Полный текст (591 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
فالنبي ﷺ قد أمر بقتل الذي كذب عليه من غير استتابة فكذلك الساب له أولى.
فإن قيل: الكذب عليه فيه مفسدة وهو أن يصدق في خبره فيزاد في الدين ما ليس منه أو ينتقص منه ما هو منه والطاعن عليه قد علم بطلان كلامه بما أظهر الله من آيات النبوة.
قيل: والمحدث عنه لا يقبل خبره إن لم يكن عدلا ضابطا فليس كل من حدث عنه قبل خبره لكن قد يظن عدلا وليس كذلك والطاعن عليه قد يؤثر طعنه في نفوس كثير من الناس ويسقط حرمته من كثير من القلوب فهو أوكد على أن الحديث عنه له دلائل يميز بها بين الكذب والصدق.
القول الثاني: أن الكاذب عليه تغلظ عقوبته لكن لا يكفر ولا يجوز قتله لأن موجبات الكفر والقتل معلومة وليس هذا منها فلا يجوز أن يثبت ما لا أصل له ومن قال هذا فلا بد أن يقيد قوله بأنه لم يكن الكذب عليه متضمنا لعيب ظاهر فأما إن أخبر أنه سمعه يقول كلاما يدل على نقصه وعيبه دلالة ظاهرة مثل حديث عرق الخيل ونحوه من الترهات فهذا مستهزئ به استهزاء ظاهرا ولا ريب أنه كافر حلال الدم.
وقد أجاب من ذهب إلى هذا القول عن الحديث بأن النبي ﷺ علم أنه كان منافقا فقتله لذلك لا للكذب.
وهذا الجواب ليس بشيء لأن النبي ﷺ لم يكن من سننه أنه يقتل أحد من المنافقين الذين أخبر الثقة عنهم بالنفاق أو الذين نزل القرآن بنفاقهم فكيف يقتل رجلا بمجرد علمه بنفاقه؟ ثم إنه سمى خلقا
стр. 177
من المنافقين لحذيفة وغيره ولم يقتل منهم أحدا.
وأيضا فالسبب المذكور في الحديث إنما هو كذبه على النبي ﷺ كذبا له فيه غرض وعليه رتب القتل فلا تجوز إضافة القتل إلى سبب آخر.
وأيضا فإن الرجل إنما قصد بالكذب نيل شهوته ومثل هذا قد يصدر من الفساق كما يصدر من الكفار.
وأيضا فإما أن يكون نفاقه لهذه الكذبة أو لسبب ماض فإن كان لهذه فقد ثبت أن الكذب عليه نفاق والمنافق كافر وإذا كان النفاق متقدما وهو المقتضي للقتل لا غيره فعلام يؤخر الأمر بقتله إلى هذا الحين؟ وعلام لم يؤاخذه الله تعالى بذلك النفاق حتى فعل ما فعل.
وأيضا فإن القوم أخبروا رسول الله ﷺ بقوله فقال: "كذب عدو الله" ثم أمر بقتله إن وجده حيا ثم قال: "ما أراك تجده حيا" لعلمه ﷺ بأن ذنبه يوجب تعجيل العقوبة.
والنبي ﷺ إذا أمر بالقتل أو غيره من العقوبات والكفارات عقب فعل وصف له صالح لترتب ذلك الجزاء عليه كان ذلك الفعل هو المقتضي لذلك الجزاء ولا غيره كما أن الأعرابي لما وصف له الجماع في رمضان أمره بالكفارة ولما أقر عنده ماعز والغامدية وغيرهما بالزنا أمر بالرجم وهذا مما لا خلاف فيه بين الناس نعلمه نعم قد يختلفون في نفس الموجب هل هو مجموع تلك الأوصاف أو بعضها وهو نوع من تنقيح المناط فأما أن يجعل ذلك الفعل عديم التأثير والموجب لتلك العقوبة غيره الذي لم يذكر وهذا فاسد بالضرورة لكن يمكن أن يقال فيه ما هو أقرب من هذا وهو أن هذا الرجل كذب على
стр. 178
النبي ﷺ كذبا يتضمن انتقاصه وعيبه لأنه زعم أن النبي ﷺ حكمه في دمائهم وأموالهم وأذن له أن يبيت حيث شاء من بيوتهم ومقصوده بذلك أن يبيت عند تلك المرأة ليفجر بها ولا يمكنهم الإنكار عليه إذا كان محكما في الدماء والأموال.
ومعلوم أن النبي ﷺ لا يحلل الحرام ومن زعم أنه أحل المحرمات من الدماء والأموال والفواحش فقد انتقصه وعابه ونسب النبي ﷺ إلى أنه يأذن له أن يبيت عند امرأة أجنبية خاليا بها وأنه يحكم بما شاء في قوم مسلمين وهذا طعن على النبي ﷺ وعيب له وعلى هذا التقدير فقد أمر بقتل من عابه وطعن عليه من غير استتابة وهو المقصود في هذا المكان فثبت أن الحديث نص في قتل الطاعن عليه من غير استتابة على كلا القولين.
ومما يؤيد القول الأول أن القوم لو ظهر لهم أن هذا الكلام سب وطعن لبادروا إلى الإنكار عليه ويمكن أن يقال: رابهم أمره فتوقفوا حتى استثبتوا ذلك من النبي ﷺ لما تعارض وجوب طاعة الرسول وعظم ما أتاهم به هذا اللعين ومن نصر القول الأول قال: كل كذب عليه فإنه متضمن للطعن عليه كما تقدم ثم إن هذا الرجل لم يذكر في الحديث أنه قصد الطعن والإزراء وإنما قصد تحصيل شهوته بالكذب عليه وهذا شأن كل من تعمد الكذب عليه فإنه إنما يقصد تحصيل غرض له إن لم يقصد الاستهزاء به والأغراض في الغالب إما مال أو شرف كما أن المسيء إنما يقصد إذا لم يقصد مجرد الإضلال إما الرياسة بنفاذ الأمر وحصول التعظيم أو تحصيل الشهوات الظاهرة وبالجملة فمن قال أو فعل
стр. 179
ما هو كفر كفر بذلك وإن لم يقصد أن يكون كافرا إذ لا يقصد الكفر أحد إلا ما شاء الله.
السنة الرابعة عشرة: حديث الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ لما أعطاه: ما أحسنت ولا أجملت فأراد المسلمون قتله ثم قال النبي ﷺ : "لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار " وسيأتي ذكره في ضمن الأحاديث المتضمنة لعفوه عمن آذاه فإن هذا الحديث يدل على أن من آذاه إذا قتل دخل النار وذلك دليل على كفره وجواز قتله وإلا كان يكون شهيدا وكان قاتله من أهل النار وإنما عفا النبي ﷺ عنه ثم استرضاه بعد ذلك حتى رضي لأنه كان له أن يعفو عمن آذاه كما سيأتي إن شاء الله.
ومن هذا الباب: أن الرجل الذي قاله له لما قسم غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله فقال عمر: "دعني يا رسول الله ﷺ فأقتل هذا المنافق" فقال: " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي " ثم أخبر أنه يخرج من ضئضه أقوام يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم وذكر حديث الخوارج رواه مسلم فإن النبي ﷺ لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه ولم يمنعه لكونه في نفسه معصوما كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة فإنه لما قال: "ما فعلت ذلك كفرا ولا رغبة عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام" فقال النبي ﷺ : " إنه قد صدقكم " فقال عمر: "دعني أضرب عنق هذا المنافق" فقال: " إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل
стр. 180
الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فبين ﷺ أنه باق على إيمانه وأنه صدر منه ما يغفر له به الذنوب فعلم أن دمه معصوم وهنا علل بمفسدة زالت.
فعلم أن قتل مثل هذا القائل إذا أمنت هذه المفسدة جائز وكذلك لما أمنت هذه المفسدة أنزل الله قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ بعد أن كان قد قال له: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال زيد بن أسلم: "قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ نسخت ما كان قبلها".
ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبيّ لما قال: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ وقال: ﴿لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " والقصة مشهورة وهي في الصحيحين وستأتي إن شاء الله تعالى.
فعلم أن من آذى النبي ﷺ بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة وإنما ترك النبي ﷺ قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفا.
