ف يهم ريبة قوية١ يوجب مثلها التوقف.
ثم من انزاحت عنه الريبة منهم ببحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته قبلنا حديثه ولم نتوقف كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم فافهم ذلك فإنه مخلص حسن.
الرابعة: اختلفوا في أنه هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد أو لا بد من اثنين فمنهم من قال: لا بد من اثنين٢ كما في الجرح والتعديل في الشهادات ومنهم من قال: وهو الصحيح الذي أختاره وغيره إنه يثبت بواحد لأن العدد لم يشترط في قبول الخبر فلم يشترط في جرح راويه وتعديله بخلاف الشهادات. انتهى.
اعترض على قوله وخوارم المروءة بأنه لم يشترط ذلك إلا الشافعي وأصحابه.
ورد بأن كل من اشترط العدالة شرط فيها المروءة ولم يختلف قول مالك وأصحابه في اشتراط المروءة في العدالة.
نعم يفترق الحال بين عدالة الشهادة فيشترط فيها الحرية وبين عدالة الرواية فلا يشترط ذلك فيها.
قال الخطيب في الكفاية بلا خلاف ولهذا قال: القاضي أبو بكر الباقلاني هذا مما يفترق الحال فيه بين الرواية والشهادة.
ويفترقان أيضا على قول في البلوغ فشهادة الصبي غير مقبولة عند أصحاب الشافعي وجمهور العلماء.
وأما خبره فاختلف التصحيح فيه فحكى النووي في شرح المهذب عن الجمهور قبول خبر المميز فيما طريقه المشاهدة لا النقل كالإفتاء ورواية الأخبار ونحوه.
وكأنه تبع في ذلك المتولي فإنه ذكر في استقبال القبلة أن الصبي إذا أخبر بأنه
стр. 177
شاهد محرابا فإنه يقبل لكن الرافعي نقل في هذا الباب عن الأكثرين أنه لا يقبل وتبعه عليه النووي وجعل الخلاف في المميز وقيده في التيمم بالمراهق.
قوله فلا يسأل عن عدالة هؤلاء وأمثالهم؟ أي كما سئل أحمد عن إسحاق ابن راهويه فقال: مثل إسحاق يسأل عنه وسئل ابن معين عن أبي عبيد فقال مثلي يسأل عن أبي عبيد أبو عبيد يسأل عن الناس.
قوله وتوسع ابن عبد البر أي ومن تبعه كأبي عبد الله بن المواق.
والحديث الذي استدل به١ ضعيف رواه من طريق أبي جعفر العقيلي من رواية معان بن رفاعة السلامى عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري٢ قال: قال: النبي صلي الله عليه وسلم: "يحمل٣ هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين٤ وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين".
أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة معان بن رفاعة وقال لا يعرف إلا به.
ورواه ابن أبي حاتم في مقدمة الجرح والتعديل وابن عدي في مقدمة الكامل وهو مرسل أو معضل ضعيف وإبراهيم الذي أرسله قال: فيه ابن القطان لا نعرفه ألبتة في شيء من العلم غير هذا.
وفي كتاب العلل للخلال أن أحمد سئل عن هذا الحديث فقيل له: كأنه كلام موضوع فقال: لا هو صحيح فقيل له: ممن سمعته؟ قال: من غير واحد، قيل له: من نعم؟ قال: حدثني به مسكين إلا أنه يقول عن معان عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أحمد ومعان لا بأس به ووثقه ابن المديني ايضا.
قال ابن القطان وخفي على أحمد من أمره ما علمه غيره ثم ذكر تضعيفه عن
стр. 178
ابن معين وابن أبي حاتم١ والسعدي وابن عدي وابن حبان.
مع أن هذا الحديث ورد مرفوعا مسندا من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب وابن عمر وأبي أمامة وجابر بن سمرة وكلها ضعيفة فاستدلال ابن عبد البر به مردود لوجهين.
أحدهما ضعفه وإرساله والثاني: أنه إنما يصح الاستدلال به أن لو كان خبرا ولا يصح حمله على الخبر لوجود من يحمل العلم وهو غير عدل وغير ثقة فلم يبق له محمل إلا الأمر فكأنه أمر الثقات بحمل العلم.
وقد حكي في لام٢ يحمل الرفع على الخبر والجزم على إرادة لام الأمر فعلى تقدير كونه مرفوعا فهو خبر أريد به الأمر.
ويؤيد الأمر ما رواه أبو محمد ابن أبي حاتم في بعض طرقه ليحمل هذا العلم بلام الأمر.
ومما يستغرب في ضبط الحديث ما حكاه المصنف في فوائد رحلته أنه وجد بنيسابور في مناقب ابن كرام جمع محمد بن الهيصم قال: فيه سمعت الشيخ أبا جعفر محمد بن أحمد بن جعفر يقول سمعت أبا عمرو محمد بن أحمد التميمي يروي هذا الحديث بإسناده فيضم الياء من قوله يحمل على أنه فعل ما٣ لم يسم فاعله ويرفع الميم من العلم ويقول: "من كل خلف عدولة" مفتوح العين واللام وبالتاء ومعناه أن الخلف هو العدولة بمعنى أنه عادل كما يقال شكور بمعنى شاكرة٤ ويكون الهاء للمبالغة كما يقال: رجل ضروبة.
والمعنى أن العلم يحمل على كل خلف كامل في عدالته.
стр. 179
وأما أبو بكر المفيد فإني قد حفظت عنه يحمل مفتوح الياء من كل خلف عدوله مضموم العين واللام مرفوعا انتهى كلام المصنف١.
قوله ولقائل ان يقول: إنما يعتمد الناس في جرح الرواة وقوله: قبل هذا ولا يقبل الجرح إلا مفسرا هذا كله إنما يكون ممن لا يعرف الجرح والتعديل أما العارف بأسباب الجرح والتعديل فإنه لا يحتاج إلى بيان وقد حكى الباقلاني عن جمهور العلماء أنه إذا جرح من لا يعرف الجرح بأنه يجب الكشف عن ذلك فإن كان يعرفه فلا.
قال٢ والذي يقوي عندنا ترك الكشف عن ذلك إذا كان الجارح عالما كما يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلا وقد اختلف نقل الغزالي عن الباقلاني فنقل هذا٣ في المستصفى وهو الصواب٤ وخالفه في المنخول فقال يجب البيان مطلقا.
وقال الإمام في البرهان الحق أنه إن كان المزكي عالما بأسباب الجرح والتعديل اكتفينا بإطلاقه وإلا فلا وقد يتعمق في الجرح كما تقدم من ركض البرذون وترك شعبة حديث المنهال بن عمرو لكونه سمع منه صوتا.
قال أبو حاتم سمع قراءته بألحان وقيل سمع منه صوت الطنبور فرجع فقيل له هل سألت عنه أيعلم ذلك أم لا٥؟.
وقال شعبة للحكم بن عتيبة٦: لم تركت حديث زاذان٧؟ قال: كان كثير
стр. 180
الكلام.
وقد عقد الخطيب لذلك بابا في الكفاية. انتهى.
قوله: واختلفوا هل يثبت الجرح والتعديل بقول واحد؟.
ومجموع ما في مسألة الرواية والشهادة ثلاثة أقوال أحدها لا يقبل في التزكية إلا رجلان سواء أكانت التزكية للشهادة أو الرواية وهو الذي حكاه القاضي أبو بكر الباقلاني عن أكثر الفقهاء من أهل المدينة وغيرهم.
والثاني: الاكتفاء بواحد فيهما وهو اختيار الباقلاني لأن التزكية بمثابة الخبر قال: والذي يقتضيه القياس وجوب قبول تزكية كل عدل مرضي ذكرا وأنثى حرا وعبدا لشاهد ومخبر.
