← Фикх общий

Фикх общий · id 7342

السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار

الشوكاني

Полный текст (1 078 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

أقول: هذا ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: "ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه"، ولا يعارض هذا ما أخرجه البخاري من حديث أبي بن كعب وفيه وجدت صرة فيها مائة دينار فأتيت النبي ﷺ فقال: "عرفها حولا"، فعرفتها فلم أجد من يعرفها ثم أتيته ثانيا فقال: "عرفها حولا"، فعرفتها فلم أجد ثم أتيته ثالثا فقال: "احفظ وعاءها ووكاءها وعددها فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها"، فاستمتعت بها فلقيته بعد بمكة فقال سلمة بن كهيل الراوي لهذا الحديث لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا وقد جزم ابن حزم بأن الزيادة على الحول في حديث أبي بن كعب غلط قال ابن الجوزي والذي يظهر لي أن سلمة بن كهيل أخطأ فيها ثم تثبت واستمر على عام واحد ولا يؤخذ إلا بما لم يشك فيه راويه قال المنذري لم يقل أحد من أئمة الفتوى أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام إلا شريح عن عمر وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة أقوال تعرف ثلاثة أحوال عاما واحدا ثلاثة أشهر ثلاثة أيام وزاد ابن حزم عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر. والحق أن مدة التعريف حول فقط ثم يستمتع بها الملتقط فإن جاء صاحبها ضمنها له كما تقدم في الحديث الصحيح ولكن هذا فيما كان لا يتسامح بمثله أما ما كان يتسامح بمثله فقد أخرج أحمد وأبو داود "١٧١٧"،من حديث جابر قال: رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقط الرجل ينتفع به وفي إسناده المغيرة بن زياد وفيه مقال ولكنه صدوق وشهد له ما أخرجه البخاري "٢٤٣١"، ومسلم "١٠٧١"، وغيرهما أبو داود "١٦٥١، ١٦٥٢"، من حديث أنس أن النبي ﷺ مر بتمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها"، وأما ما روي من تعريف المحقرات ثلاثة فلم يثبت من وجه تقوم به الحجة. وأما قول المصنف: "وتصرف في فقير أو مصلحة بعد اليأس" فالسنة قد قضت بها بأن استمتاع الملتقط بها وصرفها في نفسه مقدم على صرفها في غيره فإن أراد الصرف في الغير صرف في فقير أو مصلحة. وأما ما اشتراطه من حصول اليأس فلا وجه له بل الوجه التعريف حولا كما تقدم دليله وأما إيجابه للضمان إذا لم يصرف مع اليأس فليس على ذلك أثارة من علم لأن استمتاع الملتقط بها أو صرفها فيمن هو مصرف لها لم يكن على طريق الحتم بل الأمر فيه للإباحة كما في نظيره وبهذا تعرف عدم صحة ما ذكره المصنف بعد هذا. وأما قوله: "فإن ضلت فالتقطت انقطع حقه" فهذا الانقطاع مسلم إن كان بتقريط منه وإلا فلا وجه لإنقطاع حقه لحديث: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه"، فقد صار هذا الملتقط الأول مخاطبا بتأدية ما التقطه حتى يؤديه إلى مالكه.

стр. 772

[فصل واللقيط من دار الحرب عبد ومن دارنا حر أمانة هو وما في يده ينفق عليه بلا رجوع إن لم يكن له مال في الحال ويرد للواصف لا اللقطة فإن تعددوا واستووا ذكورا فابن لكل فرد ومجموعهم أب] . قوله: "فصل: واللقيط من دار الحرب عبد" الخ. أقول: لما ترجم الباب بقوله باب الضالة واللقطة واللقيط أراد بهذا الفصل استيفاء ما ترجم له ولا يخفى أن دار الحرب دار إباحة يملك كل فيها ما ثبتت يده عليه كما سيأتي في السير سواء كان الأخذ على جهة القسر أو الختل من غير فرق بين الأشخاص والأموال والرجال والنساء والأطفال وأما إذا كان من دار الإسلام أو دخلها بأمان فهو معصوم الدم والمال فلا وجه لقوله ومن دارنا حر أمانة هو وما في يده بل لا يجوز التقاطه إذا كان حافظا لنفسه ولماله لأن إثبات اليد عليه والحال هكذا مخالف لتأمينه وأما إذا دخل دارنا بغير أمان فهو وماله غنيمة لمن سبق إليه هكذا ينبغي أن يقال وبهذا تعرف أنه لا وجه لقوله ينفق عليه بلا رجوع إلخ لأنه إما غنيمة لمن سبق إليه أو لا يجوز التقاطه بحال كما بينا وإذا كان غنيمة وجب إنفاقه على القائم وإن كان مؤمنا لم يجب إنفاقه على أحد. وأما قوله: "ويرد للواصف" فمبني على جواز الالتقاط وقد عرفت ما فيه وما كان ينبغي أن يذكر المصنف مثل هذا في اللقطة لورود الأدلة بذلك كما تقدم فتركه في المحل الخليق به وذكره هنا بلا فائدة نعم إن كان اللقيط الذي كلام المصنف فيه في هذا الفصل هو المسلم الملتقط من دار الحرب والمسلم الملتقط من دار الإسلام كان لكلامه وجه ولكنه لم يقيده بهذا ويرد للواصف إذا كان لا يهتدي إلى الإعراب عن نفسه والعجب من قول المصنف لا اللقطة يعني أنها لا ترد للواصف فإن هذا دفع في وجه الأدلة ورد لما قد صح بلا خلاف. وأما قوله: "فإن تعددوا واستووا فإبن لكل فرد ومجموعهم أب" فقد تقدم الكلام عليه في كتاب الطلاب بما يغني عن الإعادة هنا وليس هذا المقام بمقام التعرض لكيفية ثبوت النسب وكان على المصنف أن يتعرض لذكر ضالة الإبل وأنها لا تلتقط لما تقدم من الأدلة ويتعرض لذكر ضالة الغنم ونحوها وأنها تلتقط لقوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، ويتعرض أيضا لذكر ضالة مكة لما ثبت في الصحيح من النهي عن لقطة الحاج وما ثبت من قوله ﷺ : "لا تحل لقطتها إلا لمعرف" [البخاري "٢٤٣٤"، مسلم "٤٤٧/١٣٥٥"] .

стр. 773

باب الصيد [فصل إنما يحل من البحري ما أخذ حيا أو ميتا بسبب آدمي أو جزر الماء أو قذفه أو نضوبه فقط والأصل فيما التبس هل قذف حيا الحياة ومن غيره في غير الحرمين ما انفرد بقتله بخرق لا صدم ذو ناب يقبل التعليم أرسله مسلم مسم أو زجره وقد استرسل فانزجر ولحقه فورا وإن تعدد ما لم يتخلل إضراب ذي الناب أو هلك بقتل مسلم بمجرد ذي حد كالسهم وإن قصد به غيره ولم يشاركه كافر فيهما. والأصل في الملتبس الحظر وهو لمن أثر سهمه والمتأخر جان ويذكي ما أدرك حيا ويحلان من ملك الغير ما لم يعد له حائزا وبالآلة الغصب] . قوله: "باب الصيد". فصل: "إنما يحل من البحري ما أخذ حيا أو ميتا بسبب آدمي" الخ. أقول حديث: "هو الطهور ماؤه والحل ميتته"، قد تقدم وقد ذكرنا طرقه مستوفاة في شرح المنتقى وهو مما تقوم به الحجة وظاهره أن ميتة البحر حلال على كل حال سواء مات بسبب آدمي أو بسبب من الماء أو مات لا بسبب ويؤيده حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر قال: "أحل لنا ميتتان ودمان وأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال" أخرجه أحمد ["٢/٩٧"] وابن ماجة ["٣٣١٤"] والشافعي والدارقطني والبيهقي وقد أعل بالوقف وقيل الموقوف أصح ولكن له طرق يقوي بعضها بعضا على أن الموقوف له حكم الرفع لأن قول الصحابي: "أحل لنا" كالرفع إلى رسول الله ﷺ إذ التحليل لا يكون إلا منه. ويؤيده ما أخرجه الدارقطني عن أبي شريح من أصحاب النبي ﷺ قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم"، وذكره البخاري عن أبي شريح موقوفا وللوقف حكم الرفع في مثل هذا لما قدمنا. ويؤيد لجميع حديث الحوت المسمى بالعنبرة التي أكلها الصحابة فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: "كلوا رزقا أخرجه الله سبحانه لكم أطعمونا إن كان معكم"، فأتاه بعضهم بشيء فأكله وهو في الصحيحين [البخاري "٨/٧٧، ٧٨"، مسلم "١٩٣٥"] ، وغيرهما [أيو داود "٣٨٤٠"، النسائي "٧/٢٠٧، ٢٠٩"، أحمد "٣/٣٠٤، ٣٠٩، ٣١١"] ، من حديث جابر ولم يسألهم النبي ﷺ بأي سبب كان موتها وترك الاستفصال في مقام الاحتمال منزل منزلة العموم في الأقوال.

стр. 774

فتقرر بمجموع هذه الأدلة أن ميتة البحر حلال بأي سبب كان ولا يصلح لتخصيص هذه العمومات ما أخرجه أبو داود "٣٨١٥"، مرفوعا من رواية يحيى بن سليم عن جابر بلفظ: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه"، لأنه قد أعل بأن يحيى بن سليم ضعيف الحفظ وقد أعل بالوقف وهو الصواب وقد استوفينا كلام الحفاظ عليه في شرح المنتقى ومع أنه قد روي عن بعض الصحابة ما يعارض هذا الموقوف على جابر فأخرج البخاري "٩/٦١٤"،عن أبي بكر الصديق أنه قال: "الطافي حلال" وأخرج البخاري "٩/٦١٤"، أيضا عن ابن عباس أنه قال في تفسير الآية: "طعامه ميتته". قوله: "ومن غيره في غير الحرمين ما انفرد بقتله بخرق لا صدم ذو ناب يقبل التعليم". أقول: أما الاصطياد بالكلاب المعلمة فالأحاديث الكثيرة الصحيحة قد وردت بجواز ذلك ومنها حديث أبي ثعلبة الخشني في الصحيحين [البخاري "٥٤٧٨"، مسلم "١٩٣٠"] ، وغيرهما [أبو داود "٢٨٥٦، ٢٨٥٧"، ابن ماجة "٣٢٠٧"، أحمد "١٤/١٩٣، ١٩٤"] ،بلفظ: "ما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل وما صدت بكلبك غير المعلم فأدركت ذكاته فكل"، وفي معناه حديث عدي بن حاتم في الصحيحين البخاري "٥٤٧٥"، مسلم "١، ٢، ٣/١٩٢٩"، وغيرهما أبو داود "٢٨٤٨"، الترمذي "١٤٧٠، ١٤٧١"، النسائي "٧/١٧٩، ١٨٠"، ابن ماجة "٣٢١٤"، أحمد "٤/٢٥٦"] . وأما الصيد بالباز فلحديث أحمد وأبي داود والبيهقي من حديث عدي بن حاتم أن رسول الله ﷺ قال: "ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله فكل ما أمسك عليك". وقد أعل بتفرد مجالد بن سعيد بذكر الباز قال البيهقي تفرد بذكر الباز فيه مجالد وخالفه الحفاظ انتهى ولا يخفى أن مجالدا من رجال مسلم وأهل السنن وأما ما ذكره بعض الشراح من أن الترمذي أخرجه من طريق أخرى فلا أصل لذلك بل لم يخرجه إلا من طريق مجالد وقال بعد إخراجه هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مجالد عن الشعبي انتهى. والحاصل أن الله سبحانه قد قال في كتابه العزيز: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤] ، فما صدق عليه أنه من الجوارح فالصيد به حلال فالبازي إذا كان من جملة الجوارح لم يحتج إلى الاستدلال عليه بغير الآية. وأما قوله: "مكلبين" المراد به معلمين لما تصيدون به وليس المراد الكلاب فقط فقد ذهب إلى حل صيد جميع الجوارح جمهور العلماء وأما التعليم فهو مجمع على اشتراطه كما حكى ذلك ابن رشد في نهايته. وأما اشتراط أن يكون الصيد في غير الحرمين فوجهه واضح وأدلته قد تقدمت في الحج وأما اشتراط أن يكون القتل بخرق لا صدم فيدل عليه اشتراط ذلك في الصيد الذي صيد بالرمي كما في حديث عدي بن حاتم الثابت في الصحيحين البخاري "٩/٦٠٤"، نممسلم "١/١٩٢٩"، وغيرهما أبو داود "٢٨٢٧"، الترمذي "١٤٦٥"، ابن ماجة "٣٢١٥"، النسائي "٤٢٧٦"، أنه ﷺ قال له: "إذا رميت

стр. 775

بالمعراض فخزق فكله وإن أصابت بعرضه فلا تأكله"، ولكنه قد ورد في صيد الكلاب المعلمة ما يدل على أن مجرد إمساكها ذكاة كما في حديث عدي أيضا في الصحيحين البخاري "٥٤٧٥"، مسلم "١٩٢٩"، وغيرهما الترمذي "١٤٧١"، النسائي "٤٢٧٥"، ابن ماجة "٤٢١٤"، بلفظ: "فإن أمسك عليك فأدركته فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله فإن أخذ الكلب ذكاة"، فلم يشترط ﷺ في أحاديث صيد الكلب إلا التعلم والتسمية وألا يأكل منه ولم يذكر اشتراط القتل أو تحريم ما قتله الكلب بالصدم وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم كما تقرر في الأصول ولفظ الإمساك والقتل يصدق على ما كان بالصدم كما يصدق على ما كان بالخرق. قوله: "أرسله مسلم مسم". أقول: أما الإرسال فهو مصرح به في الأحاديث الصحيحة بلفظ إذا أرسلت كلبك المعلم فلا بد من الإرسال وإلا كان الكلب صائدا لنفسه لا لصاحبه وهكذا اشتراط التسمية قد صرحت به الأحاديث الصحيحة ومنها بلفظ: "إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله". وأما اشتراط الإسلام فلم يقم على ذلك دليل تقوم به الحجة لكنه إذا لم يسم لم يحل صيده من هذه الحيثية ولعله يأتي إن شاء الله في باب الذبح مزيد كلام على هذا وقد قدمنا أن اشتراط التعليم مجمع عليه وأما اشتراط أن يلحقه فورا فلا دليل عليه بل المعتبر أن يعلم أنه ما أصابه الجارح الذي أرسله أو السهم الذي رمى به وفي لفظ في الصحيح مسلم ١٩٣١"، "إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكل ما لم ينتن" وفي لفظ الصحيح مسلم "٧/١٩٢٩"، أيضا: "كله إلا أن تجده في ماء". وأما قوله: "ما لم يتخلل إضراب ذي الناب" فالظاهر أنه لا وجه له لأن مجرد الإرسال في الابتداء بما يكفي والجارح إنما انبعث مرة أخرى بسبب ذلك الإرسال ولا يقال قد يكون انبعاثه بعد الإضراب ليمسك على نفسه لأنا نقول ذلك خلاف الظاهر فالكلب المعلم مرسل وهذا يكفي. قوله: "أو هلك بفتك مسلم بمجرد ذي حد". أقول: أما اشتراط الإسلام فقد تقدم ما فيه وأما قوله بمجرد ذي حد فليس في الأحاديث إلا مجرد الخرق وهو يحصل بغير ذي الحد ولا يخرج من ذلك إلا ما كان مقتولا بالصدم فإنه وقيذ كما يصيبه المعراض بعرضه ومن جملة ما يحل الصيد به من الآلات هذه البندقة الحديد التي نرمي بها بالبارود والرصاص فإن الرصاصة يحصل بها خرق زائد على خرق السهم والرمح والسيف ولها في ذلك عمل يفوق كل آلة ويظهر لك ذلك بأنك لو وضعت ريشة أو نحوها فوق رماد دقيق أو تراب دقيق وغرزت فيه شيئا يسيرا من أصلها ثم ضربتها بالسيف المحدد أو نحوه من الآلات لم يقطعها وهي على هذه الحالة ولو رميتها بهذه البنادق لقطعتها فلا وجه لجعلها قاتلة بالصدم لا من عقل ولا من نقل. وأما ما روي من النهي عن أكل ما رمي بالبندقة كما في رواية من حديث عدي ابن حاتم

