Полный текст (591 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.
стр. 141
المغيرة قد لقيا رسول الله ﷺ بثنية العقاب فيما بين مكة والمدينة فالتمسا الدخول عليه فكلمته أم سلمة فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك وابن عمتك وصهرك فقال: "لا حاجة لي بهما أما ابن عمي فهتك عرضي وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما قال".
فلما خرج الخبر إليهما بذلك ومع أبي سفيان بن الحارث ابن له فقال: والله ليأذنن لي رسول الله ﷺ أو لآخذن بيد ابني هذا ثم لنذهبن في الأرض حتى نموت عطشا أو جوعا فلما بلغ رسول الله ﷺ رق لهما فدخلا عليه فأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه فقال:
لعمرك إني يوم أحمل راية ... لتغلب خيل اللات خيل محمد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله ... فهذا أواني حين أهدى واهتدى
هداني هاد غير نفسي ودلني ... على الله من طردت كل مطرد
وذكر باقي الأبيات.
وفي رواية الواقدي قال: فطلبا الدخول على رسول الله ﷺ فأبى أن يدخلهما عليه فكلمته أم سلمة زوجته فقالت: يا رسول الله ﷺ صهرك وابن عمتك وابن عمك وأخوك من الرضاعة وقد جاء الله بهما مسلمين لا يكونا أشقى الناس بك فقال رسول الله ﷺ : "لا حاجة لي بهما أما أخوك فالقائل لي بمكة ما قال: لن يؤمن لي حتى أرقى في السماء" فقالت: يا رسول الله إنما هو من قومك وكل قريش قد تكلم ونزل القرآن
стр. 142
فيه بعينه وقد عفوت عمن هو أعظم جرما منه ابن عمك قرابتك به قريبة وأنت أحق الناس عفا عنه جرمه فقال رسول الله ﷺ : " هو الذي هتك عرضي فلا حاجة لي بهما " فلما خرج إليهما الخبر قال أبو سفيان بن الحارث ومعه ابنه: ليقبلن مني أو لآخذن بيد ابني هذا فلأذهبن في الأرض حتى أهلك عطشا وجوعا وأنت أحلم الناس وأكرم الناس مع رحمي بك فبلغ رسول الله ﷺ مقالته فرق له وقال عبد الله ابن أبي أمية إنما جئت لأصدقك ولي من القرابة ما لي من الصهر بك وجعلت أم سلمة تكلمه فيهما فرق رسول الله ﷺ لهما فأذن لهما ودخلا فأسلما وكانا جميعا حسنى الإسلام.
قتل عبد الله بن أبي أمية بالطائف ومات أبو سفيان بن الحارث بالمدينة في خلافة عمر ﵁ لم يغمص عليه بشيء ولقد كان رسول الله ﷺ أهدر دمه قبل أن يلقاه.
فوجه الدلالة: أنه أهدر دم أبي سفيان بن الحارث دون غيره من صناديد المشركين الذين كانوا أشد تأثيرا في الجهاد باليد والمال وهو قادم إلى مكة لا يريد أن يسفك دماء أهلها بل يستعطفهم على الإسلام ولم يكن لذلك سبب يختص بأبي سفيان إلا الهجاء ثم جاء مسلما وهو يعرض عنه هذا الإعراض وكان من شأنه أن يتألف الأباعد على الإسلام فكيف بعشيرته الأقربين؟ كل ذلك بسبب هتكه عرضه كما هو مفسر في الحديث.
ومن ذلك أنه أمر يوم الفتح بقتل الحويرث بن نقيد وهو معروف عند أهل السير قال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري وهي من أصح المغازي كان مالك يقول: من أحب أن يكتب المغازي فعليه بمغازي الرجل الصالح
стр. 143
موسى بن عقبة قال: وأمرهم رسول الله ﷺ أن يكفوا أيديهم فلا يقاتلوا أحد إلا من قاتلهم وأمرهم بقتل أربعة نفر: منهم الحويرث بن نقيد.
وقال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني أبي قال: وقال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ عهد إلى المسلمين في قتل نفر ونسوة وقال: إن وجدتموهم تحت أستار الكعبة فاقتلوهم وسماهم بأسمائهم ستة وهم: عبد الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الله بن خطل والحويرث بن نقيد ومقيس بن حبابة ورجل من بني تيم بن غالب.
قال ابن إسحاق: وحدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر أنهم كانوا ستة فكنم اسم رجلين وأخبرني بأربعة وزعم أن عكرمة بن أبي جهل أحدهم.
قال: وأما الحويرث بن نقيد فقتله علي بن أبي طالب وكذلك ذكر ابن إسحاق في رواية ابن بكير وغيره عنه من نفر الذين استثناهم النبي ﷺ وقال: " اقتلوهم وإن وجدتموهم تحت أستار الكعبة ": الحويرث بن نقيد وكان ممن يؤذي رسول الله ﷺ .
قال الواقدي عن أشياخه: إن النبي ﷺ نهى عن القتال وأمر بقتل ستة نفر وأربع نسوة: عكرمة بن أبي جهل وهبار بن الأسود وابن أبي سرح ومقيس بن حبابة والحويرث بن نقيد وابن خطل.
قال: وأما الحويرث بن نقيد فإنه كان يؤذي النبي ﷺ فأهدر دمه فبينا هو في منزلته يوم الفتح قد أغلق عليه وأقبل علي ﵁ يسأل عنه فقيل: هو في البادية فأخبر الحويرث أنه يطلب وتنحى علي
стр. 144
عن بابه فخرج الحويرث يريد أن يهرب من بيت إلى بيت آخر فتلقاه علي فضرب عنقه.
ومثل هذا مما يشتهر عند هؤلاء مثل الزهري وابن عقبة وابن إسحاق والواقدي والأموي وغيرهم أكثر ما فيه أنه مرسل والمرسل إذا روى من جهات مختلفة لا سيما ممن له عناية بهذا الأمر ويتبع له كان كالمسند بل بعض ما يشتهر عند أهل المغازي ويستفيض أقوى مما يروى بالإسناد الواحد ولا يوهنه أنه لم يذكر في الحديث المأثور عن سعد وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لأن المثبت مقدم على النافي ومن أخبر أنه أمر بقتله فمعه زيادة علم ولعل النبي ﷺ لم يأمر بقتله ثم أمر بقتله وذلك أنه يمكن أن النبي ﷺ نهى أصحابه أن يقاتلوا إلا من قاتلهم إلا النفر الأربعة ثم أمرهم أن يقتلوا هذا وغيره ومجرد نهيه عن القتال لا يوجب عصمة المكفوف عنهم لكنه بعد ذلك آمنهم الأمان العاصم للدم وهذا الرجل قد أمر النبي ﷺ بقتله لمجرد أذاه له مع أنه قد آمن أهل البلد الذين قاتلوه وأصحابه وفعلوا بهم الأفاعيل.
ومن ذلك أنه ﷺ لما قفل من بدر راجعا إلى المدينة قتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط ولم يقتل من أسارى بدر غيرهما وقصتهما معروفة.
قال ابن إسحاق: وكان في الأسارى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث فلما كان رسول الله ﷺ بالصفراء قتل النضر بن الحارث قتله علي بن أبي طالب كما أخبرت ثم مضى رسول الله ﷺ فلما كان بعرق الظبية قتل عقبة بن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت.
وقال موسى بن عقبة عن الزهري: ولم يقتل من الأسارى صبرا غير عقبة
стр. 145
ابن أبي معيط قتله عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح ولما أبصره عقبة مقبلا إليه استغاث بقريش فقال: يا معشر قريش علام أقتل من بين ها هنا؟ فقال رسول الله ﷺ : "على عداوتك لله ورسوله" وكذلك ذكر محمد بن عائد في مغازيه.
وهذا والله أعلم لأن النضر قتل بالصفراء عند بدر فلم يعد من الأسرى عند هذا القائل لقتله قريبا من مصارع قريش وإلا فلا خلاف علمناه أن النضر وعقبة قتلا بعد الأسر.
وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرا؟ فقال له النبي ﷺ : " بكفرك وافترائك على رسول الله ".
