← Баляга

Баляга · id 7357

الأسلوب

أحمد الشايب

Полный текст (204 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الرواية: إذا كان الأصل في الوصف تصوير المشاهد والمشاعر؛ فإن الأصل في الرواية حكاية الحوادث والأعمال بأسلوب ينتهي إلى غرض مقصود وكلا الفنين يتناول ما يحيط بالإنسان، وإذا كان الوصف يقابل الرسم فإن الرواية تشبه الخيالة "السينما". والرواية -أو القصة- فن طبعي قديم صاحب الأمم من عهد البداوة إلى ذروة الحضارة، ولا يزال إلى اليوم يمثل مكانة ممتازة بين الفنون الأدبية الأخرى لاتصاله بحياة الناس الماضية أو الحاضرة، ولمرونته واتساعه للأغراض المختلفة ولجمال أسلوبه وخفته على النفوس. وقد كان هذا الفن سمر العرب في الجاهلية حتى بلغ القرآن الكريم أسمى درجة بأبلغ أسلوب وأفصح بيان، ثم نشط بعد ذلك وتعددت أنواعه وأغراضه فكان حقيقيًّا كقصص الرحل والملوك والأدباء، وخياليًّا مثل كليلة ودمنة وفاكهة الخلفاء، ومنه نوع أدبي قصير كالمقامات، وحماسي طويل كقصة عنترة١. وفي العصر الحديث أخذت الرواية وضعًا فنيًّا، وخضعت لبعض القوانين في التأليف والأسلوب، فكثرت أشخاصها وحوادثها وتشابكت ثم تعدد مواقفها ونتائجها، ودونها في ذلك القصة Story ثم الأقصوصة أو الحكاية ذات المغزى الواحد والفكرة الواحدة على قصرها وقلة حوادثها وأشخاصها وبساطتها فهي للرواية كالمقطوعة من الشعر بالنسبة للملحمة الكبيرة. ثم تنوعت من

стр. 107

ناحية موضوعها إلى رواية تاريخية واجتماعية وفلسفية وفكاهية ومنها النوع التمثيلي والقصصي للقراءة إلى غير هذا. ويعنينا هنا أن نذكر أهم الخواص المتصلة بأسلوب الرواية وخطتها العامة. ١- الصفة العامة التي تخضع لها خطة الرواية plot هي التسلسل والاطراد بحيث يشعر القارئ أنه مسوق دائمًا إلى غاية فهو في ترقب وانتظار شائق، وكل قسم أو فصل يُعِدّ لما يتلوه حتى تتوالى الحوادث والمناظر وتنتهي إلى الغاية المقصودة. ٢- لذلك يحسن أن تختار الحوادث الهامة -من التاريخ القديم أو المعاصر- وتنسق تنسيقًا منطقيًّا، وتوجز فتحذف تفاصيلها التافهة، كل ذلك ليطرد سياق الرواية، ولا يبدو فيها عرقلة أو اضطراب، وتسير مختلفة بين السرعة والبطء حسن المواقف، وإن كانت السرعة أليق بنهاية الرواية. ٣- تكون الرواية ذات مغزى رئيسي يفهم من السياق وبطريق غير مباشر حتى لا تستحيل القصة خطابة، أو مقالة، وهناك عظات أو غايات أولية تظهر أثناء الرواية، وتندمج فيها لتحقيق الغرض الرئيسي، كخبر جديد أو حادثة هامة، أو نقد سياسي أو اجتماعي. ٤- يجب أن تكون العبارات سهلة واضحة، لا تحوج القارئ ولا السامع إلى توقف لأنه معني بمجرى الحوادث، ومغازيها. فهي هنا كالخطابة إذا تعقدت تراكيبها أو غربت ألفاظها ذهبت فائدتها وروعتها. ٥- العبارة منوعة بين الرقة والقوة حسب المواقف والشخصيات فلغة الرجل غير لغة النساء، ومواقف الوعيد تخالف مواقف العتاب ولكنها مع ذلك قوية

