عمرو المكي١ هذا من٢ نظراء الجنيد٣، ومن كبار الصوفية وأعيانهم، توفي سنة إحدى وتسعين ومائتين ببغداد، وشهرته عند مشايخ الطرق تغني عن التعريف بحاله ﵁.
[ابن أبي عاصم النبيل (٢٨٧هـ) ]
٢٣٨- وقال الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل٤-أحد الأئمة والحفاظ و٥ المصنفين بأصبهان، على رأس التسعين ومائتين-:
стр. 702
" [وجميع ما في] ١ كتابنا "كتاب السنة الكبير"٢ الذي فيه الأبواب من الأخبار التي ذكرنا أنها توجب العلم، فنحن نؤمن بها لصحتها، وعدالة ناقليها، ويجب التسليم لها على ظاهرها، وترك تكلف الكلام في كيفيتها".
فذكر في ذلك النزول إلى سماء٣ الدنيا٤، والاستواء على العرش٥، وغير ذلك.
أخرجه٦ (ق٦٣/أ) ابن بطة في "الإبانة"، فقال: حدثتنا عاتكة بنت أحمدابن [عمرو] ٧ بن [أبي] ٨ عاصم٩، قالت: حدثنا أبي ﵀.
стр. 703
[أحمد بن عمر بن سريج (٣٠٦هـ) ]
٢٣٩- وقال أبو القاسم سعد بن علي الزنجاني١ الإمام المشهور: سألت أيدك الله بيان ما صح لدي من مذهب السلف، وصالح الخلف، في الصفات، فاستخرت الله، وأجبت بجواب بعض الفقهاء.
وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج٢.
وقد سأل ابن سريج عن صفات الله فقال: "حرام٣ على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الألباب أن تصف، إلا ما وصف به نفسه في كتابه، أو على٤ لسان رسوله؛ وصح عند جميع أهل
стр. 704
الديانة والسنة إلى زماننا أن جميع الآي والأخبار الصادقة عن١ رسول الله ﷺ يجب على المسلم الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وأن السؤال٢ عن معانيها بدعة، والجواب كفر وزندقة، مثل قوله تعالى ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ ٣ وقوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٤ ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٥ ونظائرها مما نطق بها القرآن كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، وصعود الكلام الطيب إليه، والضحك، والتعجب، والنزول كل (ق/٦٣ ب) ليلة" إلى أن قال: "اعتقادنا فيه وفي الآي٦ المتشابهة في القرآن، أن نقبلها ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نترجم عن صفاته بلغة٧ غير العربية، ونسلم الخبر لظاهره والآية لظاهر تنزيلها".
стр. 705
وذكر أشياء اختصرتها١.
توفي ابن سريج سنة ست وثلاثمائة ببغداد. ذكره أبو إسحاق٢ في طبقات الفقهاء فقال: كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين، وكان يفضل على جميع أصحاب الشافعي حتى على المزني٣.
وسمعت أبا الحسن الشيرجي٤ يقول: إن فهرست٥ كتب أبي العباس تشتمل على أربعمائة مصنف، وكان أبو حامد الإسفرائيني٦، يقول: نحن نجري مع أبي العباس في ظواهر الفقه دون الدقائق٧.
стр. 706
أخذ عن أبي القاسم الأنماطي١، وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق. ﵀.
[زكريا بن يحيى الساجي (٣٠٧هـ) ]
٢٤٠- وقال ابن بطة حدثنا أبو الحسن أحمد بن زكريا بن يحيى الساجي٢، قال: قال أبي٣: "القول في السنة التي رأيت عليها أصحابنا أهل الحديث، أن الله تعالى على عرشه، في سمائه، يقرب من خلقه كيف شاء" وذكر سائر الاعتقاد٤.
توفي زكريا (ق٦٤/أ) بن يحيى الساجي شيخ أبي الحسن الأشعري٥ في الفقه
стр. 707
والحديث، وإمام أهل البصرة في وقته سنة سبع وثلاثمائة. ذكره أبو إسحاق١ فقال: أخذ عن الربيع٢ والمزني٣، وله كتاب "اختلاف الفقهاء"، وكتاب "علل الحديث".