ومن هذا الباب: أن النبي ﷺ لما قال: " من يعذرني
стр. 181
في رجل بلغني أذاه في أهلي " قال له سعد بن معاذ: "أنا أعذرك إن كان من الأوس ضربت عنقه" والقصة مشهورة فلما لم ينكر ذلك عليه دل على أن من آذى النبي ﷺ وتنقصه يجوز ضرب عنقه والفرق بين ابن أبيّ وغيره ممن تكلم في شأن عائشة أنه كان يقصد بالكلام فيها عيب رسول الله ﷺ والطعن عليه وإلحاق العار به ويتكلم بكلام ينتقصه به فلذلك قالوا نقتله بخلاف حسان ومسطح وحمنة فإنهم لم يقصدوا ذلك ولم يتكلموا بما يدل على ذلك ولهذا إنما استعذر النبي ﷺ من ابن أبيّ دون غيره ولأجله خطب الناس حتى كاد الحيان يقتتلون.
الحديث الخامس عشر: قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه: حدثني أبي عن المجالد بن سعيد عن الشعبي قال: "لما افتتح رسول الله ﷺ مكة دعا بمال العزى فنثره بين يديه ثم دعا رجلا قد سماه فأعطاه منها ثم دعا أبا سفيان بن حرب فأعطاه منها ثم دعا سعد ابن حريث فأعطاه منها ثم دعا رهطا من قريش فأعطاهم فجعل يعطي الرجل القطعة من الذهب فيها خمسون مثقالا وسبعون مثقالا ونحو ذلك فقام رجل فقال: إنك لبصير حيث تضع التبر ثم قام الثانية فقال مثل ذلك فأعرض عنه النبي ﷺ ثم قام الثالثة فقال: إنك لتحكم وما نرى عدلا قال: "ويحك إذا لا يعدل أحد بعدي " ثم دعا نبي الله ﷺ أبا بكر فقال: "اذهب فاقتله" فذهب فلم يجده فقال: " لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم ".
стр. 182
فهذا الحديث نص في قتل مثل هذا الطاعن على رسول الله ﷺ من غير استتابة وليست هي قصة قسم غنائم حنين ولا قسم التبر الذي بعث به علي من اليمن بل هذه القصة قبل ذلك في قسم مال العزى وكان هدم العزى قبل الفتح في أواخر شهر رمضان سنة ثمان وغنائم حنين قسمت بعد ذلك بالجعرانة في ذي القعدة وحديث علي في سنة عشر.
وهذا الحديث مرسل ومخرجه عن مجالد وفيه لين لكن له ما يؤيد معناه فإنه قد تقدم أن عمر قتل الرجل الذي لم يرض بحكم النبي ﷺ ونزل القرآن بإقراره على ذلك وجرمه أسهل من جرم هذا.
وأيضا فإن في الصحيحين عن أبي سعيد عن النبي ﷺ في حديث الذي لمزه في قسمة الذهيبة التي أرسل بها علي من اليمن وقال: " يا رسول الله اتق الله" أنه قال: "أنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ".
وفي الصحيحين عن علي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " سيخرج قوم في آخر الزمان أحداث الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة ".
стр. 183
وروى النسائي عن أبي برزة قال: "أتى رسول الله ﷺ بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا فقام رجل من وراءه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا وقال: " والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كان هذا منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة ".
فهذه الأحاديث كلها دليل على أن النبي ﷺ أمر بقتل طائفة هذا الرجل العائب عليه وأخبر أن في قتلهم أجرا لمن قتلهم وقال: "لئن أدركتم لأقتلنهم قتل عاد" وذكر أنهم شر الخلق والخليقة.
وفيما رواه الترمذي وغيره عن أبي أمامة أنه قال: "هم شر قتلى تحت أديم السماء خير قتلى من قتلوه" وذكر أنه سمع النبي ﷺ يقول ذلك مرات متعددة وتلا فيهم قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ وقال: "هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم" وتلا فيهم قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ
стр. 184
فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وقال: "زاغوا فزيغ بهم" ولا يجوز أن يكون أمر بقتلهم لمجرد قتالهم الناس كما يقاتل الصائل من قاطع الطريق ونحوه وكما يقاتل البغاة لأن أولئك إنما يشرع قتالهم حتى تنكسر شوكتهم ويكفوا عن الفساد ويدخلوا في الطاعة ولا يقتلون أينما لقوا ولا يقتلون قتل عاد وليسوا شر قتلى تحت أديم السماء ولا يؤمر بقتلهم وإنما يؤمر في آخر الأمر بقتالهم فعلم أن هؤلاء أوجب قتلهم مروقهم من الدين لما غلوا فيه حتى مرقوا منه كما دل عليه قوله في حديث علي: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية فأينما لقيتموهم فاقتلوهم" فرتب الأمر بالقتل على مروقهم فعلم أنه الموجب له ولهذا وصف النبي ﷺ الطائفة الخارجة وقال: "لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم علي لسان محمد لنكلوا عن العمل وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعيرات بيض" وقال: " إنهم يخرجون على خير فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " وهذا كله في الصحيح فثبت أن قتلهم لخصوص صفتهم لا لعموم كونهم بغاة أو محاربين وهذا القدر موجود في الواحد منهم كوجوده في العدد منهم وإنما لم يقتلهم علي ﵁ أول ما ظهروا لأنه لم يبن له أنهم الطائفة المنعوتة حتى سفكوا دم ابن خباب وأغاروا على سرح الناس فظهر فيهم قوله: " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان " فعلم أنهم المارقون ولأنه لو قتلهم قبل المحاربة لربما غضبت لهم قبائلهم وتفرقوا على علي ﵁ وقد كان حاجته إلى مداراة عسكره واستئلافهم
стр. 185
كحال النبي ﷺ في حاجته في أول الأمر إلى استئلاف المنافقين.
وأيضا فإن القوم لم يعترضوا لرسول الله ﷺ بل كانوا يعظمونه ويعظمون أبا بكر وعمر ولكن غلوا في الدين غلوا جازوا به حده لنقص عقولهم فصاروا كما تأوله علي فيهم من قوله : ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ .
وأوجب ذلك لهم عقائد فاسدة ترتب عليها أفعال منكرة كفرهم بها كثير من الأمة وتوقف فيها آخرون فلما رأى النبي ﷺ الرجل الطاعن عليه في القسمة الناسب له عدم العدل بجهله وغلوه وظنه أن العدل هو ما يعتقده من التسوية بين جميع الناس دون النظر إلى ما في تخصيص بعض الناس وتفضيله من مصلحة التأليف وغيرها من المصالح علم أن هذا أول أولئك فإنه إذا طعن عليه في وجهه على سنته فهو يكون بعد موته وعلى خلفائه أشد طعنا.
وقد حكى أرباب المقالات عن الخوارج أنهم يجوزون على الأنبياء الكبائر ولهذا لا يلتفتون إلى السنة المخالفة في رأيهم لظاهر القرآن وإن كانت متواترة فلا يرجمون الزاني ويقطعون يد السارق فيما قل أو كثر زعما منهم على ما قيل أن لا حجة إلا القرآن وأن السنة الصادرة عن الرسول ﷺ ليست حجة بناء على ذلك الأصل الفاسد
стр. 186
قال من حكى ذلك عنهم: إنهم لا يطعنون في النقل لتواتر ذلك وإنما يبنونه على هذا الأصل ولهذا قال النبي ﷺ في صفتهم: "إنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" يتأولونه برأيهم من غير استدلال على معانيه بالسنة وهم لا يفهمونه بقلوبهم إنما يتلونه بألسنتهم والتحقيق أنهم أصناف مختلفة فهذا رأي طائفة منهم وطائفة قد يكذبون النقلة وطائفة لم يسمعوا ذلك ولم يطلبوا علمه وطائفة يزعمون أن ما ليس له ذكر في القرآن بصريحه ليس حجة على الخلق: إما لكونه منسوخا أو مخصوصا بالرسول أو غير ذلك وكذلك ما ذكر من تجويزهم الكبائر فأظنه والله أعلم قول طائفة منهم وعلى كل حال فمن كان يعتقد أن النبي ﷺ جائر في قسمه يقول إنه يفعلها بأمر الله فهو مكذب له ومن زعم أن يجور في حكم أو قسمة فقد زعم أنه جائر وأن إتباعه لا يجب وهو مناقض لما تضمنته الرسالة من أمانته ووجوب طاعته وزوال الحرج عن الجنس من قضائه بقوله وفعله فإنه قد بلغ عن الله أنه أوجب طاعته والانقياد لحكمه وأنه لا يحيف على أحد فم طعن في هذا فقد طعن في صحة تبليغه وذلك طعن في نفس الرسالة وبهذا يتبين صحة رواية من روى الحديث "ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل" لأن هذا الطاعن يقول: أنه رسول الله وأنه يجب عليه تصديقه وطاعته فإذا قال إنه لم يعدل فقد لزم أنه صدق غير عدل ولا أمين ومن اتبع مثل ذلك فهو خائب خاسر كما وصفهم الله بأنهم من الأخسرين أعمالا وإن حسبوا أنهم يحسنون صنعا ولأنه من لم يؤتمن على المال يؤتمن على ما هو أعظم منه ولهذا قال ﷺ : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " وقال ﷺ لما قال له اتق الله: "أولست
стр. 187
أحق أهل الأرض أن يتق الله" وذلك لأن الله قال فيما بلغه إليهم الرسول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ بعد قوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية فبين سبحانه أنه ما نهى عنه من مال الفيء فعلينا أن ننتهي عنه فيجب أن يكون أحق أهل الأرض أن يتق الله إذ لولا ذلك لكانت الطاعة له ولغيره إن تساويا أو لغيره دونه إن كان دونه وهذا كفر بما جاء به وهذا ظاهر.
