين".
أقول: القول لمنكر الزيادة والبينة على مدعيها ولا وجه لإطلاق كون القول للراهن في القدر وأما كون القول للراهن في نفي الرهنية فصحيح لأن الأصل عدمها لكن إذا كان الرهن قد صار في يد المرتهن كان الظاهر معه والظاهر عندهم مقدم على الأصل وهكذا يكون القول قول الراهن في نفي العيب ونفي الرد لأن الأصل عدمهما.
وأما قوله: "وفي العين ما لم يكن المرتهن قد استوفى" فوجه ذلك أن الأصل عدم رد العين المرهونة إلا أن يكون المرتهن قد استوفى دينه فإن ذلك قرينة على عدم بقاء الرهن لديه فيكون الظاهر معه وهكذا يكون القول قول الراهن في نفي رجوع المرتهن عن الإذن بالبيع مع اتفاهما على أصل وقوع الإذن لأن الأصل عدم الرجوع وهكذا يكون القول قول الراهن في بقاء الرهن وعدم تلفه لأن الأصل البقاء.
وأما قوله: "وللمرتهن في إطلاق التسليط" فوجهه أن التقييد بوقت معين زيادة والأصل عدمها وأما في التوقيت أي في قدر الوقت فالقول قول نافي الزيادة والبينة على مدعيها وهكذا في قدر القيمة وقدر الأجل القول قول نافي الزيادة والبينة على مدعيها وهكذا يكون القول قول
стр. 677
المرتهن في أن الباقي هو الرهن لأن الأصل بقاؤه على الحالة التي كان عليها والتلف خلاف الأصل وهكذا يكون القول قول المرتهن إذا كان له على الراهن دينان أحدهما فيه رهن أو ضمين والآخر ليس كذلك فقبض أحدهما واختلفا هل المقبوض ما فيه الرهن أو الضمين أو الآخر فإن القول قول المرتهن لأن الراهن يدعي ارتفاع الرهنية أو الضمانة والأصل عدم ذلك.
وأما قوله: "وفي تقديم العيب" فغير ظاهر بل الأصل عدم التقدم فالبينة على مدعي التقدم وهكذا ألا يكون القول قول المرتهن في دعوى فساد العقد لأن الأصل عدم ذلك مع كونه يريد بهذه الدعوى إسقاط حق عليه ولكن إذا كان وجه الفساد موجودا فالظاهر معه ويمكن أن يقال إن الأصل عدم وجود هذا الوجه المفسد للرهن قبل التراهن كما تقدم في تقدم العيب.
стр. 678
كتاب العارية
[فصل
هي إباحة المنافع وإنما تصح من مالكها مكلفا مطلق التصرف ومنه المستأجر والموصى له لا المستعير وفيما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه وإلا فقرض غالبا ونماء أصله وإلا فعمرى وهي كالوديعة إلا في ضمان ما ضمن وإن جهله ووجوب الرد ويكفي مع معتاد وإلى معتاد وكذا المؤجرة واللقطة لا الغصب والوديعة]
قوله: "كتاب العارية هي إباحة المنافع".
أقول: هذا هو معنى العارية لغة وشرعا واصطلاحا فمن أباح لغيره الانتفاع بملكه فقد أعاره إياه كونها إنما تصح من مالكها فغير محتاج إلى ذكره لأن ما كان بإباحة غير المالك ليس بعارية بل غصب وأما كونه مكلفا مطلق التصرف فصحيح لأن الصبي والمجنون لا يصح منهما العارية وهكذا المحجور عليه لا تصح منه العارية وكان قيد إطلاق التصرف يغني عن قيد التكليف لأن الصبي والمجنون غير مطلقي التصرف وقيد ماكلها يغني عن قوله ولو مستأجرا لأن المستأجر مالك للمنافع ويخرج به أيضا قوله لا المستعير لأنه ليس بمالك لها فلا يحتاجان إلى التنصيص عليهما لأن أحدهما دخل بالمنطوق والآخر خرج بالمفهوم وأما اشتراط أن يكون فيما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه فلا يصدق مسمى العارية إلا على ما كان كذلك لأن ما لا يمكن الانتفاع به أصلا لا فائدة في عاريته وما أمكن الانتفاع به مع إتلاف عينه ليس بعارية بل هبة أو نحوها وأما اشتراط نقاء نماء أصله فلا وجه له بل يكون عارية مع أذنه للمستعير بالانتفاع بالنماء مدة
стр. 679
مؤقتة وسيأتي في العمري والرقبى أن المقيدة منها عارية تتناول إباحة الأصلية مع الفرعية.
قوله: "وهي كالوديعة إلا في ضمان ما ضمن".
أقول: العارية والوديعة لا يضمن المستعير والوديع إلا لجناية منه أو تفريط فإذا أراد صاحبهما تضمينه ورضي لنفسه بذلك فمجرد هذا الرضا مسوغ للتضمين وأما ما يروى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا ضمان على مؤتمن"، كما رواه الدارقطني وفي رواية أخرى للدارقطني بلفظ: "ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان"، ففي إسناد اللفظ الأول من لا يقوم به الحجة وأما اللفظ الثاني فقال الدارقطني إنما يروى عن شريج غير مرفوع وفي إسناده أيضا ضعيفان ومع هذا فنحن نقول بموجبهما أنه لا ضمان عليهما لكن إذا جنيا كان الضمان من الجناية وإذا فرطا كان الضمان عليهما من جهة التفريط وذلك جناية لصاحبهما فيصدق على كل واحد منهما أنه مغل وأما حديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، كما أخرجه أحمد "٥/٨، ١٢، ١٣"، وأبو داود "٣٥٦١"، والترمذي "١٢٦٦"، وابن ماجه "٢٤٠٠"، وصححه الحاكم من حديث الحسن عن سمرة فلا شك في دلالة الحديث على وجوب الرد وأما دلالته على الضمان على تقدير أن المعنى على اليد ضمان ما أخذت فغير مسلم بل الظاهر أن المعنى على اليد تأدية ما أخذت كما يدل عليه آخر الحديث حتى تؤديه ويمكن أن يكون التقدير على اليد حفظ ما أخذت حتى تؤديه وترك الحفظ تفريط يوجب الضمان كما تقدم إذا كان ممكنا والا فلا تفريط وهكذا حديث: "أد الأمانة إلى من أئتمنك" كما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه الحاكم وصححه من حديث أبي هريرة فإنه يدل إلا على مجرد التأدية وأما كونه يضمن إذا ضمن ورضي بذلك فالمناط هو مجرد حصول الرضا فإذا لم يقبل ذلك لم يصح تضمينه ويدل على هذا ما أخرجه أحمد "٣/٤٠١"، وأبو داود "٣٥٦٢"، والنسائي والحاكم من حديث صفوان بن أمية أن النبي ﷺ استعار منه يوم حنين أدرعا فقال: أغصبا يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة"، قال فضاع بعضها فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها فقال أنا اليوم في الإسلام أرغب وأما قول المصنف وإن جهله فلا وجه له وأما وجوب الرد فهو كائن فيهما كما عرفت.
وأما قوله: "ويكفي مع معتاد" وإلى معتاد فلا فرق بينهما أيضا أنه يكفي في ردهما ذلك.
وأما قوله: "وكذا المؤخرة والقطة لا الغصب والوديعة" فاستطراد لما هو خارج عن الباب وقد تقدم بيان من يجب عليه الرد ومن لا يجب عليه وفي الجميع الرد من أحد هؤلاء بنفسه بل رسوله يكفي ومن زعم خلاف ذلك فعليه الدليل.
والحاصل أن المعتبر ما يصدق عليه اسم التأدية المذكورة في الحديث السابق بقوله حتى يؤديه ولا شك أن رد ذلك مع معتاد للرد معه وعلى معتاد للرد إليه يصدق عليه أنه تأدية لأن يد الرسول يد مرسلة ويد من ينوب في العادة عن المالك بقبض أملاكه يد له.
стр. 680
[فصل
وتضمن بالتضمين والتفريط والتعدي في المدة والحفظ والاستعمال وإن زال لا ما ينقص بالانتفاع ويصح فيها مطلقا وعلى الراجع في المطلقة والمؤقتة قبل انقضاء الوقت للمستعير في الغرس والبناء ونحوهما الخياران وفي الزرع الثلاثة إن قصر وتأبد بعد الدفن والبذر للقبر حتى يندرس وللزرع حتى يحصد إن لم يقصر وتبطل بموت المستعير وتصير بشرط النفقة عليه إجارة ومؤقتها بموت المالك قبل انقضاء الوقت وصية والقول للمستعير في قيمة المضمونة وقدر المدة والمسافة بعد مضيهما وفي رد غير المضمونة وعينها وتلفها وأنا إعارة لا إجارة] .
قوله: "فصل: ويضمن بالتضمين".
أقول: قد قدمنا الكلام على هذا قريبا وفي الفصل الذس عقده المصنف لذلك في الإجارات وأما كونها تضمن بالتفريط فلما قدمنا من أن ذلك جناية وخيانة ومن جملته التعدي في المدة والحفظ والاستعمال فإن هذا كله تفريط وكان الاقتصار عليه يغني عن هذا التطويل وأما كونه لا يضمن ما ينقض بالانتفاع فلأن ذلك هو موضوع العارية فلو كان مضمونا لم يكن عارية وأما صحة الرجوع فيها فلكونها من باب التكرم والمسامحة وهي ملكه متى شاء استرجعها ولم يوجب فيها ولا في منافعها حقا لازما للغير.
قوله: "وعلى الراجع في المطلقة والمؤقتة قبل انقضاء الوقت" الخ.
أقول: إن كان المستعير مأذونا بالغرس والبناء ونحوهما فلا شك أن المعير قد غره بذلك وأوقعه في الغرم فله الخياران أو الخيارات وإن لم يأذن له بذلك بل أعاره عارية مطلقة أو ذكر له مطلق الانتفاع فلا ينصرف مثل ذلك إلى الغرس والبناء ونحوهما بل إلى الانتفاع بالشجر الموجودة ونحوهما في الأرض عند عاريتها وإن لم يكن فيها شجر ولا ينتفع بها إلا بالزرع كان الإذن المطلق منه متصرفا إلى الزرع إذ لا وجه يحمل عليه العارية ويوجد فيه مطلق الانتفاع في الأرض إلا بالزرع فيثبت للمستعير ما ذكره من الخيارات لأنه مغرور من جهة المعير هكذا ينبغي أن يقال في هذا البحث وأما إطلاق إثبات الخيارات فيما لا يقتضيه الإذن بالانتفاع من غرس أو بناء أو حلية أو ما يشبه ذلك فغير سديد.
وأما قوله: "وتأبد بعد الدفن" فلا بد من تقييده بأن المالك أعارة لذلك وأذن له به فإنه بالإذن قد رضي لنفسه ببقاء ذلك القبر في ملكه إذ العرف العام أن الإذن يقتضي ذلك وأما لو أعاره للانتفاع فوقع منه الدفن فينقل الميت من المحل لأن الإذن المطلق لا ينصرف إليه.
