قال الخطيب أبو بكر السبيل الى معرفة علة الحديث أن يجمع بين طرقه وينظر في اختلاف رواته ويعتبر بمكانهم من الحفظ ومنزلتهم في الإتقان والضبط.
وروي عن علي ابن المديني قال: الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه.
ثم قد تقع العلة في إسناد الحديث وهو الأكثر وقد تقع في متنه ثم ما يقع في الإسناد قد يقدح في صحة الإسناد والمتن جميعا كما في التعليل بالإرسال والوقف وقد١ يقدح في صحة الإسناد خاصة من غير قدح في صحة المتن.
فمن أمثلة ما وقعت العلة في إسناده من غير قدح في صحة المتن ما رواه الثقة يعلى بن عبيد عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: "البيعان بالخيار" الحديث.
فهذا إسناد متصل بنقل العدل عن العدل وهو معلل غير صحيح والمتن على كل حال صحيح والعلة في قوله عن عمرو بن دينار إنما هو عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر هكذا رواه الأئمة من أصحاب سفيان عنه فوهم يعلى بن عبيد وعدل عن عبد الله بن دينار الى عمرو بن دينار وكلاهما ثقة.
ومثال العلة في المتن ما انفرد مسلم بإخراجه في حديث أنس من اللفظ المصرح بنفي قراءة بسم الله الرحمن الرحيم فعلل قوم رواية اللفظ المذكور لما رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين من غير تعرض لذكر البسملة وهو الذي اتفق البخارى ومسلم على إخراجه في الصحيح ورأوا أن من رواه باللفظ المذكور رواه بالمعنى الذي وقع له وفهم٢ من قوله: "كانوا يسفتحون بالحمد لله" أنهم كانوا لا يبسملون فرواه على ما فهم وأخطأ لأن معناه أن السورة التي كانوا يفتتحون بها من السور هي الفاتحة وليس فيه تعرض لذكر البسملة٣ وانضم الى ذلك أمور منها أنه ثبت عن أنس أنه
стр. 142
سئل عن الأفتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا عن رسول الله ﷺ .
ثم اعلم أنه قد يطلق اسم العلة على غير ما ذكرناه من باقي الأسباب القادحة في الحديث المخرجة له من حال الصحة الى حال الضعف المانعة من العمل به على ما هو مقتضى لفظ العلة في الأصل ولذلك نجد١ في كتب علل الحديث الكثير هكذ في خط وش، وفي ع: "كتاب علل الكثير". من الجرح بالكذب والغفلة وسوء الحفظ ونحو ذلك من أنواع الجرح وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث.
ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة على ما ليس بقادح من وجوه الخلاف نحو إرسال من أرسل الحديث الذي أسنده الثقة الضابط حتى قال: من أقسام الصحيح ما هو صحيح معلول كما قال: بعضهم من الصحيح ما هو صحيح شاذ انتهى.
قوله إن لفظة معلول مرذولة عند أهل العربية واللغة وتبعه على ذلك النووي وجعله لحنا اعترض عليه بأنه قد حكاه جماعة من أهل اللغة منهم قطرب فيما حكاه اللبلي٢ والجوهري والمطرزي في المغرب.
وجوابه أنه لا شك في ضعفه وإن كان ابن القوطية ذكره في الأفعال فقد أنكره غير واحد من أهل اللغة كابن سيده والحريري وغيرهما.
قال صاحب المحكم واستعمل أبو إسحاق لفظه المعلول في المتقارب من العروض والمتكلمون يستعملون لفظة المعلول في مثل هذا كثيرا.
وبالجملة فلست منها على ثقة ولا ثلج لأن المعروف إنما هو أعله الله فهو معل اللهم إلا أن يكون على ما ذهب اليه سيبويه من قولهم معجنون ومسلول من أنهما جاءا على جننته وسللته وإن لم يستعملا في الكلام استغنى عنهما بأفعلت
стр. 143
وإذا قالوا جن وسل أي جعل فيه الجنون والسل كما قالوا حرق وفسل وأنكره الحريري أيضا في درة الغواص.
والأحسن أن يقال فيه معل بلام واحدة لا معلل بلامين كما قاله المصنف فإن الذي بلامين يستعمله أهل اللغة بمعنى الهاه بالشيء١ وشغله به من تعليل الصبي بالطعام وأما بلام واحدة فهو كثير كقول المحدثين أعله فلان بكذا وقياسه معل وفي المحكم أعله الله فهو معل وفي الجوهري لا أعلك الله أي لا أصابك بعلة.
نعم التعبير بالمعلول وجد في كلام كثير من المحدثين كالترمذي والدارقطني وأبي أحمد بن عدي والحاكم وأبي يعلى الخليلي.
وفي٢ الحديث الذي يصلح أن يكون مثالا لما وقعت العلة فيه رواه الترمذي وحسنه أو صححه وابن حبان والحاكم وصححه من رواية ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه الحديث.
قال الحاكم في علوم الحديث هذا حديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح وله علة فاحشة ثم روى أن مسلما جاء الى البخاري فسأله عن علته فقال هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد إلا أنه معلول حدثنا به موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن عون عن عبد الله قوله.
قال البخاري هذا أولى فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعا من سهيل فقام اليه مسلم وقبل يده.
هكذا أعل الحاكم في علوم الحديث هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها فإن راويها عن مسلم أحمد بن حمدون القصار متكلم فيه
стр. 144
ويبعد أن البخاري يقول لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث مع أنه قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة وهم أبو برزة الأسلمي ورافع بن خديج ومطعم والزبير بن العوام وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وأنس بن مالك والسائب بن يزيد وعائشة ﵃.
قوله ومثال العلة في المتن ما أنفرد مسلم بإخراجه اعترض عليه بأنه قال: قبل ذلك ما أخرجه أحد الشيخين مقطوع بصحته فكيف يجعل ما انفرد به ضعيفا وأيضا فإنه لم يعين من أعله من أهل العلم١ وما محله مع أن ابن الجوزي قال: إن الأئمة اتفقوا على صحته.
والجواب أن هذا من الأحرف اليسيرة التي استثناها٢ بقوله سوى أحرف يسيرة تكلم عليها بعض أهل النقد٣ من الحفاظ كالدارقطني وغيره وقد أعله الشافعي والدارقطني والبيهقي وابن عبد البر وغيرهم من الحفاظ وعبارة الشافعي في حرملة٤ فإن قال: قائل قد روى مالك عن حميد عن أنس قال: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قيل له خالفه سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي وعدد لقيتهم سبعة أو ثمانية متفقين٥ مخالفين له قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد.
ثم رجح روايتهم بما رواه سفيان عن أيوب عن قتادة عن أنس قال: "كان النبي ﷺ
стр. 145
وأبو بكر وعمر يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين".
قال الشافعي يعني يبدءون بقراءة أم القرآن قبل ما يقرأ بعدها ولا يعني أنهم يتركون بسم الله الرحمن الرحيم
وحكى الترمذي عن الشافعي معناه أنهم كانوا يبدءون بقراءة فاتحة الكتاب قبل السورة لا أنهم كانوا لا يبسملون.
وقد صرح الدارقطني في روايته بما أوله به الشافعي كانوا يستفتحون بأم القرآن فيما يجهر به.
قال الدارقطني وهذا صحيح والمحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس أنهم كانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين ليس فيه تعرض لنفي البسملة.
وقال البيهقي أكثر أصحاب قتادة رووا عنه كذلك وهكذا رواه إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة وثابت البناني عن أنس.
قال ابن عبد البر في الاستذكار اختلف عليهم في لفظه اختلافا كبيرا مضطربا متدافعا منهم من يقول: صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر ومنهم من يذكر عثمان ومنهم من لا يذكر فكانوا لا يقرأون البسملة ومنهم من قال: فكانوا لا يجهرون بها وقال كثير منهم وكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين وقال بعضهم كانوا يجهرون بالبسملة وقال بعضهم كانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم.
