أبو محمد عبد الله بن محمد الصريفيني قال: أخبرنا أبو القاسم بن حبابة١ قال: ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي قال: ثنا٢ عمرو بن محمد الناقد قال: ثنا وكيع قال: قال شعبة فلان عن فلان مثله لا يجزىء قال: وكيع وقال سفيان الثوري يجزىء.
وأما إذا قال: نحوه فهو في ذلك عند بعضهم كما إذا قال: مثله.
و٣ نبئنا بإسناد عن وكيع قال: قال سفيان إذا قال: نحوه فهو حديث وقال شعبة نحوه شك.
وعن يحيى بن معين أنه اجاز ما قدمنا ذكره في قوله مثله ولم يجزه في قوله نحوه.
قال الخطيب وهذا القول على مذهب من لم يجز الرواية على المعنى فأما على مذهب من اجازها فلا فرق بين مثله٤ ونحوه.
قلت هذا له تعلق بما رويناه عن مسعود بن علي السجزي أنه سمع الحاكم أبا عبد الله يقول أن مما يلزم الحديثي من الضبط والإتقان أن يفرق بين ان يقول مثله أو يقول نحوه فلا يحل له أن يقول مثله إلا بعد أن يعلم انهما على لفظ واحد ويحل أن يقول نحوه إذا كان على مثل معانيه. انتهى.
حكى ثلاثة مذاهب فيما إذا روى الشيخ حديثا بإسناد له وذكر متن الحديث ثم أتبعه بإسناد آخر وحذف متنه وأحال به على المتن الأول بقوله مثله او نحوه فهل لمن سمع منه ذلك الحديث أن يقتصر على السند الثاني: ويسوق لفظ حديث السند الأول.
أظهر المذاهب أنه لا يجوز والثاني: يجوز بشرط ان يكون الراوي لذلك ضابطا كما وصفه والثالث: يجوز في قوله مثله ولا يجوز في قوله نحوه.
قال السابع: عشر إذا ذكر الشيخ إسناد الحديث ولم يذكر من متنه إلا طرفا ثم قال: وذكر الحديث او قال: وذكر الحديث بطوله فأراد الراوي عنه أن يروي عنه٥
стр. 317
الحديث بكماله وبطوله فهذا أولى بالمنع مما سبق ذكره في قوله مثله أو نحوه فطريقه أن يبين ذلك بأن يقتص ما ذكره الشيخ على وجهه ويقول قال: وذكر الحديث بطوله ثم يقول والحديث بطوله هو كذا وكذا ويسوقه إلى آخره.
وسأل بعض أهل الحديث أبا إسحاق إبراهيم بن محمد الشافعي المقدم في الفقه والأصول عن ذلك فقال لا يجوز لمن سمع عليه هذا الوصف أن يروي الحديث بما١ فيه من الألفاظ على التفصيل.
وسأل أبو بكر البرقاني الحافظ الفقيه أبا بكر الإسماعيلي الحافظ الفقيه عمن قرأ إسناد حديث على الشيخ ثم قال: وذكر الحديث هل يجوز ان يحدث بجميع الحديث.
فقال إذا عرف المحدث والقارئ ذلك الحديث فأرجو أن يجوز ذلك والبيان أولى أن يقول كما كان.
قلت إذا جوزنا ذلك فالتحقيق فيه أنه بطريق الإجازة فيما لم يذكره الشيخ لكنها إجازة أكيدة قوية من جهات عديدة فجاز لهذا مع كون أوله سماعا إدراج الباقي عليه من غير إفراد له بلفظ الإجازة. انتهى.
قوله فهذا أولى بالمنع مما سبق ذكره أي من المسألة قبلها لأنه ساق فيها جميع المتن قبل ذلك بإسناد آخر وفي هذه الصورة لم يسق إلا بعض الحديث فكانت هذه أولى بالمنع مما سبق من المسألة قبلها.
قال الثامن: عشر الظاهر أنه لا يجوز تغيير عن النبي إلى عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وكذا بالعكس وإن جازت الرواية بالمعنى فإن شرط ذلك أن لا يختلف المعنى والمعنى في هذا مختلف.
وثبت عن عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه رأى أباه إذا كان في الكتاب النبي فقال المحدث عن رسول الله صلي الله عليه وسلم ضرب وكتب عن رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال الخطيب أبو بكر هذا غير لازم وإنمااستحب أحمد اتباع المحدث في لفظه وإلا فمذهبه الترخيص في ذلك ثم ذكر بإسناده عن صالح بن أحمد بن حنبل قال: قلت لأبي يكون٢ في الحديث قال: رسول الله صلي الله عليه وسلم فيجعل
стр. 318
الإنسان: "قال النبي صلي الله عليه وسلم"؟ قال: أرجو ألا يكون به بأس
وذكر الخطيب بسنده عن حماد بن سلمة أنه كان يحدث وبين يديه عفان وبهز فجعلا يغيران النبي صلي الله عليه وسلم من رسول الله صلي الله عليه وسلم فقال لهما حماد أما أنتما فلا تفقهان١ أبدا. انتهى.
قوله الظاهر أنه لا يجوز قال: النووي الصواب والله أعلم جوازه لأنه لا يختلف به هنا معنى وهذا مذهب الإمام احمد بن حنبل وحماد بن سلمة و٢الخطيب. انتهى.
وأيضا فإن لفظ النبي والرسول وإن اختلفا إلا أن المقصود هنا تعريف القائل بأي وصف عرف به واشتهر ولا سيما إذا جوزنا الرواية بالمعنى.
وأما ما استدل به بعض من اختصر كلام المصنف من حديث البراء بن عازب في الصحيح حين علمه صلي الله عليه وسلم ما يدعو به عند النوم من قوله: "آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت" فقال البرآء يستذكرهن٣ وبرسولك الذي أرسلت فقال صلي الله عليه وسلم: "لا بل ونبيك الذي أرسلت" فإنه لا حجة فيه على منع ذلك في الرواية لأن ألفاظ الأذكار توقيفية في تعيين اللفظ وتقدير الثواب وربما كان في اللفظ سر ليس في لفظ آخر يرادفه.
وأيضا يحتمل أنه أراد الجمع بين وصفه بالنبوة وبالرسالة معا.
قال التاسع: عشر إذا كان سماعه على صفة فيها بعض الوهن فعليه أن يذكرها في حالة الرواية فإن في إغفالها نوعا من التدليس وفيما مضى لنا أمثلة لذلك
ومن أمثلته ما إذا حدثه المحدث من حفظه في حالة المذاكرة فليقل حدثنا فلان مذاكرة او حدثنا في المذاكرة
فقد كان غير واحد من متقدمي العلماء يفعل ذلك وكان جماعة من حفاظهم٤ يمنعون من أن يحمل عنهم في المذاكرة شيء منهم عبد الرحمن بن مهدي وأبو زرعة الرازي.
стр. 319
ورويناه عن ابن المبارك وغيره.
وذلك لما قد يقع فيها من المساهلة مع أن الحفظ خوان ولذلك امتنع جماعة من أعلام الحفاظ من رواية ما يحفظونه إلا من كتبهم منهم أحمد ابن حنبل رضي الله عنه١.
العشرون إذا كان الحديث عن رجلين أحدهما مجروح مثل أن يكون عن ثابت البناني وأبان بن أبي عياش عن أنس فلا يستحسن إسقاط المجروح من الإسناد والاقتصار على ذكر الثقة خوفا من أن يكون فيه عن المجروح شيء لم يذكره الثقة.
قال نحوا من ذلك أحمد بن حنبل ثم الخطيب أبو بكر قال: الخطيب وكان مسلم بن الحجاج في مثل هذا ربما أسقط المجروح من الإسناد ويذكر الثقة ثم يقول وآخر كناية عن المجروح قال: وهذا القول لا فائدة فيه.
قلت وهكذا ينبغي إذا كان الحديث عن رجلين ثقتين ألا يسقط أحدهما منه لتطرق مثل الاحتمال المذكور إليه وإن كان محذور الإسقاط فيه أقل ثم لا يمتنع ذلك في الصورتين امتناع تحريم لأن الظاهر اتفاق الراويين٢.
وما ذكر من الاحتمال نادر بعيد فإنه من الإدراج الذي لا يجوز تعمده كما سبق في نوع المدرج.
