← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

"٢١١٦"، النسائي "٦/٢٤١، ٢٤٢"، ابن ماجة "٢٧٠٨"، أحمد "١/١٧٩"] ، ويؤيد ذلك حديث الأعبد الستة المتقدم ذكره فإن النبي ﷺ نفذ عتق الثلث منهم بالقرعة حيث لم يكن للمعتق مال سواهم. قوله: "بلفظه كدبرتك أو أنت مدبر". أقول: هذا ظاهر وهكذا تقييد العتق بالموت مطلقا لأنه معنى التدبير فلا فرق بينه وبين قوله دبرتك وأما إذا قيده بموته وحصول شيء آخر معه وتأخر ذلك الآخر فجزم المصنف بأنه لا يصح ذلك لأنه قد صار ملكا للورثة بموته ولا وجه لهذا فإن هذا وصية بالعتق وله حكمها عند المصنف وغيره وكان عليه أن يقرر هذا ويختاره كما قرره فيما سبق وقد قدمنا ما يرشد إلى ما هو الصواب. [فصل ولا تبطله الكتابة وقتل مولاه ويحرم بيعه إلا لفسق أو ضرورة فيطيب للشريك حصته ولو موسرا فإن زالا وفسخ بحكم أو قبل التنفيذ حرم ويسري إلى من ولد بعده ويوجب الضمان فمن دبره اثنان ضمنه الأول إن ترتبا وإلا سعى لمن تأخر موته وله قبل الموت حكم الرق إلا في البيع] . قوله: "فصل: ولا تبطله الكتابة". أقول: قد صار العبد مستحقا للحرية بالتدبير وهو عتق مقيد بالموت فليس للسيد أن يجبره على الكتابة فإن اختار ذلك فمن نفسه لأنه رضي بحمل مؤنة مال الكتابة وقد كان عنها في سعة وحينئذ يعتقه بالسبب الأسبق وقد أخرج البخاري في التاريخ عن محمد بن قيس ابن الأحنف عن أبيه عن جده أنه أعتق غلاما له عن دبر وكاتبه فأدى بعضا وبقي بعض ومات مولاه فأتوا ابن مسعود فقال: ما أخذ فهو له وما بقي فلا شيء لكم. وأما قوله وقتل مولاه فوجهه ظاهر لأن القتل لا يرفع التدبير الذي وقع عليه واستحق الوفاء به والمعصية بالقتل لا تبطل ذلك كما لم تبطله سائر المعاصي والقياس على الميراث قياس مع الفارق. قوله: "ويحرم بيعه إلا لفسق أو ضرورة". أقول: استدل القائلون بتحريم بيعه بما أخرجه الشافعي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر مرفوعا: "المدبر لا يباع ولا يوهب وهو حر من الثلث"، وفي إسناده عبيدة ابن حسان وهو منكر الحديث والحفاظ يقفونه على ابن عمر وقال الدارقطني في العلل الأصح وقفه وقال العقيلي لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث وقال أبو زرعة الموقوف أصح وقال ابن القطان المرفوع ضعيف وقال البيهقي الصحيح موقوف وقد روى عن علي ونحوه موقوفا

стр. 737

عليه وعن أبي قلابة مرسلا أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله النبي ﷺ من الثلث ولا يخفاك أن مثل هذا لا ينتهض للاستدلال به على التحريم للبيع لأن المرفوع لم يصح والموقوف لا حجة فيه لكن لما كان السيد قد أوقع العتق للعبد مقيدا بموته كان هذا هو المانع من البيع لأنه قد أخرجه عن ملكه إخراجا مقيد بوقت فليس له أن ينقض ما أبرمه وأما تسويغ بيعه للفسق فليس في هذا إلا ما أخرجه الشافعي والحاكم والبيهقي عن عائشة أنها باعت مدبرتها التي سحرتها وهذا لا تقوم به حجة لأنه فعل صحابي وأيضا السحر كفر فتلك المدبرة قد صارت كافرة بما فعلته من السحر وأما جواز بيعه للضرورة فلما ثبت في الصحيحين [البخاري "٢٥٣٤"، مسلم "٥٨/٩٩٧"] ،وغيرهما [أبو داود "٣٩٥٥"، ابن ماجة "٢٥١٣"، النسائي "٥/٦٩، ٨٠"] ، من حديث جابر أن رجلا أعتق غلاما له عن دبر فاحتاج فأخذه النبي ﷺ فقال: "من يشتريه مني؟ "، فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا فدفعه إليه فهذا دليل على جواز البيع للحاجة ومما يدل على أن البيع لأجلها تولي النبي ﷺ للبيع فإن ذلك يفيد أن المدبر للعبد قد أنهى الأمر إليه وشكا إليه حاجته إلى بيعه ولكنه شك في الجواز مع التدبير فأستفتي النبي ﷺ فباعه ولولا ذلك لم يبلغ الأمر إلى النبي ﷺ ويؤيد هذا ما وقع في رواية للنسائي من هذا الحديث أن النبي ﷺ باعه بثمانمائة درهم فأعطاه فقال: "اقض دينك وأنفق على عيالك"، فإن هذا يدل على أن البيع لحاجة قضاء الدين والنفقة على العيال فلا يجوز إلحاق البيع لغير حاجة بالبيع لحاجة لوجود الفارق وقد ذهب إلى عدم جواز البيع مطلقا الجمهور كما قال النووي ونقله البيهقي في المعرفة عن أكثر الفقهاء والحديث يرد عليهم. وأما قوله: "وتطيب للشريك حصته ولو موسرا" ففيه نظر فإن تسويغ البيع للشريك المحتاج لا يستلزم تسويغه للشريك الموسر لكن لما كان عتق الشريك يسري إلى نصيب شريكه بالأدلة المتقدمة وكان ضمان السراية على الشريك إن كان موسرا وإلا سعى العبد كان الأمر هنا هكذا فلا يطيب له ما يدفعه المشتري بل يطيب له ما يغرمه الشريك أو سعى به العبد. وأما قوله: "فإن زالا" الخ فصحيح لأن العبد المدبر قد عدم المقتضي لبيعه ووجد المانع منه. وأما قوله: "ويسري إلى من ولد بعده" فليس على هذا دليل يدل عليه لا من رواية ولا من دراية كما قدمنا, أما قوله: "فمن دبره اثنان ... " فصحيح لأن السابق بالتدبير قد أوقع العتق مقيدا فيضمن للشريك إن كان موسرا ويسعى العبد إن كان معسرا إذا اختار العبد ذلك على ما تقدم تقريره وهكذا من دبره اثنان ضمنه الأول إن ترتبا وإلا سعى العبد لمن تأخر موته لأنه عتق بموت الأول لكن ينبغي أن يقال إن الأول موتا يضمن من تركته فإن كان فقيرا سعى العبد إن اختار ذلك وإلا فلا يعتق إلا نصيب من تقدم موته ويبقى نصيب الآخر رقا حتى يموت فيعتق جمعا بين الأدلة كما تقدم وأما كون للمدبر قبل الموت حكم الرق فوجهه ظاهر لأنه لم يجعل عتقه مقيدا بالموت إلا لأجل الانتفاع به قبل الموت وأما استثناء البيع فللدليل المتقدم وهكذا سائر التصرفات.

стр. 738

باب الكتابة قوله: "باب الكتابة" أقول: ذهب الجمهور إلى أنها غير واجبة وذهبت الظاهرية إلى أنها واجبة ونقله ابن حزم عن مسروق والضحاك وزاد القرطبي معهما عكرمة وهو قول للشافعي واختاره ابن جرير الطبري وحكاه المصنف في البحر عن عطاء وعمرو بن دينار وقال اسحق بن راهويه إنها واجبة إذا طلبها العبد. احتج القائلون بالوجوب بقوله سبحانه: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] ، وأجاب الجمهور عن الاستدلال على الوجوب بهذه الآية بأجوبة منها ما قاله الإصطخري إن القرينة الصارفة للأمر المذكور في الآية هو الشرط المذكور في آخرها وهو قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ فإنه وكل الاجتهاد في ذلك إلى المولى ومقتضاه أنه إذا رأى عدمه لم يجبر عليه فدل على أنه غير واجب ومنها ما قال غيره إن الكتابة عقد غرر فكان الأصل أن لا يجوز فلما وقع الإذن فيها كان أمرا بعد منع والأمر بعد المنع للإباحة ومنها ما قاله القرطبي إنه لما ثبت أن رقبة العبد وكسبه ملك لسيده دل على أن الأمر بالكتابة غير واجب لأن قوله خذ كسبي وأعتقني يصير بمنزلة أعتقني بلا شيء وذلك غير واجب اتفاقا وقد أجيب بأجوبة غير هذه والحق أن الآية قد دلت على وجوب الكتابة مع علم السيد بالخير في عبده وقد عمل بهذه الآية عمر بن الخطاب كما في صحيح البخاري عن موسى بن أنس أن سيرين سأل أنس بن مالك المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر فقال كاتبه فأبى فضربه بالذرة وتلى عمر: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾ [النور: ٣٣] . [فصل يشترط في المكاتب التكليف وملك في الرقبة والتصرف وفي المملوك التمييز وفيها لفظها والقبول في المجلس بالتراضي وذكر عوض له قيمة وإلا بطلت معلوم كالمهر يصح تملكه مؤجل منجم لفظا ولو عجل وإلا فسدت فيعرض للفسخ ويعتق بالأداء وتلزم القيمة] . قوله: "يشترط في المكاتب التكليف". أقول: وجه ذلك أنها عقد معاوضة والصبي والمجنون غير جائزي التصرف وهكذا يشترط كونه مالكا للرقبة لأن صحة العتق وقبض العوض غير مترتبه على صحة الملك. وأما قوله: "وفي المملوك التمييز" فلا وجه له بل لا بد أن يكون مكلفا جائز التصرف وأما ما ذكره من القبول في المجلس فالتراضي لا بد منه وهو المناط في ثبوت ذلك ولا يشترط

стр. 739

المجلس بل لو رضي أحدهما بعد مدة والآخر باق على الرضا كان ذلك معاملة صحيحة وتصرفا شرعيا وأما اشتراط ذكر عوض له قيمة فوجهه أنه لا يوجد معنى الكتابة إلا بذلك وإلا لم تكن مكاتبة وهو معنى ما ذكره المصنف من البطلان وهكذا لا بد أن يكون مال الكتابة مما يصح تملكه فإن كان لا يصح تملكه فوجوده كعدمه وحينئذ لا توجد معنى الكتابة. قوله: "مؤجل منجم لفظا". أقول: لم يثبت شيء مرفوع إلى النبي ﷺ في هذا وهو الحجة لا ما وقع من أفعال بعض الصحابة أو أقوالهم على أنهم يختلفون في ذلك فإنه أخرج الدارقطني عن أبي سعيد المقبري قال اشترتني امرأة من بني ليث بسوق ذي المجاز بسبعمائة درهم ثم قدمت فكاتبتني على أربعين ألف درهم فأذهبت إليها عامة المال ثم حملت ما بقي إليها فقلت هذا مالك فاقبضيه فقالت: لا والله حتى أقبضه منك شهرا بشهر وسنة بسنة فخرجت به إلى عمر بن الخطاب فذكرت ذلك له فقال عمر ارفعه إلى بيت المال ثم بعث إليها هذا مالك في بيت المال وقد عتق أبو سعيد فإن شئت فخذي شهرا بشهر وسنة بسنة قال فأرسلت فأخذته وأخرجه أيضا البيهقي وإذا عرفت عدم وجود دليل على لزوم النتجيم فلا يتم ما ذكره المصنف من الفساد ولا ما رتبه عليه. [فصل ويملك بها التصرف كالسفر والبيع وإن شرط تركه لا التبرع كالنكاح والعتق والوطء بالملك وله ولاء من كاتبه إن عتق بعده وإلا فلسيده ويرده في الرق اختياره ولا وفاء عنده ولو كسوبا وعجزه لا بفعل السيد عن الوفاء للأجل بعد أمهاله كالشفعة فيطيب ما قد سلم إلا ما أخذه عن حق فلأهله ويصح بيعه إلى من يعتقه برضاه وإن لم يفسخ وإذا أدخل معه غيره في عقد لم يعتقا إلا جميعا ولا يعتق ما اشتراه ممن يعتق عليه لا بعتقه ولو بعد الموت بأن خلف الوفاء أو أوفى عنه وله كسبه لا بيعه ومتى أسلم قسطا صار لقدره حكم الحرية فيما يتبعض من الأحكام حيا وميتا ويرد ما أخذ بالحرية إن رق ولا يستتم إن عتق ويسري كالتدبير وتوجب الضمان ويستبد به الضامن إن عجز وله قبل الوفاء حكم الحر موقوفا غالبا] . قوله: "فصل: ويملك بها التصرف كالسفر والبيع وإن شرط تركه". أقول: هذا يقتضيه عقد الكتابة فليس للسيد المنع منه وهكذا ليس له المنع من التبرع كالنكاح والعتق والوطء بالملك لأنه لم يبق للسيد إلا ما جعله عليه من المال فإن وفى به كان