قال وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة للذي يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولا للذي لا يقرأها لكنه قال: في كتاب الإنصاف١ بعد أن رواه من رواية أيوب وشعبة وهشام الدستوائي وشيبان بن عبد الرحمن وسعيد بن أبي عروبة وأبي عوانة فهؤلاء حفاظ أصحاب قتادة ليس في روايتهم لهذا الحديث ما يوجب سقوط بسم الله الرحمن الرحيم من أول فاتحة الكتاب. انتهى.
стр. 146
فكيف يقول ابن الجوزي إن الأئمة اتفقوا على صحته؟.
وحينئذ فلا بد من بيان علل الرواية التي فيها نفي البسملة وقد ذكر تركها في حديث أنس من ثلاثة طرق وهي رواية حميد عن أنس ورواية قتادة عن أنس ورواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس.
فأما رواية حميد فقد تقدم أن مالكا رواها في الموطأ عنه وأن الشافعي تكلم فيها لمخالفة سبعة أو ثمانية من شيوخه لمالك في ذلك.
وأيضا فقد ذكر ابن عبد البر في كتاب الإنصاف ما يقتضي انقطاعه بين حميد وأنس فقال ويقولون إن أكثر رواية حميد عن أنس أنه سمعها من قتادة وثابت عن أنس.
وقد ورد التصريح بذكر قتادة بينهما فيما رواه ابن أبي عدي عن حميد عن قتادة عن أنس فآلت رواية حميد الى رواية قتادة.
وأما رواية قتادة فرواها مسلم في صحيحه من رواية الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب اليه يخبره عن أنس أنه حدثه قال: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين لا يذكرون ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في آخرها"
فقد بين الأوزاعي في روايته أنه لم يسمعه من قتادة وإنما كتب اليه به وفي الكتابة ما فيها وعلى تقدير صحتها فأصحاب قتادة الذين سمعوا منه أيوب وأبو عوانة وغيرهما لم يتعرضوا لنفي البسملة.
وأيضا ففي طريق مسلم الوليد بن مسلم وهو مدلس وإن كان قد صرح بسماعه من الأوزاعي فإنه يدلس تدليس التسوية أي يسقط شيخ شيخه الضعيف كما تقدم نقله عنه.
نعم لمسلم من رواية شعبة عن قتادة عن أنس فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع بخلاف الرواية المتقدمة.
وأما رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة فهي عند مسلم أيضا ولم يسق لفظها وإنما ذكرها بعد رواية الأوزاعي عن قتادة عن أنس.
стр. 147
فقال حدثنا محمد بن مهران ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي أخبرني إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك يذكر ذلك فاقتضى إيراد مسلم لهذه الرواية أن لفظها مثل الرواية التي قبلها وليس كذلك فقد رواها ابن عبد البر في الإنصاف من رواية محمد بن كثير قال: حدثنا الأوزاعي فذكرها بلفظ كانوا يفتتحون القراءة ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ليس فيها تعرض لنفي البسملة موافقا لرواية الأكثرين وهذا موافق لما تقدم عن البيهقي من أن رواية إسحاق بن عبد الله عن أنس لهذا الحديث كرواية أكثر أصحاب قتادة أنه ليس فيها تعرض لنفي البسملة.
فقد اتفق ابن عبد البر والبيهقي على مخالفة رواية إسحاق للرواية التي فيها نفي البسملة وعلى هذا فما فعله مسلم ﵀ هنا ليس بجيد لأنه أحال بحديث على آخر وهو مخالف له بلفظه١ فذكر ذلك لم يقل نحو ذلك ولا غيره.
فإن كانت الرواية التي وقعت لمسلم لفظها كالتي قبلها التي أحال عليها فترجح رواية ابن عبد البر عليها لأن رواية مسلم من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي معنعنا ورواية ابن عبد البر من طريق محمد بن كثير ثنا الأوزاعي وصرح بلفظ الرواية فهي أولى بالصحة ممن أبهم اللفظ وفي طريقه مدلس عنعنه.
واعترض ابن عبد البر في الإنصاف على قوله إنه ثبت عن أنس أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية فذكر أنه لا يحفظ فيه شيئا فقال من حفظه عنه حجة على من سأله في حال نسيانه.
وأجاب أبو شامة بأنهما مسألتان فسؤال أبي مسلمة عن البسملة وتركها وسؤال قتادة عن الاستفتاح بأي سورة.
وفي صحيح مسلم أن قتادة قال: نحن سألناه عنه أي عن البسملة وتركها ولوتمسكنا بما اعترض به ابن عبد البر من أن من٢ حفظه عنه حجة على من سأله في حال نسيانه لقلنا قد حفظ عن قتادة وصفه لقراءة رسول الله ﷺ كما رواه
стр. 148
البخاري من طريقين عن قتادة عن أنس قال: سئل أنس كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ قال: "كانت مدا ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم يمد بسم الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم".
قال الدارقطني حديث صحيح رجاله ثقات.
وقال الحازمي صحيح لا يعرف له علة.
وفيه دلالة على الجهر مطلقا وإن لم يقيد بحاله الصلاة فيتناول الصلاة وغيرها.
قال أبو شامة ولو كانت قراءته ﷺ تختلف بالصلاة وخارجها كان أنس يقول لمن سأله عن أي قراءتيه تسأل التي في الصلاة أم التي خارجها لكنه لما أجاب مطلقا علم أن الحال لم يختلف في ذلك حيث أجاب بالبسملة دون غيرها من الآيات.
قال ولنا أن نقول الظاهر أن السؤال كان عن الصلاة فإن الراوي قتادة وهو راوي حديث أنس وقال فيه نحن سألناه عنه.
واعترض ابن الجوزي في التحقيق بأن حديث أبي مسلم١ ليس في الصحاح فلا يعارض بما فيها فإن الأئمة اتفقوا على صحة حديث أنس.
وجوابه: أن الشافعي والدارقطني والبيهقي لا يقولون بصحة حديث أنس الذي فيه نفي البسملة فلا يصح نقل الاتفاق عليه.
وأيضا فلا يلزم من كونه ليس في واحد من الصحيحين أن يكون غير صحيح لأنهما لم يستوعبا إخراج كل صحيح.
مع أن حديث أبي مسلمة خرجه من التزم الصحة خرجه ابن خزيمة في صحيحه من رواية أبي مسلمة سعيد بن يزيد قال: "سألت أنس بن مالك أكان رسول الله ﷺ يستفتح بالحمد لله رب العالمين أو ببسم الله الرحمن الرحيم؟ فقال: إنك لتسألني عن شيء ما أحفظه وما سألني عنه أحد قبلك".
قال الدارقطني هذا إسناد صحيح.
وقال البيهقي في المعرفة فيه دلالة على ما قاله الشافعي.
فإن أراد ابن الجوزي أن ما في الصحيحين مقدم على ما في غيرهما عند
стр. 149
التعارض فجوابه أن ذلك إذا لم يمكن الجمع فإن أمكن الجمع فالعمل بهما أولى وهنا قد حمل بعض الحفاظ حديث الصحيحين على أن المراد به ابتداء الفاتحة لا نفي البسملة وحمل هذا على نفيها فلا تعارض.
وأيضا إنما يرجح بما في أحد الصحيحين على غيرهما إذا كان ما في أحدهما لم يضعف وهنا قد ضعف حديث أنس بعدم الاتصال فإن قتادة كتب به الى الأوزاعي وأعله الشافعي بخطأ الراوي في فهمه وأعله ابن عبد البر بالاضطراب وقد تقدم جميع ذلك.
وقوله: ثم إن بعضهم أطلق اسم العلة أشار به الى أبي يعلى الخليلي فإنه قال: في كتاب الإرشاد الأحاديث على أقسام كثيرة صحيح متفق عليه وصحيح معلول وصحيح مختلف فيه.
ثم مثل الصحيح المعل بحديث رواه إبراهيم بن طهمان والنعمان بن عبد السلام عن مالك عن محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "للمملوك طعامه وشرابه".