وقال الواقدي: كان النضر بن الحارث أسره المقداد بن الأسود فلما خرج رسول الله ﷺ من بدر فكان بالأثيل عرض عليه الأسرى فنظر إلى النضر بن الحارث فأبد النظر فقال لرجل إلى جنبه: محمد والله قاتلي لقد نظر إلي بعينين فيهما آثار الموت فقال الذي إلى جنبه: "والله ما هذا منك إلا رعب" فقال النضر لمصعب بن عمير: يا مصعب أنت أقرب من ها هنا بي رحما كلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي هو والله قاتلي إن لم تفعل قال مصعب: إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا وكنت تقول في نبيه كذا وكذا قال: يا مصعب ويجعلني كأحد أصحابي: إن قتلوا قتلت وإن من عليهم من علي قال مصعب: إنك كنت تعذب أصحابه وذكر الحديث إلى أن قال: فقتله علي بن أبي طالب صبرا بالسيف.
قال الواقدي: وأقبل رسول الله ﷺ بالأسرى حتى إذا كانوا بعرق الظبية أمر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أن يضرب عنق عقبة
стр. 146
ابن أبي معيط فجعل عقبة يقول: "يا ويلي علام أقتل يا قريش من بين من ها هنا؟ " قال رسول الله ﷺ : " لعداوتك لله ورسوله " قال: "يا محمد منك أفضل فاجعلني كرجل من قومي إن قتلتهم قتلتني وإن مننت عليهم مننت علي وإن أخذت منهم الفداء كنت كأحدهم يا محمد من للصبية؟ " قال رسول الله ﷺ : "النار قدمه يا عاصم فاضرب عنقه" فقدمه عاصم فضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : " بئس الرجل كنت والله ما علمت كافرا بالله وبكتابه وبرسوله مؤذيا لنبيه فأحمد الله الذي هو قتلك وأقر عيني منك ".
ففي هذا بيان أن السبب الذي أوجب قتل هذين الرجلين من بين سائر الأسرى أذاهم لله ورسوله بالقول والفعل فإن الآيات التي نزلت في النضر معروفة وأذى ابن أبي معيط له مشهور بلسانه ويده حين خنقه بأبي هو وأمي بردائه خنقا شديدا يريد قتله وحين ألقى السلا على ظهره وهو ساجد وغير ذلك.
ومن ذلك أنه أمر بقتل من كان يهجوه بعد فتح مكة من قريش وسائر العرب مثل كعب بن زهير وغيره.
قال الأموي: حدثني أبي قال: قال ابن إسحاق وذكره يونس بن بكير والبكائي وغيرهما عن ابن إسحاق قال: فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة منصرفا من الطائف كتب بجير بن زهير بن أبي سلمى إلى أخيه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله ﷺ كتب في قتل رجال بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه.
ولفظ يونس والبكائي: أن رسول الله ﷺ قد قتل رجلا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه وأن من بقي من شعراء قريش ابن الزبعرى
стр. 147
وهبيرة ابن أبي وهب قد هربوا في كل وجه فإن كانت لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ فإنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك من الأرض وكان كعب قد قال أبياتا نال فيها من رسول الله ﷺ حتى رويت وعرفت وكان الذي قال:
إلا ابلغا بجيرا رسالة ... فهل لك فيما قلت ويحك هل لكا
لتخبرني أن كنت ليس بفاعل ... على أي شيء غير ذلك دلكا
على خلق لم يلق يوما أبا له ... ولا أنت لم تعرف عليه أبا لكا
فإن أنت لم تفعل فلست بفاعل ... ولا قائل إما عثرت لعا لكا
سقاك بها المأمون كاسا روية ... فأنهلك المأمون منها وعلكا
وإنما قال كعب "المأمون" لقول قريش لرسول الله ﷺ "الأمين" الذي كانت تقول له.
فلما بلغ كعبا الكتاب ضاقت به الأرض وأشفق على نفسه وأرجف به من كان في حاضره من عدوه فقالوا: هو مقتول فلما لم يجد من شيء بدا قال قصيدة يمدح فيها رسول الله ﷺ ويذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجل كانت بينه وبينه معرفة من جهينة كما ذكر لي فغدا به على رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 148
حين صلى الصبح فلما صلى مع الناس أشار له إلى رسول الله ﷺ فقال: هذا رسول الله ﷺ فقم إليه فذكر لنا أنه قام إلى رسول الله ﷺ فوضع يده في يده وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه فقال: يا رسول الله ﷺ إن كعب ابن زهير استأمن منك تائبا مسلما فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به؟ فقال رسول الله ﷺ : "نعم" قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير.
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر أنه وثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله دعني وعدو الله أضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : " دعه عنك قد جاء تائبا نازعا " قال: فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير فقال قصيدته التي قال حين قدم رسول الله ﷺ ثم أنشد ابن إسحاق قصيدته المشهورة "بانت سعاد" وفيها:
أنبئت أن رسول الله أوعدني ... والعفو عند رسول الله مأمول
مهلا هداك الله الذي أعطاك نافلة ال ... فرقان فيه مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم ... أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل
وفي حديث آخر: وذلك أنه بلغه رسول الله ﷺ ندر دمه بقول بلغه عنه فقدم على رسول الله ﷺ مسلما ودخل مسجده وأنشد القصيدة فقد أخبر أن رسول الله ﷺ كتب
стр. 149
في قتل رجال بمكة لأجل هجائهم وأذاهم حتى فر من فر منهم إلى نجران ثم رجع ابن الزبعرى تائبا مسلما وأقام هبيرة بنجران حتى مات مشركا ثم إنه أهدر دم كعب لما قاله مع أنه ليس من بليغ الهجاء لكونه طعن في دين الإسلام وعابه وعاب ما يدعو إليه الرسول ﷺ ثم إنه تاب قبل القدرة عليه وجاء مسلما وكان حربيا ومع هذا فهو يلتمس العفو ويقول:
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولم أذنب ... ... ... ...
ومن ذلك: ما نقل أنه كان يتوجه ﷺ إلى قتل من يهجوه ويقول: "من يكفيني عدوي؟ ".
قال الأموي سعد بن يحيى بن سعيد في مغازيه: حدثنا أبي قال: أخبرني عبد الملك بن جريج عن عكرمة عن عبد الله بن عباس أن رجلا من المشركين شتم رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "من يكفيني عدوي؟ " فقام الزبير بن العوام فقال: أنا فبارزه فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه ولا أحسبه إلا في خيبر حين قتل ياسر ورواه عبد الرزاق أيضا.
وروى أن رجلا كان يسب النبي ﷺ فقال: "من يكفيني عدوي؟ " فقال خالد: أنا فبعثه النبي ﷺ إليه فقتله.
ومن ذلك: أن أصحابه كانوا إذا سمعوا من يسبه ويؤذيه ﷺ قتلوه وإن كان قريبا فيقرهم على ذلك ويرضاه وربما سمى من يفعل ذلك ناصرا لله ورسوله.
فروى أبو إسحاق الفزاري في كتابه المشهور في السير عن سفيان الثوري عن إسماعيل بن سميع عن مالك بن عمير قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إني لقيت أبي في المشركين فسمعت منه مقاله قبيحة لك
стр. 150
فما صبرت أن طعنته بالرمح فقتلته فما شق ذلك عليه.
قال: وجاءه آخر فقال: إني لقيت أبي في المشركين فصفحت عنه فما شق ذلك عليه.
وقد رواه الأموي وغيره من هذه الطريق.
وروى أبو إسحاق الفزاري أيضا في كتابه عن الأوزاعي عن حسان بن عطية قال: بعث رسول الله ﷺ جيشا فيهم عبد الله بن رواحة وجابر فلما صافوا المشركين أقبل رجل منهم يسب رسول الله ﷺ فقام رجل من المسلمين فقال: أنا فلان ابن فلان وأمي فلانة فسبني وسب أمي وكف عن سب رسول الله ﷺ فلم يزده ذلك إلا إغراء فأعاد مثل ذلك وعاد الرجل مثل ذلك فقال في الثالثة: لئن عدت لا رحلنك بسيفي فعاد فحمل عليه الرجل فولى مدبرا فاتبعه الرجل حتى خرق صف المشركين فضربه بسيفه وأحاط به المشركون فقتلوه فقال رسول الله ﷺ : " أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله؟ " ثم إن الرجل برئ من جراحته فأسلم فكان يسمى الرحيل ورواه الأموي في مغازيه من هذا الوجه.
