وكثيرا ما يعبر المحدثون بهذا اللفظ عما جرى بينهم في المذكرات والمناظرات وأحاديث المذاكرة قلما يحتجون بها.
قلت وما ادعاه على البخاري مخالف لما قاله من هو أقدم منه وأعرف بالبخاري وهو العبد الصالح أبو جعفر بن حمدان النيسابوري١ فقد روينا عنه أنه قال: كل ما قال: البخاري قال: لي فلان فهو عرض ومناولة.
قلت ولم أجد لفظ التعليق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال الإسناد من وسطه او من آخره ولا في مثل قوله يروى عن فلان ويذكر عن فلان وما أشبهه مما ليس فيه جزم على من ذكر ذلك عنه بأنه قاله وذكره.
وكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار وتعليق الطلاق ونحوه لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال انتهى.
اعترض عليه بأن البخاري شرط في كتابه ما سماه به المسند الصحيح وقد وضع فيه مالم يسنده وكذا قال: ابن القطان في بيان الوهم والإيهام إن ما علقه البخاري من الأحاديث غير مبال بضعف رواتها فإنها غير معدودة فيما انتخب وإنما يعد من ذلك ما وصل الأسانيد به.
والجواب أن المصنف إنما يحكم بصحتها إلى من علقها عنه إذا ذكره بصيغة الجزم ولا نظن بالبخاري أن يجزم القول فيما ليس بصحيح عمن جزم به عنه فأما إذا ذكر فيما أبرزه من السند ضعيفا فإنه ليس بصحيح عنده.
قوله فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام ليس كذلك وإنما قال: في المحلى منقطع لم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد.
وصدقة هذا شيخ هشام بن عمار في هذا الحديث وهذا قريب إلا أن المصنف لا يجوز تغيير الألفاظ في التصانيف وإن اتفق المعنى.
قوله وأما ما أورده البخاري كذلك عن شيوخه فهو من قبيل ما ذكرنا قريبا في الثالث: أي ما قال: فيه البخاري قال: فلان وسمى بعض شيوخه انه محكوم فيه بالاتصال كالإسناد المعنعن.
يشكل على ما ذكره المصنف هنا أن البخاري قال: " في الجنائز" باب: "ما جاء
стр. 107
في قاتل النفس ":وقال حجاج بن منهال ثنا جرير بن حازم عن الحسن قال: ثنا جندب في هذا المسجد فما نسيناه وما نخاف أن يكذب جندب على رسول الله ﷺ قال: كان برجل جراح فقتل نفسه الحديث.
فحجاج بن منهال أحد شيوخ البخاري قد سمع منه أحاديث وقد علق عنه هذا الحديث ولم يسمعه وبينه وبينه واسطة كما ذكره في باب ما ذكر عن بني إسرائيل فقال ثنا محمد ثنا حجاج قال: ثنا جرير عن الحسن قال: حدثنا جندب فذكر الحديث.
فهذا يدل على أنه لم يسمعه من حجاج وهذا تدليس فلا ينبغي أن يحمل ما علقه عن شيوخه على السماع منهم.
ويجوز أن يقال إن البخاري أخذه عن حجاج بالمناولة أو في حال المذاكرة على الخلاف الذي ذكره المصنف وسمعه ممن سمعه منه فلم يستحسن التصريح باتصاله بينه وبين حجاج ما وقع من يحمله١ وهو قد صح عنده بواسطة الذي حدث به عنه فأتى به في موضع بصيغة التعليق وفي موضع آخر بزيادة الواسطة وعلى هذا فلا يسمى ما وقع من البخاري على هذا التقدير تدليسا وعلى كل حال فهو محكوم بصحته لكونه أتى به بصيغة الجزم فما قاله ابن حزم في حديث البخاري عن هشام بن عمار بحديث المعازف من أنه ليس متصلا عند البخاري يمكن أن يكون البخاري أخذه عن هشام مناولة أو في المذاكرة فلم يصرح فيه بالسماع.
وقول ابن حزم إنه موضوع مردود عليه بالاتفاق فقد وصله غير البخاري من طريق هشام ومن طريق غيره.
قال الإسماعيلي في صحيحه ثنا الحسن وهو ابن سفيان الإمام ثنا هشام بن عمار.
وقال الطبراني في مسند الشاميين ثنا محمد بن يزيد بن عبد الصمد ثنا هشام بن عمار ثنا صدقة بن خالد.
وقال أبو داود في سننه ثنا عبد الوهاب بن نجدة ثنا بشر بن بكر
стр. 108
كلاهما١ عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده.
وقد ذكر المصنف فيما تقدم في النوع الأول في أمثلة تعليق البخاري قال: القعنبي والقعنبي من شيوخ البخاري فجعله هناك من باب التعليق وخالف ذلك هنا.
وقد يجاب عنه بما ذكره هنا عقب الإنكار على ابن حزم وهو قوله والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكون الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص الذي علق عنه وقد يفعل ذلك لكونه قد ذكره في موضع آخر متصلا او غير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع.
فحديث المعازف معروف من جهة الثقات عن هشام وحديث جندب ذكره في موضع آخر من كتابه مسندا
وقد اعترض على المصنف في قوله وقد يفعل ذلك لسبب من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع بأن حديث جندب المذكور في الجنائز صحبه خلل الانقطاع فإنه لم يأخذه عن حجاج بن منهال.
وجوابه أنه لم يرد بقوله لا يصحبه خلل الانقطاع في غير الموضع٢ الذي علقه فيه فإن التعليق منقطع قطعا بل مراده لا يصحبها في الواقع بأن يكون الحديث معروف الاتصال إما في كتابه في موضع آخر كحديث جندب او في غيره كحديث أبي مالك الأشعري فإنه إنما جزم به حيث علم صحته واتصاله في نفس الأمر كما تقدم.
واختلف في محمد شيخ البخاري في حديث جندب فقيل هو محمد بن يحيى الذهلي وهو الظاهر فإنه روى عن حجاج بن منهال والبخاري عادته لا ينسبه إذا روى عنه إما لكونه من أقرانه أو لما جرى بينهما وقيل هو محمد بن جعفر السمناني.
قوله: "قلت: ولم أجد لفظ التلعيق مستعملا فيما سقط فيه بعض رجال
стр. 109
الإسناد من وسطه أو من آخره إلى آخره".
وقد وجد ذلك وقد سمى غير واحد من المتأخرين ما ليس بمجزوم تعليقا منهم الحافظ أبو الحجاج المزي لقول البخاري في باب مس الحرير ويروى فيه عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ فذكره في الأطراف وعلم عليه علامة التعليق للبخاري.
وكذا فعل غير واحد من الحفاظ يقولون ذكره البخاري تعليقا مجزوما أو تعليقا غير مجزوم به إلا أنه يجوز ان هذا الاصطلاح متجدد فلا لوم على المصنف في قوله إنه لم يجده.
قال الخامس: الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا وبعضهم متصلا اختلف أهل الحديث في أنه ملحق بقبيل الموصول أو بقبيل المرسل.
مثاله لا نكاح إلا بولي رواه إسرائيل بن يونس في آخرين عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن رسول الله ﷺ مسندا هكذا متصلا.
ورواه سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن النبي ﷺ مرسلا هكذا.
فحكى الخطيب الحافظ أن أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في هذا وأشباهه للمرسل.
وعن بعضهم أن الحكم للأكثر وعن بعضهم أن الحكم للأحفظ.
فإذا كان من أرسله أحفظ ممن وصله فالحكم لمن أرسله ثم لا يقدح ذلك في عدالة من وصله وأهليته١.
ومنهم من قال: الحكم لمن أسنده إذا كان عدلا ضابطا فيقبل خبره وإن خالفه غيره سواء كان المخالف له واحدا او جماعة.
قال الخطيب هذا القول هو الصحيح.