الحادي والعشرون: إذا سمع بعض حديث من شيخ وبعضه ممن شيخ آخر فخلطه ولم يميزه وعزا الحديث جملة إليهما مبينا ان عن أحدهما بعضه وعن الآخر بعضه فذلك جائز كما فعل الزهري في حديث الإفك حيث رواه عن عروة وابن٣ المسيب وعلقمة بن وقاص الليثي وعبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن عائشة وقال وكلهم حدثني طائفة من حديثها قالوا قالت الحديث.
ثم إنه ما من شيء من ذلك الحديث إلا وهو٤ في الحكم كأنه رواه عن أحد
стр. 320
الرجلين على الإبهام حتى إذا كان أحدهما مجروحا لم يجز الاحتجاج بشيء من ذلك الحديث.
وغير جائز لأحد بعد اختلاط ذلك أن يسقط ذكر أحد الراويين ويروي الحديث عن الآخر وحده بل يجب ذكرهما جميعا مقرونا بالإفصاح بأن بعضه عن أحدهما وبعضه عن الآخر. انتهى.
قوله وفيما مضى لنا أمثلة لذلك أي كأن يسمع من غير أصل أو كان هو أو شيخه يتحدث في وقت القراءة أو ينسخ أو ينعس او كان سماع شيخه أو سماعه هو بقرآءة لحان أو مصحف أو كتابة التسميع بخط من فيه نظر أو نحو ذلك.
فإن لم يبين ذلك وإلا فهو نوع تدليس١.
وقوله: فلا يستحسن إسقاط المجروح وهو أبان والثقة ثابت أي إذا كان الحديث عن اثنين فإنه يجوز٢ ذكر ثقة منهما وإسقاط الآخر ثقة كان أو ضعيفا وهذا صنيع مسلم في ابن لهيعة غالبا وأما أحمد بن حنبل فإنه لا يسقطه بل يذكره.
واعترض على قوله وغير جائز٣ لأحد بعد اختلاط ذلك أن يسقط ذكر أحد الراويين بأن البخاري أسقط ذكر احد شيخيه او شيوخه في مثل هذه الصورة واقتصر على ذكر شيخ واحد وقال في كتاب الرقاق من صحيحه في باب: "كيف كان عيش النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه وتخليهم من٤ الدنيا" حدثني أبو نعيم بنصف٥ من هذا الحديث ثنا عمر بن ذر٦ ثنا مجاهد أن أبا هريرة
стр. 321
كان يقول الله١ الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع الحديث.
ورد بأن الممتنع إنما هو إسقاط بعض شيوخه وإيراد جميع الحديث عن بعضهم لأنه حينئذ يكون قد حدث عن المذكور ببعض ما لم يسمعه منه فأما إذا بين أنه٢ لم يسمع منه إلا بعض الحديث كما فعل البخاري هنا فليس بممتنع وقد بين البخاري في موضع آخر من صحيحه القدر الذي سمعه من أبي نعيم من هذا الحديث او بعض ما سمعه منه فقال في كتاب الاستئذان حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر٣ بن ذر ح وحدثنا٤ محمد بن مقاتل أنا٥ عبد الله أنا عمر بن ذر حدثنا٦ مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح فقال: "أبا الحق أهل الصفة فادعهم إلي".
قال فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا.
وهذا٧ هو بعض حديث أبي نعيم الذي ذكره في الرقاق واما بقية الحديث فيحتمل ان البخاري أخذه من كتاب أبي نعيم وجادة او أجازه له أو سمعه من شيخ آخر غير أبي نعيم إما محمد بن مقاتل الذي يروي عنه في الاستئذان بعضه او غيره.
ولم يبين ذلك بل اقتصر على اتصال بعض الحديث من غير بيان ولكن ما قطعة منه إلا وهي محتملة لأنها غير متصلة بالسماع إلا القطعة التي صرح
стр. 322
البخاري في الاستئذان باتصالها.
وقوله: حتى إذا كان أحدهما مجروحا لم يجز الاحتجاج بشئ من ذلك الحديث أي لأنه ما من قطعة من الحديث إلا ويجوز ان تكون عن المجروح فيجب طرح جميعه إلا أن يبين ذلك كما تقدم.
стр. 323
النوع السابع والعشرون: معرفة آداب المحدث
وقد مضى طرف منها اقتضته الأنواع التي قبله.
علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وينافر مساوئ الأخلاق ومشاين الشيم
وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا فمن أراد التصدي لإسماع الحديث أو لإفادة شئ من علومه فليقدم تصحيح النية وإخلاصها وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها وليحذر بلية حب الرياسة ورعوناتها
وقد اختلف في السن الذي إذا بلغه استحب له التصدي لإسماع الحديث والانتصاب لروايته.
والذي نقوله إنه متى احتيج إلى ما عنده استحب له التصدي لروايته ونشره في أي سن كان.
وروينا عن القاضي أبي محمد بن خلاد أنه قال: الذي يصح عندي من طريق الأثر والنظر في الحد الذي إذا بلغه الناقل أحسن به أن يحدث هو ان يستوفي الخمسين لأنها انتهاء الكهولة وفيها مجتمع الأشد.
قال سحيم بن وثيل.
أخو خمسين مجتمع أشدي ... ونجذني مداورة الشئون
قال وليس بمنكر أن يحدث عند استيفاء الأربعين لأنهما حد الاستواء ومنتهى الكمال، نبئ رسول الله صلي الله عليه وسلم وهو ابن أربعين؛ وفي الأربعين تتناهى عزيمة الإنسان وقوته ويتوفر عقله ويجود١ رأيه.
стр. 324
وأنكر القاضي عياض ذلك على ابن خلاد وقال كم من السلف المتقدمين ومن بعدهم من١ المحدثين من لم ينته إلى هذا الشيء ومات قبله وقد نشر من الحديث والعلم ما لا يحصى!
هذا عمر بن عبد العزيز توفي ولم يكمل الأربعين وسعيد بن جبير لم يبلغ خمسين٢ وكذلك إبراهيم النخعي وهذا مالك بن أنس جلس للناس ابن نيف وعشرين سنة٣ وقيل ابن سبع عشرة سنة والناس متوافرون وشيوخه أحياء وكذلك محمد بن إدريس الشافعي قد أخذ عنه العلم في سن الحداثة وانتصب لذلك.
قلت ما ذكره ابن خلاد غير٤ مستنكر وهو محمول على أنه قاله فيمن يتصدى للتحديث٥ ابتداء من نفسه من غير براعة في العلم تعجلت له قبل السن الذي ذكره فهذا إنما ينبغي له ذلك بعد استيفاء السن المذكور فإنه مظنة الاحتياج إلى ما عنده.
وأما الذين ذكرهم عياض ممن حدث قبل ذلك فالظاهر ان ذلك لبراعة منهم في العلم تقدمت ظهر لهم معها الاحتياج إليهم فحدثوا قبل ذلك أو لأنهم سئلوا ذلك إما بصريح السؤال أو بقرينة الحال.
وأما السن الذي إذا بلغه المحدث انبغى له الإمساك عن التحديث فهو السن الذي يخشى عليه فيه من الهرم والخرف ويخاف عليه فيه أن يخلط ويروي ما ليس من حديثه والناس في بلوغ هذا السن يتفاوتون بحسب اختلاف أحوالهم وهكذا إذا عمي وخاف أن٦ يدخل عليه ما ليس من حديثه فليمسك عن الرواية.
وقال ابن خلاد و٧أعجب إلي أن يمسك في الثمانين لأنه حد الهرم
стр. 325
فإن كان عقله ثابتا ورأيه مجتمعا يعرف حديثه ويقوم به وتحرى أن يحدث احتسابا رجوت له خيرا.
ووجه ما قاله أن من بلغ الثمانين ضعف حاله في الغالب وخيف عليه الاختلاط والاختلال١ وألا يفطن له إلا بعد ان يخلط كما اتفق لغير واحد من الثقات منهم٢ عبد الرزاق وسعيد بن أبي عروبة وقد حدث خلق بعد مجاوزة هذا السن فساعدهم التوفيق وصحبتهم السلامة منهم أنس بن مالك وسهل بن سعد وعبد الله بن أبي أوفي من الصحابة ومالك والليث ابن سعد وابن عيينة وعلي بن الجعد في عدد جم٣ من المتقدمين والمتأخرين ومنهم٤ غير واحد حدثوا بعد استيفاء مائة سنة منهم الحسن بن عرفة وأبو القاسم البغوي وأبو إسحاق الهجيمي والقاضي أبو الطيب الطبري ﵃.
ثم إنه لا ينبغي للمحدث أن يحدث بحضرة من هو أولى منه بذلك وكان إبراهيم والشعبي إذا اجتمعا لم يتكلم إبراهيم بشئ.