стр. 776

عند أحمد "١٧/١٤٨"، بلفظ: "ولاتأكل من البندقة إلا ما ذكيت"، فالمراد بالبندقة هنا هي التي تتخذ من طين يرمي بها بعد أن تيبس وفي صحيح البخاري "٩/٦٠٣"، قال ابن عمر في المقتولة بالبندقة: "تلك الموقوذة" وكرهه سالم والقاسم ومجاهد وإبراهيم وعطاء والحسن. وهكذا ما صيد بحصى الخذف فقد ثبت في الصحيحين البخاري "٦٢٢٠"، مسلم "٥٥/١٩٥٤"، وغيرهما أبو داود "٥٢٧٠"، النسائي "٧/٤٧"، ابن ماجة "٣٢٢٦"، من حديث عبد الله بن المغفل أن رسول الله ﷺ نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا ولكنها تكسر السن وتفقأ العين"، ومثل هذا ما قتل بالرمي بالحجارة غير المحددة إذا لم تخرق فإنه وقيذ لا يحل وأما إذا خرقت حل. وأما قوله: "وإن قصد به غيره" فلا وجه له لأنه لا بد أن يكون الصائد صائدا لصيد معين مرسلا لسهمه عليه مسميا عند الرمي لكنه إذا أطلق التسمية بجعلها لصيد معين كمن يرمي إلى قطيع من الصيد فيسمى على ما أصابه السهم منها فهذا صيد حلال. وأما قوله: "لم يشاركه كافر فيهما" فقد عرفت أنه لا دليل على تحريم صيد الكافر فلا يضر مشاركته للمسلم إذا وقعت منه التسمية وأما كون الأصل في الملتبس الحظر فهو يستقيم فيما إذا وجد الصيد قد قتله الجارح ولم يدر هل ما أرسله هو الذي أصابه أو غيره وهكذا إذا شك هل السهم الذي فيه هو سهمه أو سهم غيره وأما إذا شك هل أمسكه الجارح على الصائد أم أمسكه لنفسه فالأصل عدم إمساكه لنفسه بعد تعليمه وإرساله والتسمية عليه كما تقدم وهكذا إذا شك هل أكل منه أم لا؟ فالأصل عدم أكله منه وأما إذا تيقن أنه أكل منه لم يحل صيده لما قدمنا في الحديث الصحيح من اشتراطه ﷺ عدم أكل الجارح من الصيد. وأما ما أخرجه أبو داود "٢٨٥٧"، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيا يقال له أبو ثعلبة قال: يا رسول الله إن لي كلابا مكلبة فأفتني في صيدها فقال: "كل مما أمسك عليك وإن أكل منه" فهذا الحديث لا يعارض ما ثبت في الصحيح ولا سيما بعد تعليله ﷺ بقوله: "فإنما أمسك على نفسه"، وقد قيل أنه يجمع بين الأحاديث بأن النهي محمول على ما إذا قتله كلب ونحوه وخلاه ثم عاد وأكل منه ولا وجه لهذا الجمع ولا يقوي الحديث على معارضة الأحاديث الثابتة في الصحيحين من طرق ولا سيما بعد اشتمالها على النهي عن الأكل كما في حديث عدي بن حاتم في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل". وأما كونه لمن أثر سهمه فظاهر لأن الاصطياد وقع به ولا حكم للآخر وأما التذكية حيا فوجه وجوب ذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث عدي بن حاتم بلفظ: "فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه" فإنه يدل على وجوب التذكية لما أدركه حيا.

стр. 777

باب الذبح [فصل يشترط في الذابح الإسلام فقط وفري كل من الأوداج ذبحا أو نحرا وإن بقي من كل دون ثلثه أو من القفا إن فرأها قبل الموت وبحديد أو حجر حاد أو نحوهما غالبا والتسمية إن ذكرت ولو قلت أو تقدمت بيسير وتحرك شيء من شديد المرض بعده وندب الاستقبال ولا تغني تذكية السبع ولا ذات الجنين عنه وما تعذر ذبحه لند أو وقوع في بئر فبالرمح ونحوه ولو في غير موضع الذبح] قوله: "باب الذبح". قوله: "فصل: يشترط في الذابح الإسلام فقط". أقول: إذا ذبح الكافر ذاكرا لاسم الله عزوجل غير ذابح لغير الله وأنهر الدم وفرى الأوراج فليس في الأدلة ما يدل على تحريم هذه الذبيحة الواقعة على هذه الصفة ولا يصح الاستدلال بمثل قوله عزوجل: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، لكون الخطاب فيها للمسلمين لأنا نقول الخطاب فيها لكل من يصلح للخطاب فمن زعم أن الكافر خارج من ذلك بعد أن ذبح لله وسمى فالدليل عليه. وأما إذا ذبح الكافر لغير الله فهذه الذبيحة حرام ولو كانت من مسلم وهكذا إذا ذبح غير ذاكر لاسم الله عزوجل فإن إهمال التسمية منه كإهمال التسمية من المسلم حيث ذبحا جميعا لله عزوجل وسيأتي الكلام على التسمية. وإذا عرفت هذا لاح لك أن الدليل على من قال باشتراط إسلام الذابح لا على من قال إنه لا يشترط فلا حاجة إلى الاستدلال على عدم الاشتراط بما لا دلالة فيه على المطلوب كالاحتجاج بأنه ﷺ لم ينه عن ذبائح المنافقين فإن المنافقين كان يعاملهم ﷺ معاملة المسلمين في جميع الأحكام عملا بما أظهروه من الإسلام وجريا على الظاهر. وأما ما يقال من حكاية الإجماع على عدم حل ذبيحة الكافر فدعوى الإجماع غير مسلمة وعلى تقدير أن لها وجه صحة فلا بد من حملها على ذبيحة كافر ذبح لغير الله أو لم يذكر اسم الله. وأما ذبيحة أهل الذمة فقد دل على حلها القرآن الكريم: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ، ومن قال: إن اللحم لا يتناوله الطعام فقد قصر في البحث ولم ينظر في كتب اللغة ولا نظر في الأدلة الشرعية المصرحة بأن النبي ﵌ أكل ذبائح أهل الذمة كما في أكله ﷺ للشاة التي طبختها يهودية وجعلت فيها سما والقصة أشهر من أن نحتاج إلى

стр. 778

التنبيه عليها ولا مستند للقول بتحريم ذبائحهم إلا مجرد الشكوك والأوهام التي يبتلى بها من لم يرسخ قدمه في علم الشرع فإن قلت قد يذبحون لغير الله أو بغير تسمية أو على غير الصفة المشروعة في الذبح قلت إن صح شيء من هذا فالكلام في ذبيحتهم كالكلام في ذبيحة المسلم إذا وقعت على أحد هذه الوجوه وليس النزاع إلا في مجرد كون كفر الذمى مانعا لا في كونه أخل بشرط معتبر. قوله: "وفري كل من الأوداج" الخ. أقول: لم يثبت في المرفوع ما يدل على اشتراط فرى الأوداج إلا ما أخرجه أبو داود "٢٨٢٦"، من حديث ابن عباس وأبي هريرة قال نهى رسول الله ﷺ عن شريطة الشيطان وهي التي تذبح فيقطع الجلد ولا تفرى الأوداج وفي إسناده عمرو ابن عبد الله الصنعاني وقد تكلم فيه غير واحد والتفسير فيه مدرج كما صرح بذلك أبو داود في السنن ولكن هذا التفسير قد ثبت في كتب اللغة ما يوافقه فهو صحيح إنما الشأن في صحة الحديث وقيام الحجة به. وقد ثبت في الصحيحين البخاري "٥٥٤٣"، مسلم "٢٠/١٩٦٨"، وغيرهما أبو داود "٢٨٢١"، الترمذي "١٤٩١"، النسائي "٧/٢٢٦"، ابن ماجة "٣١٧٨"، أحمد "٣/٤٦٣، ٤٦٤"، من حديث رافع بن خديج أنه ﷺ قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا ما لم يكن سنا أو ظفرا"، فهذا يدل على أن التذكية بشيء يحصل به إنهار الدم حلال وإن لم يحصل فرى الأوداج. وأخرج أحمد "٤/٤٣٤"، وأهل السنن أبو داود "٢٨٢٥"، الترمذي "١٤٨١"، النسائي "٤٤٠٨"، ابن ماجة "٣١٨٤"، من حديث أبي العشراء عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله أما تكون الذكاة إلا في اللبة والحلق قال: "لو طعنت في فخذها لأجزأك"، قال الترمذي بعد إخراجه حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث قال الخطابي: وضعفوا هذا الحديث لأن رواته مجهولون وأبو العشراء لا يدرى من أبوه ولم يروه عنه غير حماد بن سلمة وقال ابن حجر في التلخيص وقد تفرد حماد بن سلمة بالرواية عنه يعني أبا العشراء على الصحيح وهو لا يعرف حاله انتهى قلت حماد بن سلمة إمام لا يضر تفرده ما لم يكن في المروي عنه ما يمنع من قبوله. وقد أخرج الدارقطني من حديث أبي هريرة قال بعث رسول الله ﷺ بديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق يصيح في فجاج منى: "ألا إن الذكاة في الحلق واللبة"، وفي إسناده سعيد بن سلام العطار قال أحمد: كذاب. والحاصل أنه قد دل الحديث الصحيح على أن المعتبر إنهار الدم فإذا طعن في الحلق واللبة حتى أنهر الدم ولم يفر الأوداج كلها كان الذبح صحيحا والذبيحة حلالا ويؤيد هذا حديث عدي بن حاتم عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة قلت يا رسول الله إنا نصيد الصيد فلا نجد سكينا إلا الظرار وشقة العصا فقال ﷺ : "أمر الدم بما شئت واذكر اسم الله"، وأخرجه أيضا الحاكم وابن حبان ومداره

стр. 779

على سماك بن حرب عن مري بن قطري عنه وقد أخرج معناه أحمد والطبراني والبزار عن ابن عمر بإسناد صحيح ومعلوم أن شقة العصا لا تفري كل الأوداج. وهكذا ما روي من قصة الرجل الذي رأى لقحة في الموت فلم يجد ما ينحرها به فأخذ وتدا فوجأها به في لبتها حتى أهرق فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأمره بأكلها وهو في سنن أبي داود والنسائي. وبهذا نعرف أنه لا وجه تقوم به الحجة على اشتراط فرى الأوداج وأنها تصح التذكية بحديدة أو حجر أو بشقة عصا أو ما أنهر الدم كائنا ما كان ما لم يكن سنا أو ظفرا. قوله: "والتسمية إن ذكرت" الخ. أقول: وجهه ما قدمناه في الأحاديث الصحيحة من ترتيب جواز الأكل على إنهار الدم وذكر اسم الله فإن ذلك يقيد أن التسمية شرط لا تحل الذبيحة بدونها لكنه قد ورد ما يدل على أنه إذا التبس على الآكل هل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لا فإنه يسمى عليها ويأكلها كما في البخاري وغيره من حديث عائشة أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: "سموا عليه أنتم وكلوا" قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر فهذا يدل دلالة بينة على أنه إذا التبس على الآكل هل وقعت التسمية من الذابح أم لا أنه يكتفي بالتسمية منه عند الأكل. فالحاصل أن التسمية فرض على الذابح وإعادتها فرض عند الأكل على المتردد وليس في هذا الحديث ما يدل على أن التسمية سنة فقط كما قاله جماعة. وأما قوله: "إن ذكرت" فليس في الأدلة ما يدل على أن النسيان يسقط هذه الفريضة إلا الأحاديث العامة الواردة برفع الخطأ والنسيان وقد قدمنا لك أن النبي ﷺ حكى عن الله عزوجل أنه قال عند الدعاء بقوله: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] ، قد فعلت وذلك ثابت في الصحيح. وأما قوله: "وإن قلت أو تقدمت بيسير" فأقل تسمية أن يقول بسم الله وتقدمها لا يضر إذا كانت قبل ذلك بوقت لا ينافي أن تكون مفعوله للذبح. وأما قوله: "وتحرك شيء من شديد المرض بعده" فوجهه أنها لا تعلم الحياة إلا بذلك وإلا كانت التسمية واقعة على ميتة. قوله: "وندب الاستقبال". أقول: ليس على هذا دليل لا من كتاب ولا من سنة ولا من قياس وما قيل من أن القول بندب الاستقبال في الذبح قياس على الأضحية فليس بصحيح لأنه لا دليل على الأصل حتى يصلح للقياس عليه بل النزاع فيه كائن كما هو كائن في الفرع والندب حكم من أحكام الشرع فلا يجوز إثباته إلا بدليل تقوم به الحجة.