وقوله ﷺ : "شر الخلق والخليقة" وقوله: "شر قتلى تحت أديم السماء" نص في أنهم من المنافقين لأن المنافقين أسوأ حالا من الكفار كما ذكر أن قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات﴾ نزلت فيهم.
وكذلك في حديث أبي أمامة أن قوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ نزلت فيهم هذا مما لا خلاف فيه إذا صرحوا بالطعن في الرسول والعيب عليه كفعل أولئك اللامزين له.
فإذا ثبت بهذه الأحاديث الصحيحة أنه ﷺ أمر بقتل من كان من جنس ذلك الرجل الذي لمزه أينما لقوا وأخبر أنهم شر الخليقة وثبت أنهم من المنافقين كان ذلك دليلا على صحة معنى حديث الشعبي في استحقاق أصلهم للقتل.
يبقى أن يقال: ففي الأحاديث الصحيحة أنه نهى عن قتل ذلك اللامز.
فنقول: حديث الشعبي هو أول ظهور هؤلاء كما تقدم فالأشبه والله
стр. 188
أعلم أن يكون أمر بقتله أولا طمعا في انقطاع أمرهم وإن كان قد كان يعفو عن أكثر المنافقين لأنه خاف من هذا انتشار الفساد من بعده على الأمة ولهذا قال: "لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم" وكان ما يحصل لقتله من المصلحة العظيمة أعظم مما يخاف من نفور بعض الناس بقتله فلما لم يوجد وتعذر قتله ومع النبي ﷺ بما أوحاه الله إليه من العلم ما فضله الله به فكأنه علم أنه لا بد من خروجهم أنه لا مطمع في استئصالهم كما أنه لما علم أن الدجال خارج لا محالة نهى عمر عن قتل ابن صياد وقال: "إن يكنه فلن تسلط عليه وإن لا يكنه فلا خير لك في قتله" فكان هذا مما أوجب نهيه بعد ذلك عن قتل ذي الخويصرة لما لمزه في غنائم حنين وكذلك لما قال عمر: "ائذن لي فاضرب عنقه" قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية" إلى قوله: "يخرجون على حين فرقة من الناس " فأمر بتركه لأجل أن له أصحابا خارجين بعد ذلك فظهر أن علمه بأنهم لا بد أن يخرجوا منعه من أن يقتل منهم أحدا فيتحدث الناس بأن محمدا يقتل أصحابه الذين يصلون معه وتنفر بذلك عن الإسلام قلوب كثيرة من غير مصلحة تعمر هذه المفسدة هذا مع أنه كان له أن يعفو عمن آذاه مطلقا بأبي هو وأمي ﷺ .
وبهذا يتبين سبب كونه في بعض الحديث يعلل بأنه يصلي وفي بعضه بأن لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وفي بعضه بأن له أصحابا سيخرجون وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر بعض هذه الأحاديث وإن كان هذا الموضع خليقا بها أيضا.
فثبت أن كل من لمز النبي ﷺ في حكمه أو قسمه فإنه يجب
стр. 189
قتله كما أمر به في حياته وبعد موته وأنه إنما عفا عن ذلك اللامز في حياته كما قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين لما علم أنهم خارجون في الأمة لا محالة وأن ليس في قتل ذلك الرجل كثير فائدة بل فيه من المفسدة ما في قتل سائر المنافقين وأشد.
ومما يشهد لمعنى هذا الحديث قول أبو بكر ﵁ في الحديث المشهور لما أراد أبو برزة أن يقتل الرجل الذي أغلظ لأبي بكر وتغيظ عليه أبو بكر وقال له أبو برزة أقتله فقال أبو بكر: "ما كانت لأحد بعد رسول الله ﷺ أن يقتل أحدا" فإن هذا كما تقدم من دليل على أن الصديق علم أن النبي ﷺ يطاع أمره في قتل من أمر بقتله ممن أغضب النبي ﷺ .
فلما كان في حديث الشعبي أنه أمر أبا بكر بقتل ذلك الذي لمزه حتى أغضبه كانت هذه القصة بمنزلة العمدة لقول الصديق وكان قول صديق ﵁ دليلا على صحة معناها.
ومما يدل على أنهم كانوا يرون قتل من علموا أنه من أولئك الخوارج وإن كان منفردا حديث صبيغ بن عسل وهو مشهور قال أبو عثمان النهدي: "سأل رجل من بني يربوع أو من بني تميم عمر بن الخطاب ﵁ عن الذاريات والمرسلات والنازعات أو عن بعضهن فقال عمر: ضع عن رأسك فإذا له وفرة فقال عمر: أما والله لو رأيتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك ثم قال: ثم كتب إلى أهل البصرة أو قال إلينا أن لا تجالسوه قال: فلو جاء ونحن مئة تفرقنا" رواه الأموي وغيره بإسناد صحيح
стр. 190
فهذا عمر يحالف بين المهاجرين والأنصار أنه لو رأى العلامة التي وصف بها النبي ﷺ الخوارج لضرب عنقه مع أنه هو الذي نهاه النبي ﷺ عن قتل ذي الخويصرة فعلم أنه فهم من قول النبي ﷺ : "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" القتل مطلقا وأن العفو عن ذلك كان في حال الضعف والاستئلاف.
فإن قيل: فما الفرق بين قول هؤلاء اللامزين في كونه نفاقا موجبا للكفر وحل الدم حتى صار جنس هذا القائل شر الخلق وبين ما ذكر من موجدة قريش والأنصار؟.
ففي حديث أبي سعيد الصحيح أن النبي ﷺ لما قسم الذهيبة بين أربعة غضبت قريش والأنصار وقالوا: تعطيه صناديد أهل نجد وتدعنا؟ فقال: "إنما أتألفهم" فأقبل رجل غائر العينين وذكر حديث اللامز.
وفي رواية لمسلم: فقال رجل من أصحابه: كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء قال فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " فقام رجل غائر العينين.
وذكر موجدة الأنصار في غنائم حنين فعن أنس بن مالك أن ناسا من الأنصار قالوا يوم حنين حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل فقالوا: "يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وفي رواية: لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم
стр. 191
وإن غنائمنا ترد عليهم" وفي رواية: فقال الأنصار: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطى الغنائم غيرنا" قال أنس: فحدثت رسول الله ﷺ ذلك من قولهم فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبة من أدم ولم يدع معهم غيرهم فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار: أما ذوو رأينا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا وأما أناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم فقال رسول الله ﷺ : " فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وترجعون إلى رحالكم برسول الله؟ ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به" قالوا: بلى يا رسول الله قد رضينا قال: "فإنكم ستجدون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض" قالوا: "سنصبر ".
قيل: إن أحدا من المؤمنين من قريش والأنصار وغيرهم لم يكن في شيء من كلامه تجوير لرسول الله ﷺ ولا تجويز ذلك عليه ولا اتهام له أنه حابى في القسمة لهوى النفس وطلب الملك ولا نسبة له إلى أنه لم يرد بالقسمة وجه الله تعالى ونحو ذلك مما جاء مثله في كلام المنافقين.
وذوو الرأي من القبيلتين وهم الجمهور لم يتكلموا بشيء أصلا بل قد رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا: "حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله" كما قالت فقهاء الأنصار: "أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئا" وأما الذين تكلموا من أحداث الأسنان ونحوهم فرأوا أن النبي ﷺ إنما يقسم المال لمصالح الإسلام ولا يضعه في محل إلا لأن وضعه فيه أولى من وضعه في غيره هذا مما لا يشكون فيه.
стр. 192
وكان العلم بجهة المصلحة قد تنال بالوحي وقد تنال بالاجتهاد ولم يكونوا علموا أن ذلك مما فعله النبي ﷺ وقال: إنه بوحي من الله فإن من كره ذلك أو اعترض عليه بعد أن يقول ذلك فهو كافر مكذب.