стр. 110
قلت وما صححه هو الصحيح في الفقه وأصوله وسئل البخاري عن حديث لا نكاح إلا بولي المذكور فحكم لمن وصله وقال الزيادة من الثقة مقبولة.
فقال البخاري هذا مع أن من أرسله شعبة وسفيان وهما جبلان١.
ويلتحق بهذا ما إذا كان الذي وصله هو الذي أرسله وصله في وقت وأرسله في وقت وهكذا إذا رفع بعضهم الحديث إلى النبي ﷺ ووقفه بعضهم على الصحابي أو رفعه واحد في وقت ووقفه هو أيضا في وقت آخر فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة من الوصل والرفع لأنه مثبت وغيره ساكت ولو كان نافيا فالمثبت مقدم عليه لأنه علم ما خفي عليه ولهذا الفصل تعلق بفصل زيادة الثقة في الحديث وسيأتي انتهى.
قوله فالحكم على الأصح في كل ذلك لما زاده الثقة هذا مذهب المحدثين وصحح الأصوليون خلافه وهو أن الاعتبار بما وقع منه أكثر فإن وقع وصله أو رفعه أكثر من إرساله أو وقفه فالحكم للوصل والرفع وإن كان الإرسال أو الوقف أكثر فالحكم له.
стр. 111
النوع الثاني عشر: معرفة التدليس وحكم المدلس
التدليس قسمان:
أحدهما تدليس الإسناد وهو ان يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه موهما أنه سمعه منه او عمن عاصره ولم يلقه موهما أنه قد لقيه وسمعه منه ثم قد يكون بينهما واحد وقد يكون أكثر.
ومن شأنه ألا يقول في ذلك أخبرنا فلان ولا حدثنا وما أشبههما وإنما يقول قال: فلان أو عن فلان ونحو ذلك.
مثال ذلك: ما روينا عن علي بن خشرم قال: كنا عند ابن عيينة فقال١ الزهري٢ فقيل له حدثكم الزهري فسكت ثم قال: الزهري فقيل له سمعته من الزهري فقال لا لم أسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري حدثني عبد الرزاق عن معمر عن الزهري.
القسم الثاني: تدليس الشيوخ وهو ان يروى عن شيخ حديثا سمعه منه فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كي لا يعرف.
مثاله ما روي لنا عن أبي بكر بن مجاهد الإمام المقرئ أنه روى عن أبي بكر عبد الله بن أبي داود السجستاني٣ فقال حدثنا عبد الله بن أبي عبد الله وروى عن أبي بكر محمد بن الحسن النقاش المفسر المقرئ فقال حدثنا محمد بن سند فنسبه إلى جد له انتهى.
стр. 112
وقد ترك المصنف قسما ثالثا وهو أشر الأقسام يسمونه تدليس التسوية سماه بذلك ابن القطان وغيره وهو ان يسمع المدلس حديثا من شيخ ثقة والثقة سمعه من شيخ ضعيف وذلك الضعيف يرويه عن ثقة فيسقط المدلس شيخ شيخه الضعيف ويجعله من رواية شيخه الثقة عن الثقة الثاني: بلفظ محتمل كالعنعنة ونحوها فيصير الإسناد كله ثقات ويصرح هو بالاتصال بينه وبين شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي عدم قبوله إلا لأهل النقد والمعرفة بالعلل١.
مثال ذلك ما ذكره أبو محمد بن أبي حاتم في كتاب العلل قال: سمعت أبي وذكر الحديث الذي رواه إسحاق بن راهويه عن بقية قال: حدثني أبو وهب الأسدي عن نافع عن ابن عمر مرفوعا لا تحمدوا إسلام المرء حتى تعرفوا عقدة رأيه فقال أبي إن هذا الحديث له أمر قل من يفهمه روى هذا الحديث عبيد الله بن عمرو عن إسحاق بن أبي فروة عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "وعبيد الله بن عمرو كنيته أبو وهب وهو أسدي فكناه بقية ونسبه إلى بني أسد لكيلا يفطن له حتى إذا ترك إسحاق بن أبي فروة من الوسط لا يهتدى له وكان بقية من أفعل الناس لهذا".
وممن كان يصنع هذا النوع من التدليس الوليد بن مسلم وحكي أيضا عن الأعمش وسفيان الثوري.
فأما الوليد بن مسلم فحكى الدارقطني عنه أنه كان يفعله وروى عن أبي مسهر قال: كان الوليد بن مسلم٢ يحدث بأحاديث الأوزاعي عن الكذابين ثم يدلسها عنهم.
стр. 113
وروى عن صالح جزرة قال: سمعت الهيثم بن خارجة يقول قلت للوليد بن مسلم قد أفسدت حديث الأوزاعي قال: كيف قلت تروي عن الأوزاعي عن نافع وعن الأوزاعي عن الزهري وعن الأوزاعي عن يحيى بن سعيد وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي وبينه وبين الزهري إبراهيم بن مرة وقرة.
قال: أنبل الأوزاعي أن يروى عن مثل هؤلاء.
قلت فإذا روى عن هؤلاء وهم ضعفاء أحاديث مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات ضعف الأوزاعي فلم يلتفت إلى قولي.
وأما الأعمش والثوري فقال الخطيب في الكفاية كانا هما وبقية يفعلون ذلك.
قال شيخنا الحافظ أبو سعيد العلائي في كتابه جامع التحصيل وبالجملة فهذا النوع أفحش أنواع التدليس مطلقا وأشرها انتهى.
ومما يلزم عليه من الغرور الشديد أن الثقة الأول قد لا يكون معروفا بالتدليس ويكون المدلس قد صرح بسماعه عن هذا الشيخ الثقة وهو كذلك فتزول تهمة تدليسه فيقف الواقف على هذا السند فلا يرى فيه موضع علة لأن المدلس صرح باتصاله والثقة الأول ليس مدلسا وقد رواه عن ثقة آخر فيحكم له بالصحة وفيه ما فيه من الآفة المتقدمة وهذا قادح فيمن تعمده.
قوله في حد القسم الأول: "هو أن يروى عمن لقيه ما لم يسمعه منه إلى آخره" هذا الحد هو المشهور عندهم وقد حده الحافظ أبو بكر البزار وغيره بما هو أخص من هذا وهو أن يروى عمن قد سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه وكذا حده الحافظ أبو الحسن بن القطان قال: والفرق بينه وبين الإرسال أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه انتهى.
ويقابل هذا القول في تضييق حد التدليس قول آخر حكاه ابن عبد البر في التمهيد١ ان التدليس أن يحدث الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي
стр. 114
تصريحا بالسماع وإلا كان كذبا.
قال وعلى هذا فما سلم أحد من التدليس لا مالك ولا غيره.
لكنه قال: وأئمة الحديث يقبلون تدليس ابن عيينة لأنه إذا وقف أحال على ابن جريج ومعمر ونظرائهما.
وهذا ما رحجه ابن حبان وقال وهذا الشيء ليس في الدنيا إلا لسفيان بن عيينة فإنه كان يدلس ولا يدلس إلا عن ثقة مثل ثقته.
ثم مثل ذلك بمراسيل كبار الصحابة١ فإنهم لا يرسلون إلا عن صحابي.
قال الحافظ أبو بكر البزار من كان يدلس عن الثقات كان تدليسه مقبولا عند أهل العلم وإن كان مدلسا.
قال أما القسم الأول فمكروه جداذمه أكثر العلماء وكان شعبة لمن٢ أشدهم ذما له فروينا عن الشافعي أنه٣ قال: التدليس أخو الكذب وروينا عنه أنه قال: لأن أزني أحب إلي من أن أدلس وهذا من شعبة إفراط محمول على المبالغة في الزجر عنه والتنفير.
ثم اختلفوا في قبول رواية من عرف بهذا التدليس٤ فجعله فريق من أهل الحديث والفقهاء مجروحا بذلك وقالوا لا تقبل روايته بحال بين السماع او لم يبين.