стр. 780

قوله: "ولا تغني تذكية السبع" أقول: هذا صحيح لأن ذلك مما لم يأذن الله سبحانه ولا رسوله ﷺ وليس هذا السبع من جوارح الصيد المرسلة المعلمة حتى يكون إمساكه تذكية ولهذا يقول الله عزوجل: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] ، وهذا دليل قرآني لا يحتاج إلى الاستدلال بغيره على فرض أن المانع محتاج إلى دليل وليس كذلك فإن قيامه مقام المنع يكفيه والدليل على من ادعى أن تذكية السبع تذكية محللة. قوله: "ولا تذكية ذات الجنين عنه". أقول: حديث: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، أخرجه أحمد "٣/٣٩"،وأبو داود "٢٨٢٧"،والترمذي "١٤٧٦"، وابن ماجه "٣١٩٩"، والدارقطني وابن حبان وصححه من حديث أبي سعيد الخدري وأما تضعيف عبد الحق له بأن في إسناده مجالدا فمدفوع بأنه لم يكن في الطريق التي أخرجه منها أبو داود والترمذي وأيضا قد أخرجه أحمد من طريق غيره وليس فيها ضعف وقد صححه مع ابن حبان ابن دقيق العيد وحسنه الترمذي وقد روى من طريق غيره من الصحابة منهم على وابن مسعود وأبو أيوب والبراء وابن عمر وابن عباس وكعب ابن مالك وقد ذكرنا في شرح المنتقى من أخرج هذه الأحاديث عن هؤلاء الصحابة فالحديث صحيح في نفسه فكيف وقد ورد من حديث سبعة من الصحابة غير أبي سعيد. وأما من قال إن قوله ﷺ : "ذكاة أمه"، منصوب بنزع الخافض وأن التقدير كذكاة أمه فهذا مع كونه خلاف الرواية هو أيضا خلاف الدراية فإن الشارع إنما أراد التعريف بأن ذكاة الأم ذكاة لما في بطنها ولم يرد أنه يذكى كما تذكى الأم فإن ذلك ليس فيه كثير فائدة مع أنه قد وقع في سؤال من سأل رسول الله ﵌ ما يفيد المعنى المراد فإن لفظ الحديث عند أحمد "٣/٣٩"، وأبي داود "٢٨٢٧"، قال: قلنا: يا رسول الله ننحر الناقة ونذبح البقرة والشاة في بطنها الجنين أنلقيه أم نأكل؟ فقال: "كلوه إن شئتم فإن ذكاته ذكاة أمه"، فإنهم لم يسألوه عن كيفية تذكيته إنما سألوه عن حل أكله أو تحريمه إذا وجدوه في بطنها فالرفع في وجه هذه السنة بما لا يسمن ولايغني من جوع خروج عن الإنصاف. قوله: "وما تعذر ذبحه". الخ. أقول: هكذا جاءت السنة الصحيحة بذلك كما في الصحيحين البخاري "٩/٦٣٣"، مسلم "٢٠، ٢١/١٩٦٨"، وغيرهما أحمد "٣/٤٦٣"، أبو داود "٢٨٢١"، الترمذي "١٤٩٢"، النسائي "٧/٢٢٨"، ابن ماجة "٣١٨٣"، من حديث رافع بن خديج قال: كنا مع رسول الله صلى عليه وآله وسلم في سفر فند بعير من إبل القوم ولم يكن معهم خيل فرماه رجل بسهم فحبسه فقال رسول الله ﷺ : "إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش فما فعل منها هذا فأفعلوا به هكذا"، وظاهر هذا الحديث أنه إذا مات بهذه الرمية كان حلالا ولا يحتاج إلى تذكية وإليه ذهب الجمهور وقال مالك والليث وسعيد بن

стр. 781

المسيب وربيعة إنه لا يحل الأكل لما توحش إلا بتذكية في حلقه أو لبته والحديث يرد عليهم وأيضا ما تقدم من قوله ﷺ : "لو طعنت في فخذها لأجزأك".

стр. 782

باب الأضحية [فصل والأضحية تسن لكل مكلف بدنة عن عشرة وبقرة عن سبعة وشاة عن ثلاثة وإنما يجزيء الأهلي ومن الضأن الجذع فصاعدا ومن غيره الثني فصاعدا إلا الشرقاء والمثقوبة والمقابلة والمدابرة والعمياء والعجفاء وبينة العور والعرج ومسلوبة القرن والأذن والذنب والألية ويعفى عن اليسير [. قوله: "باب الأضحية تسن لكل مكلف". أقول: لا خلاف في مشروعية الأضحية وأنها قربة عظيمة وسنة مؤكدة وقد ذهب الجمهور إلى أنها غير واجبة قال ابن جزم لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة وصح أنها غير واجبة عن الجمهور ولا خلاف في كونها من شرائع الدين انتهى وذهب الأقلون إلى وجوبها واستدلوا بما أخرجه أحمد وابن ماجة من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا"، وصححه الحاكم قال ابن حجر في الفتح رجاله ثقات لكن اختلف في رفعه ووقفه والموقوف أشبه بالصواب قاله الطحاوي وغيره. ووجه الاستدلال به لما نهى من كان ذا سعة قربان المصلي إذا لم يضح دل على أنه قد ترك واجبا فكأنه لا فائدة في التقرب بالصلاة للعبد مع ترك هذا الواجب. واستدلوا أيضا بما في الصحيحين البخاري "١٠/٢٠"، مسلم "٢/١٩٦٠"، وغيرهما النسائي "٤٣٨٠"، ابن ماجة "٣١٥٢"، من حديث جندب بن سفيان البجلي أنه ﷺ قال: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله"، وبما في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر أن النبي ﷺ صلى بهم يوم النحر بالمدينة فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي ﷺ قد نحر فأمر النبي ﷺ من كان نحر قبله أن يعيد بنحر آخر ولا ينحروا حتى ينحر النبي ﷺ وفي حديث أنس في الصحيحين البخاري "١٠/٦"، مسلم "١٠/١٩٦٢"، وغيرهما النسائي "٤٤٠٨"، ابن ماجة "٣١٥١"، قال قال رسول الله ﷺ يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد"، والأوامر ظاهرة في الوجوب لا سيما مع الأمر بالإعادة

стр. 783

وأجاب الجمهور بأنه هذه الأوامر مصروفة عن معناها الحقيقي وهو الوجوب لما ورد في الأحاديث أنه ﷺ أمر بالتضحية ولم تؤمر بها أمته وأنها عليه فريضة ولهم تطوع ولم يصح من الأحاديث شيء وفي أسانيدها من هم في الضعف في أسفل مراتبه وهكذا لا القول بصرف أحاديث الأوامر عن معانيها الحقيقية أنه ضحى عن أمته وفي حديث آخر ضحى عن محمد وآل محمد لأن تضحيته ﷺ قد قامت مقام التضحية منهم وذلك مزية خصه الله سبحانه بها ومما يؤيد الوجوب حديث مخنف ابن سليم عند أحمد وأبي داود وابن ماجه والترمذي وحسنه أنه ﷺ قال بعرفات: "يا أيها الناس على أهل كل بيت أضحية في كل عام وعتيرة" ونسخ العتيرة لا يسلتزم نسخ الأضحية ومما يدل على الوجوب قوله : ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، إن كان المراد معنى النحر الحقيقي وهو نحر الأضحية لا إن كان المراد وضع اليد على النحر كما ورد في رواية وبهذا ويعرف أن الحق ما قاله الأقلون من كونها واجبة ولكن هذا الوجوب مقيد بالسعة فمن لا سعة له لا أضحية عليه. قوله: "بدنة عن عشرة وبقرة عن سبعة". أقول: الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين مسلم "٣٥٠/١٣١٨"، وغيرهما أبو داود "٢٨٠٩"، الترمذي "١٥٠٢"، ابن ماجة "٣١٣٢"، أحمد "٣/٣٥٣، ٣٦٣"، أن النبي ﷺ أمر أن نشترك في الهدي في الإبل كل سبعة في بدنة ولكنه يمكن أن تحمل هذه الأدلة على الهدى وتخص الأضحية بما أخرجه أحمد "٢٤٨٤"، والنسائي "٧/٢٢٢"، والترمذي "١٥٠١"، وحسنه وابن ماجة "٣١٣١"، من حديث ابن عباس قال كنا مع النبي ﷺ في سفر فحضر الأضحى فذبحنا البقرة عن سبعة والبعير عن عشرة ويشهد له ما في الصحيحين البخاري "٢٥٠٧"، مسلم "٢١/١٩٦٨"، من حديث رافع بن خديج أنه ﷺ قسم فعدل عشر من الغنم ببعير. قوله: "وشاة عن ثلاثة". أقول: قد ورد إجزاء الجذع من الضأن مطلقا ومقيدا فأما المطلق فكقوله ﷺ : "نعم الأضحية الجذع من الضأن"، أخرجه أحمد "٢/٤٤٥"،والترمذي "١٤٩٩"، من حديث أبي هريرة وكقوله ﷺ : "خير الأضحية الكبش الأقرن"، أخرجه داود "٣١٥٦"، وابن ماجة ١٤٧٣"، والحاكم والبيهقي من حديث عبادة بن الصامت وأخرجه الترمذي "١٥١٧"، وأخرج ابن ماجة نحوه من حديث أبي أمامة وأخرج أبو داود وابن ماجة "٣١٣٩"، من حديث أم بلال بنت هلال عن أبيها أن رسول الله ﷺ قال: "يجوز الجذع من الضأن ضحية"، وثبت في الصحيحين البخاري "١٠/٤"، مسلم "١٦/١٩٦٥"، وغيرهما الترمذي "١٥٠٠"، النسائي "٤٣٩٢"، ٤٣٩٣"، من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ أمره بالتضحية بالجذع من الضأن وفي الباب أحاديث وأما المقيد فكحديث أبي أيوب الأنصاري أنه سأله عطاء بن يسار كيف كانت الضحايا فيكم على عهد رسول الله ﷺ قال: كان الرجل في عهد النبي ﵌ يضحي بالشاة عنه وعن أهل بيته الحديث أخرجه في الموطأ وابن ماجة "٣١٤٧"، والترمذي "١٥٠٥"، وصححه وكحديث

стр. 784

أبي سريحة قال: حملني أهلي على الجفاء بعدما علمت من السنة كان أهل البيت يضحون بالشاة والشاتين والآن يبجلنا جيراننا أخرجه ابن ماجة بإسناد صحيح ويدل عليه أحاديث واردة في هذا المعنى وجميع الأحاديث المطلقة والمقيدة تدل على أن أقل ما يجزيء في الأضحية الجذع من الضأن وأنها تجزيء أهل البيت كما تجزيء الواحد وحده وقد حكى الترمذي في سننه أن الشاة تجزيء عن أهل البيت قال والعمل على هذا عند أهل العلم وهو قول أحمد واسحاق واحتجا بحديث أن النبي ﷺ ضحى بكبش فقال: "هذا عمن لم يضح من أمتي" وقال بعض أهل العلم لا تجزيء الشاة إلا عن نفس واحدة وهو قول عبد الله بن المبارك وغيره من أهل العلم انتهى فعرفت بكلام الترمذي هذا عدم صحة ما زعمه النووي وابن رشد والمهدي في البحر من أن الشاة لا تجزيء إلا عن ثلاثة فالحق أنها تجزيء عن أهل البيت وإن كانوا مائة نفس. وأما قوله: "وإنما يجزيء الأهلي" فوجهه أنه لم يثبت أن النبي ﷺ ضحى بوحش ولا جوز التضحية به لأمته وهذا يكفي. وأما قوله: "والجذع من الضأن فصاعدا" فوجهه ما قدمنا من الأدلة وأما ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عقبة بن عامر أن النبي ﷺ أعطاه غنما يقسمها على صحابته ضحايا فبقى عتود فذكره للنبي ﷺ فقال: "ضح به أنت"، والعتود من ولد المعز ما أتى عليه حول فيجاب عنه بأنه أخرج هذا الحديث البيهقي بإسناد صحيح أنه قال له ﷺ : "ضح به أنت ولا رخصة فيها لأحد بعدك". وأما قوله: "ومن غيره الثنى فصاعدا" فوجهه ما ثبت في صحيح مسلم "١٣/١٩٦٣"، وغيره أ [وداود "٢٧٩٧"، النسائي "٧/٢١٨"، ابن ماجة "٣١٤١"، أحمد "٣/٣١٢، ٣٢٧"، من حديث جابر قال قال رسول الله ﷺ : "لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن"، فقيد إجزاء الجذعة بكونها من الضأن وعليه تدل الأحاديث المتقدمة فلا يجزيء من غيرها إلا المسن وهو الثني. قوله: "إلا الشرقاء والمثقوبة" الخ. أقول: وقد ورد عن الشارع ما لا يجزيء فينبغي العمل على ذلك ومن ذلك ما أخرجه أحمد "٤٠/٢٨٤، ٢٨٩، ٣٠٠، ٣٠١"، وأهل السنن أبو داود "٢٨٠٢"، الترمذي "١٤٩٧"، النسائي "٧/٢١٤، ٢١٥"، ابن ماجة " ٣١٤٤"، وصححه الترمذي "٤/٨٦"، والنووي وأخرجه أيضا ابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث البراء بن عازب قال قال رسول الله ﷺ : "أربع لا تجوز في الأضاحي العوراء البين عورها والمريضة البين مرضها والعرجاء البين ظلعها والكسيرة التي لا تنقي"، وأخرج أحمد "١/١٢٧"، وأهل السنن أبو داود "٢٨٠٥"، الترمذي "١٥٠٤"، النسائي "٧/٢١٧، ٢١٨"، ابن ماجة "٣١٤٥"، وصححه الترمذي "٤/٩٠"، من حديث علي قال نهى رسول الله ﷺ أن نضحي بأعضب القرن والأذن وأخرج أحمد "١٣/٧٨"، وأبو داود "٢٨٠٣"، والبخاري في تاريخه والحاكم من حديث عتبة ابن عبد السلمي قال: إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 785

عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها والمستأصلة التي ذهب قرنها من أصله والبخقاء التي تبخق عينها والمشيعة التي لا تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسراء التي لا تنقي وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي وأخرجه أيضا البزار وابن حبان والحاكم والبيهقي من حديث علي قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن وأن لا نضحي بمقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولاخرقاء. وأما قوله: "ومسلوبة الذنب والألية" فيرده ما أخرجه أحمد وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي سعيد قال: اشتريت كبشا أضحي به فعوى الذئب فأخذ الألية فسألت النبي ﷺ فقال: "ضح به"، وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف جدا وفيه أيضا محمد بن قرظة وهو مجهول وعلى هذا فلا تقوم به حجة ولكن قد عرفناك أنه يقتصر في هذه العيوب على ما ورد عن الشارع لأن الأصل إجزاء ما جوز الشارع التضحية به ولا يخرج عن ذلك إلا ما استثناه. وأما قوله: "ويعفى عن اليسير" فيدل عليه ما تقدم من قوله ﷺ : "البين عورها والبين مرضها والبين ظلعها"، وقوله: "التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها"، وقوله: "التي ذهب قرنها من أصله". [فصل ووقتها لمن لا تلزمه الصلاة من فجر النحر إلى آخر ثالثه ولمن تلزمه وفعل من عقيبها وإلا فمن الزوال فإن اختلف وقت الشريكين فآخرهما] . قوله: "فصل: ووقتها لمن لا تلزمه الصلاة" الخ. أقول: الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيحين أو أحدهما وفي غيرهما قاضية بأن وقتها من بعد الصلاة وفي بعضها التقييد بصلاة الإمام كما في حديث جندب بن سفيان البجلي في الصحيحين وغيرهما بلفظ: "ومن لم يكن ذبح حتى صلينا فليذبح باسم الله"، وفي بعضها: أنه ﷺ أمر من نحر قبل أن ينحر أن يعيد بنحر آخر وهو في صحيح مسلم وغيره فالصلاة مقيدة بكونها صلاة الإمام ومقيدة أيضا بنحر النبي ﷺ فلا يكون النحر إلا بعد صلاة الإمام ونحره. فمن ذبح قبل الصلاة لم تجزه وعليه الإعادة كما في حديث أنس في الصحيحين وغيرهما قال قال رسول الله ﷺ يوم النحر: "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد"، وفي لفظ البخاري من هذا

стр. 786

الحديث: "من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين". ولا فرق في هذه الأحاديث بين من تلزمه الصلاة ومن لا تلزمه فلا ذبح قبل صلاة العيد الجامعة ولا وجه لما قاله المصنف من أن وقتها لمن لا تلزمه الصلاة من فجر النحر. وأما آخر وقت الذبح فحديث جبير بن مطعم عن النبي ﷺ قال: "كل أيام التشريق ذبح"، أخرجه أحمد "٤/٨٢"، وابن حبان في صحيحه والبيهقي وله طرق ويؤيده الحديث الصحيح في النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث [البخاري "١٠/٢٤"، مسلم "٢٨/١٩٧١"، فمن زعم أنه لا يجزئ الذبح إلا يوم النحر أو أنه يجزيء بعد أيام التشريق فهذا الحديث وما يقويه يرد عليه. ووجه الرد أن النبي ﷺ بين لنا أن أيام التشريق كلها ذبح فمن زعم أن غيرها وقت للذبح فعليه الدليل ولا دليل ينتهض للقول به والمراد هنا الذبح الخاص الذي يكون أضحية مجزية فدعوى أنه يجزيء الذبح عن الأضحية في غيرها غير مقبولة وفي هذه المسألة خمسة مذاهب قد استوفيتها واستوفيت ما استدل به عليها في شرح المنتقى. [فصل وتصير أضحية بالشراء بنيتها فلا ينتفع قبل النحر بها ولا بفوائدها ويتصدق بما خشي فساده فإن فاتت أو تعيبت بلا تفريط لم يلزمه البدل ولو أوجبها إن عين وإلا غرم قيمتها يوم التلف وإن نقصت عما يجزيء وله البيع لإبدال مثل أو أفضل ويتصدق بفضلة الثمن وما لم يشتره فبالنية حال الذبح وندب تولية وفعله في الجبانة وكونها كبشا موجوءا أقرن أملح وأن ينتفع ويتصدق ويكره البيع] . قوله: "فصل: وتصير أضحية بالشراء بنيتها". أقول: ليس في مصير الأضحية أضحية بمجرد الشراء بالنية ولا في ثبوت هذه الأحكام التي ذكرها المصنف من أنه لا ينتفع بها إلى آخر ما ذكره من ذلك دليل تقوم به حجة ويجب المصير إليه والعمل به فإن كان هذا قياسا للأضحية على الهدي إن كان الباب مختلفا فلا بأس بذلك فإنه قد ورد في الهدى أن الهدى إذا خشي عليها موتا فلينحرها ولا يطعمها هو ولا أحد من أهل رفقته كما في صحيح مسلم "٣٧٨/ ١٣٢٦"، وغيره ابن ماجة "٣١٠٥"، أحمد "٤/٢٢٥"، من حديث أبي قبيصة. وأخرج أحمد "٤/٣٣٤"، وأبو داود "١٧٧٢"، والترمذي "٩١٠"، وابن ماجه "٣١٠٦"، من حديث ناجية الخزاعي وكان صاحب بدن رسول الله ﷺ قال قلت كيف أصنع بما عطب من البدن قال: "انحره واغمس نعله في دمه واضرب صفحته وخل بينه وبين الناس

стр. 787

فليأكلوه"، قال الترمذي: حسن صحيح والعمل على هذا عند أهل العلم في هدى التطوع إلى آخر كلامه في سننه وأخرج نحوه مالك في الموطأ عن هشام ابن عروة عن أبيه. وورد في منع بيع الهدى ما أخرجه أحمد وأبو داود والبخاري في التاريخ وابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما عن ابن عمر قال أهدى عمر نجيبا فأعطي بها ثلاثمائة دينار فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني أهديت نجيبا فأعطيت بها ثلاثمائة دينار فأبيعها وأشتري بثمنها بدنا؟ قال: "لا انحرها إياها". فالحاصل أنه إن صح قياس الأضحية على الهدى فذاك وإلا فالأصل عدم ثبوت شيء من هذه الأحكام ومما يدل على اختلاف البابين أنه قال في الضحايا: "كلوا وادخروا واتجروا". قوله: "فإن فاتت أو تعيبت بلا تفريط لم يلزمه البدل". أقول: قد قدمنا الأدلة على وجوب الأضحية فهذه التي اشتراها إذا تلفت أو تعيبت بقي الخطاب عليه في الوفاء بما هو واجب عليه إن كان قائلا بالوجوب أو بما هو سنة إن كان يرى أنها سنة فكون مجرد التلف أو التعيب مسقط للأضحية مسوغا لعدم إبدال ما تلف أو تعيب محتاج إلى دليل وكيف يصح هذا والنبي ﷺ يقول لمن ذبح قبل الصلاة أن يذبح مكانها أخرى ويقول لمن نحر قبل نحره أن يعيد بنحر آخر ويقول: "من كان ذبح قبل الصلاة فليعد"، وهذه الأحاديث قد تقدمت وهي ثابتة في الصحيح فينظر ما وجه كلام المصنف فإن هذا أيضا مع كونه خلاف الدليل بخالف حكم الهدي فيكون قادحا في القياس مع أنه لا وجه لثبوت ما ذكره من أحكام الأضحية إلا مجرد قياس على الهدي كما قدمناه وأيضا مما يقدح في ذلك القياس تجويز المصنف للبيع لإبدال مثل أو أفضل مع ما تقدم في الهدى من نهيه ﷺ لعمر عن البيع وأمره بأن يذبح النجيبة. وأما قوله: "وما لم يشتره فبالنية حال الذبح" فالظاهر أنه لا فرق بين ما اشتراه وما لم يشتره إذ أنه إذا ذبحه بنية الأضحية وفى بما عليه وصار فاعلا لما شرعه الله لعباده من الضحايا. قوله: "وندب توليه بنفسه". أقول: وجهه أن النبي ﷺ كان يذبح أضحيته بيده الشريفة كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة البخاري "١٠/١٨"، مسلم "١٧/١٩٦٦"، فمن أراد القيام بحق هذه القربة المتواترة والشريعة الواضحة فليفعل كما فعل رسول الله ﷺ ولا مانع من شرع ولا عقل من الاستنابة والمنع من ذلك مجرد قاعدة فقهية لا يعرف لها أصل ولا يحسن. والاستدلال على المنع بنحره ﷺ لهديه بيده مرفوع بأن هذا الحديث بخصوصه يدل على جواز الاستنابة فإنه ﷺ استناب عليا في نحر البعض كما ذلك ظاهر مشهور ثابت في الصحيح فهو حجة على المستدل به لا له. قوله: "وفعله في الجبانة". أقول: وجه هذا ما ثبت في الأحاديث أنه ﷺ كان يذبح أضحيته في الجبانة فالاقتداء به

стр. 788

مندوب لأنه لم يرد ما يدل على أن ذلك خاص به ولا ورد ما يدل على أن ذلك عزيمة على الأمة فكان مندوبا وفي الذبح في الجبانة فوائد منها أن يعلم بذلك الفقراء فيقصدونه ويردون عليه ولا سيما في حق الإمام فإن الناس يعلمون بذبحه للأضحية حتى يذبحوا ضحاياهم فتكون ضحايا مجزئة لما قدمنا من أنه ﷺ أمر من نحر قبل أن ينحر أن يعيد نحره وما ثبت لرسول الله ﷺ ثبت للأئمة بعده. قوله: "وكونها كبشا موجوءا أقرن أملح". أقول: وجه ذلك ما أخرجه ابن ماجة "٣١٢٢"، من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان إذا أراد أن يضحي اشترى كبشين عظيمين سمينين أقرنين أملحين موجوءين فذبح أحدهما عن أمته لمن شهد الله بالتوحيد وشهد له بالبلاغ وذبح الآخر عن محمد وآل محمد. وهذا الحديث وإن كان في إسناده عيسى بن عبد الرحمن بن فروة وفيه ضعف فقد روى مثله من حديث عائشة. وروى أيضا أنه ضحى بكبشين موجوءين أقرنين من حديث عائشة عند أحمد والحاكم والبيهقي وفي إسناده ابن عقيل وفيه مقال خفيف وأخرج نحوه أحمد بإسناد حسن من حديث أبي رافع. وقوله في الحديث الأول: أن رسول الله ﷺ إذا أراد أن يضحي يدل على أن ذلك هو الغالب من أحواله كما يفيد لفظ كان وبهذا يثبت حكم الندب ولا ينافيه لمخالفة في بعض الأحوال كما في حديث أبي سعيد: قال ضحى رسول الله ﷺ بكبش أقرن فحيل أخرجه أهل السنن أبو داود "٢٧٩٦"، الترمذي "١٤٩٦"، النسائي "٧/٣٢١"، ابن ماجة "٣١٢٨"، وصححه الترمذي ٤/٨٥"، وابن حبان وهو على شرط مسلم. فإن قلت ندبية التضحية بالكبش يدل على أنه أفضل من التضحية بالإبل والبقر مع العلم بأن التضحية بالناقة والبقرة الانتفاع بها لأهل البيت والفقراء أكثر ولهذا عدلت عشرا من الغنم أو سبعا كما تقدم. قلت: ملازمته ﷺ للتضحية بالكبش أو الكبشين مع وجوج الإبل في عصره وكثرتها يدل على أفضليتها في الأضحية وإن كانت مفضولة من وجه آخر. قوله: "وينتفع ويتصدق". أقول: وجهه أن النبي ﷺ قال: "كلوا وادخروا وائتجروا" كما ثبت ذلك عنه ﷺ وفي لفظ: "كلوا وادخروا وتصدقوا" وذلك ثابت في الصحيحين وغيرهما. وقد كان ﷺ أمرهم أن يدخروا ثلاثة أيام ثم يتصدقوا بما بقي ثم نسخ ذلك وبين لهم أنه إنما قصرهم على الثلاث لأجل الدافة التي دفت من محاويج العرب ومعنى قوله: "واتجروا"، أي اطلبوا الآجر بالصدقة كما بينه في الرواية الأخرى بقوله: "وتصدقوا"، وفي الباب أحاديث. وأما قوله: "ويكره البيع" فوجهه أن البيع ليس بأكل ولا ادخار ولا اتجار وهو أيضا

стр. 789

خلاف ما تفيده الأضحية من معنى التقرب وإذا كان قياس الضحايا على الهدايا صحيحا فقد ثبت عنه النهي عن أن يعطي الجازر من الهدايا شيئا فكيف يجوز بيع ما ألحق بها من الضحايا ولكن في صحة القياس ما قدمنا. [فصل والعقيقة ما تذبح في سابع المولود وهي سنة وتوابعها وفي وجوب الختان خلاف] . قوله: "فصل: والعقيقة ما تذبح في سابع المولود وهي سنة وتوابعها". أقول: ذهب الجمهور إلى أنها سنة فقط وذهب أهل الظاهر والحسن البصري إلى وجوبها استدل القائلون بالوجوب بما ورد من الأوامر كقوله ﷺ : "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا عنه الأذى"، أخرجه البخاري "٩/٥٩٠"، وغيره أبو داود "٢٨٣٧"، ٢٨٣٨"، الترمذي "١٥٢٢"، النسائي "٤٢٢٠"،/ ابن ماجة "٣١٦٥"، من حديث سلمان بن عامر الضبي ومن أدلة الوجوب أيضا ما أخرجه أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي والحاكم وعبد الحق من حديث سمرة قال قال رسول الله ﷺ : "كل غلام رهينة بعقيقة تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه"، فإن قوله: "كلا غلام رهينة يعقيقة" يفيد أنها واجبة عليه وهذا الحديث وإن كان من رواية الحسن عن سمرة ولم يسمع منه فقد ذكر الحفاظ كالبخاري أنه سمع منه هذا الحديث بخصوصه فلا علة فيه وقال الجمهور إن الأحاديث المشتملة على ما يفيد الوجوب مصروفة عن المعنى الحقيقي لقوله ﷺ : "من أحب منكم أن ينسك عن ولده فليفعل عن الغلام شاتان مكافأتان وعن الجارية شاة"، أخرجه أحمد "٢/١٨٢، ١٩٤، أبوأبو داود ٢٨٤٢"، والنسائي "٤٢١٢"، من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وحديثه لا يخرج عن الحسن وإن كان في روايته عن أبيه عن جده فقال وقد روى عن أبي حنيفة أن العقيقة ليست سنة والأحاديث ترد عليه. وكراهته ﷺ للاسم لا يدل على كراهة المسمى كما روى عنه من حديث عمرو بن شعيب هذا أنه قال: "لا أحب العقوق"، لأنهم قالوا له إنما نسألك عن أحدنا يولد له فقال من أحب أن ينسك الحديث وقد زعم محمد بن الحسن أن العقيقة جاهلية نسخها الإسلام وهذا مدفوع بثبوتها في الإسلام بما يقوم به الحجة وفي الأحاديث ما يدل على أن العقيقة عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة كما في حديث عمرو بن شعيب المتقدم وكما في حديث عائشة عند أحمد والترمذي وصححه قالت: قال رسول الله ﷺ : "عن الغلام شاثان مكافأتان وعن الجارية شاة"، وأخرجه أيضا ابن حبان والبيهقي ومثله ما أخرجه أحمد "٦/٣٨١، ٤٢٢"ن والنسائي "٧/١٦٥"، والترمذي "١٥١٦"، وابن حبان والحاكم

