← Акыда

Акыда · id 7344

الصارم المسلول على شاتم الرسول

ابن تيمية

Полный текст (591 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية بل نصر آحاد المسلمين واجب بقوله ﷺ : "انصر أخاك ظالما أو مظلوما" وبقوله: "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه" فكيف لا ينصر رسول الله ﷺ ؟. ومن أعظم النصر حماية عرضه ممن يؤذيه ألا ترى إلى قوله ﷺ : "من حمى مؤمنا من منافق يؤذيه حمى الله جلده من نار جهنم يوم القيامة". ولذلك سمى من قابل الشاتم بمثل شتمه منتصرا وسب رجل أبا بكر عند النبي ﷺ وهو ساكت فلما أخذ لينتصر قام فقال: يا رسول الله كان يسبني وأنت قاعد فلما أخذت لأنتصر قمت فقال: "كان الملك يرد عليه فلما انتصرت ذهب الملك فلم أكن لأقعد وقد ذهب الملك" أو كما قال ﷺ . وهذا كثير معروف في كلامهم يقولون لمن كافى الساب والشاتم "منتصرا" كما يقولون لمن كافى الضارب والقاتل "منتصرا". وقد تقدم أنه ﷺ قال للذي قتل بنت مروان لما شتمته: "إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب فانظروا إلى هذا" وقال للرجل الذي خرق صف المشركين حين ضرب بالسيف ساب النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : "أعجبتم من رجل نصر الله ورسوله؟ ". وحماية عرضه ﷺ في كونه نصرا أبلغ من ذلك في حق

стр. 212

غيره لأن الوقيعة في عرض غيره قد لا تضر مقصودة بل تكتب له بها حسنات. أما انتهاك عرض رسول الله ﷺ فإنه مناف لدين الله بالكلية فإن العرض متى انتهك سقط الاحترام والتعظيم فسقط ما جاء به من الرسالة فبطل الدين فقيام المدحة والثناء عليه والتعظيم والتوقير له قيام الدين كله وسقوط ذلك سقوط الدين كله وإذا كان كذلك وجب علينا أن ننتصر له ممن انتهك عرضه والانتصار له بالقتل لأن انتهاك عرضه انتهاك لدين الله. ومن المعلوم أن من سعى في دين الله بالإفساد استحق القتل بخلاف انتهاك عرض غيره معينا فإنه لا يبطل الدين والمعاهد لم نعاهده على ترك الانتصار لرسول الله ﷺ منه ولا من غيره كما لم نعاهده على ترك استيفاء حقوق المسلمين ولا يجوز أن نعاهده على ذلك وهو يعلم أنا لم نعاهده على ذلك فإذا سبه فقد وجب علينا أن ننتصر له بالقتل ولا عهد معه على ترك ذلك فيجب قتله وهذا بين واضح لمن تأمله. الوجه الثامن: أن الكفار قد عوهدوا على أن لا يظهروا شيئا من المنكرات التي تختص بدينهم في بلاد الإسلام فمتى أظهروها استحقوا العقوبة على إظهارها وإن كان إظهارها دينا لهم فمتى أظهروا سب رسول الله ﷺ استحقوا عقوبة ذلك وعقوبة ذلك القتل كما تقدم. الوجه التاسع: أنه لا خلاف بين المسلمين علمناه أنهم ممنوعون من إظهار السب وأنهم يعاقبون عليه إذا فعلوه بعد النهي فعلم أنهم لم يقروا عليه كما أقروا على ما هم عليه من كفر وإذا فعلوا ما لم يقروا عليه من الجنايات استحقوا العقوبة بالاتفاق وعقوبة السب إما أن تكون جلدا وحبسا أو قطعا أو قتلا والأول باطل فإن مجرد سب الواحد من المسلمين

стр. 213

وسلطان المسلمين يوجب الجلد والحبس فلو كان سب الرسول كذلك استوى من سب الرسول ومن سب غيره من الأمة وهو باطل بالضرورة والقطع لا معنى له فتعين القتل. الوجه العاشر: أن القياس الجلي يقتضي أنهم متى خالفوا شيئا مما عوهدوا عليه انتقض عهدهم كما ذهب إليه طائفة من الفقهاء فإن الدم مباح بدون العهد والعهد عقد من العقود وإذا لم يف أحد المتعاقدين بما عاقد عليه فإما أن يفسخ العقد بذلك أو يتمكن العاقد الآخر من فسخه هذا أصل مقرر في عقد البيع والنكاح والهبة وغيرها من العقود والحكمة فيه ظاهرة فإنه إنما التزم ما التزمه بشرط أن يلتزم الآخر بما التزمه فإذا لم يلتزمه الآخر صار هذا غير ملتزم فإن الحكم المعلق بشرط لا يثبت بعينه عند عدمه باتفاق العقلاء وإنما اختلفوا في ثبوت مثله. إذا تبين هذا فإن كان المعقود عليه حقا للعاقد بحيث له أن يبذله بدون الشرط لم ينفسخ العقد بفوات الشرط بل له أن يفسخه كما إذا شرط رهنا أو كفيلا أو صفة في المبيع وإن كان حقا لله أو لغيره ممن يتصرف له بالولاية ونحوها لم يجز له إمضاء العقد بل ينفسخ العقد بفوات الشرط أو يجب عليه فسخه كما إذا شرط أن تكون الزوجة حرة فظهرت أمة وهو ممن لا يحل له نكاح الإماء أو شرط أن يكون الزوج مسلما فبان كافرا أو شرط أن تكون الزوجة مسلمة فبانت وثنية وعقد الذمة ليس حقا للإمام بل هو حق لله ولعامة المسلمين فإذا خالفوا شيئا مما شرط عليهم فقد قيل: يجب على الإمام أن يفسخ العقد وفسخه: أن يلحقه بمأمنه ويخرجه من دار الإسلام ظنا أن العقد لا ينفسخ بمجرد المخالفة بل يجب فسخه

стр. 214

وهذا ضعيف لأن المشروط إذا كان حقا لله لا للعاقد انفسخ العقد بفواته من غير فسخ. وهنا الشروط على أهل الذمة حق لله لا يجوز للسلطان ولا لغيره أن يأخذ منهم الجزية ويعاهدهم على المقام بدار الإسلام إلا إذا التزموها وإلا وجب عليه قتالهم بنص القرآن ولو فرضنا جواز إقرارهم بدون هذا الشروط فإنما ذاك فيما لا ضرر على المسلمين فيه فأما ما يضر المسلمين فلا يجوز إقرارهم عليه بحال ولو فرض إقرارهم على ما يضر المسلمين في أنفسهم وأموالهم فلا يجوز إقرارهم على إفساد دين الله والطعن على كتابه ورسوله. ولهذه المراتب قال كثير من الفقهاء: إن عهدهم ينتقض بما يضر المسلمين من المخالفة دون ما لا يضرهم وخص بعضهم ما يضرهم في دينهم دون ما يضرهم في دنياهم والطعن على الرسول أعظم المضرات في دينهم. إذا تبين هذا فنقول: قد شرط عليهم أن لا يظهروا سب الرسول وهذا الشرط ثابت من وجهين: أحدهما: أنه موجب عقد الذمة ومقتضاه كما أن سلامة المبيع من العيوب وحلول الثمن وسلامة المرأة والزوج من موانع الوطء وإسلام الزوج وحريته إذا كانت الزوجة حرة مسلمة هو موجب العقد المطلق ومقتضاه فإن موجب العقد هو ما يظهر عرفا أن العاقد شرطه وإن لم يتلفظ به كسلامة المبيع. ومعلوم أن الإمساك عن الطعن في الدين وسب الرسول من ما يعلم أن المسلمين يقصدونه بعقد الذمة ويطلبونه كما يطلبون الكف عن مقاتلتهم وأولى فإنه من أكبر المؤذيات والكف عن الأذى العام موجب عقد الذمة وإذا كان ظاهر حال المشترى أنه دخل على أن السلعة سليمة من العيوب حتى يثبت له الفسخ بظهور العيب وإن لم يشرطه فظاهر حال المسلمين الذين