وجوزوا أن يكون قسمه اجتهادا وكانوا يراجعونه بالاجتهاد في الأمور الدنيوية المتعلقة بمصالح الدين وهو باب يجوز له العمل فيه باجتهاده باتفاق الأمة وربما سألوه عن الأمر لا لمراجعته فيه لكن ليتثبتوا وجهه ويتفقهوا في سننه ويعلموا علته.
وكانت المراجعة المشهورة منهم لا تعدو هذين الوجهين: إما لتكميل نظره ﷺ في ذلك إن كان من الأمور السياسة التي للاجتهاد فيها مساغ أو ليتبين لهم وجه ذلك إذا ذكر ويزدادوا علما وإيمانا وينفتح لهم طريق التفقه فيه.
فالأول كمراجعة الحباب بن المنذر له لما نزل ببدر منزلا قال: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل الذي نزلته أهو منزل أنزلكه الله فليس لنا أن نتعداه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: إن هذا ليس بمنزل قتال فقبل رسول الله ﷺ رأيه وتحول إلى غيره.
وكذلك أيضا لما عزم أن يصالح غطفان عام الخندق على نصف تمر المدينة ثم جاء سعد بن معاذ في طائفة من الأنصار فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي هذا الذي تعطيهم أشيء من الله أمرك فسمع وطاعة لله ولرسوله أم شيء من قبل رأيك؟ قال: " لا بل من قبل رأيي أني رأيت القوم أعطوا الأموال فجمعوا لكم ما رأيتم من القبائل وإنما أنتم قبيل
стр. 193
واحد فأردت أن أدفع بعضهم ونعطيهم شيئا وننصب لبعض أشتري بذلك ما قد نزل بكم معشر الأنصار " فقال سعد: والله يا رسول الله لقد كنا في الشرك وما يطمعون منا في أخذ النصف أو كما قال وفي رواية: ما يأكلون منها تمرة إلا بشرى أو قرى فكيف اليوم والله معنا وأنت بين أظهرنا لا نعطيهم ولا كرامة لهم ثم تناول الصحيفة فتفل فيها ثم رمى بها.
وما كان من قبل الرأي والظن في الدنيا فقد قال ﷺ لما سئل عن التلقيح: " ما أظن يعني ذلك شيئا إنما ظننت فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله " رواه مسلم.
وفي حديث آخر: "أنتم أعلم بأمر دنياكم فما كان من أمر دينكم فإليّ ".
ومن هذا الباب حديث سعد بن أبي وقاص قال: أعطى رسول الله ﷺ رهطا وأنا جالس فترك رجلا منهم هو أعجبهم إلي فقمت فقلت له: يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا وتركت فلانا وهو مؤمن فقال: "أو مسلم" ذكر ذلك سعد له ثلاثا وأجابه بمثل ذلك ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكب في النار على وجهه" متفق عليه.
فإنما سأله سعد ﵁ ليذكر النبي ﷺ بذلك الرجل لعله يرى أنه ممن ينبغي إعطاؤه أو ليتبين لسعد وجه تركه مع إعطاء من هو دونه فأجابه النبي ﷺ عن المقدمتين فقال: إن العطاء ليس لمجرد الإيمان بل أعطي وأمنع والذي أترك أحب إلي من الذي أعطيه لأن
стр. 194
الذي أعطيه لو لم أعطه لكفر فأعطيه لأحفظ عليه إيمانه ولا أدخله في زمرة من يعبد الله على حرف والذي أمنعه معه من اليقين والإيمان ما يغنيه عن الدنيا وهو أحب إلي وعندي أفضل وهو يعتصم بحبل الله ورسوله ويعتاض بنصيبه من الدين عن نصيبه من الدنيا كما اعتاض به أبو بكر وغيره وكما اعتاضت الأنصار حين ذهب الطلقاء وأهل نجد بالشاة والبعير وانطلقوا هم برسول الله ﷺ ثم لو كان العطاء لمجرد الإيمان فمن أين لك أن هذا مؤمن؟ بل يجوز أن يكون مسلما وإن لم يدخل الإيمان في قلبه فإن النبي ﷺ أعلم من سعد بتمييز المؤمن من غيره حيث أمكن التمييز.
ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن إسحاق عن محمد بن إبراهيم بن الحارث أن قائلا قال: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة من الإبل مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري فقال رسول الله ﷺ : " أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض كلها مثل عيينة والأقرع ولكني تألفتهما على إسلامهما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه ".
وقد ذكر بعض أهل المغازي في حديث الأنصار: وددنا أن نعلم من أين هذا إن كان من قبل الله صبرنا وإن كان من رأي رسول الله ﷺ استعتبناه.
فهذا يبين أن من وجد منهم جوز أن يكون القسم وقع باجتهاد في المصلحة فأحب أن يعلم الوجه الذي أعطى به غيره ومنع هو مع فضله على غيره في الإيمان والجهاد وغير ذلك.
стр. 195
وهذا في بادي الرأي هو الموجب للعطاء وأن النبي ﷺ لم يعطيه كما أعطى غيره وهذا معنى قولهم: "استعتبناه" أي طلبنا منه أن يعتبنا أي يزيل عتبنا: إما ببيان الوجه الذي به أعطى غيرنا أو بإعطائنا وقد قال ﷺ : "" فأحب النبي ﷺ أن يعذره في ما أحد أحب إليه العذر من الله من أجل ذلك بعث الرسل مبشرين ومنذرين ما فعل فبين لهم ذلك فلما تبين لهم الأمر بكوا حتى أخضلوا لحاهم ورضوا حق الرضاء والكلام المحكي عنهم يدل على أنهم رأوا القسمة وقعت اجتهادا وأنهم أحق بالمال من غيرهم فتعجبوا من إعطاء غيرهم وأرادوا أن يعلموا هل هو وحي أو اجتهاد يتعين إتباعه لأنه المصلحة أو اجتهاد يمكن النبي ﷺ أن يأخذ بغيره إلى رأي أنه أصلح وإن كان هذا القسم إنما يمكن فيما لم يستقر أمره ويقره عليه ربه ولهذا قالوا: "يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟ " وقالوا: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا لتقطر من دمائهم وإن غنائمنا لترد عليهم" وفي رواية: "إذا كانت الشدة فنحن ندعى ويعطي الغنائم غيرنا".
واختلف الناس في العطايا: هل كانت من أصل الغنيمة أو من الخمس؟.
فروي عن سعد بن إبراهيم ويعقوب بن عتبة قالا: كانت العطايا فارغة من الغنائم وعلى هذا فالنبي ﷺ إنما أخذ نصيبهم من المغنم لطيب أنفسهم.
وقد قيل: إنه أراد أن يقطعهم بدل ذلك قطائع من البحرين فقالوا: لا حتى يقطع إخواننا من المهاجرين مثله ولهذا لما جاء مال البحرين وافوه صلاة الفجر وقال لجابر: لو قد جاء مال البحرين أعطيتك كذا وكذا لكن لم يستأذنهم النبي ﷺ قبل القسم لعلمه بأنهم يرضون
стр. 196
بما يفعل وإذا علم الرجل من حال صديقه أنه تطيب نفسه بما يأخذ من ماله فله أن يأخذ وإن لم يستأذنه نطقا وكان هذا معروفا بين كثير من الصحابة والتابعين كالرجل الذي سأل النبي ﷺ كبة من شعر فقال: " أما ما كان لي ولبني هاشم فهو لك " وعلى هذا فلا حرج عليهم إذا سألوا نصيبهم.
وقال موسى بن إبراهيم عن أبيه: "كانت من الخمس".
قال الواقدي: وهو أثبت القولين وعلى هذا فالخمس إما أن يقسمه الإمام باجتهاد كما يقوله مالك أو يقسمه خمسة أقسام كما يقوله الشافعي وأحمد وإذا قسمه خمسة أقسام فإذا لم يوجد يتامى أو مساكين أو ابن سبيل أو استغنوا ردت أنصباؤهم في مصارف سهم الرسول.
وقد كان اليتامى والمساكين وأبناء السبيل إذ ذاك مع قلتهم مستغنين بنصيبهم من الزكاة لأنه لما فتحت خيبر واستغنى أكثر المسلمين رد رسول الله ﷺ على الأنصار منائح النخل التي كانوا قد منحوها للمهاجرين فاجتمع للأنصار أموالهم التي كانت والأموال التي غنموها بخيبر وغيرها فصاروا مياسير ولهذا قال النبي ﷺ في خطبته: "ألم أجدكم عالة فأغناكم الله بي؟ " فصرف النبي ﷺ عامة الخمس في مصارف سهم الرسول؟ فإن أولى المصالح تأليف أولئك القوم ومن زعم أن مجرد خمس الخمس قام بجميع ما أعطي المؤلفة فإنه لم يدر كيف القصة ومن له خبرة بالقصة يعلم أن المال لم يكن يحتمل هذا.
