وأما ألفاظ التجريح فمن المرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ التجريح فلان فيه مقال فلان ضعف فلان تعرف وتنكر فلان ليس بالمتين أو ليس بحجة أو ليس بعمدة أو ليس بالمرضى وفلان للضعف ما هو وسيئ الحفظ وفيه خلف وطعنوا فيه وتكلموا فيه.
ومن المرتبة الثانية وهي أشد من الأولى فلان واه فلان ضعفوه فلان منكر الحديث.
ومن المرتبة الثالثة وهي أشد منهما فلان ضعيف جدا فلان واه بمرة فلان لا يساوي شيئا فلان مطرح وطرحوا حديثه وارم١ به ورد حديثه.
ومن المرتبة الرابعة فلان متهم بالكذب وهالك وليس بثقة ولا يعتبر به وفيه نظر وسكتوا عنه.
وهاتان العبارتان يقولهما البخاري فيمن تركوا حديثه.
ومن المرتبة الخامسة ولم يذكرها المصنف فلان وضاع فلان دجال.
ولهم ألفاظ أخر يستدل بهذه عليها.
стр. 212
النوع الرابع والعشرون: معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه
اعلم أن طرق نقل الحديث وتحمله على أنواع متعددة ولنقدم على بيانها بيان أمور:
أحدها: يصح التحمل قبل وجود الأهلية فتقبل رواية من تحمل قبل الإسلام وروى بعده وكذلك رواية من سمع قبل البلوغ وروى بعده.
ومنع من ذلك قوم فأخطئوا لأن الناس قبلوا رواية أحداث الصحابة الحسن بن علي وابن عباس وابن الزبير والنعمان بن بشير وأشباههم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وما بعده.
ولم يزالوا قديما وحديثا يحضرون الصبيان مجالس التحديث والسماع ويعتدون بروايتهم لذلك.
الثاني: قال: أبو عبد الله الزبيري يستحب كتب الحديث في العشرين لأنها مجتمع العقل قال١ وأحب أن يشتغل دونها بحفظ القرآن والفرائض.
وورد عن سفيان الثوري قال: كان الرجل إذا أراد أن يطلب الحديث تعبد قبل ذلك عشرين سنة.
وقيل لموسى بن إسحاق كيف لم تكتب عن أبي نعيم فقال كان أهل الكوفة لا يخرجون أولادهم في طلب الحديث صغارا حتى يستكملوا عشرين سنة.
وقال موسى بن هارون أهل البصرة يكتبون لعشر سنين وأهل الكوفة لعشرين وأهل الشام لثلاثين.
стр. 213
قلت وينبغي بعد أن صار الملحوظ إبقاء سلسلة الإسناد أن يبكر بإسماع الصغير في أول زمان يصح فيه سماعه
وأما الاشتغال بكتبة الحديث وتحصيله وضبطه وتقييده فمن حين يتأهل لذلك ويستعد له.
وذلك يختلف باختلاف الأشخاص وليس ينحصر في سن مخصوص كما سبق آنفا عن قوم. انتهى.
مثال من تحمل قبل الإسلام وروى بعده حديث جبير بن مطعم المتفق على صحته لما جاء في فداء أسارى بدر قبل أن يسلم فسمع النبي صلي الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور.
وفي البخاري: "وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي"
وممن تحمل أيضا قبل البلوغ الحسن بن علي والسائب بن يزيد والمسور بن مخرمة وغيرهم.
قال الثالث: اختلفوا في أول زمان يصح فيه سماع الصغير.
فروينا عن موسى بن هارون الحمال١ أنه سئل متى يسمع الصبي الحديث فقال إذا فرق بين البقرة والدابة وفي رواية بين البقرة والحمار.
وعن أحمد أنه سئل متى يجوز سماع الصبي للحديث فقال إذا عقل وضبط فذكر له عن رجل أنه قال: لا يجوز سماعه حتى يكون له خمس عشرة سنة فأنكر قوله وقال بئس القول.
وأخبرني الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن عبد الله الأسدي عن أبي محمد عبد الله بن محمد الأشيري عن القاضي عياض بن موسى السبتي اليحصبي قال: حدد أهل الصنعة في ذلك أن أقله سن محمود بن الربيع.
وذكر رواية البخاري في صحيحه بعد أن ترجم متى يصح سماع الصغير بإسناده عن محمود بن الربيع قال: "عقلت من النبي صلي الله عليه وسلم مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو".
стр. 214
وفي رواية أخرى أنه كان ابن أربع سنين.
قلت التحديد بخمس هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين فيكتبون لابن خمس فصاعدا سمع ولمن لم يبلغ خمسا حضر أو أحضر.
والذي ينبغي في ذلك أن نعتبر في كل صغير حاله على الخصوص فإن وجدناه مرتفعا عن حال من لا يعقل فهما للخطاب وردا للجواب١ ونحو ذلك صححنا سماعه وإن كان دون خمس وإن لم يكن كذلك لم نصحح سماعه وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين.
وقد بلغنا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: رأيت صبيا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون قد قرأ القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع يبكي.
وعن القاضي أبي محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني قال: حفظت القرآن ولي خمس سنين وحملت إلى أبي بكر المقرئ لأسمع منه ولي أربع سنين فقال بعض الحاضرين لا تسمعوا له فيما قرئ فإنه صغير فقال لي ابن المقرئ اقرأ سورة الكافرون فقرأتها فقال اقرأ سورة التكوير فقرأتها فقال لي غيره اقرأ سورة المرسلات فقرأتها ولم أغلظ فيها.
قال ابن المقرئ سمعوا له والعهدة٢ علي.
وأما حديث محمود بن الربيع فيدل على صحة ذلك من ابن خمس لمثل٣ محمود ولا يدل على انتفاء الصحة فيمن لم يكن٤ ابن خمس ولا على الصحة فيمن كان ابن خمس ولم يميز تمييز محمود ﵁. انتهى.
اختلفوا في السن الذي يصح فيه السماع على أربعة أقوال أصحها عند الجمهور أن أقل ذلك خمس سنين لما رواه البخاري والنسائي وابن ماجة من حديث محمود بن الربيع.
قال ابن عبد البر: حفظ ذلك عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين.
стр. 215
والقول الثاني: اعتبار تمييزه على الخصوص.
الثالث: خمس عشرة سنة.
والرابع: إذا فرق بين البقرة والداب قاله موسى بن هارون الحمال.
وأما ما حكاه عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن الصبي فقد أجاد بقوله وقد بلغنا إذ لم يأت بصيغة الجزم لأن الصغير كان ضئيل١ الخلقة فظن أنه صغير ابن أربع سنين وقد رواها الخطيب بسنده في كفايته وفي السند أحمد ابن كامل القاضي قال: الدارقطني كان متساهلا ربما حدث من حفظه بما ليس عنده في كتابه وأهلكه العجب فإنه كان يختار ولا يضع لأحد من العلماء الأئمة٢ أصلا.
وقال صاحب الميزان كان يعتمد على حفظه فيهم.
فائدة كان ينبغي للمصنف أن يذكر حديث عبد الله بن الزبير فإنه أولى من ذكر حديث محمود بن الربيع.
ففي البخاري ثنا أحمد بن محمد أنا عبد الله بن المبارك أنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال: كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر بن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثا فلما رجعت قلت يا أبة٣ رأيتك تختلف قال: قال٤ أو هل رأيتني يا بني قلت نعم قال: كان النبي٥ صلي الله عليه وسلم قال: "من يأتي٦ بني قريظة فيأتني بخبرهم" فانطلقت فلما رجعت جمع لي النبي عليه السلام٧ أبويه فقال: "فداك أبي وأمي".
قال البخاري وغيره كانت الأحزاب وهي غزوة الخندق في شوال سنة أربع وولد عبد الله بن الزبير على ما ذكر البخاري وغيره بعد الهجرة في
стр. 216
السنة الثانية أو السنة الأولى على خلاف فيه حكاه ابن عبد البر فعلى هذا يكون حال تحمله لهذا الحديث أصغر سنا من محمود بن الربيع.
فانظر لأي شيء لم يذكره البخاري أيضا في باب "متى يصح سماع الصغير" مع أنه أمضى في السماع من حديث محمود بن الربيع.
قال بيان أقسام طرق نقل الحديث وتحمله ومجامعها ثمانية أقسام.
الأول السماع من لفظ الشيخ وهو ينقسم إلى إملاء وتحديث من غير إملاء وسواء أكان١ من حفظه أو من كتابه وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماهير وفيما نرويه عن القاضي عياض٢ قوله لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع٣ حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت فلانا يقول وقال لنا فلان وذكر لنا فلان.
قلت في هذا نظر وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصا بما سمع من غير لفظ الشيخ على ما نبينه إن شاء الله تعالى أن لا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ لما فيه من الإيهام والإلباس.
وذكر أبو بكر الخطيب أن أرفع العبارات في ذلك سمعت ثم حدثنا وحدثني فإنه لا يكاد أحد يقول سمعت في أحاديث الإجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه.
وكان بعض أهل العلم يقول فيما أجيز له حدثنا.
وروي عن الحسن أنه كان يقول حدثنا أبو هريرة ويتأول٤ أنه حدث أهل المدينة وكان الحسن إذ ذاك بها إلا أنه لم يسمع منه شيئا.
قلت ومنهم من أثبت له سماعا من أبي هريرة.