وقد رواه أصحاب مالك كلهم في الموطأ عن مالك قال: بلغنا عن أبي هريرة.
قال الخليلي فقد صار الحديث بتبين الإسناد صحيحا يعتمد عليه وهذا من الصحيح المبين بحجة ظهرت.
قال وكان مالك يرسل أحاديث لا يبين إسنادها وإذا استقصى عليه من يتجاسر أن يسأله ربما أجابه الى الإسناد.
стр. 150
النوع التاسع عشر: معرفة المضطرب من الحديث
هو١ الذي تختلف الرواية فيه فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له.
وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان أما إذا ترجحت إحداهما بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ أو أكثر صحبة للمروي عنه أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة فالحكم للراجحة ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه.
ثم قد يقع الأضطراب في متن الحديث وقد يقع في الإسناد وقد يقع ذلك من راو واحد وقد يقع بين رواة له جماعة.
والأضطراب يوجب ضعف الحديث لإشعاره بأنه لم يضبط.
ومن أمثلته ما رويناه عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ في المصلى: "إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه فليخط خطا".
فرواه بشر بن المفضل وروح بن القاسم عن إسماعيل هكذا.
ورواه سفيان الثوري عنه عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة ورواه حميد بن الأسود عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة.
ورواه وهيب وعبد الوارث عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث عن جده حريث وقال عبد الرزاق عن ابن جريج سمع إسماعيل عن حريث بن
стр. 151
عمار عن أبي هريرة وفيه من الأضطراب أكثر مما ذكرناه انتهى.
واعترض عليه بأنه قال: إذا ترجحت إحدى الروايتين على الأخرى فإنه يعمل بها ولا يسمى مضطربا وهنا ترجحت رواية سفيان لأنه أحفظ ممن ذكر وأيضا فإن الحاكم وغيره صحح الحديث.
والجواب وإن كان سفيان أحفظ إلا أنه تفرد بقوله أبي عمرو بن حريث عن أبيه وأكثر الرواة يقولون عن جده وهم بشر بن المفضل وروح بن القاسم ووهيب بن خالد وعبد الوارث بن سعيد وهم من أئمة البصلريين وثقاتهم ووافقهم على ذلك من١ حفاظ الكوفيين سفيان بن عيينة فيرجح قولهم للكثرة ولأن إسماعيل بن أمية مكي وابن عيينة مكي أقام بمكة.
وخالف الكل ابن جريج وهو مكي أيضا ومولى آل خالد بن سعيد الأموي وإسماعيل بن أمية هو ابن عمرو بن سعيد الأموي المذكور فيقتضي ذلك ترجيح روايته فتعارضت الوجوه المقتضية للترجيح.
وانضم الى ذلك جهالة راوي الحديث وهو شيخ إسماعيل بن أمية فإنه لم يرو عنه غيره مع هذا الخلاف في اسمه واسم أبيه وهل يرويه عن أبيه أو عن جده أو هو نفسه عن أبي هريرة.
وقال سفيان بن عيينة لم نجد شيئا نشد به هذا الحديث ولم يجىء الا من هذا الوجه حكاه أبو داود عنه وضعفه أيضا الشافعي والبيهقي وضعفه أولى من تصحيح الحاكم له لاضطرابه وجهالة راويه.
قال النووي في الخلاصة ضعفه الحفاظ لاضطرابه.
وقوله: في رواية حميد بن الأسود عن أبيه فيه نظر والذي قاله حميد عن جده كما رواه ابن ماجه قال: ثنا بكر بن خلف أبو بشر ثنا حميد بن الأسودح وحدثنا عمار بن خالد ثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن٢ محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث بن سليم عن
стр. 152
أبي هريرة فذكره.
ولكن المصنف اعتمد على رواية البيهقي ففيها عن أبيه فيحتمل أن يكون قد اختلف فيه على حميد في قوله عن أبيه أو عن جده أو يكون ابن ماجه حمل رواية حميد على رواية سفيان ولم يبين الاختلاف بينهما.
على أنه قد اختلف فيه أيضا على سفيان كما سيأتي.
قوله وفيه من الاضطراب أكثر ولم يبينه فمن ذلك ما رواه أيضا عن إسماعيل بن أمية سفيان بن عيينة فاختلف عليه فيه فرواه محمد بن سلام١ البيكندي عن سفيان بن عيينة كرواية بشر وروح المتقدمة.
وهكذا رواه علي بن المديني عنه فيما رواه البخاري عنه في غير الصحيح ورواه مسدد عن سفيان كرواية سفيان الثوري المتقدمة.
ورواه الشافعي والحميدي عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو ابن حريث عن جده حريث العذري٢.
ورواه عمار بن خالد عن ابن عيينة فقال عن أبي عمرو بن محمد بن عمرو بن حريث بن سليم رواه ابن ماجه عن عمار وقد تقدم.
واختلف فيه أيضا على علي بن المديني فرواه البخاري في غير الصحيح عنه عن ابن عيينة كما تقدم.
ورواه أبو داود عن محمد بن يحيى بن فارس عن ابن المديني عن ابن عيينة عن إسماعيل عن أبي محمد بن عمرو بن حريث عن جده حريث رجل من بني
стр. 153
عذرة ورواه أيضا دواد بن علبة١ عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد عن جده حريث بن سليمان
قال أبو زرعة الدمشقي لا نعلم أحدا بينه ونسبه غير دواد بن علبة.
ورد بأن ابن عيينة نسبه أيضا في رواية ابن ماجه الا أنه قال: ابن سليم كما تقدم.
ولم يمثل المصنف الاضطراب في المتن ومثاله حديث فاطمة بنت قيس قالت: "سألت أو سئل النبي ﷺ عن الزكاة؟ فقال: "إن في المال لحقا سوى الزكاة".
وهذا حديث قد اضطرب لفظه ومعناه فرواه الترمذي هكذا من رواية شريك عن أبي حمزة عن الشعبي عن فاطمة.
ورواه ابن ماجه من هذا الوجه بلفظ ليس في المال حق سوى الزكاة وهذا احتمال لا يقبل التأويل.
وقول البيهقي إنه لا يحفظ لهذا اللفظ الثاني: إسناد معارض بما رواه ابن ماجه هكذا.
стр. 154
النوع العشرون: معرفة المدرج في الحديث
وهو أقسام منها ما أدرج في حديث رسول الله ﷺ من كلام بعض رواته بأن يذكر الصحابي أو من بعده عقيب١ ما يرويه من الحديث كلاما من عند نفسه فيرويه من بعده موصولا بالحديث غير فاصل بينهما بذكر قائله فيلتبس الأمر فيه على من لا يعلم حقيقة الحال ويتوهم أن الجميع عن رسول الله ﷺ .
ومن أمثلته المشهورة ما رويناه في التشهد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية عن الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة عن علقمة عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله ﷺ علمه التشهد في الصلاة فقال: "قل التحيات لله فذكر التشهد وفي آخره أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ﷺ فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد".
هكذا رواه أبو خيثمة عن الحسن بن الحر فأدرج في الحديث قوله فإذا قلت هذا الى آخره وإنما هذا من كلام ابن مسعود لا من كلام رسول الله ﷺ .
ومن الدليل عليه أن الثقة الزاهد عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان رواه عن رواية٢ الحسن بن الحر على ترك٣ ذكر هذا الكلام في آخر الحديث مع اتفاق كل من روى التشهد عن علقمة وعن غيره عن ابن مسعود على ذلك.
стр. 155
ورواه شبابة عن أبي خيثمة ففصله أيضا.
ومن أقسام المدرج أن يكون متن الحديث عند الراوي له بإسناد إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد ثان فيدرجه من رواه عنه على الإسناد الأول ويحذف الإسناد الثاني: ويروى جميعه بالإسناد الأول.