والثالث: التفرقة١ فيشترط اثنان في الشهادة ويكفي واحد في الرواية ورجحه الإمام فخر الدين الآمدي ونقله هو وابن الحاجب عن الأكثرين وهو مخالف لما نقله الباقلاني عنهم قال: ولا يقبل في التعديل النساء لا في الرواية ولا في الشهادة نقله عن فقهاء المدينة وغيرهم.
واختار الباقلاني قبول تزكية المرأة مطلقا في الرواية والشهادة إلا تزكيتها في الحكم الذي لا تقبل شهادتها فيه وأطلق صاحب المحصول وغيره قبول تزكيتها مطلقا من غير تقييد بما قيده الباقلاني.
وأما تزكية العبد فقال الباقلاني يجب قبولها في الخبر دون الشهادة لأن خبره مقبول وشهادته مردودة وكذا قاله الإمام فخر الدين وغيره.
قال الخطيب في الكفاية الأصل: في هذا الباب سؤال النبي صلي الله عليه وسلم بريرة في قصة الإفك عن عائشة وجوابها السؤال ﵄.
قوله واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم. انتهى.
قال أبو حاتم وصالح جزرة ويعقوب بن شيبة وغيرهم هو صدوق في نفسه
стр. 181
وقال البخاري: حديثه منكر وضعفه النسائي ولم يفسر الجرح وأكثر من فسره بأنه لما عمي ربما قبل التلقين وهذا إنما يقدح بعد عماه ويحتمل أن مسلما إنما حدث عنه قبل عماه وأما تكذيب ابن معين له فإنه أنكر عليه ثلاثة أحاديث حديث "من عشق وعف" وحديث "من قال: في ديننا برأيه فاقتلوه" وحديثه عن أبي معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة".
فقال ابن معين: هذا باطل عن أبي معاوية قال: الدارقطني فلما دخلت مصر وجدت هذا الحديث في مسند المنجنيقي وكان ثقة عن أبي كريب عن أبي معاوية فتخلص منه سويد فأنكره عليه ابن معين لظنه أنه تفرد به عن أبي معاوية وليس كذلك وقد قال: محمد بن عيسى السومي١ سألت ابن معين عن سويد فقال ما حدثك فاكتب عنه ما حدثك به تلقينا فلا وإنما روى عنه مسلم لطلب العلو مما٢ صح عنده بنزول ولم يخرج عنه ما انفرد به وقال إبراهيم بن أبي طالب قلت لمسلم كيف استجزت الرواية عن سويد في الصحيح فقال ومن أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة وذلك أن مسلما لم يرو عن أحد ممن سمع من حفص بن ميسرة في الصحيح إلا عن سويد فقط وقد روى في الصحيح عن واحد عن ابن وهب عن حفص.
قال الخامسة: إذا اجتمع في شخص واحد٣ جرح وتعديل فالجرح مقدم لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله والجارح يخبر عن باطن خفي على المعدل.
فإن كان عدد المعدلين أكثر فقد قيل التعديل أولى.
والصحيح والذي عليه الجمهور أن الجرح أولى لما ذكرناه. انتهى.
стр. 182
وفي المسألة ثلاثة أقوال؛ أصحها تقديم الجرح مطلقا والثاني: إن كان المعدلون أكثر قدم التعديل لأن كثرتهم تقوي جانبهم.
قال الخطيب وهذا خطأ وبعد ممن توهمه لأن المعدلين وإن كثروا لا يخبرون عن عدم ما أخبر به الجارحون إذ لو أخبروا به لكانت شهادة عن نفي وهي باطلة١.
والقول الثالث: أنهما متعارضان فلا يرجح أحدهما إلا بمرجح حكاه ابن الحاجب.
وكلام الخطيب يقتضي نفي هذا الثالث: فإنه قال: اتفقوا على أن من جرحه واحد أو عدد وعدله مثلهم فإن الجرح أولى٢.
قال السادسة: لا يجزئ التعديل على الإبهام من غير تسمية المعدل فإذا قال: حدثني الثقة أو نحو ذلك مقتصرا عليه لم يكتف به فيما ذكره الخطيب والصيرفي الفقيه وغيرهما خلافا لمن اكتفى بذلك وذلك لأنه قد يكون ثقة عنده وغيره قد اطلع على جرحه بما هو جارح عنده أو بالإجماع فيحتاج إلى أن يسميه حتى يعرف بل إضرابه عن تسميته مريب موقع في القلوب فيه ترددا فإن كان القائل لذلك عالما أجزأ ذلك في حق من يوافقه في مذهبه على ما اختاره بعض المحققين.
وذكر الخطيب أن العالم إذا قال: كل من رويت عنه فهو ثقة وإن لم أسمه ثم روى عن من لم يسمه فإنه يكون مزكيا له غير أنا لا نعمل بتزكيته هذه وهذا على ما قدمناه. انتهى.
وافق الخطيب والصيرفي ابن الصباغ وحكى في العدة عن أبي حنيفة أنه يقبل وهو ماش على قول من يحتج بالمرسل وأولى بالقبول ولو قال: العالم كل من أروى لكم عنه وأسميه فهو عدل رضى مقبول كان تعديلا لكل من روى عنه وسماه هكذا جزم به الخطيب.
стр. 183
قال وكان ممن سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدي زاد البيهقي مع ابن مهدي مالك بن أنس ويحيى بن سعيد القطان.
قال وقد يوجد في رواية بعضهم الرواية عن بعض الضعفاء لخفاء حاله عليه كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق١.
قوله وفي القول الثالث: إنه إن كان القائل له عالما فإنه يقبل التعديل على الإبهام كقول مالك والشافعي حدثني الثقة فإن الثقة يعرف بالشيوخ الذين يروون عنهم.
قال السابعة إذا روى العدل عن رجل وسماه لم تجعل روايته عنه تعديلا منه له عند أكثر العلماء من أهل الحديث وغيرهم وقال بعض أهل الحديث وبعض أصحاب الشافعي يجعل ذلك تعديلا منه له لأن ذلك يتضمن التعديل.
والصحيح هو الأول لأنه يجوز أن يروي عن غير عدل فلم يتضمن روايته عنه تعديله وهكذا نقول إن عمل العالم أو فتياه على وفق حديث ليس حكما منه بصحة ذلك الحديث وكذلك مخالفته للحديث ليست قدحا منه في صحته ولا في راويه. انتهى.
إذا روى العدل عن شيخ وسماه فهل ذلك تعديل له أم لا فيه ثلاثة أقوال أصحها وهو قول الأكثر أنه لا يكون تعديلا.
والثاني: تعديل مطلقا إذ لو علم فيه جرحا لذكره حكاه الخطيب.
قال الصيرفي وهو خطأ لأن الرواية تعريف والعدالة تكون بالخبرة.
وأجاب الخطيب بأنه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه.
والثالث: وهوالمختار عند الأصوليين كالآمدي وابن الحاجب وغيرهما أنه إن كان لا يروي إلا عن عدل كانت روايته تعديلا وإلا فلا.
واعترض الحافظ عماد الدين ابن كثير على قوله إن عمل العالم أو
стр. 184
فتياه إلى آخره فقال وفي هذا نظر إذا لم يكن في الباب غير ذلك الحديث إذا١ تعرض للاحتجاج به في فتياه أو حكمه٢ واستشهد به عند العمل بمقتضاه.
ورد بأنه لا يلزم من كون ذلك الباب ليس فيه غير هذا الحديث أن لا يكون٣ ثم دليل آخر من قياس أو إجماع ولا يلزم المفتي أو الحاكم أن يذكر جميع أدلته بل ولا بعضها.