стр. 215

عاقدوا أهل الذمة أنهم دخلوا على أن المشركين يكفون عن إفساد دينهم والطعن فيه بيد أو لسان وأنهم لو علموا أنهم يظهرون الطعن في دينهم لم يعاهدوهم على ذلك وأهل الذمة يعلمون ذلك كعلم البائع أن المشتري إنما دخل معه على أن المبيع سالم بل هذا أظهر وأشهر ولا خفاء به. الوجه الثاني: في ثبوت هذا الشرط أن الذين عاهدوهم أولا هم أصحاب رسول الله ﷺ عمر ومن كان معه وقد نقلنا العهد الذي بيننا وبينهم وذكرنا أقوال الذين عاهدوهم وهو عهد متضمن أنه شرط عليهم الإمساك عن الطعن في دين المسلمين وأنهم إذا فعلوا ذلك حلت دمائهم وأموالهم ولم يبق بيننا وبينهم عهد وإذا ثبت أن ذلك مشروط عليهم في العقد فزواله يوجب انفساخ العقد لأن الانفساخ أيضا مشروط عليهم ولأن الشرط حق الله كاشتراط إسلام الزوج والزوجة فإذا فات هذا الشرط بطل العقد كما يبطل إذا ظهر الزوج كافرا أو المرأة وثنية أو المبيع غصبا أو حرا أو تجدد بين الزوجين صهر أو رضاع يحرم أحدهما على الآخر أو تلف المبيع بعد القبض فإن هذه الأشياء كما لم يجز الإقدام على العقد مع العلم بها أبطل العقد مقارنتها له أو طروءها عليه فكذلك وجود هذه الأقوال والأفعال من الكافر لما لم يجز للإمام أن يعاهده مع إقامته عليها كان وجودها موجبا لفسخ عقده من غير إنشاء فسخ على أنا لو قدرنا أن العقد لا ينفسخ إلا بفسخ الإمام فإنه يجب عليه فسخه بغير تردد لأنه عقده للمسلمين فإنه لو اشترى الوالي سلعة لليتيم فبانت معيبة وجب عليه استدراك ما فات من مال اليتيم وفسخه يكون بقوله وبفعله وقتله له فسخ لعقده. نعم لا يجوز له أن يفسخه بجرد القول فإن فيه ضررا على المسلمين وليس للسلطان فعل ما فيه ضرر على المسلمين مع القدرة على تركه وقولنا:

стр. 216

"إن الذمي انتقض عهده" أي لم يبق له عهد يعصم دمه والأول هو الوجه فإن بقاء العقد مع وجود ما ينافيه محال. نعم هنا اختلف الفقهاء فيما ينافي العقد فقائل يقول: جميع المخالفات تنافيه بناء على أنه ليس للإمام أن يصالحهم بدون شيء من الشروط التي شرط عمر. وقائل يقول: التي تنافيه هي المخالفات المضرة بالمسلمين بناء على جواز مصالحتهم على ما هو دون ذلك كما صالحهم النبي ﷺ أولا حال ضعف الإسلام. وقائل يقول: التي تنافيه هي ما يوجب الضرر العام في الدين أو الدنيا كالطعن على الرسول ونحوها. وبالجملة فكل ما لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع كونهم يفعلونه فهو مناف للعقد كما أن ما لا يجوز للمتبايعين والمتناكحين أن يتعاقدا مع وجوده فهو مناف للعقد. وإظهار الطعن في الدين لا يجوز للإمام أن يعاهدهم مع وجوده منهم أعني مع كونهم ممكنين من فعله إذا أرادوا وهذا مما أجمع المسلمون عليه ولهذا بعضهم يعاقبون على فعله بالتعزير وأكثرهم يعاقبون عليه بالقتل. وهو مما لا يشك فيه المسلم ومن شك فيه فقد خلع رقبة الإسلام من عنقه. وإذا كان العقد لا يجوز عليه كان منافيا للعقد ومن خالف شرطا مخالفة تنافي ابتداء العقد فإن عقده ينفسخ بذلك بلا ريب كأحد الزوجين إذا أحدث دينا يمنع ابتداء العقد مثل ارتداد المسلم أو إسلام المرأة تحت الكافر فإن العقد ينفسخ بذلك: إما في الحال أو عقب انقضاء العدة

стр. 217

أو بعد عرض القاضي كما هو مقرر في مواضعه. فإحداث أهل الذمة الطعن في الدين مخالفة بموجب العقد مخالفة تنافي ابتداءه فيجب انفساخ عقدهم بها وهذا بين لما تأمله وهو يوجب انفساخ العقد بما ذكرناه عند جميع الفقهاء ويتبين أن ذلك هو مقتضى قياس الأصول. واعلم أن هذه الوجوه التي ذكرناها من جهة المعنى في الذمي فأما المسلم إذا سب فلم يحتج أن يذكر فيه شيئا من جهة المعنى لظهور ذلك في حقه ولكون المحل محل وفاق ولكن سيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق الأمر فيه هل سبه ردة محضة كسائر الردد الخالية عن زيادة مغلظة أو هو نوع من الردة متغلظ بقتله على كل حال؟ وهل يقتل للسب مع الحكم بإسلامه أم لا؟ والله سبحانه أعلم. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ فأخبر أنا نسمع منهم الأذى الكثير ودعانا إلى الصبر على أذاهم وإنما يؤذينا أذى عاما الطعن في كتاب الله ودينه ورسوله وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذىً﴾ من هذا الباب. قلنا: أولا: ليس في الآية بيان أن ذلك مسموع من أهل الذمة والعهد وإنما هو مسموع في الجملة من الكفار. وثانيا: إن الأمر بالصبر على أذاهم وبتقوى الله لا يمنع قتالهم عند المكنة وإقامة حد الله عليهم عند القدرة فإنه لا خلاف بين المسلمين أنا إذا سمعنا مشركا أو كتابيا يؤذي الله ورسوله فلا عهد بيننا وبينه وجب علينا أن نقاتله ونجاهده إذا أمكن ذلك

стр. 218

وثالثا: أن هذه الآية وما شابهها منسوخ من بعض الوجوه وذلك أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة كان بها يهود كثير ومشركون وكان أهل الأرض إذ ذاك صنفين: مشركا أو صاحب كتاب فهادن رسول الله ﷺ من بها من اليهود وغيرهم وأمرهم الله إذ ذاك بالعفو والصفح كما في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ فأمره الله بالعفو والصفح عنهم إلى أن يظهر الله دينه ويعز جنده فكان أول العز وقعة بدر فإنها أذلت رقاب أكثر الكفار الذين بالمدينة وأرهبت سائر الكفار. وقد أخرجا في الصحيحين عن عروة عن أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ : " ركب حمارا على إكاف على قطيفة فدكية وأردف أسامة بن زيد يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر فسار حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبي بن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بي أبي وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفي المجلس عبد الله بن رواحة فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر ابن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا فسلم رسول الله ﷺ ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذنا به في مجالسنا ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله ﷺ فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون

стр. 219

فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا ثم ركب رسول الله ﷺ دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال له رسول الله ﷺ : يا سعد ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي قال كذا وكذا قال سعد بن عبادة: يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالذي نزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك ولقد اصطلح أهل هذه البحرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك فذلك الذي فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله. وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله تعالى ويصبرون على الأذى قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ وقال الله : ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ . وكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو ما أمره الله تعالى حتى أذن الله فيهم فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا فقتل الله تعالى به من قتل من صناديد قريش وقفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين مع أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش فقال ابن أبي بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا

стр. 220

أمر قد توجه فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام فأسلموا اللفظ للبخاري. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا﴾ ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ ونحو هذا في القرآن مما أمر الله به المؤمنين بالعفو والصفح عن المشركين فإنه نسخ ذلك كله قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ فنسخ هذا عفوه عن المشركين. وكذلك روى الإمام أحمد وغيره عن قتادة قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره وقضائه ثم أنزل الله براءة فأتى الله بأمره وقضائه فقال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُه﴾ الآية قال: فنسخت هذه الآية ما كان قبلها وأمر الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية صغارا ونقمة لهم. وكذلك ذكر موسى بن عقبة عن الزهري أن النبي ﷺ لم يكن يقاتل من كف عن قتاله كقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً﴾ إلى أن نزلت براءة.