стр. 108

تصور العواطف والأفكار والمناظر أصدق تصوير وتجعل القارئ كالمشاهد كأنه يشترك في حوادث الرواية. ٦- يتنوع الأسلوب بين القصص، والوصف، والحوار، وقد تكون خطابة أيضًا ولكن الوصف يقصر ويوجز -لأن مهمته التمهيد وتصوير البيئات- حتى لا يعرقل سياق القصة. والحوار يكون بسيطًا دقيقًا، يخلص القصة من الرتابة، وهو عماد الروايات التمثيلية، وإذا كان لا بد من الخطابة فلتكن قصيرة غير مملة. ٧- من مظاهر الأسلوب القصصي المبالغة أحيانًا للتنبيه إلى النقط الهامة، والمفاجأة وذلك حين تتحقق النتائج قبل أوانها لطارئ من الطوارئ، والرمز حينما يكتفي بأول الحادثة أو الإشارة إليها ثم يترك للخيال مجال التصوير والإتمام. ٨- يدخل عنصر الحب في الروايات والقصص -ولو أنه ثانوي- لقوته، وسلطانه العام على النفوس، ولأنه في الغالب سمة الشباب المحبوب، ولكل إنسان فيه مشاركة، على أنه قد ينفرد بالقصة فيكون موضوعها. والقصص التمثيلية وغيرها مشهورة متداولة بين أيدينا منها المترجم والموضوع، تراها في آثار المنفلوطي، وتوفيق الحكيم، وهيكل، وطه حسين: في العبرات، والفضيلة، وأديب، وعلى هامش السيرة، وإبراهيم الكاتب، وسارة وغيرها كثير.

стр. 109

المقامة: وهي نوع من القصص الأدبية القصيرة التي تعتمد على الخيال في تأليف حوادثها، وترمي إلى غاية مثل تعليم اللغة، وسرد الموعظة، ووصف الأشياء ونقد الأدب، والعناية بالعبارات الجزلة البديعة، واشتقاقها من المقام أي مكان القيام، وكل ذلك في الخطب والتكلم في المحافل ثم قيل لما يقال فيها من خطبة أو موعظة مقامة١. وقد ترقى هذا الفن على يد بديع الزمان الهمذاني "٣٩٥هـ" إذ أنشأ مقاماته ونحلها أبا الفتح الإسكندري على لسان عيسى بن هشام، ثم تبعه الحريري "٥١٦هـ" فأنشأ خمسين مقامة نحلها أبا زيد السروجي على لسان الحارث بن همام ثم تبعهما فيها الأدباء على مر العصور كالسيوطي، وابن الجوزي، والقلقشندي، وغيرهم كثير، وحتى أطلقها المعاصرون على مقالات فكاهية عامية نشرتها ولا تزال تنشرها بعض الصحف الأسبوعية في النقد والفكاهة. وقد ترجمت مقامات الحريري إلى اللاتينية، والفرنسية، والإنجليزية والألمانية، والفارسية والتركية، ولا تزال تدارس في الجامعات الأوربية بشرح سلفستردساسي الذي وضعه سنة ١٨٢٢م. ويمكن تمييز المقامات بما يلي: ١- أنها تدور في الغالب على حادث عادي واحد يتكرر فيها، فالبطل -كأبي الفتح الإسكندري في مقامات البديع أو أبي زيد السروجي في مقامات الحريري- يبدو للراوي متنكرًا ثم يكون بينهما في حوار في موضوع ما، وأخيرًا يعرفه الراوي، فكأن السر هو عرفان البطل بعد ما كان متنكرًا مجهولًا. ٢- وتتناول -موضوعيًّا- مسائل منوعة من النقد الأدبي؛ والاجتماعي والديني، والخلقي، ثم العظات، والفكاهات، والأوصاف، والحكايات التي تصور كثيرًا من خواص البيئات التي أنشئت فيها كالمقامة القريضية والعراقية والأسدية لبديع الزمان.