ثم يتلو ذلك قول أخبرنا وهو كثير في الاستعمال حتى إن جماعة من أهل العلم كانوا لا يكادون يخبرون فيما٥ سمعوه من لفظ من حدثهم إلا بقولهم:
стр. 217
أخبرنا منهم حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك وهشيم بن بشير وعبيد الله بن موسى وعبد الرزاق بن همام ويزيد بن هارون وعمرو بن عون ويحيى بن يحيى التميمي وإسحاق بن راهويه وأبو مسعود أحمد بن الفرات ومحمد بن أيوب الرازيان وغيرهم.
وذكر الخطيب عن محمد بن رافع قال: كان عبد الرزاق يقول أخبرنا حتى قدم أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فقالا له قل حدثنا لكل ما١ سمعت مع هؤلاء قال: حدثنا وما كان قبل ذلك قال: أخبرنا.
وعن محمد بن أبي الفوارس الحافظ قال: هشيم ويزيد بن هارون وعبد الرزاق لا يقولون إلا أخبرنا فإذا رأيت حدثنا فهو من خطأ الكاتب.
قلت وكان هذا كله قبل أن يشيع تخصيص أخبرنا بما قرئ على الشيخ.
ثم يتلو قول أخبرنا قول أنبأنا وهو قليل في الاستعمال.
قلت حدثنا وأخبرنا أرفع من سمعت من جهة أخرى وهي أنه ليس في سمعت دلالة على أن الشيخ رواه الحديث وخاطبه به وفي حدثنا وأخبرنا دلالة على أنه خاطبه به ورواه له أو هو ممن فعل به ذلك سأل الخطيب أبو بكر شيخه أبا بكر البرقاني عن السر في كونه يقول فيما رواه لهم عن أبي القاسم عبد الله بن إبراهيم الجرجاني الآبندونى٢ سمعت ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا فذكر له أن أبا القاسم كان مع ثقته وصلاحه عسرا٣ في الرواية
стр. 218
فكان البرقاني يجلس بحيث لا يراه أبو القاسم ولا يعلم بحضوره ليسمع١ منه ما يحدث به الشخص الداخل إليه فلذلك يقول سمعت ولا يقول حدثنا ولا أخبرنا لأن قصده كان الرواية للداخل إليه وحده.
وأما قوله قال: لنا فلان أو ذكر لنا فلان فهو من قبيل قوله حدثنا فلان غير أنه لائق بما سمعه منه في المذاكرة وهو به أشبه من حدثنا.
وقد حكينا في فصل التعليق عقيب النوع الحادي عشر عن كثير من المحدثين استعمال ذلك معبرين به عما جرى بينهم في المذاكرات والمناظرات.
وأوضع العبارات في ذلك أن يقول قال: فلان أو ذكر فلان من غير ذكر قوله لي ولنا ونحو ذلك.
وقد قدمنا في فصل الإسناد المعنعن أن ذلك وما أشبهه من الألفاظ محمول عندهم على السماع إذا عرف لقاؤه له وسماعه منه على الجملة لا سيما إذا عرف من حاله أنه لا يقول قال: فلان إلا فيما سمعه منه.
وقد كان حجاج بن محمد الأعور يروي عن ابن جريج كتبه ويقول فيها قال: ابن جريج فحملها الناس عنه واحتجوا برواياته وكان قد عرف من حاله أنه لا يروي إلا ما سمعه.
وقد خصص الخطيب أبو بكر القول بحمل ذلك على السماع بمن عرف من عادته مثل ذلك.
والمحفوظ المعروف ما قدمناه٢. انتهى.
قوله ومنهم من أثبت له أي للحسن سماعا من أبي هريرة وهذا ضعيف جدا فقد قال: أبو زرعة وأبو حاتم من قال: عن الحسن ثنا أبو هريرة فقد أخطأ قالا والذي عليه العمل أنه لم يسمع منه شيئا.
وكذا قال: أيوب وبهز ابن أسد والترمذي والنسائي والخطيب وقال يونس ابن عبيد ما رآه قط.
стр. 219
قال ابن القطان واعلم أن حدثنا ليست بنص في أن قائلها سمع١ ففي صحيح مسلم حديث الذي يقتله الدجال فيقول أنت الدجال الذي حدثنا به رسول الله ﷺ .
قال ومعلوم أن ذلك الرجل متأخر الميقات. انتهى.
فيكون مراده حدث أمته وهو منها.
وقال معمر إنه الخضر وحينئذ فلا مانع من سماعه.
وقوله: قال: لنا فلان أو ذكر لنا فلان أي ونحو ذلك مما ذكر فيه الجار والمجرور نحو قال: لي أو ذكر لي وأن ذلك من قبيل قوله ثنا فلان إلى آخره.
خالف فيه أبو عبد الله بن مندة في جزء له فقال إن البخاري حيث قال: قال لي فلان فهو إجازة وحيث قال: قال فلان فهو تدليس ورد العلماء كلام ابن مندة هذا كما سيأتي.
ولما ذكر أبو الحسن بن القطان تدليس الشيوخ قال: وأما البخاري فذلك عنه باطل.
قال القسم الثاني: من أقسام الأخذ والتحمل القراءة على الشيخ وأكثر المحدثين يسمونها عرضا من حيث إن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقرئ وسواء كنت أنت القارئ أو قرأ غيرك وأنت تسمع أو٢ قرأت من كتاب أو من حفظك أو كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه أو لا يحفظه لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره.
ولا خلاف أنها رواية صحيحة إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه.
стр. 220
واختلفوا في أنها مثل السماع من لفظ الشيخ في المرتبة أو دونه أو فوقه فنقل عن أبي حنيفة وابن أبي ذئب وغيرهما ترجيح القراءة على الشيخ على السماع من لفظه وروي ذلك عن مالك أيضا وروي عن مالك وغيره أنهما سواء وقد قيل إن التسوية بينهما مذهب معظم علماء الحجاز والكوفة ومذهب مالك وأصحابه وأشياخه من علماء المدينة ومذهب البخاري وغيرهم.
والصحيح ترجيح السماع من لفظ الشيخ والحكم بأن القراءة عليه مرتبة ثانية.
وقد قيل إن هذا مذهب جمهور أهل المشرق.
وأما العبارة عنها عند الرواية بها١ فهي على مراتب.
أجودها وأسلمها أن يقول قرأت على فلان أو قرئ على فلان وأنا أسمع فأقر به فهذا سائغ من غير إشكال
ويتلو ذلك ما يجوز من العبارات في السماع من لفظ الشيخ مطلقة إذا أتى بها ههنا مقيدة بأن يقول حدثنا فلان قراءة عليه أو أخبرنا قراءة عليه ونحو ذلك وكذلك أنشدنا قراءة عليه في الشعر.
وأما إطلاق حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ فقد اختلفوا فيه على مذاهب فمن أهل الحديث من منع منهما جميعا.
وقيل٢ إنه قول ابن المبارك ويحيى بن يحيى التميمي وأحمد والنسائي وغيرهم.
ومنهم من ذهب إلى تجويز ذلك وأنه كالسماع من لفظ الشيخ في جواز إطلاق حدثنا وأخبرنا وأنبأنا.
وقد قيل إن هذا مذهب معظم الحجازيين والكوفيين وقول الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان في آخرين من الأئمة المتقدمين وهو مذهب البخاري في جماعة من المحدثين.
ومن هؤلاء من أجاز فيها أيضا أن يقول سمعت فلانا.
стр. 221
والمذهب الثالث: الفرق بينهما في ذلك والمنع من إطلاق حدثنا وتجويز إطلاق أخبرنا وهو مذهب الشافعي وأصحابه وهو منقول عن مسلم وجمهور أهل المشرق.
وذكر صاحب كتاب الإنصاف محمد بن الحسن التميمي الجوهري المصري أن هذا مذهب الأكثر من أصحاب الحديث الذين١ لا يحصيهم أحد وأنهم جعلوا أخبرنا علما يقوم مقام قول قائله أنا قرأته عليه لا أنه لفظ به لي قال: وممن كان يقول به من أهل زماننا أبو٢ عبد الرحمن النسائي في آخرين من الأئمة في جماعة مثله من محدثينا.
قلت وقد قيل إن أول من أحدث الفرق بين هذين اللفظين ابن وهب بمصر وهذا يدفعه أن ذلك مروي عن ابن جريج والأوزاعي حكاه عنهما الخطيب أبو بكر إلا أن يعني أنه أول من فعل ذلك بمصر.
قلت الفرق بينهما صار هو الشائع الغالب على أهل الحديث والاحتجاج لذلك من حيث اللغة عنآء وتكلف وخير ما يقال فيه أنه اصطلاح بينهم٣ أرادوا به التمييز بين النوعين ثم خصص النوع الأول بقول حدثنا لقوة إشعاره بالنطق والمشافهة.
ومن أحسن ما يحكى عمن يذهب هذا المذهب ما حكاه أبو بكر البرقاني عن أبي حاتم محمد بن يعقوب الهروي أحد رؤسآء أهل الحديث بخراسان أنه قرأ على بعض الشيوخ عن الفربري صحيح البخاري وكان يقول له٤ في كل حديث حدثكم الفربري فلما فرغ من الكتاب سمع الشيخ يذكر أنه سمع الكتاب من الفربري قراءة عليه فأعاد أبو حاتم قراءة الكتاب كله وقال له في جميعه أخبركم الفربري. انتهى.
стр. 222
أهمل المصنف صورة حكمها حكم صور العرض وهي ما إذا كان ثقة من السامعين يحفظ ما يقرأ على الشيخ والحافظ لذلك مستمع لما يقرأ غير غافل عنه فإنه يكفي أيضا.
والمراد بقوله من لا يعتد بخلافه هو أبو عاصم النبيل رواه الرامهرمزي١ عنه.