وقد تقدم حديث عمير بن عدي لما قال حين بلغه أذى بنت مروان للنبي ﷺ : اللهم إن علي نذرا لئن رددت رسول الله ﷺ إلى المدينة لأقتلنها فقتلها بدون إذن النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : " إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى عمير بن عدي ".
وكذلك حديث اليهودية وأم الولد فإن النبي ﷺ أهدر دمها لما قتلت لأجل سبه.
стр. 151
وقد تقدم أيضا حديث الرجل الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح لما افتراه على النبي ﷺ وأن النبي ﷺ أمسك عن مبايعته ليقوم إليه ذلك الرجل فيقتله ويفي بنذره.
وقد ذكروا أن الجن الذي آمنوا به كانت تقصد من سبه من الجن الكفار فتقتله قبل الهجرة وقبل الإذن في القتال له وللإنس فيقرها على ذلك ويشكر ذلك لها.
قال سعد بن يحيى الأموي في مغازيه: حدثني محمد بن سعيد يعني عمه قال: قال محمد بن المنكدر: إنه ذكر له عن ابن عباس أنه قال: هتف هاتف من الجن على جبل أبي قبيس فقال:
قبح الله رأيكم آل فهر ... ما أدق العقول والأحلام
حين تغضي لمن يعيب عليها ... دين آبائها الحماة الكرام
حالف الجن جن بصرى عليكم ... ورجال النخيل والآطام
يوشك الخيل أن تروها نهارا ... تقتل القوم في حرام تهام
هل كريم منكم له نفس حر ... ماجد الجدتين والأعمام
ضاربا ضربة تكون نكالا ... ورواحا من كربة واغتنام
قال ابن عباس: فأصبح هذا الشعر حديثا لأهل مكة يتناشدونه بينهم
стр. 152
فقال رسول الله ﷺ : "هذا شيطان يكلم الناس من الأوثان يقال له مسعر والله مخزيه" فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف يهتف على الجبل يقول:
نحن قتلنا في ثلاث مسعرا ... سفه الحق وسن المنكرا
قنعته سيفا حساما مبترا ... بشتمه نبيا المطهرا
فقال رسول الله ﷺ : هذا عفريت من الجن اسمه سمحج آمن بي سميته عبد الله أخبرني أنه في طلبه منذ ثلاثة أيام فقال علي: جزاه الله خيرا يا رسول الله.
وممن ذكر أنه قتل لأجل أذى النبي ﷺ أبو رافع بن ابن الحقيق اليهودي وقصته معروفة مستفيضة عند العلماء فنذكر منها وضع الدلالة.
عن البراء بن عازب قال: "بعث رسول الله ﷺ إلى أبي رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمر عليهم عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فإني أريد أن أغلق الباب قال: فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على وتد قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها
стр. 153
ففتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علية له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم نذروا بي لم يخلصوا إليّ حتى أقتله فانتهيت إليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت قلت: أبا رافع قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم رجعت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال: فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أني قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أن قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء قد قتل الله أبا رافع فانتهيت إلى النبي ﷺ فحدثته فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم اشتكها قط رواه البخاري في صحيحه".
وقال ابن إسحاق: حدثني الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين لا يصنع أحدهما شيئا إلا صنع الآخر مثله يقولون: لا يعدون ذلك فضلا علينا في الإسلام وعند رسول الله ﷺ فلما قتل الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلا هو في العداوة لرسول الله ﷺ مثله فتذاكروا ابن أبي الحقيق
стр. 154
بخيبر فاستأذنوا رسول الله ﷺ في قتله فأذن لهم وذكر الحديث إلى أن قال: ثم صعدو إليه في علية له فقرعوا عليه الباب فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ فقالوا: حي من العرب نريد الميرة ففتحت لهم فألقت ذا كم الرجل عندكم في البيت وذكر تمام الحديث في قتله.
فقد تبين في حديث البراء وابن كعب إنما تسرى المسلمين بقتله بإذن النبي ﷺ لأذاه للنبي ومعاداته له وأنه كان نضير ابن الأشرف لكن ابن الأشرف كان معاهدا فآذى الله ورسوله فندب المسلمين إلى قتله وهذا لم يكن معاهدا.
فهذه الأحاديث كلها تدل على أن من كان يسب النبي ﷺ ويؤذيه من الكفار فإنه كان يقصد قتله ويحض عليه لأجل ذلك وكذلك أصحابه بأمره يفعلون ذلك مع كفه عن غيره ممن هو على مثل حاله في أنه كافر غير معاهد بل مع أمانه لأولئك أو إحسانه إليهم من غير عهد بينه وبينهم ثم من هؤلاء من قتل ومنهم من جاء مسلما تائبا فعصم دمه لثلاثة أسباب:
أحدها: أنه جاء تائبا قبل القدرة عليه والمسلم الذي وجب عليه حد لو جاء تائبا قبل القدرة عليه لسقط عنه فالحربي أولى.
الثاني: أن رسول الله ﷺ كان من خلقه أن يعفو عنه.
الثالث: أن الحربي إذا أسلم لم يؤخذ بشيء مما عمله في الجاهلية لا من حقوق الله ولا من حقوق العباد من غير خلاف نعلمه لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف﴾
стр. 155
ولقوله ﷺ : " الإسلام يجب ما قبله " رواه مسلم ولقوله ﷺ : " من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية " متفق عليه.
ولهذا أسلم خلق كثير وقد قتلوا رجالا يعرفون فلم يطلب أحدا منه بقود ولا دية ولا كفارة.
أسلم وحشي قاتل حمزة وابن العاص قاتل ابن قوقل وعقبة بن الحارث قاتل خبيب بن عدي ومن لا يحصى ممن ثبت في الصحيح أنه أسلم وقد علم أنه قتل رجلا بعينه من المسلمين فلم يوجب النبي ﷺ على أحد منهم قصاصا بل قال ﷺ : " يضحك الله تعالى إلى رجلين يقتل أحدهما صاحبه كلاهما يدخل الجنة يقتل هذا في سبيل الله فيدخل الجنة ثم يتوب الله على القاتل فيسلم ويقتل في سبيل الله فيدخل الجنة " متفق عليه.
وكذلك أيضا لم يضمن النبي ﷺ أحدا منهم مالا أتلفه للمسلمين ولا أقام على أحد حد زنا أو سرقة أو شرب أو قذف سواء كان قد أسلم بعد الأسر أو قبل الأسر وهذا مما لا نعلم بين المسلمين فيه خلافا لا في روايته ولا في الفتوى به.
بل لو أسلم الحربي وبيده مال مسلم قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه مما لا يملك به مسلم من مسلم لكونه محرما في دين الإسلام كان له ملكا ولم يرده إلى المسلم الذي كان يملكه عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين وهو مذهب أبي حنيفة ومالك ومنصوص قول أحمد وقول الجماهير من أصحابه بناء على أن الإسلام أو العهد قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده ملكا له لأنه خرج عن
стр. 156
مالكه المسلم في سبيل الله ووجب أجره على الله وآخذه هذا مستحلا له وقد غفر له بإسلامه ما فعله في دماء المسلمين وأموالهم فلم يضمنه بالرد إلى مالكه كما لم يضمن ما أتلفه من النفوس والأموال ولا يقضي ما تركه من العبادات لأن كل ذلك كان تابعا للاعتقاد فلما رجع عن الاعتقاد غفر له ما تبعه من الذنوب فصار ما بيده من المال لا تبعة عليه فيه فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها من ربا وغيره.
ومن العلماء من قال: يرده على مالكه المسلم وهو قول الشافعي وأبي الخطاب من الحنبلية بناء على أن اغتنامهم فعل محرم فلا يملكون به مال المسلم كالغصب ولأنه لو أخذه المسلم منهم أخذا لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يسرقه فإنه يرد إلى مالكه المسلم لحديث ناقة النبي ﷺ وهو مما اتفق الناس فيما نعلمه عليه ولو كانوا قد ملكوه كملكه الغانم منهم ولم يرده.