стр. 221

وجملة ذلك أنه لما نزلت براءة أمر أن يبتدئ جميع الكفار بالقتال وثنيهم وكتابيهم سواء كفوا عنه أو لم يكفوا وإن ينبذ إليهم تلك العهود المطلقة التي كانت بينه وبينهم وقيل له فيها: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ بعد أن كان قد قيل له: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُم﴾ . ولهذا قال زيد بن أسلم: نسخت هذه الآية ما كان قبلها فأما قبل براءة وقبل بدر فقد كان مأمورا بالصبر على أذاهم والعفو عنهم وأما بعد بدر وقبل براءة فقد كان يقاتل من يؤذيه ويمسك عمن سالمه كما فعل بابن الأشرف وغيره ممن كان يؤذيه فبدر كانت أساس عز الدين وفتح مكة كانت كمال عز الدين فكانوا قبل بدر يسمعون الأذى الظاهر ويؤمرون بالصبر عليه وبعد بدر يؤذون في السر من جهة المنافقين وغيرهم فيؤمرون بالصبر عليه وفي تبوك أمروا بالإغلاظ للكفار والمنافقين فلم يتمكن بعدها كافر ولا منافق من أذاهم في مجلس خاص ولا عام بل مات بغيظه لعلمه بأنه يقتل إذا تكلم وقد كان بعد بدر لليهود استطالة وأذى للمسلمين إلى أن قتل كعب بن الأشرف. قال محمد بن إسحاق في حديثه عن محمد بن مسلمة قال: فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعد والله فليس بها يهودي إلا وهو يخاف على نفسه. وروى بإسناده عن محيصة أن رسول الله ﷺ قال: "من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه" فوثب محيصة بن مسعود على ابن سنينة رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم فقتله وكان حويصة ابن مسعود إذ ذاك لم يسلم وكان أسن من محيصة فلما قتله جعل حويصة يضر به ويقول: أي عدو الله قتلته أما والله لرب شحم في بطنك من ماله فوالله إن كان لأول إسلام حويصة فقال محيصة: فقلت له: والله لقد أمرني بقتله من لو أمرني بقتلك لضربت عنقك فقال: لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟

стр. 222

فقال محيصة: نعم والله فقال حويصة: والله إن دينا بلغ هذا منك لعجب. وذكر غير ابن إسحاق أن اليهود حذرت وذلت وخافت من يوم قتل ابن الأشرف فلما أتى الله بأمره الذي وعده من ظهور الدين وعز المؤمنين أمر رسوله بالبراءة إلى المعاهدين وبقتال المشركين كافة وبقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى اللذين أمرهم بهما في أول الأمر وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية وصارت تلك الآيات في حق كل مؤمن مستضعف لا يمكنه نصر الله ورسوله بيده ولا بلسانه فينتصر بما يقدر عليه من القلب ونحوه وصارت آية الصغار على المعاهدين في حق كل مؤمن قوي يقدر على نصر الله ورسوله بيده أو لسانه وبهذه الآية ونحوها كان المسلمون يعملون في آخر عمر رسول الله ﷺ وعلى عهده خلفائه الراشدين وكذلك هو إلى قيام الساعة لا تزال طائفة من هذه الأمة قائمين على الحق ينصرون الله ورسوله النصر التام فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. فإن قيل: قد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى﴾ إلى قوله: ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ فأخبر أنهم يحيون الرسول تحية منكرة وأخبر أن العذاب في الآخرة يكفيهم عليها فعلم أن تعذيبهم في الدنيا ليس بواجب.

стр. 223

وعن أنس بن مالك قال: مر يهودي برسول الله ﷺ فقال: السام عليك فقال رسول الله ﷺ : "وعليك" فقال رسول الله ﷺ : "أتدرون ما يقول؟ " قالوا: لا قال: يقول "السام عليك" قالوا: يا رسول الله ألا نقتله قال: "لا إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ قالت: دخل رهط من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك قالت عائشة: ففهمتها فقلت: عليكم السام واللعنة قالت: فقال رسول الله ﷺ : "مهلا يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله" فقلت: يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ قال: "قد قلت: وعليكم " متفق عليه. وعن جابر قال: " سلم ناس من اليهود على رسول الله ﷺ فقالوا: السام عليك يا أبا القاسم فقال "وعليكم" فقالت عائشة وغضبت: ألم تسمع ما قالوا؟ قال: "بلى قد سمعت فرددت عليهم وإنا نجاب ولا يجابون علينا " رواه مسلم. ومثل هذا الدعاء أذى للنبي ﷺ وسب له ولو قاله المسلم لصار به مرتدا لأنه دعاء على رسول الله ﷺ في حياته بأنه يموت وهذا فعل كافر ومع هذا فلم يقتلهم بل نهى عن قتل اليهودي الذي قال ذلك لما استأمره أصحابه في قتله. قلنا: عن هذا أجوبة: أحدها: أن هذا كان في حال ضعف الإسلام ألا ترى أنه قال لعائشة: "مهلا يا عائشة فإن الله يحب الرفق في الأمر كله" وهذا الجواب كما ذكرناه في الأذى الذي أمر الله بالصبر عليه إلى أن أتى الله بأمره.

стр. 224

ذكر هذا الجواب طوائف من المالكية والشافعية والحنبلية: منهم القاضي أبو يعلى وأبو إسحاق الشيرازي وأبو الوفاء بن عقيل وغيرهم ومن أجاب بهذا جعل الأمان كالإيمان في انتقاضه بالشتم ونحوه. وفي هذا الجواب نظر لما روي ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم فقولوا: عليك ". وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم " متفق عليهما. فعلم أن هذا سنة قائمة في حق أهل الكتاب مع بقائهم على الذمة وأنه ﷺ حال عز الإسلام لم يأمر بقتلهم لأجل هذا وقد ركب إلى بني النضير فقال: "إذا سلموا عليكم فقولوا: وعليكم" وكان ذلك بعد قتل ابن الأشرف فعلم أنه كان بعد قوة الإسلام. نعم قد قدمنا أن النبي ﷺ كان يسمع من الكفار والمنافقين في أول الإسلام إذا كثيرا وكان يصبر عليه امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُم﴾ لأن إقامة الحدود عليهم كان يفضي إلى فتنة عظيمة ومفسدة أعظم من مفسدة الصبر على كلاماتهم. فلما فتح الله مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا وأنزل الله براءة قال فيها: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ وقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ إلى قوله: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ .

стр. 225

فلما رأى من بقي من المنافقين ما صار الأمر إليه من عز الإسلام وقيام الرسول بجهاد الكفار والمنافقين أضمروا النفاق فلم يكن يسمع من أحد من المنافقين بعد غزوة تبوك كلمة سوء وماتوا بغيظهم حتى بقي منهم أناس بعد موت النبي ﷺ يعرفهم صاحب السر حذيفة فلم يكن يصلي عليهم هو ولا يصلي عليهم من عرفهم بسبب آخر مثل عمر بن الخطاب ﵁. فهذا يفيد أن النبي ﷺ كان يحتمل من الكفار والمنافقين قبل براءة ما لم يكن يحتمل فهم بعد ذلك كما قد كان يحتمل من أذى الكفار وهو بمكة ما لم يكن يحتمل بدار الهجرة والنصرة لكن هذه الكلمة ليست من هذا الباب كما قد بيناه. الجواب الثاني: أن هذا ليس من السب الذي ينتقض به العهد لأنهم إنما أظهروا التحية الحسنة والسلام المعروف ولم يظهروا سبا ولا شتما وإنما حرفوا السلام تحريفا خفيا لا يظهر ولا يفطن له أكثر الناس ولهذا لما سلم اليهودي على النبي ﷺ بلفظ السام لم يعلم به أصحابه حتى أعلمهم وقال: "إن اليهود إذا سلم أحدهم فإنما يقول السام عليكم" وعهدهم لا ينتقض بما يقولونه سرا من كفر أو تكذيب فإن هذا لا بد منه وكذلك لا ينتقض العهد بما يخفونه من السب وإنما ينتقض بما يظهرونه. وقد ذكر غير واحد أن اليهود كانوا يدخلون على النبي ﷺ فيقولون: السام عليك فيرد عليهم رسول الله ﷺ "وعليكم"

стр. 226

ولا يدري ما يقولون فإذا خرجوا قالوا: لو كان نبيا لعذبنا واستجيب فينا وعرف قولنا فدخلوا عليه ذات يوم وقالوا: السام عليك ففطنت عائشة إلى قولهم وقالت: وعليكم السام والذام والداء واللعنة فقال رسول الله ﷺ : " مه يا عائشة إن الله يحب الرفق في الأمر كله ولا يحب الفحش ولا التفحش " فقالت: يا رسول الله ألم تسمع إلى ما قالوا؟ فقال رسول الله ﷺ : "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم ". فهذا دليل على أن النبي ﷺ لم يكن يظهر له أنه سب ولذلك نهى عائشة عن التصريح بشتمهم وأمرها بالرفق بأن ترد عليهم تحيتهم فإن كانوا قد حيوا تحية سيئة استجيب لنا فيهم ولم يستجب لهم فينا ولو كان ذلك من باب شبهم النبي ﷺ والمسلمين الذي هو السب لكان فيه العقوبة ولو بالتعزير والكلام. فلما لم يشرع رسول الله ﷺ في مثل هذه التحية تعزيرا ونهى من أغلظ عليهم لأجلها علم أن ذلك ليس من السب الظاهر لكونهم أخفوه كما يخفي المنافقون نفاقهم ويعرفون في لحن القول فلا يعاقبون بمثل ذلك وسيأتي تمام الكلام إن شاء الله تعالى في ذلك. الجواب الثالث: أن قول أصحاب النبي ﷺ له ألا نقتله لما أخبرهم أنه قال السام عليكم دليل على أنه كان مستقرا عندهم قتل الساب من اليهود لما رأوه قتل ابن الأشرف والمرأة وغيرهما فنهاهم النبي ﷺ عن قتله وأخبرهم أن مثل هذا الكلام حقه أن يقابل بمثله لأنه ليس إظهارا للسب والشتم من جنس ما فعلت تلك اليهودية وابن الأشرف وغيرهما وإنما هو إسرار به كإسرار المنافقين بالنفاق.