стр. 681
وأما قوله: "وللبذر حتى يحصد" فقد قدمنا الكلام في الزرع حيث أعاره الأرض للانتفاع بها ولم يوجد وجه للانتفاع بها إلا بالزرع وكلام المصنف ها هنا مبني على الفرق بين دخول الزرع في مطلق الإذن وبين الإذن للمستعير بالبذر مع تقييد الطرف الأول بالتقصير وهذا الطرف بعدمه والأولى ما قدمه من الخيارات في الصورتين جميعا لأنه غاية العدل بين المعير والمستعير لكن إذا حصل التقصير من المستعير حتى تأخر حصاد الزرع عن المدة المسماة كان عليه أجرة بقاء الزرع وأما كونها تبطل بموت المستعير فظاهر لأن المعير أباح منافع ملكه وله ولم يبحها لغيره وأما كونها تصير شرط النفقة عليه إجارة فوجهه أن العارية هي إباحة المنافع بلا عوض وهذا الشرط قد اقتضى العوض ولكن الأعراف قديما وحديثا أن المستعير ينفق على العين المستعارة ويقوم بما يحتاج إليه ما دامت في يده فيكون هذا مقتضيا لبقائها إعارة وعدم مصيرها إجارة.
وأما قوله: "ومؤقتها بموت المالك قبل انقضاء الوقت وصية" فوجهه أن قد فعل ذلك وهو مالك للعين وتصرفه نافذ فيها فيكون له حكم ما فعله في أملاكه من النفوذ ولكن لا وجه لقوله وصية بل قد نفذ ذلك في وقته واستحقه المستعير إلا أن يكون في وقت لا ينفذ فيه تصرفاته إلا من باب الوصايا أو أضاف ذلك إلى بعد موته.
قوله: "والقول للمستعير في قيمة المضمونة".
أقول: القول في ذلك قول نافي الزيادة والبينة على مدعي الزيادة لأن الأصل عدمها وهكذا قدر المدة والمسافة القول قول نافي الزيادة من غير فرق بين المضي وعدمه لأن المعير وإن كانت دعواه تستلزم أن يكون المستعير غاصبا فدعوى المسعير تلزم إثبات حق له في ملك الغير والأصل عدمه فالرجوع إلى الأصل وهو عدم الزيادة أولى وهذا على تقدير أن المعير ما أراد الرجوع بهذه الدعوى أما لو أراده كان ذلك له من غير تداع.
وأما قوله: "وفي رد غير المضمون" فوجهه أنه أمين فيما لا ضمان فيه فيكون القول قوله بخلاف المضمون فإنه فيه ليس بأمين فعليه البينة وهكذا يكون القول قول المستعير في رد عين العارية لأنه أمين وهكذا في تلفها.
وأما قوله: "وأنها إعارة لا إجارة" فمع النزاع بينهما في ذلك لا يصح أن يقال إن المدعي للإعارة أمين وحينئذ فهو يدعي إثبات حق له في تلك العين ومدعي الإجارة يدعي إثبات الأجرة عليه فكل واحد منهما مدع ومدعي عليه وليس أحدهما بقبول قوله أولى من الآخر فيرجع إلى البينة أو التحالف.
стр. 682
كتاب الهبة
[فصل
شروطها الإيجاب والقبول أو ما في حكمه في المجلس قبل الإعراض وتلحقه الإجازة وإن تراخي وتكليف الواهب وكون الموهوب مما يصح بيعه مطلقا وإلا فلا إلا الكلب ونحوه ولحم الأضحية والحق ومصاحب مالا تصح هبته فيصح وتمييزه بما يميزه للبيع.
قوله: فصل: "وشروطها الإيجاب والقبول" الخ.
أقول: الهبة هي أن يتكرم على غيره بنصيب من ماله عن طيبة نفس فإذا وقع هذا فهي الهبة الشرعية ولا يشترط في ذلك إيجاب ولا قبول ولا مجلس بل إن قبله الموهوب له ورضي بمصيره إليه ولو بعد مدة مهما كان الواهب باقيا على ذلك العزم فهذه هبة صحيحة وليس في الشرع ما يدل على ألفاظ مخصوصة ولا على مجلس ولا على قبض ومن زعم أن في الشريعة ما يدل على شيء من ذلك فهو مطالب بالدليل وأما كونه الهبة تلحقها الإجازة فهذه الإجازة على نفس الهبة لما عرفناك غير مرة أن تصرف الفضولي لا يصح وإن أجازة المالك لما فعله هو نفس التصرف الذى اقتضى نقل الملك ما مالك إلى مالك وأما اشتراط تكليف الواهب فأمر لا بد منه لأن الهبة تصرف في المال والتصرف فيه لا يصح إلا من جائز وجائز التصرف لا يكون إلا مكلفا وأما كون الموهوب مما يصح بيعه فليس المراد إلا أن يكون مما يصح تملكه للموهوب له وأما استثناء الكلب فلا وجه له لأنه مما لا يصح تملكه فلا يصح بيعه ولا هبته ولا وجه لاستثناء لحم الأضحية لأن يصح تملكه وتمليكه كما في الحديث الصحيح أنه ﷺ قال لأهل الضحايا: "كلوا وادخروا وائتجروا"، [البخاري "٥٥٦٩"، مسلم "٢٨/١٩٧١"] .
وأما قوله: "والحق" فقد عرفناك فيما سبق أن الفرق بين الحقوق والأملاك وجعل كل واحد منهما مختصا بشيء مما تحت يد الثابت عليه إنما هو مجرد اصطلاح من بعض أهل الفروع وإذا عرفت ذلك هان عليك الخطب ولم تحتج إلى الاشتغال بما في ذلك من التفاريع والتفاصيل.
وأما قوله: "ومصاحب ما لا يصح هبته" فقد قدمنا أنه إذا انضم إلى جائز البيع غيره صح بيع ما يجوز بيعه وبطل بيع لا يجوز بيعه وأنه لا وجه لتعدي البطلان مما لا يصح بيعه إلا ما يصح بيعه.
وأما قوله: "وتمييزه بما للبيع" فالمعتبر بأن يكون معلوما عند الواهب والموهوب له جملة أو تفصيلا فلو وهبه شيئا مجهولا عندهما ثم فسره من بعد كانت الهبة صحيحة.
стр. 683
[فصل
ويقبل للصبي وليه أو هو مأذونا لا السيد لعبده ويملك ما قبله وإن كره] .
قوله: "فصل: ويقبل للصبي وليه" الخ.
أقول: هذا صحيح لأن الهبة للصبي فيها مصلحة له إذا لم تشتمل على مفسدة راجحة على المصلحة وأما ما وهب للعبد فهو في الحقيقة هبة لسيده عند من يقول إن العبد لا يملك وأما عند من يقول إنه يملك فالقبول إليه لا إلى سيده وأما كونه يملك السيد ما قبله العبد وإن كره فذلك مبني على القول الأول ولكن إذا كره لم تصح الهبة وترجع لمالكها لأن هذا الباب مبني على التراضي.
[فصل
وتصح بعوض مشروط مال فتكون بيعا ومضمر وغرض فيرجع لتعذرهما وفورا في المضمر وله حكم الهبة لا البيع إلا في الربا وما وهب لله ولعوض فللعوض وليس على الراجع ما أنفقه المتهب] .
قوله: "مثل ويصح بعوض مشروط".
أقول: الهبة شرعا ولغة هي التي تكون على جهة المكارمة إذا وقعت المكافأة عليها فذلك أيضا على جهة المكارمة وأما إذا كانت مشروطة بعوض فليس هذه هبة شرعية ولا لغوية بل هذه مبايعة خارجة عن باب الهبة داخلة في باب البيع فتكون كما قال المصنف بيعا فإذا لم يحصل العوض المشروط كان ذلك كعدم تسليم ثمن المبيع فترجع العين لمالكها لفقدان التراضي الذي هو المناط الشرعي كما تقدم وهكذا إذا كان العوض مضمرا وغرضا فإنه إذا لم يحصل رجع الملك لمالكه لأن ذلك كشف على عدم التراضي وطيبة النفس وأما اشتراط الفور فلا جه له لأنه مهما لم يحصل العوض المضمر ولا وقع منه الرضا بمصيره إلى الموهوب له بغير عوض فالملك باق له لفقدان المناط الشرعي وهو التراضي وأما كون للموهوب على عوض مضمر حكم الهبة لا حكم البيع فمن بناء أحكام الشرع على الخيال تارة هكذا وتارة هكذا تأثيرا لمجرد الألفاظ.
قوله: "وما وهب لله ولعوض فللعوض".
أقول: لا مانع من جعل بعض الشيئ هبة خالصة لا عوض فيها وبعضها هبة بعوض فيكون للبعض الأول أحكام الهبة وللبعض الآخر أحكام البيع وأما استدلال من استدل لكلام المنصف بحديث: "إن الله يقول: أنا أغنى الشركاء عن الشرك"، فليس المراد بهذا إلا أنه لا يقبل
стр. 684
من الأعمال ما كان على جهة الرياء وليس من هذا هبة بعض الشيء خالصا لله وهبة البعض الآخر بعوض فإن الله سبحانه لم يشاركه غيره فيما هو له ولا فرق بين جعل كل الشيء أو بعضه هبة ولا ورد ما يدل على المنع من ذلك.
أما قوله: "وليس على الراجع ما أنفقه المتهب" فلا وجه له لأنه غرم لحقه بسببه وقد بطل المطلوب من تملك الموهوب فيرجع عليه بما أنفق لأنه انكشف أنه أنفق على مالك الواهب وقد أثم الراجع عن الهبة وصار "كالكلب يعود في قيئة" [البخاري "٥/٢١٦"، مسلم "٥/١٦٢٢"، أبو داود "٣٥٣٨"، الترمذي "١٢٩٨"، النسائي "٦/٢٦٥"، ابن ماجة "٢٣٨٧" أحمد "١/٢١٧"] ، كما ثبت ذلك عن النبي ﷺ فلا يحل ما وقع منه من التغريم للموهوب له نعم إذا كان الموهوب له قد علم بأنها لا تطيب نفس الواهب إلا بالعوض المضمر أو كان العوض مشروطا وحصل منه عدم الوفاء بالعوض فهو الجاني على نفسه بعدم تسليم العوض وبالانفاق على ما لم يخلص له ملكه.
[فصل
وبلا عوض فيصح بالرجوع مع بقائهما في عين لم تستهلك حسا أو حكما ولا زادت متصلة ولا وهبت لله أو لذي رحم محرم أو يليه بدرجة إلا الأب في هبة طفله وفي الأم خلاف وردها فسخ وتنفذ من جميع المال في الصحة وإلا فمن الثلث ويلغو شرط ليس بمال ولا غرض وإن خالف موجبها والبيع ونحوه ولو بعد التسليم رجوع وعقد] .
قوله: "فصل: وبلا عوض فيصح الرجوع فيها".
أقول: قد قدمنا حكم الهبة بعوض وأنها لا يحل للموهوب له إلا بالعوض المشروط أو المضمر وإلا كانت ردا على الواهب لأن الرضا الذي هو المناط الشرعي مقيد بحصول العوض ويؤيد ذلك ما أخرجه ابن ماجه "٢٣٨٧"، عن عب الله بن موسى عن إبراهيم بن إسماعيل ابن مجمع عن عمرو بن دينار عن أبي هريرة مرفوعا: "الواهب أحق بهبته ما لم يثبت منها"، قال ابن حجر والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر قال البخاري هذا أصح ورواه الدارقطني من هذا الوجه ورواه البيهقي من حديث ابن وهب عن حنظلة عن سالم بن عبد الله عن ابن عمر عن عمر: "من وهب هبة يرجو ثوابها فهي رد على صاحبها ما لم يثبت منها"، قال البيهقي ورواه عبد الله بن موسى عن إبراهيم ابن إسماعيل عن حنظلة مرفوعا قال ابن حجر صححه الحاكم وابن حزم.
