Полный текст (1 078 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
الذي أراد التوسيع ممن يظن عجزه عن التمام وماذا يفيد الواقف الأول مجرد ظنه لإمكان الإعادة.
وأما قوله: "وللمتولي كسب مستعمل بفاضل غلته" فهذا وجهه ظاهر لكن ينبغي أن يكون ذلك وقفا كأصله فإنه يصدق على هذا أنه من فروع الوقف وسيأتي للمصنف أن رقبة الوقف النافذ وفروعه ملك لله محبسة للانتفاع.
وأما قوله: "ولو بمؤنة منارة" الخ فما كان أغنى المصنف عن التعرض لهذه الصورة النادرة فإنه إنما يحسن ذكر ما يترتب على ذكره فائدة لا ما كان معلوما من الكلام مفهوما منه أوضح انفهام.
قوله: "وصرف ما قيل فيه هذا للمسجد" الخ.
أقول: هذا صحيح إذا لم يفهم من قصد الوقف أنه أراد شيئا معينا ولهذا قال المصنف إلا ما قصره الواقف على منفعة معينة.
وأما قوله: "وفعل ما يدعو الناس إليه" فلا شك أن في ذلك مصلحة يعود على الواقف بتكثير ثوابه لكن بشرط أن لا يكون ذلك مما لا يجوز لا كما قال المصنف وتزيين محرابه فإن هذا التزيين هو من المباهاة التي وردت في حديث أنس عن أحمد "٣/١٣٤، ١٤٥، ١٥٢، ٢٣٠، ٢٨٣"، وأبي داود "٤٤٩"، والنسائي ٦٨٩"، وابن ماجه ٧٣٩"، مرفوعا: "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد"، ولفظ النسائي "٦٨٩"، من هذا حديث: "من أشراط الساعة أن يتباهى الناس في المسجد"، وهو أيضا من الزخرفة التى ورد فيها أنها من صنيع اليهود والنصارى وأخرج أبو داود عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : "ما أمرت بتشييد المساجد"، قال ابن عباس: لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى, ومما يدل على كراهة تزيين قبلة المسجد على الخصوص بشيء يلهي المصلي ما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث عثمان بن طلحة أن النبي ﷺ دعاه بعد دخوله الكعبة فقال: "إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يلهي المصلي".
وأما قوله: "وتسريحه ... " الخ فقد أفاده ما تقدم من قوله ما يزيد في حياته كالتدريس فإن التسريح يزيد في حياته بجلب الناس إليه للقطع بأن الناس إلى مسجد فيه سراج أرغب منهم إلى مسجد مظلم وقد أذن ﷺ ببعث زيت لتسريح مسجد بيت المقدس كما في سنن أبي داود "٤٥٧".
قوله: "ومن نجسه فعليه أرش النقص وأجرة الغسل".
أقول: هذا صحيح لأنه معتد للتنجيس وإن كان الأمر أوسع من هذا لحديث الأعرابي الذي دخل المسجد فبال فيه فقال النبي ﷺ : "صبوا عليه ذنوبا من ماء"، وهو في صحيح ولو يقل قم يا اعرابي فاغسل بولك وأما كونه لا يتولى ذلك إلا بولاية فهذا تشدد في غير موضعه
стр. 702
والأمر أيسر من ذلك وقد زاد المصنف في التشديد فقال فإن فعل لم يسقط فإن هذا المنجس للمسجد قد فعل ما عليه وأصلح ما أفسد فكيف لا يسقط عنه أرش النقص وأجرة الغسل.
[فصل
وولاية الوقف إلى الواقف ثم منصوبة وصيا أو واليا ثم الموقوف عليه معينا ثم الإمام والحاكم ولا يعترضا من مر إلا لخيانة أو بإعانة وتعتبر الدالة على الأصح ومن اعتبرت فيه ففسق عادت ولايته الأصلية بمجرد التوبة كالإمام والمستفادة كالحاكم بها مع تجديد التولية والاختبار م إلا الوصي قبل الحكم بالعدل فكالإمام وتبطل تولية أصلها بموته ما تدارجت وإن بقي الوسائط لا العكس ومن صلح لشيء ولا إمام فعله بلا نصب على الأصح] .
قوله: "فصل: وولاية الوقف إلى الواقف" الخ.
أقول: وجه هذا أنه لما قصد بذلك الوقف أن يكون صدقة جارية له وثمرة يستفيد ثوابها حيا وميتا كانت هذه العلاقة التي هي الثمرة المستفادة من الوقف مقتضية لأن يكون للواقف ومن يلي من جهته مدخلا فيما فيه جلب مصلحة للوقف ودفع مفسدة عنه ولا نيافي ذلك كون الرقبة قد صارت لله محبسه للانتفاع بها كما قررناه فيما سبق لأن هذه العلاقة التي للواقف ومن يلي من جهته هي مقدمة على من له ولاية عامة من إمام أو حاكم وأما ولاية الموقوف عليه فلكونه المستحق لمنافع الوقف فجلب مصالحه ودفع مفاسده هو أخص الناس به فلا يبعد أن يقال إن هذه العلاقة للموقوف عليه مقدمة على العلاقة التي للواقف فإن الثواب الصائر إلى الواقف هو أثر من أثار هذه الفوائد الصائرة إلى الموقوف عليه وإذا لم يوجد واقف ولا موقوف عليه أو وجدا وهما لا يصلحان لذلك فالنظر إلى الإمام والحاكم وإذا لم يعلم الواقف عليه على ما تقتضيه المصلحة ويوجبه العدل فلهما أن يرادهما إلى الصواب ويبطلا ما وقع من تصرفاتهما مخالفا لطريقه الحق.
قوله: "وتعتبر العدالة على الأصح".
أقول: هذه الولاية على الوقف لا بد فيمن هي إليه من أن يكون ساعيا في جلب مصالحه ودفع المفاسد عنه ومن أعظم المفاسد أن يكون خائنا غير أمين ومعلوم أن من لم يتنزه عن محظورات الدين ويتساهل عن القيام بفرائضه لا يؤمن في الأموال فاعتبار العدالة فيمن أنيطت به هذه الولاية أمر لا بد منه وحق على الإمام والحاكم أن ينزعا يد من لم يكن كذلك فإنه وإن سعى في مصالح الوقف أبلغ سعى فإنه مظنة للخيانة لأن الأمور الدينية متساوية الأقدام ومن خان الله في بعضهما لا يؤمن في البعض الآخر.
стр. 703
قوله: "ومن اعتبرت فيه ففسق" الخ.
أقول: هذا كلام يشمل جميع الولايات مع الفرق بين الولاية الأصلية والمستفادة ولا يخفاك أن حدوث أمر في العدل يوجب سلب العدالة عنه وإن لم يكن فسقا هو مانع من القبول المشروط بالعدالة ومن بقاء الولاية المشروطة بها فلا بد من تحقق عدمه على وجه يحصل به انثلاج القلوب واطمئنان الخواطر بأن ملكة العدالة قد عادت لذلك الشخص كما كانت قبل حدوث هذا المانع فإذا حصل هذا صار عدلا يجوز له أن يباشر ما كان يباشره قبل حدوث ذلك المانع ولا يحتاج إلى تجديد تولية لأن انعزاله وبطلان ولايته مشروطان باستمرار ذلك المانع وقد ذهب ولم يستمر وليس لمن إليه الولاية المستفادة منه أن يأبى من قبوله ويصمم على نزع يده إلا إذا لم ينشرح صدره بعدالته المتجددة لأمر بنبغي التوقف عنده لا لمجرد الشك والوسوسة.
قوله: "وتبطل توليه أصلها الإمام بموته" الخ.
أقول: هذه الولاية من الإمام الواقعة لشخص من الأشخاص في أمر من الأمور إن كانت مقيدة بمدة حياته كان وجه بطلانها هو انقضاء الوقت الذي هي مقيدة به وأما إذا كانت مطلقة غير مقيدة لبطلانها بموت الإمام لأنها ولاية واقعة من أهلها مصادفة لمحلها ولا دليل بيد من قال ببطلانها لا من رواية ولا من دراية والأصل عدم حدوث المانع كما أن الأصل عدم ارتفاع المقتضى ولو كان مجرد موت الإمام مؤثرا لبطلان ولاية من من جهته لكان موت من عقد الإمامة للإمام من رؤس المسلمين مؤثرا لبطلان ولاية الإمام وارتفاع إمامته واللازم باطل بإجماع المسلمين سابقهم ولاحقهم فالملزوم مثله.
قوله: "ولمن صلح لشيء ولا إمام فعله" الخ
أقول: جاء المصنف ﵀ بهذه الكلية لما قدمه من الكلام في عموم الولايات وإن كان محل الجميع كتاب السير وينبغي أن تعلم أن نصيب الأئمة الثابت في هذه الشريعة ثبوتا لا ينكره من يعرفها من أقواله ﷺ ثم وقوعه بالفعل بعد موته ﷺ من الصحابة فمن بعدهم ليس فيه ما ينفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على أفراد المسلمين وإن كان الأئمة هم المقدمون في ذلك والأحقون به لكن إذا فعلوا كان ذلك مسقطا لهذا الفرض المعلوم بالأدلة القطعية من الكتاب والسنة والمجمع عليه من جميع الأمة وإن لم يفعلوا أو لم يطلعوا على ذلك فالخطاب باق على أفراد المسلمين لا سيما على العلماء فإن الله سبحانه قد أخذ عليهم البيان للناس فقال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ، وقال في الآية التي بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] ، فإذا كان البيان لا يتم إلا بإيقاع حكم الله بالحكم مع التمكن من ذلك فما لا يتم الواجب إلا به واجب كوجوبه.
والحاصل أن الغرض المقصود للشارع من نصيب الأئمة هو أمر أولهما وأهمهما إقامة منار الدين وتثبيت العباد على صراطه المستقيم ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعا
стр. 704
وكرها وثانيهما تدبير المسلمين في جلب مصالحهم ودفع المفاسد عنهم وقسمة أموال الله فيهم وأخذها ممن هي عليه وردها فيمن هي له وتجنيد الجنود وإعداد العدة لدفع من أراد أن يسعى في الأرض فسادا من بغاة المسلمين وأهل الجسارة منهم من التسلط على ضعفاء الرعية ونهب أموالهم وهتك حرمتهم وقطع سبلهم ثم القيام في وجه عدوهم من الطوائف الكفرية إن قصدوا ديار الإسلام وغزوهم إلى ديار الكفر إن أطاق المسلمون ذلك ووجدوا من العدد والعدة ما يقوم به فهذا هو موضوع الإمام الذي ورد الشرع بنصبه وعلى المسلمين إخلاص الطاعة له في غير معصية الله وامتثال أوامره ونواهيه في المعروف غير المنكر وعدم منازعته وتحريم نزع أيديهم من طاعته إلا أن يروا كفرا بواحا كما وردت بذلك الأدلة المتواترة التي لا يشك في تواترها إلا من لا يعرف السنة المطهرة وإذا كان الأمر هكذا فليس ها هنا ما يسقط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام ببيان حجج الله والإرشاد إلى فرائضه والزجر عن مناهيه ولا يصلح وجود الإمام مسقطا لذلك لكنه إذا قام بشيء منه وجب على المسلمين معاضدته ومناصرته وإن لم يقم به فالخطابات المقتضية لوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على المسلمين على العموم باقية في أعناقهم معدودة في أهم تكليفاتهم لا خلوص لهم عنها إلا بالقيام بها على الوجه الذي أمر الله به وشرعه لعباده وهكذا العلماء فإنه بعد دخولهم في هذا التكليف دخولا أوليا مخاطبون بتكليف البيان على الوجه الذي ذكرناه وإذا تقرر لك مجموع ما ذكرناه عرفت الصواب ولم يبق بينك وبين دركه حجاب.
[فصل
وللمتولي البيع والشراء لمصلحة والبينة عليه إن نوزع فيها ومعاملة نفسه بلا عقد والصرف فيها وفي واحد أو أكثر ودفع الأرض ونحوها إلى المستحق للاستغلال إلا عن حق فيؤجرها منه ثم يقبض الأجرة ويرد بنيته قيل أو يبريه كالإمام يقف ويبريء من بيت المال وتأجيره دون ثلاث سنين والعمل بالظن فيما التبس مصرفه ولا يبيع بثمن المثل مع وقوع الطلب بالزيادة ولا يتبرع بالبذر حيث الغلة عن حق ولا يضمن إلا ما قبض إن فرط أو كان أجيرا مشتركا وتصرف غلة الوقف في إصلاحه ثم في مصرفه وكذلك الوقف عليه ثم في مصرف الأول ومن استعمله لا بإذن واليه فغاصب غالبا وعليه الأجرة وإليه صرفها إلا ما عن حق فإلى المنصوب] .
قوله: "فصل: وللمتولي البيع والشراء لمصلحة".
أقول: بل عليه ذلك مع تيقن المصلحة ولا يجوز له الإخلال به وإذا كان عدلا مرضيا فقد
стр. 705
نفذ تصرفه ولا يقبل منازعته وقد تقدم أن القول له في مصلحة وبيع سريع الفساد إلى آخر كلام المصنف وقد ذكرنا هنالك ما ينبغي الرجوع إليه من هنا ولا مانع له من معاملة نفسه ولا من الصرف إليها لأن عدالته تقتضي أنه لا يفعل ذلك إلا لوجه مطابق وكذا له الصرف في واحد أو أكثر على حسب ما تقتضيه المصلحة وهكذا دفع الأرض إلى المستحق إلى آخر كلام المصنف فإن هذا كله تقتضيه الولاية التي قام بها العدل المستحق لما وليه وهكذا الإبراء منه عن الحق الواجب فإن له ذلك.
وأما قوله: "كالإمام يقف ويبريء من بيت المال" فلا يخفاك أن بيت المال هو بيت مال المسلمين وهم المستحقون له وليس له إلا تفريق ذلك بينهم ويأخذ لنفسه ما يستحقه من الأجرة فليس له أن يفعل فيه ما يحول بينه وبين المستحقين إلا أن يكون في ذلك مصلحة راجحة عائدة عليهم في الوقف والإبراء فهو الناظر في مصالح المسلمين.
قوله: "وتأجيره دون ثلاث سنين".