وزاد بعضهم فكره الرواية ببلد فيه من المحدثين من هو أولى منه لسنه أو لغير ذلك.
روينا٥ عن يحيى بن معين قال: إذا حدثت في بلد فيه مثل أبي مسهر فيجب للحيتي أن تحلق.
وعنه أيضا إن الذي يحدث بالبلد٦ وفيها من هو أولى بالتحديث منه أحمق.
وينبغي للمحدث إذا التمس منه ما يعلمه عند غيره في بلده أو غيره بإسناد أعلى من إسناده أو٧ أرجح من وجه آخر أن يعلم الطالب به ويرشده إليه فإن الدين النصيحة.
ولا يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فيه فإنه يرجى له حصول
стр. 326
النية من بعد.
روينا عن معمر قال: كان يقال إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبي عليه العلم حتى يكون لله.
وليكن حريصا على نشره مبتغيا جزيل أجره وقد كان في السلف ﵃ من يتألف الناس على حديثه منهم عروة بن الزبير ﵄.
وليقتد بمالك فيما أخبرناه أبو القاسم الفراوي بنيسابورنا١ أبو المعالي الفارسي أنا٢ أبو بكر البيهقي الحافظ أنا٣ أبو عبد الله الحافظ أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني ثنا٤ جدي ثنا إسماعيل بن أبي أويس قال: كان مالك بن أنس إذا أراد أن يحدث توضأ وجلس على صدر فراشه وسرح لحيته وتمكن في جلوسه بوقار وهيبة وحدث فقيل له في ذلك فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ولا أحدث إلا على طهارة متمكنا.
وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو يستعجل وقال أحب أن أتفهم ما أحدث به عن رسول الله صلي الله عليه وسلم.
وروي أيضا عنه أنه كان يغتسل لذلك ويتبخر ويتطيب فإن رفع أحد صوته في مجلسه زجره و٥قال قال: الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ فمن رفع صوته عند حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم فكأنما رفع صوته فوق صوته٦.
وروينا أو بلغنا عن محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه أنه قال: "القارئ لحديث رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا قام لأحد فإنه تكتب عليه خطيئة".
ويستحب له مع أهل مجلسه ما ورد عن حبيب بن أبي ثابت أنه قال: إن
стр. 327
من السنة إذا حدث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعا.
ولا يسرد الحديث سردا يمنع السامع من إدراك بعضه وليفتح مجلسه وليختمه١ بذكر ودعاء يليق بالحال.
ومن أبلغ ما يفتتحه٢ به أن يقول الحمد لله رب العالمين أكمل الحمد على كل حال والصلاة والسلام الأتمان على سيد المرسلين كلما ذكره الذاكرون وكلما غفل عن ذكره الغافلون اللهم صل عليه وعلى آله وسائر النبيين وآل كل وسائر الصالحين نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون.
ويستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه من أعلى مراتب الراوين والسماع فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها.
وليتخذ مستمليا يبلغ عنه إذا كثر الجمع فذلك دأب أكابر المحدثين المتصدين لمثل ذلك.
وممن روي عنه ذلك مالك وشعبة ووكيع وأبو عاصم ويزيد بن هارون في عدد كثير من الأعلام السالفين.
وليكن مستمليه محصلا٣ متيقظا كيلا يقع في مثل ما روينا ان يزيد بن هارون سئل عن حديث فقال حدثنا به عدة فصاح به مستمليه يا أبا خالد عدة ابن من فقال له عدة ابن فقدتك.
وليستمل على موضع مرتفع من كرسي أو نحوه فإن لم يجد استملى قائما وعليه أن يتبع لفظ المحدث فيؤديه على وجهه من غير خلاف والفائدة في استملاء المستملي توصل من يسمع٤ لفظ المملي على بعد منه إلى تفهمه وتحققه بإبلاغ المستملي وأما من لم يسمع إلا لفظ المستملي فليس يستفيد بذلك جواز روايته لذلك عن المملي مطلقا من غير بيان للحال فيه وفي هذا كلام قد تقدم في النوع الرابع والعشرين.
ويستحب افتتاح المجلس بقراءة قارئ لشيء من القرآن العظيم فإذا فرغ استنصت
стр. 328
المستملي أهل المجلس إن كان فيه لغط١ ثم يبسمل ويحمد الله ﵎ ويصلي على رسول الله صلي الله عليه وسلم ويتحرى الأبلغ في ذلك ثم يقبل على المحدث ويقول من ذكرت أو ما ذكرت رحمك الله أو غفر الله لك او نحو ذلك.
وكلما انتهى إلى ذكر النبي صلي الله عليه وسلم صلي عليه وذكر الخطيب أنه يرفع صوته بذلك وإذا انتهى إلى ذكر الصحابي قال: ﵁.
ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه في حال٢ الرواية عنه بما هو أهل له فقد فعل ذلك غير واحد من السلف والعلماء.
كما روي عن عطاء بن أبي رباح أنه كان إذا حدث عن ابن عباس ﵄ قال: حدثني البحر
وعن وكيع أنه قال: حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث وأهم من ذلك الدعاء له عند ذكره فلا يغفلن عنه
ولا بأس بذكر من يروي عنه بما يعرف به من لقب كـ غندر لقب محمد بن جعفر صاحب شعبة ولوين لقب محمد بن سليمان المصيصي٣.
أو نسبته إلى أم يعرف٤ بها كـ يعلي بن منية الصحابي وهو ابن أمية ومنية أمه وقيل جدته ام أبيه.
أو وصف بصفة نقص في جسده عرف بها٥ كـ سليمان الأعمش عاصم الأحول إلا ما يكرهه من ذلك كما في إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية وهي أمه وقيل أم أمه.
روينا عن يحيى بن معين أنه كان يقول حدثنا إسماعيل ابن علية فنهاه أحمد بن حنبل وقال قل إسماعيل بن إبراهيم فإنه بلغني أنه كان يكره أن ينسب إلى أمه فقال قد قبلنا منك يا معلم الخير.
стр. 329
وقد استحب للمملي أن يجمع في إملائه بين الرواية عن جماعة من شيوخه مقدما للأعلى إسنادا أو الأولى من وجه آخر ويملي عن كل شيخ منهم حديثا واحدا ويختار ما علا سنده وقصر متنه فإنه أحسن وأليق وينتقي ما يمليه١ ويتحرى المستفاد منه وينبه على ما فيه من فائدة وعلو وفضيلة ويتجنب ما لا تحتمله عقول الحاضرين وما يخشى فيه من دخول الوهم عليهم في فهمه.
وكان من عادة غير واحد من المذكورين ختم الإملاء بشئ من الحكايات والنوادر والإنشادات بأسانيدها وذلك حسن٢.
وإذا قصر المحدث عن تخريج ما يمليه فاستعان ببعض حفاظ وقته فخرج له فلا بأس بذلك قال: الخطيب كان جماعة من شيوخنا يفعلون ذلك.
وإذا نجز٣ الإملاء فلا غنى عن مقابلته وإتقانه وإصلاح ما فسد منه بزيغ القلم وطغيانه.
هذه عيون من آداب المحدث اجتزأنا بها معرضين عن التطويل بما ليس من مهماتها أو هو ظاهر ليس من مشتبهاتها٤. انتهى.
قوله فليقدم تصحيح النية وإخلاصها أي للحديث الصحيح "إنما الأعمال بالنيات".
وقال سفيان الثوري قلت لحبيب بن أبي ثابت حدثنا قال: حتى تجئ النية وقيل لأبي الأحوص سلام بن سليم حدثنا فقال ليست لي نية فقالوا له إنك تؤجر فقال٥:
تمنوني الخير الكثير وليتني ... نجوت كفافا لا علي ولا ليا
стр. 330
قوله فإنه يرجى له حصول النية روي عن الثوري أنه قال: ما كان في الناس أفضل من طلبة الحديث فقال له ابن مهدي يطلبونه بغير نية قال: طلبهم إياه نية.
وعن حبيب بن أبي ثابت ومعمر بن راشد أنهما قالا طلبنا الحديث وما لنا فيه نية ثم رزق الله النية بعد.
قوله وشيوخه أحياء أي شيوخ مالك كربيعة وابن شهاب وابن هرمز ونافع ومحمد بن المنكدر وغيرهم
وقد سمع منه ابن شهاب حديث الفريضة.