وأما الهبة بلا عوض فاعلم أن أصل معنى الهبة عدم انقضاء العوض لأنها من باب المكارمة فلو لم يرد فيها ما يدل على امتناع الرجوع فيها لكان هذا الأصل يكفي فكيف وقد
стр. 685
يثبت عنه ﷺ في الصحيحين [البخاري "٢٦٢١"، مسلم "٧/١٦٢٢"] ، وغيرهما [النسائي "٦/٢٦٦"، ابن ماجة "٢٣٨٥"ن أحمد "١/٢٨٠، ٣٤٢"] ، من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "العائد في هبته كالعائد يعود في قيئه"، وفي لفظ للبخاري "٥/٢٣٤"، "ليس لنا مثل السوء"، فإن هذا الحديث المشمل على هذا التشبيه المفيد للتكريه للرجوع بأبلغ ما يكرهه الإنسان وأعظم ما تنفر عنه نفوس بني آدم يدل أبلغ دلالة على عدم جواز الرجوع فيها ومما يدل على عدم جواز الرجوع ما أخرجه أحمد "٢/٢٧، ٧٨"، وأهل السنن [أبو داود "٣٥٣٩"، الترمذي "٢١٣٢"، النسائي "٣٧٠٣"، ابن ماجة "٢٣٧٧"، وصححه الترمذي "٤/٤٤٢"، وابن حبان والحاكم من حديث ابن عباس وابن عمر رفعاه إلى النبي ﷺ أنه قال: "لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده"، والحلال ضد الحرام كما ثبت في اللغة فالرجوع عن الهبة حرام إلا هبة الوالد لولده فإن الشرع قد سوغ له الرجوع كما في هذا الحديث ويؤيده حديث عائشة عند أحمد وأهل السنن "ولد الرجل من أطيب كسبه فكلوا من أموالهم هنيئا"، وصححه حبان وأبو زرعة ويؤيده أيضا ما أخرجه أحمد وأبو دواد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال إن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال: "أنت ومالك لوالدك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم وإن أولادكم من كسبكم فكلوه هنيئا"، وأخرجه أيضا ابن خزيمة وابن الجارود ويؤيده أيضا ما أخرجه ابن ماجه "٢٢٩١"، من حديث جابر أن رجلا قال يا رسول الله إن لي مالا وولدا وإن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال: "أنت ومالك لأبيك"، قال ابن القطان إسناده صحيح وقال المنذري رجاله ثقات وفي الباب أحاديث قال ابن حجر في الفتح وإلى القول بتحريم الرجوع في الهبة بعد أن تقبض ذهب الجمهور إلا هبة الوالد لولده قال الطبري يخص من عموم الحديث من وهب بشرط الثواب ومن كان والدا والموهوب له ولده والهبة لم تقبض والتي ردها الميراث إلى الواهب لثبوت الأخبار باستثناء كل ذلك انتهى.
ومن الهبة التي يراد بها العوض وإن لم تذكر هبة الفقير للغني فإنه لا يراد بمثل ذلك المكارمة عرفا بل استجلاب الفائدة بزيادة على ما يحصل للفقير لو باعها وأما هبة الغني للفقير فملعوم أنه لا يراد بها العوض فلا يكون له الرجوع وهكذا الهبة الواقعة بين المتماثلين غنى وفقرا.
أما قوله: "مع بقائهما" فظاهر لا يحتاج إلى تعليل عند مثبتي الرجوع وأما عند غيرهم فبطريق الأولى وهكذا قوله لم تستهلك حسا أو حكما أو زادت زيادة متصلة.
وأما قوله: "ولا وهبت لله" فليس في هذا مزيد تأثير لامتناع الرجوع وإن كان المصنف قد ادعى الإجماع عليه.
وأما قوله: "أو لذي رحم" فليس في هذا التخصيص من المرفوع شيء ما روي عن بعض الصحابة لا تقوم به الحجة فالحق امتناع الرجوع على كل حال بالأدلة التي قدمنا ذكرها إلا الأب في الهبة لولده فإنه يجوز له الرجوع فيها كما قدمنا ولا فرق بين أن يكون الولد صغيرا أو كبيرا.
وأما قوله: "وفي الأم خلاف" فلا يخفاك أن الحديث المشتمل على الاستثناء هو بلفظ
стр. 686
الوالد فإن كان يصدق على الأم كما يصدق الولد على الأنثى فالأم كالأب وإن كان لا يقال على الأم إلا بطريق التغليب فهي داخلة في الاستثناء ويؤيد هذا ما في المصباح قال الوالد الأب وجمعه بالواو والنون والوالدة الأم وجمعها بالألف والتاء والوالدان الأب والأم للتغليب انتهى ويؤيده أيضا الحديث المتقدم بلفظ: "أنت ومالك لأبيك".
قوله: "وردها فسخ".
أقول: هذا مبني على أنه قد وقع العقد إيجابا وقبولا كما تقدم للمصنف فإذا ردها بعد هذا كان الرد فسخا للعقد الواقع بينهما أما لو ردها ابتداء فلا يقال لهذا الرد فسخ لأنه لم يتقدم شيء يصدق عليه مسمى الفسخ بل هذا الرد يوجب عدم ثبوت مقتضى الهبة من الأصل أما عند المصنف فلعدم القبول الذي هو أحد جزئي العقد وأما عندنا فلعدم التراضي من الجهتين الذي هو المناط الشرعي في نقل الأملاك.
قوله: "وينفذ من جميع المال في الصحة وإلا فمن الثلث".
أقول: الهبة إخراج قطعة من المال لمن وهبها له مالكه والكلام في نفوذها مع عدم المانع لا شك فيه وأما التفصيل بين ما كان منها في الصحة وما كان في المرض فمبني على أن الهبة في المرض لها حكم الوصية كما قال ﷺ في الحديث الصحيح: "الثلث والثلث كثير"، ولكن تنزيل غير الوصية من التصرفات منزلة الوصية إذا وقعت حال المرض سيأتي الكلام فيه في الوصايا إن شاء الله تعالى والظاهر نفوذ تصرف المالك في ملكه صحيحا أو مريضا من جميع ماله وينبغي له مع هذا أن لا يدع ورثته عالة يتكففون الناس كما ورد في الحديث فلا يجوز له أن يتصرف بكل ماله لأنه إذا فعل ذلك فقد خالف قوله ﷺ : "لأن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس"، وهو في الصحيحين [البخاري "٣/١٦٤"، مسلم "٥/١٦٢٨"، وغيرهما [أبو داود "٢٨٦٤"، الترمذي "٢١١٦"، النسائي "٦/٢٤١، ٢٤٢"، ابن ماجة "٢٧٠٩"، أحمد "١/١٧٩"، من حديث سعد بن أبي وقاص والقصة معه ولكن هذا الحديث ليس فيه إلا مجرد بيان ما هو الأولى والأفضل وليس بعزيمة ومثله حديث: "خير الصدقة ما كان على ظهر غنى"، كما في الصحيحين [البخاري "١٤٢٧"، مسلم "١٠٣٤"، وغيرهما [النسائي "٣٥٤٣"، أحمد "٣/٤٠٢، ٤٠٣، ٤٣٤"] ، من حديث حكيم بن حزام وفي الباخري من حديث أبي هريرة نحوه.
وأما قوله: "ويلغو شرط ليس بمال ولا عرض وإن خالف موجبها" فلا يخفاك أن يقال الشرط من الواهب يدل على أن الرضا منه منوط بحصول ذلك الشرط فإذا لم يحصل كشف ذلك عن عدم الرضا وإن كان ليس بمال ولا عرض وإن رفع موجبها.
وأما قوله: "والبيع ونحوه" الخ فمبني على ما قدمه المصنف من جواز الرجوع في الهبة بغير عوض وقد قدمنا رد ذلك بالأدلة المتقدمة.
стр. 687
[فصل
والصدقة كالهبة إلا في نيابة القبض عن القبول وعدم اقتضاء الثواب وامتناع الرجوع فيها وتكره مخالفة التوريث فيهما غالبا والجهاز للمجهزإلا لعرف والهدية فيما ينقل تملك بالقبض وتعوض حسب العرف وتحرم مقابلة لواجب أو محظور مشروط أو مضمر كما مر ولا تصح هبة عين لميت إلا إلى الوصي لكفن أو دين والقول للمتهب في نفي الفساد غالبا وشرط العوض وإرادته في التالف وفي أن الفوائد من بعدها إلا لقرينة وأنه قبل إلا أن يقول الشهود بها ما سمعناه أو الواهب وهبت فلم تقبل واصلا كلامه عند "م" أي المؤيد بالله] .
قوله: "فصل: والصدقة كالهبة إلا في نيابة القبض عن القبول".
أقول: القبض ينوب عن القبول في الهبة كما ينوب في الصدقة وأصل الهبة أنها لا تقتضي الثواب كما قدمنا فإن اقتضته فذلك لشرط مظهر أو مضمر ويخرج عن باب الهبة ويصير من باب البيع.
قوله: "وتكره مخالفة التوريث فيهما".
أقول: الأدلة القاضية بتحريم تخصيص بعض الأولاد بشيء دون البعض الآخر أوضح من شمس النهار فمن ذلك أنه ﷺ في هبة بشير لولده النعمان دون سائر أولاده قال: "له إخوة؟ "، قال: نعم قال: "فكلهم أعطيت مثل ما أعطيته؟ "، قال: لا قال: "فليس يصلح هذا وإني لا أشهد إلا على حق"، وهكذا اللفظ في صحيح مسلم "١٩/١٦٢٤"، وغيره وفيه التصريح بأن ذلك لا يصلح في الشريعة المطهرة وهو معنى بطلانه وفيه أيضا التصريح بأنه غير حق وغير الحق باطل وفي لفظ عند أحمد من هذا الحديث أنه ﷺ قال: "لا تشهدني على جور"، فسماه جورا والجور باطل وهذه الألفاظ هي في حديث جابر الذي حكى فيه قصة هبة النعمان من أبيه بشير وفي الصحيحين [البخاري "٥/٢١١"، مسلم "٩/١٦٢٣"، وغيرهما [أحمد "٤/١٦٨"، أبو داود "٣٥٤٢"، الترمذي "١٣٦٨"، النسائي "٦/٢٥٨، ٢٥٩"، ابن ماجة "٢٣٧٥"] ، من حديث النعمان نفسه قال إن أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي فقال رسول الله ﷺ : "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ " قال: لا, قال: "فأرجعه"، ففي هذا الأمر بإراجاع الهبة وليس على هذا زيادة وقد تكلف المجوزون لتخصيص بعض الأولاد بالهبة دون بعض بأجوبة أجابوها من عشرة وجوه ذكرناها في شرح المنتقي ودفعنا ما يستحق الدفع منها فليرجع إليه والحاصل أنه ليس في المقام ما يدفع ما ذكرناه من الروايات الدالة على تحريم التخصيص وأنه باطل مردود غير حق.
قوله: "والجهاز للمجهز إلا لعرف".