أقول: لا وجه لهذا التقدير بل إذا كانت المصلحة في استمرار التأجير وتطويل مدته كان ذلك هو الذي ينبغي فعله وإن اقتضى الحال تقليل مدة الإجارة لمصلحة عائدة على الوقف كان له ذلك وأما تعليل التقرير بهذه المدة بأنه يخشى على الوقف أن يدعي المستأجر له أنه ملكه فما أبعد هذا التجويز فإن الأوقاف تشتهر وتظهر حيث لا تلبيس بالأملاك بعد المدة الطويلة فإن كان هذا التجويز مما يحصل مثله لمن إليه الولاية فعل ما تقتضيه المصحلة وأما العمل بالظن فيما التبس مصرفه فذلك جائز للمتولي إذا لم يبق إلى اليقين سبيل وهكذا لا يبيع بثمن المثل مع وقوع الطلب بالزيادة لأن في الزيادة جلب مصلحة للوقف ما لم يعارضها مفسدة مقدمة عليها وهكذا ليس له أن يتبرع بالبذر حيث الغلة عن حق ولا وجه لتخصيص هذه الصورة بالتنصيص عليها جوازا أو منعا بل عليه أن يفعل ما فيه مصلحة خالصة غير معارضة بما هو أرجح منها كائنا ما كان يترك ما لا مصلحة فيه كائنا ما كان وأما كونه لا يضمن إلا بالتفريط فظاهر وهكذا يضمن ما جنى عليه ولا وجه لقوله أو كان أجيرا مشتركا وقد قدمنا الكلام على الأجير المشترك فليرجع إليه.
وأما قوله: "ويصرف غلة الوقف في إصلاحه" فوجه ذلك ظاهر لأن الرقبة مقدمة على كل شيء إذ بصلاحها تدم الفائدة العائدة على المصرف والواقف ثم ما فاض عن ذلك صرف في مصرفه الذي عينه الواقف وحكم الوقف على الوقف حكم الوقف.
وأما قوله: "ومن استعمله لا بإذن واليه فغاصب" فوجه ذلك أنه أقدم إلى استعمال ما لم يأذن له الشرع باستعماله فهو كما لو أقدم على استعمال ملك الغير وما لزمه بالغصب كان إلى والى الوقف يصرفه فيما فيه مصلحة وليس إلى هذا الغاصب صرف ولا غيره.
стр. 706
[فصل
ورقبة الوقف النافذ وفروعه ملك لله حبسه للانتفاع فلا ينقض إلا بحكم ولا توطأ الأمة إلا بإنكاح وعلى بائعه استرجاعه كالغصب فإن تلف أو تعذر فعوضه لمصرفه وإن لم يقفه وما بطل نفعه في المقصود بيع لإعاضته وللواقف نقل المصرف فيما هو عن حق وفي غيره ونقل مصلحة إلى أصلح منها خلاف ويستقر للعبد ما وقف عليه بعتقه وقبله لسيده ومن وقف بعد موته فله الرجوع وينفذ في الصحة من رأس المال وفي المرض والوصية على الورثة كالتوريث وإلا فالثلث فقط ويبقى الثلثان لهم وفقا إن لم يجيزوا م ويصح فرارا من الدين ونحوه]
قوله: "فصل: ورقبة الوقف النافذ وفروعه" الخ.
أقول: قد قدمنا تقرير هذا والاستدلال عليه عند قوله ويعود إلى الواقف أو وارثه فلا نعيده ها هنا.
وأما قوله: "فلا ينقص إلا بحكم حاكم" فوجهه أن الحاكم العارف بمواقع الصلاح ومواطن الفساد والموازن بين الأمور المتعارضة بما تقتضيه الأدلة وتوجبه قواعد الشريعة لا يحكم إلا بما هو مطابق للحق موافق للصواب فحكمه حجة وعليه أيضا الوجه وبيان المستند حتى يرجع إلى حكمه كل واقف عليه.
وأما قوله: "ولا توطا الأمة إلا بإنكاح" فوجهه أن مجرد وقفها لا يحلل وطأها وهذا معلوم في الشريعة المطهرة لأن الوقف تحبيس لا تمليك ورقيمته ملك لله وأما كون على بائع الوقف استرجاعه فظاهر لأن باع ما لم يأذن له الشرع ببيعه بل ما حرم عليه.
بيعه ومنعه منه فعليه استرجاعه إن كان قد ثبتت عليه يد المشتري وليس ها هنا ما يطلق عليه اسم البيع ولا ما يصدق عليه حكمه فلهذا كان في يد من هو في يده كالغصب.
وأما قوله: "فإن تلف أو تعذر فعوضه لمصرفه وإن لم يفقه" فوجهه ظاهر لأن هذا العوض يصير كما كان عليه المعوض في كونه وقفا على المصرف المعين من الوقف وليس بغيره فيه حق.
قوله: "وما بطل نفعه في المقصود بيع لإعاضته".
أقول: إذا بطل نفع الوقف لم يبق فيه فائدة للواقف بالثواب الذي هو صائر إليه ولا للمصرف بالانتفاع به فإن ترك كذلك باطل النفع ذاهب الفائدة كان ذلك من أعظم التفريط من المتولى فواجب عليه أن يستدرك الأمر ببيعه بحسب الإمكان ويشتري بثمنه عوضا يكون وقفا كما كان وإن قل وتحقرت فائدته فإن الإعمال وإن قل خير من الإهمال وهذا وجه ظاهر لا يحتاج إلى الاستدلال عليه.
стр. 707
وأما قوله: "وللواقف نقل المصرف فيما هو عن حق" فوجهه أم أمر ذلك إليه كما يقتضيه جعله عن حق وله أن يصرف ما عليه من الحق إلا من اختاره من المصارف أو إلى هذا تارة وإلى هذا أخرى وأما فيما كان عن غير حق فقد صار للمصرف المعين بحكم الوقف عليه فلا ينقل إلا لسبب يقتضي ذل.
قوله: "ونقل مصلحة إلى أصلح منها خلاف".
أقول: قد تقرر أن الوقف ملك لله محبس للانتفاع به وما كان هكذا فلا ينظر فيه إلى جانب الواقف إلا من جهة العناية بمصير ثواب وقفه إليه على أكمل الوجوه وأتمها مهما كان ذلك ممكنا ومعلوم أن الاستبدال بالشيء إلى ما هو أصلح منه باعتبار الغرض المقصود من الوقف والفائدة المطلوبة من شرعيته حسن سائغ شرعا وعقلا لأنه جلب مصلحة خالصة عن المعارض وقد عرفناك غير مرة أن من عرف هذه الشريعة كما ينبغي وجدها مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد وها هنا قد وجد المقتضى وهو جلب المصلحة بظهور الأرجحية وانتفاء المانع وهو وجود المفسدة فلم يبق شك ولا ريب في حسن الاستبدال.
وأما قوله: "ويستقر للعبد ما وقف عليه بعتقه" فوجهه أن العبد لا يملك وهذا على قول من قال بذلك وأما من قال إنه يملك فيستقر عليه من عند وقوعه.
قوله: "ومن وقف بعد موته فله قبله الرجوع".
أقول: هذه الإضافة إلى بعد الموت لا تسوغ الرجوع لأن الوقف تصرف من الإنسان في ماله لقصد التقرب إلى الله به وإخراج لرقبته عن ملكه وتصييرها ملكا لله عزوجل وتحبيس للأصل وتسبيل للرقبة فمجرد الإضافة إلى بعد الموت لا تكون مسوغة للرجوع لأن الإيقاع بطيبة من النفس ورضا من القلب قد وقع فلا بد لمن قال بأن مجرد الإضافة إلى بعد الموت مسوغة للرجوع من دليل يدل على جواز إبطال هذا التصرف وإرجاعه إلى ما كان عليه من كونه ملكا لمن قد تصرف به والقول بأن ذلك وصية دعوى مجردة بل هذا وقف وقع من أهله مصادفا لمحله وغاية من توجبه الوصية على تسليم ما ذكروه في شأنها من أن ما كان مضافا منها إلى بعد الموت ينفذ من الثلث أن يكون هذا الوقف نافذا من الثلث وأما جعل الرجوع فيه جائزا على الإطلاق فلا هو موافق للدليل ولا لما بنوا عليه كثيرا من هذه التفريعات من القواعد التى نزلوها منزلة الأدلة خبطا وجزافا ومن هذا الخبط قوله وينفذ في الصحة من رأس المال الخ وسيأتي الكلام على هذه القاعدة في الوصايا إن شاء الله تعالى.
قوله: "ويصح فرارا من الدين ونحوه".
أقول: قد عرفناك فيما سبق أن الركن الأعظم والسبب الأكبر في صحة وقف الواقفين هو قصد القربة الصحيحة الخالصة عن الشوائب وما لا يوجد فيه ذلك فليس بوقف بل هو من التلاعب بأحكام الله ومن خلط الأحكام الشرعية بالأحكام الطاغوتية وكيف يصح وقف هذا الذي فر من الواجبات التي أوجبها الله عليه ما لم يوجبه عليه ولا طلبه منه بل ولا أذن له
стр. 708
به فإنه إنما أذن لعباده بالوقف الذي يكون سببا إلى التقرب إليه وطلب ما عنده من الخير وأين هذا من ذاك والحاصل أن القائل بجواز هذا الوقف مع تصريحه بأن الحامل عليه هو الفرار من قضاء الدين الذي هو على العبد من أهم الواجبات وأضيقها قد غلط أقبح الغلط وجوز ما تحرمه الشريعة تحريما لا شك فيه ولا شبهة.
стр. 709
كتاب الوديعة
[فصل
إنما تصح بين جائزى التصرف بالتراضي وهي أمانة فلا تضمن إلا لتعد كاستعمال ونحو إعارة وتحفظ فيما لا يحفظ مثلها في مثله أو معه وإيداع وسفر فلا عذر موجب فيهما ونقل لخيانة وترك التعهد والبيع لما يفسد والرد بعد الطلب وبجحدها والدلالة عليها ومتى زال التعدي في الحفظ صارت أمانة وإذا غاب مالكها بقيت حتى اليأس ثم للوارث ثم للفقراء وإن عين للتصدق بها وقتا جاز ما لم يتيقن موته وما أغفله الميت حكم بتلفه وما أجمله فدين وما عينه رد فورا وإلا ضمن كما يلقيه طائر أو ريح في ملك وإذا التبس من هي له لمن بين ثم لمن حلف ثم نصفان ويعطى الطالب حصته مما قسمته إفراز وإلا فبالحاكم والقول للوديع في ردها وعينها وتلفها وأن التالف وديعة لا قرض مطلقا ولا غصب إلا بعد أخذته وللمالك في ذلك إن جحدت فبين إلا العين وفي نفي الغلط والإذن بإعطاء الأجنبي] .
قوله: "فصل: إنما تصح بين جائزي التصرف بالتراضي".
أقول: مراده أنه لا تكون وديعة تثبت لها الأحكام التي سيذكرها إلا إذا كانت بين جائزي التصرف بالتراضي لأنه لو كان أحدهما غير جائز التصرف أو كلاهما كذلك لو يوجد حكم الوديعة لأنه إذا كان أحدهما صبيا أو مجنونا فإن كان الوديع كان المودع له واضعا ماله في مضيعة وإن كان المودع كان على الوديع أن يرد ما قبضه منه إلى وليه وإن كانا جميعا صبيين أو مجنونين كان الواجب على أوليائهما استدارك المال من أيديهما وحفظه وأما اشتراط أن يكون بالمراضاة فمعلوم أنهما لا تكون وديعة إلا بذلك وإلا كانت غصبا.
قوله: "وهي أمانة" الخ.
стр. 710
أقول: الأصل الشرعي هو عدم الضمان لأن مال الوديع معصوم بعصمة الإسلام فلا يلزم منه شيء إلا بأمر الشرع ولا يحتاج مع هذا الأصل إلى الاستدلال على عدم الضمان بما لم يثبت كما روى الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "لا ضمان على مؤتمن"، وما رواه أيضا من طريق أخرى عنه: "ليس على المستعير غير المغل ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان" فان في أسانيدهما من لا تقوم به الحجة وغاية ما يجب على الوديع هو التأدية لحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" وحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك" وقد قدمنا تخريجهما أما إذا جنى الوديع على الوديعة فهو ضامن ضمان الجناية كما لو جنى مال الغير وهكذا لو استعملها فتلفت بذلك فإنه أيضا جناية وهكذا لو أعارها أو أجرها أو فرط في حفظها بأن يتركها في أرض مسبعة أو نحو ذلك فإن هذا أيضا نوع من الجناية وقد قدمنا ما ينبغي الرجوع إليه مما له مزيد فائدة هنا ومن التفريط أن يردها مع من لا يحفظ مثلها مثله أو يودعها بغير إذن مالكها أو يسافر بها بلا عذر أو يترك تعهدها مع كونه يظن فسادها بترك التعهد لها لكن الظاهر أن هذا التعهد لا يجب عليه إلا إذا أخذ مالكها عليه ذلك وهكذا لا يجب بيع ما يخشى فساده إلا إذا اشترط عليه مالكها وأما وقوع الخيانة منه فإنه ينقلب بذلك غاصبا ويخرج به عن كونه أمينا وهكذا إذا جحدها فإنه يصير بذلك غاصبا وهكذا إذا ترك ردها بعد الطلب لغير عذر فإنه يصير بذلك مفرطا تفريطا يكون به جانبا.
قوله: "ومتى زال التعدي في الحفظ صارت أمانة".
أقول: إذا فعل الوديع فعلا يخرج به عن كونه أمينا لم يعد له حكم الأمانة إلا بإيداع جديد وذلك بأن يعلم المالك حصول ذلك منه ثم يرضى ببقائها لديه وديعة كما كانت وهكذا سائر ما تقدم من الأسباب المقتضية للضمان لأن عود حكم الأمانة بعد رفعها لا يحصل بمجرد السلامة من ذلك التعدي ولا بمجرد عزم الوديع على عدم التعدي لأن الملك ملك الغير فلا بد من رضائه واخياره وإلا فلا وهذا ظاهر لا يخفى وأما كونه إذا وقع اليأس من عود مالكها دفعها الوديع إلى الوارث فهذا هوالواجب عليه لأن الوارث هو المستحق لتلك العين بعد حصول اليأس كما يستحقها بموت المالك وأما صرفها إلى الفقراء أو غيرهم فليس ذلك إليه ولا ولاية له عليه بل أمر ذلك إلى الأمام والحاكم إذا لم يوجد من له ولاية في مال المالك أقدم من ولايتهما من وصاية أو نحوها وأما كونه إذا عين للتصدق بها وقتا جاز فهذا معلوم لأن له أن يفعل في ملكه ما شاء.
وأما قوله: "ما لم يتيقن موته" فمبني على أنها قد صارت بالموت ملكا للورثة ولكن هذه المقالة قد أفادت أنه قد أخرجه عن ملكه إخراجا مؤقتا بوقت وذلك صحيح كما قدمنا غير مرة فلم يبق للوارث فيه حق وأما على قول من قال إن المضاف إلى بعد الموت وصية تنفذ من الثلث فإن كان مثل هذا يتسع له ثلث ماله فلا حق للوارث وإن كان لا يتسع له كان له المطالبة بما زاد على الثلث.
قوله: "وما أغفله الميت حكم بتلفه".