وقد قيل: إن الإبل كانت أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أربعين ألفا أو أقل أو أكثر والورق أربعة آلاف أوقية والغنم كانت تعدل
стр. 197
عشرة منها ببعير فهذا يكون قريبا من ثلاثين ألف بعير فخمس الخمس منه ألف ومئتا بعير وقد قسم في المؤلفة أضعاف ذلك على ما لا خلاف فيه بين أهل العلم.
وأما قول بعض قريش والأنصار في الذهيبة التي بعث بها علي من اليمن: أيعطي صناديد أهل نجد ويدعنا؟ فمن هذا الباب أيضا إنما سألوا على هذا الوجه.
وها هنا جوابان آخران:
الجواب الأول: أن بعض أولئك القائلين قد كان منافقا يجوز قتله مثل الذي سمعه ابن مسعود يقول في غنائم حنين: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله وكان في ضمن قريش والأنصار منافقون كثيرون فما ذكر من كلمة لا مخرج لها فإنما صدرت من منافق والرجل الذي ذكر عنه أبو سعيد أنه قال: "كنا أحق بهذا من هؤلاء" ولم يسمه منافقا والله أعلم.
الجواب الثاني: أن الاعتراض قد يكون ذنبا ومعصية يخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن نفاقا مثل قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ومثل مراجعتهم له في فسخ الحج إلى العمرة وإبطائهم عن الحل وكذلك كراهتهم للحل عام الحديبية وكراهتهم للصلح ومراجعة من راجع منهم فإن من فعل ذلك فقد أذنب ذنبا كان عليه أن يسغفر الله منه كما أن الذين رفعوا أصواتهم فوق صوته أذنبوا ذنبا
стр. 198
تابوا منه وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ .
قال سهل بن حنيف: "اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لفعلت".
فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين كما صدر عن حاطب التجسس لقريش مع أنها ذنوب ومعاص يجب على صاحبها أن يتوب وهي بمنزلة عصيان أمر النبي ﷺ .
ومما يدخل في هذا حديث أبي هريرة في فتح مكة قال: فقال رسول الله ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن " فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أدركته رغبة في قرابته ورأفة في بعشيرته.
قال أبو هريرة: وجاء الوحي وكان إذا جاء لا يخفى علينا فإذا جاء فليس أحدا منا يرفع طرفه إلى رسول الله ﷺ حتى ينقضي الوحي.
قال رسول الله ﷺ : " يا معشر الأنصار" قالوا: لبيك يا رسول الله قال: "قلتم أما الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته؟ " قالوا: قد كان ذلك قال: "كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم المحيا محياكم والممات مماتكم" فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا إلا لظن بالله وبرسوله فقال رسول الله ﷺ : "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم " رواه مسلم.
стр. 199
وذلك أن الأنصار لما رأوا النبي ﷺ قد آمن أهل مكة وأقرهم على أموالهم ودمائهم مع دخوله عليهم عنوة وقهرا وتمكنه من قتلهم وأخذ أموالهم لو شاء خافوا أن يكون النبي ﷺ يريد أن يستوطن مكة ويستبطن قريشا لأن البلد بلده والعشيرة عشيرته وأن يكون نزاع النفس إلى الوطن والأهل يوجب انصرافه عنهم فقال من قال منهم ذلك ولم يقله الفقهاء وأولو الألباب الذين يعلمون أنه لم يكن له سبيل إلى استيطان مكة فقالوا ذلك لا طعنا ولا عيبا ولكن ضنا بالله وبرسوله والله ورسوله قد صدقاهم أنما حملهم على ذلك الضن بالله ورسوله وعذراهم فيما قالوا لما رأوا وسمعوا ولأن مفارقة الرسول شديد على مثل أولئك المؤمنين الذين هم شعار وغيرهم دثار والكلمة التي تخرج عن محبة وتعظيم وتشريف وتكريم تغفر لصاحبها بل يحمد عليها وإن كان مثلها لو صدر بدون ذلك استحق صاحبها النكال.
وكذلك الفعل ألا ترى أن النبي ﷺ لما قال لأبي بكر حين أراد أن يتأخر عن موقعه في الصلاة لما أحس بالنبي ﷺ : "مكانك" فتأخر أبو بكر فقال له النبي ﷺ : "ما منعك أن تثبت مكانك وقد أمرتك" فقال: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي النبي ﷺ .
وكذلك أبو أيوب الأنصاري لما استأذن النبي ﷺ في أن ينتقل إلى السفل وأن يصعد رسول الله ﷺ إلى العلو وشق عليه أن يسكن فوق رسول الله ﷺ فأمره رسول الله ﷺ بالمكث في مكانه وذكر له
стр. 200
أن سكناه أسفل أرفق به من أجل دخول الناس عليه فامتنع أبو أيوب من ذلك أدبا مع النبي ﷺ وتوقيرا له فكلمة الأنصار ﵃ من هذا الباب.
وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام:
إحداهن: ما هو كفر مثل قوله: "إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله".
الثاني: ما هو ذنب ومعصية يخاف على صاحبه أن يحبط عمله مثل رفع الصوت فوق صوته ومثل مراجعة من راجعه عام الحديبية بعد ثباته على الصلح ومجادلة من جادله يوم بدر بعد ما تبين له الحق وهذا كله يدخل في المخالفة عن أمره.
الثالث: ما ليس من ذلك بل يحمد عليه صاحبه أو لا يحمد كقول عمر: "ما بالنا نقصر الصلاة وقد أمنا؟ " وكقول عائشة: "ألم يقل الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِه﴾ " وكقول حفصة: "ألم يقل الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا﴾ " وكمراجعة الحباب في منزل بدر ومراجعة سعد في صلح غطفان على نصف تمر المدينة ومثل مراجعتهم له لما أمرهم بكسر الآنية التي فيها لحوم الحمر فقالوا: "أو لا نغسلها" فقال: "اغسلوها" وكذلك رد عمر لأبي هريرة لما خرج مبشرا ومراجعته للنبي ﷺ في ذلك وكذلك مراجعته له لما أذن له في نحر الظهر في بعض المغازي وطلبه منه أن يجمع الأزواد ويدعو الله ففعل ما أشار به عمر ونحو ذلك مما فيه سؤال عن إشكال ليتبين لهم أو عرض لمصلحة قد يفعلها الرسول ﷺ .
فهذا ما اتفق ذكره من السنن المأثورة عن النبي ﷺ في قتل
стр. 201
من سبه من معاهد وغير معاهد وبعضها نص في المسألة وبعضها ظاهر وبعضها مستنبط مستخرج استنباطا قد يقوى في رأي من فهمه وقد يتوقف عنه من لم يفهمه أو لم يتوجه عنده أو رأى أن الدلالة منه ضعيفة ولن يخفى الحق على من توخاه وقصده ورزقه الله تعالى بصيرة وعلما والله أعلم.
فصل.
وأما إجماع الصحابة ﵃ فلأن ذلك نقل عنهم في قضايا متعددة ينتشر مثلها ويستفيض ولم ينكرها أحد منهم فصارت إجماعا.
واعلم أنه لا يمكن ادعاء إجماع الصحابة على مسالة فرعية بأبلغ من هذا الطريق.
فمن ذلك ما ذكره سيف بن عمر التميمي في كتاب "الردة والفتوح" عن شيوخه قال: "ورفع إلى المهاجر يعني المهاجر بن أبي أمية وكان أميرا على اليمامة ونواحيها امرأتان مغنيتان غنت إحداهما بشتم النبي ﷺ فقطع يدها ونزع ثنيتيها وغنت الأخرى بهجاء المسلمين فقطع يدها ونزع ثنيتيها فكتب إليه أبو بكر: بلغني الذي سرت به في المرأة التي تغنت وزمرت بشتم النبي ﷺ فلولا ما قد سبقتني لأمرتك بقتلها لأن حد الأنبياء ليس يشبه الحدود فمن تعاطى ذلك من مسلم فهو مرتد أو معاهد فهو محارب غادر".
وكتب إليه أبو بكر في التي تغنت في بهجاء المسلمين: "أما بعد فإنه بلغني أنك قطعت يد امرأة في أن تغنت بهجاء المسلمين ونزعت ثنيتيها فإن كانت ممن تدعي الإسلام فأدب وتقدمة دون المثلة وإن كانت ذمية فلعمري لما صفحت عنه من الشرك أعظم ولو كنت تقدمت إليك في مثل هذا لبلغت
стр. 202
مكروهك فاقبل الدعة وإياك في المثلة في الناس فإنها مأثم ومنفرة إلا في قصاص.