والصحيح التفصيل وأن ما رواه المدلس بلفظ مبين٥ للاتصال نحو
стр. 115
سمعت وحدثنا وأخبرنا وأشباهها فهو مقبول محتج به.
وفي الصحيحين وغيرهما من الكتب المعتمدة من حديث هذا الضرب كثير جدا كقتادة والأعمش والسفيانين وهشيم بن بشير وغيرهم.
وهذا لأن التدليس ليس كذبا وإنما هو ضرب من الإبهام بلفظ محتمل.
والحكم بأنه لا يقبل من المدلس حتى يبين قد أجازه١ الشافعي فيمن عرفناه دلس مرة.
وأما القسم الثاني: فأمره أخف وفيه تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفته على من يطلب الوقوف على حاله وأهليته.
ويختلف الحال في كراهة ذلك بحسب الغرض الحامل عليه.
فقد يحمله على ذلك كون شيخه الذي غير سمته غير ثقة او كونه متأخر الوفاة قد شاركه في السماع منه جماعة دونه او كونه أصغر سنا من الراوي عنه او كونه كثير الرواية عنه فلا يحب الإكثار من ذكر شخص واحد على صورة واحدة.
وتسمح بذلك جماعة من الرواة المصنفين منهم الخطيب أبو بكر فقد كان لهجا به في تصانيفه. انتهى.
في كلامه أمور منها:
أنه أجرى الخلاف في الثقة المدلس وهو كذلك كما حكاه الخطيب في الكفاية وادعى أبو الحسن بن القطان أنه لا خلاف فيه قال: في كتابه الوهم والإيهام إن يحيى بن أبي كثير كان يدلس وأنه ينبغي أن يجري في معنعنه الخلاف أما إذا صرح بالسماع فإنه يقبل بلا خلاف لأنه ثقة حافظ صدوق.
الثاني: أنه ذكر أن ما لم يبين فيه المدلس الاتصال حكمه حكم المرسل فاقتضى كلامه ان من يقبل المرسل يقبل معنعن المدلس وليس ذلك قول جميع من يحتج بالمرسل بل بعض من يحتج بالمرسل يرد معنعن المدلس لما فيه من
стр. 116
التهمة كما حكاه الخطيب في الكفاية فقال إن جمهور من يحتج بالمرسل لا يقبل خبر المدلس.
بل زاد النووي على هذا فحكى في شرح المهذب الاتفاق على أن المدلس لا يحتج بخبره إذا عنعن وكأنه تبع البيهقي في المدخل وابن عبد البر في التمهيد فحكى البيهقي عن الشافعي وسائر أهل العلم أنهم لا يقبلون عنعنة المدلس وحكى ابن عبد البر في مقدمة التمهيد ان المعنعن يقبل بثلاثة شروط إلا أن يكون معروفا بالتدليس فلا يقبل حديثه حتى يقول حدثنا او: "سمعت".
وهذا ما لا أعلم فيه أيضا خلافا وما ذكر من الاتفاق محمول على اتفاق من لا يحتج بالمرسل وإلا فالخلاف مشهور١ وممن حكاه الحاكم في المدخل فإنه قسم الصحيح إلى عشرة أقسام خمسة متفق عليها وخمسة مختلف فيها فذكر من المختلف فيه المراسيل واحاديث المدلس إذا لم يذكر سماعه وحكى الخطيب عن كثير من أهل العلم أن خبر المدلس مقبول لأن نهاية أمره أن يكون مرسلا.
وفي السؤال من أصله نظر فإن قوله ما لم يبين فيه المدلس الاتصال حكمه حكم المرسل يلزم منه ان كل من يقبل المرسل يقبل معنعن المدلس وهذا الإلزام ليس بلازم لما تقرر في موضعه.
الثالث: أنه لم يبين قال: القسم الثاني٢ بل قال: هو أخف وقد ذكر
стр. 117
حكمه أبو نصر بن الصباغ في العدة أن من فعل ذلك لكون من روى عنه غير ثقة فإنما أراد أن يغير اسمه ليقبلوا خبره يجب ألا يقبل خبره وإن كان هو يعتقد فيه الثقة فقد غلط في ذلك لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه هو وإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن مجهول لا يجب قبول خبره حتى يعرف من روى عنه.
стр. 118
النوع الثالث عشر: معرفة الشاذ
روينا عن يونس بن عبد الأعلى قال: قال: لي الشافعي: "ليس الشاذ من الحديث ان يروى الثقة ما لا يروى غيره إنما الشاذ ان يروى الثقة حديثا يخالف ما روى الناس".
وحكى أبو يعلى الخليلي القزويني نحو هذا عن الشافعي وجماعة من أهل الحجاز ثم قال: الذي عليه حفاظ الحديث أن الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد يشذ بذلك شيخ ثقة كان او غير ثقة فما كان غير ثقة فمتروك ولا يقبل وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يحتج به.
وذكر الحاكم ان الشاذ هو الحديث الذي ينفرد به ثقة عن١ الثقات وليس له أصل بمتابع لذلك الثقة.
وذكر أنه يغاير المعلل من حيث أن المعلل وقف على علته الدالة على جهة الوهم فيه والشاذ لم يوقف فيه على علة كذلك.
قلت أما ما حكم الشافعي عليه بالشذوذ فلا إشكال في أنه شاذ غير مقبول وأما ما حكيناه عن غيره فيشكل بما ينفرد به العدل الضابط كحديث إنما الأعمال بالنيات فإنه حديث فرد تفرد به عمر ﵁ عن النبي٢ صلي الله عليه وسلم ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم ثم عنه يحيى بن سعيد على ما هو الصحيح عند أهل الحديث.
وأوضح من ذلك في ذلك حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: "أن النبي صلي الله عليه وسلم
стр. 119
نهى عن بيع الولاء وهبته تفرد به عبد الله بن دينار".
وحديث مالك عن الزهري عن أنس أن النبي صلي الله عليه وسلم دخل مكة وعلى رأسه المغفر تفرد به مالك عن الزهري.
فكل هذه مخرجة في الصحيحين مع أنه ليس لها إلا إسناد واحد تفرد به ثقة وفي غرائب الصحيح أشباه لذلك غير قليلة.
وقد قال: مسلم للزهري نحو تسعين حرفا يرويه عن النبي صلي الله عليه وسلم لا يشاركه فيه١ أحد بأسانيد جياد٢.
فهذا الذي ذكرناه وغيره من مذاهب أئمة الحديث يبين لك أنه ليس الأمر في ذلك على الإطلاق الذي أتى به الخليلي والحاكم بل الأمر في ذلك على تفصيل نبينه فنقول:
إذا انفرد الراوي بشيء نظر فيه فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه من هو اولى منه بالحفظ لذلك وأضبط كان ما انفرد به شاذا مردودا وإن لم يكن فيه مخالفة لما رواه غيره وإنما هو أمر رواه هو ولم يروه غيره فينظر في هذا الراوي المنفرد فإن كان عدلا حافظا موثوقا بإتقانه وضبطه قبل ما انفرد به ولم يقدح الانفراد فيه كما سبق٣ وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه واتقانه لذلك الذي انفرد به كان انفراده به خارما له مزحزحا له عن حيز الصحيح.
ثم هو مع٤ ذلك دائر بين مراتب متفاوتة بحسب الحال فيه فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط المقبول تفرده استحسنا حديثه ذلك ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف وإن كان بعيدا من ذلك رددنا ما انفرد به وكان من قبيل الشاذ المنكر.
فخرج من ذلك أن الشاذ المردود قسمان:
стр. 120
أحدهما الحديث الفرد المخالف.
والثاني: الفرد الذي ليس في رواته١ من الثقة والضبط ما يقع جابرا لما يوجبه التفرد والشذوذ من النكارة والضعف انتهى.
اعترض عليه بأمرين أحدهما أن الخليلي والحاكم إنما ذكرا تفرد الثقة فلا يرد عليهما تفرد الحافظ لما بينهما من التفاوت.