قوله وأنكر القاضي عياض ذلك على ابن خلاد ويعضد ما قاله القاضي عياض ما روي عن محمد بن بشار بندار أنه حدث وهو ابن ثماني عشرة سنة.
وعن أبي بكر الأعين قال: كتبنا عن محمد بن إسماعيل البخاري على باب محمد بن يوسف الفريابي وما في وجهه من شعرة.
قال الخطيب وقد حدثت أنا ولي عشرون سنة١ كتب عني شيخنا أبو القاسم الأزهري أشياء في سنة اثنتي عشرة وأربعمائة.
وحدث الحافظ أبو العباس أحمد بن مظفر وسنه ثماني عشرة سنة سمع منه الحافظ أبو عبد الله الذهبي سنة ثلاث وتسعين وستمائة وحدث عنه في معجمه بحديث من الأفراد للدارقطني وقال عقبه أملاه علي ابن مظفر وهو أمرد.
وحدث شيخنا أبو الثناء محمد بن خليفة المنبجي وله عشرون سنة سمع منه الشيخ تقي الدين أحاديث من فضائل القرآن لأبي عبيد.
قال الحافظ زين الدين العراقي وسمع علي صاحبنا أبو محمود محمد بن إبراهيم المقدمي٢ ولي عشرون سنة سنة خمس وأربعين وشيخنا الحافظ عماد الدين بن كثير حدثنا من أمالي ابن شمعون ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة سنة أربع وخمسين بدمشق.
قال: وهذا ونحوه من رواية الأكابر عن الأصاغر.
стр. 331
قوله في كلام ابن خلاد أن يحدث احتسابا قال: كالحضرمي وموسى وعبدان قال: ولم أر أن١ بفهم أبي خليفة وضبطه بأسا مع سنه.
وحدث من الصحابة بعد الثمانين أنس وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن سعد في آخرين.
ومن التابعين شريح القاضي ومجاهد والشعبي في آخرين.
ومن أتباعهم مالك والليث وابن عيينة في آخرين.
وعن مالك قال: إنما يخرف٢ الكذابون.
وممن حدث بعد المائة من الصحابة حكيم بن حزام.
ومن التابعين شريك بن عبد الله النمري.
وممن بعدهم الحسن بن عرفة وأبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي وأبو إسحاق إبراهيم بن علي الهجيمي حدث وهو ابن مائة وثلاث سنين والقاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري والحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي وغيرهم.
ولم يتغير أحد منهم وقرأ القارئ يوما على الهجيمي بعد أن جاوز المائة وأراد اختباره بذلك:
إن الجبان حتفه من فوقه ... كالكلب يحمي جلده بروقه
فقال له الهجيمي:
قل الثور يا ثور فإن الكلب لا روق له
ففرح الناس بصحة عقله وجودة حسه
قال الجوهري: والروق: القرن:
قوله: ولا يسرد الحديث لما في الصحيحين من حديث عائشة قالت: "إن النبي صلي الله عليه وسلم لم يكن يسرد الحديث كسردكم".
стр. 332
زاد الترمذي ولكنه كان يتكلم بكلام بين فصل يحفظه من جلس إليه وقال حديث حسن صحيح.
قوله وليتخذ مستمليا يبلغ عنه أي لما روينا في سنن أبي داود والنسائي من حديث رافع بن عمرو قال: رأيت رسول الله صلي الله عليه وسلم يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء وعلي ﵁ يعبر عنه.
فإن تكاثر الجمع بحيث لا يكتفي بمستمل واحد اتخذ مستمليين فأكثر.
روي أن أبا مسلم الكجي أملى في رحبة حسان ١وكان في مجلسه سبعة مستمليين٢ يبلغ كل واحد صاحبه الذي يليه وكتب الناس عنه قياما بأيديهم المحابر ثم فتحت الرحبة وحسب من حضر بمحبرة فبلغ ذلك نيفا وأربعين ألف محبرة سوى النظارة.
وروي ان مجلس عاصم بن علي كان يحزر بأكثر من مائة ألف إنسان وكان يستملي عليه هارون الديك وهارون مكحلة.
قال الخطيب ويستحب استفتاح المجلس بسورة من القرآن.
ثم روى بإسناده إلى أبي نضرة قال: كان أصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا اجتمعوا تذاكروا العلم وقرأوا سورة.
وحيث احتيج إلى الاستنصات استنصت المملي الناس لما في الصحيحن من حديث جرير أن النبي صلي الله عليه وسلم قال: له في حجة الوداع: "استنصت الناس".
ثم يقبل على الشيخ قائلا له من ذكرت أي من الشيوخ أو ما ذكرت أي من الأحاديث.
وقال يحيى بن أكثم نلت القضاء وقضاء القضاة والوزارة وكذا وكذا ما سررت بشيء مثل قول المستملي من ذكرت رحمك٣ الله.
واعترض على قوله وأما من لم يسمع إلا لفظ المستملي فليس يستفيد بذلك جواز روايته إلى آخره بانه حكى في النوع الرابع: والعشرين في جواز
стр. 333
الرواية بذلك قولين واستبعد الجواز والصواب كما تقدم أنه إن كان المملي سمع لفظ المستملي فحكم المستملي حكم القارئ على الشيخ فيجوز لسامع المستملي أن يرويه عن الملي لكن لا يجوز أن يقول سمعت ولا أخبرني فلان إملاء إنما يجوز ذلك لمن سمع لفظ المملي ويجوز أن يقول أخبرنا فلان ويطلق ذلك على الصحيح.
وهل يجوز أن يقيد ذلك بقوله قرآءة عليه.
يحتمل أن يقال بالجواز لأن المستملي كالقارىء على الشيخ ويحتمل ان لا يجوز ذلك لأن موضوع١ المستملي تبليغ ألفاظ الشيخ وليس قصده القرآءة على الشيخ والأول أظهر.
واعترض أيضا على قوله كيعلى بن منية وهي أمه وقيل جدته ام أبيه مع أنه اقتصر في النوع السابع والخمسين على أنها جدته وحكاه عن الزبير بن بكار وكذا جزم به أبو نصر٢ بن ماكولا وخطأه ابن عبد البر فقال هي أمه وهو الصواب كما قاله الطبري وأبو الحجاج المزي فالصواب ما قاله هنا ولا اعتراض.
ولا بأس بوصف شيخه بوصف حسن كقول أبي مسلم الخولاني حدثني الحبيب الأمين أما هو إلي فحبيب وأما هو عندي فأمين عوف بن مالك رواه مسلم.
وكقول مسروق حدثتني الصديقة٣ بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة.
وكقول عطاء بن أبي رباح حدثني البحر يعني ابن عباس.
وكقول الشعبي حدثني الربيع بن خثيم وكان من معادن الصدق.
وكقول ابن عيينة حدثنا أوثق الناس أيوب.
وكقول شعبة حدثني سيد الفقهاء أيوب.
وقال وكيع حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث.
وقال ابن خزيمة ثنا من لم تر عيناي مثله محمد بن أسلم الطوسي.
стр. 334
وقال شيخنا العلائي أبو سعيد ثنا الرضي أبو إسحاق الطبري وهو أجل شيخ لقيته.
وكذا لا بأس بنحو قوله غندر ولوين كما تقدم ومشكدانة لعبد الله بن عمر الكوفي وعارم محمد بن الفضل السدوسي وسعدويه سعيد بن سليمان الواسطي وصاعقة محمد بن عبد الرحيم البغدادي ومطين محمد بن عبد الله الحضرمي ونفطويه إبراهيم بن محمد بن عرفة النحوي.
ويصفه أيضا بالطول والقصر والزرقة والشقرة والحمرة والصفرة والعرج والعمى والعور والعمش والحول والإقعاد والشلل.
كـ عمران القصير وأبي معاوية الضرير وهارون بن موسى الأعور وسليمان الأحمر وعبد الرحمن بن هرمز الأعرج وعاصم الأحول وأبي معمر المقعد ومنصور الأشل.
وكذا يصفه باسم أمه كما تقدم في يعلي بن منية كـ ابن بحينة وابن أم مكتوم والحارث بن البرصاء من الصحابة.
ومن بعدهم كـ منصور ابن صفية وإسماعيل ابن علية وتقدم أنه كان يكره ذلك.
قوله ويختار ما علا سنده
قال الخطيب ومن أنفع ما يملى١ الأحاديث الفقهية وأحاديث الترغيب.
وإذا روى حديثا فيه كلام غريب فسره أو معنى غامض بينه وأظهره٢.
قال وعن ابن مهدي لو استقبلت من أمري ما استدبرت لكتبت بجنب كل حديث تفسيره.