стр. 740

حرا وإن عجز عنه عاد عبدا وقد وقع منه ما وقع في وقت ملكه للتصرف فلا يمنع من شيء من ذلك وإن انتهى الحال إلى دخول نقص على السيد بما فعله العبد من التبرعات فهو فعل ذلك بإذن سيده له بإيقاع به المكاتبة له ولا ينافي هذا حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد "٢/١٨٤"، وأبي داود "٣٩٢٧"، والترمذي "١٢٦٠"، وابن ماجه "٢٥١٩"، والحاكم وصححه أن النبي ﷺ قال: " أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأدها إلا عشر أوقيات فهو رقيق"، وفي لفظ لأبي داود "٣٩٢٦"، "المكاتب رقيق ما بقي عليه من مكاتبته درهم"، وقد أثبت المصنف أن للمكاتب ولاء من كاتبه أن عتق بعده وهذا يدل على جواز تصرفاته قبل الوفاء بمال الكتابة بمثل هذا. قوله: "ويرده في الرق اختياره". أقول: ليس ببعيد هذا بعد الدخول في الكتابة والتراضي عليها ولا وجه لقوله ولا وفاء عنده فإن الظاهر عد الجواز مطلقا لأنه تلاعب بما قد تحقق فيه المناط الشرعي وهو التراضي وأما عجزه فظاهر لحديث عمرو بن شعيب المتقدم ولكونه لم يحصل بعد العجز ما هو معنى الكتابة وأما كونه يطيب ما قد سلم فوجهه أن العبد لا يملك وأما من قال إنه يملك فلا يطيب للسيد. وأما قوله: "ويصح بيعه إلى من يعتقه برضاه" فهو أيضا نقض من جهة السيد لما وقع التراضي عليه فلا يحل ولا ينافي هذا حديث بريرة وإعانة عائشة لها على تسليم ما كوتبت عليه أن ذلك هو تسليم لمال الكتابة من الغير لا بيع من المكاتب للمكاتب إلى الغير لكنه ثبت في رواية في الصحيحين [البخاري "٥٠٩٧، ٥٢٧٩"، مسلم "١٧٣/١٠٧٥، ١٤/١٥٠٤"] ، أن النبي ﷺ قال لعائشة: "ابتاعي فأعتقي فإنما الولاء لمن أعتق"، فأفاد هذا جواز بيع المكاتب. وأما قوله: "وإذا دخل المكاتب معه غيره لم يعتقا إلا جميعا" فوجهه ظاهر لأنه رضي لنفسه بذلك. وأما قوله: "ولا يعتق ما اشتراه ممن يعتق عليه إلا بعتقه" فوجهه أنه لا يملكه ملكا مستقرا إلا بذلك. قوله: "ومتى سلم قسطا صار له حكم الحرية" الخ. أقول: استدل القائلون بهذا التبعيض لما أخرجه أحمد "١/٢٦٠، ٢٩٢، ٢٦٣"، وأبو داود "٤٥٨١"، والنسائي "٤٨٠٩"، والترمذي "٣/٥٦٠"، بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "يؤدي المكاتب بحصه ما أدى دية الحر وما بقي دية العبد"، وبما أخرجه أحمد "١/٩٤"، وأبو داود "٤/٧٠٧"، ومن حديث علي عن النبي ﷺ قال: "يؤدي المكاتب بقدر ما أدى"، وأخرجه البيهقي أيضا من طرق فقد أثبت الشارع للمكاتب التبعض في هذا الحكم فيلحق به غيره مما يمكن تبعضه ولا ينافي هذا ما تقدم من قوله ﷺ : "المكاتب رقيق ما بقي عليه درهم"، وقوله: "أيما عبد كوتب بمائة أوقية فأداها إلا عشر أوقيات فهو رقيق"، فإن هذا إنما

стр. 741

هو باعتبار أنه لا يصير حرا خالصا إلا بالوفاء وليس في حديثي التبعض إلا إثبات حكم الكتابة له قبل الوفاء لا إثبات أحكام الحر الخالص فلا معارضة بين الأحاديث. وأما قوله: "ويرد ما أخذ بالحرية إن رق" فوجهه ظاهر لأنه انكشف بطلان ذلك المقتضى ووجود المانع ولعن كان مقتضى هذا أنه سيتم إن عتق اعتبار بالانتهاء في الموضعين ولا وجه للحكم عليه بأنه يرد إن رق مع الحكم عليه بأنه لا يستتم إن رق لأنه تغليط عليه فيما هو عليه وتخفيف فيما هو له بلا فارق من رواية ولا دراية. وأما قوله: "ويسري ويوجب الضمان" فالكلام هنا كما قدمنا في التدبير فليرجع إليه. وأما قوله: "وله قبل الوفاء حكم الحر" فليس بصواب بل الحق ما قدمنا بأن له قبل الوفاء حكما بين حكمي الحر والعبد إلا في رجوعه في الرق إذا عجز فإن له في ذلك حكم العبد.

стр. 742

[باب الولاء إنما يثبت ولاء الموالاة لمكلف ذكر حر مسلم على حربي أسلم على يده وإلا فلبيت المال حتى يكمل وولى العتاق يثبت للمعتق ولو بعوض أو سراية أصلا على من أعتقه وجرا على من أعتقه عتيقه أو ولده ولا أخص منه ولا يباع ولا يوهب ويلغو شرطه للبائع ولا يعصب فيه ذكر أنثى ويورث ويصح بين الملل المختلفة لا التوارث حتى يتفقوا وأن يكون كل مولى لصاحبه وأن يشترك فيه والأول على الرؤوس والآخر على الحصص ومن مات فنصيبه فى الأول لشريكه وفي الآخر للوارث غالبا] . قوله: "باب: الولاء إنما يثبت ولاء الموالاة لمكلف ذكر حر". أقول: استدل على إثبات التوارث بولاء الموالاة بما أخرجه أحمد "٤/١٠٢"،وأبو داود "٢٩١٨"، والترمذي "٢١١٢"، وابن ماجه "٢٧٥٢"، عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال سألت رسول الله ﷺ ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم على يد رجل من المسلمين؟ قال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته"، قال الترمذي "٤/٧٢٧"،لا تعرفه إلا في حديث عبد الله بن وهب ويقال ابن موهب عن تميم الداري وقد أدخل بعضهم بين عبد الله بن موهب وبين تميم الداري قبيصة بن ذؤيب وهو عندي ليس بمتصل انتهى وقال الشافعي في هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر بن ابن وهب عن تميم الداري وابن موهب ليس بالمعروف عندنا ولا نعلمه لقي تميما ومثل هذا لا يثبت عندنا ولا عندك من قبل أنه مجهول ولا أعلمه متصلا وقال الخطابي ضعف أحمد بن حنبل حديث تميم الداري وقال عبد العزيز رواية ليس هو من أهل الحفظ والاتقان وقال البخاري في الصحيح

стр. 743

واختلفوا في صحة هذا الخبر وقال أبو مسهر عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز ضعيف الحديث انتهى وأقول عبد العزيز من رجال الصحيحين وقد قال يحيى بن معين إنه ثقة وعبد الله بن وهب وثقه الفسوي وقال في التقريب ثقة ولكن لم يسمع من تميم فلا يتم ما قاله الشافعي من أنه مجهول ولكن علة الحديث أن قبيصة لم يلق تميما ولا يعارض هذا ما أخرجه أحمد "٤/١٣١"،وأبو داود "٢٨٩٩، ٢٩٠١"، والنسائي "٦٣٥٤/١، ٦٣٥٧/٤"، وابن ماجه "٢٧٣٨"، والحاكم وابن حبان وصححاه وحسنه أبو زرعة الرازي من حديث المقدام بن معدي كرب عن النبي ﷺ قال: "من ترك مالا فلورثته وأنا وارث من لا وارث له أعقل عنه وأرث"، لأن النبي ﷺ أثبت أنه وارث من لا وارث له ومولى الموالاة وارث بالحديث المتقدم عنه ﷺ فهو أقدم من بيت المال وتؤيد هذا ما أخرجه أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجه عن عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى له والخال وارث من لا وارث له"، ولا يعارض الحديث المذكور أيضا ما أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه من حديث عائشة أن مولى للنبي ﷺ خر من عذق نخلة فمات فأتي به النبي ﷺ فقال: "هل له من نسيب أو رحم؟ "، قالوا: لا قال: "أعطوا ميراثه بعض أهل قريته"، لأن هذا منه ﷺ من باب الصرف لما هو أولى به وذلك جائز وهكذا يحمل على الصرف ما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي من حديث بريدة قال توفي رجل من الأزد فلم يدع وارثا فقال رسول الله ﷺ : "ادفعوه إلى أكبر خزاعة"، وفي إسناده جبريل بن أحمر قال النسائي منكر الحديث وقال أبو زرعة الرازي شيخ وقال يحيى بن معين كوفي ثقة وبهذا تعرف أنه لا معارضة بين هذه الأحاديث وإن زعم ذلك بعض أهل العلم ولا وجه لاشتراط الذكوره لأن المرأة من جملة من يتعلق به أحكام الشرع إلا ما خصها منه دليل ولا يصلح لذلك ما في حديث تميم من قوله: "ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم على يد رجل من المسلمين" فإن ذكر الرجل خارج مخرج الغالب كما في سائر الخطابات الشرعية وأما اشتراط الحرية والإسلام فصحيح لأن الرق والكفر من موانع الأرث. وأما قوله: "وإلا فلبيت المال حتى يكمل" فمبني على أنه لا حق لغير المكلف في ولاء الموالاة وفيه نظر وعلى التسليم فلا وجه لانتظار حصول شرط لم يكن حاصلا في الحال سواء كان بلوغ الصبي أو حرية العبد أو إسلام الكافر. قوله: "وولاء العتاق يثبت للمعتق" الخ. أقول: هذا ثابت بالأدلة الصحيحة المتواترة وبالإجماع الصحيح ولم يقل أحد شيء يخالف ذلك وأما دعوى العتيق إذا لم يخلف سيده وارثا يرثه فمن أعجب ما يقرع الأسماع مع كونها مخالفة للإجماع وأما الاستدلال لهذه الدعوى الداحضة بمثل حديث: "الولاء لحمة كلحمة النسب"، فقد بينه عنه النبي ﷺ بقوله: "لا يباع ولا يوهب"، فإن هذا هو المراد بالتشبيه على أنه لا ملجيء للجواب على هذا لأن المراد به أن هذه الوصلة والوسيلة بالولاء لاحقة

стр. 744

بالنسب فيما أثبته الشرع لها ونفاه عنها فما الدليل على أن الميراث من جملة ذلك وبهذا تعرف أن الاستدلال بهذا الحديث مصادرة عن المطلوب وهكذا الاستدلال بحديث: "مولى القوم منهم" فإنه منهم فيما أثبته له الشرع من الأحكام وأما ما روى أن رجلا مات ولو يترك وارثا إلا غلاما كان أعتقه فجعل النبي ﷺ ميراثه للغلام أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه وابن ماجه من حديث ابن عباس وفي إسناده عوسجة مولى ابن عباس وفيه مقال فإن هذا ظاهر في أن الغلام هو الذي أعتق وعلى تقدير الاحتمال فلا حجة في المحتمل وعلى كل حال فللصرف في عتيق من لا وارث له مدخل في ذلك لأن النبي ﷺ إذا كان هو وارث من لا وارث له له نوع أخصية بصرف ميراثه أو بعضه فيه. وأما قوله: "ولو بعوض أو سراية" فظاهر وهكذا قوله: "أصلا على من أعتقه" الخ. وأما قوله: "لا يباع ولا يوهب" فللحديث المتقدم وهو في الصحيح ووجه قوله ويلغو شرطه للبائع أن ذلك يستلزم رفع موجب البيع وقد ثبت أن الولاء لمن أعتق ولا يكون العتق إلا من مالك. قوله: "ولا يعصب فيه ذكر أنثى". أقول: ينبغي أن ينظر في دليل هذه الكلية فإنه إذا قد ثبت الأرث به كان له أحكامه ومن أحكامه أنه يعصب فيه الذكر الأنثى ولم يثبت في ذلك ما تقوم به الحجة وأما قول بعض الصحابة فلا يصلح للاحتجاج به ولا يخصص ما تقتضيه الأدلة الواردة على ما تقتضيه قواعد الميراث. أما قوله: "ويورث به ولا يورث" فمعنى إثبات الإرث فيه ظاهر ومعنى كونه لا يورث أنه يستحقه الأعلى درجة كما لو خلف رجل ولدين وقد كان أعتق عبدا فمات أحد الولدين وخلف ولدا ثم مات العتيق فإن ميراثه لابن المعتق دون ابن ابنه الآخر وهذا لا مستند له إلا ما روى أحمد في المسند عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود أنهم قالوا الولاء للكبر ولكن الأولى الرجوع إلى ما ثبت مرفوعا فهو الحجة وهو ما أخرجه أحمد "١/٢٤١، ٤٢٤"، وأبو داود "٢٩١٧"، والنسائي "٦٣٤٨/٦، ٦٣٤٩/٤"، وابن ماجه "٢٧٣٢"، وصححه ابن المديني وابن عبد البر عن عمر بن الخطاب أنه تخاصم إليه جماعة في مثل هذا فقال أقضي بينكم بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعته يقول: "ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان". وأما قوله: "ويصح بين الملل المختلفة" فهو مبني على ما تقدم من صحة إيقاع العتق من الكافر وقد قدمنا ما فيه وأما كونه لا توارث بهذا الولاء حتى يتفقوا في الملة فظاهر للأحاديث المصرحة بأنه لا توارث بين أهل ملتين مختلفتين وهكذا يصح أن يكون كل واحد مولى للآخر كما لو أعتق الرجل عبدا لم لحق الرجل بدار الحرب فسباه عبده الذي هو عتيق له فأعتقه وهكذا يصح أن يشترك فيه الجماعة وذلك بأن يشترك في عبد جماعة فيعتقونه أو يسلم الكافر

стр. 745

على يد جماعة ويكون ولاء العتاق على قدر الحصص وولاء الموالاة على الرؤوس لأن لكل واحد منهم حقا يساوي حق الآخر. وأما قوله: "ومن مات فنصيبه" الخ فالظاهر استؤ ولاء العتاق وولاء الموالاة في أن نصيب كل واحد منهم لورثته لا لشريكه كما تقتضيه أدلة الميراث على العموم ولا وجه للفرق بين الولائين إلا مجرد الرجوع إلى رأي وقد قدمنا الكلام على قوله: "ولا يورّث".