стр. 110

٣- وعباراتها تقوم على الصنعة البديعية من سجع وجناس، وازدواج وطباق ومبالغة، واستعارات على اختلاف يعد ذلك في الإغراب اللغوي، ودرجة التكلف، فلا شك أن الحريري كان أكثر إغرابًا، وأشد تكلفًا ومبالغة من بديع الزمان. ٤- يختلف الأسلوب بعد ذلك بين الوصف، والقصص، والحوار، فيه المديح والهجاء، والجد والمجون، وهو -على صنعته- مختلف بين الرقة واللين والجزالة والقوة، وكثيرًا ما تجد النوعين في مقامة واحدة. ٥- تجمع المقامات إلى هذا النثر الجزل البديعي قطفًا من نظم الرجز وغيره، وليس المنظوم هذا في روعة الشعر الممتاز الذي نجده عند البحتري والمتنبي مثلًا، فهو من إنشاء مؤلفي المقامات، وقد عرفت طبعهم الصناعي ووقوفهم عند غرائب المنثور. وقد يظن الناس أن المقامات من باب القصة كما يعرفها الأدب الحديث، والحق أن المقامات لا تثبت لقصة من كل ناحية، نعم فيها الحكاية، والحوار والوصف والمغزى النقدي أو الوعظي، ولكنها تنقصها أشياء أخرى تبعدها عن طبيعة القصة، من ذلك عدم التنويع فيها فالأشخاص لا يتغيرون، والحادثة واحدة والحرص على المال سائد فيها. ومن ذلك التجافي عن التحليل النفسي أو عرض المشاكل وعلاجها، أو الابتكار في تصوير المواهب والأشخاص. ومن ذلك عدم استكمالها عنصري الحياة -الرجل والمرأة معًا- بأسلوب يبعث المشاكل أو يثير العواطف أو يدرس المسائل الاجتماعية. على أن المواعظ ترد فيهم صريحة مباشرة مقصودة لذاتها. وفوق ذلك فعندي أن أسلوبها في صنعته وغرابته ليس أسلوب الرواية أو القصة التي تعنى بالموضوعات والأفكار التي تهم القراء وحسبها أنها من هذه الناحية مدرسة لغوية أدبية، وليس من اللازم أن نورد هنا أمثلة للمقامات، ونعرض لها بالشرح والتحليل، فهي مشهورة ذائعة، على أن المقام لا يتسع هنا لمثل ذلك.

стр. 111

الرسالة: المراد بالرسالة هنا هو الخطاب المكتوب في غرض جزئي، يبعث به صاحبه إلى آخر. وقد عرفت الرسائل منذ الجاهلية في بعض البيئات التي عرفت فيها الكتابة، ولما جاء الإسلام كتب الرسول ﵇ إلى ملوك العرب والعجم يدعوهم إلى الدين وتبعه الخلفاء من بعده. وأخذ هذا الفن يرقى، ويتنوع مع تقدم الحياة الإسلامية حتى صار من أكثر فنون الأدب شيوعا، وأغلبها على حياة الدواوين وبين الأفراد. وكان كتاب الرسائل من أخص الرجال، وأقربهم إلى الخلفاء والملوك، وأسبقهم إلى مناصب الوزارة، كما كان لهم ذوق أدبي جميل، ورأي في النقد محترم سديد وتوالت منهم طبقات كانوا عماد الدولة وألسنتها الناطقة، ومستشاريها المأمونين، في وقت لم تكن هناك صحف منشورة، ولا منتديات عامة، ولا خطب قائمة. وأشهر أنواع الرسائل اثنان: الرسائل الديوانية، والرسائل الإخوانية. فالأولى هي ما تصدر عن الدواوين أو ترد إليها خاصة بشئون الدولة وصوالحها تيسيرًا للعمل، وتثبيتًا للنظام العام؛ ويغلب على هذا النوع، الدقة والسهولة في التعبير، والتقيد بالمصطلحات الحكومية والفنية، والمساوة في العبارة والبراءة من التهويل والتخيل؛ إذ كانت صورة موضوعات وزارية وأفكار خاصة، ومع ذلك كانت في العصور الإسلامية الأولى مجالًا للبلاغة، وحسن التقسيم والتعبير.