قال ويبين فضل ما يرويه والمعاني التي لا يعرفها إلا الحفاظ من أمثاله وذويه٣ فإن كان الحديث عاليا علوا متفاوتا وصفه بذلك وكذا إذا كان راوية غاية في الثقة والعدالة فإن كان في الحديث علة بينها أو في الإسناد اسم يشاكل
стр. 335
غيره في الصورة بين صورة إعجامه ونبه على تاريخ سماعه القديم وكونه انفرد على شيخه ويملي عن كل شيخ حديثا واحدا فإنه أعم للفائدة وينبغي١ من الرواة الثقات ولا يروي عن كذاب ولا متظاهر ببدعة ولا معروف بفسق ولا يروي ما لا تحتمله عقول العوام مما٢ لا يؤمن عليهم فيه الخطأ والأوهام من تشبيه الله تعالى بخلقه وما يستحيل عليه من وصفه نحو أحاديث الصفات التي ظاهرها يقتضي التشبيه والتجسيم وإثبات الجوارح والأعضاء للأزلي القديم تعالى الله عن ذلك٣ وإن كانت الأحاديث صحاحا ولها في التأويل طرق ووجوه إلا أن من حقها أن لا تروى إلا لأهلها٤ خوفا من أنه٥ يضل بها من جهل معانيها فيحملها على ظاهرها أو يستنكرها فيردها ويكذب رواتها ونقلتها.
ثم روى حديث أبي هريرة٦: "كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع" وقول علي تحبون٧ أن يكذب الله ورسوله؟ حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون".
وقول ابن مسعود إن الرجل ليحدث بالحديث فيسمعه٨ من لا يبلغ عقله فهم ذلك الحديث فيكون عليه فتنة.
قال ومما رأى العلماء أن الصدوف٩ عن روايته للعوام أولى أحاديث الرخص كحديث الرخصة في النبيذ.
стр. 336
ثم ذكر كراهة١ رواية أحاديث بني إسرائيل المأثورة٢ عن أهل الكتاب وما نقل عن أهل الكتاب.
ثم روى عن الشافعي أن معنى حديث حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج أي لا بأس أن تحدثوا عنهم ما٣ سمعتم وإن استحال أن يكون في هذه الأمة مثل ما روي أن ثيابهم٤ تطول والنار التي تنزل من السماء فتأكل القربان٥
وقال بعض العلماء إن قوله ولا حرج في موضع الحال أي حدثوا عنهم حيث لا حرج في التحديث عنهم كما حفظ عن رسول الله صلي الله عليه وسلم من أخبارهم٦.
قال وعن صحابته وعن العلماء فإن روايته تجوز.
قال وليجتنب ما شجر بين الصحابة انتهى كلام الخطيب٧.
وأما ما ذكره في كتاب النجوم له من حديث ابن مسعود عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "إذا ذكر أصحابي فأمسكوا. وكذا رواه ابن عدي من حديث ابن عمر فإنه لا يصح.
قوله ختم الإملاء بشيء من الحكايات والنوادر كقول علي ﵁ روحوا القلوب وابتغوا طرف٨ الحكمة.
وكان الزهري يقول لأصحابه هاتوا من أشعاركم هاتوا من حديثكم فإن الأذن مجة والقلب حمض.
стр. 337
وعن حماد بن زيد أنه حده بأحاديث ثم قال: لتأخذوا في أبزار الجنة فحدثنا بالحكايات.
وعن كثير بن أفلح قال: آخر مجلس جالسنا فيه زيد بن ثابت تناشدنا فيه الشعر.
قوله وإذا قصر المحدث عن تخريج ما يمكنه أي فإنه يستعين بغيره من حفاظ وقته على تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها وممن استعان من المتأخرين أبو الحسين بن بشران١ والقاضي أبو عمر الهاشمي وأبو القاسم السراج وغيرهم٢.
واعترض على قوله وإذا نجز الإملاء فلا غنى عن مقابلته إلى آخره بأنه قدم في النوع الخامس: والعشرين الترخيص في الرواية من نسخة غير مقابلة بشروط ثلاثة لم يذكرها هنا.
ورد بانه يحتمل أن يكون كلامه هنا محمولا على ما تقدم هناك ويحتمل أن يفرق بين النسخ من أصل السماع والنسخ من إملاء الشيخ حفظا لأن الحفظ يخون فربما تذكر الشيخ عند المعارضة ما لعله سبق إلى لفظه٣.
مع أن المقابلة للإملاء إنما هي مع الشيخ أيضا من حفظه لا على أصوله.
ولم يشترط الخطيب مقابلة الإملاء إلا أنه روى بسنده إلى زيد بن ثابت قال: كنت أكتب الوحي لرسول الله صلي الله عليه وسلم فإذا٤ فرغت قال: "اقرأه" فإن كان فيه سقط أقامه ثم يخرج به.
وقوله: نجز بكسر الجيم على المشهور وبه جزم الجوهري فقال نجز الشيء ينجز نجزا أي انقضى وفنى كذا قيده المصنف حين قرئ عليه.
وقال صاحب المحكم٥ نجز الكلام بالفتح أي انقطع ونجز الوعد ينجز نجزا حضر.
وقال وقد يقال نجز بالكسر.
وقال ابن السكيت كأن نجز فني وكأن نجز قضى حاجته.
стр. 338
النوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث .
و١قد اندرج طرف منه في ضمن ما تقدم.
فأول ما عليه تحقيق الإخلاص والحذر من أن يتخذه وصلة إلى شيء من الأغراض الدنيوية.
روينا عن حماد بن سلمة أنه قال: من طلب الحديث لغير الله مكر به.
وروينا عن سفيان الثوري قال: ما أعلم عملا هو أفضل من طلب الحديث لمن أراد الله به.
وروينا نحوه عن ابن المبارك ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه ما روينا عن أبي عمرو إسماعيل بن نجيد أنه سأل أبا جعفر٢ أحمد بن حمدان وكانا عبدين صالحين فقال له بأي نية أكتب الحديث فقال ألستم ترون٣ أن عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة قال: نعم قال: فرسول الله صلي الله عليه وسلم رأس الصالحين.
وليسأل الله ﵎ التيسير والتأييد والتوفيق والتسديد وليأخذ نفسه بالأخلاق الزكية والآداب الرضية
فقد روينا عن أبي عاصم النبيل قال: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين فيجب أن يكون خير الناس.
وفي السن الذي يستحب فيه٤ الابتداء بسماع الحديث وبكتبه اختلاف.
стр. 339
سبق بيانه١ في أول النوع الرابع والعشرين.
وإذا أخذ فيه فليشمر عن ساق جهده واجتهاده ويبدأ بالسماع من أسند شيوخ مصره٢ ومن الأولى فالأولى من حيث العلم او الشهرة او الشرف او غير ذلك.
وإذا فرغ من سماع العوالي والمهمات التي ببلده فليرحل إلى غيره روينا عن يحيى بن معين أنه قال: أربعة لا تؤنس منهم رشدا حارس الدرب ومنادي القاضي وابن المحدث ورجل يكتب في بلده ولا يرحل في طلب الحديث.
وروينا عن أحمد بن حنبل أنه قيل له أيرحل الرجل في طلب العلو فقال بلى والله شديدا لقد كان علقمة والأسود يبلغهما الحديث عن عمر رضي الل هـ عنه فلا يقنعهما حتى يخرجا إلى عمر فيسمعانه منه.
وعن إبراهيم بن أدهم قال: إن الله تعالى يدفع البلاء عن هذه الأمة برحلة أصحاب الحديث.
ولا يحملنه الحرص والشره على التساهل في السماع والتحمل والإخلال بما يشترط عليه في ذلك على ما تقدم شرحه.
وليستعمل ما يسمعه من الأحاديث الواردة بالصلاة والتسبيح وغيرهما من الأعمال الصالحة فذلك زكاة الحديث على ما روينا عن العبد الصالح بشر الحافي وروينا عنه أيضا أنه قال: يا أصحاب الحديث أدوا زكاة هذا الحديث اعملوا من كل مائتي حديث بخمسة أحاديث.
وروينا عن عمرو بن قيس الملائي قال: إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله.
وروينا عن وكيع قال: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به.
وليعظم شيخه ومن يسمع منه فذلك من إجلال الحديث والعلم ولا يثقل عليه ولا يطول بحيث يضجره فإنه يخشى على فاعل ذلك ان يحرم الانتفاع.