стр. 746

كتاب الأيمان مدخل ... كتاب الإيمان [فصل إنما يوجب الكفارة الحلف من مكلف مختار مسلم غير أخرس بالله أو بصفة لذاته أو لفعله لا يكون على ضدها كالعهد والأمانة والذمة أو بالتحريم مصرحا بذلك قصد إيقاع اللفظ ولو أعجميا أو كانيا قصده والمعنى بالكتابة أو أخلف أو أعزم أو أقسم أو أشهد أو علي يمين أو أكبر الأيمان غير مريد للطلاق على أمر مستقبل ممكن ثم حنث بالمخالفة ولو ناسيا أو مكرها له فعل ولم يرتد بينهما وتنعقد على الغير في الأصح ولا يأثم بمجرد الحنث] قوله: "فصل: إنما يوجب الكفارة الحلف من مكلف". أقول: وجه اشتراط التكليف أن الصبي والمجنون غير مخاطبين بالأحكام الشرعية وهذا منها وقد دل الدليل على ذلك كما أوضحنا غير مرة وهكذا اشتراط الاختيار لأن المكره مرفوع عنه الخطاب بحكم الشرع وهو أيضا مع الإكراه غير معقد لليمين وقد قال تعالى: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] ، وقد رفع الله سبحانه الخطاب على من تكلم بكلمة الكفر مكرها قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] ، وأيضا خطاب لمكره بيمينه االتي أكره عليها هو من تكليف ما لا يطيقه العبد وقد رفعه الله عن عباده كما في الكتاب العزيز وفي السنة الصحيحة. وأما اشتراط أن يكون مسلما فلكون الكافر غير داخل في الخطابات الواردة في ذلك بتكفير الأيمان وحفظها وإن كان آثما بالحلف الباطل فإن ذلك الإثم هو باعتبار العقاب في الدار الآخرة.

стр. 747

وأما اشتراط أن يكون غير أخرس فوجهه أن لا يمكن منه الحلف فلا يثبت عليه حكمه. قوله: "بالله أو بصفة لذاته أو لفعله". أقول: أما الحلف بالله فهو الثابت في الشرع ثبوتا لا شك فيه ولا شبهة حتى ثبت في الصحيحين [البخاري "٦٦٤٦"، مسلم "١٦٤٦"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٢٤٩"، الترمذي "١٥٣٤"، النسائي "٧/٥"، أحمد "٢/١١، ١٧، ١٤٢"، ابن ماجة "٢٠٩٤"] ، من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت"، وهكذا ثبت في رواية هذا الحديث عند مسلم "٤/١٦٤٦"، وغيره النسائي "٣٧٦٤"، بلفظ: "من كان حالفا فلا يحلف إلا بالله"، وفي هذا المعنى أحاديث. وأما الحلف بالصفات فقد ثبت أنه كان أكثر حلفه ﷺ أن يقول: "لا ومقلب القلوب"، [البخاري "٦٦٤٦"، مسلم "١٦٤٦"، الترمذي "١٥٤٠"، النسائي "٧/٢"، وثبت عنه أنه كان كثيرا ما يحلف فيقول والذي نفسي بيده وهكذا ثبت في الصحيحين وغيرهما عنه ﷺ فقال: "وأيم الذي نفس محمد بيده"، وثبت أيضا فيهما وغيرهما أنه قال في زيد بن حارثة: "وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة"، وثبت أيضا فيهما [البخاري "١١/٥٢١"، مسلم "٢٤٢٦"] ، وغيرهما [الترمذي "١٤٣٠" أبو داود "٤٣٧٣"، النسائي "٨/٧٣، ٧٤"، أحمد ٦/١٦٢"، ابن ماجة "٢٥٤٧"] ، أنه قال: "وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"، وثبت في الكتاب العزيز الأمر منه سبحانه لرسوله ﷺ بأن يحلف بالرب عزوجل فقال: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يوونس: ٥٣] ، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٤] ، ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سيأ: ٣] . والحاصل أن ما ورد في الإذن بالأقسام به في الكتاب والسنة فهو القسم الذي تلزم فيه الكفارة وتثبت له أحكام اليمين وقد ألحقوا بذلك سائر صفات الذات والفعل التي لا يكون الله سبحانه على ضدها. وأما قوله: "كالعهد والأمانة والذمة" فهذه لا بد من ورود الإذن بها ولا سيما ورد النهي من بعضها كما في حديث بريدة عند أبي داود "٣٢٥٣"، بإسناد رجاله ثقات قال قال الله صلى الله عليه وأله وسلم: "ليس منا من حلف بالأمانة"، وأخرج الطبراني في الأوسط بإسناد رجاله ثقات من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ سمع رجلا يحلف بالأمانة فقال: "ألست الذي تحلف بالأمانة؟ "، قال في النهاية يشبه أن تكون الكراهة فيه لأجل أنه أمر أن يحلف بأسماء الله وصفاته والأمانه أمر من أموره فنهوا عنها من أجل التسوية بينها وبين أسماء الله كما نهوا أن يحلفوا بآبائهم انتهى ولا يخفاك أن العهد والذمة مشاركان للأمانه في هذه العلة. قوله: "أو بالتحريم". أقول: لم يأذن الله لعباده بهذا الحلف وعاتب عليه رسوله ﷺ فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ

стр. 748

مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] . ولا يدل قوله سبحانه: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] ، على أن الحلف كان بالتحريم لاحتمال الآية فإن الحالف بالله أن لا يفعل الشيء يصدق عليه أنه قد حرمه على نفسه والروايات من الأحاديث الحاكية لهذه القصة التي سبب نزول هذه الآية مختلفة. والحاصل أن التحريم والتحليل هو إلى الله عزوجل لا إلى العبد فكل تحريم لما أحله الله يوجبه العبد على نفسه لا حكم له ولا اعتبار به ولا يصير به الحلال حراما ولا يكون يمينا لما قدمنا من الاحتمال وعلى كل تقدير فلا يجوز لأحد من العباد أن يفعل شيئا عاتب الله عليه ورسوله فإن فعل كان ذلك لغوا لا اعتداد به. قوله: "مصرحا بذلك". أقول: الاعتبار بما يصدق عليه أنه يمين شرعية على الصفة المتقدمة فما كان من الألفاظ لا يحتمل غير اليمين فهو يمين فإن أراد خلافه أو سبقه لسانه لا يلزمه اليمين من غير فرق بين الصريح والكناي. ة والحاصل أن الاعتبار بالقصد في كل لفظ فلا يتم قوله قصد إيقاع اللفظ لأنه لا اعتبار بمجرد قصد إيقاع اللفظ بل الأعمال بالنيات وقد تقدم الكلام على هذا في الطلاق وفي كثير من الأبواب. قوله: "أو حلف أو أعزم أو أقسم". أقول: أما لفظ أحلف أو أقسم فهو لا يراد بهما إلا اليمين وإن لم يحلف بالمقسم به فيكونا مع قصد الحلف يمينا وقد أخرج أحمد "٦/١١٤"، بإسناد رجاله رجال الصحيح من حديث عائشة أن امرأة أهدت إليها تمرا في طبق فأكلت بعضه وبقي بعضه فقالت أقسمت عليك إلا أكلت بقيته فقال رسول الله ﷺ : "أبريها فإن الإثم على المحنث"، فجعل النبي ﷺ قولها هذا يمينا وأمرها أن تبرها وأخرج أيضا أحمد وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن صفوان وكان صديقا للعباس أنه لما كان يوم الفتح جاء بأبيه إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بايعه على الهجرة, فأبى وقال: "إنه لا هجرة" فانطلق إلى العباس فقام العباس معه فقال يا رسول الله قد عرفت ما بيني وبين فلان وأتاك بأبيه لتبايعه على الهجرة فأبيت فقال النبي ﷺ : "لا هجرة"، فقال العباس: أقسمت عليك لتبايعنه فبسط رسول الله ﷺ يده فقال: "هات أبررت عمي ولا هجرة". وثبت في الصحيحين [البخاري "٧٠٤٦"، مسلم "٢٢٦٩"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٢٦٨"، الترمذي "٢٤٩٤"، ابن ماجة "٣٩١٨"، أن النبي ﷺ قال لأبي بكر: "لا تقسم"، لما قال له لتحدثني بالذي أخطأت فسمى صريح اليمين قسما. وأما قوله: "أو أعزم" فليس في هذا ما يفيد اليمين ولكنه كان كثير الوقوع من السلف لا سيما الأكابر منهم كانوا يقولون فيما يريدون وقوعه من غيرهم أو عدم وقوعه عزمت

стр. 749

عليك لتفعلن كذا أو عزمت عليك لتتركن كذا وكانوا يرون أن ذلك قسما ويسارعون إلى الامتثال. وأما قوله: "أو أشهد" فقد سمى الله سبحانه الأيمان شهادة في آية اللعان. وأما قوله: "علي يمين أو أكبر الأيمان" فظاهر أنه أراد بهذا اليمين. قوله: "على أمر مستقبل ممكن". أقول: وجهه أنه لا يتحقق الحنث الموجب للكفارة إلا في الأمور المستقبلة لأن الحلف على الأمر الماضي إن كان الحالف عالما بأنه على خلاف ما حلف عليه فهي اليمين الغموس وإن كان غير عالم فهو اليمين اللغو وسيأتي أنه لا كفارة فيهما. وأما قوله: "ولو ناسيا أو مكرها" فالظاهر أنهما لا حنث عليهما ولا تلزمهما الكفارة لرفع خطاب الشرع عنهما كما في حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وقد تقدم الكلام على هذا الحديث وظاهر الرفع يعم الأمور الدنيوية والأمور الأخروية إلا ما خصه الدليل وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أن الله سبحانه لما حكى عن القائلين: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخر الآيات قال: "قد فعلت" فقد ثبت بهذا الدليل الصحيح رفع الخطأ والنسيان وعدم المؤاخذة بهما وكذلك ثبت به عدم المؤاخذة بما هو خارج عن طاقة العبد فتكليف المكره هو تكليف بما لا طاقة له به. وأما قوله: "ولم يرتد بينهما" فوجهه أن الإسلام يجب ما قبله كما ثبت ذلك بالدليل الصحيح. قوله: "وتنعقد على الغير على الأصح". أقول: هذا الإنعقاد يخالف ما تقدم له في قوله ممكن فإن المراد الإمكان للحالف وهو لا يتمكن من فعل غيره وقد عرفناك أن الخطاب بما لا يمكن هو من المؤاخذة للعبد بما لا طاقة له به وقد رفع الله سبحانه ذلك عن عباده. قوله: "ولا يأثم بمجرد الحنث". أقول: ينبغي أن يقال الحنث يختلف باختلاف المحلوف عليه فإن حلف على أن يفعل ما لا يجوز فعله كان الحنث واجبا عليه وإن حلف على شيء غيره خير منه كان الحنث مندوبا كما في الأحاديث الثابتة في الصحيحين [البخاري "٦٦٢٢"، مسلم "١٩/١٦٥٢"] ، وغيرهما [أحمد "٥/٦٢ـ ٦٣"، أبو داود "٣٢٧٨"، النسائي "٧/١٠"] ، من طرق جماعة من الصحابة: "من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه"، بل ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "والله لا أحلف على شيء فأرى خيرا منه إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني". ولا يبعد أن يكون الحنث من هذه الصورة واجبا لقوله: "فليأت الذي هو خير" وإن كان المحلوف على فعله مباحا فترك الحنث أفضل لأن الله سبحانه قد أمر بحفظ الأيمان ومعنى

стр. 750

حفظها هو عدم المخالفة لما يقتضيه وإن كان المحلوف على عدم فعله مما يجب فعله كان الحنث واجبا وإن كان مما يجب تركه كان الحنث حراما. وبهذا تعرف أن الحنث في بعض الصور يوجب الإثم على الحانث وفي بعضها يوجب الثواب للحانث فهذه الكلية التي جاء بها المصنف غير مسلمة. [فصل ولا تلزم في اللغو وهي ما ظن صدقها فانكشف خلافه والغموس وهي ما لم يعلم أو يظن صدقها ولا بالمركبة ولا بالحلف بغير الله ولا الإثم ما لم يسو في التعظيم أو تضمن كفرا أو فسقا. قوله: "فصل: ولا يلزم من اللغو وهي ما ظن صدقها فانكشف خلافه". أقول: قد اختلف أهل العلم في تفسير اللغو على ثمانية أقوال ولا يخفى أن الواجب الرجوع إلى معنى اللغو لغة إذا لم يثبت له معنى في الشرع يخالف معناه اللغوي فإن ثبت فالرجوع إلى المعنى الشرعي مقدم على المعنى اللغوي كما تقرر في الأصول. واللغو في اللغة الباطل ولكنه ثبت عن عائشة أن البخاري "٤٦١٣"، وغيره أنها قالت نزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥، المائدة: ٨٩] ، في قول الرجل لا والله وبلى والله والصحابة أعرف بمعاني القرآن فالرجوع إلى أقوالهم هو الواجب وقد روي عنها وعن جماعة من الصحابة تفاسير مختلفة لمعنى اللغو ولكنهم لم يذكروا أن ما قالوه هو ما نزل به القرآن مع عدم ثبوت ذلك من وجه تقوم به الحجة على أنه قد روى أبو داود "٣٢٥٤"، قول عائشة هذا مرفوعا بلفظ قالت عائشة إن رسول الله ﷺ قال: "هو كلام الرجل في بيته كلا والله وبلى والله"، وهكذا أخرجه مرفوعا ابن حبان والبيهقي وصحح الدارقطني الوقف وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وابن عمرو مثل قول عائشة. وقد أوضحنا الكلام في هذه المسألة في شرح المنتقى وفي التفسير فليرجع إلى ذلك. قوله: "والغموس وهي ما لم يعلم أو يظن صدقها". أقول: هذه اليمين هي التي ورد الوعيد الشديد عليها وثبت في صحيح البخاري "١١/٥٥٥"، ١٢/١٩١، ١٢/٢٦٤"، وغيره أحمد "٦/٣٥٩، ٣٦٠"، الترمذي "٣٠٢١" من حديث ابن عمرو قال جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله ما الكبائر فذكر الحديث وفيه اليمين الغموس وفيه قلت وما اليمين الغموس قال: "التي يقتطع بها مال أمريء مسلم فهو فيها كاذب". وأخرج أحمد "٢/٣٦٢"، وأبو الشيخ من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ :

стр. 751

"خمس ليس لهن كفارة"، وذكر منها اليمين التي يقتطع بها مالا بغير حق فصرح النبي ﷺ بأن اليمين الغموس هي "التي يقتطع بها مال امريء مسلم هو فيها كاذب" وسماها غموسا فلم يبق بحاجة إلى البحث عن معنى الغموس لغة فإن هذا معنى شرعي قاله رسول الله ﷺ صرح فيه بلفظ الغموس وبين معناها ثم ذكرأنه ليس لها كفارة فأفاد بذلك عدم لزوم كفارة الحنث فيها فصح كلام المصنف بالدليل ولا يرد عليه شيء من التشكيكات التي هي دأب من لم يكن من المؤثرين للدليل على القال والقيل. قوله: "ولا بالمركبة". أقول: اليمين لغة وشرعا لا يصدق على مثل هذه المركبة فإنه ليس فيها لفظ القسم بالله أو بصفة لذاته فلا يصدق عليها أنها يمين حتى يحتاج إلى إخراجها عن اليمين التي تجب فيها الكفارة ولا مدخل لها في مباحث اليمين فإن وجد فيها ما يفيد النذر فالكلام فيها كالكلام في النذر وسيأتي وإن لم يكن فيها ما يفيد ذلك فلا يلزم فيها شيء لا وفاء ولا كفارة ومن ادعى غير هذا فعليه الدليل والأموال معصومة بعصمة الإسلام فلا يحل الحكم على شيء منها بإخراجه عن ملك مالكه إلا بنا قل شرعي تقوم به الحجة. قوله: "ولا بالحلف بغير الله". أقول: الكفارة إنما أوجبها الله سبحانه في الأيمان الشرعية والحلف بغير الله سبحانه ليس من الأيمان الشرعية بل من الأيمان التي ورد الوعيد عليها والزجر عنها وهذا النهي خاص بالعباد فليس لأحدهم أن يحلف بغير الله كائنا ما كان ولا يجوز الإقسام بما أقسم الله به من مخلوقاته فإنه سبحانه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون وله أن يقسم بما شاء كيف شاء من مخلوقاته وعلى العباد أن يمتثلوا ما شرعه لهم على لسان رسوله من ترك الحلف بغير الله سبحانه وهذا ظاهر واضح لا يخفى. قوله: "ولا الإثم ما لم يسو في التعظيم". أقول: أقل ما تقتضيه الأحاديث الكثيرة في النهي عن الحلف بغير الله والوعيد الشديد عليه أن يكون الفاعل لذلك آثما لأنه أقدم على فعل محرم والإثم لازم من لوازم الحرام وأما الاستدلال على عدم الإثم بما ورد في غاية الندرة والقلة كحديث: "أفلح وأبيه إن صدق"، فمن الغرائب والمغالظ وكيف تهمل المناهي والزواجر التي وردت موردا يقرب من التواتر بمثل هذا الذي تعرض العلماء لتأويله بوجوه من وجوه التأويل التي يجب استعمالها والمصير إليها فيما خالف السنن الظاهرة المشتهرة على أنه قد تقرر في الأصول أن فعله ﵌ لما نهى عن الأمة يدل على اختصاصه به وأما التسوية في التعظيم فهي موجبة للإثم الشديد لمجردها ولو كانت في غير اليمين بل ذلك نوع من أنواع الإشراك بالله سبحانه وهكذا ما تضمن كفرا أو فسقا فإنه يأثم بمجرد ذلك وقد وردت الأدلة بأن الحالف بما يقتضي الكفر يلزمه ما حلف به ويكون كما قال وورد أنه يؤمر بأن يقول: "لا إله إلا الله" [البخاري "٦٦٥٠"، مسلم

стр. 752

"٥/١٦٤٧"] ، وذلك يدل على خروجه من الإسلام وهكذا إذا جاء بما يدل على ذلك من غير يمين فإنه يكون ردة. [فصل وللمحلف على حق بماله التحليف به نيته وإلا فللحالف إن كانت واحتملها اللفظ بحقيقته أو مجازه وإلا اتبع معناه من عرفه ثم عرف بلده ثم منشئه ثم الشرع ثم اللغة ثم حقيقتها ثم مجازها فالبيع والشراء لهما وللسلم والصرف صحيحا أو فاسدا معتادا ولما تولاه مطلقا أو أجازه أو أمر به إن لم يعتد توليه. ويحنث بالعتق ونحوه فيما حلف ليبيعنه والنكاح وتوابعه لما تولاه أو أقر به مطلقا لا البناء ونحوه فكالبيع والنكاح للعقد وسره لما حضره شاهدان والتسري للحجبة والوطء وإن عزل والهبة ونحوها للإيجاب بلا عوض ولا للصدقة والنذر والكفالة لتدرك المال أو الزوجة والخبز له وللفتيت كبارا والإدام لكل ما يؤكل به الطعام غالبا إلا الماء والملح للعرف واللحم لجسد الغنم والبقر والإبل وشحم ظهورها والشحم شحم الألية والبطن والرؤوس لرؤوس الغنم وغيرها إلا لعرف والفاكهة لكل ثمرة تؤكل وليست قوتا ولا دواء ولا إداما والعشاء لما يعتاد تعشيه والتعشي لما بعد العصر إلا نصف الليل وهذا الشيء لأجزأه المشار إليه على أي صفة كانت إلا الدار فما بقيت فإن التبس المعين المحلوف منه بغيره لم يحنث ما بقي قدره والحرام لما يحل حال فعله والحلي للذهب والفضة ونحوها إلا خاتم الفضة ويعتبر حال الحالف والسكون للبث محصوص يعد به ساكنا ودخول الدار لتواري حائطها ولو تسلقا إلى سطحها ومع اللبس والمساكنة والخروح والدخول على الشخص والمفارقة بحسب مقتضى الحال والوفاء يعم الحوالة والإبراء ورأس الشهر لأول ليلة منه والشهر إلى آخر جزء منه والعشاء إلى ثلث الليل إلا لقربى في آخره والظهر إلى بقية تسع خمسا والكلام لما عدا الذكر المحض منه والقراءة للتلفظ والصوم ليوم والصلاة لركعتين والحج للوقوف وتركها لترك الإحرام بها والمشي إلى ناحية لوصولها والخروج والذهاب للإبتداء بنيته وإلا بإذني للتكرار وليس من الإيذان والدرهم لما يتعامل به من الفضة ولو زائفا ورطل من كذا لقدره منه ولو مشاعا] . قوله: "فصل: وللمحلف على حق بماله التحليف به نيته".

стр. 753

أقول: هكذا ورد الدليل فأخرج أحمد "٢/٢٢٨، ٣٣١"، ومسلم "١٦٥٣"، والترمذي "١٣٥٤"، وابن ماجة "٢١٢١"،من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يمينك على ما يصدقك به صاحبك"، وفي لفظ لمسلم "٢١/١٦٥٣"، وابن ماجة "٢١٢٠"، من هذا الحديث: "اليمين على نية المستحلف"، ومعنى هذا الحديث ظاهر واضح وإيراد الأبحاث المتضمنة للتشكيك فيه حاصلها الرد على رسول الله ﷺ . وأما قوله: "فللحالف إن كانت" إلخ فقد حكى الإجماع على ذلك القاضي عياض والنووي ويدل عليه حديث سويد بن حنظلة قال خرجنا نريد رسول الله ﷺ ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له فتخرج القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلي عنه فأتينا إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك له فقال: "أنت كنت أبرهم وأصدقهم صدقت المسلم أخو المسلم"، أخرجه أحمد "١٣/١٣٤، ١٣٥"، وأبو داود "٣٢٥٦"، وابن ماجه ٢١١٩"، ورجاله ثقات وهو من رواية إبراهيم بن عبد الأعلى عن جدته عن سويد بن حنظلة وعزاه المنذري إلى مسلم فينظر في صحة ذلك. وقد أبان رسول الله ﷺ لسويد أن يمينه بارة صادقة وأوضح له أن لذلك وجها إن كان مقصودا له وإن لم يكن مقصودا له فقد صح حلفه وبر في يمينه لما حصل بها من تخليص رجل من المسلمين من يد ظالمة وما ذكره من تقديم ما يدل عليه العرف فوجهه ظاهر لأن الحالف إنما يقصد في يمينه ما يتعارف به أهل بلده. والحاصل أنه يحمل كلامه على ما هو الغالب على قصده السابق إلى إرادته وإن كان ممن يعرف لغة العرب أو يعرف ما نقله الشرع عنها صار بعد ذلك النقل معنى شرعيا فإنه لا يحمل على ذلك مع وجود العرف المستقر الشائع المتقرر عند الحالف وقومه فإن كان لا عرف في ذلك الذي تكلم به كان الرجوع في مثله إلى المعنى العربي أو الشرعي إن كان الحالف ممن يعرفهما ويتكلم بهما ويقدم المعنى الحقيقي على المعنى المجازي ويقدم الشرعي على اللغوي وهكذا اعتبار صحيح لا بد منه ولا وجه للاعتراض عليه للقطع بأن المقاصد والإرادات هي التي يحمل عليها الكلام وكل متكلم لا يريد إلا ما هو الغالب في لسانه ولسان قومه ولو حمل كلامه على غير ذلك لكان حملا للكلام على خلاف ما هو المراد منه والمقصود به وذلك غلط أو مغالطة. وقد أطال المصنف من ذكر هذه الأمثلة الحزبية إلى آخر الفصل وذلك ينافي ما هو المقصود له من الاختصار ولا يتعلق به كثير فائدة لأن غاية ما فيه بيان ما هو السابق إلى الفهم في هذه الأمور في عرف المصنف وأهل عصره من جهته والأعراف تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة فإن كان عرف الحالف مخالفا لشيء من هذه الصور التي ذكرها المصنف كان الاعتماد على عرفه لا على ما ذكره المصنف ها هنا مع أن ذكر هذه الصور مفسدة وهي أنه يظن المقصرون أن الرجوع إليها محتم وأن حمل كلام الحالف عليها متعين وإن

стр. 754

كان عرفه مخالفا لها وهذا ظن باطل وخيال مختل وتوهم فاسد وإن كان ما ذكره المصنف في بعض هذه الصور بيانا للمعنى اللغوي أو الشرعي فقد عرفت أنه لا يصار إلى ذلك إلا عند عدم العرف. [فصل ويحنث المطلق بتعذر الفعل بعد إمكانه والمؤقت بخروج آخره متمكنا من البر والحنث ولم يبر والحالف من الجنس ببعضه ولو منحصرا إلا في عدد منصوص وما لا يسمى كله ببعضه كالرغيف وإلا مثبت المنحصر والمحلوف عليه والمعطوف بالواو فبمجموعه لا مع لا أو باو فبواحد فينحل ويصح الاستثناء متصلا غير مستغرق وبالنية دينا فقط وإن لم يلفظ بعموم المخصوص إلا من عدد منصوص ولا تكرر الكفارة بتكرر اليمين أو القسم ما لم يتعدد الجزاء ولو مخاطبا بنحو لا كلمتك] . قوله: "فصل: ويحنث المطلق بتعذر الفعل بعد إمكانه". أقول: هذا كلام معقول المعنى واضح الوجه فإن المحلوف عليه إذا أمكن ثم تعذر بعد الإمكان فقد حصل الحنث بعدم إمكان الوفاء ولا فرق بين أن يكون واجبا أو حراما وأما وجوب فعل الواجب وتحريم فعل الحرام فأمره راجع إلى صفة الفعل فما كان يجب عليه فيه الفعل واجب وما كان يجب عليه فيه الترك ترك. وأما اعتبار الإمكان فوجهه أنه لو لم يتمكن بوجه من الوجوه ولا تراخى فيما يجب عليه فيه الفعل أو الترك فورا لكان التكليف به من تكليف ما لا يطاق وهو ممنوع. وما ذكره من أنه يحنث بانقضاء وقت المؤقت مع التمكن من البر والحنث فذلك صحيح لأن الحلف لما أضيف إلى الوقت كان معتبرا فلا يمكن البر بعد خروجه. قوله: "والحالف من الجنس ببعضه ولو منحصرا". أقول: قد تقرر أن دخول الألف واللام على الجموع يوجب هدم الجمعية ومصيرها للجنس فإذا حلف لا يلبس الثياب ولا يركب الدواب حنث بلبس ثوب واحد وركوب دابة واحدة وهكذا ولو قال لا لبس ثيابه ولا ركب دوابه فإن الإضافة تفيد مفاد اللام ولا ينبغي أن يقال في مثل هذا إن المعنى الحقيقي يشمل الجميع فلا يحنث إلا بلبس الجميع أو ركوب الجميع لأنا نقول ها هنا أمر هو قرينة قوية على عدم إرادة المعنى الحقيقي وهو ما ذكرنا من انهدام معنى الجمعية وأما المحصور بالعدد فلا شك أن الحنث أو البر لا يكون إلا بذلك العدد ولو قيل أنه يحنث بالبعض لكان معنى العدد ضائعا.