وروى الخطيب عن وكيع قال: ما أخذت حديثا قط عرضا وعن محمد بن سلام أنه أدرك مالك بن أنس والناس يقرأون عليه فلم يسمع منه لذلك.
وكذلك عبد الرحمن بن سلام٢ الجمحي لم يكتف بذلك فقال مالك أخرجوه عني.
وممن قال: بصحتها من التابعين عطاء ونافع وعروة وابن جريج٣ والثوري وابن أبي ذئب وشعبة والأئمة الأربعة وابن مهدي وشريك والليث وأبو عبيد والبخاري في خلق لا يحصون كثرة.
واستدل البخاري على ذلك بحديث ضمام بن ثعلبة وهو في الصحيح.
قوله وروى عن مالك وغيره أنهما سوآء أي القرآءة على الشيخ والسماع من لفظه وحكاه أبو بكر الصيرفي في كتاب الدلائل٤ عن الشافعي فقال وباب الحديث عند الشافعي ﵀ في القرآءة على المحدث والقرآءة منه سوآء.
قوله فأعاد أبو حاتم قرآءة الكتاب كله أي لأنه يرى أنه لا بد من ذكر السند في كل حديث وإن كان الإسناد واحدا إلى صاحب الكتاب وذلك من التشديد في الرواية وإلا فالصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادة السند في كل حديث كما سيأتي.
стр. 223
قال: تفريعات:
الأول: إذا كان أصل الشيخ عند القراءة عليه بيد غيره وهو موثوق به مراع لما يقرأ أهل لذلك فإن كان الشيخ يحفظ ما يقرأ عليه فهو كما لو كان أصله بيد نفسه بل١ أولى لتعاضد ذهنى شخصين عليه.
وإن كان الشيخ لا يحفظ ما يقرأ عليه فهذا مما اختلفوا فيه فرأي بعض أئمة الأصول٢ أن هذا سماع غير صحيح والمختار أن ذلك صحيح وبه عمل معظم الشيوخ وأهل الحديث.
وإذا كان الأصل بيد القارئ وهو موثوق به دينا ومعرفة فكذلك الحكم فيه وأولى بالتصحيح.
وأما إذا كان أصله بيد من لا يوثق بإمساكه له ولا يؤمن إهماله لما يقرأ فسواء كان بيد القارئ أو بيد غيره في أنه سماع غير معتد به إذا كان الشيخ غير حافظ للمقروء عليه. انتهى.
قوله فرأى بعض أئمة الأصول هو إمام الحرمين فإنه اختار عدم الصحة وتردد الباقلاني في ذلك ومال إلى المنع كما حكاه عنه القاضي عياض.
ووهن السلفي هذا الاختلاف لاتفاق العلماء على العمل بخلافه فإنه قال: إن الطالب إذا أراد أن يقرأ على شيخ شيئا من سماعه هل يجب أن يريه سماعه في ذلك الجزء أم يكفي إعلام الطالب الثقة الشيخ أن هذا الجزء سماعه على فلان؟ فقال السلفي: هما سيان على هذا عهدنا علماءنا عن آخرهم.
قال: ولم يزل الحفاظ قديما وحديثا يخرجون للشيوخ من الأصول فتصير تلك الفروع بعد المقابلة أصولا وهل كانت الأصول أولا إلا فروعا؟
قال الثاني: إذا قرأ القارئ على الشيخ قائلا أخبرك فلان أو قلت أخبرنا فلان أو نحو ذلك والشيخ ساكت مصغ إليه فاهم لذلك غير منكر له فهذا
стр. 224
كاف في ذلك.
واشترط بعض الظاهرية وغيرهم إقرار الشيخ نطقا١ وبه قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وأبو الفتح سليم الرازي وأبو نصر بن الصباغ من الفقهاء الشافعيين.
قال أبو نصر ليس له أن يقول حدثني أو أخبرني وله أن يعمل بما قرئ عليه وإذا أراد روايته عنه قال: قرأت عليه أو قرئ عليه وهو يسمع.
وفي حكاية بعض المصنفين للخلاف في ذلك أن بعض الظاهرية شرط إقرار الشيخ عند تمام السماع بأن يقول القارئ للشيخ هو كما قرأته عليك فيقول نعم.
والصحيح أن ذلك غير لازم وأن سكوت الشيخ على الوجه المذكور نازل منزلة تصريحه بتصديق القارئ اكتفاء بالقرائن الظاهرة.
وهذا مذهب الجماهير من المحدثين والفقهاء وغيرهم. انتهى.
قوله فهذا كاف أي مغن عن نطق الشيخ بأن يقول نعم وما أشبه ذلك وهذا مذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين والنظار وأن النطق عندهم ليس بشرط ولا يقول فيه حدثني وأخبرني كما قاله ابن الصباغ وصححه الغزالي والآمدي صححه أيضا وحكاه عن المتكلمين وحكى تجويزه عن الفقهاء والمحدثين وصححه ابن الحاجب وحكى عن الحاكم أنه مذهب الأئمة الأربعة.
ولو أشار الشيخ برأسه أو إصبعه للإقرار به ولم يتلفظ فجزم في المحصول بأنه لا يقول في الأداء حدثني ولا أخبرني ولا سمعت وهو مشكل.
قال الثالث: فيما نرويه عن الحاكم أبي عبد الله قال: الذي أختاره في الرواية وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن يقول في الذي يأخذه من المحدث لفظا وليس معه أحد حدثني فلان وما يأخذه من المحدث لفظا ومعه
стр. 225
غيره حدثنا فلان وما قرأ على المحدث بنفسه أخبرني فلان وما قرئ على المحدث وهو حاضر أخبرنا فلان.
وقد روينا نحو ما ذكره عن عبد الله بن وهب صاحب مالك ﵄ وهو حسن رائق.
فإن شك في شيء عنده أنه من قبيل حدثنا أو أخبرنا أو من قبيل حدثني أو أخبرني لتردده في أنه كان عند التحمل والسماع وحده أو مع غيره فيحتمل أن نقول ليقل حدثني أو أخبرني لأن عدم غيره هو الأصل.
ولكن ذكر علي بن عبد الله المديني الإمام عن شيخه يحيى بن سعيد القطان الإمام فيما إذا شك أن الشيخ قال: حدثني فلان أو قال: حدثنا فلان أنه يقول حدثنا وهذا يقتضي فيما إذا شك في سماع نفسه في مثل ذلك أن يقول حدثنا.
وهو عندي يتوجه بأن حدثني أكمل مرتبة وحدثنا أنقص مرتبة فليقتصر إذا شك على الناقص لأن عدم الزائد هو الأصل وهذا لطيف.
ثم وجدت الحافظ أحمد البيهقي قد اختار بعد حكايته١ قول القطان ما قدمته.
ثم إن هذا التفصيل من أصله مستحب وليس بواجب حكاه الخطيب الحافظ عن أهل العلم كافة.
فجائز إذا سمع وحده أن يقول حدثنا أو نحوه لجواز ذلك للواحد في كلام العرب.
وجائز إذا سمع في جماعة أن يقول حدثني لأن المحدث حدثه وحدث غيره. انتهى.
عبارة ابن وهب ذكرها الترمذي في العلل فقال ما قلت ثنا فهو ما سمعت مع الناس وما قلت حدثني فهو ما سمعت وحدي وما قلت أنا فهو ما قرئ على العالم وأنا شاهد وما قلت أخبرني فهو ما قرأت على العالم.
стр. 226
وفي كلام الحاكم وابن وهب أن القارئ يقول أخبرني سوآء سمع معه غيره أم لا.
وقال ابن دقيق العيد في الاقتراح إن القارئ إذا كان معه غيره يقول أنا فسوى بين مسألتي التحديث والإخبار.
قوله فإن شك في شيء عنده إلى آخره سوى بين الشك في أنه هل سمع من لفظ الشيخ وحده أو كان معه غيره وبين ما إذا شك هل قرأ هو بنفسه على الشيخ أو سمع عليه بقراءة غيره.
وما قاله ظاهر في المسألة الأولى وأما المسألة الثانية فإنه يتحقق فيها سماع نفسه ويشك هل قرأ بنفسه أم لا.
والأصل أنه لم يقرأ هذا على ما ذكره المصنف تبعا للحاكم أن القارئ يقول أخبرني سوآء سمع بقراءته معه غيره أم لا أما إذا قلنا بما جزم به ابن دقيق العيد من أن القارئ إذا كان معه غيره يقول أخبرنا فيتجه أن يقال الأصل عدم الزائد.
والأحسن فيما إذا شك هل قرأ بنفسه أو سمع بقرآءة غيره ما حكاه الخطيب عن البرقاني أنه ربما شك في الحديث هل قرأ هو أو قرئ وهو يسمع فيقول فيه.
قرأنا على فلان فإنه يسوغ إتيانه بهذه الصيغة فيما قرأه بنفسه وفيما سمعه بقرآءة غيره بل لو تحقق أن الذي قرأ غيره فلا بأس أن يقول قرأنا قاله أحمد بن صالح المصري حين سئل عنه.
وقال النفيلي قرأنا على مالك وإنما قرئ على مالك وهو يسمع.
قال الرابع: روينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال: اتبع لفظ الشيخ في قوله حدثنا وحدثني وسمعت وأخبرنا ولا تعدوه١.
قلت ليس لك فيما تجده في الكتب المؤلفة من روايات من تقدمك أن تبدل في نفس الكتاب ما قيل فيه أخبرنا ب حدثنا ونحو ذلك وإن كان في إقامة أحدهما مقام الآخر خلاف وتفصيل سبق لاحتمال أن يكون من قال: ذلك ممن٢ لا يرى التسوية بينهما.