стр. 340
وقد روينا عن الزهري أنه قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه نصيب.
ومن ظفر من الطلبة بسماع شيخ فكتمه١ غيره لينفرد به عنهم كان جديرا بألا ينتفع به وذلك من اللؤم الذي يقع فيه جهلة الطلبة الوضعاء.
ومن أول فائدة طلب الحديث الإفادة.
روينا عن مالك ﵁ أنه قال: من بركة الحديث إفادة بعضهم بعضا.
وروينا عن إسحاق بن إبراهيم بن٢ راهويه أنه قال: لبعض من سمع منه في جماعة انسخ من كتابهم ما قد قرأت فقال إنهم لا يمكنونني قال: إذا والله لا يفلحون قد رأينا أقواما منعوا هذا السماع فوالله ما أفلحوا ولا أنجحوا٣ قلت وقد رأينا نحن أقواما منعوا السماع فما أفلحوا ولا أنجحوا ونسأل الله العافية ولا يكن ممن يمنعه الحياء او الكبر عن كثير من الطلب.
وقد روينا عن مجاهد ﵁ أنه قال: لا يتعلم مستحي٤ ولا مستكبر وروينا عن عمر بن الخطاب وابنه ﵄ أنهما قالا من رق وجهه رق علمه.
ولا يأنف من أن يكتب عمن دونه ما يستفيده منه.
روينا عن وكيع بن الجراح ﵁ أنه قال: لا ينبل الرجل من أهل٥ الحديث حتى يكتب عمن هو فوقه وعمن هو مثله٦ وعمن هو دونه
وليس بموفق من ضيع شيئا من وقته في الاستكثار من الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها.
стр. 341
وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي إذا كتبت فقمش١ وإذا حدثت ففتش.
وليكتب وليسمع ما يقع٢ إليه من كتاب أو جزء على التمام ولا ينتخب فقد قال: ابن المبارك ما انتخبت على عالم قط إلا ندمت.
وروينا عنه أنه قال: لا ينتخب على عالم إلا بذنب.
وروينا أو بلغنا عن يحيى بن معين أنه قال: سيندم المنتخب في الحديث حين لا تنفعه الندامة.
فإن ضاقت به الحال عن الاستيعاب وأحوج إلى الانتقاء والانتخاب تولى ذلك بنفسه إن كان أهلا مميزا عارفا بما يصلح للانتفاء والاختيار فإن٣ كان قاصرا عن ذلك استعان ببعض الحفاظ لينتخب له.
وقد كان جماعة من الحفاظ متصدين للانتقاء على الشيوخ والطلبة تسمع وتكتب بانتخابهم منهم إبراهيم بن أرمة٤ الأصبهاني وأبو عبد الله الحسين بن محمد المعروف بعبيد العجل وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر الجعابي في آخرين وكانت العادة جارية برسم الحافظ علامة في أصل الشيخ على ما ينتخبه فكان٥ النعيمي أبو الحسن يعلم بصاد ممدودة وأبو محمد الخلال بطاء ممدودة وأبو الفضل الفلكي بصورة همزتين وكلهم يعلم بحبر في الحاشية اليمنى من الورقة.
وعلم الدارقطني في الحاشية اليسرى بخط عريض بالحمرة وكان أبو القاسم الالكائي الحافظ يعلم بخط صغير بالحمرة على أول إسناد الحديث.
ولا حجر في ذلك ولكل الخيار. انتهى.
стр. 342
قوله فأول ما عليه تحقيق١ الإخلاص أي لما روينا في سنن أبي داود وابن ماجة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم: "من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة".
قال الخطيب ينبغي له إذا عزم على سماع الحديث أن يقدم المسألة لله تعالى أن يوفقه فيه ويعينه عليه ثم يبادر إلى السماع ولا يتأخر.
ففي مسلم من حديث أبي هريرة قال٢: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز".
وليجد في طلبه فعن يحيى بن أبي كثير قال: لا ينال العلم براحة الجسد٣.
وعن الشافعي أنه قال: لا يطلب هذا العلم من يطلبه بالتملك وغنى النفس فيفلح ولكن من طلبه بذلة النفس وضيق العيش٤ وذلة أفلح٥.
قال الخطيب ويعمد إلى أسند٦ شيوخ عصره وأقدمهم سماعا ويديم٧ الاختلاف إليه ويواصل العكوف عليه فيقدم السماع منه٨ فإن تكافأت٩ أسانيد جماعة في العلو وأراد الاقتصار على بعضهم تخير المشهور منهم بطلب
стр. 343
الحديث المشار إليه بالإتقان له والمعرفة فإن تساووا فذو الشرف والنسب.
ويبدأ بكتب حديث بلده ومعرفة أهله منهم وبفهمه وضبطه ثم يرحل إلى البلدان.
وعن أبي عبيدة من شغل نفسه بغير المهم أضر بالمهم.
وقال الخطيب المقصود برحلة الحديث١ أمران أحدهما تحصيل علو الإسناد وقدم السماع والثاني: لقاء الحفاظ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم.
فإذا وجد الأمران في بلد الطالب دون غيره فلا فائدة في الرحلة وإن وجدا فيه وفي غيره إلا ان ما في كل واحد من البلدين يختص٢ به أي من العوالي والحفاظ فالمستحب للطالب الرحلة لجمع الفائدتين من علو الإسناد وعلم الطائفتين لكن بعد تحصليه حديث بلده وتمهره في المعرفة به.
وإذا عزم على الرحلة فينبغي له أن لا يترك في بلده من الرواة أحدا إلا ويكتب عنه ما تيسر من الأحاديث وإن قلت لقول بعضهم٣ ضيع ورقة ولا تضيعن شيخا.
وعن أحمد أنه سأله ابنه عبد الله عمن طلب٤ العلم ترى له أن يلزم رجلا عنده علم فيكتب عنه أو ترى له أن يرحل إلى المواضع التي فيها العلماء٥ فيسمع منهم قال: يرحل يكتب عن الكوفيين والبصريين وأهل مكة والمدينة يشام٦ الناس يسمع منهم.
стр. 344
وقال الخطيب ليعلم طالب العلم١ ان شهوة السماع لا تنتهي والنهمة من الطلب لا تنقضي والعلم كالبحار المتعذر كيلها والمعادن التي لا ينقطع نيلها فلا٢ ينبغي له ان يشتغل في الغربة إلا بما تستحق٣ لأجله الرحلة.
قوله ويستعمل ما يسمعه من الأحاديث أي لما في حديث علي ﵁ ان رجلا قال: يا رسول الله ما ينفي عني حجة الجهل قال: العلم قال: فما ينفي عني حجة العلم قال: العمل٤.
وعن إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع قال: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به٥.
وعن أحمد أنه قال: ما كتبت حديثا إلا وقد عملت به حتى مر بي في٦ الحديث أن النبي صلي الله عليه وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة دينارا فأعطيت الحجام دينار حين احتجمت.
وليجل شيخه فعن مغيرة قال: كنا نهاب إبراهيم كما نهاب٧ الأمير.
وعن البخاري قال: ما رأيت أحدا اوقر للمحدثين من يحيى بن معين.
قال الخطيب وإذا حدثه فليأخذ منه العفو ولا يضجره فالإضجار يغير الأفهام ويفسد الأخلاق ويحيل الطباع
وقد كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خلقا فلم يزالوا به حتى ساء خلقه.
стр. 345
وعن محمد بن سيرين أنه سأله رجل عن حديث وهو يريد القيام١ فقال إنك إن كلفتني مالم أطق ساءك ما سرك مني٢ من خلق.
وكان أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن المرادي قد كبر وعجز عن الإسماع فأضجره بعض من سمع عليه العمدة بإجازته من ابن عبد الدائم فقال له لا أحياك الله لترويها عني وكان كذلك٣.
قوله فكتمه غيره أي كتم السماع أو الشيخ لينفرد به.
وعن يحيى بن معين أنه قال: من بخل بالحديث وكتم على الناس سماعهم لم يفلح.
قال الخطيب والذي نستحبه إفادة الحديث لمن لم يسمعه٤ والدلالة على المشايخ٥ والتنبيه على رواياتهم.
قال فإن٦ أقل ما في ذلك النصح للطالب والحفظ للمطلوب مع ما يكتسب به من جزيل الأجر وجميل الذكر
ثم روى بسنده إلى ابن عباس مرفوعا قال: إخواني تناصحوا في العلم ولا يكتم بعضكم بعضا فإن خيانه الرجل في علمه أشد من خيانته في ماله.