والأول أصح لأن المشركين كانوا يغنمون من أموال المسلمين الشيء الكثير من الكراع والسلاح وغير ذلك وقد أسلم عامة أولئك المشركين فلم يسترجع النبي ﷺ من أحد منهم مالا مع أن بعض تلك الأموال لا بد أن يكون باقيا.
ويكفي في ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾ وقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وقال: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ
стр. 157
أَهْلِهِ مِنْه﴾ وقال: ﴿إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُم﴾ .
فبين الله سبحانه أن المسلمين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق حتى صاروا فقراء بعد أن كانوا أغنياء.
ثم إن المشركين استولوا على تلك الديار والأموال وكانت باقية إلى حين الفتح وقد أسلم من استولى عليها في الجاهلية ثم لم يرد النبي ﷺ على أحد منهم أخرج من داره بعد الفتح والإسلام دارا ولا مالا بل قيل للنبي يوم الفتح: ألا تنزل في دارك؟ فقال: "وهل ترك لنا عقيل من دار؟ ".
وسأله المهاجرون أن يرد عليهم أموالهم التي استولى عليها أهل مكة فأبى ذلك ﷺ وأقرها بيد من استولى عليها بعد إسلامه.
وذلك أن عقيل بن أبي طالب بعد الهجرة استولى على دار النبي ﷺ ودور إخوته من الرجال والنساء مع ما ورثه من أبيه أبي طالب قال أبو رافع: قيل للنبي ﷺ : ألا تنزل منزلك من الشعب؟ قال: "فهل ترك لنا عقيل منزلا؟ " وكان عقيل قد باع منزل رسول الله ﷺ ومنزل إخوته من الرجال والنساء بمكة.
وقد ذكر أهل العلم بالسيرة منهم أبو الوليد الأزرقي أن رباع عبد المطلب بمكة صارت لبني عبد المطلب فمنها شعب ابن يوسف وبعض دار ابن يوسف
стр. 158
لأبي طالب والجو الذي بينه وبين دار ابن يوسف دار المولد مولد النبي ﷺ وما حوله لأبي النبي ﷺ عبد الله بن عبد المطلب ولا ريب أن النبي ﷺ كانت له هذه الدار ورثها من أبيه وبها ولد وكان له دار ورثها هو وولده من خديجة رضي الله تعالى عنها.
قال الأزرقي: فسكت رسول الله ﷺ عن مسكنيه كليهما مسكنه الذي ولد فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة بنت خويلد وولد فيه ولده جميعا.
قال: وكان عقيل بن أبي طالب أخذ مسكنه الذي ولد فيه وأما بيت خديجة فأخذه معتب بن أبي لهب وكان أقرب الناس إليه جوارا فباعه بعد من معاوية وقد شرح أهل السير ما ذكرنا في دور المهاجرين.
قال: الأزرقي: دار جحش بن رئاب الأسدي التي بالمعلى لم تزل في يد ولد جحش فلما أذن الله لنبيه ﷺ وأصحابه في الهجرة إلى المدينة خرج آل جحش جميعا الرجال والنساء إلى المدينة مهاجرين وتركوا دارهم خالية وهم حلفاء حرب بني أمية فعمد أبو سفيان إلى دارهم هذه فباعها بأربعمائة دينار من عمرو بن علقمة العامري فلما بلغ آل جحش أن أبا سفيان باع دارهم أنشأ أبو أحمد يهجو أبا سفيان ويعيره ببيعها وذكر أبياتا.
فلما كان يوم فتح مكة أتى أبو أحمد بن جحش وقد ذهب بصره إلى رسول الله ﷺ فكلمه فيها فقال: يا رسول الله إن أبا سفيان عمد إلى داري فباعها فدعاه النبي ﷺ فساره بشيء فما سمع أبو أحمد ذكرها بعد ذلك فقيل لأبي أحمد بعد ذلك: ما قال لك رسول الله
стр. 159
صلى الله عليه وسلم؟ قال: قال لي " إن صبرت كان خيرا وكان لك بها دار في الجنة " قال: قلت: فأنا أصبر فتركها أبو أحمد.
قال: وكان لعتبة بن غزوان دار تسمى ذات الوجهين فلما هاجر أخذها يعلي بن أمية وكان استوصاه بها حين هاجر فلما كان عام الفتح وكلم بنو جحش رسول الله ﷺ في دارهم فكره أن يرجعوا في شيء من أموالهم أخذت منهم في الله تعالى وهجروه لله أمسك عتبة بن غزوان عن كلام رسول الله ﷺ في داره هذه ذات الوجهين وسكت المهاجرون فلم يتكلم أحد منهم في دار هجرها لله ورسوله وسكت رسول الله ﷺ عن مسكنه الذي ولد فيه ومسكنه الذي ابتنى فيه بخديجة وهذه القصة معروفة عند أهل العلم.
قال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر ببن حزم والزهير بن عكاشة بن أبي أحمد قال: أبطأ رسول الله ﷺ يوم الفتح عليهم في دورهم فقالوا لأبي أحمد يا أبا أحمد إن رسول الله ﷺ يكره لكم أن ترجعوا في شيء من أموالكم مما أصيب في الله.
وقال ابن إسحاق أيضا في رواية زياد بن عبد الله البكائي عنه: وتلاحق المهاجرون إلى رسول الله ﷺ فلم يبق أحد منهم بمكة إلا مفتون أو محبوس ولم يوعب أهل هجرة من مكة بأهليهم وأموالهم إلى الله والى رسوله إلا أهل دور مسمون: بنو مظعون من بني جمح وبنو جحش بن رئاب حلفاء بني أمية وبنو البكير من بني سعد بن ليث حلفاء عدي بن كعب فإن دورهم غلقت بمكة ليس فيها ساكن.
ولما خرج بنو جحش بن رئاب من دارهم عدا عليها أبو سفيان بن حرب
стр. 160
فباعها من عمرو بن علقمة أخي بني عامر بن لؤي فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان بدارهم ذكر ذلك عبد الله بن جحش لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : " ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك الله بها دارا خيرا منها في الجنة؟ " فقال: بلى فقال: "ذلك لك " فلما افتتح رسول الله ﷺ مكة كلمه أبو أحمد في دارهم فأبطأ عليه النبي ﷺ فقال الناس لأبي أحمد: يا أبا أحمد إن النبي ﷺ يكره أن ترجعوا في شيء من أموالكم أصيب منكم في الله فأمسك عن كلام رسول الله ﷺ .
قال الواقدي عن أشياخه قالوا: وقام أبو أحمد بن جحش على باب المسجد على جمل له حين فرغ النبي ﷺ من خطبته يعني الخطبة التي خطبها وهو واقف بباب الكعبة حين دخل الكعبة فصلى فيها ثم خرج يوم الفتح فقال أبو أحمد وهو يصيح: أنشد بالله يا بني عبد مناف حلفي أنشد بالله يا بني عبد مناف داري قال: فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان فسار عثمان بشيء فذهب عثمان إلى أبي أحمد فساره فنزل أبو أحمد عن بعيره وجلس مع القوم فما سمع أبو أحمد ذكرها حتى لقي الله.
فهذا نص في أن المهاجرين طلبوا استرجاع ديارهم فمنعهم النبي ﷺ وأقرها بيد من استولى عليها ومن اشتراها منه وجعل ﷺ ما أخذه منهم الكفار بمنزلة ما أصيب من ديارهم وما أنفقوه من أموالهم وتلك دماء وأموال اشتراها الله وسلمت إليه ووجب أجرها على الله فلا رجعة فيها وذلك لأن المشركين يستحلون دماءنا وأموالنا وأصابوا ذلك كله استحلالا وهم آثمون في هذا الاستحلال فإذا أسلموا جب الإسلام
стр. 161
ذلك الإثم وصاروا كأنهم ما أصابوا دما ولا مالا فما بأيديهم لا يجوز انتزاعه منهم.
فإن قيل: ففي الصحيحين عن الزهري عن علي بن حسين عن عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد ﵁ أنه قال: يا رسول الله ألا تنزل في دارك بمكة؟ قال: "وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور" وكان عقيل ورث أبا طالب هو وطالب ولم يرث جعفر ولا علي شيئا لأنهما كانا مسلمين وكان عقيل وطالب كافرين.