стр. 227
ولو وجدت من ذلك إسنادا عرفت من مذهب رجاله التسوية بينهما فإقامتك أحدهما مقام الآخر من باب تجويز الرواية بالمعنى.
وذلك وإن كان فيه خلاف معروف فالذي نراه الامتناع من إجراء مثله في إبدال ما وضع في الكتب المصنفة والمجامع المجموعة على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وما ذكره الخطيب أبو بكر في كفايته من إجراء ذلك الخلاف في هذا فمحمول عندنا على ما يسمعه الطالب من لفظ المحدث غير موضوع في كتاب مؤلف. انتهى.
ضعف ابن دقيق العيد كلام المصنف قال: وأقل ما فيه أنه يقتضي تجويز هذا فيما ينقل من المصنفات المتقدمة إلى أجزائنا وتخاريجنا فإنه ليس فيه تغيير التصنيف المتقدم.
قال وليس هذا جاريا على الاصطلاح.
وكلام المصنف يقتضي أنه إذا نقل حديث من كتاب وعزى إليه لا يجوز فيه الإبدال سوآء نقلناه في تأليف لنا أو لفظا.
نعم تعليل المصنف المنع باحتمال أن يكون من قال: ذلك ممن لا يرى التسوية بين أخبرنا وحدثنا ليس بجيد من حيث أن الحكم لا يختلف في الجائز والممتنع بأن يكون الشيخ يرى الجائز ممتنعا أو الممتنع جائزا.
وقد صرح أهل الحديث بذلك في مواضع منها أن يكون الشيخ يرى جواز إطلاق ثنا وأنا في الإجازة وأذن للطالب أن يقول ذلك إذا روى عنه بالإجازة فإنه لا يجوز ذلك للطالب وإن أذن له الشيخ وقد صرح به المصنف.
ولذلك أيضا لم يشترطوا في جواز الرواية بالمعنى أن لا يكون في الإسناد من يمنع ذلك كابن سيرين بل جوزوا الرواية بالمعنى بشروط ليس منها هذا.
قال الخامس: اختلف أهل العلم في صحة سماع من ينسخ وقت القراءة فورد عن الإمام إبراهيم الحربى وأبي أحمد بن عدي الحافظ والأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني الفقيه الأصولي وغيرهم نفي ذلك.
стр. 228
وروينا عن أبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي١ أحد أئمة الشافعيين بخراسان أنه سئل عمن يكتب في السماع فقال يقول حضرت ولا يقل حدثنا ولا أخبرنا.
وورد عن موسى بن هارون الحمال تجويز ذلك.
وعن أبي حاتم الرازي قال: كتبت عند عارم٢ وهو يقرأ وكتبت عند عمرو بن مرزوق وهو يقرأ
وعن عبد الله بن المبارك أنه قرئ عليه وهو ينسخ شيئا آخر غير ما يقرأ.
ولا فرق بين النسخ من السامع والنسخ من المسمع.
قلت وخير من هذا الإطلاق التفصيل فنقول لا يصح السماع إذا كان النسخ بحيث يمتنع معه فهم الناسخ لما يقرأ حتى يكون الواصل إلى سمعه كأنه صوت غفل ويصح إذا كان بحيث لا يمتنع معه الفهم كمثل ما روينا عن الحافظ العالم أبي الحسن الدارقطني أنه حضر في حداثته مجلس إسماعيل الصفار فجلس ينسخ جزءا كان معه وإسماعيل يملي فقال له بعض الحاضرين لا يصح سماعك وأنت تنسخ.
فقال فهمي للإملاء خلاف فهمك.
ثم قال: تحفظ كم أملى الشيخ من حديث إلى الآن فقال لا فقال الدارقطني أملى ثمانية عشر حديثا فعدت الأحاديث فوجدت كما قال.
ثم قال: أبو الحسن الحديث الأول منها عن فلان عن فلان ومتنه كذا والحديث الثاني: عن فلان عن فلان ومتنه كذا ولم يزل يذكر أسانيد الأحاديث ومتونها على ترتيبها في الإملاء حتى أتى على آخرها فتعجب الناس منه. انتهى.
قال ابن كثير وكان شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي يكتب في مجلس السماع وينعس في بعض الأحيان ويرد على القارئ ردا جيدا بينا واضحا بحيث يتعجب القارئ من نفسه أنه يغلط فيما في يده وهو مستيقظ والشيخ ناعس وهو أنبه
стр. 229
منه ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
وأبو حاتم هو محمد بن إدريس بن المنذر بن داود بن مهران الحنظلي مولى تميم من حنظلة وقيل إنما قيل له الحنظلي لأنه سكن درب حنظلة بالري.
روي عن يونس بن عبد الأعلى أنه قال: أبو زرعة وأبو حاتم إماما خراسان١ وبقاؤهما صلاح للمسلمين ثم دعا لهما.
توفي سنة سبع وسبعين ومائتين.
قال السادس: ما ذكرناه في النسخ من التفصيل يجري مثله فيما إذا كان الشيخ أو السامع يتحدث أو كان القارئ خفيف القراءة يفرط في الإسراع أو كان يهينم بحيث يخفى بعض الكلام٢ أو كان السامع بعيدا عن القارئ وما أشبه ذلك.
ثم الظاهر أنه يعفى في ذلك٣ عن القدر اليسير نحو الكلمة والكلمتين.
ويستحب للشيخ أن يجيز لجميع السامعين رواية جميع الجزء أو الكتاب الذي سمعوه وإن جرى على كله اسم السماع.
وإذا بذل٤ لأحد منهم خطه بذلك كتب أنه سمع مني هذا الكتاب وأجزت له روايته عني أو نحو هذا كما كان بعض الشيوخ يفعل.
وفيما٥ نرويه عن الفقيه أبي محمد بن أبي عبد الله بن عتاب الفقيه الأندلسي عن أبيه أنه قال: لا غنى في السماع عن الإجازة لأنه قد يغلط القارئ ويغفل الشيخ أو يغلط الشيخ إن كان القارئ ويغفل السامع فينجبر له ما فاته بالإجازة.
هذا الذي ذكرناه تحقيق حسن.
وقد روينا٦ عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي الشيخ
стр. 230
يدغم الحرف يعرف أنه كذا وكذا ولا يفهم عنه ترى أن يروى ذلك عنه قال: أرجو ألا يضيق هذا.
وبلغنا عن خلف بن سالم المخرمي قال: سمعت ابن عيينة يقول نا عمرو ابن دينار يريد حدثنا عمرو بن دينار لكن اقتصر من حدثنا على النون والألف فإذا قيل له قل حدثنا عمرو قال: لا أقول لأني لم أسمع من قوله حدثنا ثلاثة أحرف وهي حدث لكثرة الزحام.
قلت قد كان كثير من أكابر المحدثين يعظم الجمع في مجالسهم جدا حتى ربما بلغ ألوفا مؤلفة ويبلغهم عنهم المستملون فيكتبون عنهم١ بواسطة تبليغ المستملين فأجاز غير واحد لهم رواية ذلك عن المملي.
روينا٢ عن الأعمش قال: كنا نجلس إلى إبراهيم فتتسع الحلقة فربما يحدث بالحديث فلا يسمعه من تنحى عنه فيسأل بعضهم بعضا عما قال: ثم يروونه وما سمعوه منه.
وعن حماد بن زيد أنه سأله رجل في مثل ذلك فقال يا أبا إسماعيل كيف قلت فقال استفهم من يليك وعن ابن عيينة أن أبا مسلم المستملي قال: له إن الناس كثير لا يسمعون قال: تسمع أنت قال: نعم قال: فأسمعهم
وأبى آخرون ذلك روينا عن خلف بن تميم قال: سمعت من سفيان الثوري عشرة آلاف حديث أو نحوها فكنت أستفهم جليسي فقلت لزائدة فقال لي لا تحدث منها إلا بما تحفظ بقلبك وسمع أذنك قال: فألقيتها.
وعن أبي نعيم أنه كان يرى٣ فيما سقط عنه من الحرف الواحد والاسم٤ مما سمعه من سفيان والأعمش واستفهمه من أصحابه أن يرويه عن أصحابه لا يرى غير ذلك واسعا له.
قلت الأول تساهل بعيد وقد روينا عن أبي عبد الله ابن منده أنه قال: لواحد
стр. 231
من أصحابه يا فلان يكفيك من السماع شمه.
وهذا إما متأول أو متروك على قائله.
ثم وجدت عن عبد الغني بن سعيد عن حمزة بن محمد الحافظ بإسناده عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: يكفيك من الحديث شمه١ قال: عبد الغني قال: لنا حمزة يعني إذا سئل عن أول شيء عرفه وليس يعني التسهل في السماع. انتهى.
قال الجوهري الهينمة الصوت الخفي.
قوله ويستحب للشيخ أن يخبر السامعين لاحتمال وقوع شيء مما تقدم فينجبر بالإجازة ولذلك ينبغي لكاتب السماع أن يكتب إجازة الشيخ عقب كتابة السماع ويقال إن أول من كتب الإجازة في طباق السماع أبو طاهر إسماعيل بن عبد المحسن الأنماطي فجزاه الله خيرا.
ولقد انقطع بسبب ترك ذلك وإهماله اتصال بعض الكتب في بعض البلاد بسبب كون بعضهم كان له فوت ولم يذكر في طبقة السماع إجازة الشيخ لهم فاتفق أن كان بعض المفوتين آخر من بقي ممن سمع بعض ذلك الكتاب فتعذر قرآءة جميع الكتاب عليه كأبي الحسن بن الصواف الشاطبي راوي غالب النسائي عن ابن باقا.