стр. 227

الجواب الرابع: أن النبي ﷺ كان له أن يعفو عمن شتمه وسبه في حياته وليس للأمة أن يعفو عن ذلك. يوضح ذلك أنه لا خلاف أن من سب النبي ﷺ أو عابه بعد موته من المسلمين كان كافرا حلال الدم وكذلك من سب نبيا من الأنبياء ومع هذا فقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ فكان بنو إسرائيل يؤذون موسى في حياته بما لو قاله اليوم أحد من المسلمين وجب قتله ولم يقتلهم موسى ﵇ وكان نبينا ﷺ يقتدى به في ذلك فربما سمع أذاه أو بلغه فلا يعاقب المؤذي على ذلك قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ . وعن الزهري عن أبي سلمة عن أبي سعيد قال: بينا النبي ﷺ يقسم إذ جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله قال: "ويلك من يعدل إذا لم اعدل؟ " قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه قال: "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم

стр. 228

من الرمية " وذكر الحديث وفيه نزلت ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَات﴾ . هكذا رواه البخاري وغيره من حديث معمر عن الزهري وأخرجاه في الصحيحين من وجوه أخرى عن الزهري عن أبي سلمة والضحاك الهمداني عن أبي سعيد قال: "بينا نحن جلوس عند النبي ﷺ وهو يقسم قسما أتاه ذو الخويصرة وهو رجل من بن تميم فقال: يا رسول الله اعدل فقال رسول الله ﷺ : "ويلك من يعدل إذا لم اعدل؟ قد خبت وخسرت إن لم أعدل " فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذن لي فيه فأضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : "دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم " وذكر حديث الخوارج المشهور ولم يذكر نزول الآية. وتسمينة ذي الخويصرة هو المشهور في عامة الحديث كما رواه عامة أصحاب الزهري عنه والأشبه أن ما انفرد به معمر وهم منه فإن له مثل ذلك وقد ذكروا أن اسمه حرقوص بن زهير. وفي الصحيحين أيضا من حديث عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن إلى النبي ﷺ بذهيبة في تربتها فقسمها بين أربعة نفر وفيه: فغضب قريش والأنصار وقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا فقال: إنما أتألفهم فأقبل رجل غائر العينين ناتيء الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتق الله قال: " فمن يطع الله إذا عصيته؟ أفيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني " فسأل رجل من القوم قتله أراه خالد بن الوليد فمنعه

стр. 229

فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم" وذكر الحديث في صفة الخوارج وفي آخره " يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ". وفي رواية لمسلم: " ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحا ومساء " وفيها فقال: يا رسول الله اتق الله فقال النبي ﷺ : "ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ " قال: ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه فقال: "لا لعله أن يكون يصلي " قال خالد بن الوليد: "وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ " فقال رسول الله ﷺ : "إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم ". وفي رواية في الصحيح: فقام إليه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا" فقام إليه خالد سيف الله فقال: يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: "لا". فهذا الرجل قد نص القرآن أنه من المنافقين بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ أي يعيبك ويطعن عليك وقوله للنبي ﷺ : اعدل واتق الله بعدما خص بالمال أولئك الأربعة نسب للنبي ﷺ إلى أنه جار ولم يتق الله ولهذا قال النبي ﷺ : " أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء؟ ". ومثل هذا الكلام لا ريب أنه يوجب القتل لو قاله اليوم أحد وإنما لم يقتله النبي ﷺ لأنه كان يظهر الإسلام وهو الصلاة التي

стр. 230

يقاتل الناس حتى يفعلوها وإنما كان نفاقه بما يخص النبي ﷺ من الأذى وكان له أن يعفو عنه وكان يعفو عنهم تأليفا للقلوب لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وقد جاء ذلك مفسرا في هذه القصة أو في مثلها. فروى مسلم في صحيحه عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: "أتى رجل بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي منها الناس فقال: يا محمد اعدل فقال: "ويحك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل " فقال عمر بن الخطاب ﵁: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال ﷺ : " معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي إن هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية ". وروى البخاري منه عن عمرو عن جابر ﵄: بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل فقال: " لقد شقيت إن لم أعدل ". وجاء من كلامه لرسول الله ﷺ ما هو أغلظ من هذا قال ابن إسحاق في رواية ابن بكير عنه: حدثني أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن مقسم أبي القاسم مولى عبد الله بن الحارث قال: خرجت أنا وتيلد بن كلاب الليثي فلقينا عبد الله بن عمرو بن العاص يطوف بالكعبة معلقا نعليه في يديه فقلنا له: هل حضرت رسول الله ﷺ وعنده ذو الخويصرة التميمي يكلمه؟ قال: نعم ثم حدثنا فقال: أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله ﷺ وهو يقسم المغانم بحنين فقال: يا محمد قد رأيت ما صنعت قال: "فكيف رأيت؟ " فقال: لم أرك عدلت

стр. 231

فغضب رسول الله ﷺ وقال: " إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ " فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم إليه فأضرب عنقه فقال رسول الله ﷺ : " دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية " وذكر تمام الحديث. قال ابن إسحاق: حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين قال: أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله ﷺ وهو يقسم المقاسم بحنين وذكر مثل هذا سواء. ورواه الإمام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق نحو هذا. وقال الأموي عن ابن إسحاق وذكر الحديث عن أبي عبيدة وعن محمد بن علي وعن ابن أبي نجيح عن أبيه: أن رجلا تكلم عند النبي ﷺ قال: ولم يسمه إلا محمد بن علي فإنه قال: هو ذو الخويصرة التميمي. وكذلك ذكر غيره أن ذا الخويصرة هو الذي اعترض على النبي ﷺ في قسم غنائم حنين وكذلك المنافق الذي سمعه ابن مسعود فإنه في غنائم حنين أيضا. وأما الذي في حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد فإنه كان بعد هذه المرة لأن فيه أن عليا بعث إلى النبي ﷺ وهو باليمن بذهيبة فقسمها بين أربعة من أهل نجد ولا خلاف بين أهل العلم أن عليا كان في غزوة حنين مع النبي ﷺ ولم تكن اليمن فتحت يومئذ ثم إنه استعمل عليا على اليمن سنة عشر بعد تبوك وبعد أن بعثه مع أبي بكر إلى الموسم بنبذ العهود ووافى النبي ﷺ في حجة الوداع منصرفه من اليمن وكان النبي ﷺ بالمدينة لما بعث علي بالصدقة ومما يبين ذلك أن

стр. 232

غنائم حنين نفل النبي ﷺ منها خلقا كثيرا من قريش وأهل نجد وهذه الذهيبة إنما قسمها بين أربعة نجديين وإذا كان كذلك فإما أن يكون المعترض في هذه المرة غير ذي الخويصرة ويكون أبو سعيد قد شهد القصتين وعلى هذا فالذي في رواية معمر أن آية الصدقات نزلت في قصة ذي الخويصرة ليس بجيد بل هو مدرج في الحديث من كلام الزهري أو كلام معمر لأن ذا الخويصرة إنما أنكر عليه قسم الغنائم وليست هي الصدقات التي جعلها الله لثمانية أصناف ولا التفات إلى ما ذكره بعض المفسرين من أن الآية نزلت في قسم غنائم حنين وإما أن يكون المعترض في ذهيبة علي ﵁ هو ذو الخويصرة أيضا وعلى هذا فتكون أحاديث أبي سعيد كلها في هذه القصة لا في قسم الغنائم وتكون الآية قد نزلت في ذلك أو يكون قد شهد القصتين معا والآية نزلت في إحداهما. وقد روى عن أبي برزة الأسلمي قال: أتى رسول الله ﷺ بمال فقسمه فأعطى من عن يمينه ومن عن شماله ولم يعط من وراءه شيئا فقام رجل من ورائه فقال: يا محمد ما عدلت في القسمة رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان فغضب رسول الله ﷺ غضبا شديدا وقال: " والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل مني" ثم قال: "يخرج في آخر الزمان قوم كان هذا منهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم التحليق لا يزالون يخرجون حتى يخرج آخرهم مع المسيح الدجال فإذا لقيتموهم فاقتلوهم هم شر الخلق والخليقة " رواه النسائي. ومن هذا الباب ما خرجاه في الصحيحين عن أبي وائل عن عبد الله قال:

стр. 233

لما كان يوم حنين آثر رسول الله ﷺ ناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطي عيينة بن حصن مثل ذلك وأعطى ناسا من أشراف العرب وآثرهم يومئذ في القسمة فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها أو ما أريد بها وجه الله قال: فقلت والله لأخبرن رسول الله ﷺ قال: فأتيته فأخبرته بما قال فتغير وجهه ﷺ حتى كان كالصرف ثم قال: " فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ " ثم قال: "يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر " قال: فقلت لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا. وفي رواية للبخاري قال رجل من الأنصار: ما أراد بها وجه الله. وذكر الواقدي أن المتكلم بهذا كان معتب بن قشير وهو معدود من المنافقين. فهذا الكلام مما يوجب القتل بالاتفاق لأنه جعل النبي ﷺ ظالما مرائيا وقد صرح النبي ﷺ بأن هذا من أذى المرسلين ثم اقتدى في العفو عن ذلك بموسى ﵇ ولم يستتب لأن القول لم يثبت فإنه لم يراجع القائل ولا تكلم في ذلك بشيء. ومن ذلك ما رواه ابن أبي عاصم وأبو الشيخ في الدلائل بإسناد صحيح عن قتادة عن عقبة بن وساج عن عمر قال: أتى رسول الله ﷺ بقليد من ذهب وفضة فقسمه بين أصحابه فقام رجل من أهل البادية فقال: يا محمد والله لئن أمرك الله أن تعدل فما أراك تعدل فقال: " ويحك من يعدل عليك بعدي؟ " فلما ولى قال: "ردوه علي رويدا". ومن ذلك قول الأنصاري الذي حاكم الزبير في شراج الحرة لما قال له ﷺ " اسق يا زبير ثم سرح الماء إلى جارك" فقال: أن كان ابن عمتك؟

стр. 234

وحديث الرجل الذي قضى عليه فقال: لا أرضى ثم ذهب إلى أبي بكر ثم إلى عمر فقتله. ولهذا نظائر في الحديث إذا تتبعت مثل الحديث المعروف عن بهز ابن حكيم عن أبيه عن جده أن أخاه أتى النبي ﷺ فقال: جيراني على ماذا أخذوا فأعرض عنه النبي ﷺ فقال: إن الناس يزعمون أنك تنهى عن الفيء وتستحل به فقال: "لئن كنت أفعل ذلك إنه لعليّ وما هو عليهم خلوا له جيرانه " رواه أبو داود بإسناد صحيح. فهذا وإن كان قد حكى هذا القذف عن غيره فإنما قصد به انتقاصه وإيذاءه بذلك ولم يحكه على وجه الرد على من قاله وهذا من أنواع السب. ومثل حديث ابن إسحاق عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ابتاع رسول الله ﷺ جزورا من أعرابي بوسق من تمر الذخيرة فجاء به إلى منزله فالتمس التمر فلم يجده في البيت قال: فخرج إلى الأعرابي فقال: "يا عبد الله إنا ابتعنا منك جزورك هذا بوسق من تمر الذخيرة ونحن نرى أنه عندنا فلم نجده" فقال الأعرابي: واغدراه واغدراه فوكزه الناس وقالوا: لرسول الله ﷺ تقول هذا؟ فقال رسول الله ﷺ : "دعوه" رواه ابن أبي عاصم وابن حبان في الدلائل. فهذا الباب كله مما يوجب القتل ويكون به الرجل كافرا منافقا حلال الدم كان النبي ﷺ وغيره من الأنبياء ﵈ يعفون ويصفحون عمن قاله امتثالا لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَسْتَوِي

стр. 235

الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُم﴾ وذلك لأن درجة الحلم والصبر على الأذى والعفو عن الظلم أفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة يبلغ الرجل بها ما لا يبلغه بالصيام والقيام قال تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّه﴾ وقال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً﴾ وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِين﴾ . والأحاديث في هذا الباب كثيرة مشهورة ثم الأنبياء أحق الناس بهذه الدرجة لفضلهم وأحوج الناس إليها لما ابتلوا به من دعوة الناس ومعالجتهم وتغيير ما كانوا عليه من العادات هو أمر لم يأت به أحد إلا عودي فالكلام الذي يؤذيهم يكفر به الرجل فيصير به محاربا إن كان ذا عهد ومرتدا أو منافقا إن كان ممن يظهر الإسلام ولهم فيه أيضا حق الآدمي فجعل الله لهم أن يعفوا عن مثل هذا النوع ووسع عليهم ذلك لما فيه من حق الآدمي تغليبا لحق الآدمي على حق الله كما جعل لمستحق القود وحد القذف أن يعفو عن القاتل

стр. 236

والقاذف وهم أولى لما في جواز عفو الأنبياء ونحوهم من المصالح العظيمة المتعلقة بالنبي وبالأمة وبالدين وهذا معنى قول عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا انتقم لنفسه قط وفي لفظ: ما نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبة شيء حتى ينتقم لله متفق عليه. ومعلوم أن النيل منه أعظم من انتهاك المحارم لكن لما دخل فيها حقه كان الأمر إليه في العفو أو الانتقام فكان يختار العفو وربما أمر بالقتل إذا رأى المصلحة في ذلك بخلاف ما لا حق له فيه من زنا أو سرقة أو ظلم لغيره فإنه يجب عليه القيام به. وقد كان أصحابه إذا رأوا من يؤذيه أرادوا قتله لعلمهم بأنه يستحق القتل فيعفو هو عنه ﷺ ويبين لهم أن عفوه أصلح مع إقراره لهم على جواز قتله ولو قتله قاتل قبل عفو النبي ﷺ لم يعرض له النبي ﷺ لعلمه بأنه قد انتصر لله ورسوله بل يحمده على ذلك ويثني عليه كما قتل عمر ﵁ الرجل الذي لم يرضى بحكمه وكما قتل رجل بنت مروان وآخر اليهودية السابة فإذا تعذر عفوه بموته ﷺ بقي حقا محضا لله ولرسوله وللمؤمنين لم يعف عنه مستحقه فتجب إقامته. ويبين ذلك ما روى إبراهيم بن الحكم بن أبان: حدثني أبي عن عكرمة عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا جاء إلى النبي ﷺ يستعينه في شيء فأعطاه شيئا ثم قال: أحسنت إليك؟ قال الأعرابي: لا ولا أجملت قال: فغضب المسلمون وقاموا إليه فأشار إليهم أن كفوا ثم قام فدخل منزله ثم أرسل إلى الأعرابي فدعاه إلى البيت يعني فأعطاه فرضي

стр. 237

فقال: "إنك جئتنا فسألتنا فأعطيناك فقلت ما قلت وفي أنفس المسلمين شيء من ذلك فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك" قال: نعم فلما كان الغد أو العشي جاء قال رسول الله ﷺ : "إن صاحبكم هذا جاء فسألنا فأعطيناه فقال ما قال وإنا دعوناه إلى البيت فأعطيناه فزعم أنه قد رضي أكذلك؟ " قال الأعرابي: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا فقال النبي ﷺ : " ألا إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة فشردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورا فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي فأنا أرفق بها فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها فأخذ لها من قمام الأرض فجاءت فاستناخت فشد عليها رحلها واستوى عليها وإني لو تركتكم حين قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار ". ورواه أبو أحمد العسكري بهذا الإسناد قال: "جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا محمد أعطني فإنك لا تعطيني من مالك ولا من مال أبيك فأغلظ للنبي ﷺ فوثب إليه أصحابه فقالوا: يا عدو الله تقول هذا لرسول الله ﷺ ؟ ". وذكره بهذا يبين لك أن قتل ذلك الرجل لأجل قوله ما قال كان جائزا قبل الاستتابة وأنه صار كافرا بتلك الكلمة ولولا ذلك لما كان يدخل النار إذا قتل على مجرد تلك الكلمة بل كان يدخل الجنة لأنه مظلوم شهيد وكان قاتله دخل النار لأنه قتل مؤمنا متعمدا ولكان النبي ﷺ يبين أن قتله لم يحل لأن سفك الدم بغير حق من أكبر الكبائر وهذا الأعرابي كان مسلما ولهذا قال ﷺ في حقه لفظ "صاحبكم" ولهذا جاءه الأعرابي يستعينه ولو كان كافرا محاربا لما جاء