стр. 112

وأما الأخوانية فهي ما يدور بين الأفراد في تعزية أو تهنئة أو توصية أو عتاب وشوق أو تحذير ووعيد إلى نحو ذلك مما يصور العواطف والصلات الخاصة بين الأفراد؛ لذلك كانت أدخل في الأدب وأقبل للتخييل، والصور البيانية، والصنعة البديعية، تحتمل الاقتباس من المنثور والمنظوم وتنافس الشعر في جل أغراضه، فالفرق بين النوعين يشبه الفرق بين الأدب العام والخاص، وكلا النوعين لا بد فيه من مراعاة الأصول١ التي يجري عليها الناس فيما يتراسلون: ١- من ذلك الإطناب والإيجاز والمساواة حسب مقتضيات الأحوال فكتب المرءوسين مفصلة، وكتب الرؤساء موجزة حتى إنها تكون في بعض الأحوال توقيعًا، ومن أمثلة الإيجاز ما كتب به جعفر البرمكي إلى عامل شكال له: "قد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما اعتدلت وإما اعتزلت". ٢- ملاحظة الألقاب الخاصة بكل فرد، وكانوا قديمًا يكتبون: إلى ركن الإسلام والجناب الكريم والحضرة الطاهرة، أو إلى الحضرة السنية، وإلى عهد قريب كانوا يستعملون: صاحب العزة، أو صاحب السعادة أو الدولة، أو المقام الرفيع، أو حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم!! والآن يكتبون السيد فلان. ٣- تنوع العبارة بين السهولة والجزالة حسب الموضوع، والمكتوب إليه؛ وقد تكون مسجوعة، موشاة بالبديع، فيها أبيات من الشعر وأمثال وحكم، ولكنها يجب أن تبرأ من التكلف والإغراب، ومن ذلك ما كتب بديع الزمان معتذرًا "يعز علي -أطال الله بقاء الرئيس- أن ينوب في خدمته قلمي عن قدمي، ويسعد برؤيته رسولي دون وصولي، ويرد مشرع الأنس به كتابي، قبل ركابي، ولكن ما الحيلة والعوائق جمة:

стр. 113

وعليَّ أن أسعى وليس عليَّ إدراك النجاح وقد حضرت داره وقبلت جداره، وما بي حب الجدران، ولكن شغفًًا بالقطّان ولا عشق الحيطان، ولكن شوقًا إلى السكان، وحين عدت العوادي عنه. أمليت ضمير الشوق على لسان القلم معتذرًا إلى الشيخ على الحقيقة. لا عن تقصير وقع. أو فتور في الخدمة عرض. ولكن أقول: إن يكن تركي لقصدك ذنبًا ... فكفي ألا أراك عقابًا ٤- ملاحظة صور البدء والختام. وكانوا قديمًا يفتتحون رسائلهم بمثل: أما بعد أو من فلان إلى فلان. أو أدام الله نعمتك. أو كتابي إليك. وكانوا يختمونها بمثل قولهم: والسلام. أو السلام عليك. أو إن شاء الله. وفي عصرنا الحديث يقولون: بعد ذكر الألقاب في الافتتاح؛ ثم ينهون الرسائل بمثل قولهم: وتقبلوا تحياتي، وتفضلوا بقبول أصدق تحياتي، وسلامي إليك، ودمت للمخلص. إلى غير ذلك مما كان بعضه ترجمة عن التقاليد الأوربية. وهناك نظم الكتابة والترقيم. كذكر عنوان الكاتب، وتاريخ الرسالة، والتوقيع، ثم نظام الكتابة على ظهر الرسالة. وعنوان المرسل إليه، وغير ذلك مما يقره العرف. هذا وقد تتخذ صورة الرسالة. وسيلة لتأليف الروايات، أو الكتب، كما يبدو ذلك في رواية ماجدولين. ومن الكتب العربية التي استوفت الكلام على نظام الرسائل وأدبها كتاب صبح الأعشى للقلقشندي المصري المتوفى سنة ٨٢١هـ ومختصرة ضوء الصبح المثمر.