واعترض على المصنف بكونه أطلق ولم يفصل والصواب أن الشيخ إن كان صحيح السماع بحيث يسمع لفظ المستملي الذي يمل عليه فالسماع صحيح ويجوز له أن يرويه عن المملي دون ذكر الواسطة كما لو سمع على الشيخ بقرآءة غيره فإن القارئ والمستملي واحد.
فإن كان في سمع الشيخ ثقل بحيث لا يسمع لفظ المستملي فإنه لا يسوغ لمن لم يسمع لفظ الشيخ أن يرويه عنه إلا بواسطة المستملي أو المبلغ له عن الشيخ أو المفهم للسامع ما لم يبلغه كما ثبت في الصحيحين من رواية عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة قال: سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول: "يكون اثنا عشر أميرا" فقال
стр. 232
كلمة لم أسمعها فقال أبي إنه قال: كلهم من قريش لفظ البخاري.
وقال مسلم ثم تكلم بكلمة خفيت علي فسألت أبي ما قال: قال كلهم من قريش.
فلم يرو جابر بي؟ سمرة الكلمة التي خفيت عليه إلا بواسطة أبيه.
ويمكن أن يستدل للقائلين بالجواز بما رواه مسلم في صحيحه من رواية عامر ابن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى جابر بن سمرة مع غلامي نافع أن أخبرني متى سمعت من رسول الله ﷺ قال: فكتب إلي سمعت رسول الله ﷺ يوم جمعة عشية رجم الأسلمي قال: "لا يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة أو يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش".
فلم يفصل جابر بن سمرة الكلمة التي لم يسمعها من النبي صلي الله عليه وسلم.
وقد يجاب عنه بأمور
أحدها: أنه يحتمل أن بعض الرواة أدرجه وفصلها الجمهور وهم عبد الملك بن عمير والشعبي وحصين وسماك بن حرب ووصله عامر.
الثاني: أن الشيخين اتفقا على رواية الفصل وانفرد مسلم برواية الوصل.
والثالث: أن رواية الجمهور سماع لهم من جابر بن سمرة ورواية عامر بن سعد١ كتابة ليست متصلة بالسماع.
الرابع: أن الإرسال جائز خصوصا إرسال الصحابة عن بعضهم فإن الصحابة كلهم عدول ولهذا كانت مراسيلهم حجة خلافا للأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني لأن الصحابة قد يروون عن التابعين.
وقال ابن كثير الواقع في زماننا اليوم أنه يحضر مجلس السماع من يفهم ومن لا يفهم والبعيد من القارئ والناعس٢ والمتحدث والصبيان الذين لا ينضبط أمرهم بل يلعبون غالبا ولا يشتغلون بمجرد السماع وكل هؤلاء قد كان
стр. 233
يكتب لهم السماع بحضرة شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي ﵀.
وبلغني عن القاضي تقي الدين سليمان المقدسي١ أنه زجر في مجلسه الشباب٢ عن اللعب فقال لا تزجروهم فإنا إنما سمعنا مثلهم.
قال السابع: يصح السماع ممن هو وراء حجاب إذا عرف صوته فيما إذا حدث بلفظه وإذا عرف حضوره بمسمع٣ منه فيما إذا قرئ عليه.
وينبغي أن يجوز الاعتماد في معرفة صوته وحضوره على خبر من يوثق به.
وقد كانوا يسمعون من عائشة وغيرها من أزواج رسول الله ﷺ من وراء حجاب ويروونه عنهن اعتمادا على الصوت.
واحتج عبد الغني بن سعيد الحافظ في ذلك بقوله صلي الله عليه وسلم: "إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم".
وروى بإسناده عن شعبة أنه قال: إذا حدثك المحدث فلم تر وجهه فلا ترو عنه فلعله شيطان قد تصور في صورته يقول حدثنا وأخبرنا.
الثامن: من سمع من شيخ حديثا ثم قال: له لا تروه عني أو لا آذن لك في روايته عني أو قال: لست أخبرك به أو رجعت عن إخباري إياك به فلا تروه عني غير مسند ذلك إلى أنه أخطأ فيه أو شك فيه ونحو ذلك بل منعه من روايته عنه مع جزمه بأنه حديثه وروايته فذلك٤ غير مبطل لسماعه ولا مانع له من روايته عنه.
وسأل الحافظ أبو سعيد بن عليك٥ النيسابوري الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني رحمهما الله عن محدث خص بالسماع قوما فجاء غيرهم وسمع
стр. 234
منه من غير علم المحدث به هل يجوز له رواية ذلك عنه فأجاب بأنه يجوز ولو قال: المحدث إني أخبركم ولا أخبر فلانا لم يضره. انتهى.
وإنما جاز من ورآء حجاب توسعا في الرواية بخلاف الشهادة لإثبات الرواية شرعا عاما بخلاف الشهادة وما أفتى به أبو إسحاق حدث به النسائي عن الحارث ابن مسكين.
قال القسم الثالث: من أقسام طرق نقل الحديث وتحمله الإجازة.
وهي متنوعة أنواعا.
أولها: أن يجيز لمعين في معين مثل أن يقول أجزت لك الكتاب الفلاني أو ما اشتملت عليه فهرستي هذه فهذا أعلى أنواع الإجازة المجردة عن المناولة.
وزعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها١ ولا خالف فيها أهل الظاهر وإنما خلافهم في غير هذا النوع.
وزاد القاضي أبو الوليد الباجي المالكي فأطلق نفي الخلاف وقال لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة من سلف هذه الأمة وخلفها.
وادعى الإجماع من غير تفصيل وحكى الخلاف في العمل بها.
قلت هذا باطل فقد خالف في جواز الرواية بالإجازة جماعات من أهل الحديث والفقهاء والأصوليين وذلك إحدى الروايتين عن الشافعي ﵁.
روي عن صاحبه الربيع بن سليمان قال: كان الشافعي لا يرى الإجازة في الحديث قال: الربيع أنا أخالف الشافعي في هذا.
وقد قال: بإبطالها جماعة من الشافعيين منهم القاضيان حسين بن محمد المروروذي وأبو الحسن الماوردي٢ وبه قطع الماوردي في كتابه الحاوي وعزاه إلى مذهب الشافعي وقالا جميعا لو جازت الإجازة لبطلت الرحلة.
وروى أيضا هذا الكلام عن شعبة وغيره.
وممن أبطلها من أهل الحديث الإمام إبراهيم بن إسحاق الحربي وأبو محمد عبد الله بن محمد الأصبهاني الملقب بأبي الشيخ والحافظ أبو نصر الوائلي
стр. 235
السجزي وحكى أبو نصر فسادها عن بعض من لقيه قال: أبو نصر وسمعت جماعة من أهل العلم يقولون قول المحدث قد أجزت لك أن تروي عني تقديره أجزت لك ما لا يجوز في الشرع لأن الشرع لا يبيح رواية ما لم يسمع.
قلت ويشبه هذا ما حكاه أبو بكر محمد بن ثابت الخجندي أحد من أبطل الإجازة من الشافعية عن أبي طاهر الدباس أحد أئمة الحنفية قال: من قال: لغيره أجزت لك أن تروي عني ما لم تسمع فكأنه يقول أجزت لك أن تكذب علي.
ثم إن الذي استقر عليه العمل وقال به جماهير أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم القول بتجويز الإجازة وإباحة الرواة بها.
وفي الاحتجاج لذلك غموض.
ويتجه أن نقول١ إذا أجاز له أن يروي عنه مروياته وقد أخبره بها جملة فهو كما لو أخبره تفصيلا.
وإخباره بها غير متوقف على التصريح نطقا كما في القراءة على الشيخ كما سبق وإنما الغرض حصول الإفهام والفهم وذلك يحصل بالإجازة المفهمة.
ثم إنه كما تجوز الرواية بالإجازة يجب العمل بالمروي بها خلافا لمن قال: من أهل الظاهر ومن تابعهم إنه لا يجب العمل به وإنه جار مجرى المرسل.
وهذا باطل لأنه ليس في الإجازة ما يقدح في اتصال المنقول بها وفي الثقة به. انتهى.
ذكر من أقسام الأخذ والتحمل: الإجازة وهي دون السماع ونوعها سبعة أنواع وعدها بعضهم تسعة كما سيأتي.
أرفعها النوع الأول ما لم يكن معه مناولة فإن كانت معه فهو أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق لاجتماع الإجازة والمناولة.
قال النوع الثاني: من أنواع الإجازة:
أن يجيز لمعين في غير معين مثل أن يقول أجزت لك أو لكم جميع مسموعاتي أو جميع مروياتي وما أشبه ذلك فالخلاف في هذا النوع أقوى وأكثر والجمهور من العلماء٢ المحدثين والفقهاء وغيرهم على تجويز الرواية
стр. 236
بها أيضا وعلى إيجاب العمل بما روي بها بشرطه.
قال النوع الثالث: من أنواع الإجازة.
أن يجيز لغير معين بوصف العموم مثل أن يقول أجزت لكل واحد١ أو أجزت لمن أدرك زماني وما أشبه ذلك
فهذا نوع تكلم فيه المتأخرون ممن جوز أصل الإجازة واختلفوا في جوازه فإن كان ذلك مقيدا بوصف حاضر أو نحوه فهو إلى الجواز أقرب.
وممن جوز ذلك كله الخطيب أبو بكر.