أقول: هذا الإغفال لا يقتضي هذا الإهمال حتى يقال إنه يحكم بتلفه بل غاية ما هنا أن
стр. 711
يقال إن القول قول الوارث للوديع في ردها كما كان القول قول الوديع في ذلك وهكذا يكون القول قوله في تلفها ويرجع بعد ذلك إلى طلب البينة من المالك أو اليمين من الوارث.
وأما قوله: "وما أجمله فدين" فهذا مبني على عدم وجود الوديعة في تركته بمجرد هذا الإجمال وهذا غير مسلم بل يرجع فيما بين المالك الورثة إلى البينة أو اليمين وقد قدمنا في المضاربة نحوا من هذا وأما كون ما عينه يرد فورا فظاهر لكن ترتيب الضمان على عدم الرد فورا غير مسلم بل لا يتضيق الرد على وارث الوديع إلا بطلب المالك فإن لم يرد بعد الطلب ضمن وأما ما يلقيه طائر أو ريح في ملك فليس على من ألقياه في ملكه إلا إعلام المالك بذلك وليس عليه الرد لا على الفور ولا التراخي لا من رواية ولا من دراية.
وأما قوله: "وإذا التبس من هي له" فوجهه ظاهر
وهكذا قوله: "ويعطى الطالب الطالب حصته" الخ
قوله: "والقول للوديع في ردها".
أقول: وجه ذلك أنه أمين مقبول القول مع يمينه وإن كان الأصل عدم الرد لكن هذه اليد الأمينة تقتضي عدم ثبوت الضمانة المتسببة عن عدم قبول قوله وهكذا الكلام في التغيير والتلف وكون التالف هو الوديعة عملا لما تقتضيه اليد الأمينة ولا وجه لقوله إلا بعد أخذته وديعة لأن هذا القول إنما يدل على ثبوت الإيداع على كون اليد يد غصب أو نحوه.
وأما قوله: "وللمالك في ذلك إن جحد" الخ فوجهه أن اليد الأمينة قد ارتفعت بالجحد وصارت اليد يد غصب والقول مع الغصب في تلك الأمور للمالك.
وأما قوله: "وفي نفي الغلط" فوجهه الأصل عدم الغلط ولكن الأولى أن يكون القول قول الوديع لأن اليد الأمينة لم ترتفع بهذا الغلط وهكذا دعوى الإذن بإعطاء الأجنبي لأنه وإن كان الأصل عدم الإذن لكن حكم اليد الأمينة باق.
стр. 712
كتاب الغصب
[هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا وإن لم ينو] .
قوله: "هو الاستيلاء على مال الغير عدوانا وإن لم ينو".
أقول: اليد العدوانية لا يمكن أن تكون عدوانية على الحقيقة إلا بالنية لأنها المدار الذي تدور عليه أحكام العدوان والخطأ فلا وجه لقوله وإن لم ينو ومعلوم أن إثبات اليد بغير إذن الشرع قد يكون بعد العلم بأن بغير إذن الشرع وليس العدوان إلا ذلك وهذا العلم هو النية التي
стр. 713
هي قصد الثبوت على مال الغير بغير إذن الشرع وقد يكون قبل العلم بأنه بغير إذن الشرع وحينئذ فلا عدوان لفقدان النية التي تتأثر عنها الغصبية فإن قلت إذا صار ما هو مغصوب إلى يد من لا يعلم بغصبه بشراء أو نحوه ثم تبين له بعد ذلك أنه غصب ماذا يجب عليه قلت يجب عليه إرجاعه إلى مالكه فإن لم يفعل بعد العلم كان له حكم الغاصب لأنه حينئذ قد صار مستوليا على مال الغير عدوانا لارتفاع الشبهة التي كانت معه وحصول اليقين الماحي لها.
[فصل
فلا يضمن من غير المنقول إلا ما تلف تحت يده وإن أثم وسمي غاصبا ومن المنقول إلا ما انتقل بفعله ولا ينقل ذي اليد نقلا ظاهرا أو في حكمه بغير إذن الشرع م ما ثبتت يده عليه كذلك وما نقل لإباحة عرف أو خوف منه أو عليه أم من نحو طريق فأمانة غالبا غصب] .
قوله: "فصل: ولا يضمن من غير المنقول إلا ما تلف تحت يده" الخ.
أقول: الشارع قد سماه غاصبا في حديث: "من غصب شبرا من الأرض" وهو في الصحيحين وغيرهما من حديث جماعة وقد اعترف المصنف بأنه يسمى غاصبا وموجب هذا أن تثبت عليه أحكام الغصب فيضمن ما تلف بعد الغصب وإن لم يتلف تحت يده ولا وجه للفرق بين المنقول وغيره فالاستيلاء على الشيء عدوانا وإثبات اليد عليه بغير أمر الشرع موجب للضمان في الجميع وأما اشتراط النقل الذي ذكره المصنف فلم يرد دليل ولا يتوقف عليه مفهوم الغصب لا شرعا ولا لغة.
وأما قوله: "وما نقل لإباحة عرف" الخ فهذا ليس من الغصب في شيء لأنها قد جرت عادة الناس بذلك وهكذا جرت عاداتهم بنقل ما هو ملك للغير لأجل الخوف منه أو عليه وذلك معدود من الإحسان عندهم وهكذا نقل ما اعترض في طريق المسلمين فإن الشرع والعرف قاضيان بجواز ذلك وليس لذكر مثل هذا في كتاب الغصب كثير فائدة ولكنه لما اشترط النقل بمجرد الرأي احتاج إلى إخراج هذه الصور من النقل وأما ما ذكره من التعثر فإن كان فاعله مأذونا له بالدخول من طريق الشرع أو من طريق العرف فليس بغصب ولا يلزمه ضمانه وإن لم يكن مأذونا فهو بمجرد دخوله ملك للغير غاصب فيضمن ما تلف بتعثره.
[فصل
ويجب رد عينه ما لم تستهلك ويستفدي غير النقدين بما لا يجحف إلى يد المالك إلا
стр. 714
صبيا ونحوه محجورا فيها أو إلى من أخذ منه إلا غاصبا مكرها أو في حكمه ونحو راع ليلا ويبرأ بمصيرها إلى المالك بأي وجه وإن جهل وبالتخلية الصحيحة وإن لم يقبض إلا لخوف ظالم ونحوه ويجب الرد إلى موضع الغصب وإن بعد أو الطلب إن كانت فيه فيهدم ويكسر ويذبح لرد ما هي فيه حيث له ذلك وإلا فقيمة الحيلولة على الأصح كعبد أبق أو أي شيء تتوسخ فتعذر رده] .
قوله: فصل: "ويجب رد عينه ما لم تستهلك".
أقول: هذا معلوم لأن الخطاب برد نفس المغصوب ثابت بقطعيات الشرع فليس للغاصب أن يعدل إلى قيمته ولا أباح له الشرع ذلك إلا برضا المالك ثم الاستفداء واجب وإن أجحف به كل الإجحاف لأنه قد وقع في معصية الغصب باختياره عدوانا ومخالفة للشرع ووجب عليه التخلص من هذه المظلمة بردها ما دامت موجودة ووجد إليها سبيلا وعلينا الأخذ على يد الظالم حتى يرد مظلمته للمطلوب ولا تأخذ به رأفة فاستثناء الإجحاف من غرائب المقالات ويكون الرد كما ذكر المصنف إلى يد المالك أو يد ولي غير المكلف وهذا معلوم وهكذا الرد إلى يد من أخذ ذلك الشيء منه إذا كان غير غاصب لحديث على اليد ما أخذت حتى تؤديه أما إذا كان غاصبا فالرد إليه غصب على غصب وظلم فوق ظلم.
وأما قوله: "ونحو راع ليلا" فالتعرض لذكره هذه الصورة النادرة لعل وجهه ثبوت عرف بين أهل قرية علم به المصنف أو من نقل هذا عنه ولكن بعد ثبوت معنى الغصب لا وجه لتخصيص بعض الصور إلا لمخصص مسوغ للرجوع إليه في صفة الرد وغيرها.
قوله: "ويبرأ بمصيرها إلى المالك بأي وجه".
أقول: الذي أوجبه الشرع على الغاصب أن يرد ما غصبه إلى مالكه ردا ظاهرا بحيث يعلم المغصوب عليه أن هذه العين هي التي غصبها عليه الغاصب وأنه قد تحلل من مظلمته له بردها إليه وأما جعل الرد بأي وجه محللا للغاصب من المظلمة مسقطا للضمان عنه وإن جهل المالك مجمود غير مرضي وخروج عن طريق الصواب.
قوله: "ويجب إلى موضع الغصب وإن بعد".
أقول: وجهه ظاهر ولا سيما إذا كان موضع الغصب هو الموضع المعتاد لاستقرار تلك العين المغصوبة فيه أو كان يلزم المالك مؤنة بردها إليه أو كان الرد إليه بعد الطلب من المالك فلا شك أن ذلك واجب على الغاصب وهكذا إذا طلب المالك ردها إليه إلى غير موضع الغصب وجب على الغاصب ذلك لأن التحلل من المظلمة لا يكون إلا على الوجه الذي يرضى به المالك وإن لم تكن تلك العين في الموضع الذي طلب المالك ردها إليه فلا وجه للتقييد بقوله إن كانت فيه.
قوله: "ويهدم ويكسر ويذبح حيث له ذلك".
стр. 715
أقول: وجه هذا ظاهر لأن رد المظلمة واجب على الظالم وإن تلف عليه ما تلف وغرم بسبب الرد ما غرم ولو أجحف به كما قدمنا وأما إذا كانت العين المغصوبة قد صارت في شيء مملوك لغير الغاصب بغير اختياره كأن يزد رد الحيوان الجوهرة المغصوبة ولا يمكن خروجها منه إلا بذبحه أو يدخل في شيء مملوك للغير ولا يخرج إلا بكسره فها هنا لا وجه لإتلاف ملك غير الغاصب لرد العين المغصوبة بل الوجه المطابق لقواعد الشرع أن يضمن الغاصب لصاحب العين المغصوبة ولمالك العين الأخرى قيمتها إن رضي بذلك ويأخذها الغاصب أو يشتري أحد المالكين العين التي للمالك الآخر وإذا لم يمكن الفصل إلا بنقص فيهما أو في أحدهما كان مضمونا على الغاصب وأما دفع قيمة الحيلولة فلا بد من تقييد ذلك بحصول الرضا من المالك فإن لم يرضى واختار تعجيل القيمة ورضي بمصير العين للغاصب وإذا رجعت فله ذلك وإن اختار الانتظار حتى تخلص تلك العين مما وقعت فيه بوجه فله أن يطالب الغاصب بأجرة مثل تلك العين حتى تعود إليه إن كان لمثلها أجرة فهذه الوجوه الخيار فيما للمالك يختار منها ما شاء ولا حجر عليه وهكذا الكلام في العبد الذي أبق والشيء الذي تنوسخ.
[فصل
وإذا غيرها إلى غرض خير بينها وبين القيمة ولا أرش إلا في نحو الخصي وإن زادت به وإلى غير غرض ضمن أرش اليسير وخير في الكثير بين فيمتها صحيحة وعينها مع الأرش وفوائدها الأصلية أمانة فلا يضمن إلا ما نقله لنفسه أو جنى عليه أو لم يرد مع الإمكان] .
قوله: "وإذا غيرها المالك إلى غرض" الخ.
أقول: الحق أن المالك مخير بعد تغيير العين من غير فرق بين أن يكون التغيير إلى غرض أو إلى غير غرض فإن شاء اختار رجوع العين إليه مع أرش النقص وإن شاء تركها للغاصب وأخذ قيمتها ولا وجه للفرق بين الكثير واليسير كما أنه لا وجه للفرق بين التغيير إلى غرض وإلى غير غرض وليس بيد المصنف ولا بيد غيره ما يخالف ما ذكرنا إلا مجرد الرجوع إلى قواعد لهم ليس عليه أثارة من علم.
قوله: "وفوائدها".
أقول: فوائد العين المغصوبة تابعة لها فكما يجب رد العين المغصوبة إلى المالك كذلك يجب رد فوائدها إليه ومن خالف في هذا فليس بيده رواية ولا دراية وأما الاستدلال بحديث الخراج بالضمان فلا يخفاك أنه وارد في غير مقبوضة بإذن الشرع فكيف يصح الحاق العين المغصوبة بها ومعلوم أن الغاصب ضامن على كل حال فكيف يستحق عوضا وهو الخراج في
стр. 716
مقابلة ضمانه وبالجملة فهذا من وضع الدليل في غير موضعه وليس عمومه إلا بالنسبة إلى ما ورد فيه لا بالنسبة إلى ما هو ضد لذلك ولا فرق بين الفوائد الأصلية والفرعية بل الكل غصب بيد الغاصب حتى يرده إلى مالك العين التي هو نماء لها ودعوى الفرق بينهما لم يبن إلا على مجرد الخيال فيضمن الغاصب ما تلف منها ولو لم يجن عليها ولا نقلها لنفسه أو لم يتمكن من ردها ودعوى أن الأصلية أمانة دعوى مردودة فيالله العجب من مثل هذه المقالات التي يمجها السمع ويردها العقل والشرع.
[فصل
ولا يرجع بما غرم فيها وإن زادت به وله فصل ما ينفصل بغير ضرر وإلا خير المالك وعليه قلع الزرع وإن لم يحصد وأجره المثل وإن لم ينتفع فإن أجرا ونحوه فموقوف وأرش ما نقص ولو بمجرد زيادة من فعله كأن حفر بئرا ثم طمها إلا السعر قيل والهزال ونحوهما في الباقي] .
قوله: "فصل: ولا يرجع بما غرم فيها وإن زادت به".
أقول: لأن يده عدوان وما فعله في العين مما يوجب زيادتها عدوان على عدوان ولا يتخلص من مظلمته ويبرأ من غصبه إلا بارجاع تلك العين إلى مالكها وإن زادت لما فعله فيها أضعاف أضعاف قيمتها وما للغاصب وللمطالبة بذلك بل هو مطالب مع رد العين المغصوبة برد أجرة مثلها في مدة الغصب لأنه فوت على المالك هذه المنفعة تعديا وعدوانا وجرأة على الشرع وعلى أموال العباد المعصومة وأما كون له فصل ما ينفصل بغير ضرر فإن لم يكن ذلك من نماء العين كأن يضع عليها حلية لا ضرر في فصلها فله أن يأخذ ما وضعه وأما مع الضرر فيأخذها المالك بزيادتها ولا حرج عليه ومن استبعد هذا فليتهم عقله وقصوره عن إذراك المدارك الشرعية.
قوله: "وقطع الزرع وإن لم يحصد".