الثاني: أن حديث النية لم ينفرد به عمر بل رواه أبو سعيد الخدري وغيره عن النبي صلي الله عليه وسلم فيما ذكره الدارقطني وغيره.
والجواب عن الأول: أن الخليلي والحاكم ذكرا تفرد مطلق الثقة فيدخل فيه الثقة الحافظ وغيره.
وعن الثاني: أنه لم يصح من حديث أبي سعيد ولا غيره سوى عمر وقد أشار المصنف إلى أنه قد قيل إن له غير طريق عمر بقوله على ما هو الصحيح فلم يبق للاعتراض وجه.
ثم إن حديث أبي سعيد الذي ذكره هذا المعترض صرحوا بتغليط ابن أبي رواد٢ الذي رواه عن مالك وممن وهمه في ذلك الدارقطني وغيره.
وأيضا فما الحكمة في اعتراضه بحديث عمر دون الحديث الذي بعده وهو حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر في النهي عن بيع الولاء وهبته.
ومما يستغرب ما حكاه عبد الرحمن بن مندة ان حديث " الأعمال بالنيات" رواه سبعة عشر من الصحابة وأنه رواه عن عمر غير علقمة وعن علقمة غير محمد بن إبراهيم وعن محمد بن إبراهيم غير يحيى بن سعيد.
وسئل الحافظ أبو الحجاج المزي عن كلام ابن مندة فأنكره واستبعده وهو معذور فإن أكثر الصحابة الذين ذكر حديثهم في الكتاب إنما لهم أحاديث أخرى في مطلق النية٣ كحديث: "يبعثون على نياتهم" وكحديث ليس له من
стр. 121
غزاته إلا ما نوى ونحو ذلك.
وهكذا يفعل الترمذي حيث يقول وفي الباب عن فلان وفلان فإنه لا يريد ذلك الحديث المعين وإنما يريد احاديث اخر يصح أن تكتب في ذلك الباب فإن كان حديثا آخر غير الذي يرويه في أول الباب فهو عمل صحيح إلا ان كثيرا من الناس يفهمون من ذلك ان من سمى من الصحابة يروون ذلك الحديث الذي رواه في أول الباب بعينه وليس الأمر كذلك بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب وقد تتبعت الأحاديث التي ذكرها ابن مندة فلم يوجد١ منها بلفظ حديث عمر او قريبا من لفظه بمعناه إلا حديث لأبي سعيد الخدري وحديث لأبي هريرة وحديث لأنس بن مالك وحديث٢ لعلي بن أبي طالب وكلها ضعيفة.
ولهذا قال: الحافظ أبو بكر البزار لا يصح عن النبي صلي الله عليه وسلم إلا من حديث عمر ولا عن عمر إلا من حديث علقمة ولا عن علقمة إلا من حديث محمد بن إبراهيم ولا عن محمد بن إبراهيم إلا من حديث يحيى بن سعيد وسيأتي في "النوع الحادي والثلاثين".
قوله وأوضح من ذلك في ذلك حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر: "أن النبي صلي الله عليه وسلم نهى عن بيع الولاء وهبته" تفرد به عبد الله بن دينار.
وحديث أنه ﵇: "دخل مكة وعلى رأسه المغفر" تفرد به مالك عن الزهري.
أما حديث "النهي عن بيع الولاء" فقد روي من غير حديث عبد الله بن دينار رواه الترمذي في كتاب العلل المفردة قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ثنا يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر فذكره.
ثم قال: والصحيح عن عبد الله بن دينار وعبد الله بن دينار قد تفرد بهذا الحديث عن ابن عمر ويحيى بن سليم أخطأ في حديثه وقال: الترمذي وهم٣ انتهى.
стр. 122
وقد ورد أيضا من غير رواية يحيى عن نافع رواه ابن عدي في الكامل فقال حدثنا عصمة بن بجماك١ البخاري قال: ثنا إبراهيم بن فهد بن حكيم٢ وقال لم أسمعه إلا من عصمة عنه ثم قال: وسائر أحاديث إبراهيم بن فهد مناكير وهو مظلم الأمر وحكى أن ابن صاعد كان إذا حدث عنه يقول حدثنا إبراهيم بن حكيم ينسبه إلى جده لضعفه.
والجواب عن المصنف أنه لا يصح أيضا إلامن رواية عبد الله بن دينار.
وأما حديث المغفر فقد ورد من عدة طرق غير طريق مالك من رواية ابن أخي الزهري وأبي أويس عبد الله بن عبد الله بن أبي عامر ومعمر والأوزاعي كلهم عن الزهري.
فأما رواية ابن أخي الزهري عنه فرواها أبو بكر البزار
وأما رواية أبي أويس فرواها ابن سعد في الطبقات وابن عدي في الكامل وأما رواية معمر فذكرها ابن عدي في الكامل أيضا.
وأما رواية الأوزاعي فذكرها المزي في الأطراف.
وروى ابن مسدي في معجم شيوخه أن أبا بكر ابن العربي قال: لأبي جعفر ابن المرخي حين ذكر أنه لا يعرف إلا من حديث مالك عن الزهري قد رويته من ثلاثة عشر طريقا غير طريق مالك فقالوا له أفدنا هذه الفوائد فوعدهم فلم يخرج لهم شيئا.
ثم تعقب ابن مسدي هذه الحكاية بأن٣ شيخه فيها وهو أبو العباس العشاب كان متعصبا على ابن العربي لكونه كان متعصبا على ابن حزم.
стр. 123
النوع الرابع عشر ١: معرفة المنكر من الحديث
بلغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي أنه الحديث الذي ينفرد به الرجل ولا يعرف متنه من غير روايته لا من الوجه الذي رواه منه ولا من وجه آخر.
فأطلق البرديجي ذلك ولم يفصل.
وإطلاق الحكم على التفرد بالرد أو النكارة أو الشذوذ موجود في كلام كثير من أهل الحديث والصواب فيه التفصيل الذي بيناه آنفا في شرح الشاذ.
وعند هذا (نقول٢) المنكر ينقسم قسمين على ما ذكرناه في الشاذ فإنه بمعناه مثال الأول وهو المنفرد المخالف لما رواه الثقات رواية مالك عن الزهري عن علي بن حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم" فخالف مالك غيره من الثقات في قوله عمر بن عثمان بضم العين.
وذكر مسلم٣ في كتاب التمييز أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال: فيه عمرو بن عثمان يعني بفتح العين.
وذكر أن مالكا كان يشير بيده الى دار عمر بن عثمان كأنه علم أنهم يخالفونه وعمرو وعمر جميعا ولد٤ عثمان غير أن هذا الحديث إنما هو عن
стр. 124
عمرو بفتح العين وحكم مسلم وغيره على مالك بالوهم فيه.
ومثال الثاني: وهو الفرد الذي ليس في رواته١ من الثقة والإتقان ما يحتمل معه تفرد٢ ما رويناه من حديث أبي زكير يحيى بن محمد بن قيس عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال:: "كلوا البلح بالتمر فإن الشيطان إذا رأى ذلك غاظه" ويقول: "عاش ابن آدم حتى أكل الجديد بالخلق" تفرد به أبو زكير وهو شيخ صالح أخرج عنه مسلم في كتابه غير أنه لم يبلغ مبلغ من يحتمل تفرده انتهى.
اعترض عليه بكونه جعل حديث مالك منكرا وهو لا يرث المسلم الكافر لكونه رواه عن عمر بن عثمان بضم العين وإنما رواه أصحاب الزهري عن عمرو بن عثمان بفتح العين.