وفي رواية للبخاري أنه قال: يا رسول أين تنزل غدا؟ وذلك زمن الفتح فقال: "وهل ترك لنا عقيل من منزل؟ " ثم قال: " لا يرث الكافر المؤمن ولا المؤمن الكافر " قيل للزهري: ومن ورث أبا طالب؟ قال: ورثه عقيل وطالب وفي رواية معمر عن الزهري أين منزلك غدا في حجتك؟ رواه البخاري.
وظاهر هذا أن الدور انتقلت إلى عقيل بطريق الإرث لا بطريق الاستيلاء ثم باعها.
قلنا: أما دار النبي ﷺ التي ورثها من أبيه وداره التي هي له ولولده من زوجته المؤمنة خديجة فلا حق لعقيل فيها فعلم أنه استولى عليها وأما دور أبي طالب فإن أبا طالب توفي قبل الهجرة بسنين والمواريث لم تفرض ولم يكن نزل بعد منع المسلم من ميراث الكافر بل كل من مات بمكة من المشركين أعطي أولاده المسلمون نصيبهم من الإرث كغيرهم بل كان المشركون ينكحون المسلمات الذي هو أعظم من الإرث وإنما قطع الله الموالاة بين المسلمين
стр. 162
والكافرين بمنع النكاح والإرث وغير ذلك بالمدينة وشرع الجهاد القاطع للعصمة.
قال ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح قال: لما قدم رسول الله ﷺ مكة نظر إلى تلك الرباع فما أدرك منها قد اقتسم على أمر الجاهلية تركه لم يحركه وما وجده لم يقسم قسمه على قسمة الإسلام.
وهذا الذي رواه ابن أبي نجيح يوافق الأحاديث المسندة في ذلك مثل حديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم وكل قسم أدركه الإسلام فإنه على ما قسم الإسلام " رواه أبو داود وابن ماجه.
وهذا أيضا يوافق ما دل عليه كتاب الله ولا نعلم فيه خلافا فإن الحربي لو عقد عقدا فاسدا من ربا أو بيع خمر أو خنزير أو نحو ذلك ثم أسلم بعد قبض العوض لم يحرم ما بيده ولم يجب عليه رده ولو ولم يكن قبضة لم يجز له أن يقبض منه إلا ما يجوز للمسلم كما دل عليه قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فأمرهم بترك ما بقي في ذمم الناس ولم يأمرهم برد ما قبضوه.
وكذلك وضع النبي ﷺ لما خطب الناس كل دم أصيب في الجاهلية وكل ربا في الجاهلية حتى ربا العباس ولم يأمر برد ما كان قبض فكذلك الميراث: إذا مات الميت في الجاهلية واقتسموا تركته أمضيت القسمة فإن أسلموا قبل الاقتسام أو تحاكموا إلينا قبل القسمة قسم على قسم الإسلام فلما مات أبو طالب كان الحكم بينهم أن يرثه جميع ولده فلم يقتسموا رباعه حتى هاجر جعفر وعلي إلى المدينة فاستولى عقيل عليها
стр. 163
وباعها فقال النبي ﷺ : " لم يترك لنا عقيل منزلا إلا استولى عليه وباعه " وكان معنى هذا الكلام أنه استولى على دور كنا نستحقها إذ ذاك ولولا ذلك لم تضف الدور إليه وإلى بني عمه إذا لم يكن لهم فيها حق ثم قال بعد ذلك: "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن" يريد والله أعلم لو أن الرباع باقية بيده إلى الآن لم يقسم لكنا نعطي رباع أبي طالب كلها له دون إخوته لأنه ميراث لم يقسم فيقسم الآن على قسم الإسلام ومن قسم الإسلام أن لا يرث المسلم الكافر فكان نزول هذا الحكم بعد موت أبي طالب وقبل قسمة تركته بمنزله نزوله قبل موته فبين النبي ﷺ أن عليا وجعفرا ليس لهما المطالبة بشيء من ميراث أبي طالب لو كان باقيا فكيف إذا أخذ منهم في سبيل الله؟ فإذا كان المشرك الحربي لا يطالب بعد إسلامه بما كان أصابه من دماء المسلمين وأموالهم وحقوق الله ولا ينتزع ما بيده من أموالهم التي غنمها منهم لم يؤاخذ أيضا بما أسلفه من سب وغيره فهذا وجه العفو عن هؤلاء.
وهذا الذي ذكرناه من سنة رسول الله ﷺ في تحتم قتل من كان يسبه من المشركين مع العفو عمن هو مثله في الكفر كان مستقرا في نفوس أصحابه على عهده وبعد عهده يقصدون قتل الساب ويحرضون عليه وإن أمسكوا عن غيره ويجعلون ذلك هو الموجب لقتله ويبذلون في ذلك نفوسهم كما تقدم من حديث الذي قال: "سبني وسب أبي وأمي وكف عن رسول الله ﷺ " ثم حمل عليه حتى قتل وحديث الذي قتل أباه لما سمعه يسب النبي ﷺ وحديث الأنصاري الذي نذر أن يقتل العصماء فقتلها وحديث الذي نذر أن يقتل ابن أبي سرح وكف النبي ﷺ عن مبايعته ليوفي بنذره.
стр. 164
وفي الصحيحين عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ قال: إني لواقف في الصف يوم بدر فنظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بغلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فتمنيت أن أكون بين أضلع منهما فغمزني أحدهما فقال: أي عم هل تعرف أبا جهل؟ قلت: نعم فما حاجتك إليه يا ابن أخي؟ قال: أخبرت أنه يسب رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا قال: فتعجبت لذلك قال وغمزني الآخر فقال لي مثلها فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يجول في الناس فقلت لهما: ألا تريان؟ هذا صاحبكما الذي تسألاني عنه قال: فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه فقال: " أيكما قتله؟ " فقال كل واحد منهما أنا قتلته فقال: "هل مسحتما سيفيكما" فقالا: لا فنظر رسول الله ﷺ إلى السيفين فقال: "كلاكما قتله " وقضى رسول الله ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح والرجلان: معاذ ابن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء.
والقصة مشهورة في فرح النبي ﷺ بقتله وسجوده شكرا وقوله: " هذا فرعون هذه الأمة " هذا مع نهيه عن قتل أبي البختري ابن هشام مع كونه كافرا غير ذي عهد لكفه عنه وإحسانه بالسعي في نقض صحيفة الجور ومع قوله: " لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى يعني الأسرى لأطلقتهم له " يكافئ المطعم بإجارته له بمكة والمطعم كافر غير معاهد فعلم أن مؤذي الرسول ﷺ يتعين إهلاكه والانتقام منه بخلاف الكاف عنه وإن اشتراكا في الكفر كما كان يكافئ المحسن إليه بإحسانه وإن كان كافرا.
стр. 165
يؤيد ذلك أن أبا لهب كان له من القرابة ما له فلما آذاه وتخلف عن بني هاشم في نصره نزل القرآن فيه بما نزل من اللعنة والوعيد باسمه خزيا لم يفعل بغيره من الكافرين كما روي عن ابن عباس أنه قال: "ما كان أبو لهب إلا من كفار قومه حتى خرج منا حين تحالفت قريش علينا فظاهرهم فسبه الله وبنو المطلب مع مساواتهم لعبد شمس ونوفل في النسب لما أعانوه ونصروه وهم كفار شكر الله ذلك لهم فجعلهم بعد الإسلام مع بني هاشم في سهم ذوي القربى وأبو طالب لما أعانه ونصره وذب عنه خفف عنه العذاب فهو من أخف أهل النار عذابا".
وقد روي أن أبا لهب يسقى في نقرة الإبهام لعتقه ثويبة إذ بشرته بولادته.
ومن سنة الله أن من لم يمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه كما قدمنا بعض ذلك في قصة الكاتب المفترى وكما قال سبحانه: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ .
والقصة في إهلاك الله واحدا واحدا من هؤلاء المستهزئين معروفة قد ذكرها أهل السير والتفسير وهم على ما قيل نفر من رؤوس قريش منهم الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسودان ابن المطلب وابن عبد يغوث والحارث بن قيس.