أقول: حديث: "ليس لعرق ظالم حق" أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وحسنه من حديث سعيد ابن زيد وقد روى من طرق قدمنا الكلام عليها في باب الإحياء وروى عن عروة بن الزبير مرفوعا أخرجه مالك في الموطأ وأبو داود "٣٠٧٤"، والدارقطني وحسن ابن حجر في بلوغ المرام إسناده ومجموع طرقه تقوم بها الحجة وهو يدل على أن ما غرسه الغاصب أو زرعه في الأرض المغصوبة فهو لمالكها وليس للغاصب من ذلك شيء وقد روى ابن رشد الإجماع على هذا فقال في النهاية وأجمع العلماء على أن من غرس نخلا أو ثمرا وبالجملة نباتا في غير أرضه أنه يؤمر بالقطع انتهى وهذا أعنى عدم ثبوت الحق للغاصب بوجه هو المطابق لمعنى
стр. 717
كون يده غاصبة فإن اليد الغاصبة لا تستحق شيئا وما فعلته في الغصب فلا حق لها فيه وأما ما أخرجه أحمد "وأبو داود "٣٤٠٣"،والترمذي "١٣٦٦"، وابن ماجه "٢٤٦٦"، من حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته"، وقد روى الترمذي "٣/٦٤٨"، عن البخاري تحسينه ونقل عن البخاري تضعيفه وضعفه أيضا البيهقي وهو من طريق عطاء بن أبي رباح عن رافع بن خديج قال أبو زرعة لم يسمع عطاء من رافع وكان موسى بن هارون يضعف هذا الحديث ويقول لم يروه عن شريك ولا رواه عن عطاء غير أبي إسحاق فهو مع كونه مخالفا لما هو أصل الغصب من عدم رجوع الغاصب الظالم على المغصوب عليه المظلوم بما أنفقه على ما تعدى به من إيقاع الرزع غصبا وعدوانا بغير إذن الشرع يمكن الجواب عنه من وجوه:
الأول: ما ذكرناه فيه من المقال الذي لا ينتهض معه للاستدلال.
الثاني: بما حكاه ابن المنذر عن أحمد بن حنبل أنه قال إن أبا إسحق زاد في هذا الحديث لفظ: "بغير إذنهم" وليس غيره بذكر هذا الحرف انتهى وإذا كان هذا اللفظ مزيدا لم يكن في الحديث دلالة على أن هذا الحكم يثبت للغاصب بل هو ثابت لمن زرع أرض قوم على غير وجه التعدي والعدوان فلا يبقى في الحديث إشكال ويؤيد هذا ما أخرجه أحمد وأبو داود والطبراني وغيرهم أن النبي ﷺ رأى زرعا في أرض ظهير فأعجبه فقال: "ما أحسن زرع ظهير" فقالوا: إنه ليس لظهير لكنه لفلان, قال: "فخذوا زرعكم وردوا عليه نفقته" فدل على أن الزرع تابع للأرض فهذا قاله ﷺ في أرض غير مغصوبة كما يدل عليه قولهم ولكنه لفلان ولو زرع تلك الأرض غصبا لم يقولوا إن الزرع له وإذا كان هذا حكم من زرع غير غاصبا ولا ظالم فحكم من زرع غاضبا ظالما مثل هذا الحكم.
الوجه الثالث: بما أخرجه أبو داود والدارقطني من حديث عروة بن الزبير عن بعض الصحابة أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ غرس أحدهما نخلا في أرض فقضى لصاحب الأرض بأرضه وأمر صاحب النخل أن يخرج نخلة منها قال: "فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفؤوس وإنها لنخل عم" وإذا كان هذا هو حكم الشرع في النخل الذي تعظم المؤنة عليه وتكثر الغرامة فيه فأمر النبي الغاصب بالقلع وإخراج نخله مع كونه قد صار نخلا عما فكيف لا يكون الزرع مثله مع حقارة المؤونة عليه وقصر المدة فيه وليس في كون البذر من الغاصب زيادة على كون أصول الغرس منه فلا يصح أن يكون أحدهما سببا لاستحقاق الغاصب للنفقة دون الآخر فما ذكره المصنف ﵀ من قلع الزرع وإن لم يحصد ولزوم أجرة الأرض للغاصب وإن لم ينتفع صواب وهكذا قوله إن عليه أرش ما نقص.
وأما قوله: "فإن أجر أو نحوه فموقوف" فالمعتبر إجارة المالك فإن أجاز كانت هذه الإجازة هي التي صح بها التأجير ونحوه وإن لم يجز كان ما فعله الغاصب وجوده كعدمه وأما قوله: "إلا نقصان السعر" فوجهه أن ذلك النقصان ليس من فعل الغاصب حتى يضمنه ولا يخفاك أن ارتفاع السعر يزيد قيمة ذلك المغصوب فوق ما كانت عليه حال الغصب ومن الجائز
стр. 718
أن يبيعها المالك وقت حصول زيادة السعر فكان في الغصب من هذه الحيثية تفويت لمنفعة للمالك متعلقة بالعين فيضمنها كما يضمن أرش النقص وصاحب اليد الظالمة الغاصب حقيق بالتشديد عليه لأنه اختار لنفسه التعدي ومخالفة ما يقتضيه الشرع ويوجبه العدل وهكذا الهزال يضمنه لأنه حصل النقص به والمغصوب في يده ولو كان بغير سبب منه إذ من الجائز أن تلك العين لو كانت باقية بيد مالكها لم تهزل.
[فصل
ويملك ما اشترى بها أو بثمنها نقدين ويتصدق بالربح وما استهلكه بخلطه أو إزالة اسمه ومعظم منافعه ويطيب له بعض المراضاة ويتصدق بما خشى فساده قبلها ويملك مشتريها الجاهل غلتها ويتصدق بما تعدى قيمة الرقبة وعليه الأجرة] .
قوله: "فصل: ويملك ما اشترى بها أو بثمنها نقدين ويتصدق بالربح".
أقول: العين المغصوبة باقية على ملك مالكها بالعصمة الشرعية ولا يخرج عن ملكه بالغصب المحرم بقطعيات الأدلة فالواجب على الغاصب إرجاعها سواء كانت عينا أو نقدا وأما الاعتلال بأن النقد لا يتعين فما أهون هذه المقالة في صدور علماء الشريعة العارفين بقواعدها فإن هذا ليس إلا مجرد رأي ليس عليه إثارة من علم فالواجب الشرعي على الغاصب أن يرد العين المغصوبة فإن تلفت أو تعذر استدراكها كما لو اختلف النقد بمثله من النقود فعلى الغاصب إرجاع قيمة العين موفرة وإرجاع مثل النقد من أعلى جنس من أجناسه ولا يطيب له ما شراه من عين أو بثمنها ولا يصير ملكا له ولم يأذن الشرع بذلك ولا سوغه وهكذا لا يطيب له الربح بل يجب عليه إرجاعله لمالكه كما قدمنا هكذا ينبغي أن يقال في مثل هذا البحث عملا لا تقتضيه القواعد الشرعية وللإمام أن يتصدق بما يخشى فساده من العين المغصوبة أو مما اشترى بثمنها أو من الربح عقوبة للغاصب والضمان عليه باق بحاله وعلى هذا يحمل ما أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني عن عاصم بن كليب أن رجلا من الأنصار أخبره قال: خرجنا مع النبي ﷺ فلما رجعنا استقبله داعي امرأة فجاء وجيء بالطعام فوضع يده ثم وضع القوم أيديهم فأكلوا فنظر آباؤنا رسول الله ﷺ يلوك لقمة في فمه ثم قال: "أجد لحم شاة أخذت بغير إذن أهلها" فقالت المرأة: يا رسول الله إني أرسلت إلى البقيع يشتري لي شاة فلم أجد فأرسلت إلى جار لي قد اشترى شاة أن أرسل بها إلي بثمنها فلم يوجد فأرسلت إلى امرأته فأرسلت إلي بها فقال رسول الله ﷺ : "أطعميه الأسارى"، وعاصم بن كليب المذكور في الإسناد قال علي بن المديني لا يحتج به إذا انفرد وقال الإمام أحمد لا بأس به وقال أبو
стр. 719
حاتم الرازي صالح وقد أخرج له مسلم وأما جهالة الصحابي فغير قادحة ولكن لا يخفاك أن هذا الحديث ليس هو كالغصب في كل وجه فإن هذه المرأة لا تقصد الإستيلاء على مال الغير عدوانا بل وقع في ظنها أن إذن امرأة الرجل كإذنه ولما كان إذن المالك أمر لا بد منه صرفها ﷺ في مصرفها.
قوله: "وما أستهلكه بخلطه وإزالة معظم منافعه".
أقول: أما الخلط فقد تعذر إرجاع العين معه فيجب على الغاصب إرجاع مثلها من أعلى جنس من أجناسها كما قدمنا لأن انتصاف المظلوم من ظالمه وإرجاع حقه إليه على طريقة العدل لا يكون إلا بذلك ولا وجه لجعل ذلك موجبا لملك الغاصب لما غصبه ولا دل على ذلك شرع ولا عقل وأما إذا فعل في العين المغصوبة ما أزال اسمها ومعظم منافعها فهذا أيضا لا يوجب أن تصير تلك العين بعد تغييرها ملكا للغاصب بل المالك بالخيار إن شاء رجعت له وأخذ أرش النقص وإن شاء تركها وأخذ قيمتها موفرة ولا تطيب للغاصب بعد تسليم الأرش أو القيمة بحال من الأحوال لأنه أخذها لا بإذن الشرع ولا بإذن المالك فإن طابت نفس المالك بأن تصير للغاصب بعد تسليم القيمة أو الأرش كان ذلك هو المسوغ لا مجرد الضمان.
قوله: "ويملك مشتريها الجاهل غلتها" الخ.
أقول: قد عرفناك غير مرة أن العين باقية على مالك مالكها وأن اليد الظالمة الغاصبة لا يثبت بها حق للغاصب ولا لغيره من غير فرق بين العالم والجاهل فما حصل من الغلة في يد مشتريها الجاهل كان لرب العين وهو المالك وهذا المشتري الجاهل يرجع بما غرمه للمالك على الغاصب لأنه غرم لحقه بسببه فهذا ما تقتضيه القواعد الشرعية القاضية بعصمة أملاك العباد وعدم خروجها عنهم إلا بالرضا كما يدل عليه قوله عزوجل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] ، وقوله صلى الله عليه وأله وسلم: "لا يحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه"، وقوله ﷺ : "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام"، فمن زعم أن الغصب يقتضي خروج فوائد العين عن ملك مالكها إذا باعها الغاصب من جاهل لغصبها فعليه الدليل ولا دليل وما ذكره من التصدق بما تعدى قيمة الرقبة فمبني على هذا الخيال الفاسد وأما لزوم الأجرة له فإذا اختار المالك عدم أخذ فوائد العين من المشتري الجاهل وطالب بأجرة الأرض كان له ويرجع به المشتري الجاهل على الغاصب كما قدمنا وسيأتي للمصنف مثل هذا قريبا ولكنها تكررت عليه بعض المباحث في هذا الفصل والفصل الذي قبله والفصل الذي سيأتي بعده ووقع التخالف في بعضها وقد أوضحنا ما هو الحق في الجميع.
[فصل
وللمالك قلع الزرع وأجرته ولو مستقلا ولا يفسد إن تمكن بدونه والرجوع بالعين
стр. 720
والأجرة على كل ممن قبض والمغرور يغرم الغار ولو جاهلا كل ما غرم فيها أو بنى عليها إلا ما اعتاض منه والقرار على الآخر إن علم مطلقا أو جنى غالبا ويبرؤن ببرائته لا غيره وإذا صالح غيره المالك فبمعنى الإبراء يرجع بقدر ما دفع ويبرأ من الباقي لا هم وبمعنى البيع يملك فيرجع بالعين إن بقيت وإلا فالبدل] .
قوله: "فصل: وللمالك قلع الزرع وأجرته".
أقول: هذا صواب وقد قدمنا وجهه والدليل عليه ومعلوم أن هذا الزرع وقع في ملك الغير باليد العدوانية فلا حق للغاصب فيه وللمالك تفريغ أرضه عما فعلته فيها اليد العدوانية وإذا احتاج القلع إلى أجره رجع بها على الغاصب لأنه غرم لحقه بسببه وإذا لم يمكن القلع إلا بإفساد الزرع كان له ذلك وبعد هذا يأخذ العين المغصوبة ويأخذ أجرتها من الغاصب أو مما صيرها إليه الغاصب وقرار الضمان على الغاصب ولا فرق بين العالم والجاهل والمغرور يغرم الغار كما قال المصنف هنا وهو الحق.
وأما قوله: "والقرار على الآخر إن علم مطلقا أو جنى غالبا" فوجهه أنه مع العلم يصير كالغاصب الأول وقد صارت العين في يده فيكون قرار الضمان عليه وهكذا مع الجناية قد صار ضامنا للعين المغصوبة بالجناية سواء حكم عليه بأنه غاصب أو لم يحكم عليه بالغصب وأما إذا لم يعلم ولا جنى فهو مغرور من جهة الغاصب فيرجع عليه.
قوله: "ويبرؤن ببراءته لا غيره".
أقول: إن أبرأ المالك من ضمان العين المغصوبة إبراء مطلقا برئوا جميعا وهكذا إذا أبرأ من قرار الضمان عليه لأنه هو الذي تعلق به الضمان للمالك في آخر الأمر فكأنه في هذه الصورة أبرأ من ضمان العين مطلقا لأن الخطاب على الغاصبين الآخرين فالضمان إنما هو من جهة من كان قرار الضمان عليه لا من جهة المالك فإنه لا يطلب إلا ضمان ما غصب عليه وقد أبرأ منه وعلى تقدير أن له يطالب غير من قرار الضمان عليه من الغاصبين فتلك المطالبة تنتهي آخر الأمر إلى من عليه القرار وأما ما ذكره من المصالحة بمعنى الإبراء بمعنى البيع فهذا آمر وقع برضاء المالك وهذا الرضا هو المناط المحلل لانتقال الأموال من مالك إلى مالك فيسقط الزائد من القيمة عنه وتصير العين ملكا له وأما كونه يبرأ من باقي القيمة وحده دون سائر الغاصبين فمبني على أن الرضا الواقع من المالك مقيد بهذا الغاصب وحده فكأنه خصه بذلك مع عزمه على طلب الباقين بما أسقطه لهذا وإلا فلا وجه لرجوع المالك عليهم.
[فصل
وفي تالف المثلي مثله إن وجد في ناحيته وإلا فقيمته يوم الطلب وصح للغاصب
стр. 721
تملكه وإلا فقيمته يوم الغصب ولم يصر بعد أو مع أحدهما قيميا وإلا اختار وفي القيمي قيمته يوم الغصب وإن تلف مع زيادة غير مضمونة وفي المضمونة يخير بين قيمته يوم الغصب ومكانه ويوم التلف ومكانه ويتعين الأخير لغير الغاصب وإن قل وما لا يتقوم وحده فمع أصله ويجب رد عين ما لا قيمة له لا عوض تالفه إلا مثليا لا يتسامح به أو إن تلف بعد تقومه والقول للغاصب في القيمة والعين وبينة المالك أولى] .