стр. 755

وأما كونه لا يحنث فيما لا يسمى كله ببعضه كالرغيف فظاهر لأن المعنى الحقيقي لا يتناول البعض وحده ولا قرينة تصرف المعنى إلى ذلك. وبقية ما ذكره المصنف في هذا الفصل أمرها واضح ظاهر معلوم من علم اللغة والإعراب فلا نطيل البحث بالكلام عليه وذكر وجهه وهكذا قوله إنها لا تتكرر الكفارة بتكرر اليمين أو القسم فإنه مما لا ينبغي أن يقع فيه خلاف والقسم هو اليمين كما في كتب اللغة فكان أحد الأمرين يغني عن ذكر الآخر. [فصل والمركبة من شرط وجزاء إن تضمنت حثا أو منعا أو تصديقا أو براءة فيمين مطلقا وإلا فحيث يتقدم الشرط لا غير ولا لغو فيها وإذا تعلقت أو القسم بالدخول ونحوه فعلا أو تركا فللاستئناف لا لما في الحال لا السكون ونحوه فللاستمرار بحسب الحال ومن حلف لا طلق لم يحنث بفعل بشرط ما تقدم إيقاعه] . قوله: "فصل: والمركبة" الخ. أقول: هذا التركيب لا يصدق عليه لغة ولا شرعا أنه يمين فإن أراد المتكلم به النذر كان له حكمه وإن لم يرد ذلك كان من التعليق للعتق أو الطلاق أو نحوهما بشرط نحو إن دخلت الدار فعبدي حر أو نحو ذلك وقد تقدم الكلام على مثل هذا في الطلاق والعتق وقدمنا أيضا الكلام على المركبة عند قول المصنف ولا بالمركبة ولا وجه لما ادعاه المصنف من الإجماع على أنها يمين فإن خلاف أهل العلم فيها محرر في كتب الخلاف وقد استوفى ذلك ابن رشد المالكي في نهايته وقد ذهب أهل الظاهر إلى أنها ليست بيمين ولا نذر ولا يتعلق بها حنث ولا يلزم الوفاء بها.

стр. 756

[باب الكفارة والكفارة تجب من رأس المال على من حنث في الصحة مسلما ولا يجزيء التعجيل وهي إما عتق يتناول كل الرقبة بلا سعي ويجزيء كل مملوك إلا الحمل والكافر وأم الولد ومكاتبا كره الفسخ فإن رضيه استرجع ما قد سلم من بيت المال أو كسوة عشرة مساكين مصرف للزكاة ما يعم البدن أو أكثر إلى الجديد أقرب ثوبا أو قميصا أو

стр. 757

إطعامهم ولو متفرقين عونتين بإدام ولو مفترقين فإن فاتوا بعد الأولى استأنف ويضمن الممتنع أو تمليك كل منهم صاعا من أي حب أو تمر يقتات أو نصفه برا أو دقيقا وللصغير كالكبير فيهما ويقسط عليه ولا يعتبر إذن الولي إلا في التمليك ويصح الترديد في العشرة مطلقا لا دونهم وإطعام بعض وتمليك بعض كالعونتين لا الكسوة والإطعام إلا أن يجعل أحدهما قيمته تتمة الآخر فالقيمة تجزيء عنهما في الأصح إلا دون المنصوص من غيره ومن لا يملك إلا ما استثني أو بينه وبين ماله مسافة ثلاث أو كان عبدا صام ثلاثا متوالية فإن وجد أو عتق ووجد خلالها استأنف ومن وجد لإحدى كفارتين قدم غير الصوم] . قوله: "باب: والكفارة تجب من رأس المال". أقول: قد ذكر الله سبحانه في الكتاب العزيز أن هذه الكفارة هي كفارة الأيمان فأفاد ذلك أنها واجبة على من حنث في يمينه وأما التفصيل بين كونها من رأس المال أو من الثلث فمبني على ما سيأتي في الوصايا وسيأتي الكلام عليه ويؤيد وجوب الكفارة ما قدمنا من الأحاديث المشتملة على الأمر بالتكفير كقوله ﷺ : "فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه". قوله: "ولا يجزيء التعجيل". أقول: يدل على هذا ما في الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما بلفظ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه وفي لفظ للنسائي وأبي داود من حديث عبد الرحمن ابن سمرة: "إذا حلفت على يمين فكفر عن يمنيك ثم أئت الذي هو خير"، وفي صحيح مسلم من حديث عدي بن حاتم قال قال رسول الله ﷺ : "إذا حلف أحدكم على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفرها وليأت الذي هو خير". وفي هاتين الروايتين دليل على جواز إخراج الكفارة قبل الحنث ويجمع بينهما وبين سائر الروايات المصرحة بتأخير الكفارة عن الحنث بأن الكل جائز ويعكر على هذه الرواية المصرحة بالترتيب بلفظ نعم فإنها تدل على أن تقديم الكفارة على الحنث متحتم ولا يعارضها رواية تأخير الكفارة لأنها بالواو والواو لمطلق الجمع ولا تدل على الترتيب وهذه الروايات المصرحة بتأخير الكفارة معارضة بما ذكرنا من حديث عدي بن حاتم فإنه قدم الكفارة في هذه الرواية وأخر الحنث كما قدم الحنث في تلك الروايات وأخر الكفارة والكل بلفظ الواو التي لمطلق الجمع فتبقى رواية الترتيب بثم خالصة عن المعارض وقد صححها ابن حجر في بلوغ المرام وأخرج نحوها أبو عوانة في صحيحه وكذلك الحاكم أخرج نحوها عن عائشة وأخرج الطبراني من حديث أم سلمة بلفظ: "فليكفر عن يمينه ثم ليفعل الذي هو خير". فهذه الأحاديث متعاضدة على تقديم الكفارة على الحنث قال ابن المنذر رأى ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار غير أهل الرأي يعني الحنفية أن الكفارة تجزىء

стр. 758

قبل الحنث إلا أن الشافعي استثنى الصيام فقال لا يجزىء إلا بعد الحنث وقال وعن مالك روايتان ووافق الحنفية أشهب من المالكية وداود الظاهري وخالف داود من أصحابه ابن حزم وذكر عياض أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة من الصحابة أربعة عشر صحابيا قال وتبعهم فقهاء الأمصار إلا أبا حنيفة وقد استوفيت هذا البحث في شرح المنتقى فليرجع إليه. قوله: "وهي إما عتق" الخ. أقول: كان على المصنف أن يقتدي بالكتاب العزيز فيقدم ما قدمه ويؤخر ما أخره وما يظن من أن العتق أفضل فهو مجرد دعوى فإن الأفضل هو ما بدأ الله به وإن كان غيره أكثر قيمة منه وقد ثبت مشروعية الابتداء بما بدأ الله سبحانه به كما في قوله ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به"، [مسلم "٨٤/١٧٨٠"،وهو الصحيح. قوله: "ويجزئ كل مملوك". أقول: هذا هو الأصل المرجوع إليه مع الإطلاق كما في الآية ومن اشترط الإيمان جعل هذه الآية المطلقة مقيدة بآية كفارة القتل والكلام في جواز هذا التقييد أو عدمه مستوفى في الأصول والظاهر أنه لا وجه للقول بالتقييد لأن ذنب كفارة القتل مغلظ وذنب كفارة اليمين مخفف ولا يقيد ما هو مخفف بما هو مغلظ فإنه اختلاف يوجب بقاء المطلق على إطلاقه ولا سيما مع اختلاف السبب فإنه بمجرده مانع من التقييد وأما استثناء الحمل فصحيح لأنه لا يصدق عليه وقت عتقه عن الكفارة أنه رقبة مملوكة. وأما استثناء الكافر فلا وجه له لأنه قد جاز تملكه فأجزأ عتقه عن الكفارة. وأما استثناء أم الولد والمكاتب فصحيح لأنهما قد صارا مستحقين للعتق بسبب آخر. قوله: "أو كسوة عشرة مساكين" الخ. أقول: لا وجه لقوله مصرف للزكاة بل المعتبر من صدق عليه معنى المسكنة وإن منع من صرف الزكاة فيه مانع آخر كالهاشمي ودعوى أن الكفارة لا تحل لهم محتاج إلى دليل والقول بأنها من أوساخ الناس وأنه لا يحل لهاشمي ما كان كذلك منقوض بصدقه النفل فإنها من أوساخ الناس ولعله قد تقدم لنا كلام على قول المصنف ويحل لهم ما عدا الزكاة والفطرة والكفارات فيرجع إليه والمراد ما يصدق عليه أنه كسوة لغة أو شرعا فإن كان الثوب الواحد يقال له كسوة كان وحده مجزيا وإن كان لا يصدق إلا على ثوبين أو أكثر فلا بد من ذلك ولكنه قد كثر في لسان العرب وفي عبارات أهل الإسلام قولهم ثوبا كساه كساه جبة كساه قميصا فأفاد ذلك أن الثوب الواحد يكفي وأما ما روي مرفوعا أن الكسوة عباءة لكل مسكين فلم يصح من وجه تقوم به الحجة. قوله: "أو إطعامهم" الخ. أقول: المعتبر ما يصدق عليه مسمى الإطعام ولا شك أن من صنع طعاما لعشرة وأطعمهم إياه يصدق عليه أنه قد أطعم عشرة مساكين ويكفي في ذلك مرة واحدة ليلا أو نهارا ولا دليل

стр. 759

على أنه يجب إطعامهم مرتين وأما كون ذلك الإطعام بإدام فلا يصح هذا الاشترط إلا على فرض أنه لا يصدق الإطعام إلا على مجموع الطعام والإدام وهو خلاف ما تدل عليه لغة العرب وعرف أهل الشرع كما يفيد ذلك واقعات كثيرة من أيام النبوة. وأما التمليك فإن ورد دليل يدل على أنه إطعام فذاك والعجب ممن قال إنه لا يجزيء إلا التمليك مع القطع بأن الإطعام يصدق على إطعامهم الطعام المصنوع صدقا مجمعا عليه لا خلاف فيه بين أهل اللغة وأهل الشرع وأما كونه الترديد في العشرة فظاهر لا يحتاج إلى النص عليه وهكذا إطعام بعض وتمليك بعض فإنه لا بأس بذلك إن صدق الإطعام على التمليك كما تقدم لا إطعام البعض وكسوة البعض فإنه غير ما أمر الله به شرعا لعباده لأن الفاعل لذلك لم يكفر بالإطعام ولا بالكسوة. وأما إجزاء القيمة فإن صدق عليه أنه إطعام فذاك وإلا فلا يجزئ. وأما إجزاء الصوم فهو المنصوص عليه في الآية: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ وظاهر الآية أنه يجزيء الصوم للثلاث متفرقا بعد التقييد بالتتابع لكنه قد قرأ ابن مسعود متتابعات فأفاد ذلك وجوب التتابع إذا صح إسناد هذه القراءة إليه.

стр. 760

باب النذر [فصل يشترط في لزومه التكليف والاختيار حال اللفظ واستمرار الإسلام إلى الحنث ولفظه صريحا كأوجبت أو تصدقت أو على أو مالي كذا أو نحوها أو كناية كالعدة والكتابة والشرط غير مقترن بصريح نافذ وفي المال المال كون مصرفه قربة أو مباحا يتملك. وإنما ينفذ من الثلث مطلقا ومقيدا يمينا أو لا مملوكا في الحال أو سببه أو في المال إن قيده بشرط فأضاف إلى ملكه وحنث بعده كما أرثه من فلان ومتى تعلق بالعين المملوكة اعتبر بقاؤها واستمرار الملك إلى الحنث ولا تدخل فروعها المتصلة والمنفصلة الحادثة قبل الحنث غالبا وتضمن بعده ضمان أمانة قبضت لا باختيار المالك. ولا تجزيء القيمة عن العين ويصح تعليق تعيينها في الذمة وإذا عين مصرفا تعين ولا يعتبر القبول باللفظ وتبطل بالرد والفقراء لغير ولده ومنفقه والمسجد للمشهور ثم

стр. 761

معتاد صلاته ثم حيث شاء وفي الفعل كونه مقدورا معلوم الجنس جنسه واجب وإلا فالكفارة إلا في المندوب والمباح فلا شيء. ومتى تعذر أوصى على نحو الحج والصوم كالفرض وعن غيرهما كغسل الميت لكفارة يمين كمن التزم ترك محظور أو واجب ثم فعله أو العكس أو نذرا ولم يسم. وإذا عين للصلاة والصوم والحج زمانا أثم للتأخير لم يجزه التقديم إلا في الصدقة ونحوها فيجزيه وفي المكان تفصيل وخلاف ومن نذر بإعتاق عبده فأعتق بر ولو بعوض أو عن كفارته] . قوله: "باب: النذر فصل ويشترط في لزومه التكليف والاختيار" الخ. أقول: أما اشتراط التكليف فلكون الصغير والمجنون لا يلزمهما ما أوجبه الله على عباده فضلا عن أن يلزمهما ما أوجباه على أنفسهما وأما اشتراط الاختيار فلكون المكره قد رفع عنه قلم التكليف بالأدلة الشرعية كما قدمنا ذلك في غير موضع. وها هنا بحث ينبغي التكلم عليه وهو أن النذر قد أجمع المسلمون على صحته ووجوب الوفاء به كما حكى هذا الإجماع النووي في شرح مسلم وحكاه غيره أيضا ومدح الله في كتابه العزيز من يفي بالنذر فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧] ، وثبت عنه ﷺ في الصحيح من حديث عائشة أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه"، وورد ما يدل على كراهته إذا لم يدل على تحريمه كحديث ابن عمر في الصحيحين [البخاري "٦٦٠٨"، مسلم "٢/١٦٣٩"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٢٨٨"، النسائي "٣٨٠١"، ابن ماجة "٢١٢٢"] ، قال نهى رسول الله ﷺ عن النذر وقال: "إنه لا يرد شيئا وإنما يستخرج به من البخيل" وفي الصحيحين وغيرهما أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته ولكن يلقيه النذر إلى القدر فيستخرج الله فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل"، أي يعطيني قال أبو عبيدة القاسم بن سلام النهي عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثما ولو كان كذلك ما أمر الله أن يوفى به ولا حمد فاعله ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره لئلا يستهان بشأنه فيفرط في الوفاء به ويترك القيام به وذكر المازري أن وجه النهي أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما صارت عليه عليه ضربة لازب وكل ملزوم فإنه لا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار. وذكر القاضي عياض أنه وقع الإخبار بذلك على سبيل الإعلام بأنه لا يغالب القدر ولا يأتي الخير بسببه والنهي عن اعتقاد خلاف ذلك خشية أن يقع ذلك في ظن بعض الجهلة وذكر ابن الأثير نحو هذا في النهاية. وهذا التأويل الثالث هو أظهر ما قيل فالنذر في طاعة الله مشروع والوفاء به واجب يثاب