وقد ذكر هذه القصة غير سيف وهذا يوافق ما تقدم عنه أن من شتم النبي ﷺ كان له أن يقتله وليس ذلك لأحد بعده وهو صريح في وجوب قتل من سب النبي ﷺ من مسلم ومعاهد وإن كان امرأة وأنه يقتل بدون استتابة بخلاف من سب الناس وأن قتله حد للأنبياء كما جلد من سب غيرهم حد له وإنما لم يأمر أبو بكر بقتل تلك المرأة لأن المهاجر سبق منه فيها حد باجتهاده فكره أبو بكر أن يجمع عليها حدين مع أنه لعلها أسلمت أو تابت فقبل المهاجر توبتها قبل كتاب أبي بكر وهو محل اجتهاد سبق منه فيه حكم فلم يغيره لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وكلامه يدل على أنه إنما منعه من قتلها ما سبق من المهاجر.
وروى حرب في مسائله عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: أتي عمر برجل سب النبي ﷺ فقتله ثم قال عمر: "من سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فاقتلوه" قال ليث: وحدثني مجاهد عن ابن عباس قال: "أيما مسلم سب الله أو سب أحدا من الأنبياء فقد كذب برسول الله ﷺ وهي ردة يستتاب فإن رجع وإلا قتل وأيما معاهد عاند فسب الله أو سب أحدا من الأنبياء أو جهر به فقد نقض العهد فاقتلوه".
وعن أبي مشجعه بن ربعي قال: "لما قدم عمر بن الخطاب الشام قام قسطنطين بطريق الشام وذكر معاهدة عمر له وشروطه عليهم
стр. 203
قال: اكتب بذلك كتابا قال عمر: نعم فبينما هو يكتب الكتاب إذ ذكر عمر فقال: إني استثني عليك معرة الجيش مرتين قال: لك ثنتان وقبح الله من أقالك فلما فرغ عمر من الكتاب قال له: يا أمير المؤمنين قم في الناس فأخبرهم الذي جعلت لي وفرضت علي ليتناهوا عن ظلمي قال عمر: نعم فقام في الناس فحمد الله وأثنى عليه فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له فقال النبطي: إن الله لا يضل أحدا فقال عمر: ما يقول؟ قال: لا شيء وعاد النبطي لمقالته فقال: أخبروني ما يقول قالوا: يزعم أن الله لا يضل أحدا قال عمر: إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن الذي فيه عيناك وعاد عمر ولم يعد النبطي فلما فرغ عمر أخذ النبطي الكتاب" رواه حرب.
فهذا عمر ﵁ بمحضر من المهاجرين والأنصار يقول لمن عاهده: إنا لم نعطك العهد على أن تدخل علينا في ديننا وحلف لئن عاد ليضربن عنقه فعلم بذلك إجماع الصحابة على أن أهل العهد ليس لهم أن يظهروا الاعتراض علينا في ديننا وأن ذلك منهم مبيح لدمائهم.
وإن من أعظم الاعتراضات سب نبينا ﷺ وهذا ظاهر لا خفاء به لأن إظهار التكذيب بالقدر من إظهار شتم رسول الله ﷺ .
وإنما لم يقتله عمر لأنه لم يكن قد تقرر عنده أن هذا الكلام طعنا في ديننا لجواز أن يكون اعتقد أن عمر قال ذلك من عنده فلما تقدم إليه عمر وبين له أن هذا ديننا قال له: "لئن عدت لأقتلنك".
стр. 204
ومن ذلك ما استدل به الإمام أحمد ورواه عنه هشيم: ثنا حصين عمن حدثه عن ابن عمر قال: مر به راهب فقيل له: هذا يسب النبي ﷺ فقال ابن عمر: "لو سمعته لقتلته إنا لم نعطهم الذمة على أن يسبوا نبينا ﷺ ".
ورواه أيضا من حديث الثوري عن حصين عن الشيخ أن ابن عمر أصلت على راهب سب النبي ﷺ بالسيف وقال: "إنا لم نصالحهم على سب النبي ﷺ ".
والجمع بين الروايتين أن يكون ابن عمر أصلت عليه السيف لعله يكون مقرا بذلك فلما أنكر كف عنه وقال: "لو سمعته لقتلته" وقد ذكر حديث ابن عمر غير واحد.
وهذه الآثار كلها نص في الذمي والذمية وبعضها عام في الكافر والمسلم أو نص فيهما.
وقد تقدم حديث الرجل الذي قتله عمر من غير استتابة حين أبى أن يرضى بحكم النبي ﷺ وحديث كشفه عن رأس صبيغ بن عسل وقوله: "لو رأيتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك" من غير استتابة وإنما ذنب طائفته الاعتراض على سنة الرسول ﷺ .
وقد تقدم عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَات﴾ الآية: "هذه في شأن عائشة وأزواج النبي ﷺ خاصة ليس فيها توبة ومن قذف امرأة مؤمنة فقد جعل الله له توبة" وقال: نزلت في عائشة خاصة واللعنة للمنافقين عامة ومعلوم أن ذاك إنما هو
стр. 205
لأن قذفها أذى للنبي ﷺ ونفاق والمنافق يجب قتله إذا لم تقبل توبته.
وروى الإمام أحمد بإسناده عن سماك بن الفضل عن عروة بن محمد عن رجل من بلقين أن امرأة سبت النبي ﷺ فقتلها خالد بن الوليد وهذه المرأة مبهمة.
وقد تقدم حديث محمد بن مسلمة في ابن يامين الذي زعم أن قتل كعب ابن الأشرف كان غدرا وحلف محمد بن مسلمة لئن وجده خاليا ليقتلنه لأنه نسب النبي ﷺ إلى الغدر ولم ينكر المسلمون عليه ذلك.
ولا يرد على ذلك إمساك الأمير إما معاوية أو مروان عن قتل هذا الرجل لأن سكوته لا يدل على مذهب وهو لم يخالف محمد بن مسلمة ولعل سكوته لأنه لم ينظر في حكم هذا الرجل أو نظر فلم تتبين له حكمة أو لم تنبعث داعيته لإقامة الحد عليه أو ظن أن الرجل قال ذلك معتقدا أنه قتل دون أمر النبي ﷺ أو لأسباب أخر.
وبالجملة فمجرد كفه لا يدل على أنه مخالف لمحمد بن مسلمة فيما قاله وظاهر القصة أن محمد بن مسلمة رآه مخطئا بترك إقامة الحد على ذلك الرجل ولذلك هجره لكن هذا الرجل إنما كان مسلما فإن المدينة لم يكن بها يومئذ أحد من غير المسلمين.
وذكر ابن المبارك: أخبرني حرملة بن عثمان حدثني كعب بن علقمة أن غرفة ابن الحارث الكندي وكانت له صحبة من النبي ﷺ سمع نصرانيا شتم النبي ﷺ فضربه فدق أنفه فرفع ذلك إلى عمرو بن العاص فقال له: "إنا قد أعطيناهم العهد" فقال له غرفة: "معاذ الله أن
стр. 206
نعطيهم العهد على أن يظهروا شتم النبي ﷺ وإنما أعطيناهم العهد على أن نخلي بينهم وبين كنائسهم يعملون فيها ما بدا لهم وأن لا نحملهم على ما لا يطيقون وإن أرادهم عدو قاتلنا دونهم وعلى أن نخلي بينهم وبين أحكامهم إلا أن يأتونا راضين بأحكامنا فنحكم فيهم بحكم الله وحكم رسوله ﷺ وإن غابوا عنا لم نتعرض لهم" فقال عمرو: "صدقت".
فقد اتفق عمرو وغرفة بن الحارث على أن العهد الذي بيننا وبينهم لا يقتضي إقرارهم على إظهار شتم الرسول ﷺ كما اقتضى إقرارهم على ما هم عليه من الكفر والتكذيب فمتى أظهروا شتمه فقد فعلوا ما يبيح الدم من غير عهد عليه فيجوز قتلهم وهذا كقول ابن عمر في الراهب الذي شتم النبي ﷺ : "لو سمعته لقتلته فإنا لم نعطهم العهد على أن يشتموا نبينا ﷺ ".
وإنما لم يقتل هذا الرجل والله أعلم لأن البينة لم تقم عليه بذلك وإنما سمعه غرفة ولعل غرفة قصد قتله بتلك الضربة ولم يمكن من إتمام قتله لعدم البينة بذلك ولأن فيه افتئاتا على الإمام والإمام لم يثبت عنده ذلك.