стр. 790

والدارقطني والبيهقي وصححه الترمذي من حديث أم كرز الكعبية أنها سألت رسول الله ﷺ عن العقيقة فقال: "نعم عن الغلام شاتان وعن الأنثى واحدة"، ولا ينافى حديث سلمان بن عامر الضبي المتقدم فإن هذه الأحاديث مشتملة على زيادة يتعين قبولها وهكذا لا ينافي هذه الأحاديث ما رواه أبو داود "٢٨٤١"، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ عق عن الحسن والحسين كبشا كبشا لما ذكرنا من أن الزيادة مرجحة على أن في رواية النسائي لحديث ابن عباس هذا بلفظ: "كبشين كبشين". فالحاصل أن العقيقة سنة من سنن الإسلام ولا يتم الوفاء بهذه السنة إلا بذبح شاتين عن الذكر وشاة عن الأنثى. وأما توابعها التي أشار إليها المصنف فهي ما وردت به الأدلة فمنها ما تقدم في حديث سلمان بن عامر الضبي من قوله: "أميطوا عنه الأذى"، وكذلك ما تقدم في حديث سمرة من قوله: "تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه"، ومنها ما أخرجه أحمد "٥/٣٥٥، ٣٦١"، وأبو داود "٢٨٤٣"، والنسائي "٤٢١٣"، من حديث بريدة الأسلمي وإسناده صحيح كما قال في التلخيص وفيه نظر فإن في إسناده على بن الحسين بن واقد وفيه مقال ولفظه كنا في الجاهلية إذا ولد لأحدنا ذبح شاة ولطخ رأسه بدمها فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق رأسه ونلطخه بزعفران وفي لفظ من حديث عائشة عند ابن حبان وابن السكن وصححاه بلفظ: فأمرهم النبي ﷺ أن يجعلوا مكان الدم خلوة فتوابع العقيقة هي ما اشتملت عليه هذه الأحاديث لا ما وقع في كثير من كتب الفروع من الخرافات التي تستسمجها العقول. ومن توابع العقيقة التصدق بوزن شعر رأس الصبي من الورق كما في حديث أبي رافع عند أحمد والبيهقي مرفوعا وفي إسناده ابن عقيل وفيه مقال وشهد له حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عند مالك وأبي داود في المراسيل والبيهقي أن فاطمة وزنت شعر الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم فتصدقت بوزنه فضة. قوله: "وفي وجوب الختان خلاف". أقول: ثبوت مشروعية الختان في هذه الملة الإسلامية أوضح من شمس النهار فما سمع السامعون منذ كان الإسلام وإلى هذه الغاية أن مسلما من المسلمين تركه أو ترخص في تركه أو تعلل بما يحصل من مزيد الألم لا سيما للصبيان الذين لم يجر عليهم قلم التكليف ولا كانوا في عداد من يخاطب بالأمور الشرعية وقد صار مثل هذا الشعار علامة للمسلم تميزه عن الكفار إذا اختلط بهم فالقول بوجوبه هو الحق والاشتغال بالكلام على ما ورد فيه والقدح في بعض طرقه اشتغال بما لا يسمن ولا يغني من جوع فثبوته معلوم بالقطع الذي لا شك فيه ولا شبهة وقد كان يؤمر بذلك أهل الإسلام ويؤمر من أسلم بأن يختتن وفي هذا كفاية مستغنية عن المزيد وقد كان يفعله أنبياء الله ﵈ كما ثبت في الصحيحين البخاري "٣٣٥٦"، مسلم "٢٣٧٠"، وغيرهما أحمد "٢/٢٣٣"، من حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعدما أتت عليه ثمانون سنة"، وقد كان ثابتا في الجاهلية ثبوتا لا ينكره أحد فقرره الإسلام ولا

стр. 791

يصح الاستدلال بحديث: "الختان سنة في الرجال ومكرمة في النساء"، [أحمد "٥/٧٥"] ، لأن السنة تشمل الثابت من سنته ﷺ وآله وسلم أعم من أن يكون واجبا أو مسنونا أو مندوبا على أن هذا الحديث في إسناده من لا يقوم به الحجة مع كونه مضطربا اضطرابا شديدا وقد ذكرت ذلك في شرح المنتقى وذكرت عدم انتهاض الأدلة على الوجوب ولكن الصواب ما هنا.

стр. 792

باب الأطعمة والأشربة [فصل يحرم كل ذي ناب من السبع ومخلب من الطير والخيل والبغال والحمير الأهلية وما لا دم له من البري غالبا وما وقعت فيه ميتة إن أنتن بها وما استوى طرفاه من البيض وما حوته الآية إلا الميتتين والدمين ومن البحري ما يحرم شبهه في البري كالجري والمار ما هي والسلحفاة] . قوله: "باب الأطعمة والأشربة". قوله: "فصل: يحرم كل ذي ناب من السبع وذي مخلب من الطير". أقول: هكذا جاءت السنة الصحيحة الثابتة من طريق جماعة من الصحابة بأنه يحرم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ولا خلاف في ثبوت ذلك وقيام الحجة به فلا يخرج من هذا العموم الشامل إلا ما خصصه الدليل الذي تقوم به الحجة فمن جاءنا بالخاص المقبول فبها ونعمت وجب علينا بناء العام على الخاص ومن لم يأت فهو محجوج بهذا العموم وكلامه رد عليه. ومما ينتهض لتخصيص عموم كل ذي ناب من السباع حديث عبد الرحمن بن عبد الله ابن أبي عمارة قال: قلت لجابر: الضبع أصيد هي؟ قال: نعم قلت: آكلها؟ قال: نعم قلت: أقاله رسول الله ﷺ قال: نعم, أخرجه الشافعي وأحمد "٣/٣١٨، ٣٢٢"، وأهل السنن أبوز داود "٣٨٠١"، الترمذي "١٧٩١"، النسائي "٧/٢٠٠"، ابن ماجة "٣٢٣٦"، والبيهقي وصححه البخاري والترمذي "٥/٢٥٢"، وابن حبان وابن خزيمة وأما إعلال ابن عبد البر لهذا الحديث بعبد الرحمن المذكور فوهم فإنه ثقة مشهور وثقة جماعة من الحفاظ ولم يتكلم فيه أحد وهكذا لا وجه لإعلاله بالإرسال ولم يعارض بشيء يعتد به. قوله: "والخيل". أقول: لم يأت دليل يدل على تحريمها والأصل الحل لعموم قوله عزوجل: ﴿قُلْ لا أَجِدُ

стр. 793

فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ ومع هذا فقد ورد في حل أكلها ما تقوم الحجة ببعضه فثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث جابر أن النبي ﷺ أذن في لحوم الخيل وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أسماء بنت أبي بكر قالت ذبحنا على عهد رسول الله ﷺ فرسا ونحن بالمدينة فأكلناه وفي لفظ لأحمد "٦/٣٤٦، ٣٤٧": "فأكلناه نحن وأهل بيته". وقد أجمع الصحابة على حل الخيل ولم يخالف في ذلك أحد منهم وقد كانت الجاهلية تأكلها في الإسلام وقرر ذلك وما روى عن ابن عباس من أنه قال بكراهيتها فلم يثبت ذلك عنه من وجه صحيح وقد قال بالكراهة الحكم بن عتيبة ومالك وبعض الحنفية والحق الحل بلا كراهة. وأما الاستدلال على التحريم بقوله عزوجل: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ [النحل: ٨] .فساقط لأن الامتنان بنعمة من النعم التي أنعم الله بها على عباده فيما خلقه من الحيوانات لا ينافي غيرهما من النعم هذا على تقدير عدم ورود الأدلة الدالة على الحل فكيف وقد وردت هذه الأدلة التي ذكرناها والبعض منها يكفي وأيضا لو نظرنا إلى الأدلة القرآنية فقط لكان قوله عزوجل: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، الآية وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] ، يدلان بعمومهما على الحل ولا يصلح مجرد الامتنان بنعمة الركوب والزينة لتخصيص عمومهما لعدم الملازمة بين الامتنان والتحريم وأيضا الآية أعني قوله: ﴿لِتَرْكَبُوهَا﴾ مكية بالاتفاق وتحليل الخيل كان بعد الهجرة فلو فرضنا أن فيها دلالة كما زعموا لكانت منسوخة بأدلة التحليل. قوله: "والبغال". أقول: قد ذهب الجمهور إلى تحريمها ولا بد من مخصص لها من عموم قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ وقد أخرج أحمد "٣/٣٦١"، والترمذي "١٧٩٣"، بإسناد لا بأس به من حديث جابر قال: حرم رسول الله ﷺ يوم خيبر لحوم الحمر الإنسية ولحوم البغال وأخرج أحمد "٤/٨٩"، من حديث خالد بن الوليد بأن النبي ﷺ أمر أن ينادى وفيه: "وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها" وقد ضعفه جماعة من أهل الحديث ولكنه معتضد بالحديث الأول وبعموم القرآن وأخرجه أيضا أبو داود "٣٧٩٠"، من حديثه بلفظ نهانا رسول الله ﷺ عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل وأخرجه أيضا ابن حبان وصححه. قوله: "والحمر الأهلية". أقول: الأحاديث الثابتة في تحريم الحمر الأهلية متواترة فمنها في الصحيحين من حديث جابر البخاري "٥٥٢٤"، مسلم "٣٦/١٩٤١"، وابن عمر البخاري "٥٥٢١"، مسلم "٢٤/٥٦١"، وابن عباس البخاري "٤٢٢٧"، مسلم "٢٣/١٩٣٩"، وأنس البخاري "٥٥٢٨"، مسلم "٣٤/١٩٤٠"، والبراء بن عازب

стр. 794

البخاري "٢٢٢٥، ٥٥٢٦"، مسلم "٢٨/١٩٣"، بن الأكوع البخاري "٢٤٧٧"، مسلم "٣٣/١٨٠٢"، وأبي ثعلبة الخشني البخاري "٥٥٢٧"، مسلم "٢٣/١٩٣٦"، وعبد الله بن أبي أوفى البخاري "٥٥٢٥، ٥٥٢٦"، مسلم "٢٦/١٩٣٧" وهو أيضا في صحيح البخاري "٧/٤٥١"، من حديث زاهر الأسلمي وهو في الترمذي من حديث أبي هريرة "١٧٩٥"،والعرباض بن سارية "١٤٧٤"، وهو أيضا عند أبي داود والنسائي من حديث خالد بن الوليد وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وعند أبي داود "٣٨٠٦"، والبيهقي من حديث المقدام بن معد يكرب فالقائل بحلها مخالف لما تواتر عن رسول الله ﷺ . وأما قول جابر بن زيد أنه أبى تحريم الحمر الأهلية البحر ابن عباس وقرأ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [المائدة: ١٣٩] ، الآية فيقال لجابر قد أبى هذا الإباء من البحر ابن عباس هذه البحار الثابتة عن رسول الله ﵌ وهو من جملة رواتها والحجة في روايته لا في رأيه ولو كان بيده رواية لم تقو على مطاولة هذه الجبال الرواسي. وأما التمسك بعموم الآية فإذا لم يصلح لتخصيصها ما ثبت في السنة تواترا لم يصلح شيء من السنة للاستدلال به للقطع بأن المتواتر منها هو أرفع درجاتها وأعلى رتبها وما استلزم الباطل المجمع على بطلانه باطل بالإجماع. وأما ماأخرجه أبو داود "٣٨٠٩"، عن غالب بن أبجر قال أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر فأتيت النبي ﷺ فقلت إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة قال: "أطعم أهلك من سمين حمرك فإنما حرمتها من أجل جوال القرية"، فلا يقوم به الحجة لما في إسناده من الضعف وفي متنه من الشذوذ هذا على تقدير عدم المعارض له فكيف وهو خلاف ما تواتر من السنة. وأما الحمر الوحشية فالإجماع على حلها ثابت وقد صادها الصحابة وأكلوها وأكلها رسول الله ﷺ والأمر أواضح من أن يحتاج إلى التنبيه عليه. قوله: "وما لا دم له من البري". أقول: قد عرفت أن القرآن قد دل على أصالة الحل فلا يخرج عنه إلا ما دل الدليل الصحيح على تحريمه وأما استدلال من استدل على تحريم الأكل بكون الحيوان مأمورا بقتله منهيا عن قتله فهذا استدلال آخر وهو أن الأمر بالقتل أو هو النهي عن القتل يقتضيان تحريم المأمور بقتله أو المنهي عن قتله ولا دليل على ذلك. وأما الاستدلال على تحريم ما تستخبثه بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون:٥١] ، وبقوله: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٧، ١٧٢] ، فغاية ذلك الأمر بأكل ما طاب من دون تعرض للمنع من أكل ما لم يطب وهو المستخبث إلا على القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده وهو هنا بعيد ولكن إذا ضم إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، أفاد المطلوب من تحريم الخبائث.

стр. 795

وأما قوله: "وما وقعت فيه ميتة إن أنتن بها" فوجهه أنه قد صار مستخبثا. وأما قوله: "وما استوى طرفاه من البيض" فلعل وجه هذا الاستقراء ولا يستوي الطرفان إلا في بيض ما يحرم بيضه ولا فائدة لهذا التنصيص على هذا الجزئي بل ما كان حراما كان بيضه حراما وكذلك جميع أجزائه وجميع ما ينفصل عنه. وأما قوله وما حوته الآية فظاهر. وأما استثناء الميتتين والدمين فوجه ذلك ما ورد من قوله ﷺ : "أحل لكم ميتتان ودمان"، كما تقدم وهو يخصص عموم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] . قوله: "ومن البحري ما يحرم شبهه في البري". أقول: هذه الكلية محتاجة إلى دليل فإن حيوانات البحر قد دخلت تحت قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ وما ورد في معناه واختصت بقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ، وقوله ﷺ : "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، فلا وجه للقول بتحريم ما يشابه ما حرم من البري بل يقال الأصل حل كل حيوان بحري إلا ما أخرجه الدليل من هذا الأصل ومن عموم الأدلة أو كان مستخبثا لما تقدم. [فصل ولمن خشي التلف سد الرمق منها ويقدم الأخف فالأخف إلى بضعة منه وندب حبس الجلالة قبل الذبح وإلا وجب غسل المعاء كبيضة الميتة ويحرم شم المعضوب ونحوه كالقبس لا نوره ويكره التراب والطحال والضب والقنفذ والأرنب والوبر] . قوله: "فصل: ولمن خشي التلف سد الرمق منها". أقول: كان يحسن من المصنف أن يقتدي بعبارة القرآن الكريم في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، فمجرد حصول الضرورة إلى الأكل من الميتة مسوغ لأكلها وإن لم يخش التلف ويجوز له أن يأكل منها ما يكفيه ولا يلزمه الاقتصار على مجرد سد الرمق وحكم غير الميتة من المحرمات حكمها لأن تحريمها لا يزيد على تحريم الميتة ولهذا وقع الاستثناء في الكتاب العزيز بقوله: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] ، ولكنه ينبغي تقديم ميتة المأكول على غير المأكول لأن استخباث النفس لميتة المأكول دون استخباثها لميتة غير المأكول وهو معنى قول المصنف ويقدم الأخف فالأخف. وأما قوله: "إلى بضعة منه" فلا شك أن في هذا إضرار بالنفس فإن كان دون ضرر الجوع فعل وذلك بأن يخشى إن بقي على الجوع أن ينتهي إلى الموت ولا يخشى مثل ذلك في أكل بضعة من نفسه.