أقول: هذا صحيح لأن خروج الشيء عن ملك مالكه لا يكون إلا بما يقتضي خروجه من وجود التراضي بينه وبين من خرج إليه فإن لم يحصل ذلك فالملك باق وإذا جرت الأعراف بأن ما
стр. 688
وقع التجهيز به يصير ملكا لمن وقع التجهيز له فهذا العرف هو في حكم المقصود لهما المتراضى عليه بينهما فكأنه عند التجهيز قد أخرج ذلك عن ملكه بطيبة من نفسه إذا كان هذا عرفا عاما بحيث لا يوجد عرف يخالفه.
قوله: "والهدية فيما ينقل تملك بالقبض".
أقول: الهدية تملك بالتراضي وطيبة النفس وإن كانت باقية في يد المهدي ولو بقيت في يده أعواما فإنها قد صارت في يد المهدي إليه ولا فرق بين منقول وغيره ويجوز له التصرف فيها وهي يد المهدي إلا بما يشترط في القبض كما تقدم في النهي عن بيع الرجل ما ليس عنده ولما لم يكن في قبضه ومن قال إنه يشترط في ملك الهدية القبض فعليه الدليل والحاصل أنه لا فرق بين الهبة والهدية في عدم اشتراط القبض وأما ما أخرجه الحاكم من أن النبي ﷺ أرسل إلى النجاشي بهدية فمات النجاشي قبل وصولها إليه فرجعت إلى النبي ﷺ فلا يصلح للاستدلال به على اشتراط القبض لأناقد عرفناك أن الهدية إنما تملك بالتراضي من الجهتين فهي قبل أن تبلغ إلى المهدي إليه باقية على ملك المهدي حتى يبلغ خبرها إلى المهدي إليه ويرضى بها فتصير حينئذ ملكا له والنجاشي مات قبل أن تصل إليه الهدية وقبل أن يبلغه خبرها ويرضى بها.
قوله: "ويعوض حسب العرف".
أقول: لما كانت المهاداة مبنية على المكارمة واستجلاب المودة كان من تمام ذلك أن تقع المكافأة عليها فقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقبل الهدية ويثبت عليها وإذا كان المهدي طالبا للمكافأة قاصدا بها ذلك كما يكون في كثير من الحالات من الفقراء إلى الأغنياء فهذه ليست هدية يراد بها ما يراد بالهدايا من استجلاب المودة واتحاد القلوب كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في الأدب المفرد والبيهقي أنه ﷺ قال: "تهادوا تحابوا"، قال ابن حجر في التلخيص وإسناده حسن وأخرجه مالك في الموطأ من حديث عطاء الخراساني مرفوعا وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة إنما هي ذريعة إلى استجلاب الإحسان من الأغنياء والملوك فيكون لها حكم الهبة بعوض مظهرا أو مضمرا وقد تقدم والمهدي إليه بالخيار إما ردها أو كافأ عليها مكافأة يرضى بها صاحبها كما أخرجه أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح وابن حبان وصححه من حديث ابن عباس أن أعرابيا وهب للنبي ﷺ هبة فأثابه عليها قال: "أرضيت؟ " قال: لا, قال: فزاده قال: "أرضيت؟ " قال: لا فزاده قال: "أرضيت؟ " قال: نعم فقال النبي ﷺ : "لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي"، وأخرجه أبو داود "٣٥٣٧"، والنسائي "٦/٢٧٩، ٢٨٠"، من حديث أبي هريرة بنحوه وطوله والترمذي "٣٩٤٥"، وذكر أن الثواب كان ست بكرات وكذا رواه الحاكم وصححه على شرط مسلم وبعض ألفاظ هذا الحديث ورد بلفظ الهدية وبعضها بلفظ الهبة وفي لفظ لأبي داود أن النبي ﷺ قال: "وأيم الله لا أقبل هدية بعد يومي هذا من أحد إلا أن يكون مهاجرا قرشيا أو أنصاريا أو دوسيا أو ثقفيا"، وأما كون الهدية تحرم على واجب أو محظور فظاهر والوجه في ذلك ما تقدم في حلوان الكاهن وفي مهر البغي وما ورد في تحريم
стр. 689
الرشوة وفي هدايا الأمراء فإن الهدية للأمير والقاضي وكذلك الهبة له رشوة وإن كانت مسماة باسم الهدية والهبة وأما كونها لا تصح هبة عين لميت فوجهه فقدان ما قدمنا من وقوع التراضي من الجهتين وهكذا لا يصح إسقاط الدين عنه بل إسقاطه عنه إسقاط عن ورثته لأنه قد تعلق بعد موته بتركته وأما التبرع بالالتزام به عن الميت كما وقع من امتناعه ﷺ من الصلاة على المديون حتى التزم عنه بعض الحاضرين فوجه ذلك أن الإثم الذي كان لاحقا للميت بترك القصاء قد قام به غيره فسقط عنه ما كان عليه من العقوبة ولهذا يقول ﷺ : "الآن بردت عليه جلدته"، ولا فائدة لقوله إلا إلى الوصي لكفن أو دين لأن هذا إن كان هبة للوصي ليكفن به الميت أو ليقضي دينه فلا شك أن ذلك صحيح لأن الموهوب له حي يقبل الهبة ويرضى بها وإن كان المراد أن الهبة تصح للميت بوساطة الوصي فلا يصح ذلك لأن تمليك الميت باطل سواء كان بواسطة أو بغير واسطة.
قوله: "والقول للمتهب في نفي الفساد".
أقول: لأن الأصل عدمه بعد وجود المناط الشرعي وهو التراضي وهكذا القول قوله في نفي شرط العوض لأن الأصل عدم الشرط وعدم إرادته وأما تقييد المصنف لذلك بالتالف فلا وجه له بل لا فرق بين أن يكون الموهوب باقيا أو تالفا لأن الأصالة المذكورة متحققة فيهما وأما كون القول قوله في أن الفوائد من بعد الهبة إلا لقرينة فينبغي أن يقال إن كانت تلك الفوائد مما لا يمكن حدوثها بعد الهبة كان القول للواهب وإن كانت مما لا يمكن وجودها قبل الهبة كان القول للمتهب وإن حصل الاحتمال فثبوت يد المتهب عليها موجب لكون القول قوله.
وأما قوله: "وأنه قبل" فلا وجه له بل ينبغي أن يكون القول قول الواهب في نفي القبول على ما تقدم للمصنف من اعتبار العقد سواء قال الشهود ما سمعنا أو لم يقولوا وسواء وصل والواهب كلامه أو فصله لأن الأصل عدم القبول.
[فصل
والعمرى والرقبى مؤيدة ومطلقة هبة يتبعها أحكامها ومقيدة عارية تتناول إباحة الأصلية مع الفرعية إلا الولد إلا فوائده والسكنى بشرط البناء إجارة فاسدة ودونه عارية يتبعها أحكامها.
قوله: "فصل: والعمرى والرقبي" الخ.
أقول: الأحاديث الواردة في العمرى والرقبى تدل على أنها هبة للمعمر والمرقب وتورث عنه فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "العمرى ميراث لأهلها"، أو قال:
стр. 690
"جائزة" وفي الصحيحين [البخاري"٥/٢٣٨"، مسلم "٢٥/١٦٢"، أيضا من حديث جابر قال قضى رسول الله ﷺ بالعمرى لمن وهبت له وفي صحيح مسلم وغيره نم حديث جابر: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فمن أعمر عمرى فهي للذي أعمر حيا وميتا"، وأخرج وأبو داود والنسائي من حديث زيد بن ثابت قال رسول الله ﷺ : "من أعمر عمرى فهي لمعمره محياه ومماته لا ترقبوا من أرقب شيئا فهو سبيل الميراث"، وأخرجه أيضا ابن ماجه "١٣٨١"، وابن حبان وفي لفظ لأحمد "٣/٣٠٢" والنسائي "٦/٢٧٤"، من هذا الحديث: "جعل الرقبى للذي أرقبها"، وفي لفظ لأحمد "٣/٣٠٢"، "جعل الرقبي للوارث"، وأخرج أحمد "١/٢٥٠"، والنسائي "٣٧١٠"، من حديث ابن عباس بإسناد صحيح العمرى جائزة لمن أعمرها والرقبى جائزة لمن أرقبها وأخرج أحمد والنسائي أيضا بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا فمن أعمر شيئا أو أرقبه فهو له حياته ومماته"، فهذه الأحاديث تدل على أن العمرى المؤبدة والمطلقة وكذلك الرقبي تقتضي الملك وتورث عمن جعلت له وورد ما يدل على أن العمرى التي تكون للمعمر ولعقبه هي التي يقال فيها: "له ولعقبه" كما في لفظ من حديث جابر: "من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه فقد قطع قوله حقه فيها وهي لمن أعمر وعقبه" أخرجه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه وفي لفظ لأبي داود والنسائي والترمذي وصححه من حديث جابر: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبله فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"، وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود عن جابر قال إنما العمرى التي أجازها رسول الله ﷺ أن تقول هي لك ولعقبك فأما إذا قال هي لك ما عشت فإنها ترجع إلى صاحبها وفي رواية للنسائي عن جابر أن النبي ﷺ قضى بالعمرى أن يهب الرجل للرجل ولعقبه الهبة ويستثنى إن حدث بك حدث ولعقبك فهي إلي وإلى عقبي أنها لمن أعطيها ولعقبه وأخرج أحمد بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث جابر أن رجلا من الأنصار أعطى أمه حديقة من نخيل حياتها فماتت فجاء إخوته فقالوا نحن فيه شرع سواء قال فأبى فاختصموا إلى رسول الله ﷺ فقسمها بينهم ميراثا فهذه الروايات كلها عن حديث جابر ومن قوله قد اختلفت كما ترى فإن الروايات الأولى عنه دلت على أن العمرى التي تورث هي ما قيل فيها له ولعقبه والحديث الآخر المروي من طريقة في الرجل الذي جعل لأمه الحديقة حياتها فحكم رسول الله ﷺ بأنها لورثتها تدل على خلاف ذلك.
فالحاصل أنه إذا قيل في العمرى والرقبى لك ولعقبتك كانت تمليكا لمن وقعت له ولمن بعده وإن قال أعمرتك أو أرقبتك فظاهر الأحاديث التي ذكرناها أنها تمليك له وتورث عنه وما روى عن جابر فقد اختلف ما هو مرفوع منه وما كان مدرجا فلا حجة فيه فيجب الرجوع إلى سائر الأحاديث وهي كما عرفت مصرحة بأنها ملك له ولورثته فكان حكم هذه المطلقة عن ذكر العقب حكم ما ذكر فيها العقب وهكذا المؤيدة إذا قال أعمرتك أبدا أو أرقبتك أبدا فإنها
стр. 691
تمليك كما يدل عليه لفظ التأبيد وأما إذا كانت مقيد بمدة معلومة كأن يقول أعمرتك أو أرقبتك هذا عشر سنين أو عشرين سنة فإنه لا يستحق إلا ذلك المقدار لأنها لم تطب نفسه إلا بذلك القدر وهكذا لو اشترط كان يقول أعمرتك هذا ما عشت فإذا مت رجع إلي فإنه يرجع إليه عند موت المعمر أو المرقب فهذا حاصل ما ينبغي أن يقال في العمرى والرقبى والعمرى المؤقتة يستحق صاحبها جميع الفوائد الحاصلة في العين ولا وجه لاستثناء المصنف للولد إلا أن يستثنيه من وقعت منه أو يجري عرف يكون في حكم المنطوق به وأما السكنى بشرط البناء فإذا وقع التراضي على ذلك كان صحيحا ولا يقدح في الصحة مجرد الجهالة لأن لكل واحد منهما أن يتركها متى شاء كما تقدم تقريره وأما بدون هذا الشرط فلفظ الإشكال قد تضمن إباحة المنافع وهذه الإباحة عارية وقد تقدمت أحكامها.