مثاله حديث ابن عيينة وزائدة بن قدامة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر في صفة صلاة رسول الله ﷺ وفي آخره: "أنه جاء في الشتاء فرآهم يرفعون أيديهم من تحت الثياب".
والصواب رواية من روى عن عاصم بن كليب بهذا الإسناد صفة الصلاة خاصة وفصل ذكر رفع الأيدي عنه فرواه عن عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل بن حجر.
ومنها أن يدرج في حديث١ بعض متن حديث آخر مخالف للأول في الإسناد.
مثاله رواية سعيد بن أبي مريم عن مالك عن الزهري عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تنافسوا" الحديث.
فقوله: "لا تنافسوا" أدرجه ابن أبي مريم من متن حديث آخر رواه مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة فيه: "لا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا".
ومنها أن يروي الراوي حديثا عن جماعة بينهم اختلاف في إسناده فلا يذكر الاختلاف بل يدرج روايتهم على الاتفاق.
مثاله رواية عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن كثير العبدي عن الثوري عن منصور والأعمش وواصل الأحدب عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن ابن مسعود: "قلت يا رسول الله أي الذنب أعظم؟.." الحديث.
وواصل إنما رواه عن أبي وائل عن عبد الله من غير ذكر عمرو بن شرحبيل بينهما.
واعلم أنه لا يجوز تعمد شيء من الإدراج المذكور.
стр. 156
وهذا النوع قد صنف فيه الخطيب أبو بكر كتابه الموسوم بالفصل للوصل المدرج في النقل فشفى وكفى انتهى.
الحديث الأول رواه أبو داود قال: حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي قال: حدثنا زهير قال: حدثه١ الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة قال: أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده وإن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود فعلمنا التشهد في الصلاة قال: فذكر مثل حديث الأعمش: "إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك إن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد".
وصله زهير بالحديث المرفوع والصواب أنه مدرج وأنه من كلام ابن مسعود كذا قال: الحاكم والبيهقي
وقال النووي في الخلاصة اتفق الحفاظ على أنها مدرجة.
وقد اختلف على زهير فيه فرواه النفيلي وأبو النضر هاشم بن القاسم وموسى بن داود الضبي وأحمد بن عبد الله بن يونس اليربوعي وعلي بن الجعد ويحيى بن يحيى النيسابوري وعاصم بن علي وأبو داود الطيالسي ويحيى بن أبي بكير الكرماني ومالك بن إسماعيل النهدي عنه هكذا مدرجا.
ورواه شبابة بن سوار عنه ففصله وبين أنه من قول عبد الله فقال قال: عبد الله فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك من الصلاة فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد رواه الدارقطني وقال شبابة ثقة وقد فصل آخر الحديث جعله من قول ابن مسعود وهو أصح من رواية من أدرج آخره وقوله: أشبه بالصواب.
стр. 157
واعترض على قوله عقيب ما يرويه من الحديث مع أن المدرج قد يكون عقبه كما مثل وهو الأكثر وقد يكون في أوله وقد يكون في وسطه.
فمثال١ ما وصل بأوله وهو مدرج ما رواه الخطيب من رواية أبي قطن وشبابة فرقهما عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: قال: رسول الله ﷺ : "أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار".
فقوله أسبغوا الوضوء من قول أبي هريرة وصل بالحديث في أوله كذلك رواه البخاري في صحيحه عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال: أسبغوا الوضوء فإن أبا القاسم صلي الله عليه وسلم قال: "ويل للأعقاب من النار".
قال الخطيب وهم أبو قطن عمرو بن الهيثم وشبابة بن سوار في روايتهما هذا الحديث عن شعبة على ما سقناه وذلك أن قوله أسبغوا الوضوء كلام أبي هريرة وقوله: "ويل للأعقاب من النار" كلام النبي ﷺ .
وقد رواه أبو داود الطيالسي ووهب٢ بن جرير وآدم بن أبي إياس وعاصم بن علي وعلي بن الجعد وغندر وهشيم ويزيد بن زريع والنضر بن شميل ووكيع وعيسى بن يونس ومعاذ بن معاذ كلهم عن شعبة وجعلوا الكلام الأول من قول أبي هريرة والكلام الثاني: مرفوعا.
وفي رواية الطيالسي وأحمد والنسائي ويل للعقب من النار.
ومثال المدرج في وسط الحديث ما رواه الدارقطني في سننه من رواية عبد الحميد ابن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بنت صفوان قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من مس ذكره أو أنثييه أو رفغه٣ فليتوضأ".
стр. 158
قال الدارقطني كذا رواه عبد الحميد عن هشام ووهم في ذكر الأثنيين والرفغ١ وإدراجه ذلك في حديث بسرة قال: والمحفوظ أن ذلك من قول عروة غير مرفوع وكذلك رواه الثقات عن هشام منهم أيوب السختياني وحماد بن زيد وغيرهما.
ثم رواه من طريق أيوب بلفظ: "من مس ذكره فليتوضأ".
قال وكان عروة يقول: "إذا مس رفغيه أو أنثييه أو ذكره فليتوضأ".
وقال الخطيب عبد الحميد تفرد بذكر الأنثيين والرفغين وليس من كلام رسول الله ﷺ وإنما هو قول عروة بن الزبير فأدرجه الراوي في متن الحديث وقد بين ذلك حماد وأيوب.
مع أن عبد الحميد لم ينفرد به فقد رواه الطبراني في الكبير من رواية أبي كامل الجحدري ولفظه: "إذا مس أحدكم ذكره أو أنثييه أو رفغه فليتوضأ".
ورواه الدارقطني أيضا من رواية ابن جريج عن هشام عن أبيه ولم يذكر فيه الرفغ.
وضعف ابن دقيق العيد حكم الإدراج في نحو هذا فقال في الاقتراح ومما يضعف فيه أن يكون مدرجا ولا سيما إن كان مقدما على اللفظ المروي أو معطوفا عليه كما لو قال: "من مس أنثييه أو ذكره فليتوضأ" بتقديم الأنثيين على الذكر فها هنا ضعف الإدراج لما فيه من اتصال هذه اللفظة بالعامل الذي هو من لفظ الرسول ﷺ .
مع أن جميع طرقه ليس في شيء منها تقديم الأنثيين على الذكر وإنما ذكره مثالا.
قوله مثاله حديث ابن عيينة الحديث رواه أبو داود من رواية زائدة وشريك.
стр. 159
فرقهما١ والنسائي من رواية سفيان بن عيينة كلهم عن عاصم.
وقال فيه ثم جئتهم٢ بعد ذلك في زمان فيه برد شديد فرأيت الناس عليهم جل الثياب تحرك أيديهم تحت الثياب.
قال موسى بن هارون الحمال وذلك عندنا وهم فقوله ثم جئت ليس هو بهذا الإسناد وإنما أدرج عليه وهو من رواية عاصم عن عبد الجبار بن وائل عن بعض أهله عن وائل.
وهكذا رواه مبينا زهير بن معاوية وأبو بدر شجاع بن الوليد فميزا قصة تحريك الأيدي من تحت الثياب وفصلاها من الحديث وذكرا إسنادها كما ذكرناه.
قال الحمال وهذه رواية مضبوطة اتفق عليها زهير وشجاع فهما أثبت ممن روى رفع الأيدي من تحت الثياب عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل.
قال: المصنف وهو الصواب.
قوله: "لا تنافسوا" أدرجه ابن أبي مريم في متن حديث آخر وهو "إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ... الى آخره".
فكلا الحديثين متفق عليه من طريق مالك وليس في الأولى ولا تنافسوا وهي في الحديث الثاني: والحديثان عند رواة الموطأ.
قال الخطيب وقد وهم فيها ابن أبي مريم على مالك عن أبن شهاب وإنما يرويها مالك في حديثه عن أبي الزناد.