قوله: "فصل: وفي تالف المثلي مثله" الخ.
أقول: إطلاقهم على الشيء الذي تساوت أجزاؤه أنه مثلي وعلى ما اختلفت أجزاؤه أنه قيمي هو مجرد اصطلاح لهم ثم وقوع القطع والبيت منهم بأن المثلي يضمن بمثله والقيمي بقيمته هو أيضا مجرد رأي عملوا عليه وإلا فقد ثبت عن الشارع أنه يضمن المثلي بقيمته كما في قوله في حديث المصراة: "ردها وصاعا من تمر" وهو في الصحيح كما تقدم وثبت عنه ﷺ تضمين القيمي بمثله كما ثبت في الصحيح البخاري "٢٢٢٥"، وغيره من حديث أنس قال: أهدت بعض أزواج النبي ﷺ إليه طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها فقال النبي ﷺ : "طعام بطعام وإناء بإناء"، وهذا اللفظ للترمذي "١٣٥٩"، وللبخاري "٢٤٨١"، في هذا الحديث ألفاظ منها أن رسول الله ﷺ كان عند بعض نسائه فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام فضربت بيدها فكسرت القصعة فضمها وجعل فيها الطعام وقال: "كلوا" ودفع القصعة الصحيحة للرسول وحبس المكسورة وأخرج نحو هذا الحديث أحمد "٦/١٤٨"، وأبو داود "٣٥٦٨"، والنسائي "٣٩٥٧"، من حديث عائشة أنها قالت ما رأيت صانعة طعام مثل صفية أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام فما ملكت نفسي أن كسرته فقلت يا رسول الله ما كفارته فقال: "إناء كإناء وطعام كطعام"، وفي إسناده أفلت بن خليفة قال أحمد ما أرى به بأسا وحسن ابن جحر في الفتح إسناده.
إذا عرفت هذا فأعلم أن الواجب رد العين المغصوبة مثلية كانت أو قيمية فإن تلفت كان المالك مخيرا بين أخذ مثلها أو قيمتها على وجه يرضى به من غير فرق بين مثلي وقيمي ولكن إرجاع المثلى من أعلى أنواع الجنس وقيمة القيمي على هذا الاصطلاح أقرب إلى دفع التشاجر وأقطع لمادة النزاع.
وأما قوله: "فقيمته يوم الغصب" فوجهه أنه الوقت الذي تعلق فيه الضمان بالغاصب وقيل يوم التلف لأنه وقت وجوب الضمان والأولى أن يكون مضمونا بأوفر القيم من وقت الغصب إلى وقت التلف لأن هذه مظلمة فإذا زادت قيمة ذلك الشيء في بعض الأوقات فمن الجائز أنه لو كان باقيا بيد المالك لباعه بهذه الزيادة وقد قدمنا الكلام في هذا والعجب من المصنف ومن قال بمثل قوله حيث قالوا إن الرهن المقبوض بإذن مالكه مضمون على المرتهن بأوفر قيمة من القبض إلى التلف والغصب الذي هو ظلم بحت واستيلاء على جهة العدوان بغير إذن الشرع مضمون بقيمته وقت الغصب وقد أطال المصنف الكلام في هذا الفصل على القيمي والمثلي وقد عرفناك ها هنا
стр. 722
بما يتضح لك به الصواب في جميع هذه الأطراف التي ذكرها المصنف وقد قدمنا أن الزيادة مضمونة على كل حال فلا يتم ما ذكره من التخيير وأما الجزم بأنه يتعين الأخير لغير الغاصب الأول للغاصب فليس لهذه الدعوى وجه ولا عليها أثارة من علم.
قوله: "والقول للغاصب في قدر القيمة".
أقول: القول قول نافي الزيادة والبينة على مدعيها.
وأما قوله: "والعين" فالصواب أن البينة على من سبق إلى التعيين والقول قول المنكر مع يمينه وأما كون بينة المالك أولى فوجهه أن يد الغاصب عدوانية فكانت بينته ضعيفة لضعف يده ولكن هذه العلة تقتضي أن لا يكون القول قوله في القيمة والعين كما ذكره المصنف لأن اليد العدوانية موجودة في الجميع وإذا اضعفت البينة أضعفت كون القول قوله.
[فصل
ويسقط عوض التالف حيث لا قيمة لحصصه لو قسم وتصير للمصالح تركة صارت لنقصانها كذلك وكذلك هو أو العين باليأس عن معرفة المالك أو انحصاره وحينئذ تعدد القيمة بتعدد المتصرف وإن بقيت العين وولاية الصرف إلى الغاصب ولا يصرف فيمن تلزمه نفقته إلا العين وفي نفسه خلاف ولا نجزيء القيمة عن العين ولا العرض عن النقد وتفتقر القيمة إلى النية لا العين وإذا غاب مالكها بقيت حتى اليأس ثم للوارث ثم للفقراء أو المصالح فإن عاد غرم التالف الدافع العوض إلى الفقراء لا إلى الإمام أو الحاكم فبيت المال وإن التبس منحصرا قسمت كما مر ولا يسقط بالإسلام بعد الردة ما يجامع الكفر ولا يضمن ما منع عنه مالكه بالزجر ما لم تثبت اليد ويضمن آمر الضعيف قويا فقط والقرار على المأمور] .
قوله: "فصل: ويسقط عوض التالف" الخ.
أقول: هذا كلام في غاية السقوط فإن الضمان قد وجب بالغصب وجوبا ثبت بيقين فكون مجرد قسمته بين الشركاء يصير بها نصيب كل واحد لا قيمة له يقتضي سقوط هذا الضمان المعلوم لا سقوط المالكين المتيقن بل يجب على الغاصب تسليم ذلك الشيء إليهم ويصنعون به ما أرادوا وإن بلغ في الحقارة إلى الغاية وتسامح الناس في المحقرات هي التي لا تكون مأخوذة على وجه الغصب أما المأخوذة على جهة الغصب فالتسامح بها أقل قليل وهكذا قوله وتصير للمصالح تركة صارت لنقصانها كذلك فإن هذا الحكم مجازفة عظيمة وجرأة على إخراج أموال العباد عن أملاكهم بغير برهان بل بمجرد وسوسة ناشئة عن خيالات مختلة.
стр. 723
وأما قوله: "وكذلك هو أو العين باليأس عن معرفة المالك أو انحصاره" فوجهه أنه إذا عرض هذا اليأس وتقرر تقررا صحيحا صار ذلك المال لا مالك له وإذا صار كذلك كان للمسلمين فيصرف في مصالحهم الذي يرجع الصرف إليها الإمام أو الحاكم.
وأما قوله: "وحينئذ تعدد القيمة بتعدد المصرف وإن بقيت العين" فلا وجه له ولا سبب يقتضيه وقد عرفناك فيما سبق ما يكشف لك عن الصواب مع تعدد الغاصبين.
قوله: "وولاية الصرف على الغاصب".
أقول: هذا من غرائب المسائل وعجائب أهل الرأي فإن الغاصب ثبت على المغصوب بغير إذن الشرع بل عنادا له وتمردا ابتداء وانتهاء فمن أين يكون له ولاية الصرف بل واجب عليه عند التوبة وعدم وجود المالك أو عدم انحصاره أن يحمل تلك المظلمة إلى الإمام بعد أن يصرح له بالتوبة ويبين له أنه قد تعذر عليه التدارك وانسدت عليه أبواب التخلص وعلى الإمام أن يصرف ذلك فيما يراه من مصالح المسلمين وأما فرق المصنف بين العين وغيرها في الصرف فيمن يلزمه نفقته فهو أعجب وأغرب وليت شعري كيف صارت هذه الخرافات معدودة من أحكام الشرع وهكذا قوله وفي نفسه خلاف فالقائل بالجواز قد جاء بما يشبه المقامرة فجعل الولاية لليد الظالمة في الصرف ثم أقر المغصوب على اليد العدوانية زاعما أن هذا شرع الله فيالله وللمسلمين وأما عدم إجزاء القيمة عن العين فوجهه أن المظلمة متعينة فليس لمن إليه الصرف كما ذكرنا لا كما ذكره المصنف أن يصرف عنها القيمة إلا أن يرى في ذلك صلاحا وهكذا الكلام في صرف العرض على النقد ولا وجه الفرق بين القيمة والعين في النية ولكن ذلك من جملة هذه المسائل التي يضحك منها تارة ويبكي منها أخرى وأما إيجاب تسليم العين إلى الوارث مع اليأس عن رجوع المالك فذلك صواب لأن ذلك غاية ما يجب من الرجوع إلى ما يوجبه الشرع ويقتضيه العدل ومع عدم الوارث ولاية الصرف إلى الإمام يصرفها فيما يرجحه من مصالح المسلمين كما قدمنا.
وأما قوله: "فإن عاد غرم التالف الدافع العوض إلى الفقراء" فوجهه أنه انكشف أن ذلك الصرف لخيال كاذب وأما إذا كان الصارف هو الإمام والحاكم فإن كان ذلك لتغرير عليهما من الغاصب بحصول اليأس الذي انكشف خلافة فالضمان على الغاصب وإلا كان الضمان عليهما من بيت المال مع عدم التغرير لأنهما أوقعا الصرف لخيال كاذب ولا يبعد أن يكون الضمان عليهما من أموالهما لم يتثبتا في الأمر كما ينبغي.
وأما قوله: "وإن التبس منحصرا قسمت كما مر" فمبني على أن كل واحد من هؤلاء المنحصرين يدعى ملكها أو بعضها ما لو لم يكن الأمر كذلك فلا وجه لقسمتها بين من لا يطالب بها وتصير لمصالح المسلمين كما قدمنا.
قوله: "ولا تسقط بالإسلام بعد الردة ما يجامع وجوبه الكفر".
أقول: إن قام الدليل المقتضي لتخصيص ما ثبت من أن الإسلام يجب ما قبله كان المصير
стр. 724
إلى ذلك واجبا جمعا بين الخاص والعام وإن لم يثبت الدليل المقتضي لتخصيص ما ثبت كان الوقوف على العام هو الواجب والمسألة طويلة الذيل ولها مآخذ عدة.
وأما قوله: "ولا يضمن ما منع عنه مالكه بالزجر" فجمود غير محمود فإن هذا غصب إذا خشي المالك نزول ضرر به من المتهدد له وثبوت اليد وصف طردي على على تقدير أنه أمر زائد على هذا المنع للمالك عن ملكه وأما كونه يضمن أمر الضعيف قويا فلكون الغصب لم يحصل إلا بأمره ولم يتم إلا بقوته والقرار عليه لا على المأمور فإنه لا تأثير له في ذلك.
стр. 725
كتاب العتق
مدخل
...
كتاب العتق
[فصل
يصح من كل مكلف ملك حاله لكل مملوك ولو كافرين ولا تلحق الإجازة إلا عقد ولا الخيار إلا الكتابة] .
قوله: "فصل: ويصح من كل مكلف".
أقول: وجهه ظاهر لأن تصرف الصبي والمجنون غير نافذ وأما اعتبار قيد الملك فمعلوم لأن عتق غير المالك وجوده كعدمه وأما كونه يصح لكل مملوك فلعدم المانع مع وجود المقتضي.
وأما قوله: "ولو كافرين" فهذا مخالف لما قرروه في الأبواب التي هي قرب أنها لا تصح من الكافر ومعلوم أن المصنف هنا إنما يريد الصحة وأما ثبوت الثواب فلم يرد إلا في عتق المسلم للمسلم كما في حديث أبي هريرة في الصحيحين [البخاري "٥/١٤٦"، مسلم "٢٢/١٥٠٩"] ، وغيرهما [أحمد "٢/٤٢٠، ٤٢٢، ٤٢٩، ٤٣٠، ٤٣١، ٥٢٥"، الترمذي "١٥٤١"] ، عن النبي ﷺ قال: "من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه"، وكما في حديث أبي أمامة مرفوعا: "أيما أمريء مسلم أعتق امرأ مسلما كان فكاكه من النار يجزيء كل عضو منه عضوا منه"، أخرجه الترمذي "١٥٤٧"، وصححه وأخرجه أيضا النسائي "٨/١٦٣"، وابن ماجه ٢٥٢٢"، بإسناد صحيح وفي لفظ منه: "أيما امريء مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانا فكاكه من النار يجزيء كل عضو منهما عضوا منه"، وأخرج أحمد "٤/١١٣، ٣٨٦"، من حديث كعب بن مرة أو مرة بن كعب السلمي نحوه زاد فيه: "وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزيء بكل عضو من أعضائها عضوا من أعضائها"، وفي الباب أحاديث فالكافر ليس له
стр. 726
من الأجر الحاصل بالعتق شيء إلا إذا أسلم من بعد كما في حديث: "أسلمت على ما أسلفت من خير" وهو في الصحيحين [البخاري "١٤٣٦"، مسلم "١٩٤/١٢٠"، وغيرهما [أحمد "٣/٤٠٢"] ، من حديث حكيم بن حزام وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود قال قلنا يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية قال: "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر"، ففيه أن الإساءة في الإسلام موجبة للمؤاخذة بأعمال الجاهلية كما أن حديث حكيم بن حزام يدل على أن الإسلام يوجب لصاحبه أن يكتب له ما عمل من أعمال الخير في الجاهلية.
وأما قوله: "ولا تلحق الإجازة إلا عقده" فقد عرفناك غير مرة أنه لا اعتبار بما فعله الفضولي وأن الحكم ثبت بإجازة المالك وأما كونه لا يلحقه الخيار فلكون المالك مفوضا في ملكه فلا وجه لإثبات الخيار له إلا في عتق الكتابة لكونها معاوضة.
[فصل
وله ألفاظ وأسباب فصريح لفظه ما لا يحتمل غيره كالطلاق نحويا حر وأنت مولاي أو ولدي فإن أكذبه الشرع وثبت العتق لا النسب والعقل بطلا وكنايته ما احتمله غيره كأطلقتك وهو حر حذرا من القادر كالوقف إلا الطلاق وكنايته وبيعك لا يجوز وأنت لله وأسبابه موت السيد عن أم ولده ومدبريه مطلقا وعن أولادهما الحادثين بعد مصيرهما كذلك ولهم قبله حكم الرق غالبا ومثول المالك به بنحو لطم فيؤمر وإن لم يرافع فإن تمرد فالحاكم والولاء للسيد وملك ذي الرحم المحرم لجميعه أو بعضه فيضمن لشريكه إن اختار التملك موسرا بغير إذنه وإلا سعى العبد وانقضاء حيضتي أم ولد الذمي بعد إسلامها إن لم يسلم فيهما وتسعى ودخول عبد الكافر بغير أمان دارنا فأسلم قبل أن يؤخذ أو بأمان لا بإذن سيده أو أسلم وهاجر لا بإذن قبل إسلام سيده وبأمان وإذن بيع ورد ثمنه] .