وروينا عن أبي عبد الله ابن منده الحافظ أنه قال: أحزت لمن قال: لا إله إلا الله وجوز القاضي أبو الطيب الطبري أحد الفقهاء المحققين فيما حكاه عنه الخطيب الإجازة لجميع المسلمين من كان منهم موجودا عند الإجازة.
وأجاز أبو محمد ابن سعيد أحد الجلة من شيوخ الأندلس لكل من دخل قرطبة من طلبة العلم ووافقه على جواز ذلك جماعة منهم أبو عبد الله بن عتاب.
وأنبأني من سأل الحازمي أبا بكر عن الإجازة العامة هذه فكان من جوابه إن من أدركه من الحفاظ نحو أبي العلاء الحافظ وغيره كانوا يميلون إلى الجواز.
قلت ولم نر ولم نسمع عن أحد ممن يقتدى به أنه استعمل هذه الإجازة فروى بها ولا عن الشرذمة المستأخرة٢ الذين سوغوها.
والإجازة في أصلها ضعف وتزداد بهذا التوسع والاسترسال ضعفا كثيرا لا ينبغي احتماله. انتهى.
وممن أجاز الإجازة العامة مع من ذكر أبو الفضل أحمد بن الحسين بن خيرون البغدادي وأبو الوليد بن رشد المالكي وأبو طاهر السلفي وغيرهم.
ورجحه ابن الحاجب وصححه في الروضة من زياداته وقد جمع بعضهم من أجاز هذه الإجازة العامة في تصنيف له جمع فيه خلقا كثيرا رتبهم على حروف المعجم لكثرتهم وهو الحافظ أبو جعفر محمد بن الحسين بن أبي البدر
стр. 237
الكاتب البغدادي.
قوله ولم نسمع ولم نر إلى آخره فيه نظر فقد حدث بها من الحفاظ أبو بكر بن خير الأموي بفتح الهمزة الإشبيلي ومن الحفاظ المتأخرين شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدمياطي بإجازته العامة من المؤيد الطوسي وسمع بها الحافظ أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي وأبو محمد البرزالي على الركن الطاوسي بإجازته العامة من أبي جعفر الصيدلاني وغيره وقرأ بها الحافظ١ أبو سعيد العلائي على أبي العباس بن نغمة بإجازته العامة من داود بن معمر بن الفاخر وأقرأ بها الوجيه عبد الرحمن العوفي بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القبيطي وأبي إسحاق الكاشغري وابن رواح والسبط وآخرين من البغداديين والمصريين وفي النفس منها شيء.
وأهل الحديث يقولون إذا كتبت فقمش وإذا حدثت ففتش فالاحتياط ترك الرواية بها.
وقد اعترض على المصنف بأن الظاهر من كلام مصححها جواز الرواية بها وإلا فلا فائدة لها.
ورد بأنه إنما أنكر أن يكون رأى أو سمع عن أحد أنه استعملها فروى بها ولا يلزم من ترك استعمالهم للرواية بها عدم صحتها لاستغنائهم عنها بالسماع واحتياطا للخروج من الخلاف من منع الرواية بها.
قوله فإن كان مقيدا بوصف حاضر٢ أو نحوه فهو إلى الجواز أقرب أي كقول أجزت لبني فلان أو لإخوة فلان أو لأولاده.
ومثله القاضي بقوله أجزت لمن هو الآن من طلبة العلم ببلد كذا.
وقوله: فهو إلى الجواز أقرب أي أن جواز الرواية بالوصف الحاضر٣ أولى من الرواية بالإجازة العامة وتقدم أن المصنف اختار عدم صحة الإجازة العامة والصحيح في مسألة الوصف الصحة.
стр. 238
قال القاضي عياض في كتاب الإلماع ما أحسبهم اختلفوا في جوازه ممن تصح عنده الإجازة ولا رأيت منعه لأحد لأنه محصور موصوف كقوله لأولاد فلان أو أخوة فلان.
قال النوع الرابع: من أنواع الإجازة.
الإجازة للمجهول أو بالمجهول.
وتتشبث بذيلها الإجازة المعلقة بالشرط وذلك مثل أن يقول أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي وفي وقته ذلك جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب ثم لا يعين المجاز له منهم أو يقول أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن وهو يروي جماعة من كتب السنن المعروفة بذلك ثم١ لا يعين فهذه إجازة فاسدة لا فائدة لها وليس من هذا القبيل ما إذا أجاز٢ لجماعة مسمين معينين بأنسابهم والمجيز جاهل بأعيانهم غير عارف بهم فهذا غير قادح كما لا يقدح عدم معرفته به إذا حضر شخصه في السماع منه.
وإن أجاز للمسمين المنتسبين في الاستجازة ولم يعرفهم بأعيانهم ولا بأنسابهم ولم يعرف عددهم ولم يتصفح أسماءهم واحدا فواحدا فينبغي أن يصح ذلك أيضا كما يصح سماع من حضر مجلسه للسماع منه٣ وإن لم يعرفهم أصلا ولم يعرف عددهم ولا تصفح أشخاصهم واحدا واحدا.
وإذا قال: أجزت لمن يشاء فلان أو نحو ذلك فهذا فيه جهالة وتعليق بشرط فالظاهر أنه لا يصح وبذلك أفتى القاضي أبو الطيب الطبري الشافعي إذ سأله الخطيب الحافظ عن ذلك وعلل بأنه إجازة لمجهول فهو كقوله أجزت لبعض الناس من غير تعيين وقد يعلل ذلك أيضا بما فيها من التعليق بالشرط فإن ما يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق٤ على ما عرف عند قوم.
стр. 239
وحكى الخطيب عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي وأبي الفضل بن عمروس المالكي أنهما أجازا ذلك
وهؤلاء الثلاثة كانوا مشايخ مذاهبهم ببغداد إذ ذاك.
وهذه الجهالة ترتفع في ثاني الحال عند وجود المشيئة بخلاف الجهالة الواقعة فيما إذا أضافه١ لبعض الناس وإذا قال: أجزت لمن شاء فهو كما لو قال: أجزت لمن شاء فلان بل هذه أكثر جهالة وانتشارا من حيث إنها معلقة بمشيئة من لا يحصر عددهم بخلاف تلك.
ثم هذا فيما إذا أجاز لمن شاء الإجازة له٢ فإن أجاز لمن شاء الرواية عنه فهذا أولى بالجواز من حيث إن مقتضى كل إجازة تفويض الرواية بها إلى مشيئة المجاز له فكان هذا مع كونه بصيغة التعليق تصريحا بما يقتضيه الإطلاق وحكاية للحال لا تعليقا في الحقيقة ولهذا أجاز بعض أئمة الشافعيين في البيع أن يقول بعتك هذا بكذا إن شئت فيقول قبلت.
ووجد بخط أبي الفتح محمد بن الحسين الأزدي الموصلي الحافظ أجزت رواية ذلك لجميع من أحب أن يروي ذلك عني.
أما إذا قال: أجزت لفلان كذا وكذا إن شاء روايته عني أو لك إن شئت أو أحببت أو أردت فالأظهر الأقوى أن ذلك جائز إذ قد انتفت فيه الجهالة وحقيقة التعليق ولم يبق سوى صيغته والعلم عند الله تعالى. انتهى.
قوله وتتشبث بذيلها الإجازة المعلقة بالشرط أي كما إذا قال: أجزت لمن شاء فلان وهذا هو أحد النوعين المزادين على السبعة أدرجه المصنف في نوع الإجازة للمجهول ومثل المصنف الإجازة للمجهول بقوله أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي وفي وقته من يشركه في ذلك
ومثل الإجازة بالمجهول بقوله أجزت له أن يروي عني كتاب السنن وهو يروي سننا كثيرة فإن وجدت قرينة تخصص الشخص كما لو قيل له يجيز
стр. 240
لفلان بن فلان فقال أجزت له أو قيل له يجيز له السنن لأبى داود فقال أجزت له السنن فالظاهر صحة ذلك لأن الجواب خرج على المسؤول عنه.
ثم إن التعليق قد يكون مع إبهام المجاز أو مع تعيينه وقد يعلق بمشيئة المجاز وقد يعلق بمشيئة غيره معينا وقد يكون التعليق لنفس الإجازة وقد يكون لرواية بالإجازة فأما تعليقها بمشيئة المجاز مبهما كقوله من شاء أن أجيز له فقد أجزت له أو أجزت لمن شاء فهو كتعليقها بمشيئة غيره.
قال المصنف: وهذا أكثر جهالة وانتشارا. وأما تعليقها بمشيئة غير المجاز فإن كان المعلق بمشيئته مبهما فهذه باطلة قطعا كقوله أجزت لمن شاء بعض الناس أن يروي عني وإن كان معينا كقوله من شاء فلان أن أجيزه فقد أجزته أو أجزت لمن شاء فلان ونحو ذلك.
قال المصنف الظاهر أن ذلك لا يصح قال: وبه أفتى أبو الطيب قال: وأجاز ذلك الحنبلي وابن عمروس وما أجازاه قال: به جماعة من المتقدمين والمتأخرين.
فمن المتقدمين الحافظ أبو بكر بن أبي خيثمة زهير بن حرب صاحب يحيى بن معين وصاحب التاريخ.
قال الإمام أبو الحسن محمد بن أبي الحسين بن الوزان ألفيت بخط أبي بكر ابن أبي خيثمة قد أجزت لأبي زكريا يحيى بن مسلمة أن يروي عني ما أحب من كتاب التاريخ الذي سمعه مني أبو محمد القاسم بن الأصبغ ومحمد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني وأذنت له في ذلك ولمن أحب من أصحابه فإن أحب أن تكون الإجازة بعد هذا فأنا أجزت له ذلك بكتابي هذا وكتب أحمد بن أبي خيثمة بيده في شوال من سنة ست وسبعين ومائتين.