وحديث أي الذنب أعظم رواه الترمذي عن بندار عن عبد الرحمن وكذا رواه محمد بن كثير العبدي عن سفيان ورواية واصل مدرجة على رواية منصور والأعمش لأن واصلا لم يذكر فيه عمرا بل جعله عن أبي وائل عن عبد الله كذا رواه شعبة وغيره عن واصل كما ذكره الخطيب.
стр. 160
وقد بين الإسنادين معا يحيى بن سعيد القطان في روايته عن سفيان وفصل أحدهما من الآخر رواه البخاري في صحيحه في كتاب المحاربين عن عمرو بن علي عن يحيى عن سفيان عن منصور والأعمش كلاهما عن أبي وائل عن عمرو عن عبد الله وعن سفيان عن واصل عن أبي وائل عن عبد الله من غير ذكر عمرو بن شرحبيل.
قال عمرو بن علي فذكرته لعبد الرحمن وكان حدثنا عن سفيان عن الأعمش ومنصور وواصل عن أبي وائل عن أبي ميسرة يعني عمرا فقال دعه دعه.
لكن رواه النسائي في المحاربة عن واصل وحده عن أبي وائل عن عمرو١ فزاد في السند عمرا من غير ذكر أحد أدرج عليه رواية واصل.
وكأن ابن مهدي لما حدث به عن سفيان عن منصور والأعمش وواصل بإسناد واحد ظن الرواة عن ابن مهدي اتفاق طرقهم فربما اقتصر أحدهم على بعض شيوخ سفيان.
ولهذا لا ينبغي لمن يروي حديثا بسند فيه جماعة في طبقة واحدة مجتمعين في الرواية عن شيخ واحد أن يحذف بعضهم أن يكون اللفظ في السند أو المتن لأحدهم وحمل رواية الباقين عليه فربما كان من حذفه هو " ... "٢ اللفظ كما سيأتي.
стр. 161
النوع الحادي والعشرون: معرفة الموضوع وهو المختلق المصنوع
الحديث١ الموضوع شر الأحاديث الضعيفة ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه.
بخلاف غيره من الأحاديث الضعيفة التي يحتمل صدقها في الباطن حيث جاز روايتها في الترغيب والترهيب على ما نبينه قريبا إن شاء الله تعالى.
وإنما يعرف كون الحديث موضوعا بإقرار واضعه أو ما يتنزل منزلة إقراره.
وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي فقد وضعت أحاديث طويلة يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها.
ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين فأودع فيها كثيرا مما لا دليل على وضعه وإنما حقه أن يذكر في مطلق الأحاديث الضعيفة.
والواضعون للحديث أصناف وأعظمهم ضررا قوم من المنسوبين الى الزهد وضعوا الحديث٢ احتسابا فيما زعموا فتقبل الناس موضوعاتهم ثقة منهم بهم وركونا اليهم ثم نهضت جهابذة الحديث بكشف عوارها ومحو عارها والحمد لله.
وفيما رويناه عن الإمام أبي بكر السمعاني ان بعض الكرامية ذهب إلى
стр. 162
جواز١ وضع الحديث في باب الترغيب والترهيب.
ثم إن الواضع ربما وضع كلاما من عند نفسه فرواه وربما أخذ كلاما لبعض الحكماء أو غيرهم فوضعه على رسول الله ﷺ .
وربما غلط غالط فوقع في شبه الوضع من غير تعمد كما وقع لثابت بن موسى الزاهد في حديث "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار".
مثال روينا عن أبي عصمة وهو نوح بن أبي مريم أنه قيل له من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة فقال: "إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي محمد بن إسحاق فوضعت هذه الأحاديث حسبة".
وهكذا حال الحديث الطويل الذي يروى عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ في فضل القرآن سورة سورة بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى الى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه وإن أثر الوضع لبين عليه ولقد أخطأ الواحدي المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم انتهى.
اعترض عليه بأنه جعل أرذل أقسام الحديث الضعيف ما فقدت فيه صفات الصحيح والحسن كذا ذكره في قسم الضعيف وقال هنا أشرها الموضوع وحمل كلامه هناك على ما عدا الموضوع إلا أن يريد بفقد ثقة الراوي أن يكون كذابا مع أنه لا يلزم من كونه كذابا أن يكون الحديث موضوعا٢ إلا أن يعترف بوضع هذا الحديث بعينه مع أن ابن دقيق العيد استشكل إقرار الواضع بالوضع لأنه فاسق بالوضع وليس قوله ثانيا بأولى من قوله أولا.
стр. 163
قال لكن هذا كاف في رده ولا يقطع بكونه موضوعا لجواز كذبه في إقراره بالوضع
وأشار بقوله ولقد أكثر الذي جمع الى موضوعات ابن الجوزي.
قوله والواضعون أصناف انتهى.
فمنهم ضرب من الزنادقة يضعون ليضلوا به الناس كعبد الكريم بن أبي العوجاء الذي أمر بضرب عنقه محمد بن سليمان بن علي.
وكبيان الذي قتله خالد القسري١ وحرقه بالنار.
قال حماد: بن زيد وضعت الزنادقة على رسول الله ﷺ أربعة عشر ألف حديث.
وضرب يفعلونه انتصارا لمذهبهم كالخطابية والرافضة وقوم من السالمية.
وضرب يتقربون٢ لبعض الخلفاء والأمراء بوضع ما يوافق فعلهم وآرائهم كغياث بن إبراهيم حيث وضع للمهدي في حديث لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر فزاد فيه أو جناح وكان المهدي إذ ذاك يلعب بالحمام فتركها بعد ذلك وأمر بذبحها وقال أنا حملته على ذلك.
وضرب كانوا يتكسبون بذلك ويرتزقون في قصصهم كأبي سعد المدائني.
وضرب امتحنوا بأولادهم أو وراقين فوضعوا لهم أحاديث ودسوها عليهم فحدثوا بها من غير أن يشعروا كعبد الله بن محمد بن ربيعة القدامي.
وضرب يلجأون الى إقامة دليل على ما أفتوا به بآرائهم فيضعون كما نقل عن أبي الخطاب بن دحية إن ثبت عنه.
وضرب يقلبون سند الحديث ليستغرب فيرغب سماعه منهم كما سيأتي في المقلوب.
وضرب يتدينون بذلك كما ذكره المصنف.
قال يحيى بن سعيد القطان ما رأيت الصالحين أكذب منهم في الحديث.
стр. 164
أي الصالحين الذين لا علم عندهم أو يحسنون ظنهم بالناس لسلامة صدورهم فيقعون في ذلك.
وقال سفيان ما ستر الله أحدا يكذب الحديث وعن عبد الرحمن بن مهدي لو أن رجلا هم أن يكذب في الحديث لأسقطه الله.
وعن ابن المبارك لو هم رجل في البحر أن يكذب الحديث لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب فقيل له فهذه الأحاديث المصنوعة فقال تعيش لها الجهابذة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
وعن القاسم بن محمد: إن الله أعاننا علي الكذابين بالنسيان.
وذكرالمصنف حديث ثابت بن موسى وحديث أبي عصمة وحديث أبي.
فأما حديث ثابت الذي جعله المصنف شبه الوضع فرواه ابن ماجه عن إسماعيل بن محمد الطلحي عن ثابت بن موسى الزاهد عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر مرفوعا: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار"
قال: أبو حاتم الرازي كتبته عن ثابت فذكرته لابن نمير فقال لا بأس به والحديث منكر.
وقال أبو حاتم: موضوع.
وقال الحاكم: دخل ثابت بن موسى على شريك بن عبد الله القاضي والمستملي١ بين يديه وشريك يقول حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قال: قال: رسول الله ﷺ ولم يذكر المتن فلما نظر الى ثابت قال: "من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار". وإنما أراد ثابتا لزهده وورعه فظن ثابت أنه روى هذا الحديث مرفوعا بهذا الإسناد فكان ثابت يحدث به عن شريك عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
قال ابن حبان: وهذا قول شريك قاله عقب حديث الأعمش عن أبي سفيان عن جابر يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم فأدرجه ثابت في الخبر ثم
стр. 165
سرقه منه جماعة ضعفاء وحدثوا به عن شريك.