стр. 238

يستعينه في شيء ولو كان النبي ﷺ أعطاه ليسلم لذكر في الحديث أنه أسلم فلما لم يجر للإسلام ذكر دل على أنه كان ممن دخل الإسلام وفيه جفاء الأعراب وممن دخل في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ . ومما يوضح ذلك أن رسول الله ﷺ كان يعفو عن المنافقين الذين لا يشك في نفاقهم حتى قال: لو أعلم أني لو زدت على السبعين غفر له لزدت حتى نهاه الله عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وأمره بالإغلاظ عليهم فكثير مما كان يحتمله من المنافقين من الكلام وما يعاملهم من الصفح والعفو والاستغفار كان قبل نزول براءة لما قيل له: ﴿وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ لاحتياجه إذ ذاك إلى استعطافهم وخشية نفور العرب عنه إذا قتل أحدا منهم وقد صرح ﷺ لما قال ابن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلّ﴾ ولما قال ذو الخويصرة: اعدل فإنك لم تعدل وعند غير هذه القضية أنه أنما لم يقتلهم لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه فإن الناس ينظرون إلى ظاهر الأمر فيرون واحدا من أصحابه قد قتل فيظن الظان أنه يقتل بعض أصحابه على غرض أو حقد أو نحو ذلك فينفر الناس عن الدخول في الإسلام وإذا كان من شريعته أن يتألف الناس على الإسلام بالأموال العظيمة ليقوم دين الله وتعلو كلمته فلأن يتألفهم بالعفو أولى وأحرى. فلما أنزل الله براءة ونهاه عن الصلاة على المنافقين والقيام على قبورهم وأمره أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم نسخ جميع ما كان

стр. 239

المنافقون يعاملون به من العفو كما نسخ ما كان الكفار يعاملون به من الكف عمن سالم ولم يبق إلا إقامة الحدود وإعلاء كلمة الله في حق الإنسان. فإن قيل: فقد قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَة﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ﴾ . وقولهم: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ﴾ مثل قولهم: اسمع لا سمعت واسمع غير مقبول منك لأن من لا يقصد إسماعه لا يقبل كلامه. وقولهم ﴿رَاعِنَا﴾ قال قتادة وغيره: كانت اليهود تقول للنبي ﷺ راعنا سمعك يستهزئون بذلك وكانت في اليهود قبيحة. وروى الإمام أحمد عن عطية قال: كان يأتي ناس من اليهود فيقولون: راعنا سمعك حتى قالها ناس من المسلمين فكره الله لهم ما قالت اليهود. وقال عطاء الخرساني: كان الرجل يقول: أرعنا سمعك ويلوي بذلك لسانه ويطعن في الدين. وذكر بعض أهل التفسير أن هذه اللفظة كانت سبا قبيحا بلغة اليهود. فهؤلاء قد سبوه ﷺ بهذا الكلام ولووا ألسنتهم به واستهزءوا به وطعنوا في الدين ومع ذلك فلم يقتلهم النبي ﷺ . قلنا: عن ذلك أجوبة:

стр. 240

أحدها: أن ذلك كان في حال ضعف الإسلام في الحال التي أخبر الله عن رسوله والمؤمنين أنهم يسمعون من الذين أوتوا الكتاب والمشركين أذى كثيرا وأمرهم بالصبر والتقوى ثم إن ذلك نسخ عند القوة بالأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون والصاغر لا يفعل شيئا من الأذى في الوجه ومن فعله فليس بصاغر. ثم إن من الناس من يسمي ذلك نسخا لتغير الحكم ومنهم من لا يسميه نسخا لأن الله تعالى أمرهم بالعفو والصفح إلى أن يأتي الله بأمره وقد أتى الله بأمره من عز الإسلام وإظهاره والأمر بقتالهم حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وهذا مثل قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ وقال النبي ﷺ : "قد جعل الله لهن سبيلا" فبعض الناس يسمي ذلك نسخا وبعضهم لا يسميه نسخا والخلاف لفظي. ومن الناس من يقول: الأمر بالصفح باق عند الحاجة إليه بضعف المسلم عن القتال بأن يكون في وقت أو مكان لا يتمكن منه وذلك لا يكون منسوخا إذ المنسوخ ما ارتفع في جميع الأزمنة المستقبلة. وبالجملة فلا خلاف أن النبي ﷺ كان مفروضا عليه لما قوي أن يترك ما كان يعامل به أهل الكتاب والمشركين ومظهري النفاق من العفو والصفح إلى قتالهم وإقامة الحدود عليهم سمي نسخا أو لم يسم. الجواب الثاني: أن النبي ﷺ قد كان له أن يعفو عمن سبه

стр. 241

وليس للأمة أن تعفو عمن سبه كما قد كان يعفو عمن سبه من المسلمين مع أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب قتل من سبه من المسلمين. الجواب الثالث: أن هذا ليس بإظهار للسب وإنما هو إخفاء له بمنزلة "السام عليكم" وبمنزلة ظهور النفاق في لحن القول لأنهم كانوا يظهرون أنهم يقصدون مسألته أن يسمع كلامهم وأن يراعيهم فينتظرهم حتى يقضوا كلامهم وحتى يفهموا كلامه ويأتونه على هذا الوجه ثم إنهم يلوون ألسنتهم بالكلام وينوون به الاستهزاء والسب والطعن في الدين كما يلوون ألسنتهم بالسام وينوون به الدعاء عليه بالموت واليهود أمة معروفة بالنفاق والخبث وأن تظهر خلاف ما تبطن ولكن ذلك لا يوجب إقامة الحد عليهم. ولو كان هذا سبا ظاهرا لما كان المسلمون يخاطبون بمثل ذلك قاصدين به الخير حتى نهوا عن التكلم بكلام يحتمل الاستهزاء ويوهمه بحيث يصير سبا بالنية ودلالة الحال. وذلك أن هذه اللفظة كانت العرب تتخاطب بها لا تقصد سبا قال عطاء: كانت لغة في الأنصار في الجاهلية وقال أبو العالية: إن مشركي العرب إذا حدث بعضهم بعضا يقول أحدهم لصاحبه: أرعني سمعك فنهو عن ذلك وكذلك قال الضحاك وذلك أن العرب تقول: أرعيته سمعي إرعاء إذا فرغته لكلامه لأنك جعلت السمع يرعى كلامه وتقول "راعيته سمعي" بهذا المعنى لكن كانت اليهود تعتقدها سبا بينها: إما لما فيه من الاشتراك فإنها كما تستعمل في استرعاء السمع تستعمل بمعنى المفاعلة كأنه قيل: راعني حتى أراعيك وهذا إنما يكون بين الأمثال والنظراء ومرتبة الرئيس أعلى من ذلك أو أن اليهود ينوون بها معنى الرعونة أو فيها طلب حفظ الكلام والاهتمام به وهذا إنما يكون من الأعلى للأسفل لأن الرعاية هي الحفظ والكلاءة ومنه استرعاء الشاة.