وأما ما روي عن جماعة أنهم فعلوا ذلك كـ شعبة والثوري ونعيم والليث وابن جريج وابن عيينة وابن لهيعة وعبد الرزاق فإنه إن صح ذلك عنهم فإنه محمول على كتمه عن من٧ لم يروه أهلا لذلك أو على أنه لم يقبل الصواب إذا
стр. 346
أرشد إليه أو لنكتة اطلعوا عليها في الطالب١ وهذا هو الظن بهذه٢ السادة الأعلام فقد قال: الخطيب من أداه لجهله فرط التيه والإعجاب إلى المحاماة٣ عن الخطإ والمماراة في الصواب فهو بذلك الوصف مذموم مأثوم ومحتجز الفائدة عنه غير مؤنب٤ ولا ملوم.
وقد قال: الخليل بن أحمد لأبي عبيدة معمر بن المثنى لا تردن على معجب خطئا فيستفيد منك علما ويتخذك به عدوا.
ويجتهد في تحصيل الفائدة سواء وقعت له بعلو أو نزول٥.
قال المصنف وليس من ذلك قول الرازي إذا كتبت فقمش والقمش والتقميش جمع الشيء من هاهنا وها هنا أي اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر ذلك حتى تنظر فيمن حدثك أهو اهل أن يؤخذ عنه أم لا فربما فات ذلك بموت الشيخ او سفره أو سفرك فإذا كان وقت الرواية أو وقت العمل بذلك ففتش حينئذ وقد ترجم عليه الخطيب باب من قال: يكتب عن كل أحد٦.
ويحتمل أن يكون مراد أبي حاتم استيعاب الكتاب المسموع وترك انتخابه أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل ويكون النظر فيه حالة الرواية.
وقد يكون قصد المحدث تكثير طرق الحديث وجمع٧ أطرافه فتكثر٨.
стр. 347
لذلك شيوخه.
ولا بأس بذلك فعن أبي حاتم لو لم يكتب١ الحديث من ستين وجها ما عقلناه.
وقد وصف بالإكثار من الشيوخ الثوري وأبو داود الطيالسي ويونس بن محمد المؤدب ومحمد بن يونس الكديمي وأبو عبد الله بن مندة والقاسم بن داود البغدادي روي عنه قال: كتبت عن ستة الآف شيخ٢
قوله ولا ينتخب أي إذا وقع له كتاب او جزء فلا ينتخب منه بل يكتبه كله ويسمعه كله فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخب منه فيندم.
وفرق الخطيب فقال إن كان الشيخ عسرا والطالب واردا غريبا فينبغي له ان ينتقي حديثه وينتخبه ويكتب عنه ما لا يجده عند غيره ويتجنب المعاد من روايته٣.
وهكذا حكم الواردين الغرباء٤ الذين لا يمكنهم طول الإقامة والثواء.
قال هذا إذا تميز الطالب معاد٥ حديثه من غيره فغن لم يتميز فالأولى ان يكتب جميع حديثه ولا ينتخبه٦.
أي إن كان عارفا بالانتخاب.
قال يحيى بن معين دفع إلي ابن وهب كتابين عن معاوية بن صالح خمس مائة او ستمائة حديث فانتقيت شرارها لم يكن بها٧ يومئذ معرفة٨
стр. 348
قال ثم لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وفهمه فيكون قد أتعب نفسه من غير ان يظفر بطائل وبغير أن يحصل في عداد أهل الحديث بل لم يزد على أن صار من المتشبهين المنقوصين المتحلين بما هم منه عاطلون.
أنشدني أبو المظفر بن الحافظ أبي سعد١ السمعاني لفظا بمدينة مرو قال: أنشدنا والدي لفظا او قراءة عليه قال: أنشدنا محمد بن ناصر السلامي٢ من لفظه قال: أنشدني الأديب الفاضل فارس بن الحسين لنفسه.
يا طالب العلم الذي ... ذهبت بمدته الروايه
كن في الرواية ذا العناية ... بالرواية والدرايه
وارو القليل وراعه ... فالعلم ليس له نهاية
وليقدم العناية بـ الصحيحين ثم بسنن٣ أبي داود وسنن النسائي وكتاب الترمذي ضبطا لمشكلها وفهما لخفي معانيها ولا يخدعن عن كتاب السنن الكبير للبيهقي٤ فإنا لا نعلم مثله في بابه ثم بسائر ما تمس حاجة صاحب الحديث إليه من كتب المسانيد كمسند٥ أحمد ومن كتب الجوامع المصنفة في الأحكام المشتملة على المسانيد وغيرها وموطأ مالك هو المقدم منها ومن كتب علل الحديث ومن أجودها كتاب العلل عن أحمد بن حنبل وكتاب العلل عن الدارقطني ومن كتب معرفة الرجال وتواريخ المحدثين ومن أفضلها تاريخ البخاري الكبير وكتاب الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ومن كتب الضبط
стр. 349
لمشكل١ الأسماء ومن أكملها كتاب الإكمال لأبي نصر بن ماكولا.
وليكن كلما مر به اسم مشكل أو كلمة من٢ حديث مشكلة بحث٣ عنها وأودعها قلبه فإنه يجتمع له بذلك علم كثير في يسر.
وليكن تحفظه للحديث على التدريج قليلا قليلا مع الأيام والليالي فذلك أحرى بأن يمتع بمحفوظه.
وممن ورد ذلك عنه من حفاظ الحديث المتقدمين شعبة وابن علية ومعمر.
وروينا عن معمر قال: سمعت الزهري يقول من طلب العلم جملة فاته جملة وإنما يدرك العلم حديثا وحديثين
وليكن الإتقان من شأنه فقد قال: عبد الرحمن بن مهدي الحفظ الإتقان.
ثم إن المذاكرة بما يتحفظه من أقوى أسباب الإمتاع به.
روينا عن علقمة النخعي قال: تذاكروا الحديث فإن حياته ذكره.
وعن إبراهيم النخعي قال: من سره أن يحفظ الحديث فليحدث به ولو أن يحدث به من لا يشتهيه.
وليشتغل بالتخريج والتأليف والتصنيف إذا استعد لذلك وتأهل له فإنه كما قال: الخطيب الحافظ يثبت الحفظ ويذكي القلب ويشحذ الطبع ويجيد البيان ويكشف الملتبس ويكسب جميل الذكر ويخلده إلى آخر الدهر وقل ما يمهر في علم الحديث ويقف على غوامضه ويستبين الخفي من فوائده إلا من فعل ذلك.
وحدثني الصوري الحافظ محمد بن علي قال: رأيت أبا محمد عبد الغني ابن سعيد الحافظ في المنام فقال لي يا أبا عبد الله خرج وصنف قبل أن يحال بينك وبينه هذا أنا تراني قد حيل بيني وبين ذلك.
وللعلماء بالحديث في تصنيفهم طريقتان إحداهما التصنيف على الأبواب
стр. 350
وهو تخريجه على أحكام الفقه وغيرها وتنويعه أنواعا وجمع ما ورد في كل حكم وكل نوع في باب فباب.
و١الثانية تصنيفه على المسانيد وجمع حديث كل صحابي وحده وإن اختلفت أنواعه.
ولمن اختار ذلك ان يرتبه على حروف المعجم في أسمائهم وله أن يرتبه على القبائل فيبدأ ببني هاشم ثم بالأقرب فالأقرب نسبا من رسول الله صلي الله عليه وسلم وله أن يرتب على سوابق الصحابة فيبدأ بالعشرة ثم بأهل بدر ثم بأهل٢ الحديبية ثم بمن أسلم وهاجر بين الحديبية٣ وفتح مكة ويختم بأصاغر الصحابة كأبي الطفيل ونظرائه ثم بالنساء وهذا أحسن والأول أسهل وفي ذلك من وجوه الترتيب غير ذلك.
ثم إن من أعلى المراتب في تصنيفه تصنيفه٤ معللا بأن يجمع في كل حديث طرقه واختلاف الرواة فيه كما فعل يعقوب بن شيبة في مسنده.
ومما يعتنون به في التأليف جمع الشيوخ أي جمع حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده.
قال عثمان بن سعيد الدارمي يقال٥ من لم يجمع حديث هؤلاء الخمسة فهو مفلس في الحديث سفيان وشعبة ومالك وحماد بن زيد وابن عيينة وهم أصول الدين.
وأصحاب الحديث يجمعون حديث خلق كثير غير الذين ذكرهم الدارمي منهم أيوب السختياني والزهري والأوزاعي.