стр. 692
كتاب الوقف
[فصل
يشرط في الواقف التكليف والإسلام والاختيار والملك وإطلاق التصرف وفي الموقوف صحة الانتفاع به مع بقاء عينه ولو مشاعا ينقسم أو جميع مالي وفيه ما يصح وما لا كأم الولد وما منافعه للغير وما في ذمة الغير ولا يصح تعليق تعيينه في الذمة ولا تلحقه الإجازة كالطلاق وإذا التبس ما قد عين في النية بغيره فبلا تفريط صار للمصالح وبه قيمة أحدهما فقد وفي المصرف كونه قربة تحقيقا أو تقديرا وفي الإيجاب لفظه صريحا أو كناية مع قصد القربة فيهما وينطلق بها أو بما يدل عليها مع الكناية] .
أعلم أن ثبوت الوقف في هذه الشريعة وثبوت كونه قربة أظهر من شمس النهار ولهذا قال الترمذي لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل العلم خلافا في جواز وقف الأرضين انتهى وأما ما يروي عن أبي حنيفة من أن الوقف لا يلزم فقد خالفه في ذلك جميع أصحابه إلا زفر وقد حكى الطحاوي عن أبي يوسف أنه قال لو بلغ أبا حنيفة لقال به انتهى وقد قرر ﷺ وقف عمر [البخاري "٥/٣٥٤"، مسلم "١٥/١٦٣٢"، أبو داود "٢٨٧٨"، الترمذي "١٣٧٥"، النسائي "٣٥٩٩"، ابن ماجة "٢٣٩٦"، أحمد "٢/١٢، ١٣، ٥٥، ١٢٥،"] ، ورغب الصحابة في وقف بئر رومة فاشتراها عثمان ووقفها [البخاري "٥/٢٩"، النسائي "٣٦٠٨"، الترمذي "٢٧٠٣"] ، وأمر أبا طلحة [البخاري "١٤٦١"، مسلم "٤٢/٩٩٨"، أحمد "٣/١٤١"، الترمذي "٢٩٩٧"، أن
стр. 693
يجعل أحب أمواله إليه في الأقربين وقال ﷺ : "أما خالد فقد حبس أدراعه وأعتده في سبيل الله"، [البخاري "٣/٣٣١"، مسلم "١١/٩٨٣"، أحمد "٢/٢/٣٢٢"، أبو داود "١٦٢٣"،النسائي "٢٤٦٤"] ، وقال: "إذا مات الإنسان انقطع علمه إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له"، وهذه أحاديث صحيحة معروفة وثبت وقوع الوقف من جماعة من الصحابة بعد موته فالعجب مما قام في وجه هذه الشريعة الواضحة والسنة القائمة بما يحكى عن ابن عباس أنه قال لا حبس بعد نزول سورة النساء مع أن هذا لم يثبت عنه من طريق معتبرة وما قيل من أنه أخرجه عنه البيهقي في الشعب ففي إسناده من لا تقوم به الحجة ومع هذا فهو اجتهاد صحابي ليس بحجة على أحد على أن مراده شيء آخر غير الوقف وهو أنها لا تحبس فريضة عمن أعطاها الله سبحانه كما يدل عليه قوله لا حبس بعد نزول سورة النساء ولو قدرنا أنه يريد الوقف لكان محجوبا بالأدلة الصحيحة وبإجماع الصحابة.
قوله: "فصل: يشترط في الواقف التكليف والإسلام".
أقول: أما اشتراط التكليف فلكون غير المكلف محجورا عن التصرف في ماله بما فيه عوض كالبيع ونحوه فكيف بما لا عوض فيه وأما اشتراط الإسلام فقد تقرر أن الوقف قربة من القرب الموجبة لعظيم الثواب والكافر غير متأهل لذلك فإن فعل فليس هذا الذي فعله هو الواقف الشرعي الذي نحن بصدده وليس الكلام إلا الوقف الشرعي وأما اشتراط أن يكون الموقوف مما يصح الانتفاع به مع بقاء عينه فلكونها لا توجد ماهية الوقف إلا فيما كان كذلك لأن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل فوائده.
وأما قوله: "ولو مشاعا" فظاهر لأن الأصل عدم المانع وقد طول جماعة الكلام في وقف المشاع استلالا وردا وكله في غير طائل وهكذا تصح الصورة التي ذكرها وهي وقف جميع المال وفيه ما يصح ولا لا يصح لأن وجود ما لا يصح وقفه فيما تناوله الوقف لا يصلح أن يكون مانعا لصحة وقف ما يصح وقفه فيصح ما يصح ويبطل ما يبطل كما قدمنا على قوله ومتى انضم إلى جائز البيع غيره فسد.
وأما قوله: "ولا يصح تعليق تعيينه في الذمة" فوجهه عدم استقرار ما وقع الوقف عليه وليس مثل هذا ينبغي أن يكون مانعا من الصحة فإنه إذا قال وقفت أرضا من الأراضي التي أملكها كان متقربا واقفا بمجرد صدور هذا منه وبعد ذاك التعيين إليه في أي أرض أراد من أملاكه ومن زعم أن في هذا الوقف مانعا يمنع من صحته فالدليل عليه وإن لم يكن إلا مجرد الرأي المبني على الهباء فرأيه رد عليه.
وأما قوله: "ولا تلحقه الإجازة" فلا وجه له لأن الإجازة نفسها هي التي حصل بها الوقف كما قدمنا مثل هذا في غير موضع.
وأما قوله: "وإذا التبس ما قد عين في النية" الخ فوجهه أن ذلك الغير الذي وقع
стр. 694
الالتباس به قد صار أحد محتملات ما تعلقت به القربة فصارا جميعا للمصالح وهذا الوجه غير وجيه بل ينبغي أن يقال اختياره الذى كان عند إنشاء الوقف هو باق الآن معه فيعين أيهما شاء بعد الالتباس وليس هذا الالتباس موجبا لخروج ملكه المتقين المعصوم بعصمة الإسلام وقد قدمنا على قوله ومتى اختلطت فالتبست أملاك الأعداد ما فيه كفاية.
قوله: "وفي المصرف كونه قربه" الخ.
أقول: هذا الوقف الذي جاءت به الشريعة ورغب فيه رسول الله ﷺ أصحابه هو الذي يتقرب به إلى الله عزوجل حتى يكون من الصدقة الجارية التي لا ينقطع عن فاعلها ثوابها فلا يصح أن يكون مصرفه غير قربة لأن ذلك خلاف موضوع الوقف المشروع لكن القربة توجد في كل ما أثبت فيه الشرع أجرا لفاعله كائنا ما كان فمن وقف مثلا على إطعام نوع من أنواع الحيوانات المحترمة كان وقفه صحيحا لأنه قد ثبت في السنة الصحيحة "أن في كل كبد رطبة أجرا" ومثل هذا لو وقف على من يخرج القذاة من المسجد أو يرفع ما يؤذي المسلمين في طرقهم فإن ذلك وقف صحيح لورود الأدلة الدالة على ثبوت الأجر لفاعل ذلك فقس على هذا غيره مما هو مساو له في ثبوت الأجر لفاعله وما آكد منه في استحقاق الثواب وأما الأوقاف التي يراد بها قطع ما أمر الله به أن يوصل ومخالفة فرائض الله عزوجل فهو باطل من أصله لا ينعقد بحال وذلك كمن يقف على ذكور أولاده دون إناثهم وما أشبه ذلك فإن هذا لم يرد التقرب إلى الله بل أراد المخالفة لأحكام الله عزوجل والمعاندة لما شرعه لعباده وجعل هذا الوقف الطاغوتي ذريعة إلى ذلك المقصد الشيطاني فليكن هذا منك على ذكر فما أكثر وقوعه في هذه الأزمنة وهكذا وقف من لا يحمله على الوقف إلا محبة بقاء المال في ذريته وعدم خروجه عن أملاكهم فيقفه على ذريته فإن هذا إنما أراد المخالفة لحكم الله عزوجل وهو انتقال الملك بالميراث وتفويض الوارث في ميراثه يتصرف به كيف يشاء وليس أمر غناء الورثة ولا فقرهم إلى هذا الوقف بل هو إلى الله عزوجل وقد توجد القربة في مثل هذا الوقف على الذرية نادرا بحسب اختلاف الأشخاص فعلى الناظر أن يمعن النظر في الأسباب المقتضية لذلك من هذا النادر أن يقف على من تمسك بطرق الصلاح من ذريته أو اشتغل بطلب العلم فإن هذا الوقف ربما يكون المقصد فيه خلاصا والقربة متحققة والأعمال بالنيات ولكن تفويض الأمر إلى ما حكم الله به بين عباده واتضاه لهم أولى وأحق.
قوله: "وفي الايجاب لفظه" الخ.
أقول: المعتبر ما فيه دلالة على هذه القربة وعلى طيبة النفس بصرف ذلك المال إلى هذا الوجه بأي لفظ كان وعلى أي صفة وقع ولو بإشارة من قادر على النطق كما قد قررنا هذا في غير موضع من هذا الكتاب.
وأما قوله: "مع قصد القربة" فهو الركن الأعظم الذي تدور عليه دوائر الصحة أو البطلان
стр. 695
وليس النطق بالقربة معتبرا بل المراد القصد لذلك عند إرادة فعل هذه الخصلة الصالحة والصدقة الجارية والحبسة الدائمة والثواب المستمرة النفع.
[فصل
ولا يصح مع ذكر المصرف إلا منحصرا ويخصص أو متضمنا للقربة ويصرف في الجنس ويغني عن ذكره ذكر القربة مطلقا أو قصدها مع التصريح فقط ويكون فيهما للفقراء مطلقا وله بعد تعيين المصرف وإذا عين موضعا للصرف أو للانتفاع تعين ولا يبطل المصرف بزواله] .
قوله: "فصل: ولا يصح مع ذكر المصرف إلا منحصرا".
أقول: مقصود الوقف الذي يصح عنده هو قصد التقرب إلى الله عزوجل فإذا كان المصرف توجد فيه أو في بعضه القربة بالصرف إليه فالوقف صحيح ويصرف في الذي فيه القربة لا فيمن لا قربة فيه ولا وجه لاشتراط الانحصار أصلا فإن القربة إذا كانت موجودة في غير المنحصر لم يبق شك في صحة الوقف وعدم وجود المانع من صحته فإن أراد بهذا الكلام أنه لا يصح الوقف مع ذكر المصرف وعدم ذكر القربة إلا إذا كان منحصرا لأنه إذا كان المنحصر في الحال لا قربة فيه كالأغنياء فقد توجد القربة بافتقار من يفتقر منهم أو انتقاله عنهم إلى من بعدهم ممن ليس بغني فإن كان مراده هذا فما أقل فائدة هذا الكلام مع عدم دلالة كلامه عليه.