стр. 762

عليه العبد ثواب الواجب والنذر في معصية حرام يأثم الفاعل له ويحرم عليه الوفاء وتجب عليه الكفارة كما في حديث عائشة عند أحمد "٦/٢٤٧"، وأهل السنن أبو داود "٣٢٩٠"، الترمذي "١٥٢٤"، النسائي "٧/٢٦"، ابن ماجة "٢١٢٥"، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، وفي إسناده مقال طويل ويعضده ما أخرجه أبو داود بإسناد حسن من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين"، ويعضده أيضا حديث عقبة بن عامر عند مسلم "١٣/١٦٤٥"، قال: قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين". قوله: "واستمرار الإسلام إلى الحنث". أقول: وجهه أنه قربة ولا قربة لكافر فلا يصح منه في حال كفره أن يفي بنذر نذره يتضمن القربة وأما إذا نذر بقربة في حال كفره ثم أسلم فقد قام الدليل الصحيح أنه يفي بنذره لما أخرجه ابن ماجة من حديث عمر بن الخطاب بإسناد رجاله رجال الصحيح قال نذرت نذرا في الجاهلية فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت فأمرني أن أفي بنذري. وثبت في الصحيحين [البخاري "٢٠٣٢، ٢٠٤٣، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧، ٣١٤٤"، مسلم "١٦٥٦"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٣٢٥"، الترمذي "١٥٣٩"، النسائي "٣٨٢٠، ٣٨٢١، ٣٨٢٢"، ابن ماجة "٢١٢٩"، أحمد "١/٣٧، ٤١٩"] ، عنه أنه قال قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال: "أوف بنذرك" وزاد البخاري في رواية: "فاعتكف ليلة". وأخرج أحمد وابن ماجة عن ميمونة بنت كردم قال كنت ردف أبي فسمعته يسأل رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني نذرت أن أنحر ببوانة قال رسول الله ﷺ : "أبها وثن أو طاغية؟ "، قال: لا, قال: "أوف بنذرك"، ورجال إسناده في سنن ابن ماجة رجال الصحيح. وأخرجه أحمد "٣/٤١٩"، أيضا من حديث كردم بن سفيان أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله عن نذر نذره في الجاهلية فقال: "ألوثن أو لنصب؟ "، قال: لا ولكن لله, قال: "أوف لله ما جعلت له انحر على بوانة وأوف بنذرك". وأخرج أبو داود "٣٣١٣"،من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة قالت يا رسول الله إني نذرت أن أنحر بمكان كذا وكذا مكان كان يذبح فيه أهل الجاهلية؟ قال: "لصنم أو لوثن؟ " قالت: لا, قال: "أوفي بنذرك" وهو شاهد للحديث الأول وإن لم يذكر فيه أنها نذرت في الجاهلية لأن الظاهر أنها لا تنذر هذا النذر إلا في الجاهلية لا في الإسلام. قوله: "صريحا كأوجبت" الخ. أقول: قد عرفناك غير مرة أنه لا تعويل على خصوص الألفاظ بل المعتبر ما يدل على المقصود بأي دلالة كانت والمشروط فيه يقع عند حصول شرطه ويلزم الوفاء به إن كان قربة

стр. 763

وإلا وجبت الكفارة لما تقدم من الأدلة والوفاء بالوعد وبالنذر واجب للأدلة الدالة على أن خلف الوعد من خصال النفاق. قوله: "وفي المال كون مصرفه قربة". أقول: وجه هذا الأدلة التي قدمناها في وجوب الوفاء بالنذر في طاعة الله ومن ذلك حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عند أحمد وأبي داود والطبراني والبيهقي أن النبي ﷺ قال: "لا نذر إلا فيما ابتغي به وجه الله"، قال في مجمع الزوائد في إسناده عبد الله بن نافع المدني وهو ضعيف انتهى ولكن هذا المدني لم يكن في إسناد أبي داود لأنه أخرجه عن أحمد بن عبدة الضبي عن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب وفي رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المقال المشهور ولكنه لا يخرج حديثه بذلك عن كونه حسنا. وهذا الحديث وحديث: "من نذر أن يطيع الله فليطعه" المتقدم يدلان على أنه لا يصح أن يكون مصرف النذر مباحا ومنطوقهما أرجح ومفهوم حديث: "لا نذر في معصية الله" وسيأتي مزيد كلام في المباح. وما قيل من أن كون الفعل قربة وصف عائد إلا الناذر لا إلى المصرف فهو مدفوع بأنها لا تتحقق القربة في فعل الناذر إلا مع ملاحظة كون الصرف في ذلك المصرف قربة فمن هذه الحيثية صح نسبة القربة إلى المصرف. قوله: "وإنما ينفذ من الثلث" إلخ, أقول: لما يدل على هذا دليل يخصه وفي القياس على الوصايا لقوله ﷺ فيها: "الثلث والثلث كثير"، نظرا لأن الوصايا مضافة إلى ما بعد الموت وهذا منجز في حال الحياة فإن كان مضافا إلى ما بعد الموت كان له حكم الوصية. وقد استدل على هذا بما روي من رده ﷺ لصدقة من تصدق بجميع ماله كصاحب الثوبين وصاحب البيضة الذهب وفيه نظر لأنه ﵌ علل ذلك بأن الفاعل لذلك يتكفف الناس من بعد ذلك. وهكذا لا يصح قياس هذا على من أعتق الستة الأعبد مع كونه لا يملك غيرهم فأنفذ النبي ﷺ اعتق اثنين وأرق أربعة لأن ذلك الذي أعتق هؤلاء كان عليه دين فباع النبي ﵌ الأربعة في دينه. والظاهر أن النذر في حال الصحة نافذ من جميع المال كسائر التصرفات المالية وأما من ادعى تخصيص النذر بهذا الحكم فعليه الدليل. ويمكن الاستدلال لذلك بحديث كعب بن مالك الثابت في الصحيحين [البخاري "٤٤١٨"، مسلم "٢٧٦٩"، أنه قال يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة فقال: "أمسك عليك بعض مالك"، وفي لفظ لأبي داود "٣٣٢١"، قلت: فنصفه؟ قال: "لا"، قلت: فثلثه؟

стр. 764

قال: "نعم"، وفي لفظ لأبي داود "٣٣١٩"،أنه قال له: "يجزيء عنك الثلث" وهكذا ما روي من حديث أبي لبابة عند أحمد "٣/٤٥٢، ٤٥٣"، وأبي داود "٣٣٢٠". وأما ما ذكره من اشتراط كونه مملوكا أو سببه فصحيح لا يحتاج إلى ذكر وجهه وهكذا إذا نذر بما يرثه من مورثه فإنه صحيح لأنه قيد النذر بوصول ذلك إلى ملكه ولم ينذر بما لم يملك حتى يكون النذر بما لا يملك العبد الذي ورد النهي عنه. وهكذا اشتراط بقاء العين المنذور بها إلى حضور الوقت أو حصول الشرط الذي قيد النذر به فإنه لا بد من ذلك ومع التلف لا يلزمه شيء. وأما ما ذكره من أنها لا تدخل فروعها المتصلة الحادثة قبل الحنث فالظاهر في مثل هذا أنه يرجع إلى قصد الناذر فإن قصد النذر بالعين مجردة عن فروعها الحادثة لم تدخل الفروع وإن قصد أنها من جملة النذر دخلت وإن كان لا قصد له فالظاهر أن فروع العين المنذور بها لاحقة بها, قوله: "وتضمن العين بعده ضمان أمانة قبضت لا بإختيار المالك". أقول: لا ضمان عليه في هذا إلا لجنابة أو تفريط ولا يضمن بغير ذلك ولا وجه لذلك لا من رواية ولا من رأي صحيح فإن المنذور به هو قبل النذر ملك الناذر فمع الجناية أو التفريط قد تسبب للضمان ووجب عليه العوض ومع التلف بغير هذين السببين لا سبب لتضمينه أصلا. وأما ما ذكره من كونها لا تجزيء القيمة فذلك ظاهر لأن النذر تعلق بالعين فلا وفاء إلا بإخراجها فالعدول إلى قيمتها لا يجزيء عنها إلا بدليل. وما ذكره من كون الناذر إذا عين مصرفا تعين فوجهه ظاهر لأن له أن يصرف ما يقرب به إلى من شاء وكيف شاء مع وجود مطلق القربة وإن كان غيرها أعلى منها. وأما كونه لا يعتبر القبول بل يكفي عدم الرد فعدم الرد قبول تام وقد عرفناك غير مرة أن اعتبار الألفاظ إما مجرد جمود أو قصور عن إدراك حقائق الأمور. قوله: "والفقراء لغير ولده ومنفقه". أقول: المعتمد في مثل هذا العرف الشائع بين القوم الذين منهم الناذر فإن ثبت هذا العرف فهو المقدم على لغة العرب وغيرها لأن الناذر لا يقصد بكلامه إلا عرف أهل جهته فإن عرف من قصده أنه أراد المعنى اللغوي والشرعي وجب العمل بذلك وإن لم يقصد ولا وجد كان الظاهر دخول ولده ومنفقه في عموم الفقراء لأنهما من جملتهم ولا مانع من ذلك لا من شرع ولا عقل وأما دخول الناذر نفسه فعلى الخلاف في دخول المخاطب في خطاب نفسه. وهكذا الكلام في النذر على المسجد من غير تعيين فإن المعتبر ما يطلق عليه هذا الإسم في عرف الناذر وأهل بلده فإن لم يكن عرف رجع إلى مقصده فإن لم يكن له قصد فالظاهر أن مراده المسجد الذي يصلي فيه وإن كانت مساجد البلد كثيرة فصلاته في أحدها فيها وجه

стр. 765

وتخصيص وإن كان يصلي في جميع مساجد بلده أو يصلي في بيته كان الأولى بذلك أقرب مسجد إلى بيته فإذا استوت في القرب كان الأولى ما يكثر فيه المصلون وتقام فيه الجماعات لكثرة من الناس وإلا حصص المنذر به بينها لعدم المزية الموجبة للترجيح لبعضها على بعض. قوله: "وفي الفعل كونه مقدورا". أقول: وجه هذا الاشتراط معلوم عقلا وشرعا أما عقلا فلكون نذره بما لا يقدر عليه إذا كلف بالوفاء به كان ذلك من تكليف ما لا يطاق وأما شرعا فلكون ما لا يقدر عليه لا يملكه وقد ثبت في الصحيح: "أنه لا نذر فيما لا يملك ابن آدم" كما تقدم وأما اشتراط أن يكون النذر معلوم الجنس فوجهه أن إيجاب ما لا يعلم جنسه لغو فهو من باب من نذر نذرا لم يسمه. قوله: "جنسه واجب". أقول: هذا الاشتراط لم يدل عليه رواية ولا رأى صحيح والذي تقدم من الأدلة له مصرح بوجوب الوفاء بما هو طاعة وبما ابتغي به وجه الله والطاعة وابتغاء وجه الله لا تختصان بالواجب بل بما فيه قربة وهي كائنة في فعل الواجب وترك الحرام وفعل المندوب وترك المكروه ولا توجد في المباح إلا عند النافين للمباح وقد قوينا هذا القول برسالة بوجوه من المنقول والمعقول وسميناها رفع الجناح عن نافي المباح. قوله: "وإلا فالكفارة". أقول: أما وجوب الكفارة حيث كان المنذور به غير مقدور للناذر فيدل عليه ما أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ قال: "من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن ينذر نذرا ولم يطقه فكفارته كفارة يمين"، قال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده صحيح إلا أن الحفاظ رجحوا وقفه. ومما يدل على عدم لزوم ما فيه مشقة من النذر ما أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عباس قال: بينا النبي ﷺ يخطب إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم في الشمس ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم وأن يصوم فقال النبي صلى الله عليه آله وسلم: "مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه"، فأمره بالوفاء بما هو طاعة وهو الصوم وأمر بترك ما فيه مشقة ولا قربة فيه. ومما ورد في عدم لزوم ما فيه مشقة وأنه يكفر كفارة يمين ما أخرجه أحمد وأبو داود ورجاله رجال الصحيح من حديث ابن عباس قال جاءت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال: "إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئا لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها"، وفي رواية لأحمد من حديث عقبة بن عامر أنها نذرت أخته أن تمشي إلى الكعبة فقال رسول الله ﷺ : "إن الله لغني عن مشيها لتركب ولتهد بدنه"، وأصل الحديث في الصحيحين [البخاري "٤/٧٨"ن مسلم "١١/١٦٤٤"، بلفظ: "لتمش ولتركب".