ويجمعون أيضا التراجم وهي أسانيد يخصون ما جاء بها بالجمع والتأليف مثل ترجمة مالك عن نافع عن ابن عمر وترجمة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي
стр. 351
هريرة وترجمة هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة في أشباه لذلك كثيرة.
ويجمعون أيضا أبوابا من أبواب الكتب المصنفة الجامعة للأحكام فيفردونها بالتأليف فتصير كتبا مفردة نحو باب رؤية الله وباب رفع اليدين وباب القراءة خلف الإمام وغير ذلك.
ويفردون أحاديث فيجمعون طرقها في كتب مفردة نحو طرق حديث قبض العلم وحديث الغسل يوم الجمعة وغير ذلك.
وكثير من أنواع كتابنا هذا قد أفردوا أحاديثه بالجمع والتصنيف.
وعليه في كل ذلك تصحيح القصد والحذر من قصد المكاثرة ونحوه.
بلغنا عن حمزة بن محمد الكناني أنه خرج حديثا واحدا من نحو مائتي طريق فأعجبه ذلك فرأى يحيى بن معين في منامه فذكر له ذلك فقال له أخشى أن يدخل هذا تحت ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ .
ثم ليحذر أن يخرج إلى الناس ما يصنفه إلا بعد تهذيبه وتحريره وإعادة النظر فيه وتكريره.
وليتق أن يجمع ما لم يتأهل بعد لاجتناء ثمرته واقتناص١ فائدة جمعه كيلا يكون حكمه ما رويناه عن علي ابن المديني قال: إذا رأيت الحدث٢ أول ما يكتب الحديث يجمع حديث الغسل وحديث من كذب فاكتب على قفاه لا يفلح.
ثم إن هذا الكتاب مدخل٣ إلى هذا الشأن مفصح٤ عن أصوله وفروعه شارح٥ لمصطلحات أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدث بالجهل بها٦ نقصا فاحشا فهو إن شاء الله جدير بأن تقدم العناية به ونسأل الله سبحانه فضله العظيم. انتهى
стр. 352
قوله ثم لا ينبغي لطالب الحديث أي لا يقتصر على السماع والكتابة بل لا بد مع ذلك من معرفة درايته وفهمه وما يتعلق بمعانيه.
وعن أبي عاصم النبيل أنه قال: الرئاسة في الحديث بلا دارية رئاسة نذلة.
قال الخطيب هي١ اجتماع الطلبة على الراوي للسماع منه٢ عند علو سنه.
قال فإذا٣ تميز الطالب بفهم الحديث ومعرفته تعجل بركة ذلك في شبيبته.
قال ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخليده الصحف دون التميز٤ بمعرفة صحيحه من فاسده والوقوف على اختلاف وجوهه والتصرف في أنواع علومه إلا تلقيب المعتزلة القدرية٥ من سلك تلك الطريقة بالحشوية لوجب على الطالب الأنفة لنفسه ودفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه.
وينبغي له أن يقدم قراءة كتاب في علوم الحديث حفظا او تفهما ليعرف مصطلح أهله ويسارع إلى المحافظة على السماع وأهم ذلك ما ذكره المصنف من المصنفات.
وقال الخطيب بعد أن ذكر الكتب الخمسة٦ ثم كتب المسانيد الكبار مثل مسند أحمد وابن راهويه وأبي بكر بن أبي شيبة٧ وأبي خيثمة وعبد بن حميد وأحمد بن سنان والحسن بن سفيان ومحمد بن أيوب الرازي٨.
стр. 353
ثم الكتب المصنفة١ مثل كتب ابن جريج وابن أبي عروبة وابن المبارك وابن عيينة وهشيم وابن وهب والوليد بن مسلم ووكيع وعبد الوهاب بن عطاء وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وغيرهم.
قال وأما موطأ مالك فهو المقدم في هذا النوع ويجب أن يبتدأ بذكره على كل كتاب لغيره.
ثم الكتب المتعلقة بعلل الحديث فمنها كتاب أحمد بن حنبل وابن المديني وابن أبي حاتم وأبي علي النيسابوري والدارقطني والتمييز لمسلم.
ثم تواريخ المحدثين٢ مثل كتاب ابن معين رواية عباس ورواية المفضل الغلابي ورواية الحسين بن حبان٣ وتاريخ خليفة وأبي حسان الزيادي ويعقوب الفسوي وابن أبي خيثمة وأبي زرعة الدمشقي وحنبل بن إسحاق والسراج والجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
قال ويربي على هذه الكتب كلها تاريخ محمد بن إسماعيل البخاري.
أي التاريخ الكبير وله ثلاثة تواريخ.
قوله على التدريج قليلا قليلا أي فلا يكلف نفسه حفظ ما لا يطيقه ففي الحديث الصحيح خذوا من الأعمال ما تطيقون.
وعن الثوري قال: كنت آتي الأعمش ومنصورا فأسمع أربعة أحاديث خمسة٤ ثم انصرف كراهية أن تكثر وتفلت.
ونحوه عن شعبة وابن علية ومعمر.
وعن الزهري أنه قال: إن هذا العلم إن أخذته بالمكاثرة٥ له غلبك ولكن خذه مع الليالي والأيام أخذا رفيقا تظفر به.
стр. 354
ومما يعين على الحفظ المذاكرة١ لقول علي ﵁ تذاكروا الحديث فإن حياته مذاكرته.
ونحوه عن أبي سعيد الخدري ﵁ وابن عباس.
وعن الخليل بن أحمد ذاكر بعلمك تذكر ما عندك وتستفيد ما ليس عندك.
وعن عبد الله بن المعتز قال: من أكثر مذاكرة العلماء لم ينس ما علم واستفاد ما لم يعلم.
قوله وليشتغل بالتخريج أي لقول بعضهم٢ من أراد الفائدة فليكسر قلم النسخ وليأخذ قلم التخريج.
والتخريج يكتب الذكر إلى آخر الدهر كما قال: الشاعر:
يموت قوم فيحيي العلم ذكرهم ... والجهل يلحق أمواتا٣ بأموات
وعن الدارقطني أول من صنف مسندا وتتبعه نعيم بن حماد.
قال الخطيب وقد صنف أسد بن موسى مسندا وكان أكبر من نعيم سنا وأقدم سماعا فيحتمل أن يكون نعيم سبقه في حداثته.
قال الخطيب يستحب أن يصنف المسند معللا فإن معرفة العلل أجل٤ أنواع الحديث.
وعن عبد الرحمن بن مهدي قال: لأن أعرف علة حديث أحب٥ إلي من أن أكتب عشرين حديثا ليس عندي
وقد جمع يعقوب بن شيبة مسندا معللا.
قال الأزهري ولم يصنف يعقوب المسند كله قال: وسمعت الشيوخ
стр. 355
يقولون لم يتمم مسند معلل قط.
قال وقيل لي إن نسخة بمسند أبي هريرة شوهدت بمصر فكانت مائتي جزء قال: ولزمه على ما خرج من المسند عشرة الآف دينار.
قال الخطيب والذي ظهر ليعقوب مسند العشرة وابن مسعود وعمار وعتبة بن غزوان والعباس وبعض الموالي هذا الذي رأينا من مسنده.
قوله ومما يعتنون به في التأليف جمع الشيوخ أي والتراجم والأبواب والطرق وقد ذكر جميعها.
مثال جمع الشيوخ ان يجمع حديث شيوخ مخصوصين كل واحد منهم على انفراده كجمع حديث الأعمش للإسماعيلي وحديث الفضيل بن عياض للنسائي وحديث محمد بن جحادة للطبراني وغير ذلك.
وقد ذكر الخطيب ممن جمع١ حديثه إسماعيل بن أبي خالد وأيوب بن أبي تميمة وبيان بن بشر والحسن بن صالح بن حي وحماد بن زيد وداود بن أبي هند وربيعة بن أبي عبد الرحمن وزائدة وزهير وزياد بن سعد وسفيان الثوري وسفيان بن عيينة وسليمان أبو٢ إسحاق الشيباني وسليمان بن طرخان٣ وسليمان بن مهران الأعمش وشعبة وصفوان بن سليم وطلحة ابن مصرف وعبد الله بن عون وعبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي وعبيد الله بن عمر٤ العمري وأبا حصين عثمان بن عاصم الكوفي وعمرو بن دينار المكي ومالك بن أنس ومحمد بن جحادة ومحمد بن سوقة ويحيى بن سعيد الأنصاري ويونس بن عبيد البصري٥.