[محمد بن إسحاق بن خزيمة (٣١١هـ) ]
٢٤١- وقال الحاكم٤ سمعت محمد بن صالح بن هانيء٥ يقول: سمعت إمام الأئمة أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول٦: "من لم يقر أن الله على عرشه، استوى فوق سبع٧ سمواته، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه وألقي على٨ مزبلة لئلا يتأذى برائحته أهل القبلة وأهل الذمة"٩.
стр. 708
توفي [ابن] ١ خزيمة سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة.
ذكره أبو إسحاق فقال: حكى عنه أبو بكر النقاش٢، أنه قال: "ما قلدت أحداً منذ بلغت ست عشرة سنة".
أخذ الفقه عن المزني، وقال فيه المزني: "هو أعلم بالحديث مني"٣.
قلت: ولا أعلم في وقته مثله في معرفته بالفقه والحديث٤، وربما في وقته أفقه منه من غير علم بالحديث، أو بالعكس، أما من جمع بينهما في
стр. 709
زمانه مثله فلا أعلم، فرضي الله عنه وعن جميع أئمة المسلمين.
[محمد بن جرير الطبري (٣١٠هـ) ]
٢٤٢- ١ـ أخبرنا١ أحمد بن هبة الله بن عساكر٢، أنبأنا زين الأمناء الحسن بن محمد٣، أنبأنا أبو القاسم الحسين بن الحسن الأسدي٤ سنة ثمان وأربعين (ق٦٤/ب) وخمسمائة، أنبأنا ابن [أبي] العلاء٥، أنبأنا ابن
стр. 710
أبي نصر١، أنبأنا أبو سعيد الدينوري٢ مستملي محمد بن جرير قال: قريء على أبي جعفر محمد بن جرير الطبري٣ وأنا أسمع بعقيدته منها "وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن يجاوز٤ غير ذلك فقد خاب وخسر"٥.
محمد بن جرير، هو أحد الأئمة الكبار في وقته، في التفسير، والحديث والفقه، والتاريخ، وأحد المجتهدين، توفي بغداد سنة عشر وثلاثمائة، وله التفسير والتاريخ٦، والمصنفات الكثيرة.
стр. 711
ذكره أبو إسحاق فقال: كان على [مذهبه] ١ القاضي أبي الفرج المعافى بن زكريا النهرواني٢، ويعرف بابن [الطرار] ٣، قال: وكان أبو الفرج هذا فقيهاً أديباً شاعراً عالماً بكل علم٤.
وذكره الخطيب -أعني الطبري- فقال٥: كان أحد العلماء يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان عارفاً بالقرآن، بصيراً بالمعاني، فقيهاً في أحكام القرآن، عالماً بالسنن وطرقها، وصحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين في الأحكام، والحلال والحرام٦.
стр. 712
سمعت علي بن عبد الله [اللغوي] ١، يحكي أن محمداً بن جرير مكث أربعين سنة (ق٦٥/أ) ، يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة٢.
وقال أبو حامد الأسفراييني٣ الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين، حتى يحصل له كتاب تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيراً، أو كلاماً هذا معناه٤.
وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: "ما على أديم الأرض أعلم من محمد ابن جرير".
قلت: فمن أراد الإنصاف فليطالع تفسيره في آيات الصفات والعلو، في مواردها. فمن ذلك:
قوله ﴿ُثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ٥، نقل فيه عن الربيع بن أنس٦ أنه
стр. 713
"بمعنى: ارتفع"١.
وقال في تفسير قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ٢ في كل مواضعه٣ "أي علا وارتفع"٤.
وقال في قوله ﴿عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ ٥ قال: "يجلسه معه على العرش". رواه عن مجاهد من غير وجه٦.
ثم قال: "ليس في فرق الإسلام من ينكر هذا، لا٧ من يقر أن الله فوق العرش، ولا من٨ ينكره من الجهمية وغيرهم٩"١٠.