وقد كتب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يسلم لكن قيصر أكرم كتاب النبي ﷺ وأكرم رسوله فثبت ملكه فيقال: إن الملك باق في ذريته إلى اليوم وكسرى مزق كتاب رسول الله ﷺ واستهزأ برسول الله ﷺ فقتله الله بعد قليل ومزق ملكه كل ممزق ولم يبق للأكاسرة ملك
стр. 166
وهذا والله أعلم تحقيق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ فكل من شنأه أو أبغضه وعاداه فإن الله يقطع دابره ويمحق عينه وأثره وقد قيل: إنها نزلت في العاص بن وائل أو في عقبة بن أبي معيط أو في كعب بن الأشرف وقد رأيت صنيع الله بهم.
ومن الكلام السائر "لحوم العلماء مسمومة" فكيف بلحوم الأنبياء ﵈؟.
وفي الصحيح عن النبي ﷺ قال: "يقول الله تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة " فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله تعالى حرب وإذا استقصيت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة وباءوا بغضب من الله ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق مضموما إلى كفرهم كما ذكر الله ذلك في كتابه ولعلك لا تجد أحدا آذى نبيا من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولا بد أن تصيبه قارعة وقد ذكرنا ما جر به المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله ﷺ وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة وهذا باب واسع لا يحاط به ولم نقصد قصده هنا وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي.
وكان سبحانه يحميه ويصرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق حتى في اللفظ ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " ألا ترون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد " فنزه الله اسمه ونعته عن الأذى وصرف ذلك إلى من هو مذمم وإن كان المؤذي إنما قصد عينه.
стр. 167
فإذا تقرر بما ذكرناه من سنة رسول الله ﷺ وسيرة أصحابه وغير ذلك أن الساب للرسول يتعين قتله فنقول: إنما يكون تعين قتله لكونه كافرا حربيا أو للسبب المضموم إلى ذلك والأول باطل لأن الأحاديث نص في أنه لم يقتل لمجرد كونه كافرا حربيا بل عامتها قد نص فيه على أن موجب قتله إنما هو السب فنقول: إذا تعين قتل الحربي لأجل أنه سب رسول الله ﷺ فكذلك المسلم والذمي أولى لأن الموجب للقتل هو السب لا مجرد الكفر والمحاربة كما تبين فحيثما وجد هذا الموجب وجب القتل وذلك لأن الكفر مبيح للدم لا موجب لقتل الكافر بكل حال فإنه يجوز أمانه ومهادنته والمن عليه ومفاداته لكن إذا صار للكافر عهد عصم العهد دمه الذي أباحه الكفر فهذا هو الفرق بين الحربي والذمي فأما ما سوى ذلك من موجبات القتل فلم يدخل في حكم العهد.
وقد ثبت بالسنة أن النبي ﷺ "كان يأمر بقتل الساب لأجل السب فقط" لا لمجرد الكفر الذي لا عهد معه فإذا وجد هذا السب وهو موجب للقتل والعهد لم يعصم من موجبه تعين القتل ولأن أكثر ما في ذلك أنه كافر حربيا سابا والمسلم إذا سب يصير مرتدا سابا وقتل المرتد أوجب من قتل الكافر الأصلي والذمي إذا سب فإنه يصير كافرا محاربا سابا بعد عهد متقدم وقتل مثل هذا أغلظ.
وأيضا فإن الذمي لم يعاهد على إظهار السب بالإجماع ولهذا إذا أظهره فإنه يعاقب عليه بإجماع المسلمين إما بالقتل أو بالتعزير وهو لا يعاقب على فعل شيء مما عوهد عليه وإن كان كفرا غليظا ولا يجوز أن يعاقب على فعل شيء قد عوهد على فعله وإذا لم يكن العهد مسوغا
стр. 168
لفعله وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بالقتل لأجله فيكون قد فعل ما يقتل لأجله وهو غير مقر عليه بالعهد ومثل هذا يجب قتله بلا تردد.
وهذا التوجيه يقتضي قتله سواء قدر أنه نقض العهد أو لم ينقضه لأن موجبات القتل التي لم نقره على فعلها يقتل بها وإن قيل لا ينتقض عهده كالزنا بذمية وكقطع الطريق على ذمي وكقتل ذمي وكما فعل هذه الأشياء مع المسلمين وقلنا إن عهده لا ينتقض فإنه يقتل.
وأيضا فإن المسلم قد امتنع من السب بما أظهره من الإيمان والذمي قد امتنع منه بما أظهره من الذمة والتزام الصغار ولو لم يكن ممتنعا منه بالصغار لما جاز عقوبته بتعزير ولا غيره إذا فعله فإذا قتل لأجل السب الكافر الذي يستحله ظاهرا وباطنا ولم يعاهدنا عهدا يقتضي تركه فلأن يقتل لأجله من التزم أن لا يظهره وعاهدنا على ذلك أولى وأحرى.
وأيضا فقد تبين بما ذكرناه من هذه الأحاديث أن الساب يجب قتله فإن النبي ﷺ أمر بقتل الساب في مواضع والأمر يقضي الوجوب ولم يبلغه عن أحد السب إلا ندر دمه وكذلك أصحابه هذا مع ما قد كان يمكنه من العفو عنه فحيث لا يمكنه العفو عنه يجب أن يكون قتل الساب أوكد والحرص عليه أشد وهذا الفعل منه هو نوع من الجهاد والإغلاظ على الكافرين والمنافقين وإظهار دين الله وإعلاء كلمته ومعلوم أن هذا واجب فعلم أن قتل الساب واجب في الجملة وحيث جاز العفو له ﷺ فإنما هو فيمن كان مقدورا عليه من مظهر الإسلام مطيع له أو ممن جاءه مستسلما أما الممتنعون فلم يعف عن أحد منهم ولا يرد على هذا أن بعض الصحابة آمن إحدى القينتين وبعضهم آمن ابن أبي سرح لأن
стр. 169
هذين كانا مستسلمين مريدين للإسلام والتوبة ومن كان كذلك فقد كان النبي ﷺ له أن يعفو عنه فلم يتعين قتله فإذا ثبت أن الساب كان قتله واجبا والكافر الحربي الذي لم يسب لا يجب قتله بل يجوز قتله فمعلوم أن الذمة لا تعصم دم من يجب قتله وإنما تعصم دم من يجوز قتله ألا ترى أن المرتد لا ذمة له وأن القاطع والزاني لما وجب قتلهما لم تمنع الذمة قتلهما.
وأيضا فلا مزية للذمي على الحربي إلا بالعهد والعهد لم يبح له إظهار السب بالإجماع فيكون الذمي قد شرك الحربي في إظهار السب الموجب للقتل وما اختص به من العهد لم يبح له إظهار السب فيكون قد أتى بما يوجب القتل وهو لم يقر عليه فيجب قتله بالضرورة.
وأيضا فإن النبي ﷺ أمر بقتل من كان يسبه مع أمانه لمن كان يحاربه بنفسه وماله فعلم أن السب أشد من المحاربة أو مثلها والذمي إذا حارب قتل فإذا سب قتل بطريق الأولى.
وأيضا فإن الذمي وإن كان معصوما بالعهد فهو ممنوع بهذا العهد من إظهار السب والحربي ليس له عهد يعصمه ولا يمنعه فيكون الذمي من جهة كونه ممنوعا أسوأ حالا من الحربي وأشد عداوة وأعظم جرما وأولى بالنكال والعقوبة التي يعاقب بها الحربي على السب والعهد الذي عصمه لم يف بموجبه فلا ينفعه لأنا إنما نستقيم له ما استقام لنا وهو لم يستقم بالاتفاق وكذلك يعاقب والعهد يعصم دمه وبشره إلا بحق فلما جازت عقوبته بالاتفاق علم أنه قد أاتى ما يوجب العقوبة.
وقد ثبت بالسنة أن عقوبة هذا الذنب القتل وسر الاستدلال بهذه الأحاديث أنه لا يقتل الذمي لمجرد كون عهده قد انتقض فإن مجرد نقض
стр. 170
العهد يجعله ككافر لا عهد له وقد ثبت بهذه السنن أن النبي ﷺ لم يأمر بقتل الساب لمجرد كونه كافرا غير معاهد وإنما قتله لأجل السب مع كون السب مستلزما للكفر والعداوة والمحاربة وهذا القدر موجب للقتل حيث كان وسيأتي الكلام إن شاء الله على تعين قتله.