فعلى هذا هو من أقسام المدرج.
وقال ابن عدي حديث منكر لا يعرف الا بثابت وسرقة منه من الضعفاء عبد الحميد بن بحر١ وعبد الله بن شبرمة الشريكي٢ وإسحاق بن بشر٣ الكاهلي وموسى بن محمد أبو الطاهر المقدسي٤ قال: وحدثنا به بعض الضعاف٥ عن زحموية٦ وكذب فإن زحموية ثقة.
стр. 166
قال وبلغني عن محمد بن عبد الله بن نمير أنه ذكر له هذا الحديث عن ثابت فقال باطل شبه على ثابت وذلك أن شريكا كان مزاحا وكان ثابت رجلا صالحا فدخل على شريك وهو يقول: حدثنا الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن النبي ﷺ فالتفت فرأى ثابتا فقال يمازحه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار فظن ثابت لغفلته أن هذا الكلام الذي قاله شريك هو متن الإسناد الذي ذكره.
وقال العقيلي حديث باطل ليس له أصل ولا يتابعه عليه ثقة.
وقال عبد الغني بن سعيد كل من حدث به عن شريك فهو غير ثقة وقال ابن معين ثابت كذاب.
وأما حديث أبي عصمة المروزي قاضي مرو فرواه الحاكم بسنده الى أبي عمار المروزي.
قال أبو حاتم بن حبان اسم أبي عصمة نوح الجامع جمع كل شيء الا الصدق.
وأما حديث أبي فرواه المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به فقلت للشيخ من حدثك قال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي فصرت اليه فقلت من حدثك قال: شيخ بواسط وهو حي فصرت١ اليه فقال حدثني شيخ بالبصرة فصرت اليه فقال حدثني شيخ بعبادان فصرت٢ اليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ فقال هذا الشيخ حدثني فقلت يا شيخ من حدثك فقال لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا قلوبهم الى القرآن.
وقد أخطأ كل من أودع هذا الحديث تفسيره فإن أبرز إسناده كالواحدي والثعلبي فعدده أبسط إلا أنه لا يجوز السكوت عليه وإن لم يبرزه وأورده بصيغة الجزم كالزمخشري فخطأه أفحش.
وقوله: بحث باحث هو المؤمل بن إسماعيل.
стр. 167
وقوله: عن أبي بكر السمعاني هو أبو بكر محمد بن منصور روي عنه أن بعض الكرامية جوز وضع الحديث فيما لا يتعلق به ثواب ولا عقاب استدلوا بما في بعض طرق الحديث: "من كذب علي معتمدا ليضل به الناس فليتبوأ مقعده من النار".
وقيل المراد من كذب علي فقال إني ساحر أو مجنون وقال بعض المخذولين إنما قال: من كذب علي ونحن نكذب له ونقوي شرعه.
نسأل الله السلامه من ذلك.
وروى العقيلي بإسناده إلى محمد بن سعيد كأنه المصلوب قال: لا بأس إذا كان كلام حسن أن يصنع له إسنادا، " وحكى القرطبي عن بعض أهل الرأي: أن ما وافق القياس الجلي جاز أن يعزى إلى النبي ﷺ .
وروى ابن حبان في تاريخ الضعفاء أن رجلا من أهل البدع رجع عن بدعته فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا.
قوله: وربما أخذ كلاما لبعض الحكماء؛ أي أو بعض الزهاد أو الإسرائيليات كحديث حب الدنيا رأس كل خطيئة رواه ابن أبي الدنيا في كتاب مكائد الشيطان فإنه ليس بحديث ولا أصل له من حديث النبي ﷺ وإنما هو من كلام مالك بن دينار ساقه ابن أبي الدنيا بسنده إلى مالك أو من كلام عيسى بن مريم ﷺ كما رواه عنه البيهقي في كتاب الزهد وجعله في شعب الإيمان من مراسيل الحسن وهي عندهم شبه الريح وكالحديث الموضوع المعده بيت الداء والحميه رأس الدواء فهذا من كلام بعض الأطباء لا أصل له عن النبي ﷺ .
وروى عن الربيع بن خثيم قال: إن للحديث ضوا كضوء النهار تعرفه وظلمه كظلمة الليل تنكره.
وقال ابن الجوزي الحديث المنكر يقشعر له جلد الطالب وينفر منه قلبه في الغالب.
قوله أو ما يتنزل منزلة إقراره أي كأن يحدث بحديث عن شيخ ثم يسأل عن مولده فيذكر تاريخا " تعلم وفاة ذلك الشيخ قبله ولا يوجد ذلك الحديث إلا عنده فهذا لم يعترف بوضعه ولكن اعترافه بوقت مولده ينزل منزلة إقراره بالوضع لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عند الشيخ ولا يعرف إلا برواية هذا الذي حدث به.
стр. 168
النوع الثاني والعشرون: معرفة المقلوب
هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع ليصير بذلك غربيا مرغوبا فيه.
وكذلك ما رويناه أن البخاري ﵁ قدم بغداد فاجتمع قبل مجلسه قوم من أصحاب الحديث وعمدوا إلى مائة حديث فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ثم حضروا مجلسه وألقوها عليه فلما فرغوا من إلقاء تلك الأحاديث المقلوبه التفت إليهم فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه فأذعنوا له بالفضل.
ومن أمثلته ويصلح مثالا " للمعلل ما رويناه عن إسحاق بن عيسى الطباع حدثنا١ جرير بن حازم عن ثابت عن أنس قال: قال: رسول الله ﷺ : "إذا أقيمت الصلاه فلا تقوموا حتى تروني" قال: إسحاق بن عيسى فأتيت حماد بن زيد فسألته عن الحديث فقال وهم أبو النضر إنما كنا جميعا " في مجلس ثابت البناني وحجاج بن أبي عثمان معنا فحدثنا حجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتاده عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاه فلا تقوموا حتى تروني" فظن أبو النضر أنه فيما حدثنا ثابت عن أنس أبو النضر هو جرير بن حازم. انتهى.
المقلوب قسمان أحدهما أن يكون الحديث مشهورا " برا وفيجعل مكانه راو آخر في طبقته ليصير بذلك غربيا " كحديث مشهور بسالم فيجعل مكانه نافع أو مشهور بمالك فيجعل مكانه عبيد الله بن عمر.
стр. 169
وممن كان يفعل ذلك من الوضاعين حماد بن عمرو النصيبي وإسماعيل بن أبي حية اليسع وبهلول بن عبيد الكندي.
مثاله حديث رواه عمرو بن خالد الحراني عن حماد بن عمرو النصيبي عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا: "إذا لقيتم المشركين في طريق فلا تبدؤهم بالسلام" الحديث فهذا حديث مقلوب قلبه حماد بن عمرو أحد المتروكين فجعله عن الأعمش وإنما هو معروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة كما رواه مسلم من رواية شعبة والثوري وجرير بن عبد الحميد وعبد العزيز بن محمد الدراوردي كلهم عن سهيل.
قال أبو جعفر العقيلي: لا يحفظ هذا من حديث الأعمش إنما هو من حديث سهيل بن أبي صالح عن أبيه ولهذا كره أهل الحديث تتبع الغرائب.
القسم الثاني: أن يؤخذ إسناد متن فيجعل على متن آخر أو عكسه كقصة البخاري؛
قال أبو١ أحمد بن عدي: سمعت عدة مشايخ يحكون لما قدم البخاري بغداد اجتمع أهل الحديث وقلبوا إسناد مائة حديث وجعلوا كل عشرة مع رجل فسأله الأول عن أول حديث فقال لا أعرفه إلى أن انتهت العشرة ثم سأله الآخر كذلك ثم الآخر إلى آخر المائة وما يزيد على قوله لا أعرفه فأما الحذاق منهم فقالوا فهم الرجل ومن لا حذق عنده قضى عليه بالعجز عن الجواب فلما فرغوا التفت إلى الأول وقال أما حديثك الأول فهو كذا وكذا وحديثك الثاني: فهو كذا إلى أن رد متون الأحاديث كلها إلى إسنادها وإسنادها٢ إلى متونها فأقروا له وأذعنوا.