وأما قوله: "ويخصص" فوجهه أنه قد صار لكل واحد من المصرف المنحصرين حق في ذلك الوقف.
وأما قوله: "أو مضمنا للقربة" فظاهر كأن يقول وقفت هذا على الفقراء أو على المجاهدين ويصرف في حبس المتصفين بتلك الصفة وقد أطال المصنف في غير طائل وكان يغنيه عن هذا كله أن يقول ولا يصح إلا مع قصد القربة ويخصص في المنحصر.
وأما قوله: "ويكون فيهما للفقراء مطلقا" فلا وجه له بل يكون لأي صنف من الأصناف التي توجد فيهم القربة أو في الأفراد من كل هذه الأصناف أو بعضها للقطع بأن الصرف في المجاهدين أو فك أسرى المسلمين إذا لم تكن القربة فيه أظهر من مطلق الفقراء فهو مثله.
وأما قوله: "وله بعد تعيين المصرف" فظاهر لأنه مع عدم التعيين في الابتداء مفوض في صرف وقفه في أي مصرف شاء وهكذا قوله وإذا عين موضعا للصرف أو الانتفاع تعين لأن له أن يختار لنفسه ما أراد ولا حجر عليه.
وأما قوله: "ولا يبطل المصرف بزواله" فيرجع في ذلك إلى ما يعرف من قصده فإن عرف من قصده أن هذا الموضع المعين إذا زال صرف في موضع آخر مماثل له فلا يبطل المصرف
стр. 696
بزواله كمن يقف على إطعام من يرد من الغرباء إلى مكان كذا فإنه ينقل إلى إطعام من يرد منهم إلى موضع آخر مماثل له وإن عرف من قصده أنه إذا لم يبق ذلك الموضع عاد لورثته فإنه يعود إليهم فإن التبس علينا مقصده فالأولى أن يصرف إلى المصرف في موضع آخر مماثل لذلك الموضع لأن في هذا الصرف بقاء الوقف واستمرار النفع للواقف.
[فصل
ويصح على النفس والفقراء لمن عداه إلا عن حق فلمصرفه والأولاد مفردا لأول درجة بالسوية ومثنى فصاعدا بالفاء أو ثم لهم ما تناسلوا ولا يدخل الأسفل حتى ينقرض الأعلى إلا لأمر يدخله كالواو عند "م" [أي: المؤيد بالله] ومتى صار إلى بطن بالوقف فعلى الرؤوس ويبطل تأجير الأول ونحوه لا بالإرث فحبسه ولا يبطل والقرابة والأقارب لمن ولده جد أبويه ما تناسلوا والأقرب فالأقرب لأقربهم إليه نسبا والأستر للأورع والوارث لذي الإرث فقط ويتبع في التخصيص وهذا الفلاني المشار إليه وإن انكشف غير المسمى] .
قوله: "فصل: ويصح على النفس".
أقول: إن ذكر بعد نفسه ما يكون قربة كأن يقول على نفسه ثم على الفقراء أو نحو ذلك فهذا صحيح ويحمل في وقفه على نفسه على مقصد صالح له وذلك بأن يقصد منع نفسه من بيع ذلك الذي جعله وقفا حتى يكون وقفا متقربا به إلى الله ولا يحصل مثل هذا القصد بإضافته للوقف إلى بعد موته ولأنه قد يعرض له من الحاجة ما يسوغ له بيعه مع عدم نجاز الوقف ومع هذا فقد تكون القربة متحققة بوقفه على نفسه فقط وذلك بأن يقصد استمرار الانتفاع به ما دام في الحياة وقصر نفسه على أن يبيعه ويحتاج إلى الناس بعد بيعه.
قوله: "والفقراء لمن عداه".
أقول: هذا هو الظاهر في المحاورات بين الناس ومخاطبات بعضهم لبعض وإن كان جمهور أهل الأصول قائلين بدخول المخاطب في خطاب نفسه.
وأما قوله: "إلا عن حق فلمصرفه" فوجهه ظاهر لأن ذكر الحق مشعر بأن المراد بالوقف الصرف في مصارف ذلك الحق.
وأما قوله: "والأولاد مفردا لأول درجة بالسوية" فوجهه أن ذكره لأول درجة يدل على استوائهم في ذلك فيقسم بينهم بالسوية ويصير ما بيد كل واحد إلى ورثته سواء عينهم أو أطلق إلا أن يقصد أنه يكون لهم حتى ينقرض للآخر منهم ثم يعود لورثتهم فإنه لا حق للورثة إلا بعد انقراض الآخر ثم يصير لورثتهم جمعيا فأعرف أنه لا بد من القصد في مثل هذا ولا تغتر بما
стр. 697
يذكره المفرعون في هذا المقام من أن الوقف على المعينين من الأولاد كل واحد منهم بموته ويقال لهذا وقف عين وأن الوقف على أولاده من غير تعيين تبقى فيهم حتى ينقرض الآخر ويعود لورثتهم ويقال لهذا وقف جنس.
وأما قوله: "ومثنى فصاعد بالفاء أو ثم لهم ما تناسلوا" فلا بد أن يقيد هذا بأنه عرف من قصده أنه أراد الأولاد ثم أولادهم ثم من بعدهم طبقة بعد طبقة أما لو قال أولادي ثم أولادهم واقتصر على هذا فإنه لا يتناول من بعد هاتين الطبقتين بل تشترك فيه الطبقة الأولى ثم الطبقة الثانية يصير نصيب كل واحد إلى ورثته كما قدمنا والعموم الكائن في قوله: ثم أولادهم هو باعتبار أهل تلك الطبقة المضافة إلى الأولاد باعتبار كل من يحدث من الطبقات الكائنة بعدهم.
قوله: "والقرابة والأقارب لمن ولده جد أبويه".
أقول: القرابة والأقارب معروفان في لغة العرب مدونان في كتب اللغة فإن كان ثم عرف تعين عليه حمل كلام الواقف فهو مقدم لأن كلامه لا يكون إلا على العرف الجاري بين أهل عصره وقد قسم النبي ﷺ سهم ذوي القربي المذكور في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الأنفال: ٤١] ، بني بتين هاشم وبني المطلب فعاتبه بعض بني أمية في إدخال بني المطلب في القسمة وإخراج بني أمية مع كونهم في القرابة إلى رسول الله ﷺ سواء فقال رسول الله ﷺ مبينا لهم وجه التخصيص لبني المطلب بأنهم لم يفارقوه في جاهلية ولا إسلام فكان هذا هو المقتضي لدخولهم مع بني هاشم ولم يدخلوا لكونهم من ذوي القربى. [البخاري "٣١٤٠"، أحمد ٤/٨١، ٨٣، ٨٥،"، أبو داود "٢٩٧٨"، النسائي "٤١٣٦"، ابن ماجة "٢٨٨١"] .
وأما قوله: "والأقرب فالأقرب لأقربهم إليه نسبا" فوجهه أن هذا العطف الكائن بين صيغتي التفصيل يدل على اعتبار الأقرب إلى الواقف ثم الأقرب فيقدم أقربهم إليه ثم من يليه ثم كذلك.
وأما قوله: "والأستر للأورع" فوجهه أن التمسك بالورع قد أخذ بأعلى أنواع الستر إلا أن يجري عرف يحمل عليه كلام الواقف بخلاف ذلك فهو مقدم.
وأما قوله: "والوارث لذي الإرث" فظاهر لأنه لا يريد إلا من يرثه بغير واسطة فإن قصد ما هو أعم من ذلك وجرى به عرفه وعرف أهل بلده حمل كلامه عليه.
وأما قوله: "وهذا الفلاني" الخ فلا وجه له وإن كانت الإشارة أقوى لكن المقاصد هي المعتبرة فإن قصد المسمى ولم يرد غيره فلا يتناول هذا التركيب من أشار إليه لأنه لا يخرج ماله عن ملكه إلا بطيبة من نفسه فلا يكون إلا لمن قصده.
[فصل
ويعود للواقف أو وارثه بزوال مصرفه ووارثه أو شرطه أو وقته وتورث منافعه
стр. 698
ويتأبد مؤقته ويتقيد بالشرط والاستثناء فيصح وقف أرض لما شاء ويستثنى غلتها لما شاء ولو عن أي حق فيهما وإلا تبعت الرقبة قيل ولا تسقط ما أسقطت وله أن يعين مصرفها] .
قوله: "فصل: ويعود للواقف أو وارثه بزوال مصرفه ووارثه".
أقول: الوقف تحبيس مؤيد ورجوعه إلى الواقف ووارثه عند انقطاع مصرفه يخالف التحبيس والتأبيد فإن قلت إذا زال مصرفه الذي وقفه عليه الواقف فماذا يكون وإلى أين يصير قلت ينبغي أن يصرف في مصرف مماثل لذلك المصرف الذي كان الصرف إليه كما يقتضيه قوله ﷺ لعمر: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها"، [البخاري "٥/٣٥٤"، مسلم "١٥/١٦٣٢"، وفي لفظ: "حبس أصلها وسبل ثمرتها"، فبقاء العين الموقوفة على ما يوجبه الوقف هو معنى التحبيس وزوال مصرفه لا يرفع هذا التحبيس لأنه تحبيس مطلق ولو كان مقيدا ببقاء المصرف لم يكن وقفا وسيأتي للمصنف أن رقبة الوقف النافذ وفروعه ملك لله محبسة للانتفاع فكيف يعود ما قد صار ملكا لله للواقف أو وارثه وهكذا لا يعود بزوال شرطه لأن هذا شرط يخالف موجب الوقف ويرفعه وهكذا لا يصلح قوله أو وقته لأن التوقيت يخالف ما يقتضيه الوقف من التحبيس المؤبد وقد حمل هذا على وقت الصرف لا وقت الوقف لما سيأتي للمصنف من قوله ويتأبد مؤقته وهكذا لا تورث منافعه لأن منافع ما قد صار محبسا لله عزوجل تحبيسا مؤبدا هي لله عزوجل.
وأما قوله: "ويتأبد مؤقته" فظاهر ولا يكون وقفا إلا بذلك.
وأما قوله: "ويتقيد بالشرط" فمعناه أنه إذا قيد إيقاع الوقف منه بشرط تقيد كأن يقول إن شفى الله مريضي فقد وقفت كذا وهكذا يتقيد بالاستثناء لأنه ملكه فيخرج منه بالاستثناء ما شاء ومن هذا قوله ويصح وقف أرض لما شاء ويستثني غلتها لما شاء وبعد أن يستوفي المصرف الذي استثنى الغلة له ما هو عليه من زكاة أو مظلمة أو نحوهما أن يعين مصرف الوقف ولا مانع من ذلك.
[فصل
ومن فعل في شيء ما ظاهره التسبيل خرج عن ملكه كنصيب جسر وتعليق باب في مسجد لا نحو قنديل ولا اقتطاع أو شراء بنيته له ومتى كملت شروط المسجد صح الوقف عليه وهي أن يلفظ بنية تسبيله سفلا وعلوا أو يبنيه ناويا ويفتح بابه إلى ما الناس فيه على سواء مع كونه في ملك أو مباح محض أو حق عام بإذن الإمام ولا ضرر فيه ولا
стр. 699
تحول آلاته وأوقافه بمصيره في قفر ما بقي قراره فإن ذهب عاد لكل ما وقف وقفا] .