ويحتمل أن يكون له دليل آخر واستأنس بهذا الحديث معه أو يكون ممن يرى العمل بالحديث الضعيف ويقدمه على القياس كما تقدم عن أبي٤ داود إذا لم يرد في الباب غيره ويراه أولى من رأي الرجال وأما ما حكي عن أحمد أنه يقدم الحديث الضعيف على القياس فالمراد الضعيف٥ الحسن.
قال الثامنة في رواية المجهول وهي في غرضنا ههنا أقسام.
أحدها: المجهول العدالة من حيث الظاهر والباطن جميعا وروايته غير مقبولة عند الجماهير على ما نبهنا عليه أولا.
والثاني: المجهول الذي جهلت عدالته الباطنة وهو عدل في الظاهر وهو المستور٦ فقد قال: بعض أئمتنا المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه.
فهذا المجهول يحتج بروايته بعض من رد رواية الأول وهو قول بعض
стр. 185
الشافعية١ وبه قطع منهم الإمام سليم بن أيوب الرازي قال: لأن أمر الأخبار مبنى على حسن الظن بالراوي ولأن رواية الأخبار تكون عند من يتعذر عليه معرفة العدالة في الباطن فاقتصر منها على معرفة ذلك في الظاهر.
وتفارق الشهادة فإنها تكون عند الحكام ولا يتعذر عليهم ذلك فاعتبر فيها العدالة في الظاهر والباطن.
قلت ويشبه أن يكون العمل على هذا الرأي في كثير من كتب الحديث المشهورة في غير واحد من الرواة الذين تقادم العهد بهم وتعذرت الخبرة الباطنة بهم. انتهى.
قسم المجهول ثلاثة أقسام الأول مجهول العدالة ظاهرا وباطنا مع كونه معروف العين برواية عدلين عنه.
وفيه ثلاثة أقوال أصحها قول الجمهور أنها لا تقبل.
والثاني: تقبل والثالث: إن كان الراويان أو الرواة عنه فيهم من لا يروي عن غير عدل قبل وإلا فلا.
وأشار بقوله بعض أئمتنا إلى أبي محمد البغوي صاحب التهذيب فهذا لفظه بحروفه فيه ويوافقه كلام الرافعي في الصوم قال: فيه العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين وحكى فيه أيضا في قبول رواية المستور٢ وجهين من غير ترجيح وصحح النووي في شرح المهذب قبول روايته.
وعبارة الشافعي في اختلاف الحديث تدل على أن التي يحكم الحاكم بها هي العدالة الظاهرة فإنه قال: في جواب سؤال أورده فلان يجوز أن يترك الحكم بشهادتهما إذا كانا عدلين في الظاهر.
فعلى هذا تكون العدالة الظاهرة هي التي يحكم بها وهي التي تستند إلى قول المزكين بخلاف ما ذكره الرافعي في الصوم وهذا هو القسم الثاني: وحكى البيهقي في المدخل أن الشافعي لا يحتج بأحاديث المجهولين.
قال الثالث: المجهول العين وقد يقبل رواية المجهول العدالة من لا يقبل رواية
стр. 186
المجهول العين ومن روى عنه عدلان وعيناه فقد ارتفعت عنه هذه الجهالة.
ذكر أبو بكر الخطيب في أجوبة مسائل سئل عنها أن المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يعرفه العلماء ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد مثل عمرو ذي مر وجبار الطائي وسعيد بن ذي حدان لم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي ومثل الهزهاز بن ميزن لا راوي عنه غير الشعبي ومثل جري بن كليب لم يرو عنه إلا قتادة.
قلت قد روى عن الهزهاز الثوري أيضا.
قال الخطيب وأقل ما ترتفع به الجهالة أن يروي عن الرجل اثنان من المشهورين بالعلم إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه وهذا مما قدمنا بيانه.
قلت قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد منهم مرداس الأسلمي لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد منهم ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن.
وذلك منهما مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه والخلاف في ذلك متجه نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل على ما قدمناه. انتهى.
هذا القسم الثالث: وهو مجهول العين الذي لم يرو عنه إلا راو واحد وفيه خمسة أقوال أصحها وعليه الأكثر أنه لا يقبل.
والثاني: يقبل مطلقا وهو قول من لم يشترط في الراوي سوى الإسلام.
والثالث: إن كان المنفرد بالرواية عنه لا يروي إلا عن عدل كابن مهدي ويحيى بن سعيد ومن ذكر معهما واكتفينا في التعديل بواحد قبل وإلا فلا
والرابع: إن كان مشهورا في غير العلم بالزهد أو النجدة قبل وإلا فلا.
والخامس: إن زكاه أحد من أئمة الجرح والتعديل مع راويه وأخذ عنه قبل وإلا فلا.
واعترض عليه بأمور منها أنه تبع الخطيب في تسمية والد هزهاز ميزن وإنما هو مازن بالألف كما قال: ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وفي بعض النسخ بالياء ولعل بعضهم أماله في اللفظ فكتب بالياء.
стр. 187
ومنها اعتراضه على الخطيب بأن الهزهاز قد روى عنه الثوري أيضا والثوري لم يرو عن الشعبي نفسه فكيف يروي عن شيوخه ورد بأنه لا يلزم من عدم روايته عن الشعبي عدم روايته عن الهزهاز فلعل الهزهاز تأخر بعد الشعبي ويقوي ذلك أن ابن أبي حاتم ذكر أن الجراح بن مليح روى عن الهزهاز والجراح أصغر من الثوري وتأخر بعده مدة سنين١ فكان ينبغي له أن يستثنى الجراح مع الثوري.
ومنها أن ما عزاه إلى الخطيب في أجوبة مسائل سئل عنها يفهم أنه لم يذكره في الكفاية وليس كذلك فقد ذكر ذلك مع زيادة لا بأس بذكرها فقال المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به٢ ولم يعرف٣ حديثه إلا من جهة راو واحد مثل عمرو ذي مر وجبار الطائي وعبد الله بن أعز الهمداني والهيثم بن حنش ومالك بن أعز وسعيد بن ذي حدان٤ وقيس بن كركم وخمر بن مالك قال: وهؤلاء٥ كلهم لم يرو عنهم غير أبي إسحاق السبيعي ومثل سمعان بن مشنج والهزهاز بن ميزن لا يعرف عنهما راو إلا الشعبي ومثل بكر بن قرواش وحلام بن جزل لم يرو عنهما إلا أبو الطفيل عامر بن واثلة ومثل يزيد بن سحيم لم يرو عنه إلا خلاس بن عمرو ومثل جري بن كليب لم يرو عنه إلا قتادة بن دعامة ومثل عمير بن إسحاق لم يرو عنه سوى عبد الله بن عوف وغير من ذكرنا.
стр. 188
أي ممن لم يرو عنه إلا راو واحد.
وقد اعترض بأنه روي عن خمر بن مالك أيضا١ عبد الله بن قيس٢ وذكره ابن حبان في الثقات وسماه خميرا٣ وذكر الخلاف فيه في التصغير والتكبير ابن أبن حاتم.
وكذلك الهيثم بن حنش٤ روى عنه أيضا سلمة بن كهيل قاله أبو حاتم الرازي.
وأما عبد الله بن أعز ومالك بن أعز بالعين المهملة والزاي فقد جعلهما ابن ما كولا واحدا وأنه اختلف على أبي إسحاق في اسمه.
وبكر بن قرواش بكسر القاف وسكون الراء وبالشين المعجمة روى عنه أيضا قتادة فيما ذكره البخاري وابن حبان في الثقات وسمى ابن أبي حاتم أباه قرويشا٥.
وحلام بن جزل ذكره البخاري في تاريخه فقال حلاب بالحاء المهملة والباء الموحدة وخطأه ابن أبي حاتم٦ في كتاب جمع فيه أوهامه في التاريخ وقال إنما هو حلام بالميم.