السنة الثالثة عشرة: ما رويناه من حديث أبي القاسم عبد الله بن محمد البغوي قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ [بلغه أن رجلا قال لقوم: إن النبي ﷺ ] "أمرني أن أحكم فيكم برأيي وفي أموالكم كذا وكذا" وكان خطب امرأة منهم في الجاهلية فأبوا أن يزوجوه ثم ذهب حتى نزل على المرأة فبعث القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: "كذب عدو الله" ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا فاقتله وإن أنت وجدته ميتا فحرقه بالنار فانطلق فوجده قد لدغ فمات فحرقه بالنار فعند ذلك قال رسول الله ﷺ : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ".
ورواه أبو أحمد بن عدي في كتابه الكامل قال: ثنا الحسن بن محمد بن عنبر ثنا حجاج بن يوسف الشاعر ثنا زكريا بن عدي ثنا علي بن مسهر عن صالح بن حيان عن ابن بريدة عن أبيه قال: كان حي من بني ليث من المدينة على ميلين وكان رجل قد خطب منهم في الجاهلية فلم يزوجوه فأتاهم وعليه حلة فقال: إن رسول الله ﷺ كساني هذه الحلة وأمرني أن أحكم في أموالكم ودمائكم ثم انطلق فنزل على تلك المرأة التي كان يحبها فأرسل القوم إلى رسول الله ﷺ فقال: "كذب عدو الله" ثم أرسل رجلا فقال: إن وجدته حيا وما أراك تجده حيا فاضرب عنقه وإن
стр. 171
وجدته ميتا فاحرقه بالنار قال: فذلك قول رسول الله ﷺ : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " هذا إسناد صحيح على شرط الصحيح لا نعلم له علة.
وله شاهد من وجه آخر رواه المعافى بن زكريا الجريري في كتاب الجليس قال: ثنا أبو حامد الحصري ثنا السري ابن مرثد الخراساني ثنا أبو جعفر محمد بن علي الفزاري ثنا داود ابن الزبرقان قال: أخبرني عطاء بن السائب عن عبد الله بن الزبير أنه قال يوما لأصحابه: أتدرون ما تأويل هذا الحديث: " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار "؟ قال: كان رجل عشق امرأة فأتى أهلها مساء فقال: إن رسول الله ﷺ بعثني إليكم أن أتضيف في أي بيوتكم شئت قال: وكان ينتظر بيتوتة المساء قال: فأتى رجل منهم النبي ﷺ فقال: إن فلانا أتانا يزعم أنك أمرته أن يبيت في أي بيوتنا شاء فقال: "كذب يا فلان انطلق معه فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه واحرقه بالنار ولا أراك إلا قد كفيته " فلما خرج الرسول قال رسول الله ﷺ : "ادعوه" فلما جاء قال: " إني كنت أمرتك أن تضرب عنقه وأن تحرقه بالنار فإن أمكنك الله منه فاضرب عنقه ولا تحرقه بالنار فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار ولا أراك إلا قد كفيته " فحانت السماء بصيب فخرج الرجل يتوضأ فلسعته أفعى فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: " هو في النار ".
стр. 172
وقد روى أبو بكر بن مردويه من حديث الوازع عن أبي سلمة عن أسامة قال: قال رسول الله ﷺ : " من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " وذلك أنه بعث رجلا فكذب عليه فوجد ميتا قد انشق بطنه ولم تقبله الأرض.
وروي أن رجلا كذب عليه فبعث عليا والزبير إليه ليقتلاه.
وللناس في هذا الحديث قولان:
أحدهما: الأخذ بظاهره في قتل من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ ومن هؤلاء من قال: يكفر بذلك قاله جماعة منهم أبو محمد الجويني حتى قال ابن عقيل عن شيخه أبا الفضل الهمداني: "مبتدعة الإسلام والكذابون والواضعون للحديث أشد من الملحدين لأن الملحدين قصدوا إفساد الدين من خارج وهؤلاء قصدوا إفساده من داخل فهم كأهل بلد سعوا في فساد أحواله والملحدون كالمحاصربن من خارج فالدخلاء يفتحون الحصن فهم شر على الإسلام من غير الملابسين له".
ووجه هذا القول أن الكذب عليه كذب على الله ولهذا قال: " إن كذبا علي ليس ككذب على أحدكم " فإن ما أمر به الرسول فقد أمر الله به يجب إتباعه كوجوب إتباع أمر الله وما أخبر به وجب تصديقه كما يجب تصديق ما أخبر الله به.
ومن كذبه في خبره أو امتنع من التزام أمره ومعلوم أن من كذب على الله بأن زعم أنه رسول الله أو نبيه أو أخبر عن الله خبرا كذب فيه كمسيلمة والعنسي ونحوهما من المتنبئين فإنه كافر حلال الدم فكذلك من تعمد الكذب على رسوله
стр. 173
ويبين ذلك أن الكذب عليه بمنزلة التكذيب له ولهذا جمع الله بينهما بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُ﴾ بل ربما كان الكاذب عليه أعظم إثما من المكذب له ولهذا بدأ الله به كما أن الصادق عليه أعظم درجة من المصدق بخبره فإذا كان الكاذب مثل المكذب أو أعظم والكاذب على الله كالمكذب له فالكاذب على الرسول كالمكذب له.
يوضح ذلك أن تكذيبه نوع من الكذب فإن مضمون تكذيبه الإخبار عن خبره أنه ليس بصدق وذلك إبطال لدين الله ولا فرق بين تكذيبه في خبر واحد أو في جميع الأخبار وإنما صار كافرا لما يتضمنه من إبطال رسالة الله ودينه والكاذب عليه يدخل في دينه ما ليس منه عمدا ويزعم أنه يجب على الأمة التصديق بهذا الخبر وامتثال هذا الأمر لأنه دين الله مع العلم بأنه ليس لله بدين.
والزيادة في الدين كالنقص منه ولا فرق بين من يكذب بآية من القرآن أو يضيف كلاما يزعم أنه سورة من القرآن عامدا لذلك.
وأيضا فإن تعمد الكذب عليه استهزاء به واستخفاف لأنه يزعم أنه أمر بأشياء ليست مما أمر به بل وقد لا يجوز الأمر بها وهذه نسبة له إلى السفه أو أنه يخبر بأشياء باطلة وهذه نسبة له إلى الكذب وهو كفر صريح.
وأيضا فإنه لو زعم زاعم أن الله فرض صوم شهر آخر غير رمضان
стр. 174
أو صلاة سادسة زائدة ونحو ذلك أو أنه حرم الخبز واللحم عالما بكذب نفسه كفر بالاتفاق.
فمن زعم أن النبي ﷺ أوجب شيئا لم يوجبه أو حرم شيئا لم يحرمه فقد كذب على الله كما كذب عليه الأول وزاد عليه بأن صرح بأن الرسول قال ذلك وأنه أعنى القائل لم يقله اجتهادا واستنباطا.
وبالجملة فمن تعمد الكذب الصريح على الله فهو كالمتعمد لتكذيب الله وأسوأ حالا وليس يخفى أن من كذب على من يجب تعظيمه فإنه مستخف به مستهين بحقه.
وأيضا فإن الكاذب عليه لا بد أن يشينه بالكذب عليه وينقصه بذلك ومعلوم أنه لو كذب عليه كما كذب عليه ابن أبي سرح في قوله: "كان يتعلم مني" أو رماه ببعض الفواحش الموبقة أو الأقوال الخبيثة كفر بذلك فكذلك الكاذب عليه لأنه إما أن يأثر عنه أمرا أو خبرا أو فعلا فإن أثر عنه أمرا لم يأمر به فقد زاد في شريعته وذلك الفعل لا يجوز أن يكون مما يأمر به لأنه لو كان كذلك لأمر به ﷺ لقوله: "ما تركت من شيء يقربكم إلى الجنة إلا أمرتكم به ولا من شيء يبعدكم عن النار إلا نهيتكم عنه " فإذا لم يأمر به فالأمر به غير جائز منه فمن روى عنه أنه قد أمر به فقد نسبه إلى الأمر بما لا يجوز له الأمر به وذلك نسبة له إلى السفه.
وكذلك أن يقل عنه خبرا فلو كان ذلك الخبر مما ينبغي له الإخبار به لأخبر به لأن الله تعالى قد أكمل الدين فإذا لم يخبر به فليس هو مما ينبغي له أن يخبر به وكذلك الفعل الذي ينقله عنه كاذبا فيه لو كان مما ينبغي فعله ويترجع لفعله فإذا لم يفعله فتركه أولى.