стр. 796

قوله: "وندب حبس الجلالة قبل الذبح". أقول: قد ثبت النهي عن أكل لحمها كما أخرجه أحمد وأبو داود "٣٧٨٥"، وابن ماجة "٣١٨٩"، والترمذي ١٨٢٤"، وحسنه بلفظ نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها وأخرج أحمد "٢/٢١٩"، وأبو داود "٣٨١١"، والنسائي "٤٤٤٧"، والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية وعن الجلالة عن ركوبها وأكل لحومها وفي الباب عن أبي هريرة في النهي عن الجلالة قال ابن حجر وإسناده قوي وثبت أيضا النهي عن شرب لبنها من حديث ابن عباس عند أحمد "١/٢٢٦، ٣٢١، ٣٣٩"، وأبي داود "٣٧٨٦"، والترمذي "١٨٢٥"، والنسائي "٤٤٤٨"، وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه الترمذي وابن دقيق العيد وظاهر هذه الأحاديث التحريم لأنه حقيقة النهي فلا يجوز ذبحها قبل الحبس فإن فعل كان أكلها حراما لا كما قال المصنف وإلا وجب غسل المعاء كبيضة الميتة فإنه لا دليل يدل على أن هذا الغسل محلل لذلك المحرم. قوله: "ويحرم شم المغضوب". أقول: المحرم هو أن يأتي إلى العين المغصوبة فيشتمها لا إذا فاحت رائحتها في الهواء فوصلت إلى محل الشم من الذي يقصد ذلك فإن هذا لا تحريم فيه والتكليف به تكليف بما لا يطاق وهو لم يشتم نفس المغصوب إنما كان ذلك بتموج الهواء وإيصال بعض أجزائه لتلك الرائحة إلى بعض. وأما قوله: "ونحوه كالقبس" فقد تقدمت الأدلة الدالة على الاشتراك في النار فلا بد من مخصص يخصص هذا من عموم أدلة الاشتراك. وأما قوله: "لا نوره" فكان على المصنف أن يجعله كالشم لأنها أعراض منفصلة من النار كانفصال أعراض الرائحة من الطيب ولا فرق بينهما إلا كون هذا العرض النوري من الأعراض المدركة بحاسة البصر ورائحة الطيب من الأعراض المدركة بحاسة الشم والحق ما عرفناك من أن ذات النار فضلا عن لهبها فضلا عن مجرد نورها مشتركة بين العباد. قوله: "ويكره التراب". أقول: وجهه أنه مما يضر بالبدن ويؤدي إلى التلف كما ذلك معلوم بالوجدان في كلم من حبب إليه أكل نوع من أنواع التراب وحفظ النفس واجب وقد قال الله عزوجل: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وقد ثبت في السنة أن قاتل نفسه يخلد في النار ولا فرق بين سبب وسبب فهذا يدل على تحريم أكل التراب وأما إنكار مجرد الكراهة لعدم صحة الأدلة الواردة في النهي عن التراب فمن ضيق العطن. قوله: "والطحال".

стр. 797

أقول: ليس على هذه الكراهة أثاره من علم بل القول بها دفع لما ثبت في حديث: "أحل لنا ميتتان ودمان الكبد والطحال والسمك والجراد" وقد ادعى بعض أهل العلم الإجماع على عدم الكراهة ويقدح في دعوى هذا الإجماع حكاية الترمذي في سننه عن بعض أهل العلم أنه يقول بكراهته. قوله: "والضب". أقول: الأحاديث الصحيحة الثابتة في الصحيح قد دلت على أنه حلال كما في قوله ﷺ : "كلوا فإنه حلال ولكنه ليس من طعامي"، كما في صحيح مسلم [البخاري "٧٢٦٧"، مسلم "٤٢/١٩٤٤"، وغيره [أحمد "٢/١٣٧"، وكما في الصحيحين [البخاري "٥٣٩١"، مسلم "٤٤/١٩٤٦"] ، وغيرهما [أبو داود "٣٧٩٤"، النسائي "٤٣٢٦"، ابن ماجة "٣٢٤١"] ، عن خالد بن الوليد أنه قال للنبي ﷺ : أحرام الضب يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه"، قال خالد فاجتررته فأكلته ورسول الله ﷺ ينظر فهذا يدل دلالة بينة أنه حلال وأنه لم يترك أكله ﷺ إلا لكونه ليس مما يؤكل في أرض قومه فعافه ومثل هذا لا تثبت به الكراهة. وقد ثبت عند مسلم "٤٩/١٩٥٠"، وغيره من حديث عمر بن الخطاب أنه قال: إن رسول الله ﷺ لم يحرمه. وأما ما روى من حديث أبي سعيد عند مسلم وغيره أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فقال إني في غائط مضبة وإنه عامة طعام أهلي فلم يجبه فقلنا: عاوده فعاوده فلم يجبه ثلاثا ثم ناداه رسول الله ﷺ في الثالثة فقال: "يا أعرابي إن الله لعن أو غضب على سبط من بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في الأرض ولا أدري لعل هذا منها فلست آكلها ولا أنهي عنها"، فينبغي أن يحمل على أنه ﷺ قال هذا قبل أن يعلم أن الله سبحانه لم يجعل لممسوخ نسلا كما في صحيح مسلم "٣٣/٢٦٦٣"، وغيره أحمد "٤/٢٥٨، ٢٥٩"، فلا يصح أن يكون هذا التردد منه ﷺ في كونه مما مسخ علة في الكراهة فقد تبين في قوله: "أنه لا نسل لممسوخ". وأما ما روي من النهي عن أكل الضب فقد ضعف الأئمة الحفاظ هذا الحديث فهو لا يصلح للحجة على فرض انفراده عن المعارض فكيف وقد عورض بما هو أوضح من شمس النهار وأما دعوى ابن حجر أن إسناده حسن فلا يصح ذلك ردا لما علله به الحفاظ من العلل القادحة ولو قدرنا أنه حسن لم ينتهض لمعارضة شيء من أدلة الحل قال النووي وأجمع المسلمون على أن الضب حلال ليس بمكروه إلا ما حكي عن أصحاب أبي حنيفة من كراهته وإلا ما حكاه القاضي عياض عن قوم أنهم قالوا هو حرام وما أظنه يصح عن أحد فإن صح عن أحد فمحجوج بالنصوص وإجماع من قبله انتهى. ولو قدرنا أنه ورد شيء على الكراهة كان حمله على أن ذلك قبل أن يتبين حال الضب أن ليس بممسوخ متعينا فليس في المقام ما يصلح للاحتجاج به على الكراهبة أصلا.

стр. 798

قوله: "والقنفذ". أقول: هو من حشرات الأرض وقد أخرج أبو داود "٣٧٩٨"، عن ملقام بن تلب عن أبيه قال: صحبت رسول الله ﷺ فلم أسمع لحشرات الأرض تحريما, قال البيهقي وإسناده غير قوي ولكنه أخرج أحمد "٢/٣٨١"، وأبو داود "٣٧٩٩"، من حديث أبي عيسى ابن نميلة الفزاري عن أبيه قال كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ فتلا هذه الآية: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، الآية فقال: شيخ عنده سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﷺ فقال: "خبيثة من الخبائث"، فقال ابن عمر إن كان قال رسول الله هذا فهو كما قال قال الخطابي ليس إسناده بذاك وقال البيهقي إسناده غير قوي ورواية شيخ مجهول وقال ابن حجر في بلوغ المرام إسناده ضعيف فعلى هذا لا تقوم به الحجة في تحريم القنفذ ولا في كراهته وأما إسحاق بن نميلة فقد ذكره ابن حبان في الثقات. والحاصل أن القول بكراهته فقط غير صواب لأنه إن كان الدليل على ذلك حديث أبي عيسى بن نميلة فهو يدل على التحريم وإن كان الدليل على ذلك غيره فما هو والأصل الحل بدليل الكتاب العزيز كما قدمنا الإشارة إلى ذلك ومما يدل على هذه الأصالة ما أخرجه الترمذي وابن ماجة من حديث سلمان الفارسي قال سئل رسول الله ﷺ عن السمن والجبن والفراء فقال: "الحلال ما أحل الله في كتابه والحرام ما حرم الله في كتابه وما سكت عنه فهو مما عفا لكم عنه"، وأخرجه أيضا الحاكم في المستدرك. وأخرج البزار وقال سنده صالح والحاكم صححه من حديث أبي الدرداء رفعه بلفظ: "ما أحل الله في كتابه فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئا"، وتلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ [مريم: ٦٤] . وأخرج الدارقطني من حديث أبي ثعلبة رفعه إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: "إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته"، وفي الصحيحين [البخاري "البخاري "٦٨٥٨"، مسلم "١٣٣٧"، أيضا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، وفي الباب أحاديث شاهدة لثبوت أصالة الحل في كل شيء ما لم ينقل عنه ناقل تقوم به الحجة. قوله: "والأرانب". أقول: استدلوا على الكراهة بما أخرجه وأحمد والنسائي بإسناد رجال ثقات من حديث أبي هريرة قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ بأرنب فلم يأكل وأمر أصحابه أن

стр. 799

يأكلوا, ولا دليل في هذا على الكراهة لأن إمساك النبي ﷺ يمكن أن يكون لسبب من الأسباب كعدم الإلف لأكلها أو عدم انبعاث الشهية إليها. ومثل هذا الحديث من الدلالة على الحل وعدم الكراهة ما أخرجه أحمد "٣/٤٧١"، وأبو داود "٢٨٢٢"، والنسائي ٧/١٩٧"، والترمذي "١٤٧٢"، وابن ماجه "٣١٧٥"، ٣٢٤٤"، وابن حبان والحاكم من حديث محمد بن صفوان أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين فأتى رسول الله ﷺ فأمره بأكلهما. وكذلك ما في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قال أنفجنا أرنبا بمر الظهران فسعى القوم فلغبوا وأدركتها وأخذتها فأتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث إلى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها فقبله قال ابن حجر في الفتح: والقول بحل الأرنب هو قول العلماء كافة إلا ما جاء في كراهتها عن عبد الله بن عمرو بن العاص من الصحابة وعن عكرمة من التابعين وعن محمد بن أبي ليلى من الفقهاء واحتجوا بحديث خزيمة بن جزء قال: قلت: يا رسول الله ما تقول في الأرنب؟ قال: "لا آكله ولا أحرمه" قلت: ولم يا رسول الله؟ قال: "نبئت أنها تدمى" قال ابن حجر: وسنده ضعيف ولو صح لم يكن فيه دلالة على الكراهة. [فصل ويحرم كل مائع وقعت فيه نجاسته لا جامد إلا ما باشرته والمسكر وإن قل إلا لعطش متلف أو إكراه والتداوي بالنجس وتمكينه غير المكلف وبيعه والانتفاع به إلا في الاستهلاك واستعمال آنية الذهب والفضة والمذهبة والمفضضة ونحوها وآلة الحرير إلا للنساء ويجوز ما عدا ذلك والتجمل بها] قوله: فصل: "ويحرم كل مائع وقعت فيه نجاسة لا جامد إلا ما باشرته". أقول: استدلوا على هذا بما أخرجه البخاري وغيره من حديث ميمونة أن رسول الله ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم" وفي لفظ من هذا الحديث لأبي داود "٣٨٤٣"، والنسائي "٤٢٦٠"، أنه ﷺ عن الفأرة تقع في السمن فقال: "إن كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه"، وفيه التفرقة بين الجامد والمائع. وأخرج أحمد وأبو داود "٣٨٤٢"، عن حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله ﷺ عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال: "إن كان جامدا فخذوها وما حولها ثم كلوا ما بقي وإن

стр. 800

كان مائعا فلا تقربوه"، فتعين حمل رواية ميمونة على السمن الجامد ودلت الرواية الأخرى منه وكذلك حديث أبي هريرة على أنه لا يحل قربانه إذا كان مائعا وهو معنى التحريم فما قاله المصنف هو مدلول ما ذكرناه من الحديثين ولم يعارض ذلك شيء تقوم به الحجة. قوله: "والمسكر إن قل". أقول: قد ثبت تحريم الخمر بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين أولهم وآخرهم لم يخالف في ذلك أحد منهم وثبت عنه ﷺ في الأحاديث الصحيحة الثابت ثبوتا متواترا أنه قال: "كل مسكر خمر وكل خمر حرام"، [مسلم "٧٤/٢٠٠٣"، أب داود "٣٦٧٩"، الترمذي "١٨٦١"، النسائي "٥٥٨٢"] ، وثبت عنه ﷺ في أحاديث أنه قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام"، [أحمد "٢*٩١"، ابن ماجة "٣٣٩٢"] ، فحصل على مجموع الأدلة أن كل مسكر من أي نوع خمر وتحريم الخمر ثابت بالضرورة الدينية وأن ما سكر كثيره فقليله حرام فلا يحل نوع من أنواع المسكر قليلا كان أو كثيرا وأما النبيذ فلا دخل له في الكلام على تحريم الخمر فإن الاتفاق كائن على أنه إذا أسكر كان حراما وأن الذي وقع فيه الخلاف منه هو ما ليس بمسكر والمسألة طويلة الذيول كثيرة النقول واسعة الأطراف رحبة الأكناف وقد أوضحنا الكلام فيها في شرحنا للمنتقى فمن أحب الوقوف على حقيقة الحال فليرجع إليه. وأما قوله: "إلا لعطش متلف" فللضرورة حكمها لا سيما إذا بلغت إلى حد خشية التلف وقد أباح الله للمضطر في كتابه العزيز ما حرمه على غيره واستثنى حالة الاضطرار للمضطرين فذلك حال مخالف لغيره من الأحوال وهكذا المكره فإنه سبحانه قد رفع عنه الخطاب كما قدمنا من الأدلة. قوله: "والتداوي بالنجس". أقول: ما حرم الله سبحانه فهو حرام في جميع أحواله ومن ادعى أنه يحل في حالة خاصة وهي حالة التداوي احتاج إلى دليل بخصوص هذا العموم وإلا فعموم الأدلة يرد عليه قوله ويدفع دعواه وهكذا النجس يحرم التلوث به وملابسته في جميع الأحوال فمن ادعى أنه يجوز في حالة التداوي فعليه الدليل المخصص لهذا العموم وإلا كان قوله ردا عليه. وإذا تقرر لك هذا علمت أن المدعي بجواز التداوي بالحرام والنجس هو المطالب بالدليل لا المانع من ذلك فإن مجرد قيامه مقام المنع يغنيه حتى يزحزحه الدليل فلا يطالب لشيء في قواعد المناظرة لأنه قائم مقام المنع ومتمسك بالأدلة العامة الشاملة لمحل النزاع. ومع هذا فقد ورد الدليل الدال على المنع من التداوي بالحرام فأخرج أبو داود من حديث أبي الدرداء قال قال رسول الله ﷺ : "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بحرام"، وما قيل من أن في إسناده إسماعيل بن عياش فهو إنما يضعف في روايته عن الحجازيين لا في روايته عن الشاميين وهو هنا روى هذا الحديث عن ثعلبة بن مسلم الخثعمي وهو شامي ثقة.