وعن خليد أن رجلا سب عمر بن عبد العزيز فكتب عمر: "إنه لا يقتل إلا من سب رسول الله ﷺ ولكن اجلده على رأسه أسواطا ولولا أني أعلم أن ذلك خير له لم أفعل" رواه حرب وذكره الإمام أحمد وهذا مشهور عن عمر بن عبد العزيز وهو خليفة راشد عالم بالسنة متبع لها.
فهذا قول أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان
стр. 207
لا يعرف عن صاحب ولا تابع خلاف لذلك بل إقرار عليه واستحسان له.
وأما الاعتبار فمن وجوه:
أحدها: أن عيب ديننا وشتم نبينا مجاهدة لنا ومحاربة فكان نقضا للعهد كالمجاهدة والمحاربة بالأولى.
يبين ذلك أن الله سبحانه قال في كتابه: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ والجهاد بالنفس يكون باللسان كما يكون باليد بل قد يكون أقوى منه قال النبي ﷺ : "جاهدوا المشركين بأيديكم وألسنتكم وأموالكم" رواه النسائي وغيره.
وكان ﷺ يقول لحسان بن ثابت: "اغزهم وغازهم" وكان ينصب له منبرا في المسجد ينافح عن رسول الله ﷺ بشعره وهجائه للمشركين وقال النبي ﷺ : "اللهم أيده بروح القدس" وقال: "إن جبريل معك ما دمت تنافح عن رسول الله ﷺ " وقال: "هي أنكى فيهم من النبل".
وكان عدد من المشركين يكفون عن أشياء مما يؤذي المسلمين خشية هجاء حسان حتى إن كعب بن الأشرف لما ذهب إلى مكة كان كلما نزل عند أهل بيت هجاهم حسان بقصيدة فيخرجونه من عندهم حتى لم يبقى له بمكة من يؤويه.
وفي الحديث: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر " و" أفضل
стр. 208
الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل تكلم بحق عند سلطان جائر فأمر به فقتل ".
وإذا كان شان الجهاد باللسان هذا الشأن في شتم المشركين وهجائهم وإظهار دين الله والدعاء إليه علم أن من شتم دين الله ورسوله وأظهر ذلك وذكر كتاب الله بالسوء علانية فقد جاهد المسلمين وحاربهم وذلك نقض للعهد.
الوجه الثاني؟ : أنا وإن أقررناهم على ما يعتقدونه من الكفر والشرك فهو كإقرارنا لهم على ما يضمرونه لنا من العداوة وإرادة السوء بنا وتمني الغوائل لنا فإننا نحن نعلم أنهم يعتقدون خلاف ديننا ويريدون سفك دمائنا وعلو دينهم ويسعون في ذلك لو قدروا عليه فهذا القدر أقررناهم عليه فإذا عملوا بموجب هذه الإرادة بأن حاربونا وقاتلونا نقضوا العهد كذلك إذا عملوا بموجب تلك العقيدة من إظهار السب لله ولكتابه ولدينه ولرسوله نقضوا العهد إذ لا فرق بين العمل بموجب الإرادة وموجب الاعتقاد.
الوجه الثالث: أن مطلق العهد الذي بيننا وبينهم يقتضي أن يكفوا ويمسكوا عن إظهار الطعن في ديننا وشتم رسولنا كما يقتضي الإمساك عن دمائنا ومحاربتنا لأن معنى العهد أن كل واحد من المتعاهدين يؤمن الآخر مما يحذره منه قبل العهد ومن المعلوم أنا نحذر منهم إظهار كلمة الكفر وسب الرسول وشتمه كما نحذر إظهار المحاربة بل أولى لأنا نسفك الدماء ونبذل الأموال في تعزيز الرسول وتوقيره ورفع ذكره وإظهار شرفه وعلو قدره وهم جميعا يعلمون هذا من ديننا فالمظهر منهم لسبه ناقض للعهد فاعل لما كنا نحذره ونقاتله عليه قبل العهد وهذا واضح.
стр. 209
الوجه الرابع: أن العهد المطلق لو لم يقتض ذلك فالعهد الذي عاهدهم عليه عمر بن الخطاب وأصحاب رسول الله ﷺ معه قد تبين فيه ذلك وسائر أهل الذمة إنما جروا على مثل ذلك العهد.
روى حرب بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن غنم قال: كتب لعمر بن الخطاب حين صالح نصارى أهل الشام: "هذا كتاب لعبد الله أمير المؤمنين من مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا على أن لا نحدث وذكر الشروط إلى أن قال: ولا نظهر شركا ولا ندعوا إليه أحدا وقال في آخره: شرطنا ذلك على أنفسنا وأهلينا وقبلنا عليه الأمان فإن نحن خالفنا عن شيء شرطنا لكم وضمناه على أنفسنا فلا ذمة لنا وقد حل لكم منا ما حل من أهل المعاندة والشقاق".
وقد تقدم قول عمر له في مجلس العقد: "إنا لم نعطك الذي أعطيناك لتدخل علينا في ديننا والذي نفسي بيده لئن عدت لأضربن عنقك" وعمر صاحب الشروط عليهم.
فعلم بذلك أن شروط المسلمين عليهم أن لا يظهروا كلمة الكفر وأنهم متى أظهروها صاروا محاربين وهذا الوجه يوجب أن يكون السب نقضا للعهد عند من يقول: لا ينتقض العهد به إلا إذا شرط عليهم تركه كما خرجه بعض أصحابنا وبعض الشافعية في المذهبين.
وكذلك يوجب أن يكون نقضا للعهد عند من يقول: إذا شرط عليهم انتقاض العهد بفعله انتقض كما ذكره بعض أصحاب الشافعي فإن أهل الذمة إنما هم جارون على شروط عمر لأنه لم يكن بعده إمام عقد عقدا يخالف عقده بل كل الأئمة جارون على حكم عقده والذي سعى أن يضاف إلى من خالف
стр. 210
في هذه المسألة أنه لا يخالف إذا شرط عليهم انتقاض العهد بإظهار السب فإن الخلاف حينئذ لا وجه له البتة مع إجماع الصحابة على صحة هذا الشرط وجريانه على وفق الأصول فإذا كان الأئمة قد شرطوا عليهم ذلك وهو شرط صحيح لزم العمل به على كل قول.
الوجه الخامس: أن العقد مع أهل الذمة على أن تكون الدار لنا تجري فيها أحكام الإسلام وعلى أنهم أهل صغار وذلة على هذا عوهدوا وصولحوا فإظهار شتم الرسول ﷺ والطعن في الدين ينافي كونهم أهل صغار وذلة فإن من أظهر سب الدين والطعن فيه لم يكن من الصغار في شيء فلا يكون عهده باقيا.
الوجه السادس: أن الله فرض علينا تعزيز رسوله وتوقيره وتعزيزه: نصره ومنعه وتوقيره: إجلاله وتعظيمه وذلك يوجب صون عرضه بكل طريق بل ذلك أولى درجات التعزيز والتوقير فلا يجوز أن نصالح أهل الذمة على أن يسمعونا شتم نبينا ويظهروا ذلك فإن تمكينهم من ذلك ترك للتعزيز والتوقير وهم يعلمون أنا لا نصالحهم على ذلك بل الواجب علينا أن نكفهم عن ذلك ونزجرهم عنه بكل طريق وعلى ذلك عاهدناهم فإذا فعلوه فقد نقضوا الشرط الذي بيننا وبينهم.
الوجه السابع: أن نصر رسول الله ﷺ فرض علينا لأنه من التعزيز المفروض ولأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله ولذلك قال سبحانه: ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 211
آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية بل نصر آحاد المسلمين واجب بقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وبقوله: "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه" فكيف لا ينصر رسول الله ﷺ ؟.
ومن أعظم النصر حماية عرضه ممن يؤذيه ألا ترى إلى قوله ﷺ : "من حمى مؤمنا من منافق يؤذيه حمى الله جلده من نار جهنم يوم القيامة".
ولذلك سمى من قابل الشاتم بمثل شتمه منتصرا وسب رجل أبا بكر عند النبي ﷺ وهو ساكت فلما أخذ لينتصر قام فقال: يا رسول الله كان يسبني وأنت قاعد فلما أخذت لأنتصر قمت فقال: "كان الملك يرد عليه فلما انتصرت ذهب الملك فلم أكن لأقعد وقد ذهب الملك" أو كما قال ﷺ .
وهذا كثير معروف في كلامهم يقولون لمن كافى الساب والشاتم "منتصرا" كما يقولون لمن كافى الضارب والقاتل "منتصرا".