стр. 714
٢ـ وقال في كتاب "التبصرة١ في معالم الدين" له: "القول فيما أدرك علمه من الصفات [خبراً] ٢، وذلك نحو إخباره تعالى أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٣، وأن له وجهاً بقوله ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ٤، (٦٥/ب) وأن له قدماً بقول النبي ﷺ : "حتى يضع الرب فيها قدمه"٥، وأنه يضحك بقوله: "لقي الله وهو يضحك إليه"٦،
стр. 715
وأنه١ يهبط إلى سماء٢ الدنيا لخبر رسول الله ﷺ بذلك، وأن له أصبعاً بقول رسوله: "ما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن"٣.
فإن هذه المعاني التي وُصِفَتْ ونظائرَهَا، كما٤ وصف الله به نفسه، مما [لا تدرك] ٥ حقيقة علمه بالفكر والرَّوِيَّةِ، لا نكفر٦ بالجهل بها أحداً إلا بعد انتهائها إليه"٧.
стр. 716
أخرج هذا الكلام عنه القاضي أبو يعلى الفراء في "إبطال التأويل" له١.
[أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكجي (٢٩٢هـ) ]
٢٤٣- وقال أبو محمد بن ماسي٢، حدثني أبو مسلم الكجي٣، قال: خرجت يوماً، فإذا بحمَّام٤ قد فتح سَحَراً، فقلت للحمامي: أدخل أحد الحمام؟ فقال: لا، فدخلت، فساعة فَتَحْتُ الباب٥ قال قائل: أبو مسلم، أسلم تسلم، ثم أنشأ٦ يقول:
стр. 717
لك الحمد إما على نعمة ... وإما على نقمة تدفع
تشاء فتفعل ما شئته ... وتسمع من حيث لا يسمع
قال: فبادرت فخرجت وأنا جزع، فقلت للحمامي: أليس زعمت أنه ليس بالحمام أحد؟. فقال لي: هل سمعت شيئا؟، فأخبرته بما (ق٦٦/أ) كان، فقال لي: ذلك جني يترايا لنا في كل حين ينشدنا الشعر. قال: فقلت هل عندك من شعره؟ قال: نعم، أنشد يقول:
أيها المذنب المفرِّط مهلاً ... كم تمادى وتكسب الذنب جهلاً
كم وكم تسخط الجليل بفعل١ ... سمج وهو يحسن الصنع فضلاً
كيف تهدا جفون من ليس يدري ... أرضي عنه من على العرش أم لا؟
رواه الخطيب في "التاريخ"، عن عبد الله [بن علي] ٢ بن محمد القرشي٣ عن ابن ماسي٤.
стр. 718
[أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي (٣٢١هـ) ]
٢٤٤- قال أبو جعفر أحمد بن سلامة الطحاوي١ ﵀ في العقيدة التي له: "ذكر بيان السنة والجماعة على مذهب فقهاء الملة أبي حنيفة٢، وأبي يوسف٣، ومحمد بن الحسن٤، رضي الله عنهم٥ نقول في توحيد الله معتقدين، أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، مازال بصفاته قديماً قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدأ بلا كيفية قولاً، وأنزله على نبيه ﷺ وحياً، وصدقت المؤمنون على ذلك حقاً، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ليس بمخلوق ومن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر، والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية، وكل ما في ذلك من الصحيح عن رسول الله (٦٦/ب) ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا
стр. 719
ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد وصحيح الإيمان، ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه". إلى أن قال: "والعرش والكرسي حق كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه". وذكر سائر الاعتقاد١.
وذكر الطحاوي، أبو إسحاق٢ في طبقات الفقهاء فقال: "إليه انتهت رئاسة أصحاب أبي حنيفة بمصر، أخذ العلم عن أبي جعفر بن أبي عمران٣، وعن أبي خازم٤ وغيرهما٥ وكان شافعياً يقرأ على
стр. 720
المزني١، فقال له يوما والله لا جاء منك شيء، فغضب وانتقل إلى [ابن] ٢ أبي عمران فلما صنف مختصره قال: " [رحم] ٣ الله المزني لو
كان حياً لكفر عن يمينه".