стр. 242

وقد غلبت في عرفهم ولغتهم على معنى رديء كما قيل: إنهم ينوون بها اسمع لا سمعت وبالجملة إنما يصير مثل هذا سبا بالنية ولي اللسان ونحوه فنهي المسلمون عنها حسما لمادة التشبه باليهود وتشبه اليهود بهم وجعل ذلك ذريعة إلى الاستهزاء به ولما يحتمله لفظها من قلة الأدب في مخاطبة الرسول ﷺ . الجواب الرابع: ما ذكره بعض أهل التفسير الذي ذكر أنها كانت سبا قبيحا بلغة اليهود قال: كان المسلمون يقولون راعنا يا رسول الله وأرعنا سمعك يعنون من المراعاة وكانت هذه اللفظة سبا قبيحا بلغة اليهود فلما سمعتها اليهود اغتنموها وقالوا فيما بينهم: كنا نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن بالشتم وكانوا يأتونه ويقولون: راعنا يا محمد ويضحكون فيما بينهم فسمعها سعد بن معاذ ففطن لها وكان يعرف لغتهم فقال لليهود: عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله ﷺ لأضربن عنقه فقالوا: أولستم تقولنها؟ فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ لكيلا يتخذ اليهود ذلك سبيلا إلى شتم رسول الله ﷺ . فهذا القول دليل على أن اللفظة مشتركة في لغة العرب ولغة العبرانيين وأن المسلمين لم يكونوا يفهمون من اليهود إذا قالوها إلا معناها في لغتهم فلما فطنوا لمعناها في اللغة الأخرى نهوهم عن قولها وأعلموهم أن ذلك ناقض لعهدهم ومبيح لدمائهم وهذا أوضح دليل على أنهم إذا تكلموا بما يفهم منه السب حلت دماؤهم وإنما لم يستحلوا دماءهم لأن المسلمين لم يكونوا يفهمون السب والكلام في السب الظاهر وهو ما يفهم منه السب.

стр. 243

فإن قيل: أهل الذمة قد أقررناهم على دينهم ومن دينهم استحلال سب النبي ﷺ فإذا قالوا ذلك لم يقولوا غير ما أقررناهم عليه وهذه نكتة المخالف. قلنا: ومن دينهم استحلال قتال المسلمين وأخذ أموالهم ومحاربتهم بكل طريق ومع هذا فليس لهم أن يفعلوا ذلك بعد العهد ومتى فعلوه نقضوا العهد وذلك لأنا وإن كنا نقرهم على أن يعتقدوا ما يعتقدونه ويخفوا ما يخفونه فلم نقرهم على أن يظهروا ذلك ويتكلموا به بين المسلمين ونحن لا نقول بنقض عهد الساب حتى نسمعه يقول ذلك أو يشهد به المسلمون ومتى حصل ذلك كان قد أظهره وأعلنه. وتحرير الجواب أن كلتا المقدمتين باطلة. أما قوله "أقررناهم على دينهم" فيقال: لو أقررناهم على كل ما يدينون به لكانوا منزلة أهل ملتهم المحاربين ولو أقررناهم على كل ما يدينون به لم يعاقبوا على إظهار دينهم وإظهار الطعن في ديننا ولا خلاف أنهم يعاقبون على ذلك ولو أقررناهم على دينهم مطلقا لأقررناهم على هدم المساجد وإحراق المصاحف وقتل العلماء والصالحين فإن ما يدينون به مما يؤذي المسلمين كثيرة والخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ثم لا خلاف أنهم لا يقرون على شيء من ذلك وإنما أقررناهم كما قال غرفة بن الحارث على أن نخليهم يفعلون بينهم ما شاءوا مما لا يؤذي المسلمين ولا يضرهم ولا نعترض عليهم في أمور لا تظهر فإن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة وشرطنا عليهم أن لا يفعلوا شيئا يؤذينا ولا يضرنا سواء كانوا يستحلونه أو لا يستحلونه

стр. 244

فمتى آذوا الله ورسوله فقد نقضوا العهد وشرطنا عليهم التزام حكم الإسلام وإن كانوا يرون أن ذلك لا يلزمهم في دينهم وشرطنا عليهم أداء الجزية وإن اعتقدوا أن أخذها منهم حرام وشرطنا عليهم إخفاء دينهم فلا يظهرون الأصوات بكتابهم ولا على جنائزهم ولا ضرب ناقوس وشرطنا عليهم أن لا يرتفعوا على المسلمين وأن يخالفوا بهيآتهم هيئة المسلمين على وجه يتميزون به ويكونون أذلاء في تميزهم إلى غير ذلك من الشروط التي يعتقدون أنها ذا تجب عليهم في دينهم. فعلم أنا شرطنا عليهم ترك كثير مما يعتقدون دينا لهم إما مباحا أو واجبا وفعل كثير مما يعتقدونه ليس من دينهم فكيف يقال: أقررناهم على دينهم مطلقا. وأما المقدمة الثانية فنقول: هب أنا أقررناهم على دينهم فقوله: "استحلال السب من دينهم" جوابه أن يقال: أهو من دينهم قبل العهد أو من دينهم وإن عاهدوا على تركه. الأول مسلم لكن لا ينفع لأن هؤلاء قد عاهدوا فإن لم يكن هذا من دينهم في هذه الحال لم يكن لهم أن يفعلوه لأنه من دينهم في حال أخرى وهذا كما أن المسلم من دينه استحلال دمائهم وأموالهم وأذاهم بالهجاء والسب إذا لم نعاهدهم وليس من دينه استحلال ذلك إذا عاهدهم فليس لنا أن نؤذيهم وتقول: قد عاهدناكم على ديننا ومن ديننا استحلال أذاكم فإن المعاهدة التي بين المتحاربين تحرم على كل واحد منهما في دينه ما كان يستحله من ضرر الآخر وأذاه قبل العهد. وأما الثاني فمنوع فإنه ليس من دينهم استحلال نقض العهد ولا مخالفة

стр. 245

من عاهده في شيء مما عاهده بل من دين جميع أهل الأرض الوفاء بالعهد وإن لم يكن هذا معتقدهم فنحن إنما عاهدناهم على أن يدينوا بوجوب الوفاء بالعهد فإن لم يكن دينهم وجوب الوفاء به فلم نعاهدهم على دين يستحل صاحبه نقض العهد ولو عاهدناهم على هذا الدين لكنا قد عاهدناهم على أن يدينوا بنقض العهد فينقضوه ونحن موفون بالعهد وبطلان هذا واضح. وإذا لم يكن فعل ما عوهدوا على تركه من دينهم فنحن قد عاهدناهم على أن يكفوا عن أذانا بألسنتهم وأيديهم وأن لا يظهروا شيئا من أذى الله ورسوله وأن يخفوا دينهم الذي هو باطل في حكم الله ورسوله وإذا عاهدوا على ترك هذا وإخفاء هذا كان فعله حراما عليهم في دينهم لأن ذلك غدر وخيانة وترك للوفاء بالعهد ومن دينهم أن ذلك حرام ولو أن مسلما عاهده قوم من الكفار طائعا غير مكره على أن يمسك عن ذكر صليبهم لوجب عليه في دينه أن يمسك ما دام العهد قائما. فقول القائل: "من دينهم استحلال سب نبيا" باطل إذ ذلك مع العهد المقتضي لتركه حرام في دينهم كما يحرم عليهم في دينهم استحلال دمائنا وأموالنا لأجل العهد وهم يعتقدون عند أنفسهم أنهم إذا آذوا الله ورسوله بألستنهم أو ضروا المسلمين بعد العهد فقد فعلوا ما هو حرام في دينهم كما أن المسلم يعلم أنه إذا آذاهم بعد العهد فقد فعل ما هو حرام في دينه ويعلمون أن ذلك مخالفة للعهد وإن ظنوا أن لا عهد بيننا وبينهم وإنما هم مغلوبون تحت يد الإسلام فذلك أبعد لهم عن العصمة وأولى بالانتقام فإنه لا عاصم لهم منا إلا العهد فإن لم يعتقدوا الوفاء بالعهد فلا عاصم أصلا وهذا كله بين لمن تأمله يتبين به بعض فقه المسألة. ومن الفقهاء من أجاب عن هذا بأنا أقررناهم على ما يعتقدونه ونحن إنما نقول بنقض العهد إذا سبوه بما لا يعتقدونه من القذف ونحوه وهذا التفصيل

стр. 246

ليس بمرض وسيأتي إن شاء الله تحقيق ذلك. فإن قيل: فهب أنهم صولحوا على أن لا يظهروا ذلك لكن مجرد إظهار دينهم كيف ينقض العهد؟ وهل ذلك إلا بمثابة ما لو أظهروا أصواتهم بكتابهم أو صليبهم أو أعيادهم؟ فإن ذلك موجب لتنكيلهم وتعزيرهم دون نقض العهد. قلنا: وأي ناقض للعهد أعظم من أن يظهروا كلمة الكفر ويعلوها ويخرجوا عن حد الصغار ويطعنوا في ديننا ويؤذونا أذى هو أبلغ من قتل النفوس وأخذ الأموال. وأما إظهار تلك الأشياء بعد شرط عمر المعروف ففيها وجهان عندنا: أحدهما: ينتقض العهد فلا يلزمنا والآخر: لا ينتقض العهد. والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيه ظهور كلمة الكفر وعلوها وإنما فيه ظهور لدين المشركين وبين البابين فرق فإن المسلم لو تكلم بكلمة الكفر كفر ولو لم يفعل إلا مجرد مشاركة الكافر في هدية عوقب ولم يكفر وكان ذلك كإظهار المعاصي من المسلم يوجب عقوبته ولا يبطل إيمانه والمتكلم بكلمة الكفر يبطل إيمانه كذلك أهل العهد: إذا أظهروا الكفر ونحوه نقضوا أمانهم وإذا أظهروا زيهم عصوا ولم ينقضوا أمانهم. وهذا جواب من يقول من أصحابنا وغيرهم: إنهم لو أظهروا التثليث ونحوه مما هو دينهم نقضوا العهد. الجواب الثاني: أن ظهور تلك الأشياء ليس فيها ضرر عظيم على المسلمين ولا معرة في دينهم ولا طعن في ملتهم وإنما فيه أحد أمرين: إما اشتباه زيهم بزي المسلمين أو إظهار لمنكرات دينهم في دار الإسلام كإظهار الواحد من المسلمين لشرب الخمر ونحوه وأما سب الرسول والطعن في الدين ونحوه ذلك فهو مما يضر