стр. 114

الخطابة: ١- وهي الكلام الذي يلقى في جمهور الناس للإقناع والتأثير. وهي فن قديم وجد مع الإنسان يلجأ إليه النابهون في الإرشاد. والخصومات والحث على الحروب والسلام. ويرقى كلما استجدت دواعيه. واستقرت الحرية الفكرية والكلامية للشعوب. وهي أنواع: دينية وسياسية وقضائية واجتماعية. وقد تكون علمية فيهدأ أسلوبها وتسمى محاضرة وقد كانت الخطابة عدة العرب في الجاهلية. ثم ترقت في صدر الإسلام. واستمرت أداة للدين والسياسة والحكم من زمن الأمويين صدرًا من العصر العباسي. ثم خفت صوتها لما طامن الحكم من حرية الجماهير. ولكنها استردت مكانتها في العصر الحديث لمكان الحرية في حياة الشعوب والأفراد. ولنشأة النظم الدستورية في الحكومات. وقيام دور القضاء والندوة "البرلمان" وإباحة الاجتماع والجدل. والمنافسة في الانتخاب والمناظرة في المسائل العلمية والاجتماعية. ولعل الناحية الفنية أهم ما يعنينا هنا. وتشمل عناصر الخطابة وأسلوبها. للخطابة عناصر معنوية ثلاث: المقدمة والعرض والختام. ٢- فالمقدمة للاتصال بالسامعين. وإعداد نفوسهم للموضوع وبخاصة إذا كان جديدًا أو كانوا متأثرين بشعور مضاد، وقد يتركها الخطيب إذا لم يجد داعيًا من هذه الدواعي. ولا بد أن تكون موجزة جذابة متصلة بالموضوع كهذه المقدمة من خطبة علي بن أبي طالب لما بلغه أن خيلا لمعاوية وردت الأنبار وقتلوا عاملًا له: "أما بعد فإن الجهاد باب من أبواب الجنة فتحه الله لخاصة

стр. 115

أوليائه، وهو لباس التقوى، ودرع لله الحصينة، وجنته الوثيقة"١. ٣- والعرض هو العنصر الأساسي في الخطابة. يذكر فيه الخطيب آراءه مقسمة منسقة مؤيدة بالبراهين، ويرد على خصمه مفندًا آراءه معتمدًا دائمًا على حجج منطقية حاسمة أو خطابية مشهورة، مع مراعاة اللياقة والتجافي عن السباب ذاهبًا إلى الإقناع والتأثير، كما قال علي في هذه الخطبة: "ألا وإني قد دعوتكم إلى قتال هؤلاء القوم ليلًا ونهارًا، سرًّا وإعلانًا، وقلت لكم اغزوهم قبل أن يغزوكم، فوالله ما غُزِي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنت عليكم الغارات، ومُلِكت عليكم الأوطان". ٤- والختام أو النتيجة هام لأنه تلخيص للموضوع، وتسجيل على السامعين واجتذاب لعواطفهم، ويجب أن يكون موجزًا واضحًا، قويًّا داعيًا إلى مذهب الخطيب، جامعًا لأهم عناصر الموضوع. كما ختم زياد خطبته البتراء بقوله: "وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله وايم الله إن لي فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي"٢. وأما أسلوب الخطابة -أو عباراتها اللفظية- فيقوم على طبيعة هذا الفن الذي يرمي إلى الإقناع والتأثير. لذلك كان لا بد فيه من البراهين العقلية لتحقيق الغاية الأولى، والانفعالات الوجدانية لتحقيق الغاية الثانية. وهذه الخاصة وحدها تجعل أسلوب الخطابة منوّعًا يجمع بين تقرير الحقائق وإثارة العواطف، فيستخدم الفكر والوجدان وينفذ منهما إلى الإرادة يدفع بها إلى عمل من الأعمال.