والحديث صحيح الإسناد وليس بمنكر لأن عمر وعمرا كلاهما ثقة والمصنف قد أشار الى نحو ذلك في النوع الثامن: عشر أن من أمثلة ما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في متنه ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار" الحديث قال: فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل وهو معلل غير صحيح والمتن على كل حال صحيح والعلة في قوله عن عمرو بن دينار وإنما هو عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى وعدل عن عبد الله بن دينار الى عمرو بن دينار وكلاهما ثقة فجعل الوهم في الإسناد بذكر ثقة آخر لا يخرج المتن عن كونه صحيحا فكذا يكون الحكم هنا.
مع أن مالكا اختلف عليه أيضا في عمرو وعمر فروى النسائي في مسنده من رواية عبد الله بن المبارك وزيد بن الحباب ومعاوية بن هشام ثلاثتهم عن مالك عن عمرو بن عثمان كما رواه أصحاب الزهري بفتح العين لكن قال: النسائي الصواب من حديث مالك عن عمر بضمها قال: ولا نعلم أحدا تابع
стр. 125
مالكا على ذلك.
قال ابن عبد البر إن يحيى بن بكير رواه عن مالك على الشك١ فقال عن عمرو بن عثمان أو عمر والثابت عن مالك عمر بضمها وتابعه القعنبي وأكثر الرواة.
وقد رواه سفيان الثوري وشعبة عن عبد الله بن عيسى عن الزهري فخالفا الفريقين جميعا وأسقطا ذكر عمرو بن عثمان وجعلاه من رواية علي بن حسين عن٢ أسامة والصواب رواية الجمهور.
وإذا لم يصح هذا المثال للمنكر فالمثال له ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: "كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه".
قال أبو داود حديث منكر وإنما يعرف عن ابن جريج عن زياد بن سعد عن الزهري عن أنس: "أن النبي ﷺ اتخذ خاتما من ورق ثم ألقاه".
قال والوهم فيه من همام ولم يروه إلا هو.
وقال النسائي حديث غير محفوظ.
وأما قول الترمذي حديث حسن صحيح غريب فإنه أجرى حكمه على ظاهر الإسناد.
وقول أبي داود والنسائي أولى بالصواب ألا أنه قد ورد من٣ غير رواية همام.
رواه الحاكم والبيهقي من رواية يحيى بن المتوكل عن ابن جريج وصححه٤ الحاكم وضعفه البيهقي فقال هذا شاهد ضعيف وكأن البيهقي ظن أن يحيى بن
стр. 126
المتوكل هو أبو عقيل صاحب بهية١ أي الراوي عن بهية وهو ضعيف وليس هو به وإنما هو باهلي يكنى أبا بكرة ذكره ابن حبان في الثقات.
وقول ابن معين لا أعرفه لا يقدح فيه فقد روى عنه نحو من عشرين نفسا إلا أنه اشتهر تفرد همام٢ به عن ابن جريج.
وقوله: في أبي زكير شيخ صالح تبع فيه أبا يعلى الخليلي في كتابه الإرشاد.
وقوله: أخرج عنه مسلم وهو إنما أخرج عنه في المتابعات لا فيما يحتج به مع أن الجماعة ضعفوه فروى إسحاق الكوسج عن يحيى بن معين أنه ضعفه وقال ابن حبان لا يحتج به وقال العقيلي لا يتابع على حديثه وأورد له ابن عدي أربعة أحاديث مناكير.
стр. 127
النوع الخامس عشر: معرفة الاعتبار والمتابعات والشواهد .
هذه أمور يتداولونها في نظرهم في حال الحديث هل تفرد به راويه أو لا؟ وهل هو معروف أو لا؟.
ذكر أبو حاتم محمد بن حبان١ أن طريق الاعتبار في الأخبار مثاله أن يروي حماد بن سلمة حديثا لم يتابع عليه عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم فينظر هل روى ذلك ثقة غير أيوب عن ابن سيرين فإن وجد علم أن للخبر أصلا يرجع إليه وإن لم يوجد ذلك فثقة غير ابن سيرين رواه عن أبي هريرة وإلا فصحابي غير أبي هريرة رواه عن النبي صلي الله عليه وسلم.
فأي ذلك وجد يعلم به أن للحديث أصلا يرجع إليه وإلا فلا.
قلت مثال٢ المتابعة أن يروي ذلك الحديث بعينه عن أيوب غير٣ حماد فهذه المتابعة التامة.
فإن لم يروه أحد غيره عن أيوب لكن رواه بعضهم عن ابن سيرين أو عن أبي هريرة أو رواه غير أبي هريرة عن النبي٤ صلي الله عليه وسلم فذلك قد يطلق عليه اسم المتابعة أيضا لكن تقصر عن المتابعة الأولى بحسب بعدها منها ويجوز أن يسمى ذلك بالشاهد أيضا.
فإن لم يرو ذلك الحديث أصلا من وجه من الوجوه المذكورة لكن روي حديث آخر بمعناه فذلك الشاهد من غير متابعة.
стр. 128
فإن لم يرو أيضا بمعناه حديث آخر فقد تحقق فيه التفرد المطلق حينئذ وينقسم عند ذلك إلى مردود منكر وغير مردود كما سبق.
وإذا قالوا في مثل هذا تفرد به أبو هريرة وتفرد به عن أبي هريرة ابن سيرين وتفرد به عن ابن سيرين أيوب وتفرد به عن أيوب حماد بن سلمة كان في ذلك إشعار بانتفاء وجوه المتابعات فيه.
ثم اعلم أنه قد يدخل في باب المتابعة والاستشهاد رواية من لايحتج بحديثه وحده بل يكون معدودا في الضعفاء.
وفي كتابي البخاري ومسلم جماعة من الضعفاء ذكراهم في المتابعات والشواهد وليس كل ضعيف يصلح لذلك ولهذا يقول الدارقطني وغيره في الضعفاء فلان يعتبر به وفلان لا يعتبر به وقد تقدم التنبيه على نحو ذلك.
مثال المتابع١ والشاهد روينا من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "لو أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به".
ورواه ابن جريح عن عمرو عن عطاء ولم يذكر فيه الدباغ فذكر الحافظ أحمد البيهقي لحديث ابن عيينة متابعا وشاهدا.
أما المتابع فإن أسامة بن زيد تابعه عن عطاء
وروى بإسناده عن أسامة عن عطاء عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "ألا نزعتم جلدها فدبغتموه فاستمتعتم به"
وأما الشاهد فحديث عبد الرحمن بن وعلة٢ عن ابن عباس قال: قال: رسول الله ﷺ : "أيما إهاب دبغ فقد طهر٣ ". انتهى.
стр. 129
مثال ما عدمت فيه المتابعات من هذا الوجه من وجه يثبت ما رواه الترمذي من رواية حماد بن سلمة عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة أراد رفعه أحبب حبيبك هونا ما الحديث.
قال الترمذي حديث غريب لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه انتهى.
أي من وجه يثبت وقد رواه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث عن ابن سيرين عن أبي هريرة.
قال ابن عدي في الكامل ولا أعلم أحدا قال: عن ابن سيرين عن أبي هريرة إلا الحسن بن دينار.
ومن حديث أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة رواه حماد بن سلمة.
ويرويه الحسن بن أبي جعفر عن أيوب عن ابن سيرين عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن علي مرفوعا قال: البخاري الحسن بن أبي جعفر منكر الحديث.
واعترض على تمثيله للمتابع والشاهد١ بما رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار وبما رواه ابن جريج عنه أي عن عمرو بأن رواية ابن جريج ليست كرواية ابن عيينة فإن ابن جريج جعله من مسند ميمونة من رواية ابن عباس لا من مسند ابن عباس.
وقد رواه مسلم على الوجهين معا من طريق ابن عيينة فجعله من مسند ابن عباس ومن طريق ابن جريج فجعله من مسند ميمونة وكلام المصنف يوهم اتفاقهما في المسند وأن الاختلاف الذي بينهما في ذكر الدباغ
وإذا٢ لم يتفقا في المسند فيحتاج الى مثال يتفق الراويان له في مسند ويختلفان في ذكر الدباغ.