وكذلك أجاز حفيد يعقوب بن شيبة وهذه نسختها فيما حكاه الخطيب١ يقول محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة قد أجزت لعمر٢ بن أحمد الخلال وابنه عبد الرحمن بن عمر ولختنه علي بن الحسن جميع ما فاته من حديثي مما لم يدرك سماعه من المسند وغيره وقد أجزت ذلك لمن أحب عمر فليرووه عني إن
стр. 241
شاؤا؟ كتبت ذلك بخطي١ في صفر سنة اثنتين وثلثمائة٢.
ثم قال: الخطيب ورأيت مثل هذه الإجازة لبعض المتقدمين إلا أن اسمه ذهب من حفظي٣.
وكأنه أراد بذلك ابن أبي خيثمة.
وأما إذا كان المعلق هو الرواية كقوله أجزت لمن شاء الرواية عني أن يروي عني فقال المصنف هذا أولى بالجواز ثم قاسه على مسألة البيع ولم يبين تصحيحا في هذه الصورة بل جعلها أولى بالجواز والصحيح فيها عدم الصحة والقياس على البيع لا يصح لأن المتاع معين والمجاز له مبهم وإنما وزان البيع أن يقول أجزت لك أن تروي عني إن شئت وهو لو قال: كذا صح على الصحيح الأقوى كما ذكره المصنف.
واعلم أن في مسألة البيع وجهين أصحهما الصحة وإن كان البيع المعلق بشرط لا يصح كما لو قال: بعتك إن شاء زيد لا يصح سوآء شاء زيد أم لا بخلاف ما إذا قال: أنت طالق أو حرة إن شاء زيد فإنه إن شاء طلقت وعتقت وكذا لو علق الطلاق أو العتق بمشيئتها بخلاف البيع فإنه إذا علقه بمشيئة المشتري أو البائع فإنه يصح لأن المشيئة تحصل في ضمن القبول فلو لم يشأ ما قبل وهذا جار في كل عقد فيه مخاطب ومخاطب٤ بخلاف الطلاق والعتق ونحوهما.
قال النوع الخامس: من أنواع الإجازة.
الإجازة للمعدوم ولنذكر معه٥ الإجازة للطفل الصغير.
هذا نوع خاض فيه قوم من المتأخرين واختلفوا في جوازه.
ومثاله أن تقول أجزت لمن يولد لفلان فإن عطف المعدوم في ذلك على
стр. 242
الموجود بأن قال: أجزت لفلان ومن يولد له أو أجزت لك ولولدك وعقبك ما تناسلوا كان ذلك أقرب إلى الجواز من الأول.
ولمثل ذلك أجاز أصحاب الشافعي في الوقف القسم الثاني: دون الأول.
وقد أجاز أصحاب مالك وأبي حنيفة أو من قال: ذلك منهم في الوقف القسمين كليهما.
وفعل هذا الثاني: في الإجازة من المحدثين المتقدمين أبو بكر بي أبي١ داود السجستاني فإنا روينا عنه أنه سئل الإجازة فقال قد أجزت لك ولأولادك ولحبل الحبلة يعني الذين لم يولدوا بعد.
وأما الإجازة للمعدوم ابتداء من غير عطف على موجود فقد أجازها الخطيب أبو بكر وذكر أنه سمع أبا يعلى بن الفراء الحنبلي وأبا الفضل بن عمروس المالكي يجيزان ذلك.
وحكى جواز ذلك أيضا أبو نصر ابن الصباغ الفقيه فقال ذهب قوم إلى أنه يجوز أن يجيز لمن لم يخلق قال: وهذا إنما ذهب إليه من يعتقد أن الإجازة إذن في الرواية لا محادثة ثم بين بطلان هذه الإجازة وهو الذي استقر عليه رأي شيخه القاضي أبي الطيب الطبري وذلك هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره لأن الإجازة في حكم الإخبار جملة بالمجاز على ما قدمناه في بيان صحة أصل الإجازة فكما لا يصح الإخبار للمعدوم لا تصح الإجازة للمعدوم.
ولو قدرنا أن الإجازة إذن فلا يصح أيضا ذلك للمعدوم كما لا يصح الإذن في باب الوكالة للمعدوم لوقوعه في حالة لا يصح فيها المأذون فيه من المأذون له.
وهذا أيضا يوجب بطلان الإجازة للطفل الصغير الذي لا يصح سماعه.
قال الخطيب سألت القاضي أبا الطيب الطبري عن الإجازة للطفل الصغير هل يعتبر في صحتها سنه أو تمييزه كما يعتبر ذلك في صحة سماعه فقال لا يعتبر ذلك قال: فقلت له إن بعض أصحابنا قال: لا تصح الإجازة لمن لا يصح
стр. 243
سماعه فقال قد يصح أن١ يجيز للغائب عنه ولا يصح السماع له واحتج الخطيب لصحتها للطفل بأن الإجازة إنما هي إباحة المجيز لمجاز له أن يروي عنه والإباحة تصح للعاقل وغير العاقل قال: وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا يجيزون للأطفال٢ الغيب عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم وحال تمييزهم ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودا في الحال.
قلت كأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل هذا النوع من أنواع تحمل الحديث ليؤدي به بعد٣ حصول أهليته حرصا على توسيع السبيل إلى بقاء الإسناد الذي اختصت به هذه الأمة وتقربة٤ من رسول الله ﷺ . انتهى.
أما مسألة الوقف عليه ثم على من سيوجد من أولاده فإنها صحيحة فلو وقف على أولاد زيد ولا أولاد له بل أولاد ابن قال: المتولي وغيره يصرف لهم.
وأما مسألة الصبي وهي٥ أحد النوعين الزائدين وأدرجها المصنف في مسألة المعدوم.
ولم يعترض المصنف لمسألة الكافر لأنه لا نقل فيها مع أن سماعه صحيح كما تقدم وقد كان يهودي طبيب بدمشق يقال له محمد بن عبد السيد بن الديان سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري وكتب اسمه في طبقة السماع مع السامعين وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع وهو من جملتهم وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي وبعض السماع بقرآءته وذلك في غير ما جزء منها جزء ابن عترة فلولا أن المزي يرى جواز ذلك ما أقرأ عليه ثم هدى الله ابن عبد السيد المذكور للإسلام ووحدث وسمع منه جماعة من المحدثين والظاهر أنه إنما سمي محمدا بعد إسلامه.
стр. 244
ومن صور الإجازة لغير أهل الأدآء الإجازة للمجنون وهي صحيحة.
كذا الإجازة للفاسق والمبتدع الذي لا نكفره ببدعته والإجازة لهما أولى من الإجازة للكافر فإذا زال المانع من الأداء صح الأداء كالسماع سوآء.
وأما الإجازة للحمل فليس فيها نقل صريح.
نعم قال: الخطيب لم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولودا في الحال ولم يتعرضوا لكونه إذا وقع يصح أم لا.
وهو أولى بالصحة من المعدوم والخطيب يرى صحتها للمعدوم وسئل شيخنا أبو سعيد العلائي الإجازة لحمل بعد ذكر أبويه قبله وجماعة معهم فأجاز فيها وكان أبو الثناء محمود بن خلف المنبجي يحترز عن الإجازة للحمل ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن.
وبنى بعضهم الإجازة له على الخلاف في أنه هل يعلم أم لا إن قلنا لا يعلم فتكون كالإجازة للمجهول فيجري فيه الخلاف الذي فيه وإن قلنا إنه يعلم وهو الأصح صحت الإجازة.
ومعنى يعلم١ أي يعامل معاملة المعلوم وقال الإمام لا خلاف أنه لا يعلم.
قلت ولو فرق بين أن تنفخ فيه الروح وأن لا تنفخ فيه لم يكن بعيدا.
قال النوع السادس: من أنواع الإجازة.
إجازة ما لم يسمعه المجيز ولم يتحمله أصلا بعد ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك أخبرني من أخبر عن القاضي ابن موسى من فضلاء وقته بالمغرب قال: هذا لم أر من تكلم عليه من المشايخ رأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه ثم حكى عن أبي الوليد يونس بن مغيث قاضي قرطبة أنه سئل الإجازة لجميع ما رواه إلى تاريخها وما يرويه بعد فامتنع من ذلك فغضب السائل فقال له بعض أصحابه يا هذا يعطيك ما لم يأخذه هذا محال قال: عياض وهذا هو الصحيح.
стр. 245
قلت ينبغي أن يبنى هذا على أن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز١ جملة أو هي إذن.
فإن جعلت في حكم الإخبار لم تصح هذه الإجازة إذ كيف يخبر٢ بما لا خبر عنده منه.
وإن جعلت إذنا انبنى هذا على٣ الخلاف في تصحيح الإذن في باب الوكالة فيما لم يملكه الآذن الموكل بعد مثل أن يوكل في بيع العبد الذي يريد أن يشتريه وقد أجاز ذلك بعض أصحاب الشافعي والصحيح بطلان هذه الإجازة.
وعلى هذا يتعين على من يريد أن يروي بالإجازة عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته مثلا أن يبحث٤ حتى يعلم أن ذلك الذي يريد روايته عنه مما سمعه قبل تاريخ الإجازة.
وأما إذا قال: أجزت لك ما صح ويصح عندك من مسموعاتي فهذا ليس من هذا القبيل وقد فعله٥ الدارقطني وغيره.