وصنف اختلاف العلماء. مات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، و [له] ٤ثمانون سنة٥.
[أبو بكر بن أبي داود السجستاني (٣١٦هـ) ]
٢٤٥- وقال الحافظ ابن الحافظ٦ أبو بكر بن أبي داود سليمان (ق٦٧/أ) بن الأشعث السجستاني رحمه الله٧ شعراً:
стр. 721
تمسك بحبل الله واتبع الهدى ... ولا تك بدعيا لعلك تفلح
ودن بكتاب الله والسنن التيي ... أتت عن رسول الله تنجو تربح
وقل غير مخلوق كلام مليكنا ... بذلك دان الأتقياء وأفصحوا
ولا تك في القرآن بالوقف قائلاً ... كما قال١ أتباع لجهم وأسمجوا
ولا تقل القرآن خلق [قراءة] ٢ ... فإن كلام الله باللفظ يوضح
وقد أنكر الجهمي أيضا يمينه ... وكلتا يديه بالفواضل تنفح
وقل ينزل الجبار في كل ليلة ... بلا كيف جل الواحد المتمدح
إلى طبق الدنيا يمن بفضله ... فتفرج أبواب السماء وتفتح
روى ذلك قوم لا يرد حديثهم ... ألا خاب قوم كذبوهموقبحوا٣
في أبيات أخر اختصرتها.
قال ابن أبي داود: "هذا قولي، وقول أبي، وقول شيوخنا، وقول من لقيناهم من أهل العلم، وقول العلماء ممن لم نرهم كما بلغنا عنهم، فمن قال غير ذلك فقد كذب".
روى هذا الاعتقاد والإجماع عنه غير واحد، منهم ابن بطة في
стр. 722
"الإبانة"، والآجري١، وصنف كذلك شرحاً٢.
وأبو بكر هذا من كبار أئمة المحدثين، وهو مثل والده في الحفظ ومعرفة (ق٦٧/ب) الحديث، وله كتاب "المصاحف"، وكتاب "شريعة المقاري"، أتى فيه بآثار وغرائب تدل على اتساع روايته وفضيلته ﵀، توفي سنة ست عشرة وثلاثمائة.
[إبراهيم بن محمد بن عرفة (٣٢٣هـ) ]
١- وقال الإمام أبو عبد الله إبراهيم بن محمد بن عرفة
стр. 723
٢٤٦- النحوي نفطويه١، في كتاب "الرد على الجهمية" تأليفه: حدثنا داود بن علي٢ قال: "كنا عند ابن الأعرابي٣ فأتاه رجل فقال: ما معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ، قال: هو على عرشه استوى، كما أخبر. فقال: هو ليس كذلك، إنما معناه استولى. قال ابن الأعرابي: اسكت ما يدريك ما هذا، العرب لا تقول للرجل استولى على الشيء حتى يكون له فيه٤ مضاد، فأيهما غلب قيل استولى عليه، والله لا مضاد له، هو على عرشه كما أخبر"٥.
٢-[وذكر محمد بن أحمد بن النضر٦، عن ابن أبي
стр. 724
دؤاد١] أنه طلب من ابن الأعرابي أن يطلب له في بعض لغات العرب ومعانيها، أن الاستواء في حق الله بمعنى الاستيلاء، فذكر ابن الأعرابي أن ذلك لا يجده٢.
٣- وسمعت داود بن علي يقول: كان المريسي٣ يقول: سبحان ربي الأسفل، وهذا جهل من قائله، ورد لنص كتاب الله إذ يقول: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ ٤.
أبو عبد الله هذا من أئمة العربية واللغة المعروفين، وهو معاصر لابن أبي دؤاد٥ وذويه.