قوله: "فصل: ومن فعل في شيء ما ظاهره التسبيل خرج عن ملكه".
أقول: ليس بمثل هذا تخرج أموال العباد المعصومة بعصمة الإسلام عن أملاكهم ولا قائل يقول إن مجرد القرينة يقتضي الأملاك وغاية ما في هذا حصول قرينة أنه قد وقف ذلك الشيء الذي فعله في المسجد ونحوه من مصحف أو نحوه فلا بد أن يعلم أنه قد أخرج ذلك علن ملكه وتقرب به وإلا فهو باق على ملكه والأصل عدم الوقف وعدم التسبيل ومثل هذا نصب الجرس وتعليق الباب في المسجد وهكذا تعليق القنديل حكمه حكم تعليق الباب ولا وجه للفرق بينهما وأما اقتطاع الخشب بينة كون ذلك وقفا وهكذا شراء شيء بنية كون ذلك وفقا فالظاهر أنه قد صار بهذه النية وقفا لأن النية هي التي يصير بها الوقف وقفا ولا اعتبار بالألفاظ كما قدمنا غير مرة فإذا أقر بوقوع هذه النية منه لم يقبل منه الرجوع عنها.
قوله: "ومتى كملت شروطا لمسجد صح الوقف عليه".
أقول: يصح الوقف عليه ولو قبل كمال شروطه بل ولو قبل أن يعمر لأن التعليق للوقف بوقت مستقبل صحيح ولا مانع عنه من شرع ولا عقل وغايته أنه يتوقف نجاز الوقف على تمام المسجد.
وأما قوله: "وهي أن يلفظ بنية تسبيله سفلا وعلوا" فلا وجه لاشتراط اللفظ بل المعتبر حصول التراضي بمصيره مسجدا مسبلا ولو كان الدليل على هذا الرضا مجرد إشارة من قادر على النطق أو كتابة دالة على ذلك.
والحاصل أن اشتراط الألفاظ المخصوصة في هذا وغيره جمود لا وجه له من رواية ولا رأي وقد اصاب المصنف حيث قال أو يبنيه ناويا فإن هذه النية هي التي لا تعتبر غيرها وأما اشتراط أن يفتح بابه إلى ما الناس فيه على سواء فمبني على أنه لا يكون مسجدا إلا ما كان هكذا وليس على هذا الاشتراط أثارة من علم بل المسجد الذي يعمر خاصا بأهل قرية أو بعض قرية أو ملك الباني ليصلي فيه هو وأهله هو مسجد وحكمه حكم غيره من المساجد وإن كانت الصلاة فيه الجماعات أكثر ثوابا بالحديث: "صلاة الرجل مع الرجل أفضل من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أفضل كذلك ما كثرت الجماعة"، ومعلوم أن هذه الفضيلة لا تستلزم أن ما دون هذا المسجد الذي تكثر فيه الجماعات لا يكون مسجدا لا شرعا ولا عقلا ولا عادة.
وأما قوله: "مع كونه في ملك" فلا بد من ذلك لأن الإنسان لا يتقرب بغير ما هو مملوك له ومثله المباح الذي لا يتعلق به حق لأحد لأن بناء المسجد فيه تحجر له وقد قدمنا أن التحجر يفيد الملك كما يفيده الإحياء وأما الحق العام فلا بد من وجود المصلحة الراجحة وعدم وجود مفسدة على أهل الحق فإذا كان كذلك جاز للإمام أن يأذن له ببنائه وإلا فلا.
قوله: "ولا تحول آلاته وأوقافه" الخ.
стр. 700
أقول هذا جمود يخالف ما فيه المصلحة للواقف وما فيه المصلحة للمصرف فإن مصير المسجد إلى هذه الحالة وهو كونه في قفر لا يصلي فيه أحد يكون بقاء آلاته فيه واستمرار أوقافه عليه من إضاعة المال التي صح النهي عنها ومن إحرام الواقف ما يصل إليه من الصدقة الجارية ومن إحرام طائفة من المسلمين للانتفاع بهذه الآلات وبهذه الأوقاف في مسجد آخر مماثل لهذا المسجد فالعجب من استحسان مثل هذا الرأي والجزم به في المؤلفات التي هي دواوين علم الشرع.
وأما قوله: "فإن ذهب قراره عاد لكل ما وقف وقفا" فقد عرفناك فيما سلف عند قوله ويعود للواقف ما هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه إلى غيره.
[فصل
ولكل إعادة المنهدم ولو دون الأول ونقضه للتوسيع مع الحاجة وظن إمكان الإعادة ولا إثم ولا ضمان وإن عجز ويشرك اللحيق في المنافع وللمتولي كسب مستغل بفاضل غلته ولو بمؤنة منارة عمرت منها ولا يصير وقفا وصرف ما قيل فيه للمسجد أو لمنافعه أو لعمارته فما يزيد في حياته كالتدريس إلا ما ما قصره الواقف على منفعة معينة وفعل ما يدعو إليه وتزيين محرابه وتسريحه لمجرد القراءة ونسخ كتب الهداية ولو للناخ لا لمباح أو خاليا ومن نجسه فعليه أرش النقص وأجرة الغسل ولا يتولاه إلا بولاية فإن فعل لم يسقطا] .
قوله: "فصل: ولكل اعادة المنهدم" الخ.
أقول: عقل كل عاقل يستحسن هذا فكيف بما يدل عليه قواعد الشرع الكلية المبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد فإن ترك المنهدم على أنهدامه مفسدة ظاهرة على الواقف وعلى من يقصد ذلك المسجد من المسلمين وعمارته مصلحة واضحة لهم فإن وجد في أوقاف هذا المسجد ما يقوم بعمارته أو عمارة ما هو دونه فذلك متوجه على من إليه ولاية أوقافه وسيأتي للمصنف أنها تصرف غلة الوقف في إصلاحه وإذا لم يكن في أوقاف هذا المسجد ما يمكن عمارته فلا شك أن عمارته وإعادته إلى حالته أو دونها قربة ومثوبة وأقل أحول ذلك الندب لا كما تدل عليه عبارة المصنف من مجرد الجواز.
وأما قوله: "ونقضه للتوسيع مع الحاجة" فهذا وإن كان فيه مصلحة من جهة ففيه مفسدة من جهة أخرى هي كون الواقف أراد بالوقف أن يكون الثواب خاصا به وقد صار الآن مشتركا بينه وبين غيره لأنه قد صار مشتركا معه في أوقافه وأيضا تزداد هذه المفسدة بأن يكون
стр. 701
الذي أراد التوسيع ممن يظن عجزه عن التمام وماذا يفيد الواقف الأول مجرد ظنه لإمكان الإعادة.
وأما قوله: "وللمتولي كسب مستعمل بفاضل غلته" فهذا وجهه ظاهر لكن ينبغي أن يكون ذلك وقفا كأصله فإنه يصدق على هذا أنه من فروع الوقف وسيأتي للمصنف أن رقبة الوقف النافذ وفروعه ملك لله محبسة للانتفاع.
وأما قوله: "ولو بمؤنة منارة" الخ فما كان أغنى المصنف عن التعرض لهذه الصورة النادرة فإنه إنما يحسن ذكر ما يترتب على ذكره فائدة لا ما كان معلوما من الكلام مفهوما منه أوضح انفهام.
قوله: "وصرف ما قيل فيه هذا للمسجد" الخ.
أقول: هذا صحيح إذا لم يفهم من قصد الوقف أنه أراد شيئا معينا ولهذا قال المصنف إلا ما قصره الواقف على منفعة معينة.
وأما قوله: "وفعل ما يدعو الناس إليه" فلا شك أن في ذلك مصلحة يعود على الواقف بتكثير ثوابه لكن بشرط أن لا يكون ذلك مما لا يجوز لا كما قال المصنف وتزيين محرابه فإن هذا التزيين هو من المباهاة التي وردت في حديث أنس عن أحمد "٣/١٣٤، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣"، وأبي داود "٤٤٩"، والنسائي ٦٨٩"، وابن ماجه ٧٣٩"، مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، ولفظ النسائي "٦٨٩"، من هذا حديث: "من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المسجد"، وهو أيضا من الزخرفة التى ورد فيها أنها من صنيع اليهود والنصارى وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد"، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى, ومما يدل على كراهة تزيين قبلة المسجد على الخصوص بشيء يلهي المصلي ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عثمان بن طلحة أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة فقال: "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يلهي المصلي".
وأما قوله: "وتسريحه ... " الخ فقد أفاده ما تقدم من قوله ما يزيد في حياته كالتدريس فإن التسريح يزيد في حياته بجلب الناس إليه للقطع بأن الناس إلى مسجد فيه سراج أرغب منهم إلى مسجد مظلم وقد أذن ﷺ ببعث زيت لتسريح مسجد بيت المقدس كما في سنن أبي داود "٤٥٧".
قوله: "ومن نجسه فعليه أرش النقص وأجرة الغسل".
أقول: هذا صحيح لأنه معتد للتنجيس وإن كان الأمر أوسع من هذا لحديث الأعرابي الذي دخل المسجد فبال فيه فقال النبي ﷺ : "صبوا عليه ذنوبا من ماء"، وهو في صحيح ولو يقل قم يا اعرابي فاغسل بولك وأما كونه لا يتولى ذلك إلا بولاية فهذا تشدد في غير موضعه
стр. 702
والأمر أيسر من ذلك وقد زاد المصنف في التشديد فقال فإن فعل لم يسقط فإن هذا المنجس للمسجد قد فعل ما عليه وأصلح ما أفسد فكيف لا يسقط عنه أرش النقص وأجرة الغسل.
[فصل
وولاية الوقف إلى الواقف ثم منصوبة وصيا أو واليا ثم الموقوف عليه معينا ثم الإمام والحاكم ولا يعترضا من مر إلا لخيانة أو بإعانة وتعتبر الدالة على الأصح ومن اعتبرت فيه ففسق عادت ولايته الأصلية بمجرد التوبة كالإمام والمستفادة كالحاكم بها مع تجديد التولية والاختبار م إلا الوصي قبل الحكم بالعدل فكالإمام وتبطل تولية أصلها بموته ما تدارجت وإن بقي الوسائط لا العكس ومن صلح لشيء ولا إمام فعله بلا نصب على الأصح] .
قوله: "فصل: وولاية الوقف إلى الواقف" الخ.
أقول: وجه هذا أنه لما قصد بذلك الوقف أن يكون صدقة جارية له وثمرة يستفيد ثوابها حيا وميتا كانت هذه العلاقة التي هي الثمرة المستفادة من الوقف مقتضية لأن يكون للواقف ومن يلي من جهته مدخلا فيما فيه جلب مصلحة للوقف ودفع مفسدة عنه ولا نيافي ذلك كون الرقبة قد صارت لله محبسه للانتفاع بها كما قررناه فيما سبق لأن هذه العلاقة التي للواقف ومن يلي من جهته هي مقدمة على من له ولاية عامة من إمام أو حاكم وأما ولاية الموقوف عليه فلكونه المستحق لمنافع الوقف فجلب مصالحه ودفع مفاسده هو أخص الناس به فلا يبعد أن يقال إن هذه العلاقة للموقوف عليه مقدمة على العلاقة التي للواقف فإن الثواب الصائر إلى الواقف هو أثر من أثار هذه الفوائد الصائرة إلى الموقوف عليه وإذا لم يوجد واقف ولا موقوف عليه أو وجدا وهما لا يصلحان لذلك فالنظر إلى الإمام والحاكم وإذا لم يعلم الواقف عليه على ما تقتضيه المصلحة ويوجبه العدل فلهما أن يرادهما إلى الصواب ويبطلا ما وقع من تصرفاتهما مخالفا لطريقه الحق.