стр. 766

وأما وجوب الكفارة في غير معلوم الجنس وهو الذي لم يسم فيدل عليه ما أخرجه ابن ماجه "٢١٢٧"، والترمذي "١٢٥٨"، وصححه من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين" ويدل على ذلك أيضا حديث ابن عباس المتقدم قريبا بلفظ: "من نذر نذرا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين". وأما وجوب الكفارة في النذر الذي جنسه غير واجب فقد قدمنا أن الطاعة وابتغاء وجه الله لا يختصان بالواجب بل بما فيه قربة فلا يخرج عن ذلك إلا ما ليس بقربة ولا يبتغى به وجه الله وقد قدمنا حديث ابن عباس بلفظ: "من نذر نذرا ولم يطقه فكفارته كفارة يمين"، وقد قدمنا أيضا حديث عائشة بلفظ: "لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين"، ويشهد لذلك ما أخرجه مسلم من حديث عقبة بن عامر قال قال رسول الله ﷺ : "كفارة النذر كفارة اليمين"، وإنما احتاج المصنف أن يستثني المندوب والمباح لأجل قوله جنسه واجب وقد عرفناك أنه لا وجه للتقييد بالوجوب فلا احتياج إلى هذا الاستثناء بل الواجب الوفاء بما هو قربة وأما المباح فقد قدمنا الكلام عليه. قوله: "ومتى تعذر أوصى على نحو الحج" الخ. أقول: قد استدل على هذا بما أخرجه أبو داود "٣٣٠٧"، والنسائي "٣٨١٨"،من حديث ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله ﷺ فقال: إن أمي ماتت وعليها نذر لم تقضه فقال رسول الله ﷺ : "اقضه عنها"، ولا دلالة له على المطلوب وهو وجوب الوصية فإنه لا وصية من أم سعد وغايته أن يقضي الولد ما علمه من نذر على والده وإن لم يوص ووهم من زعم أن هذا الحديث في الصحيحين وهما فاحشا فإنه ليس فيهما ولا في أحدهما والذي فيهما بلفظ آخر وليس في هذا اللفظ إلا في أبي داود والنسائي. وأما وجوب الكفارة عن غيره نحو الحج والصوم كغسل الميت إذا تعذر بعد النذر فوجهه أنه إذا تعذر بلا تفريط صار غير مقدور للناذر وقد قدمنا الدليل على وجوب الكفارة بلفظ: "ومن نذر نذرا لم يطقه فكفارته كفارة يمين". وأما وجوب الكفارة على من التزم ترك محظور أو واجب ثم فعله أو العكس فوجه ذلك فيما هو معصية ما قدمنا من حديث: "من نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة يمين"، وأما ما كان واجب الفعل أو الترك فالوفاء به واجب فإن ترك أثم ويدل على وجوب الكفارة عليه حديث عقبة بن عامر عند مسلم بلفظ: "كفارة النذر كفارة اليمين"، فإن هذا الجنس من النذر مندرج تحت هذا العموم ولا يصح لتخصيصه أو تقييده ما ورد في غيره بذكر المعصية أو عدم التسمية. قوله: "وإذا عين للصلاة والصوم والحج زمانا تعين". أقول: هذا صحيح لأن فعله في الزمان المخصوص قد صار قيدا له لا يحصل الوفاء إلا به فلا يجزيء التقديم وأما التأخير فالظاهر أيضا أنه لا يجزيء وتلزم الكفارة لأنه قد صار غير

стр. 767

مقدور للناذر لفوات وقته المقيد به وهكذا الصدقة الظاهر أنها لا تجزيء في غير الوقت المعين لها وتلزم الكفارة فلا وجه لاستثناء المصنف لها وهكذا المكان يتعين فلا يجزيء من غيره وتحمل الأحاديث الواردة في جواز فعل المندوب به في غير المكان المعين كحديث أمره ﷺ لمن نذر أن يصلى في بيت المقدس أن يصلى في المسجد الحرام أو في مسجده على ما فيه من مشقة زائدة على الناذر وقد قدمنا أمره ﷺ لمن نذر الذبح ببوانة بالوفاء بذلك. وأما ما ذكره من أن من نذر بإعتاق عبده بر بإعتاقه ولو لعوض أو عن كفارة فوجهه أنه قد وقع مطلق العتق فصدق على هذا الناذر بأنه قد أعتق كما نذر إلا أن يكون له قصد أنه العتق المقيد بكونه للنذر فقط.

стр. 768

باب الضالة واللقطة واللقيط [فصل] إنما يلتقط مميز قيل حر أو مكاتب ما خشي قوته من موضع ذهاب جهله المالك بمجرد نية الرد وإلا ضمن للمالك أو لبيت المال ولا ضمان إن ترك ولا يلتقط لنفسه ما تردد في إباحية كما يجره السيل عما فيه ملك ولو مع مباح] . قوله: "باب: الضالة واللقطة واللقيط". قوله: "فصل: إنما يلتقط مميز" الخ. أقول: خطابات الشرع إنما تتوجه إلى المكلفين ولا تتوجه إلى غير المكلف وذلك لقوله ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل أو ليحفظ عفاصها ووكاءها فإن جاء صاحبها فلا يكتم فهو أحق بها وإن لم يجيء صاحبها فهي مال الله يؤتيه من يشاء"، أخرجه أحمد "٤/٢٦٦"، وأبو داود "١٧٠٩"، والنسائي "٥٨٠٨/١"ن وابن ماجه "٢٥٠٥"، ابن حبان ومثله حديث زيد بن خالد في الصحيحين [البخاري "٥/٨٣"، مسلم ط٥/١٧٢٢"] ، وغيرهما [أبو داود "١٧٠٤"] ، قال: سئل النبي ﷺ عن اللقطة الذهب والورق فقال: "اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة"، الحديث. والحاصل أن جميع ما ورد في الأحاديث في هذا الباب إنما يتوجه إلى من تتوجه إليه الخطابات الشرعية والصبي قبل بلوغه لا يتوجه إليه شيء من ذلك فإن وقع منه الالتقاط انتزع من يده فإن أتلفه ضمنه من ماله وخوطب بذلك وليه وأما العبد فإن التقط وأذن له سيده بذلك صح التقاطه وإن منعه من ذلك لم يجز له الالتقاط فإن فعل رفعها إلى الإمام أو الحاكم وإن أتلفها كان ذلك جناية تتعلق برقبته.

стр. 769

وأما قوله: "ما خشي قوته من موضع ذهاب جهله المالك" فوجهه أن اللقطة إنما تلتقط مع خشية القوت أما لو لم يخش القوت فهو متعد بالالتقاط وهكذا إذا لم يكن الموضع موضع ذهاب أو كان المالك عالما بأن اللقطة في ذلك المكان وتركها باختياره فليس لغيره أن يلتقطها ولا ينبغي أن يكون غير المالك أحرص على المال من مالكه وليس التقاطه هذا من باب التعاون على الخير ولا يتوجه إليه أوامر الشارع فالملتقط والحال وهكذا غاصب لاستيلائه على مال الغير عدوانا فيضمن ضمان الغاصب ولهذا قال المصنف: وإلا ضمن للمالك أو لبيت المال. قوله: "ولا ضمان إن ترك". أقول: استدلوا على عدم الضمان بعدم وجود دليل يدل عليه أو يدل على وجوب الالتقاط ولا يخفاك أن قوله ﷺ : "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل وليحفظ عفاصها ووكاءها"، وكذلك قوله: "اعرف عفاصها ووكاءها"، كما في الحديثين المتقدمين وكذلك قوله في ضالة الغنم: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب"، كما في الصحيحين [البخاري ٢٣٧٢، ٢٤٢٩"، مسلم "١٧٢٢"] ، وغيرهما [أبو دتود "١٧٠٥"] ، تدل على أن الملتقط مأمور بالتقاط ما وجده ولا يخرج عن ذلك إلا ضالة الإبل لقول النبي ﷺ : "ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وترعى الشجر حتى يجدها ربها"، ولا ينافي هذا حديث: "لا يأوي الضالة إلا ضال"، كما أخرجه أحمد "٤/١١٦"، وأبو داود "١٧٢٠"، والنسائي وابن ماجة "٢٥٠٣"، وأبو يعلى والطبراني في الكبير والضياء في المختارة من حديث جرير بن عبد الله البجلي لأن هذا في الضالة وهي خاصة بالحيوانات ويجمع بينه وبين ما تقدم من قوله ﷺ : "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، بحمل هذا على ضالة الإبل. وأقل أحوال هذه الأوامر أن يأثم التارك وأما أنه يضمن فلا لأن ماله معصوم بعصمة الإسلام فلا يلزمه إخراج شيء منه إلا بناقل شرعي عن هذه العصمة. وأما قوله: "ولا يلتقط لنفسه ما تردد في إباحته" فوجهه ظاهر لأن الأصل في الأمور التي تملك التحريم ولو مع مجرد الشك والتجويز ويدل على ذلك الأدلة الكلية الواردة في تحريم ملك الغير ولا يجوز الإقدام إلا على ما علم الإنسان أنه حلال مطلق مباح لم يملكه مالك وإذا اختلط ما تردد في إباحته بما هو مباح فالحق ما ذكره المصنف بقوله ولو مع مباح لأنه إذا لم يتميز المباح صار التردد فيه كالتردد في غيره. [فصل وهي كالوديعة إلا في جواز الوضع في المربد والإيداع بلا عذر ومطالبة الغاصب بالقيمة ويرجع بما أنفق بنيته ويجوز الحبس عمن لم يحكم له ببينته ويحلف له على

стр. 770

العلم ويجب التعريف بما لا يتسامح بمثله في مظان وجود المالك سنة ثم تصرف في فقير أو مصلحة بعد اليأس وإلا ضمن قيل وإن أيس بعده وبثمن ما خشي فساده إن ابتاع وإلا تصدق ويغرم المالك متى وجد لا الفقير إلا لشرط أو العين فإن ضلت فالتقطت انقطع حقه] . قوله: "فصل وهي كالوديعة إلا في جواز الوضع في المربد". أقول: هذا صحيح ووجهه أنه عاون على الخير وفعل ما أرشد إليه الشرع ولم يقصد الالتقاط لنفسه ومن كان هذا حاله فهو أمين أي أمين لا يضمن إلا لجناية أو تفريط وقد حكى المصنف في البحر الإجماع على هذا. وما ذكره من أن له الوضع في المربد الذي كان يفعله الخلفاء لضوال المسلمين فذلك صحيح لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل فإذا وجد مخرجا من معرة الإنفاق عليها والقيام عليها بما يحتاجه من وضعها في مثل هذا المكان الذي ينفق فيه على الضوال من بيت المال كان له ذلك وكذلك له الإيداع وله مطالبة غاصبها بالقيمة لأنها قد تثبت له ولاية وله أن يرجع على صاحبها بما أنفقه عليها لأنه بالإنفاق حفظ تلك العين من التلف بالجوع والعطش ونحوهما. قوله: "ويجوز الحبس عمن لم يحكم به ببينته". أقول: هذا مبني على أن صاحبها لم يصفها بالأوصاف الصحيحة الموافقة بل جاء بالبينة على أنها له فيجوز للملتقط أن يحبسها حتى يحكم الحاكم بذلك لأنه إذا دفعها إليه بدون ذلك كان معرضا لنفسه لضمانها ولا يجب عليه الدخول فيما يخشى من عاقبة التضمين لأنه محسن وما على المحسنين من سبيل وهذا من أعظم السبيل عليه أما إذا وصفها صاحبها بالأوصاف الصحيحة الموافقة فقد وجب دفعها إليه لقوله ﷺ في حديث زيد بن خالد في الصحيحين [البخاري "٢٤٢٩، ٦١١٢"، مسلم "٥/١٧٢٢"] ، وغيرهما أبو داود "١٧٠٤"، الترمذي "١٣٧٢"، ابن ماجة "٢٥٠٣"] : "اعرف وكاءها وعفاصها"، وفيه: "فإن جاء صاحبها يوما من الدهر فأدها إليه". وفي رواية لمسلم من هذا الحديث: "فإذا جاء صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها فأعطها إياه وإلا فهي لك"، وفي حديث أبي بن كعب عند مسلم "٦/١٧٢٣"، وغيره أحمد "٥/١٢٦"، الترمذي "١٣٧٤"، ابن ماجة "٢٥٠٦"، بلفظ: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه وإلا فاستمتع بها". فإن قلت: إذا كان يخش أن يكون هذا الواصف لها قد عرفها من مالكها وبلغه التقاطها أو أخبره مالكها بأوصافها فخشي من دفعها إليه أن يأتي مالكها فيضمنه إياه؟ قلت: يرفع أمره إلى الإمام أو الحاكم حتى يكون الوصف والرفع باطلاع أحدهما وليس عليه بعد ذلك ضمان لأنه فعل ما أمره به الشارع ولمالكها أن يرجع على ذلك المقرر الكاذب. قوله: "ويجب التعريف بما لا يتسامح بمثله في مظان وجود المالك سنة".