стр. 189
وأما مشنج فإنه بضم الميم وفتح الشين المعجمة وفتح النون وآخره جيم.
واعترض النووي على قوله وذلك منهما أي من البخاري ومسلم مصير إلى أن الراوي قد يخرج عن الجهالة برواية واحد عنه كمرداس الأسلمي وسعد بن كعب الأسلمي فقال هؤلاء صحابيان والصحابة كلهم عدول.
ورد بأن كلام المصنف في أن الصحبة هل ثبتت برواية واحد عنه أم لا بد من اثنين خلاف بين أهل العلم والحق أنه إن كان معروفا بذكره في الغزوات١ أو فيمن وفد من الصحابة أو نحو ذلك فإنه تثبت صحبته وإن لم يرو عنه إلا واحد.
لا شك أن مرداسا من أصحاب الشجرة وربيعة من أهل الصفة فلا يضرهما انفراد راو واحد عن كل منهما وسيأتي في النوع السابع: والأربعين أن ابن عبد البر قال: كل من٢ لم يرو عنه إلا رجل واحد فهو عندهم مجهول إلا أن يكون مشهورا في غير حمل العلم كاشتهار مالك بن دينار بالزهد وعمرو بن معدي كرب بالنجدة.
فشهرة مرداس وربيعة بالصحبة آكد في النقل٣ من اشتهار مالك وعمرو وقد ذكر أبو مسعود إبراهيم بن محمد الدمشقي في جزء له أجاب فيه على اعتراضات الدارقطني على كتاب مسلم فقال لا أعلم روى عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي أحدا غير أبي هانئ قال: وبرواية أبي هانئ وحده لا يرتفع عنه اسم الجهالة إلا أن يكون معروفا في قبيلته أو يروي عنه أحد معروف مع أبي هانئ فيرتفع عنه اسم الجهالة.
وأيضا فلا نسلم انفراد قيس بمرداس ولا انفراد أبي سلمة بربيعة كما قاله
стр. 190
المصنف وتبعه النووي.
وهما قد تابعا أبا عبد الله الحاكم والحاكم تبع مسلما في كتاب الوحدان لمسلم وليس بجيد فقد روى عن ربيعة أيضا نعيم بن عبد الله المجمر وحنظلة بن علي وأبو عمران الجوني وذكر المزي أنه روى عنه أيضا محمد ابن عمرو بن عطاء وليس ذلك بصحيح إنما روى محمد بن عمرو عن نعيم المجمر عنه كذا رواه أحمد في مسنده والطبراني في معجمه الكبير.
اللهم إلا أن يكون محمد بن عمرو قد أرسل عنه وأسقط نعيما.
وأما مرداس فقال المزي١ في التهذيب إنه روي عنه أيضا زياد بن علاقة وتبعه الذهبي في مختصره وهو وهم منهما من حيث أن الذي روي عنه زياد إنما هو مرداس بن عروة صحابي آخر والذي يروي عنه قيس مرداس ابن مالك الأسلمي ليس في ذلك خلاف ذكره البخاري في التاريخ الكبير وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل وابن حبان في الصحابة وأبو عبد الله ابن مندة في معرفة الصحابة والطبراني في الكبير وابن عبد البر في الاستيعاب وابن قانع في معجم الصحابة وغيرهم.
وإذا مشينا على ما قاله النووي إن هذا لا يؤثر في الصحابة فينبغي أن يمثل بمن خرج له البخاري أو مسلم من غير الصحابة فلم يرو عنه إلا راو واحد.
فمنهم عند البخاري جويرية بن قدامة تفرد عنه أبو جمرة٢ نصر بن عمران الضبعي.
وزياد بن رباح المدني تفرد عنه مالك.
والوليد بن عبد الرحمن الجارودي٣ تفرد عنه ابنه المنذر بن الوليد.
стр. 191
ومن ذلك عند مسلم جابر بن إسماعيل الحضرمي تفرد عنه عبد الله بن وهب وخباب صاحب المقصورة تفرد عنه عامر بن سعد١.
قال التاسعة اختلفوا في قبول رواية المبتدع الذي لا يكفر في بدعته فمنهم من رد روايته مطلقا لأنه فاسق ببدعته وكما استوى في الكفر المتأول وغير المتأول يستوي في الفسق المتأول وغير المتأول ومنهم من قبل رواية المبتدع إذا لم يكن ممن يستحل الكذب في نصرة مذهبه أو لأهل مذهبه سواء كان داعيا إلى بدعته أو لم يكن وعزا بعضهم هذا إلى الشافعي لقوله أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطابية من الرافضة لأنهم يرون الشهادة بالزور لموافقيهم.
وقال قوم تقبل روايته إذا لم يكن داعية ولا تقبل إذا كان داعية إلى بدعته وهذا مذهب الكثير أو الأكثر من العلماء.
وحكى بعض أصحاب الشافعي ﵁ خلافا بين أصحابه في قبول رواية المبتدع إذا لم يدع إلى بدعته وقال أما إذا كان داعية فلا خلاف بينهم في عدم قبول روايته.
وقال ابن حبان أحد المصنفين من أئمة الحديث الداعية إلى البدع لا يجوز الاحتجاج به عند أئمتنا قاطبة لا أعلم بينهم فيه خلافا.
وهذا المذهب الثالث: أعدلها وأولاها والأول بعيد مباعد٢ للشائع عن أئمة الحديث فإن كتبهم طافحة بالرواية عن المبتدعة غير الدعاة وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم في الشواهد والأصول. انتهى.
المبتدع الذي لا نكفره ببدعته فيه أربعة أقوال حكى منها ثلاثة والرابع: أنه تقبل أخباره مطلقا وإن كان كافرا أو فاسقا بالتأويل حكاه الخطيب عن جماعة من أهل النقل والمتكلمين.
وفي تاريخ نيسابور للحاكم أن كتاب مسلم ثلاث من الشيعة٣.
стр. 192
ولم يحك المصنف خلافا فيما إذا كفرناه ببدعته كالمجسمة إن قلنا بتكفيرهم وقد حكاه الأصوليون فرد القاضي أبو بكر روايته مطلقا كاالكافر المخالف والمسلم الفاسق ونقله الآمدي عن الأكثرين وبه جزم ابن الحاجب وقال في المحصول الحق أنه إن اعتقد حرمة الكذب قبلنا روايته وإلا فلا لأن اعتقاد حرمة الكذب ينفه عنه١.
قوله وعزا بعضهم هذا إلى الشافعي المراد ببعضهم الخطيب أبو بكر ذكره في كتابه الكفاية.
وما حكاه عن ابن حبان من الاتفاق على أنه لا يجوز الاحتجاج بالداعية ينفي الخلاف في المسألة لأنه نقل عنه أيضا الاتفاق على الاحتجاج بغير الداعية فإنه قال: في تاريخ الثقات في ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي ليس بين أهل الحديث من أئمتنا خلاف أن الصدوق المتقن إذا كان فيه بدعة ولم يكن يدعو إليها أن الاحتجاج بأخباره جائز فإذا دعا إلى بدعته سقط الاحتجاج بأخباره.
وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر فإنه روي عن مالك رد روايتهم مطلقا كما قاله الخطيب في الكفاية.
واعترض على قوله وفي الصحيحين كثير من أحاديثهم أي من أحاديث المبتدعة في الشواهد والأصول أي لا في الاحتجاج٢ وقد احتج البخاري بعمران بن حطان وهو من دعاة الشراة واحتج الشيخان بعبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني وكان داعية إلى الإرجاء.