قوله: "فصل: وله ألفاظ" الخ.
أقول: قد عرفناك غير مرة أن اعتبار ألفاظ خاصة وجعل بعضها صريحا وبعضها كناية كلام لا يوافق التحقيق وليس المراد إلا مجرد الدلالة على ما يريده المتكلم ويدل على أنه قد رضى بما أراده من معاوضة بينه وبين غيره أو مجرد صدور شيء عنه لا عن معاوضه ولو كان ذلك الدال إشارة من قادر على النطق ولا بد في المحتمل للعتق وغيره من الألفاظ أن يريد به العتق ويكون القول قوله إذ لا يعرف إلا من جهته فلا حاجة بنا إلى إطالة الكلام على ما ذكره المصنف من الألفاظ.
стр. 727
قوله: "وأسبابه موت السيد عن أم ولده ومدبره".
أقول: مراده أن هذا السبب سبب نجاز العتق لأم الولد والمدبر وأما السبب الذي تعلق به العتق فهو الاستيلاد في أم الولد وإيقاع التدبير في المدبر وقد تقدم الكلام في بيع أم الولد مستوفى في كتاب البيع وسيأتي الكلام في جواز بيع المدبر مستوفى في باب التدبير.
وأما قوله: "وعن أولادهما الحادثين بعد مصيرهما كذلك" فلا يخفاك أن هؤلاء الحادثين حدثوا بعد وجود سبب تعلق العتق بهما لا بعد وجود سبب نجاز العتق فالأولاد إذ ذاك أولاد من لم ينجز عتقه وينقذ تحريره فإذا مات السيد لم يكن نجاز عتقهما مقتضيا لعتق أولادهما لأنهم وجدوا قبل هذه الحالة ولم يرد ما يدل على هذا الحكم الذي ذكره المصنف بل لهم قبل الموت وبعده حكم الرق.
قوله: "ومثول المالك به" الخ.
أقول: إذا كانت المثلة بقطع شيء من أعضائه فقد ثبت الدليل الصحيح في العبد الذي جبّ سيده مذاكيره وجدع أنفه أن النبي ﷺ قال له: "اذهب فأنت حر" [أبو داود "٤٥١٩", ابن ماجه "٢٦٨٠", أحمد "٢/١٨٢"] وإن كانت المثلة باللطم أو الضرب فقد ثبت في صحيح مسلم ["٣٠/١٦٥٨"] وغيره [أبو داود "٥١٦٨", أحمد "٢/٤٥, ٦١"] من حديث ابن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من لطم مملوكه أو ضربه فكفارته أن يعتقه"، فدل هذا على أن تكفير ذلك اللطم أو الضرب يكون بالعتق وليس فيه دلالة على أن العتق حتم على السيد ولا أنه يعتق بنفس المثلة وقد قيد الضرب بما في صحيح مسلم بلفظ: "من ضرب غلاما له حدا لم يأته فإن كفارته أن يعتقه" فأفاد هذا أن الضرب الذي كفارته العتق هو ما بلغ حدا لما ورد من أنه لا يحل الجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله ومما يؤيد عدم تحتم العتق في اللطم والضرب ما ثبت في صحيح مسلم "٣١/١٦٥٨"، وغيره أبو داود "٥١٦٧"، الترمذي "١٥٤٢"، من حديث سويد من مقرن كنا بني مقرن على عهدرسول الله ﷺ ليس لنا إلا خادمة واحدة فلطمها أحدنا فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "أعتقوها"، وفي رواية أنه قيل لرسول الله ﷺ أنه لا خادم لبني مقرن غيرها قال: "فليستخدموها فإذا استغنوا عنها فليخلوا سبيلها"، فأفاد عدم تحتم العتق في الحال وأفاد أنه لا عذر منه عند الاستغناء ولكنه حكى النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض أنه قال أجمع العلماء أنه لا يجب إعتاق العبد بشيء مما يفعله سيده من مثل هذا الأمر الخفيف يعني الضرب الخفيف واللطم قال واختلفوا فيما كثر وشنع من ضرب مبرح منهك أو حرقه بنار أو قطع عضوا له أو أفسده أو نحو ذلك فذهب مالك والأوزاعي والليث إلى عتق العبد على سيده بذلك يكون له ولأولاده ويعاقبه السلطان على فعله وقال سائر العلماء لا يعتق عليه انتهى فإذا صح هذا الإجماع كان صارفا للأمر المذكور في حديث سويد بن مقرن من الوجوب إلى الندب فيكون الموجب للعتق من المثلة هو ما كان بقطع أو جدع أو تحريق وما عدا ذلك فإن شنع وأنهك فالأمر باق فيه على معناه الحقيقي ووقوع الإجماع على أنه لا يوجب العتق فلا صارف للأمر عن المعنى الحقيقي.
стр. 728
قوله: "وملك ذي الرحم المحرم".
أقول: قد ورد من المرفوع بلفظ: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر"، [أبو داود "٣٩٤٩"، الترمذي "١٣٦٥"، ابن ماجة "٢٥٢٤"، أحمد "٥/٢٠"] ، ما يشهد بعضه لبعض ويقوي بعضه بعضا وعلل ذلك بعلل لا تنافي التعاضد ولا سيما وقد صحح جماعة من الأئمة هذا اللفظ الذي ورد به الحديث فلم يبقى بعد ذلك معذرة عن العمل به فكان ملك ذي الرحم لرحمه أحد أسباب العتق الثابتة شرعا وما ذكره المصنف من ضمان الشريك لشريكه صحيح فإن كان معسرا أو ملكه بغير اختياره سعى العبد فقد ثبت أصل السعاية بالحديث الثابت في الصحيحين [البخاري "٥/١٣٢"، مسلم "٣/١٥٠٣"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٩٣٨"، الترمذي "١٣٤٨"، ابن ماجة "٢٥٢٧"، من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعتق شقصا له من مملوك فعليه خلاصه في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدله ثم استسعي في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه".
قوله: "وانقضاء حيضتي أم الولد" الخ.
أقول: هذه المستولدة يسعها ما كان يسع من أسلم من العبيد والإماء في أيام النبؤة فإنهم كانوا يصيرون أحرارا بمجرد إسلامهم ولا يبقى لمن هم في ملكه عليهم يد ولا يخاطبون بسعاية ولا غيرها فكيف بهذه المستولدة التي حصل لها قبل إسلامها سبب من أسباب العتق فالعجب من إيجاب السعاية عليها لكافر بعد أن عصمها الله بالإسلام ذاتا ومالا وأطلقها من ريقة الرق.
قوله: "ودخول عبد الكافر بغير أمان دارنا" الخ.
أقول: وجه هذا أن أموال أهل الحرب على الإباحة من سبق إلى شيء منها ملكه فدخول العبد بغير أمان يكون به ملكا لمن سبق إليه فإذا أسلم قبل أن يؤخذ صار حرا بمجرد الإسلام لما قدمنا وأما إذا كان دخوله بأمان بإذن سيده فالأمان عصمة تمنع من أن يتملكه أحد لكنه إذا أسلم صار حرا بإسلامه وسيأتي تمام هذا البحث في كتاب السير إن شاء الله وكان على المصنف أن يجعل الإسلام سببا من أسباب العتق مطلقا.
[فصل
وإذا التبس بعد تعيينه في القصد عم الأشخاص فيسعون بحسب التحويل إن لم يفرط كحر بعبد إلا في الكفارة ويصح تعليق تعيينه في الذمة ويقع حين التعيين على الأصح فإن مات قبله عم وسعوا كما مرة وإن مات أو عتق أو استولد أو باع أحدهما تعين الآخر ويتقيد بالشرط والوقف ويقع بعدهما م حالهما والمعلل كالمطلق] .
قوله: "فصل: وإذا التبس بعد تعيينه" الخ.
أقول: هذه المسألة مبنية على محض الرأي وهو أن كل واحد قد صار محتملا لوقوع
стр. 729
العتق عليه فثبت له بذلك حق فمن هذه الحيثية عمهم العتق جميعا ويمكن معارضة هذا الرأي برأي أنهض منه فيقال الأصل عدم وقوع العتق فيتوقف على هذا الأصل ولا يثبت للواحد حق فيه إلا بيقين ولا يقين وهو مال الغيير معصوم بعصمة الإسلام فلا يخرج عن ملكه بمجرد الإحتمال وهذا أصل متفق عليه بخلاف من وقع العتق على جزء منه بيقين فإنه قد صار بعضه حرا وذلك حيث يعتق أحد الشريكين في العبد نصه وقد دلت الأحاديث على أن الشريك المعتق إذا كان موسار غرم قيمة نصيب شريكه وإن كان معسرا فقد اختلفت الأحاديث في ذلك ففي بعضها أنه يعتق من العبد ما قد عتق وهو نصيب الشريك ويبقى نصيب الآخر رقا وفي بعضها أن العبد يسعى فإن قلت إذا كانت هذه المسألة التي ذكرها المصنف هنا مبنية على الرأي وقد عارضته برأي أنهض منه فهل من مخلص عن هذين الرأيين بما فيه رائحة دليل يصلح للتمسلك به قلت قد ثبت عنه ﷺ في الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته وليس له مال غيرهم فأقرع بينهم رسول الله ﷺ فأعتق اثنين وأرق أربعة كما في حديث ابن عمر عند مسلم "٥٦/١٦٦٨"، وغيره أبو داود "٣٩٥٨"، الترمذي "١٣٦٤"، النسائي "١٩٥٨"، وابن ماجة "٢٣٤٥"، وكما في حديث أبي زيد الأنصاري عند أحمد "١٥/١٨٦"، وأبي داود "٣٩٦٠"، والنسائي "٣٨٠٤"، بإسناد رجاله رجال الصحيح فهذه القرعة فعلها رسول الله ﷺ في ستة أعبد قد وقع عتق المالك على كل واحد منهم ثم لما لم ينفذ إلا الثلث كان كل واحد منهم قد عتق ثلثه بيقين ثم حكم الصادق المصدوق بالقرعة فأرق من أرق وأعتق من أعتق على حسب ما اقتضاه الإقراع بينهم وهذا شرع واضح جاء به الذي جاءنا بما شرعه الله لنا وليس بيد من أنكر العمل بالقرعة إلا التشبث بالهباء وتأثير الآراء الرجال على الشريعة الواضحة التي ليلها كنهارها وكيف لا يثبت مثل هذا الحكم فيمن هو دون هؤلاء الستة الأعبد في استحقاق العتق وهو من كان واحدا من جماعة وقع عليه العتق ثم التبس بهم فلم يعرف من هو الذي وقع عليه العتق فإن كل واحد منهم ليس له إلا مجرد احتمال أن يكون العتق واقعا عليه فإن الرجوع إلى القرعة في مثل هذا ثابت بالفحوى ومن ترك العمل بمثل هذه السنة الواضحة زاعما بأنها مخالفة للأصول فليس لهذه الأصول وجود وليست إلا مجرد قواعد لم تدل عليها رواية ولا شهدت لها دراية على أن الرجوع إلى القرعة والعمل بها قد وقع من الشارع في مواضع أخرى ومن ذلك أنه كان إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ومن ذلك ما فعله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ في الجماعة المتنازعين في ولد الأمة المشتركة بينهم فقرره ﷺ واستحسنه وقد تقدم فعرفت بهذا أن القرعة شرع ثابت واضح تنقطع به الشبه وتثبت به الحقوق وإذا تقرر لك هذا عرفت عدم صحة ما تفرع عن كلام المصنف من إيجاب السعاية وما بعدها.
قوله: "ويصح تعليق تعيينه في الذمة" الخ.
أقول: وجهه أنه أوقع العتق مجملا وعلق التعيين بوقت مستقبل فلا يعرف من وقع عليه العتق على التعيين إلا بالتعيين فهذا هو معنى كونه يقع حين التعيين وإن كان الإيقاع سابقا له ولكن لا حكم لهذا الإيقاع المجمل أي لا يترتب عليه شيء من أحكام الحرية.
стр. 730
وأما قوله: "فإن مات قبله عم" فلا وجه له بل الحق أنه يقرع ويعتق من عينته القرعة ولا سعاية.
وأما قوله: "وإن مات" فوجهه أنه لم يبق محلا للتعيين إلا الحي وهكذا إذا أعتق أحدهما أو أستولده أو باعه فإن صدور أحد هذه الثلاثة الأمور تدل على اختياره لتعيين العتق فيمن لم يعتقه أو لم يبعه أو لم يستولده وأما كونه يتقيد بالشرط والوقت فظاهر لأن المالك محكم في ملكه ولا حجر عليه ولا يقع إلا بعد حصول الشرط أو حضور الوقت لأن ذلك هو نفاذ اللفظ وأما كون المعلل كالمطلق فظاهر لأنه لم يكن في التعليل ما يشعر بالتقييد.
[فصل
فمن قال اخدم أولادي في الضيعة عشرا ثم أنت حر بطل ببيعه أحدهما إلا الورثة وإلا عتق بمضي ما عرف تعليقه به من المدة أو خدمتهم قدرها ولو في غير الضيعة ومفرقة ومن مات فأولاده فقط وإن جهل قصده فبالمدة فيغرم أجره ما فوت وقيل بالخدمة فيعتق بهبة جميعها لا بعضها لكن يحاص في الباقي وحكم الرق باق للواهب حتى يستتم فإن مات قبله أخذ كسب حصته وإذا أعتقه منهم موسر غرم قيمته ومعسر سعى العبد والأيام للأسبوع وأكثرها لسنة وأياما لعشر وقليلة لثلاث وكثيرة لسنة وكل مملوك لمن لم ينفذ عتقه وأول من تلد لأول بطن وله نيته في كل لفظ احتملها بحقيقته أو مجازه] .
قوله: فصل: "ومن قال أخدم أولادي في الضيعة عشرا ثم أنت حر" الخ.
أقول: قد أوقع العتق مرتبا على فعل الخدمة ففي صحة بيعه منه نظر لأن هذا العبد قد صار له حكم المكاتب وسيأتي في الكتابة أن العوض يصح أن يكون مؤجلا ولا فرق بين تعليق العتق بتسليم مال أو بمنفعة لأن القصد قد تعلق في كل واحد من العتقين بعوض فالمكاتب لا يعتق إلا بتسليم مال الكتابة وهذا لا يعتق إلا بالخدمة ولا يصح أن يقال إن هذا من باب الوصية والرجوع عنها قبل الموت صحيح لأنا نقول هذا عتق معلق على حصول عوض فصار للعبد به حق وعلى تسليم أنه يقصر حكمه عن حكم الكتابة لإيقاع الكتابة في الحال فليس هذا بمنزلة دون منزلة المدبر فإنه علق عتقه بالموت وثبت له بذلك حق يمنع من بيعه إلا لفسق أو ضرورة كما سيأتي.