وهل يجوز فعل ذلك فيه نظر بحسب القصد إذا اختبره ليعلم هل يقبل التلقين٣ ام لا؟ وممن فعل ذلك أبان بن أبي عياش فقال حرمي بئس ما صنع.
стр. 170
وحديث إذا أقيمت الصلاة انقلب إسناده على جرير بن حازم والحديث مشهور ليحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه عن النبي صلي الله عليه وسلم هكذا رواه الأئمة الخمسة من طرق عن يحيى وهو عند مسلم والنسائي من رواية حجاج بن أبي عثمان الصواف عن يحيى وجرير إنما سمعه من الصواف فانقلب عليه.
وقد بين حماد بن زيد فيما رواه أبو داود في المراسيل عن أحمد بن صالح عن يحيى بن حسان عن حماد بن زيد قال: كنت انا وجرير عند ثابت البناني فحدث حجاج بن أبي عثمان فدكره فظن جرير أنه إنما حدث به عن ثابت عن أنس كما قال: الطباع.
قال فصل قد وفينا بماسبق الوعد بشرحه من الأنواع الضعيفة١ فلننبه الآن على أمور مهمة.
أحدها إذا رأيت حديثا بإسناد ضعيف فلك ان تقول هذا ضعيف وتعنى أنه بذلك الإسناد ضعيف وليس لك ان تقول هذا ضعيف وتعني به ضعف متن الحديث بناء على مجرد ضعف ذلك الإسناد فقد يكون مرويا بإسناد أخر صحيح يثبت بمثله الحديث٢ بل يتوقف٣ جواز ذلك على حكم إمام من أئمة الحديث بأنه لم يرو بإسناد يثبت به أو بأنه حديث ضعيف أو نحو هذا مفسرا وجه القدح فيه فإن أطلق ولم يفسر ففيه كلام يأتي فاعلم ذلك فإنه مما يغلط فيه.
الثاني: يجوز عند أهل الحديث وغيرهم التساهل في الأسانيد ورواية ما سوى
стр. 171
الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة من غير اهتمام ببيان ضعفها فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغيرهما.
وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال وسائر فنون الترغيب والترهيب وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد وممن روينا عنه التنصيص على التساهل في نحو ذلك عبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل.
الثالث: إذا أردت رواية الحديث الضعيف بغير إسناد فلا تقل فيه: قال: رسول الله ﷺ كذا وكذا وما أشبه هذا من الألفاظ الجازمة بأنه صلي الله عليه وسلم قال: ذلك وإنما تقول فيه روي عن رسول الله ﷺ كذا وكذا أو بلغنا عنه كذا وكذا أو ورد عنه او جاء عنه أو روى بعضهم وما أشبه ذلك.
وهذا الحكم فيما تشك في صحته وضعفه وإنما تقول قال: رسول الله ﷺ فيما ظهر لك صحته بطريقة الذي أوضحناه أولا. انتهى.
قوله وممن نص على التساهل عبد الرحمن بن مهدي وأحمد وكذلك عبد الله بن المبارك وغيرهم.
وقد عقد ابن عدي في مقدمة الكامل والخطيب في الكفاية باب لذلك وعبد الرحمن هو ابن مهدي بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري الؤلؤي الحافظ.
روى عن عمر بن ذر وأبي خلدة١ خالد بن دينار وعكرمة بن عمار شعبة والسفيانين والحمادين ومالك وطبقتهم من البصريين والكوفيين والحجازيين.
وعنه ابن المبارك وابن وهب وهما أكبر منه وأحمد وابن معين وابن راهويه وابن المديني وابن أبي شيبة٢ والفلاس وخلق.
قال ابن المديني كان أعلم الناس.
قال أبو حاتم هو أثبت أصحاب حماد بن زيد وهو إمام ثقة أثبت من يحيى بن سعيد وأتقن من وكيع كان ورده كل ليلة نصف ختمة توفي بالبصرة في
стр. 172
جمادى الآخر سنة ثمان وتسعين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة وكان ثقة كثير الحديث
وقال أحمد إذا حدث عن رجل فهو حجة.
стр. 173
النوع الثالث والعشرون: معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد١ وما يتعلق بذلك من قدح وجرح وتوثيق وتعديل
أجمع جماهير أئمة الفقه والحديث٢ على أنه يشترط فيمن يحتج بروايته أن يكون عدلا ضابطا لما يرويه وتفصيله أن يكون مسلما بالغا عاقلا سالما من أسباب الفسق وخوارم المروءة متيقظا غير مغفل حافظا إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه إن حدث من٣هـ وإن كان يحدث بالمعنى اشترط فيه مع ذلك أن يكون عالما بما يحيل المعاني.
ونوضح هذه الجملة بمسائل.
إحداها عدالة الراوي تارة تثبت بتنصيص معدلين على عدالته وتارة تثبت بالاستفاضة فمن اشتهرت عدالته بين أهل النقل ونحوهم٤ من أهل العلم وشاع الثناء عليه بالثقة والإمامة٥ استغني فيه بذلك عن بينة شاهدة بعدالته تنصيصا وهذا هو الصحيح في مذهب الشافعي وعليه الاعتماد في فن أصول الفقه.
وممن ذكر ذلك من أهل الحديث أبو بكر الخطيب الحافظ ومثل ذلك بمالك
стр. 174
وشعبة والسفيانين والأوزاعي والليث وابن المبارك ووكيع وأحمد ويحيى بن معين وعلي ابن المديني ومن جرى مجراهم في نباهة الذكر واستقامة الأمر فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم وإنما يسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين.
وتوسع ابن عبد البر في هذا فقال كل حامل علم معروف العناية به فهو عدل محمول في أمره أبدا على العدالة حتى يتبين جرحه لقوله صلي الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله".
وفيما قاله اتساع غير مرضي.
الثانية: يعرف كون الراوي ضابطا بأن تعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا وإن وجدناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه.
الثالثة: التعديل مقبول من غير ذكر سببه على المذهب الصحيح المشهور لأن أسبابه كثيرة يصعب ذكرها فإن ذكرها١ يحوج المعدل إلى أن يقول لم يفعل كذا لم يرتكب كذا فعل كذا وكذا فيعدد جميع ما يفسق بفعله أو بتركه وذلك شاق جدا.
وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبين السبب لأن الناس يختلفون فيما يجرح وما لا يجرح فيطلق أحدهم الجرح بناء على أمر اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر فلا بد من بيان سببه لينظر فيه أهو جرح أم لا وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله.
وذكر الخطيب الحافظ أنه مذهب الأئمة من حفاظ الحديث ونقاده مثل البخاري ومسلم وغيرهما ولذلك احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الجرح لهم كعكرمة مولى ابن عباس وإسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي
стр. 175
وعمرو بن مرزوق وغيرهم واحتج مسلم بسويد ابن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم.
وهكذا فعل أبو داود السجستاني وذلك دال على أنهم ذهبوا إلى أن الجرح لا يثبت إلا إذا فسر سببه١ ومذاهب النقاد للرجال غامضة مختلفة.
وعقد الخطيب بابا في بعض أخبار من استفسر في جرحه فذكر ما لا يصلح جارحا.
منها عن شعبة أنه قيل له لم تركت حديث فلان فقال: "رأيته يركض على برذون فتركت حديثه" ومنها عن مسلم بن إبراهيم أنه سئل عن حديث لصالح المري٢ فقال ما يصنع٣ بصالح ذكروه يوما عند حماد بن سلمة فامتخط حماد.