ورد بما قاله أبو داود إنه ليس في أهل الأهواء أصح حديثا من الخوارج ثم ذكر عمران بن حطان وأبا حسان الأعرج.
وأيضا فمسلم لم يحتج بعبد الحميد وإنما أخرج له في المقدمة وقد وثقه ابن معين.
قال العاشرة: التائب من الكذب في حديث الناس وغيره من أسباب الفسق تقبل روايته إلا التائب من الكذب متعمدا في حديث رسول الله ﷺ فإنه لا تقبل
стр. 193
روايته أبدا وإن حسنت توبته على ما ذكر عن غير واحد من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي شيخ البخاري.
وأطلق الإمام أبو بكر الصيرفي الشافعي فيما وجدت له في شرحه لرسالة الشافعي فقال كل من أسقطنا خبره من أهل النقل بكذب وجدناه عليه لم نعد لقبوله بتوبة تظهر ومن ضعفنا نقله لم نجعله قويا بعد ذلك فذكر١ أن ذلك مما افترقت فيه الروايه والشهادة.
وذكر الإمام أبو المظفر السمعاني المروزي أن من كذب في خبر واحد وجب إسقاط ما تقدم من حديثه وهذا يضاهي من حيث المعنى ما ذكره الصيرفي. انتهى.
اعترض على قوله وأطلق الصيرفي أي فلم يقيد الكذب بكونه في الحديث أو في غيره والظاهر أن الصيرفي إنما أراد الكذب في الحديث بدليل قوله من أهل النقل وقد قيده بالمحدث في كتابه الدلائل والاعلام٢
стр. 194
فقال وليس يطعن١ على المحدث إلا أن يقول تعمدت الكذب فهو كاذب في الأول ولا يقبل خبره بعد ذلك.
قال الحادية عشرة: إذا روى ثقة عن ثقة٢ وروجع المروي عنه فنفاه فالمختار أنه إن كان جازما بنفيه بأن قال: ما رويته أو كذب علي أو نحو ذلك فقد تعارض الجزمان والجاحد هو الأصل فوجب رد حديث فرعه ذلك ثم لا يكون ذلك جرحا له يوجب رد باقي حديثه لأنه مكذب لشيخه أيضا في ذلك وليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا.
أما إذا قال: المروي عنه لا أعرفه أو لا أذكره أو نحو ذلك فذلك لا يوجب رد رواية الراوي عنه.
ومن روى حديثا ثم نسيه لم يكن ذلك مسقطا للعمل به عند جمهور أهل الحديث وجمهور الفقهاء والمتكلمين خلافا لقوم من أصحاب أبي حنيفة صاروا إلى إسقاطه بذلك وبنوا عليه ردهم حديث سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عن عائشة عن رسول الله ﷺ : "إذا نكحت المرأة بغير إذن وليها فنكاحها باطل" الحديث من أجل أن ابن جريج قال: لقيت الزهري فسألته عن هذا الحديث فلم يعرفه وكذا حديث ربيعة الرأي٣ عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة:"أن النبي صلي الله عليه وسلم قضى بشاهد ويمين" فإن عبد العزيز ابن محمد الدراوردي قال: لقيت سهيلا فسألته عنه فلم يعرفه.
والصحيح ما عليه الجمهور لأن المروي عنه بصدد السهو والنسيان والراوي عنه ثقة جازم فلا ترد بالاحتمال روايته ولهذا كان سهيل بعد ذلك يقول حدثني ربيعة عني عن أبي٤ ويسوق الحديث.
وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعدما حدثوا بها عن من سمعها.
стр. 195
منهم فكان أحدهم يقول حدثني فلان عني عن فلان بكذا وكذا وجمع الحافظ الخطيب ذلك في كتاب أخبار من حدث ونسي.
ولأجل أن الإنسان معرض للنسيان كره من كره من العلماء الرواية عن الأحياء منهم الشافعي قال: لابن عبد الحكم إياك والرواية عن الأحياء. انتهى.
حديث سليمان بن موسى رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية سليمان عن الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعا.
وذكر الترمذي أن بعض أهل الحديث ضعفه من أجل أن ابن جريج قال: ثم لقيت الزهري فسألته فأنكره انتهى.
ولم يصح إنكار الزهري له فقد ذكره١ الترمذي بعده عن ابن معين أنه لم يذكر هذا الحرف عن ابن جريج إلا إسماعيل بن إبراهيم.
قال وسماعه عن ابن جريج ليس بذاك إنما صحح كتبه على كتب عبد المجيد ابن عبد العزيز بن أبي رواد ما سمع من ابن جريج وضعف يحيى رواية إسماعيل بن إبراهيم عن ابن جريج.
واعترض بعضهم على قول المصنف فلم يعرفه والرواية فأنكره كما سبق.
ورد بأن المعروف ما ذكره المصنف كما وقع في سؤالات عباس الدوري عن ابن معين وفي العلل لأحمد وفي البيهقي بسند صحيح إلى أبي حاتم الرازي قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول وذكر عنده أن ابن علية يذكر حديث ابن جريج لا نكاح إلا بولي قال: ابن جريج فلقيت الزهري فسألته عنه فلم يعرفه
стр. 196
وأثنى على سليمان بن موسى فقال أحمد إن ابن جريج له كتب مدونة وليس هذا في كتبه يعني حكاية ابن علية عن ابن جريج ١.
стр. 197
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 198
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
стр. 199
وحديث ربيعة رواه أيضا الثلاثة أبو داود والترمذي وابن ماجة من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل١ بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة.
زاد أبو داود في رواية أن عبد العزيز الدراوردي قال: فذكرت ذلك لسهيل فقال أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه.
قال عبد العزيز وقد كان أصابت سهيلا علة أذهبت بعض عقله ونسى بعض حديثه فكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة عنه عن أبيه٢.
ورواه أبو داود أيضا من رواية سليمان بن بلال عن ربيعة قال: سليمان فلقيت سهيلا فسألته عن هذا الحديث فقال ما أعرفه فقلت له إن ربيعة أخبرني به
стр. 200
عنك قال: فإن كان ربيعة أخبرك عني فحدث به عن ربيعة عني١.
وقد جمع غير واحد من الأئمة أحاديث من حدث فنسى كالدارقطني والخطيب.
وممن كره التحديث عن الأحياء الشعبي فإنه قال: لابن عون لا تحدثني عن الأحياء وقال معمر لعبد الرزاق إن قدرت أن لا تحدث عن رجل حي فافعل.
وفي رواية البيهقي في المدخل أن الشافعي قال: لابن عبد الحكم لما حدثه بحكاية فأنكرها ثم تذكرها لا تحدثني عن حي فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان.
قال الثانية عشرة من أخذ على التحديث أجرا منع ذلك من قبول روايته عند قوم من أئمة الحديث.
روينا عن إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه أنه سئل عن المحدث يحدث بالأجر فقال لا يكتب عنه.
وعن أحمد بن حنبل وأبي حاتم الرازي نحو ذلك وترخص أبو نعيم الفضل بن دكين وعلي بن عبد العزيزالمكي وآخرون في أخذ العوض على التحديث وذلك شبيه بأخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره٢.
غير أن في هذا من حيث العرف خرما للمروءة والظن يساء بفاعله إلا أن يقترن ذلك بعذر ينفي ذلك عنه كمثل ما حدثنيه الشيخ أبو المظفر عن أبيه الحافظ أبي سعد السمعاني أن أبا الفضل محمد بن ناصر السلامى ذكر أن أبا الحسين بن النقور فعل ذلك لأن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أفتاه بجواز أخذ
стр. 201
الأجرة على التحديث لأن أصحاب الحديث كانوا يمنعونه عن الكسب لعياله. انتهى.
علي بن عبد العزيز المكي هو البغوي.