ومثاله ما رواه البيهقي من رواية إبراهيم بن نافع الصايغ عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس ولم يذكر الدباغ.
стр. 130
النوع السادس عشر: معرفة زيادات الثقات وحكمها
وذلك فن لطيف تستحسن العناية به وقد كان أبو بكر بن زياد النيسابوري وأبو نعيم الجرجاني وأبو الوليد القرشي الأئمة مذكورين بمعرفة زيادات الألفاظ الفقهية في الأحاديث.
ومذهب الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث فيما حكاه الخطيب أبو بكر أن الزيادة من الثقة مقبولة إذا تفرد بها سواء كان ذلك من شخص واحد بأن رواه ناقصا مرة ورواه مرة أخرى وفيه تلك الزيادة أو كانت الزيادة من غير من رواه ناقصا خلافا لمن رد من أهل الحديث ذلك مطلقا وخلافا لمن رد الزيادة منه وقبلها من غيره.
وقد قدمنا عنه حكايته عن أكثر أهل الحديث فيما إذا وصل الحديث قوم وأرسله قوم أن الحكم لمن أرسله مع أن وصله زيادة من الثقة.
وقد رأيت تقسيم ما ينفرد به الثقة الى ثلاثة أقسام:
أحدها أن يقع مخالفا منافيا لما رواه سائر الثقات فهذا حكمه الرد كما سبق في الشاذ.
الثاني: ألا يكون فيه منافاة ومخالفة أصلا لما رواه غيره كالحديث الذي تفرد برواية جملته ثقة ولا تعرض فيه لما رواه الغير بمخالفة أصلا فهذا مقبول.
وقد أدعى الخطيب فيه الاتفاق١ وسبق مثاله في نوع الشاذ. انتهى.
أبو بكر هو عبد الله بن محمد بن زياد بن واصل النيسابوري الحافظ الفقيه الشافعي مولى آل عثمان بن عفان سمع المزني والزعفراني وغيرهما وعنه
стр. 131
الشافعي مولى آل عثمان بن عفان سمع المزني والزعفراني وغيرهما وعنه جماعة أبو العباس بن عقدة وأبو علي النيسابوري والدارقطني وغيرهم من حفاظ عصره.
قال الحاكم أبو عبد الله كان إمام عصره من الشافعية بالعراق ومن أحفظ الناس للفقهيات واختلاف الصحابة.
قال الدارقطني ما رأيت أحفظ منه وكان يعرف زيادات الألفاظ في المتون قال: كنا في مجلس فيه أبو طالب الحافظ والجعابي وغيرهما فسأل فقيه من روى وجعلت تربتها طهورا لم يجبه أحد فسألوا أبا بكر بن زياد فساقه بسنده من حفظه وكان زاهدا أقام أربعين سنة لم ينم الليل يصلي الغداة بطهارة العشاء يتقوت كل يوم بخمس حبات توفي رابع ربيع الآخر سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
وأما أبو نعيم الجرجاني فاسمه عبد الملك بن محمد بن عدي الإستراباذي الفقيه الحافظ الرحال سمع الربيع بن سليمان وسليمان بن يوسف وأبا حاتم وأبا زرعة الرازيين وجماعة بالعراق ومصر والشام والجزيرة والحجاز وخراسان روى عنه ابن صاعد وأبو علي الحافظ وأبو علي المخلدي١ وغيرهم.
قال الحاكم كان من أئمة المسلمين وسمعت الأستاذ أبو الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول لم يكن في مصرنا من الفقهاء أحفظ للفقهيات وأقاويل الصحابة بخراسان منه ولا بالعراق من أبي بكر بن زياد النيسابوري.
وقال الحافظ أبو علي ما رأيت بخراسان بعد ابن خزيمة أحفظ منه كان يحفظ الموقوفات والمراسيل كما نحفظ نحن المسانيد.
стр. 132
مولده سنة اثنين وأربعين ومائتين ومات سنة ثنتين وعشرين وثلاثمائة١.
وأما أبو الوليد القرشي فهو حسان بن محمد بن أحمد بن هارون بن حسان ابن عبد الله ينسب الى العاص بن أمية بن عبد شمس أحد الأئمة الشافعية.
درس على ابن سريج وروى عن أحمد بن الحسن الصوفي وغيره ببغداد وخلق كثيرة.
وعنه القاضي أبو بكر الحيري وأبو طاهر بن محمش وأبو الفضل أحمد بن محمد السهيلي الصفار وغيرهم كالحاكم وقال فيه كان إمام أهل الحديث بخراسان وأزهد من رأيت من العلماء وأعبدهم.
وله كتاب على صحيح مسلم وكتاب على مذهب الشافعي وله اختيارات منها أن الحجامة تفطر الحاجم والمحجوم وأن تكرير الفاتحة يبطل الصلاة كالقديم وغير ذلك كالقنوت في جميع رمضان.
قال الحاكم أرانا نقش خاتمه الله ثقة حسان بن محمد وقال أرانا عبد الملك ابن محمد بن عدي نقش خاتمه الله ثقة عبد الملك بن محمد وقال أرانا الربيع نقش خاتمه الله ثقة الربيع بن سليمان وقال كان نقش خاتم الشافعي الله ثقة محمد بن إدريس.
توفي في ربيع الأول سنة تسع وأربعين وثلاثمائة عن ثنتين وسبعين سنة ومجموع ما في زيادة الثقة ستة أقوال
أحدها: قبولها مطلقا حكاه الخطيب عن الجمهور من الفقهاء والمحدثين سواء تعلق بها حكم شرعي أم لا وسواء غيرت الحكم الثابت أم لا وسواء أوجبت نقصا من أحكام ثبتت بخبر ليست فيه تلك الزيادة أم لا وسواء أكان من شخص واحد أم لا على ما ذكره.
قال ابن طاهر ولا خلاف تجده بين أهل الصنعة أن الزيادة من الثقة مقبولة وشرط أبو بكر الصيرفي والخطيب أن يكون راويها حافظا.
стр. 133
وشرط ابن الصباغ في العدة أن لا يكون من نقل الزيادة واحدا ومن رواه ناقصا جماعة لا يجوز عليهم الوهم فإن كان كذلك سقطت الزيادة إن كان في مجلس فإن كان في مجلسين كان خبرين وعمل بهما.
القول الثاني: أنها لا تقبل مطلقا لا ممن رواها ناقصا ولا من غيره حكاه الخطيب وابن الصباغ عن قوم من أهل الحديث.
الثالث: أنها لا تقبل ممن رواه ناقصا وتقبل من غيره من الثقات حكاه الخطيب عن فرقة من الشافعية.
قال في العدة إذا رواه ثانيا بزيادة فإن قال: سمعت كل واحد منهما في مجلس قبلت الزيادة وإن سمعها في مجلس واحد أو تكررت روايته بغير زيادة ثم روى الزيادة فإن قال: كنت نسيت الزيادة قبلت وإلا وجب التوقف فيها.
الرابع: إن كانت الزيادة مغيرة للإعراب كان الخبران متعارضين وإن لم تغيره قبلت حكاه ابن الصباغ عن بعض المتكلمين.
الخامس: أنها لا تقبل إلا إذا أفادت حكما.
السادس: أنها تقبل في اللفظ دون المعنى حكاهما الخطيب١.
قال الثالث: ما يقع بين هاتين٢ المرتبتين مثل زيادة لفظة في حديث لم
стр. 134
يذكرها سائر١ من روى ذلك الحديث.
مثاله ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان عل كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين".
فذكر "أبو عيسى الترمذي" أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين وروى عبيد الله ابن عمر وأيوب وغيرهما هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر دون هذه الزيادة.
فأخذ بها غير واحد من الأئمة واحتجوا بها منهم الشافعي وأحمد.
ومن أمثلة ذلك حديث جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي وسائر الروايات لفظها "وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا".