стр. 801

ويؤيده ما أخرجه مسلم وأحمد "٢/٣٠٥"، والترمذي "٢٠٤٥"، وابن ماجه "٢٤٥٩"، من حديث أبي هريرة قال: نهى رسول الله ﷺ عن الدواء الخبيث ومعلوم أن الحرام خبيث وأن النجس خبيث. وثبت عند مسلم "١٢/١٩٨٤"، وأحمد "٤/٣١٧"، وأبي داود "٣٨٧٣"، والترمذي "٢٠٤٦"، وصححه من حديث وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي ﷺ على الخير فنهاه عنها فقال إنما أصنعها للدواء فقال: "إنه ليس بدواء ولكنه داء". ولا يعارض هذه الأدلة إذنه ﷺ للعرنين أن يشربوا من أبوال الإبل للتداوي بها فإن الخلاف في كونها نجسة أو محرمة معروف مقرر في مواطنه وعلى تقدير أنها نجسة أو محرمة فينبغي بناء العام على الخاص فيكون حديث العرنين مخصصا لتلك الأدلة العامة ولما ذكرناه بعدها. قوله: "وتمكينه غير المكلف" أقول: هذا نبأ وغريب وتكليف عجيب لا يرجع إلى عقل ولا نقل ولا رواية ولا دراية ولم نسمع من أيام النبوة إلى هذه الغاية أن منكرا أنكر على من ألقى إلى الكلاب الميتة التي نحرت من دوابه ولا روي عن فرد من أفراد المسلمين أنه تورع في ذلك فأي معروف في مثل هذا؟ وأي منكر يكون من غير بني آدم حتى يجب علينا أن نحول بينه وبينه فإنه لا خلاف أن هذه التكاليف الشرعية إنما هي على بني آدم وليس من تكليفهم أن يمنعوا من لا تكليف عليه مما لم يكلف به نعم علينا إذا رأينا سبعا قد صال على إنسان وعلى ماله أن ندفع عنه ذلك الصائل بحسب الإمكان ولكن دفعه ليس إلا الاحترام مال الآدمي ودمه كإنقاذ الغريق فما لنا والتحريم تمكينه من الميتة ونحوها. وأما قوله: "وبيعه" فوجهه الحديث الصحيح الذي تقدم في البيع إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وهكذا قوله والانتفاع به لأن الملابسة للنجس غير جائزة على كل حال فلا بد أن يحمل قوله إلا في الاستهلاك على عدم المباشرة والتلوث وإلا فذاك حرام على كل حال. فإن قلت: قد أذن ﷺ كما صح عنه في الانتفاغ بإهاب شاة ميمونة التي ماتت وقال لهم هلا انتفعتم بإهابها وقالوا: يا رسول الله إنها ميتة؟ قال: "أليس في القرظ ما يطهرها"، فقوله: "أليس في القرظ ما يطهرها"، يعني الذبح كما في حديث: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" يدل على أن الإهاب كان عند سلخه من الميتة نجسا وكذلك بعد سلخه ومعالجته بالدبغ هي من المباشرة للنجس لأنه لا يطهر حتى يصير مدبوغا فقد وقعت ها هنا المباشرة للنجس والملابسة له. قلت: يكون هذا خاصا بمثل هذه المنفعة فلا يجوز قربان شيء من النجس إلا ما أذن به الشرع على أنه قد ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "إنما حرم من الميتة أكلها"، [البخاري

стр. 802

"٣/٣٥٥"، مسلم "١٠٠/٣٦٣"، هكذا بصيغة الحصر وقد تقدم الكلام على نجاسة الميتة في كتاب الطهارة. قوله: "واستعمال آنية الذهب والفضة" الخ. أقول: الأصل الحل كما يفيده قوله عزوجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] ، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] ، فلا ينقل عن هذا الأصل المدلول عليه بعموم الكتاب العزيز إلا ما خصه دليل ولم يخص الدليل إلا الأكل والشرب في آنية الذهب والتحلي بالذهب للرجال فالواجب الاقتصار على هذا الناقل وعدم القول بما لا دليل عليه بما هو خلاف الدليل ولم يرد غير هذا فتحريم الاستعمال على العموم قول بلا دليل وما كان ربك نسيا. وأما الآنية المذهبة والمفضضة فإن صدق عليها بذلك التذهيب والتفضيض أنها من آنية الذهب والفضة حرام الأكل والشرب فيها وإن لم يصدق عليها ذلك كما هو المعلوم لم تحرم وغاية ما هنا ألا يضع فمه على الموضع الذي فيه الذهب والفضة والعجب من مجاوزة محل التخصيص إلى أبعد مكان حتى قال المصنف ونحوها وفسره بالجواهر فليت شعري ما هذا التجري على التحريم على عباد الله سبحانه بما لم يأذن الله به وقد قرن ذلك بما قرنه في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ﴾ الأعراف:٣٣] ، إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ومع هذا امتن الله سبحانه على عباده بلبس الجواهر البحرية فقال: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ [فاطر: ١٢] ، ومن غيره فقال تلبسها نساؤكم فهو إنما عهد إلى القرآن الكريم فقيده بكلام من قلده وهذه غفلة عظيمة لا ينجو منها إلا من رزقه الله الفهم الصحيح والإنصاف الخالص. وهكذا لا وجه لقوله وآلة الحرير إلا للنساء فإنه لم يرد على تحريم آلة الحرير على الرجال قط وإنما ورد ما ورد في لبسه وسيأتي الكلام عليه في اللباس إن شاء الله. وأما قوله: "والتجمل بها" فوجهه أن ذلك مما أحله الله ولم يحرمه كما لم يحرم استعمال الذهب والفضة في غير الأكل والشرب والتحلي بالذهب فالكل حلال طلق أباحه الذي خلقه لعباده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. [فصل وندب من الولائم التسع وحضورها حيث عمت ولم تعد اليومين ولا منكر وإجابة المسلم وتقديم الأول ثم الأقرب نسبا ثم بابا وفي الأكل سننه العشر والمأثورات في الشرب وترك المكروهات فيهما]

стр. 803

قوله: فصل: "وندب من الولائم التسع" الخ. أقول: الوليمة في لسان أهل الشرع هي خاصة بالعرس لا تتناول غيره وقد وردت الأدلة بالترغيب فيها والأمر بها وكذلك وردت الأدلة بمشروعية الإجابة إليها وقد أوضحنا ذلك في شرح المنتقى ومن زعم أنه يقال لغير العرس وليمة فعليه الدليل ولا تلازم بين مشروعية الذبح وكونه يقال له وليمة وإلا لزم في أنواع الضيافات أن يقال لها ولائم لأنه قد ورد الترغيب في ذلك على العموم وهكذا يلزم من الضحايا والهدايا ولا وجه لذلك لا من شرع ولا من لغة. وإذا عرفت هذا فالعقيقة مثلا قد وردت الأدلة بمشروعيتها كما تقدم ولا يقال لها وليمة ولا تندرج تحت الأحاديث المصرحة بالترغيب في الوليمة والترغيب في الإجابة إليها ما ذكره المصنف لا دليل عليه ولا يثبت في مشروعيته شيء يصلح للاحتجاج به أصلا. وأما أمره ﷺ بأن يصنع لآل جعفر طعام فذلك سببه اشتغالهم بما دهمهم من المصيبة عن أن يصنعوا لأنفسهم أو لمن يرد عليهم طعاما وهذا مأتم لا وليمة وترح لا فرح ومصيبة لا مسرة فجعله من الولائم من أعجب ما يسمع السامعون. قول: "وحضورها حيث عمت". أقول: لم يرد ما يدل على مشروعية الحضور إلا في العرس فقط فدعوى مندوبية الحضور إلى هذه التسع التي ذكرها كله هو من بناء الباطل على الباطل كما عرفناك ومعلوم أن مراد المصنف حضور من دعى إليها لا حضور من لم يدع فإن ذلك تطفل فترك التقييد بهذا للعلم به وأما اشتراط كونها تعم الغني والفقير فلم يرد ما يدل على تقييد ما صح عنه ﷺ من قوله: "من دعي إلى الوليمة فليأتها" [البخاري "٩/٢٤٠" مسلم "٩٦/١٤٢٩"] ، بهذا الشرط ولا تلازم بين كون طعامها شر الطعام وبين ترك حضورها فإن هذه الشرية الكائنة في الطعام إنما جاءت من جهة صاحب الوليمة وكونه دعا إليها الأغنياء دون الفقراء وأما المدعو إليها فقد اتبع السنة بالإجابة. قوله: "ولم تعد اليومين". أقول: التقييد بالأيام ورد في الضيافة لا في الوليمة وقد قدم المصنف ﵀ الكلام على الضيافة وذكر هنا الولائم وذلك يفيد أن هذه الولائم غير الضيافة عنده فتقييد أحدهما بما ورد في الآخر غير صواب ثم على تقدير أنه يصدق على هذه الولائم عنده أنها ضيافة فكان عليه أن يقول ولم يتعد الثلاث لما ثبت في الصحيحين [البخاري "٦١٠٩، ٦٤٧٦"، مسلم "١٤/٤٨"] ، وغيرهما [الترمذي "١٧٦٧، ١٧٦٨"، ابن ماجة "٣٦٧٥"] ، من حديث ابن شريح الخزاعي مرفوعا بلفظ: "والضيافة ثلاثة أيام فما كان كان وراء ذلك فهو صدقة ولا يحل أن يثوى عنده حتى يحرجه" وأما ما ورد "أن الوليمة في اليوم الأول حق وفي اليوم الثاني معروف ومن الثالث رياء وسمعة"، [أبو داود "٣٧٤٥"، أحمد "٥/٢٨"، فهو مما لا تقوم به الحجة وإن كان له طرق لا سيما مع معارضته لهذا الحديث الثابت في الصحيح.

стр. 804

ويمكن الجمع على تسليم انتهاض الحديث بأن اليوم الثالث وإن كان من أيام الضيافة لكنه ربما يصحبه الرياء والسمعة فيكون الاقتصار على اليومين أولى وربما لا يصحبه فيكون الثلاثة الأيام أولى لقوله ﷺ : "والضيافة ثلاثة أيام". قوله: "ولا منكر". أقول: وجهه أن الضيافة التي شرعها الشارع من وليمة أو غيرها ليس المراد بها إلا ما كانت واقعة على وجه الشرع خالية عن معاصي الله فإن كانت على غير الصفة الشرعية فليست الضيافة ولا الوليمة التي ندب الشارع إليها وتوعد من لم يجب إليها فإنه عصى الله ورسوله كما صح ذلك عنه ﷺ . وإذا عرفت هذا فلا حاجة إلى الاستدلال على اشتراط عدم وجود المنكر في مشروعية الحضور والإجابة ولا سيما إذا كان التبرع بالاستدلال على ذلك لا يسمن ولايغني من جوع. قوله: "وإجابة المسلم". أقول: قد اجتمع في إجابة دعوة العرس الأمر والوعيد وكل ذلك ثابت في الصحيح أما الأمر فقوله ﷺ : "إذا دعي أحدكم إلى الوليمة فليأتها"، وأما الوعيد فلوصفه ﷺ : "من لم يجب فقد عصى الله ورسوله". وأما قوله والأول فبذلك وردت السنة وكذلك تقديم الأقرب جوارا هو الأقرب بابا وأما تقديم الأقرب نسبا فلم يرد ما دل عليه على الخصوص ودعوى تقديمه على الجار مخالفة لقوله ﷺ : "إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما إليك بابا فإن أقربهما إليك بابا أقربهما جوارا وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق"، [أحمد "٥/٤٠٨"، أبو داود "٣٧٥٦"] ، فإنه لا يعارض هذا الخاص الاستدلال بمثل قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥] ، فإنه على تقدير عموم هذه الأولوية وتناولها لما نحن بصدده هي مخصصة بهذا الحديث وهو صالح للاحتجاج به وقد عرفت أن دلالة العموم ظنية لا سيما إذا كان شمولها للمتنازع فيه بعيدا جدا كما هنا. قوله: "وفي الأكل سننه العشر". أقول: وقد ذكر المصنف في شرحه هذه العشر وأكثرها لا دليل عليه قط وقد ثبت في السنة المطهرة ما يغني عن اختراع السنن بمجرد الرأي وهي إذا تتبعت كانت أكثر من عشر وفي أدلة بعضها ما يدل على وجوب فعله وهكذا آداب الشرب وتعداد جميع ذلك ها هنا يحتاج إلى بسط وليس المراد لنا في هذه التعليقة على هذا الكتاب إلا بيان ما هو صواب من مسائله أو أخطأ وكذلك الإشارة إلى دفع ما اعترض به عليه إذا كان الاعتراض على خلاف الصواب كما قدمنا الإشارة إلى ذلك في الخطبة. وأعلم أن مكروهات الأكل والشرب هي ما كانت على خلاف ما علمنا الشارع من آدابهما

стр. 805

وقد يكون بعض هذه المكروهات كراهة حظرية وذلك فيما نهى عنه الشارع كالأكل بالشمال فإنه ثبت في الصحيحين [البخاري "٩/٥٢١، ٩/٥٢٣"، مسلم "١٠٨، ١٠٩/٢٠٢٢"] ، وغيرهما أبو داود "٣٧٧٧"، الترمذي "١٨٥٧"، ابن ماجة "٢٣٦٧"، أحمد "٤/٧٦"، المر بالأكل باليمين وثبت في مسلم وغيره النهي عن الأكل بالشمال. والحاصل أن آداب الأكل والشرب واجبها ومندوبها ومحظورها وها هو دونها في الكراهة مع إيضاح الكلام عن كل دليل في ذلك وبيان وجه دلالته وما يستفاد منها لا يفي به إلا مؤلف مستقل.