وتشبيهه ذلك بالأجرة على القرآن يشمل ما إذا كان التعليم واجبا كالأحاديث المتعلقة بواجبات الشرع وشرائطها فينبغي أن يجري فيه الخلاف فيمن يجب عليه تعليم الفاتحة إذا تعين عليه ومحل ذلك كتب الفقه.
قال الثالثة عشرة لا تقبل رواية من عرف بالتساهل في سماع الحديث أو إسماعه كمن لا يبالي بالنوم في مجلس السماع وكمن يحدث لا من أصل مقابل صحيح ومن هذا القبيل من عرف بقبول التلقين في الحديث.
ولا تقبل رواية من كثرت الشواذ والمناكير في حديثه.
جاء عن شعبة أنه قال: "لا يجيئك الحديث الشاذ إلا من الرجل الشاذ". ولا تقبل رواية من عرف بكثرة السهو في رواياته إذا لم يحدث من أصل صحيح.
وكل هذا يخرم الثقة بالراوي وبضبطه.
وورد عن ابن المبارك وأحمد والحميدي وغيرهم أن من غلط في حديث وبين له غلطه فلم يرجع عنه وأصر على رواية ذلك الحديث سقطت رواياته ولم يكتب عنه.
وفي هذا نظر وهو غير مستنكر إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد او نحو ذلك. انتهى.
وما ذكره بحثا هو ما نص عليه ابن حبان وقال إن من بين له خطأوه١ وعلم فلم يرجع عنه وتمادى في ذلك كان كذابا بعلم صحيح٢.
فقيده بكونه علم خطأوه٣ وإنما يكون عنادا إذا علم الحق وخالفه وقيده بعضهم بأن يكون الذي بين له غلطه عالما عند المبين له أما إذا كان ليس بهذه
стр. 202
المثابة عنده فإنه لا جرح١ إذا.
ولا فرق بين نوم القارئ أو الشيخ وكذا لا فرق بين أن يكون الأصل المقروء منه مقابلا على أصل الشيخ أو على غيره كما أنه لا فرق في التساهل في حالة التحمل أو الأداء.
قوله ومن هذا القبيل من عرف بالتلقين أي كموسى بن دينار فكان يلقن الشيء فيحدث به من غير أن يعلم أنه من حديثه.
وقيل لشعبة من الذي يترك حديثه قال: إذا أكثر٢ عن المعروف من الرواية ما لا يعرف وأكثر الغلط٣.
стр. 203
وكذلك ترد رواية من عرف بكثرة السهو ولم يحدث من أصل صحيح فإن حدث منه قبل لأن العمدة إنما هي على الأصل لا على حفظه١.
قال الشافعي في الرسالة من كثر غلطه ولم يكن له أصل لم يقبل كمن كثر غلطه في الشهادة.
وقال ابن مهدي لشعبة من الذي تترك٢ الرواية عنه قال: إذا تمادى في غلط مجمع عليه ولم يتهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه أو رجل يتهم بالكذب٣.
قال الرابعة عشرة أعرض الناس في هذه الأعصار المتأخرة عن اعتبار ما بينا٤ من الشروط في رواة الحديث ومشايخه فلم يتقيدوا بها في رواياتهم لتعذر الوفاء بذلك على نحو ما تقدم.
وكان عليه من تقدم ووجه ذلك ما قدمناه في أول كتابنا هذا من كون المقصود آل آخرا إلى المحافظة على خصيصة هذه الأمة في الأسانيد والمحاذرة من انقطاع سلسلتها فليعتبر من الشروط المذكورة ما يليق بهذا الغرض على تجرده وليكتف في أهلية الشيخ بكونه مسلما بالغا عاقلا غير متظاهر بالفسق والسخف وفي ضبطه بوجود سماعه مثبتا بخط غير متهم وبروايته من أصل موافق لأصل شيخه.
وقد سبق إلى نحو ما ذكرناه الحافظ أبو بكر البيهقي فإنه ذكر فيما رويناه عنه توسع من توسع في السماع من بعض محدثي زمانه الذين لا يحفظون حدثهم ولا يحسنون قراءته من كتبهم ولا يعرفون ما يقرأ عليهم بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم ووجه ذلك بأن الأحاديث التي قد صحت أو وقعت٥ بين الصحة والسقم قد دونت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة
стр. 204
الحديث ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم وإن جاز أن يذهب على بعضهم لضمان صاحب الشريعة حفظها قال: فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم لم يقبل منه ومن جاء بحديث معروف عندهم فالذي يرويه لا ينفرد بروايته والحجة قائمة بحديثه برواية غيره والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مسلسلا بحدثنا وأخبرنا وتبقى هذه الكرامة التي خصت بها هذه الأمة شرفا لنبينا المصطفى صلي الله عليه وسلم. انتهى.
قال السلفي: إن الشيوخ الذين لا يعرفون حديثهم الاعتماد في روايتهم على الثقة المفيد عنهم لا عليهم وإن هذا كله توسل من الحافظ إلى حفظ الأسانيد إذ ليسوا من شرط الصحيح إلا على وجه المتابعة ولولا رخصة العلماء لما جازت الكتابة عنهم ولا الرواية إلا عن قوم منهم دون آخرين وهذا هو الذي استقر عليه العمل
قال الذهبي في أول الميزان العمدة في زماننا ليس على الرواة بل على المحدثين والمفيدين الذين عرفت عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين.
قال ثم من المعلوم١ أنه لا بد من صون الراوي وستره.
قال الخامسة عشرة: في بيان الألفاظ المستعملة بين٢ أهل هذا الشأن في الجرح والتعديل.
وقد رتبها أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي في كتابه في الجرح والتعديل فأجاد وأحسن.
ونحن نرتبها كذلك ونورد ما ذكره ونضيف إليه ما بلغنا في ذلك عن غيره إن شاء الله تعالى.
أما ألفاظ التعديل فعلى مراتب:
الأولى: قال: ابن أبي حاتم٣ إذا قيل للواحد إنه ثقة أو متقن٤ فهو ممن يحتج بحديثه.
стр. 205
قلت وكذا إذا قيل ثبت أو حجة وكذا إذا قيل في العدل إنه حافظ أو ضابط. انتهى.
ما حكاه عن ابن أبي حاتم قال: به الحافظ أبو بكر الخطيب في الكفاية وزاد الذهبي في أول الميزان درجة أرفع من هذه وهي١ أن يكرر هذه الألفاظ كقوله ثقة ثقة أو ثقة ثبت أو ثبت حجة أو نحو ذلك وما قاله صحيح لأن التكرار له مزية التأكيد.
واعترض على المصنف في قوله قلت وكذا إذا قيل ثبت مفهما كونها من زياداته على ابن أبي حاتم مع أنها في بعض نسخه.
قال الثانية قال: ابن أبي حاتم إذا قيل إنه صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به٢ فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه وهي المنزلة الثانية.
قلت هذا٣ كما قال: لأن هذه العبارات لا تشعر بشريطة الضبط فينظر في حديثه ويختبر حتى يعرف ضبطه وقد تقدم بيان طريقه في أول هذا النوع وإن لم نستوف النظر المعرف لكون ذلك المحدث في نفسه ضابطا مطلقا واحتجنا إلى حديث من حديثه اعتبرنا ذلك الحديث ونظرنا هل له أصل من رواية غيره كما تقدم بيان طريق الاعتبار في النوع الخامس عشر.
ومشهور عن عبد الرحمن بن مهدي القدوة في هذا الشأن أنه حدث فقال حدثنا أبو خلدة فقيل له أكان ثقة فقال كان صدوقا وكان خيرا وفي رواية وكان خيارا الثقة شعبة وسفيان٤.