وجائز أن يروي بذلك عنه ما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبل الإجازة ويجوز ذلك وإن اقتصر على قوله ما صح عندك ولم يقل وما يصح لأن المراد أجزت لك أن تروي عني ما صح عندك فالمعتبر إذا فيه صحة ذلك عنده حالة الرواية. انتهى.
وعبارة القاضي عياض في الإلماع فهذا لم أر من تكلم فيه من المشايخ قال: ورأيت بعض المتأخرين والعصريين يصنعونه إلا أنى قرأت في فهرسة أبي مروان عبد الملك بن زيادة الله الطبني قال: كنت عند القاضي بقرطبة أبي الوليد يونس بن مغيث فجاءه إنسان فسأله إلى آخره ثم قال: فنظر
стр. 246
إلي يونس فقلت يا هذا يعطيك ما لم يأخذ فقال يونس هذا جوابي.
قال القاضي عياض وهذا هو الصحيح.
وصححه النووي كما صححه المصنف.
ويؤيد ذلك مسألة الوكالة كما لو وكله في بيع عبد سيملكه أو في طلاق من سينكحها أو إعتاق من سيملكه أو قضاء دين سيلزمه أو تزويج ابنته إذا انقضت عدتها أو طلقها زوجها وما أشبه ذلك فإنه لا يصح في جميع ذلك على ما صححه الرافعي والنووي في أول باب الوكالة مع أن في بعضها اضطراب تصحيح
قال النوع السابع: من أنواع الإجازة إجازة المجاز.
مثل أن يقول الشيخ أجزت لك مجازاتي أو أجزت لك رواية ما أجيز لي روايته.
فمنع من ذلك بعض من لا يعتد به من المتأخرين.
والصحيح والذي عليه العمل أن ذلك جائز ولا يشبه ذلك ما إذا١ امتنع من توكيل الوكيل بغير إذن الموكل.
ووجدت عن أبي عمرو السفاقسي الحافظ المغربي قال: سمعت أبا نعيم الحافظ يعني يقول الإجازة على الإجازة قوية جائزة.
وحكي الخطيب الحافظ تجويز ذلك عن الحافظ الإمام أبي الحسن الدارقطني والحافظ أبي العباس المعروف بابن عقدة الكوفي وغيرهما.
وقد كان الفقيه الزاهد نصر بن إبراهيم المقدسي يروي بالإجازة عن الإجازة حتى ربما والى في روايته بين إجازات ثلاث.
وينبغي لمن يروي بالإجازة عن الإجازة أن يتأمل كيفية إجازة شيخ شيخه ومقتضاها حتى لا يروي بها ما لم يندرج تحتها فإذا كان مثلا صورة إجازة شيخ شيخه٢ أجزت له ما صح عنده من سماعاتي فرأى شيئا من مسموعات
стр. 247
شيخ شيخه فليس له أن يروي ذلك عن شيخه عنه حتى يستبين أنه مما كان قد١ صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه الذي تلك إجازته ولا يكتفي بمجرد صحة ذلك عنده الآن عملا بلفظه وتقييده.
ومن لا يتفطن لهذا وأمثاله يكثر عثاره.
هذه أنواع الإجازة التي تمس الحاجة إلى بيانها ويتركب منها أنواع أخر سيتعرف المتأمل حكمها مما أمليناه إن شاء الله تعالى. انتهى.
أشار بقوله فمنع من ذلك بعض من لا يعتد به إلى الحافظ أبي البركات عبد الوهاب بن المبارك بن الأنماطي أحد شيوخ ابن الجوزي فإنه صنف في منع ذلك جزءا وعلله بأن الإجازة ضعيفة فينضم ضعف إلى ضعف
والصحيح الذي عليه العمل جوازه وفعله الحاكم في تاريخه٢.
قال ابن طاهر ولا يعرف بين القائلين بالإجازة خلاف في العمل بإجازة الإجازة وذكر أبو الفضل محمد بن ناصر الحافظ أن أبا الفتح بن أبي الفوارس حدث بجزء من العلل لأحمد بإجازته من أبي٣ علي بن الصواف بإجازته من عبد الله بن أحمد بإجازته من أبيه.
بل وجد في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث الزيادة على ثلاث أجائز فرووا بأربع أجائز متوالية وخمس وقد روى أبو محمد عبد الكريم الحلبي في تاريخ مصر عن عبد الغني بن سعيد الأزدي بخمس أجائز متوالية في عدة مواضع.
قوله ومن لا يتفطن لهذا وأمثاله كثر٤ عثاره كما اتفق للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الأندرشي٥ المعروف بابن اليتيم أحد من رحل وجال في البلاد وسمع ببلاد المغرب ومصر والشام والعراق وخراسان وأخذ عن السلفي
стр. 248
وابن عساكر والسهيلي وابن بشكوال وعبد الحق الإشبيلي وخلق.
ذكر إسناده في الترمذي عن أبي طاهر السلفي عن أحمد بن محمد بن أحمد ابن سعيد الحداد عن إسماعيل بن ينال١ المحبوبي عن أبي العباس المحبوبي عن الترمذي.
هكذا ذكر الحافظ أبو جعفر بن الزيني٢ أنه وجد بخط ابن اليتيم ووجه الغلط فيه أن فيه إجازتين إحداهما أن ابن ينال أجاز للحداد ولم يسمعه منه والثاني: أن الحداد أجاز للسلفي ما سمعه فقط.
فلم يدخل الترمذي في إجازته للسلفي وذكر الزيني٣ أن السلفي وهم في ذلك قديما ثم تذكر فرجع عن هذا السند.
قال ومن هنا تكلم أبو جعفر بن البادش٤ في السلفي وعذر٥ الناس السلفي فقد رجع عنه.
قال وتكلم الناس في ابن اليتيم.
قال وما أظن الباعث لذلك إلا ما ذكرته.
وقد بين السلفي صورة إجازة الحداد له في فهرسته فقال كان أبو الفرج الحداد يروي كتاب الترمذي قال: ولم يجز لي ما أجيز له بل ما سمعه فقط.
قال كتب إلي إسماعيل بن ينال٦ المحبوبي من مرو.
ولهذا كان الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد لا يجيز رواية سماعه كله بل يقيده
стр. 249
بما حدث به من مسموعاته وجد ذلك بخطه في عدة إجازات١ لأنه كان يشك في بعض سماعاته فلم يحدث به ولم يجزه وهو سماعه على ابن المقيرفمن٢ حدث عنه بإجازته منه بشيء مما٣ حدث به من مسموعاته فهو غير صحيح فينبغي التنبه لهذا٤ وأمثاله.
قال ثم إنا ننبه على أمور.
أحدها روينا عن أبي الحسين أحمد بن فارس الأديب المصنف ﵀ قال: معنى الإجازة في كلام العرب مأخوذ من جواز الماء الذي يسقاه المال من الماشية والحرث يقال منه استجزت فلانا فأجازني إذا أسقاك ماء لأرضك أو ماشيتك كذلك طالب العلم يسأل العالم أن يجيزه علمه فيجيزه إياه.
قلت فللمجيز على هذا أن يقول أجزت فلانا مسموعاتي أو مروياتي فيعديه بغير حرف جر من غير حاجة إلى ذكر لفظ الرواية أو نحو ذلك.
ويحتاج إلى ذلك من يجعل الإجازة بمعنى التسويغ والإذن والإباحة وذلك هو المعروف فيقول أجزت لفلان رواية مسموعاتي مثلا ومن يقول منهم أجزت له مسموعاتي فعلى سبيل الحذف الذي لا يخفى نظيره.
الثاني: إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالما بما يجيز والمجاز له من أهل العلم لأنها توسيع٥ وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها وبالغ بعضهم في ذلك فجعله شرطا فيها.
وحكاه أبو العباس الوليد بن بكر المالكي عن مالك ﵁.
وقال الحافظ أبو عمر الصحيح أنها لا تجوز إلا لماهر بالصناعة وفي شيء
стр. 250
معين لا يشكل إسناده.
الثالث: ينبغي للمجيز إذا كتب إجازته أن يتلفظ بها فإن اقتصر على الكتابة كان ذلك إجازة جائزة إذا اقترن بقصد الإجازة غير أنها أنقص مرتبة من الإجازة الملفوظ بها.
وغير مستبعد تصحيح ذلك بمجرد هذه الكتابة في باب الرواية التي١ جعلت فيه٢ القراءة على الشيخ مع أنه لم يلفظ بما قرئ عليه إخبارا منه بما قرئ عليه على ما تقدم٣. انتهى.
قوله وغير مستبعد تصحيح ذلك أي إذا كتب الإجازة ولم يتلفظ ولم يقصد الإجازة الظاهر أن ذلك لا يصح لأن الكتابة كناية والكتابة شرطها القصد ولا قصد.
قال القسم الرابع: من أقسام طرق تحمل الحديث وتلقيه المناولة.
وهي على نوعين:
أحدهما المناولة المقرونة بالإجازة وهي أعلى أنواع الإجازة على الإطلاق ولها صور؛
منها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب أصل سماعه أو فرعا مقابلا به ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني أو أجزت لك روايته عني ثم يملكه إياه أو يقول خذه وانسخه وقابل به ثم رده إلي أو نحو هذا.
ومنها أن يجئ الطالب إلى الشيخ بكتاب أو جزء من حديثه فيعرضه عليه فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ ثم يعيده إليه ويقول له وقفت على ما فيه وهو حديثي عن فلان أو روايتي عن شيوخي فيه فاروه عني أو أجزت لك روايته عني.
وهذا قد سماه غير واحد من أئمة الحديث عرضا وقد سبقت حكايتنا في