стр. 725
[يحيى بن محمد بن صاعد (٣١٨هـ) ]
٢٤٦- وقال أبو محمد يحيى بن محمد بن صاعد١ الحافظ: "هذه الفضيلة في القعود على العرش (ق٦٨/أ) لا ندفعها، ولا نماري فيها، ولا نتكلم في حديث فيه فضيلة النبي ﷺ بشيء".
روى هذا الكلام عنه الآجري في كتاب "الشريعة" في باب ما خص الله به محمداً ﷺ من المقام المحمود، بعد حديث مجاهد هذا الذي تقدم٢.
وابن صاعد هذا من كبار حفاظ الحديث المشهورين، توفي سنة ثماني عشرة وثلاثمائة ﵀.
[أبو الحسن الأشعري (٣٢٤هـ) ]
стр. 726
كتابه الذي صنفه، في "اختلاف المصلين ومقالات الإسلاميين"١، بعد أن ذكر فيه فرق الروافض، والخوارج، والجهمية، وغيرهم -إلى أن قال-: "ذكر مقالة أهل السنة وأصحاب الحديث، وجملة قولهم: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وبما جاء عن الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ؛ " لا يردون من ذلك شيئاً ". إلى أن قال: "وأن الله على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢، وأن له يدين بلا كيف، كما قال تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٣، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج، وأقروا أن لله علماً كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٤، ﴿وَمَا (ق٦٨/ ب) تَحْمِلُ مِنْ أُنثَى وَلاَ تَضَعُ إِلاَّ بِعِلْمِهِ﴾ ٥، وأثبتوا السمع والبصر، ولم ينفوا ذلك عن الله كما نفته المعتزلة، وقالوا إنه لا يكون في
стр. 727
٢٤٦- الأرض من خير ولا شر إلا ما شاء الله، وأن الأشياء تكون بمشيئة الله، كما قال ربنا: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ﴾ ١".
إلى أن قال: "ويقولون إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ "أن الله ينزل إلى سماء٢ الدنيا فيقول: "هل من مستغفر "٣، كما جاء الحديث، ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ٤، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء٥، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٦".
وذكر أشياء كثيرة من أصول السنة -إلى أن قال-: "فهذه٧ جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وأنه لا يجوز الاستواء بمعنى الاستيلاء. وبكل ما ذكرنا٨ من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما
стр. 728
توفيقنا إلا بالله"١.
٢- وذكر ﵀ في هذا الكتاب في باب هل الباري في مكان دون مكان أم لا في مكان؟ أم في كل مكان؟ ٢ قال: اختلفوا في ذلك على٣ سبع عشرة مقالة٤:
منها قال٥ أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم٦، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٧ ولا نتقدم بين يدي الله (ق٦٩/أ) بالقول، بل نقول استوى بلا كيف، وأن الله له يدين كما قال ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٨ وأنه ينزل إلى سماء٩ الدنيا كما جاء في الحديث١٠.
стр. 729
وقال المعتزلة: استوى على العرش بمعنى: استولى.
وقالت المعتزلة: اليد بمعنى: النعمة، وقوله ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ١ أي بعلمنا٢.
٣- وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب "جمل المقالات"، رأيته بخط [أبي] ٣ علي بن شاذان٤، وقد كتبه٥ في سنة نيف وسبعين وثلاثمائة، نحو هذا الكلام ومعناه في مقالة أصحاب الحديث تركته خوف الإطالة.
٤- وقال ﵀ في كتاب "الإبانة في أصول الديانة"، في باب الاستواء، إن قائلاً قال: ما تقولون في الاستواء؟ قيل نقول: إن الله مستو على العرش، كما قال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٦ وقال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ ٧، وقال ﴿بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ ٨، وقال حكاية عن
стр. 730
فرعون ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَابَ. أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ ١، كذَّب موسى في قوله إن الله في السموات.
وقال ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ ٢ فالسموات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السموات، وكل ما علا فهو سماء، يعني جميع السموات، وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السموات، ألا ترى أنه ذكر السموات فقال ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ ٣، ولم (ق٦٩/ب) يرد أنه يملأهن جميعاً.