فهذا وما أشبهه يشبه القسم الأول من حيث إن ما رواه الجماعة عام وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص وفي ذلك مغايرة في الصفة ونوع من المخالفة يختلف به الحكم ويشبه أيضا القسم الثاني: من حيث إنه لا منافاة بينهما٢.
стр. 135
وأما زيادة الوصل مع الإرسال فإن بين الوصل والإرسال من المخالفة نحو ما ذكرناه ويزداد ذلك بأن الإرسال نوع قدح في الحديث فترجيحه وتقديمه من قبيل تقديم الجرح على التعديل ويجاب عنه بأن الجرح قدم لما فيه من زيادة العلم والزيادة ها هنا١ مع من وصل انتهى.
اعترض بأن كلام الترمذي ليس فيه تصريح بتفرد مالك بالزيادة وعبارته ورب حديث إنما يستغرب لزيادة تكون في الحديث وإنما تصح إذا كانت الزيادة ممن يعتمد على حفظه مثل ما روى مالك فذكر الحديث ثم قال: وزاد مالك في هذا الحديث من المسلمين وروى أيوب وعبيد الله بن عمر وغير واحد من الأئمة هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر ولم يذكروا فيه من المسلمين.
وقد روى بعضهم عن نافع مثل رواية مالك ممن لا يعتمد على حفظه انتهى.
فلم يذكر التفرد عن مالك مطلقا وإنما قيده بتفرد الحافظ كمالك ثم صرح بأنه رواه غيره عن نافع ممن لا يعتمد على حفظه فأسقط المصنف آخركلامه.
وعلى كل تقدير فمالك لم ينفرد بهذه الزيادة بل تابعه عليها جماعة من الثقات: ابنه٢ عمر بن نافع والضحاك وكثير بن فرقد ويونس بن يزيد والمعلى ابن إسماعيل وعبد الله بن عمر العمري.
واختلف في زيادتها على أخيه عبيد الله بن عمر العمري وعلى أيوب أيضا.
فأما رواية ابنه عمر عن نافع فأخرجها البخاري في صحيحه من رواية إسماعيل بن جعفر٣ عن عمر بن نافع عن أبيه فقال فيه من المسلمين.
وأما رواية الضحاك بن عثمان فأخرجها مسلم في صحيحه من رواية ابن أبي فديك أخبرنا الضحاك عن نافع فقال فيه أيضا من المسلمين.
وأما رواية كثير بن فرقد فأخرجها الدارقطني في سننه والحاكم في المستدرك من رواية الليث بن سعد عن كثير بن فرقد عن نافع فقال فيها أيضا من المسلمين.
стр. 136
قال الحاكم صحيح على شرطهما وابن فرقد احتج به البخاري ووثقه ابن معين وأبو حاتم.
وأما رواية يونس بن يزيد فأخرجها أبو جعفر الطحاوي في بيان المشكل من رواية يحيى بن أيوب عن يونس بن يزيد أن نافعا أخبره فذكر فيه أيضا من المسلمين.
وأما رواية المعلى بن إسماعيل فأخرجها ابن حبان في صحيحه والدارقطني في سننه من رواية أرطأة بن المنذر عن المعلى بن إسماعيل عن نافع فقال عن كل مسلم وأرطأة وثقه أحمد ويحيى بن معين وغيرهما.
والمعلى قال: فيه أبو حاتم ليس بحديثه بأس صالح الحديث لم يرو عنه غير أرطأة.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وأما رواية عبد الله بن عمر فأخرجها الدارقطني من رواية روح وعبد الوهاب فرقهما كلاهما عن عبد الله بن عمر عن نافع فقال فيه على كل مسلم.
ورواه أبو محمد بن الجارود في المنتقى ففرق بينه وبين مالك فرواه من طريق ابن وهب قال: حدثني عبد الله بن عمر ومالك وقال فيه من المسلمين.
وقوله: ومن أمثلة ذلك حديث وجعلت تربتها لنا طهورا تفرد به أبو مالك والذي تفرد به أبو مالك تربة الأرض كما هو في مسلم من رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة.
واعترض على المصنف بأنه يحتمل أن يريد بالتربة الأرض نفسها لا التراب فلا يبقى فيه زيادة ولا مخالفة لمن أطلق في سائر الروايات.
والجواب أن في بعض طرقه التصريح بالتراب كما في رواية البيهقي "وجعل ترابها لنا طهورا".
ولم يذكر المصنف حديث حذيفة وقد وردت هذه اللفظة أيضا في مسند أحمد من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن علي الأكبر أنه سمع علي بن أبي طالب ﵁ يقول قال: رسول الله صلى الله عليه وسلمصلى الله عليه وسلم أعطيت ما لم يعطه أحد من الأنبياء الحديث وفيه "وجعل التراب لي طهورا".
إسناده حسن ورواه البيهقي أيضا من هذا الوجه.
стр. 137
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد
وقد سبق بيان المهم من هذا النوع في الأنواع التي تليه قبله لكن أفردته بترجمة كما أفرده الحاكم أبو عبد الله ولما بقي منه فنقول الأفراد منقسمة الى ما هو فرد مطلقا والى ما هو فرد بالنسبة الى جهة خاصة.
أما الأول فهو ما ينفرد به واحد عن كل أحد وقد سبقت أقسامه وأحكامه قريبا.
وأما الثاني: وهو ما هو فرد بالنسبة فمثل١ ما ينفرد به ثقة عن كل ثقة وحكمه قريب من حكم القسم الأول ومثل ما يقال فيه هذا حديث انفرد٢ به أهل مكة أو تفرد به٣ أهل الشام أو أهل الكوفة أو أهل خراسان عن غيرهم أو لم يروه عن فلان غير فلان وإن كان مرويا من وجوه عن غير فلان أو تفرد به البصريون عن المدنيين أو الخراسانيون عن المكيين وما أشبه ذلك.
ولسنا نطول بأمثلة ذلك فإنه مفهوم دونها وليس في شيء من هذا ما يقتضى الحكم بضعف الحديث الا أن يطلق٤ قائل قوله تفرد به أهل مكة أو تفرد به البصريون عن المدنيين أو نحو ذلك على ما لم يروه الا واحد من أهل مكة أو واحد من البصريين ونحوه ويضيفه اليهم كما يضاف فعل الواحد من القبيلة اليها مجازا.
وقد فعل الحاكم هذا فيما نحن فيه فيكون الحكم فيه على ما سبق في القسم الأول. انتهى.
стр. 138
لم يذكر المصنف أمثلة ذلك فمثال تقييد الأفراد بكونه لم يروه عن فلان الا فلان حديث رواه أصحاب السنن الأربعة من طريق سفيان بن عيينة عن وائل بن داود ابنه١ بكر بن وائل عن الزهري عن أنس: "أن النبي ﷺ أولم على صفية بسويق وتمر".
قال الترمذي حديث غريب وقال ابن طاهر في أطراف الغرائب غريب من حديث بكر بن وائل عنه تفرد به وائل بن داود ولم يروه عنه غير سفيان بن عيينة انتهى.
ولا يلزم من تفرد وائل عن ابنه٢ بكر تفرده به مطلقا فقد ذكر الدارقطني في العلل أنه رواه محمد بن الصلت التوزي عن ابن عيينة عن زياد بن سعد عن الزهري قال: ولم يتابع عليه والمحفوظ عن ابن عيينة عن وائل عن ابنه ورواه جماعة عن ابن عيينة عن الزهري بغير واسطة.
مثال تقييد الانفراد بالثقة حديث "أن النبي ﷺ كان يقرأ في الأضحى والفطر بقاف واقتربت الساعة".
رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن سعيد٣ المازني عن عبيد الله ابن عبد الله عن أبي واقد الليثي٤ عن النبي ﷺ .
وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات الا ضمرة.
стр. 139
قال الشيخ علاء الدين التركماني مداره عليه واحترز بالثقات عما رواه الدارقطني من رواية ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة١ عن النبي ﷺ وابن لهيعة ضعفه الجمهور.