وأما قوله: "لا الورثة" فوجهه أن ذلك التعليق قد نفذ بموت المالك كما تنفذ الوصية بموت الموصي بناء على أن لهذا العتق حكم الوصية وفيه ما قدمنا.
стр. 731
وأما قوله: "وإلا عتق بمضي ما عرف تعليقه من المدة" فلا وجه له لأن تلك المدة إنما هي ظرف للخدمة والمقصود هو الخدمة ولكن في ذلك الزمان وذلك المكان فلا يعتق إلا بإيقاع الخدمة عشر سنين في تلك الضيعة وليس هذا من الأوصاف الطردية فإنه ربما تعلق به غرض للمعتق يوجب اعتباره إلا أن يعرف من قصده أنه لا يريد إلا مجرد إيقاع الخدمة قدر تلك المدة في أي مكان وأما كون نصيب من مات من الأولاد لورثته فظاهر لأنهم يستحقون كل ما كان لمورثهم من الأموال والحقوق.
وأما قوله: "فإن جهل قصده فبالمدة" فلا وجه له وكيف يجهل قصده بعد تصريحه بالخدمة في المدة المقررة في المكان المعين قصده وهو ما أفاده كلامه هذا فيجب الحمل عليه حتى يظهر من قصده ما يخالفه وهذا يغنيك عما ذكره المصنف إلى آخر البحث والأصل في هذا البحث حديث سفينة قال: "أعتقتني أم سلمة وشرطت علي أن أخدم رسول الله ﷺ ما عاش"، أخرجه أحمد "٥/٢٢١"، والنسائي "٤٤٨١"، وابن ماجه "٢٥٢٦"، وأبو داود "٣٨٣٢"] .
قوله: "والأيام للأسبوع"،
أقول: أفعال هو من مجموع القلة فيصدق بثلاثة أيام وتعريفه يدل على عهد ذهني أو خارجي فإن كان كذلك كان العمل على ما هو معهود للمتكلم وإن لم يكن كذلك فلا وجه لحمله على الأسبوع إلا إذا قصده المتكلم.
وأما قوله: "أياما" فظاهر أنه يصدق على ثلاثة أيام لغة والظاهر عدم الزيادة كما هو شأن جموع القلة فلا وجه لقوله وقليله لثلاث لأن هذا هو مدلول اللفظ من غير وصف له بالقلة.
وأما قوله: "وكثيره لسنة" فالظاهر أن هذا الوصف يصدق بمجرد وجود الزيادة على ثلاثة أيام الذي هو مدلول هذا الجميع فإن قصد المصنف ﵀ ما تدل عليه لغة العرب فهو ما ذكرنا وإن كان بصدد بيان أعراف فإن ثبت للمتكلم عرف حمل كلامه عليه وإلا فلا.
قوله: "وكل مملوك لمن لم ينفذ عتقه".
أقول: هذا هو ظاهر هذا اللفظ العام لصدقه على كل من يصدق عليه أنه مملوك ولكن الظاهر أن القائل بهذه المقالة لا يقصد من قد حصل له سبب من أسباب عتقه.
وأما قوله: "وأول من تلد لأول بطن" فالظاهر أنه لا يتناول إلا أول من وضعته إذا كان في بطنها أكثر من واحد فإن الثاني لا يصدق عليه لفظ أول إلا أن يكون له قصد فالعمل على القصد.
وأما قوله: "وله نيته في كل لفظ" الخ فظاهر لأن النية هي التي تدور عليها الأحكام ولا بد مما ذكره المصنف من الاحتمال لأنه لو ادعى ما لا يحتمله لفظه لكان مدعيا خلاف الظاهر فلا يقبل بمجرد الدعوى.
стр. 732
[فصل
ويصح بعوض مشروط فلا يقع إلا بحصوله ومعقود لا عن صبي ونحوه فيقع بالقبول أو ما في حكمه في المجلس قبل الإعراض فإن تعذر العوض وهو منفعة أو غرض فقيمة العبد أو حصة ما تعذر وبتمليكه جزءا من المال إن قبل لا عينا إلا نفسه أو بعضها وبالإيصاء له بذلك أوله وللغير منحصرا أو حصته وبشهادة أحد الشريكين على الآخر به قيل إن ادعاه ويصح في الصحة مجانا ولو علق بآخر جزء منها وله قبله الرجوع فعلا لا لفظا وينفذ من المريض ولو مستغرقا ومن غير المستغرق وصية ويسعى حسب الحال فيهما] .
قوله: "فصل: ويصح بعوض مشروط" الخ.
أقول: هذا مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف وقد كان السلف يعتقون مماليكهم على هذه الصفة فيقول أحدهم لعبده إن فعلت كذا فأنت حر إن أدركت كذا أنت حر إن لم يفتك كذا وبالجملة سواء كان العوض مالا أو منفعة فالأصل الصحة وأما الصبي ونحوه فقد عرفت أنه لا يصح تصرفهما ولا تصرف الولي عنهما إلا لمصلحة وإذا تعذر العوض المجعول في مقابلة العتق فإن عرف من القصد أن المراد تسليمه أو ما يماثله أو قيمته كان الرجوع إلى المثل أو القيمة هو الواجب وإن لم يعرف ذلك لم يقع العتق إلا بالعتق المعين ويبطل بتعذره.
قوله: "وبتمليكه جزءا مشاعا من المال ".
أقول: عتقه بهذا السبب ظاهر لأنه من المال فإذا ملكه جزءا منه فقد ملكه جزءا من نفسه وبتملكه جزءا من نفسه يصير مالكا لبعضه فيسري العتق إلى البعض الآخر منه كما لو أعتق أحد الشريكين نصيبه وما ذكره من اعتبار القول لا بد منه لأنه لا ينتقل الملك من مالك إلى مالك إلا بوقوع التراضي منهما.
وأما قوله: "لا عينا" فلا حاجة إليه إذا كانت العين غيره لأنه لا يكون ذلك عتقا ولا يقول به قائل ولا سبق إليه فهم وأما إذا كانت العين نفسه فلا حاجة إلى ذكر ذلك أيضا لأنه إذا عتق بتمليكه نفسه أو بعضها كان ذلك ثابتا بفحوى الخطاب وهكذا يعتق بالإيصاء له بالجزء المشاع أو بتمليكه نفسه أو بعضه كما لو دبره بعد موته ولكن لا بد أن يكون السيد عالما بأن هذا التمليك أو الإيصاء يحصل به العتق للعبد أما لو لم يكن عالما بذلك فلا يعتق أصلا لما عرفناك غير مرة من أن الرضا معتبر في كل معاملة ولا رضا ممن يجهل ما يستلزمه لفظه.
قوله: "وبشهادة أحد الشريكين على الآخر به".
أقول: هذا لا وجه له من شرع ولا عقل ولا رواية ولا دراية بل لا بد من كمال المناط
стр. 733
الشرعي وذلك بأن يشهد معه شاهد آخر أو يكمل المدعي للعتق بيمينه وكون الشريك شهد بما يضره لا يستلزم أن يقبل فيما يضر شريكه على أنه لا ضرر عليه ها هنا لأن القيمة ستلزم شريكه أو يسعى بها العبد وإلا فقد عتق من العبد ما عتق كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة والحاصل أنه لا وجه لجعل هذه الشهادة بمجردها سببا من أسباب العتق وكان على المصنف أن يذكر هذا السبب والذي قبله في أسباب العتق التي تعرض لذكرها في أول هذا الكتاب.
قوله: "وينفذ في الصحة مجانا".
أقول: وجهه ظاهر لأنه تصرف مالك في ملكه مع وجود المقتضى وعدم المانع وهذا من الظهور بمكان يغني عن تدوينه في المختصرات وهكذا يصح التعليق بآخر جزء من أجزاء صحته ولا وجه لصحة الرجوع لا فعلا ولا لفظا لأنه قد أوقع العتق ومجرد تعليقه لا يصلح مسوغا للرجوع عنه وليس هذا من باب الوصية حتى يقال فيه ما قيل فيما تقدم في فصل خدمة الأولاد وأما كونه ينفذ من المريض فظاهر لأن ملكه لم يخرج عنه فله أن يتصرف به كيف شاء ما لم يجاوز الثلث فإن جاوزه رد إلى الثلث كما فعله رسول الله ﷺ فيمن أعتق ستة أعبد لم يكن له من المال سواهم وقد تقدم ومعلوم أن هذا العبد المعتق حال المرض إذا كان يخرج كله من الثلث أو يخرج بعضه منه صار حرا بذلك وأما على تقير أن التركة مستغرقة بالدين فذلك مانع من تصرف المالك فيها بوجه من الوجوه لأنه بمثابة الحجر له إلا أن يرضى أهل الدين بالسعاية من العبد.
[فصل
ولا يتبعض غالبا فيسري وإلى الحمل لا الأم ويسعى لشريك المعتق إلا أن يعتقه موسر ضامن ومن أعتق أم حمل أوصى به ضمن قيمته يوم وضعه حيا فقط إلا للشريك في الأم فيتداخلان] .
قوله: "فصل: ولا يتبعض".
أقول: اختلفت الأحاديث في هذا ففي بعضها في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه العبد قيمة عدل فأعطى شركاه حصصهم وعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق"، فهذا الحديث يدل على أن السراية إلى نصيب الشريك إنما تثبت مع وجود مال الشريك المعتق يمكن منه غرامة قيمة نصيب الشريك وإذا لم يكن له مال فلا سراية ويعتق نصيب المعتق ويبقى نصيب شريكه رقا وفي لفظ في الصحيحين [البخاري "٥/١٥٠"، وغيرهما أبو داود "٣٩٤٧"، من هذا الحديث: "من أعتق عبدا بينه وبين آخر قوم عليه في ماله قيمة عدل لا وكس ولا شطط ثم عتق عليه في ماله إن كان موسرا"، وفي الصحيحين ألفاظ مصرحة بتقييد وقوع العتق بكون الشريك موسرا
стр. 734
وهي تفيد أنه إذا كان معسرا فلا يعتق إلا نصيب الموقع للعتق وثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "من أعتق شقصا له من مملوك فعليه خلاصة في ماله فإن لم يكن له مال قوم المملوك قيمة عدل ثم استسعي في نصيب الذي لم يعتق غير مشقوق عليه"، فأفاد هذا الحديث أنه إذا كان الشريك الذي أوقع العتق معسرا عتق العبد كله وسعى العبد في نصيب الشريك الآخر فالجميع بين هذه الأحاديث الثابتة في الصحيحين وما ورد في معناها خارج الصحيحين أن الشريك الموقع للعتق إن كان موسرا ضمن قيمة نصيب الشريك من ماله وإن كان معسرا فإن كان العبد قادرا على السعاية واختار ذلك عتق جميعه وسعى وإن لم يكن قادرا على السعاية أو أبى أن يسعى فقد عتق منه ما عتق وهو نصيب الذي أعتقه ويبقى نصيب الآخر رقا وليس في هذا ما يقتضي المنع منه من شرع ولا عقل وإنما قلنا إنه يعتبر رضاء العبد بالسعاية جميعا بين حديث السعاية وبين حديث: "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، فإذا رضي العبد ببقاء بعضه قنا ثم يجبر على خلاص نفسه بالسعاية عليه لأن ذلك أمر نفعه له فإذا اختار تركه لم يجبر عليه كما تدل عليه قواعد الشرع ولا سيما وهو يتمسك ها هنا بسنة صحيحة ثابتة وهو قوله ﷺ : "وإلا فقد عتق منه ما عتق"، ومن شك في ثبوتها فشكه مدفوع مرفوع بترجيح الأئمة من الرواة لثبوتها ورفعها وقد أوضحت الكلام فيما قاله الحفاظ في زيادة وإلا فقد عتق منه ما عتق وفي زيادة ذكر الاستسعاء للعبد في شرحي للمنتقي فليرجع إليه.
قوله: "وإلى الحمل".
أقول: لا دليل يدل على هذه السراية فإن كان الدليل القياس على سراية عتق الجزء المشاع إلى الباقي فليس هذا كذلك فإن هذا جزء منفصل وإن كان إيقاع العتق على الأم متصلا فاتصاله إنما هو الإيصال الكائن بين الظرف والمظروف وليس لذلك اعتبار وعلى هذا فلا حاجة إلى قوله ومن أعتق أم حملالخ.
стр. 735
[باب والتدبير
يصح من الثلث بلفظه كدبرتك وبتقييد العتق بالموت مطلقا مفردا لا مع غيره إن تعقب الغير قيل فوصية تبطل بالاستغراق] .
قوله: "باب: والتدبير يصح من الثلث".
أقول: وجه هذا المدبر حر من الثلث ولكنه لم يثبت دفعه من طريق يقوم بها الحجة والحفاظ قد جزموا بأنه موقوف والموقوف لا حجة فيه ويمكن أن يقال إن التدبير لما كان مضافا إلى ما بعد الموت كان له حكم الوصية وهي في هذه الصورة نافذة من الثلث وقد قال النبي ﷺ : "الثلث والثلث كثير"، [البخاري "١٢٩٥"، مسلم "٥/١٦٢٨"، أبو داود "٢٨٦٤"، الترمذي
стр. 736
"٢١١٦"، النسائي "٦/٢٤١، ٢٤٢"، ابن ماجة "٢٧٠٨"، أحمد "١/١٧٩"] ، ويؤيد ذلك حديث الأعبد الستة المتقدم ذكره فإن النبي ﷺ نفذ عتق الثلث منهم بالقرعة حيث لم يكن للمعتق مال سواهم.
قوله: "بلفظه كدبرتك أو أنت مدبر".
أقول: هذا ظاهر وهكذا تقييد العتق بالموت مطلقا لأنه معنى التدبير فلا فرق بينه وبين قوله دبرتك وأما إذا قيده بموته وحصول شيء آخر معه وتأخر ذلك الآخر فجزم المصنف بأنه لا يصح ذلك لأنه قد صار ملكا للورثة بموته ولا وجه لهذا فإن هذا وصية بالعتق وله حكمها عند المصنف وغيره وكان عليه أن يقرر هذا ويختاره كما قرره فيما سبق وقد قدمنا ما يرشد إلى ما هو الصواب.
[فصل
ولا تبطله الكتابة وقتل مولاه ويحرم بيعه إلا لفسق أو ضرورة فيطيب للشريك حصته ولو موسرا فإن زالا وفسخ بحكم أو قبل التنفيذ حرم ويسري إلى من ولد بعده ويوجب الضمان فمن دبره اثنان ضمنه الأول إن ترتبا وإلا سعى لمن تأخر موته وله قبل الموت حكم الرق إلا في البيع] .