ورأينا المسلمين جميعاً يرفعون أيديهم -إذا دعوا- نحو السماء، لأن الله مستو على العرش الذي هو فوق السموات، فلولا أن الله على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش، وقد قال قائلون٤ من المعتزلة، والجهمية، والحرورية، إن معنى استوى: استولى وملك وقهر، وأن الله في كل مكان وجحدوا أن يكون على العرش كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء
стр. 731
إلى القدرة، فلو كان كما قالوا، كان لا فرق بين العرش والأرض السابعة، لأن الله قادر على كل شيء١، فالله قادر عليها وعلى الحشوش، وكذا لو كان مسشتويا على العرش بمعنى الإستيلاء، لجاز أن٢ يقال: مستو على الأشياء كلها، ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: "إن الله مستو على الحشوش والأخلية، فبطل أن يكون الإستواء على العرش الإستيلاء"٣.
وذكر أدلة من الكتاب، والسنة، والعقل، وغير ذلك.
٥- ونقل الإمام أبو بكر بن فورك٤ المقالة التي تقدمت عن أصحاب الحديث، عن الإمام أبي الحسن الأشعري، في كتاب "المقالات والخلاف بين الأشعري وأبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب"٥ تأليفه
стр. 732
فقال: "الفصل الأول؛ في ذكر ما حكى شيخنا أبو الحسن ﵀، في كتاب "المقالات" في جمل مذاهب أصحاب الحديث، وما أبان في آخره أنه يقول بجميع ذلك".ثم سرد ابن فورك المقالة بعينها. (ق٧٠/أ)
ثم قال في آخرها: "فهذا تحقيق لك من ألفاظه، أنه معتقد لهذه الأصول، التي هي قواعد أصحاب الحديث وأساس توحيدهم"١.
٦- وقال الحافظ أبو العباس أحمد بن ثابت الطرقي٢: قرأت في كتاب أبي الحسن الأشعري، [الموسوم] ٣ "بالإبانة": " [أدلة] ٤ على إثبات الاستواء، قال في جملة ذلك: ومن دعاء أهل الإسلام إذا هم رغبوا إلى الله يقولون: يا ساكن العرش، ومن حلفهم: لا والذي احتجب بسبع سموات"٥.
قال الطرقي: و٦ هذا مأخوذ من قوله ﷺ : "إن الله خلق سبع
стр. 733
سموات ثم اختار العليا فسكنها" ١.
٧- وقال أبو القاسم القشيري٢ ﵀ في شكاية٣ أهل السنة: "وما نقموا من أبي الحسن الأشعري إلا أنه قال بإثبات القدر لله، وإثبات صفات الجلال، من قدرته، وعلمه، وحياته، وسمعه، وبصره، ووجهه، ويده، وأن القرآن كلامه غير مخلوق"٤.
رواه عنه الفراوي٥.
٨- وروى عنه قال: سمعت أبا علي الدقاق٦، يقول: سمعت زاهر
стр. 734
ابن أحمد الفقيه١، يقول: مات الأشعري ورأسه في حجري وكان يقول شيئاً في حال نزعه "لعن الله المعتزلة [موهوا ومخرقوا] ٢"٣.
٩- وقال الحافظ أبو القاسم بن عساكر٤ في تبيين كذب المفتري٥ -تأليفه-: "فإذا كان أبو الحسن (ق٧٠/ب) كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، يوافقه أكثر ما يذهب إليه أكابر أكثر٦ العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلابد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة، فاسمع ما ذكره في كتاب الإبانة فإنه قال: "الحمد لله الواحد، العزيز، الماجد، المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا يبلغه٧ صفات العبيد، وليس له مثل، ولا نديد، -وذكر أشياء-
стр. 735
إلى أن قال بعد أن رد في الخطبة على المعتزلة والقدرية والجهمية والرافضة١: "فإن٢ قال قائل: قد٣ أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة٤، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون٥.
قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين، التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه ﷺ ، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل -نضَّر الله وجهه- قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس (ق٧١/أ) الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير [مفخَّم] ٦، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: إنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئاً، وأن الله
стр. 736
إله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة [حق] ١، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله تعالى مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ٢، وأن لله وجهاً كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ [ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ] ٣﴾ ٤، وأن له يدين كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ٥ وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ٦، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ ٧، وأن من زعم أن أسماء الله غيره كان ضالاً٨، وأن لله علماً كما قال: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ ٩".
стр. 737
إلى أن قال: "وندين بأن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة، كما يُرى القمر ليلة البدر يراه المؤمنون١".
إلى أن قال: "وندين بأنه يقلب القلوب، وأن القلوب بين أصبعين من أصابعه٢، وأنه يضع السموات على أصبع، والأراضين على أصبع، كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ "٣.
إلى أن قال: (ق٧١/ب) "ونصدق بجميع٤ الرواية التي يثتبها٥ أهل النقل من النزول إلى السماء الدنيا، وأن الرب يقول "هل من سائل، هل من مستغفر" ٦ خلافا لما قال أهل الزيغ والتضليل،
стр. 738
ونُعَّول١ فيما اختلفنا فيه على كتاب ربنا ، وسنة نبينا ﷺ ، وإجماع المسلمين٢، وما كان في معناه، ونقول إن الله يجيء يوم القيامة٣، كما قال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ً﴾ ٤، وأنه يقرب من عباده كيف يشاء، كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ ٥ وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ ٦.
ونرى مفارقة كل داعية لبدعة، ومجانبة أهل الأهواء٧، وسنحتج٨ لما ذكرناه من قولنا، وما بقي منه، [مما لم نذكره] ٩ باباً باباً، وشيئاً شيئاً"١٠.
قال ابن عساكر: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد ما أوضحه
стр. 739
وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه١.
١٠- وقال الحافظ ابن عساكر: قال أبو الحسن في كتابه الذي سماه "العمد في الرؤية": "ألفنا كتاباً كبيراً في الصفات، تكلمنا فيه على أصناف المعتزلة والجهمية وفيه فنون كثيرة من الصفات في إثبات الوجه لله، واليدين، وفي استوائه على العرش"٢.
) ق٧٢/أ) ولد الأشعري سنة ستين ومائتين٣، ومات سنة أربع وعشرين وثلاثمائة، بالبصرة ﵀، وكان معتزلياً ثم تاب، ووافق أصحاب الحديث في أشياء يخالفون فيها المعتزلة، ثم وافق أصحاب الحديث في أكثر ما يقولونه، وهو ما [ذكرناه] ٤، عنه من أنه نقل إجماعهم على ذلك، وأنه موافق لهم في جميع ذلك.
فله ثلاثة أحوال: حال كان معتزلياً، وحال كان سنياً في بعض٥ دون البعض، وكان في غالب الأصول سنياً، وهو الذي علمناه من حاله، فرحمه الله وغفر له ولسائر المسلمين.
стр. 740
[ابن غانم المقدسي]
٢٤٦- قال القاضي أبو أحمد العسال (شعر) من١ كلام ابن غانم المقدسي ﵀:
قل لمن يفهم عني ما أقولل ... أقصر القول فذا شرح يطول
ثَمَّ سر غامض من دونه ... ضربت والله أعناق الفحول
أنت لا تعرف إياك ولا ... تَدَّرِي من أنت ولا كيف الوصول
لا ولا تدري صفات رُكِّبت ... فيك حارت في خفاياها العقول
أين منك الروح في جوهرها ... هل تراها فترى كيف تجول؟
هذه الأنفاس هل تحصرها ... لا ولا تدْري متى عنك تزول
أين منك العقل والفهم إذا ... غلب النوم فقل لي يا جهول (ق٧٢/ب)
أنت أكل الخبز ما تعرفه ... كيف يجري منك أو كيف تبول
فإذا كانت طواياك التي ... بين جنبيك كذا فيها ضلول
كيف تدري من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النزول
كيف تحكي أم ترى كيف ترى٢ ... ولعمري ليس ذا إلا فضول