ومثال ما انفرد به أهل بلد ما رواه أبو داود عن أبي الوليد الطيالسي عن همام عن قتادة عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: "أمرنا رسول الله ﷺ أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر".
قال الحاكم تفرد بذكر الأمر فيه أهل البصرة من أول الإسناد الى آخره ولم يشركهم في هذا اللفظ سواهم.
ونحو حديث عبد الله بن زيد٢ في صفة وضوء النبي ﷺ : "ومسح رأسه بماء غير فضل يده" رواه مسلم وأبو داود والترمذي قال: الحاكم هذه سنة غريبة تفرد بها أهل مصر ولم يشركهم فيها أحد.
ومثال قوله الا أن يطلق قائل قوله الى آخره ما سبق في المنكر من رواية أبي زكير٣ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعا كلوا البلح بالتمر الحديث قال: الحاكم هو من أفراد البصريين عن المدنيين تفرد به أبو زكير عن هشام بن عروة٤.
فجعله من أفراد البصريين وأراد به واحدا منهم.
стр. 140
النوع الثامن عشر: معرفة الحديث المعلل
ويسميه أهل الحديث المعلول وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس العلة والمعلول مرذول عند أهل العربية واللغة.
اعلم أن معرفة علل الحديث من أجل علوم الحديث وأدقها وأشرفها وإنما يطلع عليه١ أهل الحفظ والفهم الثاقب وهي عبارة عن أسباب خفية غامضة٢ قادحة فيه فالحديث المعلل هو٣ الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته إذ٤ ظاهره السلامة منها ويتطرق ذلك الى الإسناد الذي رجاله ثقات الجامع شروط الصحة من حيث الظاهر ويستعان على إدراكها بتفرد الراوي وبمخالفة غيره له مع قرائن تنضم الى ذلك تنبه العارف بهذا الشأن على إرسال في الموصول أو وقف في المرفوع أو دخول حديث في حديث أو وهم واهم لغير٥ ذلك بحيث يغلب على ظنه ذلك فيحكم به أو يتردد فيتوقف فيه وكل ذلك مانع من الحكم بصحة ما وجد ذلك فيه.
وكثيرا ما يعللون الموصول بالمرسل مثل أن يجىء الحديث بإسناد موصول ويجيء أيضا بإسناد منقطع أقوى من إسناد الموصول.
ولهذا اشتملت كتب علل الحديث على جميع طرقه.
стр. 141
قال الخطيب أبو بكر السبيل الى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.
وروي عن علي ابن المديني قال: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه.
ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعا كما في التعليل بالإرسال والوقف وقد١ يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن.
فمن أمثلة ما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في صحة المتن ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار" الحديث.
فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل وهو معلل غير صحيح والمتن على كل حال صحيح والعلة في قوله عن عمرو بن دينار إنما هو عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى بن عبيد وعدل عن عبد الله بن دينار الى عمرو بن دينار وكلاهما ثقة.
ومثال العلة في المتن ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة وهو الذي اتفق البخارى ومسلم على إخراجه في الصحيح ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له وفهم٢ من قوله: "كانوا يسفتحون بالحمد لله" أنهم كانوا لا يبسملون فرواه على ما فهم وأخطأ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر البسملة٣ وانضم الى ذلك أمور منها أنه ثبت عن أنس أنه
стр. 142
سئل عن الأفتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله ﷺ .
ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة الى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ولذلك نجد١ في كتب علل الحديث الكثير هكذ في خط وش، وفي ع: "كتاب علل الكثير". من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول كما قال: بعضهم من الصحيح ما هو صحيح شاذ انتهى.
قوله إن لفظة معلول مرذولة عند أهل العربية واللغة وتبعه على ذلك النووي وجعله لحنا اعترض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة منهم قطرب فيما حكاه اللبلي٢ والجوهري والمطرزي في المغرب.
وجوابه أنه لا شك في ضعفه وإن كان ابن القوطية ذكره في الأفعال فقد أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيده والحريري وغيرهما.
قال صاحب المحكم واستعمل أبو إسحاق لفظه المعلول في المتقارب من العروض والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول في مثل هذا كثيرا.
وبالجملة فلست منها على ثقة ولا ثلج لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل اللهم إلا أن يكون على ما ذهب اليه سيبويه من قولهم معجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته وإن لم يستعملا في الكلام استغنى عنهما بأفعلت
стр. 143
وإذا قالوا جن وسل أي جعل فيه الجنون والسل كما قالوا حرق وفسل وأنكره الحريري أيضا في درة الغواص.
والأحسن أن يقال فيه معل بلام واحدة لا معلل بلامين كما قاله المصنف فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى الهاه بالشيء١ وشغله به من تعليل الصبي بالطعام وأما بلام واحدة فهو كثير كقول المحدثين أعله فلان بكذا وقياسه معل وفي المحكم أعله الله فهو معل وفي الجوهري لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة.
نعم التعبير بالمعلول وجد في كلام كثير من المحدثين كالترمذي والدارقطني وأبي أحمد بن عدي والحاكم وأبي يعلى الخليلي.
وفي٢ الحديث الذي يصلح أن يكون مثالا لما وقعت العلة فيه رواه الترمذي وحسنه أو صححه وابن حبان والحاكم وصححه من رواية ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه الحديث.
قال الحاكم في علوم الحديث هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح وله علة فاحشة ثم روى أن مسلما جاء الى البخاري فسأله عن علته فقال هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون عن عبد الله قوله.
قال البخاري هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل فقام اليه مسلم وقبل يده.
هكذا أعل الحاكم في علوم الحديث هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها فإن راويها عن مسلم أحمد بن حمدون القصار متكلم فيه
стр. 144
ويبعد أن البخاري يقول لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة وهم أبو برزة الأسلمي ورافع بن خديج ومطعم والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وعائشة ﵃.
قوله ومثال العلة في المتن ما أنفرد مسلم بإخراجه اعترض عليه بأنه قال: قبل ذلك ما أخرجه أحد الشيخين مقطوع بصحته فكيف يجعل ما انفرد به ضعيفا وأيضا فإنه لم يعين من أعله من أهل العلم١ وما محله مع أن ابن الجوزي قال: إن الأئمة اتفقوا على صحته.
والجواب أن هذا من الأحرف اليسيرة التي استثناها٢ بقوله سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد٣ من الحفاظ كالدارقطني وغيره وقد أعله الشافعي والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم من الحفاظ وعبارة الشافعي في حرملة٤ فإن قال: قائل قد روى مالك عن حميد عن أنس قال: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قيل له خالفه سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية متفقين٥ مخالفين له قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
ثم رجح روايتهم بما رواه سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: "كان النبي ﷺ
стр. 145
وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين".
قال الشافعي يعني يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم
وحكى الترمذي عن الشافعي معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة لا أنهم كانوا لا يبسملون.
وقد صرح الدارقطني في روايته بما أوله به الشافعي كانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به.
قال الدارقطني وهذا صحيح والمحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ليس فيه تعرض لنفي البسملة.
وقال البيهقي أكثر أصحاب قتادة رووا عنه كذلك وهكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس.
قال ابن عبد البر في الاستذكار اختلف عليهم في لفظه اختلافا كبيرا مضطربا متدافعا منهم من يقول: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ومنهم من يذكر عثمان ومنهم من لا يذكر فكانوا لا يقرأون البسملة ومنهم من قال: فكانوا لا يجهرون بها وقال كثير منهم وكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وقال بعضهم كانوا يجهرون بالبسملة وقال بعضهم كانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم.
قال وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة للذي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولا للذي لا يقرأها لكنه قال: في كتاب الإنصاف١ بعد أن رواه من رواية أيوب وشعبة وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة وأبي عوانة فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط بسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب. انتهى.