وقد تقدم أنه ﷺ قال للذي قتل بنت مروان لما شتمته: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا" وقال للرجل الذي خرق صف المشركين حين ضرب بالسيف ساب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله؟ ".
وحماية عرضه ﷺ في كونه نصرا أبلغ من ذلك في حق
стр. 212
غيره لأن الوقيعة في عرض غيره قد لا تضر مقصودة بل تكتب له بها حسنات.
أما انتهاك عرض رسول الله ﷺ فإنه مناف لدين الله بالكلية فإن العرض متى انتهك سقط الاحترام والتعظيم فسقط ما جاء به من الرسالة فبطل الدين فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن انتهك عرضه والانتصار له بالقتل لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله.
ومن المعلوم أن من سعى في دين الله بالإفساد استحق القتل بخلاف انتهاك عرض غيره معينا فإنه لا يبطل الدين والمعاهد لم نعاهده على ترك الانتصار لرسول الله ﷺ منه ولا من غيره كما لم نعاهده على ترك استيفاء حقوق المسلمين ولا يجوز أن نعاهده على ذلك وهو يعلم أنا لم نعاهده على ذلك فإذا سبه فقد وجب علينا أن ننتصر له بالقتل ولا عهد معه على ترك ذلك فيجب قتله وهذا بين واضح لمن تأمله.
الوجه الثامن: أن الكفار قد عوهدوا على أن لا يظهروا شيئا من المنكرات التي تختص بدينهم في بلاد الإسلام فمتى أظهروها استحقوا العقوبة على إظهارها وإن كان إظهارها دينا لهم فمتى أظهروا سب رسول الله ﷺ استحقوا عقوبة ذلك وعقوبة ذلك القتل كما تقدم.
الوجه التاسع: أنه لا خلاف بين المسلمين علمناه أنهم ممنوعون من إظهار السب وأنهم يعاقبون عليه إذا فعلوه بعد النهي فعلم أنهم لم يقروا عليه كما أقروا على ما هم عليه من كفر وإذا فعلوا ما لم يقروا عليه من الجنايات استحقوا العقوبة بالاتفاق وعقوبة السب إما أن تكون جلدا وحبسا أو قطعا أو قتلا والأول باطل فإن مجرد سب الواحد من المسلمين
стр. 213
وسلطان المسلمين يوجب الجلد والحبس فلو كان سب الرسول كذلك استوى من سب الرسول ومن سب غيره من الأمة وهو باطل بالضرورة والقطع لا معنى له فتعين القتل.
الوجه العاشر: أن القياس الجلي يقتضي أنهم متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه انتقض عهدهم كما ذهب إليه طائفة من الفقهاء فإن الدم مباح بدون العهد والعهد عقد من العقود وإذا لم يف أحد المتعاقدين بما عاقد عليه فإما أن يفسخ العقد بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه هذا أصل مقرر في عقد البيع والنكاح والهبة وغيرها من العقود والحكمة فيه ظاهرة فإنه إنما التزم ما التزمه بشرط أن يلتزم الآخر بما التزمه فإذا لم يلتزمه الآخر صار هذا غير ملتزم فإن الحكم المعلق بشرط لا يثبت بعينه عند عدمه باتفاق العقلاء وإنما اختلفوا في ثبوت مثله.
إذا تبين هذا فإن كان المعقود عليه حقا للعاقد بحيث له أن يبذله بدون الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط بل له أن يفسخه كما إذا شرط رهنا أو كفيلا أو صفة في المبيع وإن كان حقا لله أو لغيره ممن يتصرف له بالولاية ونحوها لم يجز له إمضاء العقد بل ينفسخ العقد بفوات الشرط أو يجب عليه فسخه كما إذا شرط أن تكون الزوجة حرة فظهرت أمة وهو ممن لا يحل له نكاح الإماء أو شرط أن يكون الزوج مسلما فبان كافرا أو شرط أن تكون الزوجة مسلمة فبانت وثنية وعقد الذمة ليس حقا للإمام بل هو حق لله ولعامة المسلمين فإذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم فقد قيل: يجب على الإمام أن يفسخ العقد وفسخه: أن يلحقه بمأمنه ويخرجه من دار الإسلام ظنا أن العقد لا ينفسخ بمجرد المخالفة بل يجب فسخه
стр. 214
وهذا ضعيف لأن المشروط إذا كان حقا لله لا للعاقد انفسخ العقد بفواته من غير فسخ.
وهنا الشروط على أهل الذمة حق لله لا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ منهم الجزية ويعاهدهم على المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموها وإلا وجب عليه قتالهم بنص القرآن ولو فرضنا جواز إقرارهم بدون هذا الشروط فإنما ذاك فيما لا ضرر على المسلمين فيه فأما ما يضر المسلمين فلا يجوز إقرارهم عليه بحال ولو فرض إقرارهم على ما يضر المسلمين في أنفسهم وأموالهم فلا يجوز إقرارهم على إفساد دين الله والطعن على كتابه ورسوله.
ولهذه المراتب قال كثير من الفقهاء: إن عهدهم ينتقض بما يضر المسلمين من المخالفة دون ما لا يضرهم وخص بعضهم ما يضرهم في دينهم دون ما يضرهم في دنياهم والطعن على الرسول أعظم المضرات في دينهم.
إذا تبين هذا فنقول: قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب الرسول وهذا الشرط ثابت من وجهين:
أحدهما: أنه موجب عقد الذمة ومقتضاه كما أن سلامة المبيع من العيوب وحلول الثمن وسلامة المرأة والزوج من موانع الوطء وإسلام الزوج وحريته إذا كانت الزوجة حرة مسلمة هو موجب العقد المطلق ومقتضاه فإن موجب العقد هو ما يظهر عرفا أن العاقد شرطه وإن لم يتلفظ به كسلامة المبيع.
ومعلوم أن الإمساك عن الطعن في الدين وسب الرسول من ما يعلم أن المسلمين يقصدونه بعقد الذمة ويطلبونه كما يطلبون الكف عن مقاتلتهم وأولى فإنه من أكبر المؤذيات والكف عن الأذى العام موجب عقد الذمة وإذا كان ظاهر حال المشترى أنه دخل على أن السلعة سليمة من العيوب حتى يثبت له الفسخ بظهور العيب وإن لم يشرطه فظاهر حال المسلمين الذين
стр. 215
عاقدوا أهل الذمة أنهم دخلوا على أن المشركين يكفون عن إفساد دينهم والطعن فيه بيد أو لسان وأنهم لو علموا أنهم يظهرون الطعن في دينهم لم يعاهدوهم على ذلك وأهل الذمة يعلمون ذلك كعلم البائع أن المشتري إنما دخل معه على أن المبيع سالم بل هذا أظهر وأشهر ولا خفاء به.
الوجه الثاني: في ثبوت هذا الشرط أن الذين عاهدوهم أولا هم أصحاب رسول الله ﷺ عمر ومن كان معه وقد نقلنا العهد الذي بيننا وبينهم وذكرنا أقوال الذين عاهدوهم وهو عهد متضمن أنه شرط عليهم الإمساك عن الطعن في دين المسلمين وأنهم إذا فعلوا ذلك حلت دمائهم وأموالهم ولم يبق بيننا وبينهم عهد وإذا ثبت أن ذلك مشروط عليهم في العقد فزواله يوجب انفساخ العقد لأن الانفساخ أيضا مشروط عليهم ولأن الشرط حق الله كاشتراط إسلام الزوج والزوجة فإذا فات هذا الشرط بطل العقد كما يبطل إذا ظهر الزوج كافرا أو المرأة وثنية أو المبيع غصبا أو حرا أو تجدد بين الزوجين صهر أو رضاع يحرم أحدهما على الآخر أو تلف المبيع بعد القبض فإن هذه الأشياء كما لم يجز الإقدام على العقد مع العلم بها أبطل العقد مقارنتها له أو طروءها عليه فكذلك وجود هذه الأقوال والأفعال من الكافر لما لم يجز للإمام أن يعاهده مع إقامته عليها كان وجودها موجبا لفسخ عقده من غير إنشاء فسخ على أنا لو قدرنا أن العقد لا ينفسخ إلا بفسخ الإمام فإنه يجب عليه فسخه بغير تردد لأنه عقده للمسلمين فإنه لو اشترى الوالي سلعة لليتيم فبانت معيبة وجب عليه استدراك ما فات من مال اليتيم وفسخه يكون بقوله وبفعله وقتله له فسخ لعقده.
نعم لا يجوز له أن يفسخه بجرد القول فإن فيه ضررا على المسلمين وليس للسلطان فعل ما فيه ضرر على المسلمين مع القدرة على تركه وقولنا:
следующие страницы →