стр. 206
ثم إن ذلك مخالف لما ورد عن ابن أبي خيثمة قال: قلت ليحيى بن معين إنك تقول فلان ليس به بأس وفلان ضعيف قال: إذا قلت لك ليس به بأس فهو بثقة وإذا قلت لك هو ضعيف فليس هو ثقة لا تكتب حديثه.
قلت ليس في هذا حكاية ذلك عن غيره من أهل الحديث فإنه نسبه إلى نفسه خاصة بخلاف ما ذكره ابن أبي حاتم.
الثالثة: قال: ابن أبي حاتم إذا قيل شيخ فهو بالمنزلة الثالثة يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دون الثانية
الرابعة: قال: إذا قيل صالح الحديث فإنه يكتب حديثه للاعتبار.
قلت وجاء عن أبي جعفر أحمد بن سنان قال: كان عبد الرحمن بن مهدي ربما جرى ذكر حديث الرجل فيه ضعف وهو رجل صدوق١ فيقول رجل صالح الحديث٢. انتهى.
مراتب التعديل على أربع طبقات: أعلاها ولم يذكرها ابن أبي حاتم ولا المصنف تكرير لفظ التوثيق كما تقدم وسواء كرر اللفظ بعينه كقوله ثقة ثقة أو مع غيره كقوله ثبت ثقة أو ثقة حجة.
الثانية: أن يقول ثقة أو ثبت أو حجة ولم يكرر.
الثالثة: ليس به بأس أو لا بأس به أو صدوق أو مأمون أو خيار وليس منها محله الصدق كما قاله المصنف تبعا لابن أبي حاتم والظاهر جعلها من المرتبة الرابعة كما قاله صاحب الميزان.
الرابعة محله الصدق أو رووا عنه أو إلى الصدق ما هو أو شيخ وسط أو وسط أو شيخ صالح الحديث أو مقارب الحديث أو جيد الحديث أو
стр. 207
حسن الحديث أو صويلح أو صدوق إن شاء الله أو أرجو١ أنه ليس به بأس أو نحو ذلك.
وابن معين سوى بين قوله ثقة وبين قوله ليس به بأس لقوله وإذا قلت ليس به بأس فهو ثقة كذا فهم عنه المصنف وغيره.
وابن معين لم يقل قولي وليس به بأس هو كقولي ثقة حتى يلزم منه التساوي وإن اشتركا في مطلق الثقة إلا أن قوله ثقة أرفع من قوله لا بأس به وفي كلام دحيم ما يوافق ابن معين؛
قال أبو زرعة قلت لعبد الرحمن بن إبراهيم ما تقول في علي بن حوشب الفزاري قال: لا بأس به قال: قلت ولم لا تقول ثقة ولا نعلم إلا خيرا قال: قد قلت لك إنه ثقة.
وقال المروذي سألت أحمد عن عبد الوهاب بن عطاء؛ ثقة؟
قال تدري ما الثقة إنما الثقة يحيى بن سعيد القطان.
وقول المصنف الثقة شعبة وسفيان مخالف لما في كتاب الخطيب وغيره فإن فيه الثقة شعبة ومسعر ولم يذكر سفيان البتة كذا اعترض عليه بعضهم.
وجوابه أن المصنف لم ينقله عن الخطيب٢ ومع هذا يحتمل غلط الناسخ وهو أولى من تغليط الشيخ مع أن المشهور عن ابن مهدي ما ذكره المصنف كما حكاه عمرو بن علي الفلاس وابن أبي حاتم والمزي في التهذيب في ترجمة أبي خلدة وخالف في ذلك في ترجمة مسعر فقال الثقة شعبة ومسعر فيحتمل أنه سئل عنه مرتين ويحتمل أنه ذكر الثلاثة فاقتصر الفلاس على التمثيل باثنين فمرة ذكر سفيان ومرة ذكر مسعرا.
قال: وأما ألفاظهم في الجرح فهي أيضا على مراتب
стр. 208
أولاها قولهم لين الحديث.
قال ابن أبي حاتم إذا أجابوا في الرجل بلين الحديث فهو ممن يكتب حديثه وينظر فيه اعتبارا.
قلت وسأل حمزة بن يوسف السهمي أبا الحسن الدارقطني الإمام فقال له إذا قلت فلان لين أيش تريد به قال: لا يكون ساقطا متروك الحديث ولكن مجروحا بشيء لا يسقط عن العدالة.
الثانية: قال: ابن أبي حاتم إذا قالوا ليس بقوي فهو بمنزلة الأول في كتب حديثه إلا أنه دونه.
الثالثة: قال: إذا قالوا ضعيف الحديث فهو دون الثاني: لا يطرح حديثه بل يعتبر به.
الرابعة: قال: إذا قالوا متروك الحديث أو ذاهب الحديث أو كذاب فهو ساقط الحديث لا يكتب حديثه وهي المنزلة الرابعة.
قال الخطيب أبو بكر أرفع العبارات في أحوال الرواة أن يقال حجة أو ثقة وأدونها أن يقال كذاب ساقط.
أخبرنا أبو بكر بن عبد المنعم الصاعدي الفراوي١ قراءة عليه بنيسابور أنا محمد بن إسماعيل الفارسي أنا أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي أنا أبو الحسين بن الفضل أنا عبد الله بن جعفر ثنا يعقوب بن سفيان قال: سمعت أحمد بن صالح قال: لا يترك حديث رجل حتى يجتمع الجميع على ترك حديثه قد يقال فلان ضعيف فأما أن يقال فلان متروك فلا إلا أن يجمع الجميع على ترك حديثه.
ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب قولهم فلان قد روى الناس عنه فلان وسط فلان مقارب الحديث فلان
стр. 209
مضطرب الحديث فلان لا يحتج به فلان مجهول فلان لا شيء فلان ليس بذاك وربما قيل ليس بذاك القوي فلان فيه أو في حديثه ضعف وهو في الجرح أقل من قولهم فلان ضعيف الحديث فلان ما أعلم به بأسا وهو في التعديل دون قولهم لا بأس به.
وما من لفظة منها ومن أشباهها إلا ولها نظير شرحناه أو أصل أصلناه يتنبه١ إن شاء الله تعالى به عليها. انتهى.
قوله ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره أراد بعدم الشرح أنهم لم يبينوا ألفاظ التوثيق من أي رتبة هي من الثانية أو الثالثة مثلا وكذلك ألفاظ التجريح لم يبينوا من أي منزلة هي وليس المراد أنهم لم يبينوا هل هي من ألفاظ التوثيق أو التجريح فإن هذا أمر لا يخفى على أهل الحديث.
وقد ذكر المصنف إحدى عشرة لفظة منها أربعة ألفاظ للتوثيق وهي فلان روى عنه الناس وفلان وسط وفلان مقارب الحديث وفلان ما أعلم به بأسا.
وهذه الأربعة من الرتبة الرابعة من التوثيق وهي الأخيرة.
ومنها سبعة ألفاظ للجرح منها أربعة في الرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ الجرح فلان ليس بذاك فلان ليس بذاك القوي فلان فيه ضعف فلان في حديثه ضعف.
وفي الرتبة الثانية لفظتان وهي أشد في الجرح من التي قبلها فلان لا يحتج به٢ فلان مضطرب الحديث.
وفي الثالثة لفظة واحدة وهي أشد من اللتين قبلها وهي فلان لا شيء.
стр. 210
وذكر فيها أيضا فلان مجهول وقد تقدم ذكر المجهول وأنه على ثلاثة أقسام فلا حاجة إلى ذكره.
وقوله: مقارب الحديث بكسر الراء كذا ضبطه النووي في مختصريه١ تبعا للمصنف فيما قرئ عليه.