стр. 806

باب اللباس [فصل يحرم على الذكر ويمنع الصغير من لبس الحلي وما فوق ثلاث أصابع من حرير خالص لا مشوب فالنصف فصاعدا ومن المشبع صفرة وحمرة إلا الإرهاب أو ضرورة أو فراش أو جبر سن أو أنف أو حلية سيف أو طوق درع أو نحوها ومن خضب غير الشيب] . قوله: "باب اللباس". قوله: فصل: "ويحرم على الذكر ويمنع الصغير من لبس الحلي". أقول: أما حلية الذهب فلا شك لورود الأدلة الدالة على تحريمه قليلها وكثيرها وأما حلية الفضة فالمانع يحتاج إلى الدليل لأن الأصل الحل وقد دل على هذا الأصل قوله عزوجل: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراق: ٣٢] ، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٩] ، مع ما ثبت من أن سيفه ﷺ كان فيه فضة ومع قوله ﷺ : "عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم". [أبو داود "٤٢٣٦"، أحمد "٢/٣٧٨"] . وأما الاستدلال بأن في ذلك تشبها بالنساء فهو مصادرة على المطلوب لأن القائل بالجواز يقول إن التحلي بالفضة لا يختص بالنساء بل الرجال والنساء فيه سواء وإن كان استعمال كل واحد من النوعين لنوع خاص من حلية الفضة فلا يشبه أحدهما في ذلك النوع الخاص به لا في مطلق التحلي فلا مانع من أن يحلى الرجل سلاحه ومنطقته بالفضة. قوله: "وما فوق ثلاث أصابع من حرير خالص". أقول: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه جوز أربع أصابع [البخاري"١٠/٢٨٤"، مسلم

стр. 807

"١٢/٢٠٦٩"، أبو داود "٤٠٤٢"، الترمذي "١٧٢١"، النسائي "٨/٢٠٢"، ابن ماجة "٣٥٩٣"] ، ومنه مما زاد عليها فكان الأولى أن يقول المصنف وما فوق أربع أصابع. وأما الكلام على لبس مطلق الحرير فالأدلة الدالة على المنع منه هي أوضح من شمس النهار كما في قوله ﷺ : "لا ينبغي هذا للمؤمنين"، البخاري "١٠/٢٦٩"، وقوله: "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة"، البخاري "١٠/٢٨٤"، مسلمك "١١/٢٠٦٩"، وقوله: "إنما يلبسه من لا خلاق له في الآخرة"، البخاري "١٠/٢٨٥"، مسلم "٧/٢٠٦٨"، ووردت أحاديث بصريح النهي ووردت أحاديث بصريح التحريم كما في حديث: "إن هذين حرام على ذكور أمتي" [أحمد "١/١١٥"، أبو داود "٤٠٥٧"، النسائي "٥١٤٥"، ابن ماجة "٣٥٩٥"] ، وحديث: "حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي"، [أحمد "٤/٣٩٤، ٤٠٧"، النسائي "٥١٤٨"، الترمذي "١٧٢٠"] ، وقد أوضحت المقام في شرحي للمنتقى بما لا يحتاج الناظر فيه إلى غيره فليرجع إليه حتى يقف على الحقيقة قي خالصه ومشوبه وما يباح منه وما لا يباح وقد دارت بيني وبين شيخي السيد الإمام عبد القادر بن أحمد الكوكباني ﵀ في الحرير رسائل تكاثر عددها وتزايد مددها وكان ذلك أيام قراءتي عليه. قوله: "والمشبع صفرة وحمرة" أقول: إنما ورد النهي عن الثوب المعصفر وهو المصبوغ المعصفر وصبغ العصفر يكون أحمر على نوع خاص من أنواع الحمرة فلا يعارض هذا ما ثبت من لبسه ﷺ للحلة الحمراء لإمكان الجمع بأن تلك الحلة الحمراء كانت مصبوغة بغير العصفر ولم يرد في مطلق الصفرة أو الحمرة ما يقتضي التحريم ولا في نوع خاص من ذلك وهو المشبع فأعرف هذا وقد جمعت في هذا رسالة وجوب سؤال من بعض أهل العلم. قوله: "إلا الإرهاب". أقول: الإرهاب للعدو إنما يكون العدد والمدد والعدة والشدة والسلاح المعد للكفاح ولهذا يقول الله عزوجل: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] ، وأي إرهاب يحصل في صدر العدو لمن تظاهر له في الحلى والحلل فإن هذا اللابس إنما تشبه بريات الحجال وخرج من عديد الرجال وهل يقول عاقل إن ملابس النساء تؤثر شيئا من المهابة في صدر أحد من بني آدم وما أحسن قول أبي العتاهية في ابن معن بن زائدة. فما تصنع بالسيـ ... ـف إذا لم يك قتالا فكسر حلية السيـ ... ـف وصغ من ذاك خلخالا فإنه ها هنا أمره أن ينزع الحلية المختصة بالرجال ويجعل مكانها الحلية المختصة بالنساء لمشابهته لهن ومهانته عند الناس. والحاصل أن الترهيب على العدو هو مقصد من مقاصد الشرع ولكنه لا يكون إلا بما

стр. 808

عرفناك لا بما أراده المصنف فإن هذا لا يجري على شرع ولا عرف ولا رواية ولا دراية وإنما هو من صنيع النساء ومن يشابههن من المترفين. قوله: "أو ضرورة". أقول: هذه الضرورة إن كانت هي الضرورة للتداوي فقد ثبت في السنة المطهرة ما يدل على أن التفويض أفضل فلا ضرورة أيضا فلو قدرنا أن شيئا من ذلك يصلح للتداوي به لكان من التداوي بالحرام وقد تقدم الكلام عليه وإن كانت هذه الضرورة هي الحاجة الضرورية للبس الثوب الحرير أو الذهب أو نحوهما لمزيد برد ومخافة ضرر فقد سوغ الله سبحانه في كتابه العزيز للضرورة أكل الميتة ونحوها فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ﴾ [البقرة: ١٧٣] ، وقال: ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] . قوله: "أو فراش". أقول: هذا دفع للسنة الصحيحة المتفق عليها من نهيه ﷺ من افتراش الحرير والجلوس عليه فهذه السنة هادمة لكل رأي مخالف لها مبطلة لكل علة تنصب في مقابلتها، وقد أخرج الجماعة من حديث أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم رخص لعبد الرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما ولفظ الترمذي "١٧٢٢"، أن ذلك كان في غزاة لهما وهكذا في صحيح مسلم "٢٦/٢٠٧٦"، فأفاد الحديث جواز التداوي بذلك وقد أوضحت ذلك في شرحي للمنتقي. وأما قوله: "أو جبر سن أو أنف" فقد وقع الإذن منه ﷺ باتخاذ أنف من ذهب أنفه في بعض الحروب وهو حديث حسن وجبر السن كجبر الأنف. قوله: "أو حلية سيف أو طوق درع أو نحوهما". أقول: إن كانت هذه الحلية لمثل هذه الآلات السلاحية من الفضة فقد قدمنا أن الأدلة دلت على جواز التحلي بها حتى قال ﷺ : "عليكم بالفضة فالعبوا بها كيف شئتم"، وأما التحلي بالذهب فقد دلت الأدلة على المنع من قليله وكثيره فمن زعم أنه يجوز التحلي بشيء منه من سيف أو درع أو نحوهما فالدليل عليه فإن نهض به وإلا كان الواجب البقاء على التحريم لأن أدلته ناقلة من الأصل الأول وهو الجواز. قوله: "ومن خضب غير الشيب". أقول: قد تقرر أن خضب اليدين والرجلين كان من صنيع النساء وكان من يتشبه بهن من الرجال يفعل ذلك كما هو معروف وقد ثبت النهي عن التشبه بالنساء والوعيد على ذلك ولم يرد في ذلك شيء أصلا وأما خضب الشيب فقد وردت به الأدلة الصحيحة وورد ما يدل على تأكيد مشروعيته كما في الصحيحين [البخاري "٣٤٦٢، ٥٨٩٩"، مسلم "٢١٠٣"، وغيرهما [أبو داود "٤٢٠٣"، النسائي "٨/١٣٧"، من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم"، وأخرج أحمد "٥/١٤٧، ١٥٠"، وأهل السنن أبو داود " ٤٢٠٥"، الترمذي "١٧٥٣"، النسائي "٨/١٣٩"، ابن ماجة "٣٦٢٢"، وصححه الترمذي "٤/٢٣٢"، من حديث أبي ذر:

стр. 809

"إن أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم"، والأحاديث في الباب كثيرة وقد كانت هذه السنة مشتهرة بين السلف حتى كانوا يذكرون في ترجمة الرجل في الغالب أنه كان يخضب أو لا يخضب ولا ينافي مشروعية الخضب حديث: "لا تنتفوا الشيب فإنه نور المسلم"، كما أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة وصححه الترمذي وابن حبان فإن تعليل المنع بكونه نور المسلم على عدم جواز خضبه فإن نوره بعد خضبه زائد على نوره قبل خضبه. [فصل ويحرم على المكلف نظر الأجنبية الحرة غير الطفلة والقاعدة إلا الأربعة ومن المحرم المغلظ والبطن والظهر ولمسها ولو بحائل إلا لضرورة وعليها غض البصر كذلك والتستر ممن لا يعف ومن صبي يشتهى أو لا يشتهى ولو مملوكها ويحرم النمص والوشر والوشم والوصل بشعر غير المحرم وتشبه النساء بالرجال والعكس] . قوله: "فصل: ويحرم على المكلف نظر الأجنبية". أقول: حكى المصنف في البحر عن الأئمة الأربعة أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل أنهم يجوزون النظر إلى وجه الأجنبية وهذا النقل عنهم باطل فكتبهم على اختلافها مصرحة بخلاف ذلك فإن الرواة عنهم من أهل مذاهبهم في كتبهم المعتمدة منهم من صرح بأنهم لم يتكلموا إلا على العورة في الصلاة ولم يتكلموا على النظر ومنهم من صرح بأنهم قائلون بالمنع من النظر ومنهم من صرح بأن القائلين بالمنع المتأخرون من أتباعهم ولا يخفاك أن الأدلة الدالة على تحريم النظر إلى وجه الأجنبية ثابتة في الكتاب والسنة. فمن الكتاب: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ، الآية وبعده ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] ، الآية وكلام المتكلمين في تفسير هذه الآية من الصحابة فمن بعدهم معروف منقول في كتب الحديث والتفسير ومن ذلك في الكتاب العزيز ما ورد في الحجاب عموما وخصوصا ومن ذلك قوله عزوجل: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ، وقوله: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٦٠] ، الآية فإن تخصيصهن يدل على أن حكم من عداهن بخلاف حكمهن كما سيأتي ومنها قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ، ومن ذلك قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [فقد ثبت في الصحيح أن هذه الآية لما نزلت قالت عائشة رحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله وليضربن بخمرهم على جيوبهن شققن مروطهم فاختمرن بها أي وقعت منهن التغطية لوجوههم وما يتصل بها ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] .

стр. 810

وفي هذه الآيات أعظم دلالة على وجوب التستر عليهن وتحريم النظر إليهن. وأما الأحاديث الواردة على تحريم النظر فهي كثيرة جدا ومنها التحذير من النظر والتنبيه على سوء عاقبته وعظيم مفسدته والتصريح بأن النظرة الأولى عفو والثانية على الناظر ونحو ذلك مما لا يتسع المقام لبسطه والتحريم على النساء في نظرهن إلى الرجال كالتحريم على الرجال في النظر إليهن لأمرهم بغض الأبصار كما أمروا بغضها ولحديث "أفعمياوان أنتما؟ " ولا يستثنى من ذلك إلا ما ثبت بدليل صحيح لا بمجرد قول من لا تقوم به الحجة فما ثبت في تفسير الاستثناء بقوله عزوجل: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ كان في حكم المستثنى من عمومات الكتاب والسنة ولا يصح الاستدلال على الجواز بأن المرأة تكشف وجهها في إحرامها أو حال صلاتها فإن ذلك ليس فيه شيء من الدلالة لأن المرأة قد سوغ لها الشارع كشف وجهها عند ذلك ولم يجوز للرجال النظر إليها في هذه الحالة بل هم مأمورون بغض البصر في هذه الحال وغيرها كما أنه لا يجب على الرجال أن يستروا وجوههم عند مخالطتهم للنساء بل عليهن أن لا ينظرن إليهم لأنهن مأمورات بغض أبصارهم فاعرف هذا ففيه ما يغني عن الاستدلال بما لا دلالة فيه على الجواز أو عدمه وبما هو عن الدلالة على المطلوب في أبعد مكان. قوله: "غير الطفلة والقاعدة إلا الأربعة". أقول: أما الطفلة فظاهر لخروجها عن الخطاب وعدم أن يتصور في مثلها الإيجاب وأما القاعدة فلقوله عزوجل: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] ، وقد وقع الإجماع على أنه لا يجوز لهن أن يضعن ثيابهن عما عدا الوجه واليدين فرفع الجناح عنهن هو عن وضع الثياب التي على الوجه والكفين فكان ذلك دليلا على جواز النظر إليهم ودليلا أيضا على أن غير القواعد يحرم النظر إليهن فهذه الآية من جملة الآيات الدالة على تحريم النظر إلى الأجنبية كما تقدم. وأما استثناء الأربعة فقد جاءت السنة بجواز النظر من الخاطب إلى المخطوبة وأما الثلاثة الآخرون وهم الطبيب والشاهد والحاكم فقد ادعى الإجماع على ذلك ولا أدري كيف هذا النقل فإن صح فذاك مع أن نظر الثلاثة المذكورين إليها عند مندوحه وذلك بأن يأمر الشاهد أو الحاكم أو الطبيب النساء أن ينظرن إلى الموضع الذي تدعو الحاجة إلى النظر إليه ثم يصنف لهم فإن في ذلك ما يغني عن النظر المحرم مع كونه وقوفا على مقدار الحاجة وإن كان دون النظر منهم أنفسهم. قوله: "ومن المحرم المغلظ والبطن والظهر". أقول: أما المغلظ فظاهر وهو عند المصنف من السرة إلى تحت الركبة وهذه هي عورة الجنس مع جنسه والأدلة الدالة على تحريم النظر إلى العورة من الرجل إلى عورة الرجل والمرأة إلى عورة المرأة وأما مع اختلاف الجنس فقد تقدم تحريم النظر مطلقا وأما استثناء
следующие страницы →