стр. 116

ولذلك تسمى الخطابة الفن العملي كما تسمى الفن الكامل لجمعه -في الإلقاء- بين شخصيتي الخطيب الحسية والمعنوية، ولاستخدامه جميع مواهب السامعين؛ فإن الخطيب يستخدم جسمه في الخطابة؛ فيشير بيديه، ويحرك رأسه، ويشكل أسارير وجهه. وكل هذه الحركات عنصر هام في التأثير الخطابي، حتى إذا قرئت الخطابة مكتوبة كانت فاقدة هذا العنصر الجسماني، مع صوت الخطيب، وحسن إلقائه. فيذهب شيء من روعتها وقوتها الإنشائية. وعلى هذا الأساس من طبيعة الفن الخطابي نستطيع تمييز أسلوبه بما يلي: ١- الصفة العامة للأسلوب الخطابي هي القوة. ومصدرها الأول انفعال الخطيب. وقوة عقيدته ويقينه بما يقول. ثم تظهر في عباراته المسجوعة أو المزدوجة وكلماته المؤثرة الجزلة لتكون موسيقى قوية. على تفاوت في ذلك. يقول زياد في مطلع خطابته: "أما بعد فإن الجهالة الجهلاء والضلالة العمياء. والغي الموفى بأهله على النار. ما فيه سفهاؤكم. ويشتمل عليه حلماؤكم من الأمور العظام، ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير". ٢- التكرار المعنوي جائز في الخطابة لتثبيت الأفكار في الأذهان، وتمكين السامعين من الفهم، والقوة والتأثير. ولكن لا بد من تغيير العبارات كما رأيت في المثال السابق إذ الفكرة الواحدة وردت في عدة جمل. وكما رأيت عند علي. وكقول زياد: "أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا. وسدت مسامعه الشهوات. واختار الفانية على الباقية؟ ". ٣- يختلف الأسلوب فيكون خبرًا. وأمرًا. ونهيًا. واستفهامًا. وتفجعًا. حتى لا يكون رتيبًا. وليمثل الانفعالات اللازمة للخطابة، والتي تمتلئ بها نفس الخطيب. يقول زياد: "ما أنتم بالحلماء ولقد تبعتم السفهاء. فلم يزل بكم ما ترون

стр. 117

من قيامكم دونهم حتى انتهكوا حرم الإسلام، ثم أطرقوا وراءكم كئوسًا في مكانس الريب ... حرام على الطعام والشراب حتى أسويها بالأرض هدمًا وإحراقًا". ٤- والخطابة فيها التقرير لبيان الرأي ودعمه البرهان، وفيها القصص والوصف الموجزان يستعين بهما الخطيب في الإقناع والتأثير كما رأيت كقول علي في خطبته السابقة: "ولقد بلغني أن الرجل منهم كان يدخل على المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة فينزع حجلها وقلبها وقلائدها ورعاثها". ٥- يجب أن تكون العبارة -مع قوتها- سهلة مفهومة للسامعين، خالية من الإغراب أو التعقيد حتى يستطيع الجمهور متابعة الخطيب ومسايرته؛ إذ ليست هناك فرصة للسامعين سوى لحظات الاستماع، ولا يستطيعون إيقاف الخطيب ليفهموا عنه، ولا يملك هو سوى فرصة الإلقاء؛ فإن الخطابة فن شفوي، على أنه إذا كتب نقص بهاؤه، وربما مضت ظروفه المناسبة فضاعت فائدته. ٦- يستطيع الكاتب أن يبين بالترقيم وسواه، كل قسم وموقف، ولكن الخطيب يستبدل بذلك النبر الصوتي على النقط الهامة، والعناية بالانتقال من نقطة إلى أخرى بالتنبيه، وتغيير الأسلوب ولهجة الخطاب، وتوكيد مواضع القصر. كل ذلك في جمل قصيرة سهلة. خالية من الاعتراضات وتفرق العناصر اللفظية التي إذا جازت في الكتابة فلن تجوز في الخطابة. ٧- السامعون هم المقياس السديد لمستوى اللغة ودرجتها. فقد يكونون من الخاصة. وبذلك يكون الأسلوب ساميًا عاليًا. وإذا كانوا من العامة كان الأسلوب بسيطًا سهلًا. وإذا كان جمهورًا عامًا غلب الخطيب ناحية السهولة ليضمن الفهم للجميع.

стр. 118

٨- ولا بد أن يكون الخطيب جهير الصوت، صافية، حسن الإلقاء، مناسبة الهيئة، حسن الوقوف، متزن الحركات، خبيرًا بنفسية السامعين، قادرًا على الاندماج فيهم. وعلى فهم ما يطرأ عليهم أثناء الخطابة من فتور فيعالجه. أو غضب فيتلافاه. ويحسن انتهاز الفرص, واختيار الأوقات، والانتفاع بكل ما يفيده. جادًا مرة ومازحًا أخرى حتى يظفر بما يريد. ويمكن بيان ذلك في خطب العصر الحديث لمصطفى كامل، وسعد زغلول، ومصطفى النحاس، ومكرم عبيد. وتوفيق دياب. وغيرهم كثير. وتجد في الجزء الثاني من العقد الفريد جملة صالحة من خطب السابقين تعد شواهد لما قلنا.