قوله: "فصل: ولا تبطله الكتابة".
أقول: قد صار العبد مستحقا للحرية بالتدبير وهو عتق مقيد بالموت فليس للسيد أن يجبره على الكتابة فإن اختار ذلك فمن نفسه لأنه رضي بحمل مؤنة مال الكتابة وقد كان عنها في سعة وحينئذ يعتقه بالسبب الأسبق وقد أخرج البخاري في التاريخ عن محمد بن قيس ابن الأحنف عن أبيه عن جده أنه أعتق غلاما له عن دبر وكاتبه فأدى بعضا وبقي بعض ومات مولاه فأتوا ابن مسعود فقال: ما أخذ فهو له وما بقي فلا شيء لكم.
وأما قوله وقتل مولاه فوجهه ظاهر لأن القتل لا يرفع التدبير الذي وقع عليه واستحق الوفاء به والمعصية بالقتل لا تبطل ذلك كما لم تبطله سائر المعاصي والقياس على الميراث قياس مع الفارق.
قوله: "ويحرم بيعه إلا لفسق أو ضرورة".
أقول: استدل القائلون بتحريم بيعه بما أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مرفوعا: "المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث"، وفي إسناده عبيدة ابن حسان وهو منكر الحديث والحفاظ يقفونه على ابن عمر وقال الدارقطني في العلل الأصح وقفه وقال العقيلي لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث وقال أبو زرعة الموقوف أصح وقال ابن القطان المرفوع ضعيف وقال البيهقي الصحيح موقوف وقد روى عن علي ونحوه موقوفا
стр. 737
عليه وعن أبي قلابة مرسلا أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله النبي ﷺ من الثلث ولا يخفاك أن مثل هذا لا ينتهض للاستدلال به على التحريم للبيع لأن المرفوع لم يصح والموقوف لا حجة فيه لكن لما كان السيد قد أوقع العتق للعبد مقيدا بموته كان هذا هو المانع من البيع لأنه قد أخرجه عن ملكه إخراجا مقيد بوقت فليس له أن ينقض ما أبرمه وأما تسويغ بيعه للفسق فليس في هذا إلا ما أخرجه الشافعي والحاكم والبيهقي عن عائشة أنها باعت مدبرتها التي سحرتها وهذا لا تقوم به حجة لأنه فعل صحابي وأيضا السحر كفر فتلك المدبرة قد صارت كافرة بما فعلته من السحر وأما جواز بيعه للضرورة فلما ثبت في الصحيحين [البخاري "٢٥٣٤"، مسلم "٥٨/٩٩٧"] ،وغيرهما [أبو داود "٣٩٥٥"، ابن ماجة "٢٥١٣"، النسائي "٥/٦٩، ٨٠"] ، من حديث جابر أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه فهذا دليل على جواز البيع للحاجة ومما يدل على أن البيع لأجلها تولي النبي ﷺ للبيع فإن ذلك يفيد أن المدبر للعبد قد أنهى الأمر إليه وشكا إليه حاجته إلى بيعه ولكنه شك في الجواز مع التدبير فأستفتي النبي ﷺ فباعه ولولا ذلك لم يبلغ الأمر إلى النبي ﷺ ويؤيد هذا ما وقع في رواية للنسائي من هذا الحديث أن النبي ﷺ باعه بثمانمائة درهم فأعطاه فقال: "اقض دينك وأنفق على عيالك"، فإن هذا يدل على أن البيع لحاجة قضاء الدين والنفقة على العيال فلا يجوز إلحاق البيع لغير حاجة بالبيع لحاجة لوجود الفارق وقد ذهب إلى عدم جواز البيع مطلقا الجمهور كما قال النووي ونقله البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء والحديث يرد عليهم.
وأما قوله: "وتطيب للشريك حصته ولو موسرا" ففيه نظر فإن تسويغ البيع للشريك المحتاج لا يستلزم تسويغه للشريك الموسر لكن لما كان عتق الشريك يسري إلى نصيب شريكه بالأدلة المتقدمة وكان ضمان السراية على الشريك إن كان موسرا وإلا سعى العبد كان الأمر هنا هكذا فلا يطيب له ما يدفعه المشتري بل يطيب له ما يغرمه الشريك أو سعى به العبد.
وأما قوله: "فإن زالا" الخ فصحيح لأن العبد المدبر قد عدم المقتضي لبيعه ووجد المانع منه.
وأما قوله: "ويسري إلى من ولد بعده" فليس على هذا دليل يدل عليه لا من رواية ولا من دراية كما قدمنا, أما قوله: "فمن دبره اثنان ... " فصحيح لأن السابق بالتدبير قد أوقع العتق مقيدا فيضمن للشريك إن كان موسرا ويسعى العبد إن كان معسرا إذا اختار العبد ذلك على ما تقدم تقريره وهكذا من دبره اثنان ضمنه الأول إن ترتبا وإلا سعى العبد لمن تأخر موته لأنه عتق بموت الأول لكن ينبغي أن يقال إن الأول موتا يضمن من تركته فإن كان فقيرا سعى العبد إن اختار ذلك وإلا فلا يعتق إلا نصيب من تقدم موته ويبقى نصيب الآخر رقا حتى يموت فيعتق جمعا بين الأدلة كما تقدم وأما كون للمدبر قبل الموت حكم الرق فوجهه ظاهر لأنه لم يجعل عتقه مقيدا بالموت إلا لأجل الانتفاع به قبل الموت وأما استثناء البيع فللدليل المتقدم وهكذا سائر التصرفات.
стр. 738
باب الكتابة
قوله: "باب الكتابة"
أقول: ذهب الجمهور إلى أنها غير واجبة وذهبت الظاهرية إلى أنها واجبة ونقله ابن حزم عن مسروق والضحاك وزاد القرطبي معهما عكرمة وهو قول للشافعي واختاره ابن جرير الطبري وحكاه المصنف في البحر عن عطاء وعمرو بن دينار وقال اسحق بن راهويه إنها واجبة إذا طلبها العبد.
احتج القائلون بالوجوب بقوله سبحانه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] ، وأجاب الجمهور عن الاستدلال على الوجوب بهذه الآية بأجوبة منها ما قاله الإصطخري إن القرينة الصارفة للأمر المذكور في الآية هو الشرط المذكور في آخرها وهو قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ فإنه وكل الاجتهاد في ذلك إلى المولى ومقتضاه أنه إذا رأى عدمه لم يجبر عليه فدل على أنه غير واجب ومنها ما قال غيره إن الكتابة عقد غرر فكان الأصل أن لا يجوز فلما وقع الإذن فيها كان أمرا بعد منع والأمر بعد المنع للإباحة ومنها ما قاله القرطبي إنه لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الأمر بالكتابة غير واجب لأن قوله خذ كسبي وأعتقني يصير بمنزلة أعتقني بلا شيء وذلك غير واجب اتفاقا وقد أجيب بأجوبة غير هذه والحق أن الآية قد دلت على وجوب الكتابة مع علم السيد بالخير في عبده وقد عمل بهذه الآية عمر بن الخطاب كما في صحيح البخاري عن موسى بن أنس أن سيرين سأل أنس بن مالك المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر فقال كاتبه فأبى فضربه بالذرة وتلى عمر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] .
[فصل
يشترط في المكاتب التكليف وملك في الرقبة والتصرف وفي المملوك التمييز وفيها لفظها والقبول في المجلس بالتراضي وذكر عوض له قيمة وإلا بطلت معلوم كالمهر يصح تملكه مؤجل منجم لفظا ولو عجل وإلا فسدت فيعرض للفسخ ويعتق بالأداء وتلزم القيمة] .
قوله: "يشترط في المكاتب التكليف".
أقول: وجه ذلك أنها عقد معاوضة والصبي والمجنون غير جائزي التصرف وهكذا يشترط كونه مالكا للرقبة لأن صحة العتق وقبض العوض غير مترتبه على صحة الملك.
وأما قوله: "وفي المملوك التمييز" فلا وجه له بل لا بد أن يكون مكلفا جائز التصرف وأما ما ذكره من القبول في المجلس فالتراضي لا بد منه وهو المناط في ثبوت ذلك ولا يشترط
стр. 739
المجلس بل لو رضي أحدهما بعد مدة والآخر باق على الرضا كان ذلك معاملة صحيحة وتصرفا شرعيا وأما اشتراط ذكر عوض له قيمة فوجهه أنه لا يوجد معنى الكتابة إلا بذلك وإلا لم تكن مكاتبة وهو معنى ما ذكره المصنف من البطلان وهكذا لا بد أن يكون مال الكتابة مما يصح تملكه فإن كان لا يصح تملكه فوجوده كعدمه وحينئذ لا توجد معنى الكتابة.
قوله: "مؤجل منجم لفظا".
أقول: لم يثبت شيء مرفوع إلى النبي ﷺ في هذا وهو الحجة لا ما وقع من أفعال بعض الصحابة أو أقوالهم على أنهم يختلفون في ذلك فإنه أخرج الدارقطني عن أبي سعيد المقبري قال اشترتني امرأة من بني ليث بسوق ذي المجاز بسبعمائة درهم ثم قدمت فكاتبتني على أربعين ألف درهم فأذهبت إليها عامة المال ثم حملت ما بقي إليها فقلت هذا مالك فاقبضيه فقالت: لا والله حتى أقبضه منك شهرا بشهر وسنة بسنة فخرجت به إلى عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فقال عمر ارفعه إلى بيت المال ثم بعث إليها هذا مالك في بيت المال وقد عتق أبو سعيد فإن شئت فخذي شهرا بشهر وسنة بسنة قال فأرسلت فأخذته وأخرجه أيضا البيهقي وإذا عرفت عدم وجود دليل على لزوم النتجيم فلا يتم ما ذكره المصنف من الفساد ولا ما رتبه عليه.
[فصل
ويملك بها التصرف كالسفر والبيع وإن شرط تركه لا التبرع كالنكاح والعتق والوطء بالملك وله ولاء من كاتبه إن عتق بعده وإلا فلسيده ويرده في الرق اختياره ولا وفاء عنده ولو كسوبا وعجزه لا بفعل السيد عن الوفاء للأجل بعد أمهاله كالشفعة فيطيب ما قد سلم إلا ما أخذه عن حق فلأهله ويصح بيعه إلى من يعتقه برضاه وإن لم يفسخ وإذا أدخل معه غيره في عقد لم يعتقا إلا جميعا ولا يعتق ما اشتراه ممن يعتق عليه لا بعتقه ولو بعد الموت بأن خلف الوفاء أو أوفى عنه وله كسبه لا بيعه ومتى أسلم قسطا صار لقدره حكم الحرية فيما يتبعض من الأحكام حيا وميتا ويرد ما أخذ بالحرية إن رق ولا يستتم إن عتق ويسري كالتدبير وتوجب الضمان ويستبد به الضامن إن عجز وله قبل الوفاء حكم الحر موقوفا غالبا] .
قوله: "فصل: ويملك بها التصرف كالسفر والبيع وإن شرط تركه".
أقول: هذا يقتضيه عقد الكتابة فليس للسيد المنع منه وهكذا ليس له المنع من التبرع كالنكاح والعتق والوطء بالملك لأنه لم يبق للسيد إلا ما جعله عليه من المال فإن وفى به كان
стр. 740
حرا وإن عجز عنه عاد عبدا وقد وقع منه ما وقع في وقت ملكه للتصرف فلا يمنع من شيء من ذلك وإن انتهى الحال إلى دخول نقص على السيد بما فعله العبد من التبرعات فهو فعل ذلك بإذن سيده له بإيقاع به المكاتبة له ولا ينافي هذا حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد "٢/١٨٤"، وأبي داود "٣٩٢٧"، والترمذي "١٢٦٠"، وابن ماجه "٢٥١٩"، والحاكم وصححه أن النبي ﷺ قال: " أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأدها إلا عشر أوقيات فهو رقيق"، وفي لفظ لأبي داود "٣٩٢٦"، "المكاتب رقيق ما بقي عليه من مكاتبته درهم"، وقد أثبت المصنف أن للمكاتب ولاء من كاتبه أن عتق بعده وهذا يدل على جواز تصرفاته قبل الوفاء بمال الكتابة بمثل هذا.
قوله: "ويرده في الرق اختياره".
أقول: ليس ببعيد هذا بعد الدخول في الكتابة والتراضي عليها ولا وجه لقوله ولا وفاء عنده فإن الظاهر عد الجواز مطلقا لأنه تلاعب بما قد تحقق فيه المناط الشرعي وهو التراضي وأما عجزه فظاهر لحديث عمرو بن شعيب المتقدم ولكونه لم يحصل بعد العجز ما هو معنى الكتابة وأما كونه يطيب ما قد سلم فوجهه أن العبد لا يملك وأما من قال إنه يملك فلا يطيب للسيد.
وأما قوله: "ويصح بيعه إلى من يعتقه برضاه" فهو أيضا نقض من جهة السيد لما وقع التراضي عليه فلا يحل ولا ينافي هذا حديث بريرة وإعانة عائشة لها على تسليم ما كوتبت عليه أن ذلك هو تسليم لمال الكتابة من الغير لا بيع من المكاتب للمكاتب إلى الغير لكنه ثبت في رواية في الصحيحين [البخاري "٥٠٩٧، ٥٢٧٩"، مسلم "١٧٣/١٠٧٥، ١٤/١٥٠٤"] ، أن النبي ﷺ قال لعائشة: "ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق"، فأفاد هذا جواز بيع المكاتب.
وأما قوله: "وإذا دخل المكاتب معه غيره لم يعتقا إلا جميعا" فوجهه ظاهر لأنه رضي لنفسه بذلك.
وأما قوله: "ولا يعتق ما اشتراه ممن يعتق عليه إلا بعتقه" فوجهه أنه لا يملكه ملكا مستقرا إلا بذلك.
قوله: "ومتى سلم قسطا صار له حكم الحرية" الخ.
أقول: استدل القائلون بهذا التبعيض لما أخرجه أحمد "١/٢٦٠، ٢٩٢، ٢٦٣"، وأبو داود "٤٥٨١"، والنسائي "٤٨٠٩"، والترمذي "٣/٥٦٠"، بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "يؤدي المكاتب بحصه ما أدى دية الحر وما بقي دية العبد"، وبما أخرجه أحمد "١/٩٤"، وأبو داود "٤/٧٠٧"، ومن حديث علي عن النبي ﷺ قال: "يؤدي المكاتب بقدر ما أدى"، وأخرجه البيهقي أيضا من طرق فقد أثبت الشارع للمكاتب التبعض في هذا الحكم فيلحق به غيره مما يمكن تبعضه ولا ينافي هذا ما تقدم من قوله ﷺ : "المكاتب رقيق ما بقي عليه درهم"، وقوله: "أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق"، فإن هذا إنما
следующие страницы →