واعترض بعضهم بأن ابن السيد حكي فيه الوجهين الكسر والفتح وجعل الكسر من ألفاظ التعديل والفتح من ألفاظ التجريح.
ورد بأن الوجهين معا للتعديل وممن حكى الوجهين ابن العربي في الأحوذي شرح الترمذي٢ وكذلك ضبط بالوجهين في نسخ البخاري الصحيحة.
وممن ذكرهما٣ في التوثيق الذهبي وكأن المعترض فهم من فتح الراء أن الشيء المقارب هو الردي وليس كذلك وإنما هي لفظة عامية.
نعم هي على الوجهين من قوله سددوا وقاربوا فمن كسر قال: إن معناه أن حديثه مقاربه٤ حديث غيره ومن فتح قال: معناه أن حديثه مقاربه حديث غيره إذ صيغة فاعل تقتضي المشاركة غالبا.
وقال الجوهري رجل مقارب ومتاع مقارب أي ولا يقال بالفتح.
وأهمل المصنف من ألفاظ التوثيق من المرتبة الثانية على رأي المصنف لا على رأي الذهبي قولهم فلان مأمون فلان خيار.
ومن المرتبة الثالثة أو الرابعة فلان إلى الصدق ما هو فلان جيد الحديث فلان حسن الحديث فلان صويلح فلان صدوق إن شاء الله فلان أرجو أنه لا بأس به.
стр. 211
وأما ألفاظ التجريح فمن المرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ التجريح فلان فيه مقال فلان ضعف فلان تعرف وتنكر فلان ليس بالمتين أو ليس بحجة أو ليس بعمدة أو ليس بالمرضى وفلان للضعف ما هو وسيئ الحفظ وفيه خلف وطعنوا فيه وتكلموا فيه.
ومن المرتبة الثانية وهي أشد من الأولى فلان واه فلان ضعفوه فلان منكر الحديث.
ومن المرتبة الثالثة وهي أشد منهما فلان ضعيف جدا فلان واه بمرة فلان لا يساوي شيئا فلان مطرح وطرحوا حديثه وارم١ به ورد حديثه.
ومن المرتبة الرابعة فلان متهم بالكذب وهالك وليس بثقة ولا يعتبر به وفيه نظر وسكتوا عنه.
وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه.
ومن المرتبة الخامسة ولم يذكرها المصنف فلان وضاع فلان دجال.
ولهم ألفاظ أخر يستدل بهذه عليها.
стр. 212
النوع الرابع والعشرون: معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
اعلم أن طرق نقل الحديث وتحمله على أنواع متعددة ولنقدم على بيانها بيان أمور:
أحدها: يصح التحمل قبل وجود الأهلية فتقبل رواية من تحمل قبل الإسلام وروى بعده وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده.
ومنع من ذلك قوم فأخطئوا لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة الحسن بن علي وابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأشباههم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده.
ولم يزالوا قديما وحديثا يحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع ويعتدون بروايتهم لذلك.
الثاني: قال: أبو عبد الله الزبيري يستحب كتب الحديث في العشرين لأنها مجتمع العقل قال١ وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض.
وورد عن سفيان الثوري قال: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة.
وقيل لموسى بن إسحاق كيف لم تكتب عن أبي نعيم فقال كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارا حتى يستكملوا عشرين سنة.
وقال موسى بن هارون أهل البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل الكوفة لعشرين وأهل الشام لثلاثين.
стр. 213
قلت وينبغي بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد أن يبكر بإسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه
وأما الاشتغال بكتبة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له.
وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وليس ينحصر في سن مخصوص كما سبق آنفا عن قوم. انتهى.
مثال من تحمل قبل الإسلام وروى بعده حديث جبير بن مطعم المتفق على صحته لما جاء في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم فسمع النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور.
وفي البخاري: "وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي"
وممن تحمل أيضا قبل البلوغ الحسن بن علي والسائب بن يزيد والمسور بن مخرمة وغيرهم.
قال الثالث: اختلفوا في أول زمان يصح فيه سماع الصغير.
فروينا عن موسى بن هارون الحمال١ أنه سئل متى يسمع الصبي الحديث فقال إذا فرق بين البقرة والدابة وفي رواية بين البقرة والحمار.
وعن أحمد أنه سئل متى يجوز سماع الصبي للحديث فقال إذا عقل وضبط فذكر له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة فأنكر قوله وقال بئس القول.
وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأشيري عن القاضي عياض بن موسى السبتي اليحصبي قال: حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع.
وذكر رواية البخاري في صحيحه بعد أن ترجم متى يصح سماع الصغير بإسناده عن محمود بن الربيع قال: "عقلت من النبي صلي الله عليه وسلم مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو".
стр. 214
وفي رواية أخرى أنه كان ابن أربع سنين.
قلت التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين فيكتبون لابن خمس فصاعدا سمع ولمن لم يبلغ خمسا حضر أو أحضر.
والذي ينبغي في ذلك أن نعتبر في كل صغير حاله على الخصوص فإن وجدناه مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب وردا للجواب١ ونحو ذلك صححنا سماعه وإن كان دون خمس وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين.
وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: رأيت صبيا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع يبكي.
وعن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني قال: حفظت القرآن ولي خمس سنين وحملت إلى أبي بكر المقرئ لأسمع منه ولي أربع سنين فقال بعض الحاضرين لا تسمعوا له فيما قرئ فإنه صغير فقال لي ابن المقرئ اقرأ سورة الكافرون فقرأتها فقال اقرأ سورة التكوير فقرأتها فقال لي غيره اقرأ سورة المرسلات فقرأتها ولم أغلظ فيها.
قال ابن المقرئ سمعوا له والعهدة٢ علي.
وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على صحة ذلك من ابن خمس لمثل٣ محمود ولا يدل على انتفاء الصحة فيمن لم يكن٤ ابن خمس ولا على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود ﵁. انتهى.
اختلفوا في السن الذي يصح فيه السماع على أربعة أقوال أصحها عند الجمهور أن أقل ذلك خمس سنين لما رواه البخاري والنسائي وابن ماجة من حديث محمود بن الربيع.
قال ابن عبد البر: حفظ ذلك عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين.
стр. 215
والقول الثاني: اعتبار تمييزه على الخصوص.
الثالث: خمس عشرة سنة.
والرابع: إذا فرق بين البقرة والداب قاله موسى بن هارون الحمال.
وأما ما حكاه عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن الصبي فقد أجاد بقوله وقد بلغنا إذ لم يأت بصيغة الجزم لأن الصغير كان ضئيل١ الخلقة فظن أنه صغير ابن أربع سنين وقد رواها الخطيب بسنده في كفايته وفي السند أحمد ابن كامل القاضي قال: الدارقطني كان متساهلا ربما حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه وأهلكه العجب فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء الأئمة٢ أصلا.
وقال صاحب الميزان كان يعتمد على حفظه فيهم.
فائدة كان ينبغي للمصنف أن يذكر حديث عبد الله بن الزبير فإنه أولى من ذكر حديث محمود بن الربيع.
ففي البخاري ثنا أحمد بن محمد أنا عبد الله بن المبارك أنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا فلما رجعت قلت يا أبة٣ رأيتك تختلف قال: قال٤ أو هل رأيتني يا بني قلت نعم قال: كان النبي٥ صلي الله عليه وسلم قال: "من يأتي٦ بني قريظة فيأتني بخبرهم" فانطلقت فلما رجعت جمع لي النبي عليه السلام٧ أبويه فقال: "فداك أبي وأمي".
قال البخاري وغيره كانت الأحزاب وهي غزوة الخندق في شوال سنة أربع وولد عبد الله بن الزبير على ما ذكر البخاري وغيره بعد الهجرة في