стр. 247

المسلمين ضررا يفوق قتل النفس وأخذ المال من بعض الوجوه فإنه لا أبلغ في إسفال كلمة الله ولا إذلال كتاب الله وإهانة كتاب الله من أن يظهر الكافر المعاهد السب والشتم لمن جاء بالكتاب. ولأجل هذا الفرق فصل أصحابنا وأصحاب الشافعي الأمور المحرمة عليهم في العهد الذي بيننا وبينهم إلى ما يضر المسلمين في نفس أو مال أو دين وإلى ما لا يضر وجعلوا القسم الأول ينقض العهد حيث لا ينقضه القسم الثاني لأن مجرد العهد ومطلقه يوجب الإمتناع عما يضر المسلمين ويؤذيهم فحصوله تفويت لمقصود العقد فيفسخه كما لو فات مقصود البيع بتلف العوض قبل القبض أو ظهوره مستحقا ونحوه بخلاف غيره ولأن تلك المضرات يوجب جنسها عقوبة المسلم بالقتل فلأن يوجب عقوبة المعاهد بالقتل أولى وأحرى لأن كلاهما ملتزم إما بإيمانه أو بأمانة أن لا يفعلها ولأن تلك المضرات من جنس المحاربة والقتال وذلك لإبقاء العهد معه بخلاف المعاصي التي فيها مراغمة ومصارمة. فإن قيل: فقد أقروا على ما هم عليه من الشرك الذي هو أعظم من سب الرسول ﵊ فيكون إقرارهم على سب الرسول أولى بل قد أقروا على سب الله تعالى وذلك لأن النصارى يعتقدون التثليث ونحوه وهو شتم لله تعالى لما روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله : كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم يكن لي كفوا أحد ".

стр. 248

وروى في صحيحه عن ابن عباس عن النبي ﷺ نحوه. وكان معاذ ابن جبل يقول إذا راى النصارى لا ترحموهم فلقد سب الله سبه ما سبه اياها أحد من البشر. وقد قال الله تعالى ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً﴾ الآية. وقد أقر اليهود على مقالتهم في عيسى ﵇ وهي من أبلغ القذف. قلنا: الجواب من وجوه: أحدها: أن هذا السؤال فاسد الاعتبار فإن كون الشيء في نفسه أعظم إثما من غيره يظهر أثره في العقوبة عليه في الآخرة لا في الإقرار عليه في الدنيا ألا ترى أن أهل الذمة يقرون على الشرك ولا يقرون على الزنا ولا على السرقة ولا على قطع الطرق ولا على قذف المسلم ولا على محاربة المسلمين وهذه الأشياء دون الشرك بل سنة الله في خلقه كذلك فإنه عجل لقوم لوط العقوبة وفي الأرض مدائن مملوءة من الشرك لم يعاجلهم بالعقوبة لا سيما والمحتج بهذا الكلام يرى أن قتل الكفار إنما هو لمجرد المحاربة سواء كان كفره أصليا أو طارئا حتى أنه لا يرى قتل المرتد ويقول: الدنيا ليست دار الجزاء على الكفر وإنما الجزاء على الكفر في الآخرة وإنما يقاتل من يقاتل فقت لدفع أذاه. ثم لا يجوز أن يقال: إذا أقررناهم على الكفر فلأن نقرهم على المحاربة

стр. 249

التي هي دون الكفر بطريق الأولى وسبب ذلك أن ما كان من الذنوب يتعدى ضرره فاعله عجلت لصاحبه العقوبة في الدنيا تشريعا وتقديرا ولهذا قال ﷺ : " ما من ذنب أحرى أن تعجل لصاحبه العقوبة من البغي وقطيعة الرحم " لأن تأخير عقوبته فساد لأهل الأرض بخلاف ما لا يتعدى ضرره فاعله فإنه قد تؤخر عقوبته وإن كان أعظم كالكفر ونحوه فإذا أقررناهم على الشرك أكثر ما فيه تأخير العقوبة عليه وذلك لا يستلزم تأخير عقوبة ما يضر بالمسلمين لأنه دونه كما قدمناه. الوجه الثاني: أن يقال: لا خلاف أنهم إذا أقروا على ما هم عليه من الكفر غير مضارين للمسلمين لا يجوز أذاهم لا في دمائهم ولا في أبشارهم ولو أظهروا السب ونحوه عوقبوا على ذلك إما في الدماء أو في الأبشار. ثم إنه لا يقال: إذا لم يعاقبوا بالعزير على الشرك لم يعاقبوا على السب الذي هو دونه وإذا كان هذا السؤال معترضا على الإجماع لم يجب جوابه كيف والمنازع قد سلم أنهم يعاقبون على السب فعلم أنه لم يقرهم عليه فلا يقبل منه السؤال. والجواب عن هذه الشبهة مشترك فلا يجب علينا الانفراد به. الوجه الثالث: أن الساب ينضم السب إلى شركه الذي عوهد عليه بخلاف المشرك الذي لم يسب ولا يلزم من الإقرار على ذنب مفرد الإقرار عليه مع ذنب آخر وإن كان دونه فإن اجتماع الذنبين يوجب جرما مغلظا لا يحصل حال الانفراد. الوجه الرابع: قوله: "ما هم عليه من الكفر أعظم من سب الرسول" ليس بجيد على الإطلاق وذلك لأن أهل الكتاب طائفتان: أما اليهود فأصل كفرهم تكذيب الرسول وسبه أعظم من تكذيبه

стр. 250

فليس لهم كفر أعظم من سب الرسول فإن جميع ما يكفرون به من الكفر بدين الإسلام وبعيسى وبما أخبر الله به من أمور الآخرة وغير ذلك متعلق بالرسول فسبه كفر بهذا كله لأن ذلك إنما علم من جهته وليس عند أهل الأرض في وقتنا هذا علم موروث يشهد عليه أنه من عند الله إلا العلم الموروث عن محمد ﷺ وما سوى ذلك مما يؤثر عن غيره من الأنبياء فقد اشتبه واختلط كثير منه أو أكثره والواجب فيما لا نعلم حقيقته منه أن لا يصدق ولا يكذب. وأما النصارى فسبهم للرسول طعنا فيما جاء به من التوحيد وأنباء الغيب والشرائع وإنما ذنبه الأعظم عندهم أن قال: أن عيسى عبد الله ورسوله كما أن ذنبه الأعظم عند اليهود أن غير شريعة التوراة وإلا فالنصارى ليسوا محافظين على شريعة مورثة بل كل برهة من الدهر تبتدع لهم الأحبار شريعة من الدين لم يأذن الله بها ثم لا يرعونها حق رعايتها فسبهم له متضمن للطعن في التوحيد وللشرك وللتكذيب بالأنبياء والدين ومجرد شركهم ليس متضمنا لتكذيب جميع الأنبياء ورد جميع الدين فلا يقال: ما هم عليه من الشرك أعظم من سب الرسول بل سب الرسول ﷺ فيه ما هم عليه من الشرك وزيادة. وبالجملة فينبغي للعاقل أن يعلم أن قيام دين الله في الأرض إنما هو بواسطة المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فلولا الرسل لما عبد الله وحده لا شريك له ولما علم الناس أكثر ما يستحقه سبحانه من الأسماء الحسنى والصفات العلى ولا كانت له شريعة في الأرض. ولا تحسبن أن العقول لو تركت وعلومها التي تستفيدها بمجرد النظر عرفت الله معرفة مفصلة بصفاته وأسمائه على وجهه اليقين فإن عامة من تكلم
следующие страницы →