قوله: "وتعتبر العدالة على الأصح".
أقول: هذه الولاية على الوقف لا بد فيمن هي إليه من أن يكون ساعيا في جلب مصالحه ودفع المفاسد عنه ومن أعظم المفاسد أن يكون خائنا غير أمين ومعلوم أن من لم يتنزه عن محظورات الدين ويتساهل عن القيام بفرائضه لا يؤمن في الأموال فاعتبار العدالة فيمن أنيطت به هذه الولاية أمر لا بد منه وحق على الإمام والحاكم أن ينزعا يد من لم يكن كذلك فإنه وإن سعى في مصالح الوقف أبلغ سعى فإنه مظنة للخيانة لأن الأمور الدينية متساوية الأقدام ومن خان الله في بعضهما لا يؤمن في البعض الآخر.
стр. 703
قوله: "ومن اعتبرت فيه ففسق" الخ.
أقول: هذا كلام يشمل جميع الولايات مع الفرق بين الولاية الأصلية والمستفادة ولا يخفاك أن حدوث أمر في العدل يوجب سلب العدالة عنه وإن لم يكن فسقا هو مانع من القبول المشروط بالعدالة ومن بقاء الولاية المشروطة بها فلا بد من تحقق عدمه على وجه يحصل به انثلاج القلوب واطمئنان الخواطر بأن ملكة العدالة قد عادت لذلك الشخص كما كانت قبل حدوث هذا المانع فإذا حصل هذا صار عدلا يجوز له أن يباشر ما كان يباشره قبل حدوث ذلك المانع ولا يحتاج إلى تجديد تولية لأن انعزاله وبطلان ولايته مشروطان باستمرار ذلك المانع وقد ذهب ولم يستمر وليس لمن إليه الولاية المستفادة منه أن يأبى من قبوله ويصمم على نزع يده إلا إذا لم ينشرح صدره بعدالته المتجددة لأمر بنبغي التوقف عنده لا لمجرد الشك والوسوسة.
قوله: "وتبطل توليه أصلها الإمام بموته" الخ.
أقول: هذه الولاية من الإمام الواقعة لشخص من الأشخاص في أمر من الأمور إن كانت مقيدة بمدة حياته كان وجه بطلانها هو انقضاء الوقت الذي هي مقيدة به وأما إذا كانت مطلقة غير مقيدة لبطلانها بموت الإمام لأنها ولاية واقعة من أهلها مصادفة لمحلها ولا دليل بيد من قال ببطلانها لا من رواية ولا من دراية والأصل عدم حدوث المانع كما أن الأصل عدم ارتفاع المقتضى ولو كان مجرد موت الإمام مؤثرا لبطلان ولاية من من جهته لكان موت من عقد الإمامة للإمام من رؤس المسلمين مؤثرا لبطلان ولاية الإمام وارتفاع إمامته واللازم باطل بإجماع المسلمين سابقهم ولاحقهم فالملزوم مثله.
قوله: "ولمن صلح لشيء ولا إمام فعله" الخ
أقول: جاء المصنف ﵀ بهذه الكلية لما قدمه من الكلام في عموم الولايات وإن كان محل الجميع كتاب السير وينبغي أن تعلم أن نصيب الأئمة الثابت في هذه الشريعة ثبوتا لا ينكره من يعرفها من أقواله ﷺ ثم وقوعه بالفعل بعد موته ﷺ من الصحابة فمن بعدهم ليس فيه ما ينفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أفراد المسلمين وإن كان الأئمة هم المقدمون في ذلك والأحقون به لكن إذا فعلوا كان ذلك مسقطا لهذا الفرض المعلوم بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والمجمع عليه من جميع الأمة وإن لم يفعلوا أو لم يطلعوا على ذلك فالخطاب باق على أفراد المسلمين لا سيما على العلماء فإن الله سبحانه قد أخذ عليهم البيان للناس فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وقال في الآية التي بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] ، فإذا كان البيان لا يتم إلا بإيقاع حكم الله بالحكم مع التمكن من ذلك فما لا يتم الواجب إلا به واجب كوجوبه.
والحاصل أن الغرض المقصود للشارع من نصيب الأئمة هو أمر أولهما وأهمهما إقامة منار الدين وتثبيت العباد على صراطه المستقيم ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعا
стр. 704
وكرها وثانيهما تدبير المسلمين في جلب مصالحهم ودفع المفاسد عنهم وقسمة أموال الله فيهم وأخذها ممن هي عليه وردها فيمن هي له وتجنيد الجنود وإعداد العدة لدفع من أراد أن يسعى في الأرض فسادا من بغاة المسلمين وأهل الجسارة منهم من التسلط على ضعفاء الرعية ونهب أموالهم وهتك حرمتهم وقطع سبلهم ثم القيام في وجه عدوهم من الطوائف الكفرية إن قصدوا ديار الإسلام وغزوهم إلى ديار الكفر إن أطاق المسلمون ذلك ووجدوا من العدد والعدة ما يقوم به فهذا هو موضوع الإمام الذي ورد الشرع بنصبه وعلى المسلمين إخلاص الطاعة له في غير معصية الله وامتثال أوامره ونواهيه في المعروف غير المنكر وعدم منازعته وتحريم نزع أيديهم من طاعته إلا أن يروا كفرا بواحا كما وردت بذلك الأدلة المتواترة التي لا يشك في تواترها إلا من لا يعرف السنة المطهرة وإذا كان الأمر هكذا فليس ها هنا ما يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام ببيان حجج الله والإرشاد إلى فرائضه والزجر عن مناهيه ولا يصلح وجود الإمام مسقطا لذلك لكنه إذا قام بشيء منه وجب على المسلمين معاضدته ومناصرته وإن لم يقم به فالخطابات المقتضية لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المسلمين على العموم باقية في أعناقهم معدودة في أهم تكليفاتهم لا خلوص لهم عنها إلا بالقيام بها على الوجه الذي أمر الله به وشرعه لعباده وهكذا العلماء فإنه بعد دخولهم في هذا التكليف دخولا أوليا مخاطبون بتكليف البيان على الوجه الذي ذكرناه وإذا تقرر لك مجموع ما ذكرناه عرفت الصواب ولم يبق بينك وبين دركه حجاب.
[فصل
وللمتولي البيع والشراء لمصلحة والبينة عليه إن نوزع فيها ومعاملة نفسه بلا عقد والصرف فيها وفي واحد أو أكثر ودفع الأرض ونحوها إلى المستحق للاستغلال إلا عن حق فيؤجرها منه ثم يقبض الأجرة ويرد بنيته قيل أو يبريه كالإمام يقف ويبريء من بيت المال وتأجيره دون ثلاث سنين والعمل بالظن فيما التبس مصرفه ولا يبيع بثمن المثل مع وقوع الطلب بالزيادة ولا يتبرع بالبذر حيث الغلة عن حق ولا يضمن إلا ما قبض إن فرط أو كان أجيرا مشتركا وتصرف غلة الوقف في إصلاحه ثم في مصرفه وكذلك الوقف عليه ثم في مصرف الأول ومن استعمله لا بإذن واليه فغاصب غالبا وعليه الأجرة وإليه صرفها إلا ما عن حق فإلى المنصوب] .
قوله: "فصل: وللمتولي البيع والشراء لمصلحة".
أقول: بل عليه ذلك مع تيقن المصلحة ولا يجوز له الإخلال به وإذا كان عدلا مرضيا فقد
стр. 705
نفذ تصرفه ولا يقبل منازعته وقد تقدم أن القول له في مصلحة وبيع سريع الفساد إلى آخر كلام المصنف وقد ذكرنا هنالك ما ينبغي الرجوع إليه من هنا ولا مانع له من معاملة نفسه ولا من الصرف إليها لأن عدالته تقتضي أنه لا يفعل ذلك إلا لوجه مطابق وكذا له الصرف في واحد أو أكثر على حسب ما تقتضيه المصلحة وهكذا دفع الأرض إلى المستحق إلى آخر كلام المصنف فإن هذا كله تقتضيه الولاية التي قام بها العدل المستحق لما وليه وهكذا الإبراء منه عن الحق الواجب فإن له ذلك.
وأما قوله: "كالإمام يقف ويبريء من بيت المال" فلا يخفاك أن بيت المال هو بيت مال المسلمين وهم المستحقون له وليس له إلا تفريق ذلك بينهم ويأخذ لنفسه ما يستحقه من الأجرة فليس له أن يفعل فيه ما يحول بينه وبين المستحقين إلا أن يكون في ذلك مصلحة راجحة عائدة عليهم في الوقف والإبراء فهو الناظر في مصالح المسلمين.
قوله: "وتأجيره دون ثلاث سنين".
أقول: لا وجه لهذا التقدير بل إذا كانت المصلحة في استمرار التأجير وتطويل مدته كان ذلك هو الذي ينبغي فعله وإن اقتضى الحال تقليل مدة الإجارة لمصلحة عائدة على الوقف كان له ذلك وأما تعليل التقرير بهذه المدة بأنه يخشى على الوقف أن يدعي المستأجر له أنه ملكه فما أبعد هذا التجويز فإن الأوقاف تشتهر وتظهر حيث لا تلبيس بالأملاك بعد المدة الطويلة فإن كان هذا التجويز مما يحصل مثله لمن إليه الولاية فعل ما تقتضيه المصحلة وأما العمل بالظن فيما التبس مصرفه فذلك جائز للمتولي إذا لم يبق إلى اليقين سبيل وهكذا لا يبيع بثمن المثل مع وقوع الطلب بالزيادة لأن في الزيادة جلب مصلحة للوقف ما لم يعارضها مفسدة مقدمة عليها وهكذا ليس له أن يتبرع بالبذر حيث الغلة عن حق ولا وجه لتخصيص هذه الصورة بالتنصيص عليها جوازا أو منعا بل عليه أن يفعل ما فيه مصلحة خالصة غير معارضة بما هو أرجح منها كائنا ما كان يترك ما لا مصلحة فيه كائنا ما كان وأما كونه لا يضمن إلا بالتفريط فظاهر وهكذا يضمن ما جنى عليه ولا وجه لقوله أو كان أجيرا مشتركا وقد قدمنا الكلام على الأجير المشترك فليرجع إليه.
وأما قوله: "ويصرف غلة الوقف في إصلاحه" فوجه ذلك ظاهر لأن الرقبة مقدمة على كل شيء إذ بصلاحها تدم الفائدة العائدة على المصرف والواقف ثم ما فاض عن ذلك صرف في مصرفه الذي عينه الواقف وحكم الوقف على الوقف حكم الوقف.
وأما قوله: "ومن استعمله لا بإذن واليه فغاصب" فوجه ذلك أنه أقدم إلى استعمال ما لم يأذن له الشرع باستعماله فهو كما لو أقدم على استعمال ملك الغير وما لزمه بالغصب كان إلى والى الوقف يصرفه فيما فيه مصلحة وليس إلى هذا الغاصب صرف ولا غيره.
следующие страницы →