стр. 175
فحاصله أن الرسول ﷺ أكمل البشر في جميع أحواله فما تركه من القول والفعل فتركه أكمل من فعله وما فعله ففعله أكمل من تركه فإذا كذب الرجل عليه متعمدا أو أخبر عنه بما لم يكن فذلك الذي أخبر عنه نقص بالنسبة إليه إذ لو كان كمالا لوجد منه ومن انتقص الرسول فقد كفر.
واعلم أن هذا القول في غاية القوة كما تراه لكن يتوجه أن يفرق بين الذي يكذب عليه مشافهة وبين الذي يكذب عليه بواسطة مثل أن يقول: حدثني فلان بن فلان عنه بكذا فهذا إنما كذب علي ذلك الرجل ونسب إليه ذلك الحديث فأما إن قال: "هذا حديث صحيح" أو ثبت عنه أنه قال ذلك عالما بأنه كذب فهذا قد كذب عليه أما إذا افتراه ورواه رواية ساذجة ففيه نظر لا سيما والصحابة عدول بتعديل الله لهم.
فالكذب لو وقع من أحد ممن يدخل فيهم لعظم ضرره في الدين فأراد ﷺ قتل من كذب عليه وعجل عقوبته ليكون ذلك عاصما من أن يدخل في العدول من ليس منهم المنافقين ونحوهم.
وأما من روى حديثا يعلم أنه كذب فهذا حرام كما صح عنه أنه قال: " من روى عني حديثا يعلم أنه كذب فهو أحد الكاذبين " لكن لا يكفر إلا أن ينضم إلى روايته ما يوجب الكفر لأنه صادق في أن شيخه حدثه به لكن لعلمه بأن شيخه كذب فيه لم تكن تحل له الرواية فصار بمنزلة أن يشهد على إقرار أو شهادة أو عقد وهو يعلم أن ذلك باطل فإن هذه الشهادة حرام لكنه ليس بشاهد زور.
وعلى هذا القول فمن سبه فهو أولى بالقتل ممن كذب عليه فإن الكاذب عليه قد زاد في الدين ما ليس منه وهذا قد طعن في الدين بالكلية وحينئذ
стр. 176
فالنبي ﷺ قد أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة فكذلك الساب له أولى.
فإن قيل: الكذب عليه فيه مفسدة وهو أن يصدق في خبره فيزاد في الدين ما ليس منه أو ينتقص منه ما هو منه والطاعن عليه قد علم بطلان كلامه بما أظهر الله من آيات النبوة.
قيل: والمحدث عنه لا يقبل خبره إن لم يكن عدلا ضابطا فليس كل من حدث عنه قبل خبره لكن قد يظن عدلا وليس كذلك والطاعن عليه قد يؤثر طعنه في نفوس كثير من الناس ويسقط حرمته من كثير من القلوب فهو أوكد على أن الحديث عنه له دلائل يميز بها بين الكذب والصدق.
القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلظ عقوبته لكن لا يكفر ولا يجوز قتله لأن موجبات الكفر والقتل معلومة وليس هذا منها فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنا لعيب ظاهر فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاما يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة مثل حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرا ولا ريب أنه كافر حلال الدم.
وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي ﷺ علم أنه كان منافقا فقتله لذلك لا للكذب.
وهذا الجواب ليس بشيء لأن النبي ﷺ لم يكن من سننه أنه يقتل أحد من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن بنفاقهم فكيف يقتل رجلا بمجرد علمه بنفاقه؟ ثم إنه سمى خلقا
стр. 177
من المنافقين لحذيفة وغيره ولم يقتل منهم أحدا.
وأيضا فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي ﷺ كذبا له فيه غرض وعليه رتب القتل فلا تجوز إضافة القتل إلى سبب آخر.
وأيضا فإن الرجل إنما قصد بالكذب نيل شهوته ومثل هذا قد يصدر من الفساق كما يصدر من الكفار.
وأيضا فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسبب ماض فإن كان لهذه فقد ثبت أن الكذب عليه نفاق والمنافق كافر وإذا كان النفاق متقدما وهو المقتضي للقتل لا غيره فعلام يؤخر الأمر بقتله إلى هذا الحين؟ وعلام لم يؤاخذه الله تعالى بذلك النفاق حتى فعل ما فعل.
وأيضا فإن القوم أخبروا رسول الله ﷺ بقوله فقال: "كذب عدو الله" ثم أمر بقتله إن وجده حيا ثم قال: "ما أراك تجده حيا" لعلمه ﷺ بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة.
والنبي ﷺ إذا أمر بالقتل أو غيره من العقوبات والكفارات عقب فعل وصف له صالح لترتب ذلك الجزاء عليه كان ذلك الفعل هو المقتضي لذلك الجزاء ولا غيره كما أن الأعرابي لما وصف له الجماع في رمضان أمره بالكفارة ولما أقر عنده ماعز والغامدية وغيرهما بالزنا أمر بالرجم وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه نعم قد يختلفون في نفس الموجب هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها وهو نوع من تنقيح المناط فأما أن يجعل ذلك الفعل عديم التأثير والموجب لتلك العقوبة غيره الذي لم يذكر وهذا فاسد بالضرورة لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا وهو أن هذا الرجل كذب على
стр. 178
النبي ﷺ كذبا يتضمن انتقاصه وعيبه لأنه زعم أن النبي ﷺ حكمه في دمائهم وأموالهم وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكما في الدماء والأموال.
ومعلوم أن النبي ﷺ لا يحلل الحرام ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه ونسب النبي ﷺ إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خاليا بها وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين وهذا طعن على النبي ﷺ وعيب له وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة وهو المقصود في هذا المكان فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير استتابة على كلا القولين.
ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن لبادروا إلى الإنكار عليه ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ذلك من النبي ﷺ لما تعارض وجوب طاعة الرسول وعظم ما أتاهم به هذا اللعين ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به والأغراض في الغالب إما مال أو شرف كما أن المسيء إنما يقصد إذا لم يقصد مجرد الإضلال إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم أو تحصيل الشهوات الظاهرة وبالجملة فمن قال أو فعل
стр. 179
ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله.
السنة الرابعة عشرة: حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت فأراد المسلمون قتله ثم قال النبي ﷺ : "لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار " وسيأتي ذكره في ضمن الأحاديث المتضمنة لعفوه عمن آذاه فإن هذا الحديث يدل على أن من آذاه إذا قتل دخل النار وذلك دليل على كفره وجواز قتله وإلا كان يكون شهيدا وكان قاتله من أهل النار وإنما عفا النبي ﷺ عنه ثم استرضاه بعد ذلك حتى رضي لأنه كان له أن يعفو عمن آذاه كما سيأتي إن شاء الله.
ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قاله له لما قسم غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فقال عمر: "دعني يا رسول الله ﷺ فأقتل هذا المنافق" فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي " ثم أخبر أنه يخرج من ضئضه أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وذكر حديث الخوارج رواه مسلم فإن النبي ﷺ لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوما كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه لما قال: "ما فعلت ذلك كفرا ولا رغبة عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام" فقال النبي ﷺ : " إنه قد صدقكم " فقال عمر: "دعني أضرب عنق هذا المنافق" فقال: " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل
стр. 180
الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فبين ﷺ أنه باق على إيمانه وأنه صدر منه ما يغفر له به الذنوب فعلم أن دمه معصوم وهنا علل بمفسدة زالت.
فعلم أن قتل مثل هذا القائل إذا أمنت هذه المفسدة جائز وكذلك لما أمنت هذه المفسدة أنزل الله قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ بعد أن كان قد قال له: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال زيد بن أسلم: "قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ نسخت ما كان قبلها".
ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبيّ لما قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ وقال: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " والقصة مشهورة وهي في الصحيحين وستأتي إن شاء الله تعالى.
فعلم أن من آذى النبي ﷺ بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة وإنما ترك النبي ﷺ قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفا.
ومن هذا الباب: أن النبي ﷺ لما قال: " من يعذرني
следующие страницы →