قلت ولقائل أن يقول إنما يعتمد الناس في جرح الرواة ورد حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح أو في الجرح والتعديل وقلما يتعرضون فيها لبيان السبب بل يقتصرون على مجرد قولهم فلان ضعيف وفلان ليس بشيء ونحو ذلك أو هذا حديث ضعيف وهذا حديث غير ثابت ونحو ذلك فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل ذلك وسد باب الجرح في الأغلب الأكثر.
وجوابه أن ذلك وإن لم نعتمده٤ في إثبات الجرح والحكم به فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك بناء على أن ذلك أوقع عندنا
стр. 176
ف يهم ريبة قوية١ يوجب مثلها التوقف.
ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم فافهم ذلك فإنه مخلص حسن.
الرابعة: اختلفوا في أنه هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد أو لا بد من اثنين فمنهم من قال: لا بد من اثنين٢ كما في الجرح والتعديل في الشهادات ومنهم من قال: وهو الصحيح الذي أختاره وغيره إنه يثبت بواحد لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادات. انتهى.
اعترض على قوله وخوارم المروءة بأنه لم يشترط ذلك إلا الشافعي وأصحابه.
ورد بأن كل من اشترط العدالة شرط فيها المروءة ولم يختلف قول مالك وأصحابه في اشتراط المروءة في العدالة.
نعم يفترق الحال بين عدالة الشهادة فيشترط فيها الحرية وبين عدالة الرواية فلا يشترط ذلك فيها.
قال الخطيب في الكفاية بلا خلاف ولهذا قال: القاضي أبو بكر الباقلاني هذا مما يفترق الحال فيه بين الرواية والشهادة.
ويفترقان أيضا على قول في البلوغ فشهادة الصبي غير مقبولة عند أصحاب الشافعي وجمهور العلماء.
وأما خبره فاختلف التصحيح فيه فحكى النووي في شرح المهذب عن الجمهور قبول خبر المميز فيما طريقه المشاهدة لا النقل كالإفتاء ورواية الأخبار ونحوه.
وكأنه تبع في ذلك المتولي فإنه ذكر في استقبال القبلة أن الصبي إذا أخبر بأنه
стр. 177
شاهد محرابا فإنه يقبل لكن الرافعي نقل في هذا الباب عن الأكثرين أنه لا يقبل وتبعه عليه النووي وجعل الخلاف في المميز وقيده في التيمم بالمراهق.
قوله فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم؟ أي كما سئل أحمد عن إسحاق ابن راهويه فقال: مثل إسحاق يسأل عنه وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال مثلي يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس.
قوله وتوسع ابن عبد البر أي ومن تبعه كأبي عبد الله بن المواق.
والحديث الذي استدل به١ ضعيف رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامى عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري٢ قال: قال: النبي صلي الله عليه وسلم: "يحمل٣ هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين٤ وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".
أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة وقال لا يعرف إلا به.
ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل وابن عدي في مقدمة الكامل وهو مرسل أو معضل ضعيف وإبراهيم الذي أرسله قال: فيه ابن القطان لا نعرفه ألبتة في شيء من العلم غير هذا.
وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه كلام موضوع فقال: لا هو صحيح فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد، قيل له: من نعم؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أحمد ومعان لا بأس به ووثقه ابن المديني ايضا.
قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره ثم ذكر تضعيفه عن
стр. 178
ابن معين وابن أبي حاتم١ والسعدي وابن عدي وابن حبان.
مع أن هذا الحديث ورد مرفوعا مسندا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبي أمامة وجابر بن سمرة وكلها ضعيفة فاستدلال ابن عبد البر به مردود لوجهين.
أحدهما ضعفه وإرساله والثاني: أنه إنما يصح الاستدلال به أن لو كان خبرا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبق له محمل إلا الأمر فكأنه أمر الثقات بحمل العلم.
وقد حكي في لام٢ يحمل الرفع على الخبر والجزم على إرادة لام الأمر فعلى تقدير كونه مرفوعا فهو خبر أريد به الأمر.
ويؤيد الأمر ما رواه أبو محمد ابن أبي حاتم في بعض طرقه ليحمل هذا العلم بلام الأمر.
ومما يستغرب في ضبط الحديث ما حكاه المصنف في فوائد رحلته أنه وجد بنيسابور في مناقب ابن كرام جمع محمد بن الهيصم قال: فيه سمعت الشيخ أبا جعفر محمد بن أحمد بن جعفر يقول سمعت أبا عمرو محمد بن أحمد التميمي يروي هذا الحديث بإسناده فيضم الياء من قوله يحمل على أنه فعل ما٣ لم يسم فاعله ويرفع الميم من العلم ويقول: "من كل خلف عدولة" مفتوح العين واللام وبالتاء ومعناه أن الخلف هو العدولة بمعنى أنه عادل كما يقال شكور بمعنى شاكرة٤ ويكون الهاء للمبالغة كما يقال: رجل ضروبة.
والمعنى أن العلم يحمل على كل خلف كامل في عدالته.
стр. 179
وأما أبو بكر المفيد فإني قد حفظت عنه يحمل مفتوح الياء من كل خلف عدوله مضموم العين واللام مرفوعا انتهى كلام المصنف١.
قوله ولقائل ان يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة وقوله: قبل هذا ولا يقبل الجرح إلا مفسرا هذا كله إنما يكون ممن لا يعرف الجرح والتعديل أما العارف بأسباب الجرح والتعديل فإنه لا يحتاج إلى بيان وقد حكى الباقلاني عن جمهور العلماء أنه إذا جرح من لا يعرف الجرح بأنه يجب الكشف عن ذلك فإن كان يعرفه فلا.
قال٢ والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما كما يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلا وقد اختلف نقل الغزالي عن الباقلاني فنقل هذا٣ في المستصفى وهو الصواب٤ وخالفه في المنخول فقال يجب البيان مطلقا.
وقال الإمام في البرهان الحق أنه إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا وقد يتعمق في الجرح كما تقدم من ركض البرذون وترك شعبة حديث المنهال بن عمرو لكونه سمع منه صوتا.
قال أبو حاتم سمع قراءته بألحان وقيل سمع منه صوت الطنبور فرجع فقيل له هل سألت عنه أيعلم ذلك أم لا٥؟.
وقال شعبة للحكم بن عتيبة٦: لم تركت حديث زاذان٧؟ قال: كان كثير
стр. 180
الكلام.
وقد عقد الخطيب لذلك بابا في الكفاية. انتهى.
قوله: واختلفوا هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد؟.
ومجموع ما في مسألة الرواية والشهادة ثلاثة أقوال أحدها لا يقبل في التزكية إلا رجلان سواء أكانت التزكية للشهادة أو الرواية وهو الذي حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
والثاني: الاكتفاء بواحد فيهما وهو اختيار الباقلاني لأن التزكية بمثابة الخبر قال: والذي يقتضيه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكرا وأنثى حرا وعبدا لشاهد ومخبر.
والثالث: التفرقة١ فيشترط اثنان في الشهادة ويكفي واحد في الرواية ورجحه الإمام فخر الدين الآمدي ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين وهو مخالف لما نقله الباقلاني عنهم قال: ولا يقبل في التعديل النساء لا في الرواية ولا في الشهادة نقله عن فقهاء المدينة وغيرهم.
واختار الباقلاني قبول تزكية المرأة مطلقا في الرواية والشهادة إلا تزكيتها في الحكم الذي لا تقبل شهادتها فيه وأطلق صاحب المحصول وغيره قبول تزكيتها مطلقا من غير تقييد بما قيده الباقلاني.
وأما تزكية العبد فقال الباقلاني يجب قبولها في الخبر دون الشهادة لأن خبره مقبول وشهادته مردودة وكذا قاله الإمام فخر الدين وغيره.
قال الخطيب في الكفاية الأصل: في هذا الباب سؤال النبي صلي الله عليه وسلم بريرة في قصة الإفك عن عائشة وجوابها السؤال ﵄.
قوله واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم. انتهى.
قال أبو حاتم وصالح جزرة ويعقوب بن شيبة وغيرهم هو صدوق في نفسه