стр. 771

أقول: هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: "ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه"، ولا يعارض هذا ما أخرجه البخاري من حديث أبي بن كعب وفيه وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: "عرفها حولا"، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ثانيا فقال: "عرفها حولا"، فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثالثا فقال: "احفظ وعاءها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها"، فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة فقال سلمة بن كهيل الراوي لهذا الحديث لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا وقد جزم ابن حزم بأن الزيادة على الحول في حديث أبي بن كعب غلط قال ابن الجوزي والذي يظهر لي أن سلمة بن كهيل أخطأ فيها ثم تثبت واستمر على عام واحد ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه راويه قال المنذري لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شريح عن عمر وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال تعرف ثلاثة أحوال عاما واحدا ثلاثة أشهر ثلاثة أيام وزاد ابن حزم عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر. والحق أن مدة التعريف حول فقط ثم يستمتع بها الملتقط فإن جاء صاحبها ضمنها له كما تقدم في الحديث الصحيح ولكن هذا فيما كان لا يتسامح بمثله أما ما كان يتسامح بمثله فقد أخرج أحمد وأبو داود "١٧١٧"،من حديث جابر قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقط الرجل ينتفع به وفي إسناده المغيرة بن زياد وفيه مقال ولكنه صدوق وشهد له ما أخرجه البخاري "٢٤٣١"، ومسلم "١٠٧١"، وغيرهما أبو داود "١٦٥١، ١٦٥٢"، من حديث أنس أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها"، وأما ما روي من تعريف المحقرات ثلاثة فلم يثبت من وجه تقوم به الحجة. وأما قول المصنف: "وتصرف في فقير أو مصلحة بعد اليأس" فالسنة قد قضت بها بأن استمتاع الملتقط بها وصرفها في نفسه مقدم على صرفها في غيره فإن أراد الصرف في الغير صرف في فقير أو مصلحة. وأما ما اشتراطه من حصول اليأس فلا وجه له بل الوجه التعريف حولا كما تقدم دليله وأما إيجابه للضمان إذا لم يصرف مع اليأس فليس على ذلك أثارة من علم لأن استمتاع الملتقط بها أو صرفها فيمن هو مصرف لها لم يكن على طريق الحتم بل الأمر فيه للإباحة كما في نظيره وبهذا تعرف عدم صحة ما ذكره المصنف بعد هذا. وأما قوله: "فإن ضلت فالتقطت انقطع حقه" فهذا الانقطاع مسلم إن كان بتقريط منه وإلا فلا وجه لإنقطاع حقه لحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، فقد صار هذا الملتقط الأول مخاطبا بتأدية ما التقطه حتى يؤديه إلى مالكه.

стр. 772

[فصل واللقيط من دار الحرب عبد ومن دارنا حر أمانة هو وما في يده ينفق عليه بلا رجوع إن لم يكن له مال في الحال ويرد للواصف لا اللقطة فإن تعددوا واستووا ذكورا فابن لكل فرد ومجموعهم أب] . قوله: "فصل: واللقيط من دار الحرب عبد" الخ. أقول: لما ترجم الباب بقوله باب الضالة واللقطة واللقيط أراد بهذا الفصل استيفاء ما ترجم له ولا يخفى أن دار الحرب دار إباحة يملك كل فيها ما ثبتت يده عليه كما سيأتي في السير سواء كان الأخذ على جهة القسر أو الختل من غير فرق بين الأشخاص والأموال والرجال والنساء والأطفال وأما إذا كان من دار الإسلام أو دخلها بأمان فهو معصوم الدم والمال فلا وجه لقوله ومن دارنا حر أمانة هو وما في يده بل لا يجوز التقاطه إذا كان حافظا لنفسه ولماله لأن إثبات اليد عليه والحال هكذا مخالف لتأمينه وأما إذا دخل دارنا بغير أمان فهو وماله غنيمة لمن سبق إليه هكذا ينبغي أن يقال وبهذا تعرف أنه لا وجه لقوله ينفق عليه بلا رجوع إلخ لأنه إما غنيمة لمن سبق إليه أو لا يجوز التقاطه بحال كما بينا وإذا كان غنيمة وجب إنفاقه على القائم وإن كان مؤمنا لم يجب إنفاقه على أحد. وأما قوله: "ويرد للواصف" فمبني على جواز الالتقاط وقد عرفت ما فيه وما كان ينبغي أن يذكر المصنف مثل هذا في اللقطة لورود الأدلة بذلك كما تقدم فتركه في المحل الخليق به وذكره هنا بلا فائدة نعم إن كان اللقيط الذي كلام المصنف فيه في هذا الفصل هو المسلم الملتقط من دار الحرب والمسلم الملتقط من دار الإسلام كان لكلامه وجه ولكنه لم يقيده بهذا ويرد للواصف إذا كان لا يهتدي إلى الإعراب عن نفسه والعجب من قول المصنف لا اللقطة يعني أنها لا ترد للواصف فإن هذا دفع في وجه الأدلة ورد لما قد صح بلا خلاف. وأما قوله: "فإن تعددوا واستووا فإبن لكل فرد ومجموعهم أب" فقد تقدم الكلام عليه في كتاب الطلاب بما يغني عن الإعادة هنا وليس هذا المقام بمقام التعرض لكيفية ثبوت النسب وكان على المصنف أن يتعرض لذكر ضالة الإبل وأنها لا تلتقط لما تقدم من الأدلة ويتعرض لذكر ضالة الغنم ونحوها وأنها تلتقط لقوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ويتعرض أيضا لذكر ضالة مكة لما ثبت في الصحيح من النهي عن لقطة الحاج وما ثبت من قوله ﷺ : "لا تحل لقطتها إلا لمعرف" [البخاري "٢٤٣٤"، مسلم "٤٤٧/١٣٥٥"] .

стр. 773

باب الصيد [فصل إنما يحل من البحري ما أخذ حيا أو ميتا بسبب آدمي أو جزر الماء أو قذفه أو نضوبه فقط والأصل فيما التبس هل قذف حيا الحياة ومن غيره في غير الحرمين ما انفرد بقتله بخرق لا صدم ذو ناب يقبل التعليم أرسله مسلم مسم أو زجره وقد استرسل فانزجر ولحقه فورا وإن تعدد ما لم يتخلل إضراب ذي الناب أو هلك بقتل مسلم بمجرد ذي حد كالسهم وإن قصد به غيره ولم يشاركه كافر فيهما. والأصل في الملتبس الحظر وهو لمن أثر سهمه والمتأخر جان ويذكي ما أدرك حيا ويحلان من ملك الغير ما لم يعد له حائزا وبالآلة الغصب] . قوله: "باب الصيد". فصل: "إنما يحل من البحري ما أخذ حيا أو ميتا بسبب آدمي" الخ. أقول حديث: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته"، قد تقدم وقد ذكرنا طرقه مستوفاة في شرح المنتقى وهو مما تقوم به الحجة وظاهره أن ميتة البحر حلال على كل حال سواء مات بسبب آدمي أو بسبب من الماء أو مات لا بسبب ويؤيده حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: "أحل لنا ميتتان ودمان وأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال" أخرجه أحمد ["٢/٩٧"] وابن ماجة ["٣٣١٤"] والشافعي والدارقطني والبيهقي وقد أعل بالوقف وقيل الموقوف أصح ولكن له طرق يقوي بعضها بعضا على أن الموقوف له حكم الرفع لأن قول الصحابي: "أحل لنا" كالرفع إلى رسول الله ﷺ إذ التحليل لا يكون إلا منه. ويؤيده ما أخرجه الدارقطني عن أبي شريح من أصحاب النبي ﷺ قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم"، وذكره البخاري عن أبي شريح موقوفا وللوقف حكم الرفع في مثل هذا لما قدمنا. ويؤيد لجميع حديث الحوت المسمى بالعنبرة التي أكلها الصحابة فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله سبحانه لكم أطعمونا إن كان معكم"، فأتاه بعضهم بشيء فأكله وهو في الصحيحين [البخاري "٨/٧٧، ٧٨"، مسلم "١٩٣٥"] ، وغيرهما [أيو داود "٣٨٤٠"، النسائي "٧/٢٠٧، ٢٠٩"، أحمد "٣/٣٠٤، ٣٠٩، ٣١١"] ، من حديث جابر ولم يسألهم النبي ﷺ بأي سبب كان موتها وترك الاستفصال في مقام الاحتمال منزل منزلة العموم في الأقوال.

стр. 774

فتقرر بمجموع هذه الأدلة أن ميتة البحر حلال بأي سبب كان ولا يصلح لتخصيص هذه العمومات ما أخرجه أبو داود "٣٨١٥"، مرفوعا من رواية يحيى بن سليم عن جابر بلفظ: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه"، لأنه قد أعل بأن يحيى بن سليم ضعيف الحفظ وقد أعل بالوقف وهو الصواب وقد استوفينا كلام الحفاظ عليه في شرح المنتقى ومع أنه قد روي عن بعض الصحابة ما يعارض هذا الموقوف على جابر فأخرج البخاري "٩/٦١٤"،عن أبي بكر الصديق أنه قال: "الطافي حلال" وأخرج البخاري "٩/٦١٤"، أيضا عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: "طعامه ميتته". قوله: "ومن غيره في غير الحرمين ما انفرد بقتله بخرق لا صدم ذو ناب يقبل التعليم". أقول: أما الاصطياد بالكلاب المعلمة فالأحاديث الكثيرة الصحيحة قد وردت بجواز ذلك ومنها حديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين [البخاري "٥٤٧٨"، مسلم "١٩٣٠"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٨٥٦، ٢٨٥٧"، ابن ماجة "٣٢٠٧"، أحمد "١٤/١٩٣، ١٩٤"] ،بلفظ: "ما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل"، وفي معناه حديث عدي بن حاتم في الصحيحين البخاري "٥٤٧٥"، مسلم "١، ٢، ٣/١٩٢٩"، وغيرهما أبو داود "٢٨٤٨"، الترمذي "١٤٧٠، ١٤٧١"، النسائي "٧/١٧٩، ١٨٠"، ابن ماجة "٣٢١٤"، أحمد "٤/٢٥٦"] . وأما الصيد بالباز فلحديث أحمد وأبي داود والبيهقي من حديث عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك". وقد أعل بتفرد مجالد بن سعيد بذكر الباز قال البيهقي تفرد بذكر الباز فيه مجالد وخالفه الحفاظ انتهى ولا يخفى أن مجالدا من رجال مسلم وأهل السنن وأما ما ذكره بعض الشراح من أن الترمذي أخرجه من طريق أخرى فلا أصل لذلك بل لم يخرجه إلا من طريق مجالد وقال بعد إخراجه هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشعبي انتهى. والحاصل أن الله سبحانه قد قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] ، فما صدق عليه أنه من الجوارح فالصيد به حلال فالبازي إذا كان من جملة الجوارح لم يحتج إلى الاستدلال عليه بغير الآية. وأما قوله: "مكلبين" المراد به معلمين لما تصيدون به وليس المراد الكلاب فقط فقد ذهب إلى حل صيد جميع الجوارح جمهور العلماء وأما التعليم فهو مجمع على اشتراطه كما حكى ذلك ابن رشد في نهايته. وأما اشتراط أن يكون الصيد في غير الحرمين فوجهه واضح وأدلته قد تقدمت في الحج وأما اشتراط أن يكون القتل بخرق لا صدم فيدل عليه اشتراط ذلك في الصيد الذي صيد بالرمي كما في حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين البخاري "٩/٦٠٤"، نممسلم "١/١٩٢٩"، وغيرهما أبو داود "٢٨٢٧"، الترمذي "١٤٦٥"، ابن ماجة "٣٢١٥"، النسائي "٤٢٧٦"، أنه ﷺ قال له: "إذا رميت

стр. 775

بالمعراض فخزق فكله وإن أصابت بعرضه فلا تأكله"، ولكنه قد ورد في صيد الكلاب المعلمة ما يدل على أن مجرد إمساكها ذكاة كما في حديث عدي أيضا في الصحيحين البخاري "٥٤٧٥"، مسلم "١٩٢٩"، وغيرهما الترمذي "١٤٧١"، النسائي "٤٢٧٥"، ابن ماجة "٤٢١٤"، بلفظ: "فإن أمسك عليك فأدركته فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاة"، فلم يشترط ﷺ في أحاديث صيد الكلب إلا التعلم والتسمية وألا يأكل منه ولم يذكر اشتراط القتل أو تحريم ما قتله الكلب بالصدم وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم كما تقرر في الأصول ولفظ الإمساك والقتل يصدق على ما كان بالصدم كما يصدق على ما كان بالخرق. قوله: "أرسله مسلم مسم". أقول: أما الإرسال فهو مصرح به في الأحاديث الصحيحة بلفظ إذا أرسلت كلبك المعلم فلا بد من الإرسال وإلا كان الكلب صائدا لنفسه لا لصاحبه وهكذا اشتراط التسمية قد صرحت به الأحاديث الصحيحة ومنها بلفظ: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله". وأما اشتراط الإسلام فلم يقم على ذلك دليل تقوم به الحجة لكنه إذا لم يسم لم يحل صيده من هذه الحيثية ولعله يأتي إن شاء الله في باب الذبح مزيد كلام على هذا وقد قدمنا أن اشتراط التعليم مجمع عليه وأما اشتراط أن يلحقه فورا فلا دليل عليه بل المعتبر أن يعلم أنه ما أصابه الجارح الذي أرسله أو السهم الذي رمى به وفي لفظ في الصحيح مسلم ١٩٣١"، "إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن" وفي لفظ الصحيح مسلم "٧/١٩٢٩"، أيضا: "كله إلا أن تجده في ماء". وأما قوله: "ما لم يتخلل إضراب ذي الناب" فالظاهر أنه لا وجه له لأن مجرد الإرسال في الابتداء بما يكفي والجارح إنما انبعث مرة أخرى بسبب ذلك الإرسال ولا يقال قد يكون انبعاثه بعد الإضراب ليمسك على نفسه لأنا نقول ذلك خلاف الظاهر فالكلب المعلم مرسل وهذا يكفي. قوله: "أو هلك بفتك مسلم بمجرد ذي حد". أقول: أما اشتراط الإسلام فقد تقدم ما فيه وأما قوله بمجرد ذي حد فليس في الأحاديث إلا مجرد الخرق وهو يحصل بغير ذي الحد ولا يخرج من ذلك إلا ما كان مقتولا بالصدم فإنه وقيذ كما يصيبه المعراض بعرضه ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البندقة الحديد التي نرمي بها بالبارود والرصاص فإن الرصاصة يحصل بها خرق زائد على خرق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشة أو نحوها فوق رماد دقيق أو تراب دقيق وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحوه من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل. وأما ما روي من النهي عن أكل ما رمي بالبندقة كما في رواية من حديث عدي ابن حاتم
следующие страницы →