стр. 119

الباب الرابع: الأسلوب والأديب الفصل الأول: تمهيد ... الباب الرابع: الأسلوب والأديب الفصل الرابع: تمهيد ١- ذكرنا في الباب الثالث كيف يختلف الأسلوب باختلاف الموضوع، وقد رأينا أن ذلك الاختلاف اللفظي إنما كان ظاهرة محتومة لاختلاف طبيعية الفنون الأدبية من حيث عناصرها المعنوية أولًا، وغاياتها التعليمية أو التأثيرية أو كلتيهما ثانيًا، فكان لكل من المقالة، والقصيدة، والخطابة، والرواية أسلوب خاص، وانتهى بنا القول إلى صحة هذه الكلمة المأثورة: "الأسلوب هو الموضوع". وهنا نقول في ناحية ثانية هي اختلاف الأساليب تبعًا لاختلاف المنشئين سواء كانوا كتابًا أم خطباء أم شعراء أم مؤلفين إلى غير هذا، فالموضوع هنا واحد -خطابة أو كتابة أو شعر- ولكن الأشخاص يتعددون، فإذا بالأسلوب يختلف في الفن الواحد باختلاف هؤلاء الأدباء؛ إذ نرى لكل منهم طابعًا خاصًا -في تفكيره، وتعبيره، وتصويره- ممتازًا به من الآخر في هذه العناصر. وقد يصح لنا بعد ذلك أن نقول مع القائلين: "الأسلوب هو الأديب" أو هو الرجل إلى نحو ذلك من العبارات.

стр. 120

ومع ذلك ينبغي ألا ننسى أن المرجع الأول لهذين النوعين من اختلاف الأسلوب هو نفس الإنسان، وما يعرض له من دواع ينشئ فيها الأدب، فإذا أردنا بيان ذلك في الفنون الأدبية رأينا أن الأديب نفسه يعتمد على عقله، ليشرح نظرية علمية، أو مسألة اجتماعية، أو قاعدة قانونية؛ فهو في هذه الحالة منشئ المقالة "كاتب" ومرة أخرى نجده نفسه منفعلًا ثائر العاطفة يتغنى آماله وآلامه بهذه اللغة الموسيقية الخاصة فإذا هو شاعر، ومرة ثالثة يلجأ إلى العقل والعاطفة معًا للإقناع والتأثير مستعينًا جسمه ومظهره الحسي فيكون خطيبًا، وأسلوبه الكتابي يخالف الشعري، وكلاهما غير الخطابي، وهكذا تتشكل النفس أشكالًا شتى، فتصدر عنها فنون متباينة لكل أسلوبه الخاص وغايته الممتازة، فالشخص واحد والفن مختلف. ٢- وإذا رأينا بيان ذلك بالنسبة للأديب عكسنا الوضع فالفن واحدة، ولكل الأشخاص يتعددون. وبذلك نجد لهؤلاء الأدباء آثارهم المتباينة في تكييف الأسلوب تبعًا لما يمتاز به كل أديب في عقله وشعوره وخلقه وثقافته ومذهبه في الحياة، وبناء على ذلك يستطيع قراء الأدب أن يتبينوا في الفن الواحد، وفي الموضوع الواحد من الفن أساليب مختلفة في الكلمات، والصور، والعبارات، وفي طرق التفكير، ولون المزاج، ومستوى الرقي والتهذيب. وخلاصة ما ذكر هنا تنتهي إلى أمرين اثنين: الأول: أن مقتضى الحال -أو الدواعي- يحمل الإنسان على اختيار الفن الأدبي الذي يؤدي به ما يشاء: رسالة، أو مقالة، أو خطابة، أو قصيدة فيسلك في أسلوبه مسلكًا خاصا هو هذه العبارات اللفظية التي تلائم فنه. وقد مضى القول في ذلك. الثاني: أن الأديب في حدود هذا الفن، ومع التزامه خواصه الأدبية

стр. 121

العامة يطبع الأسلوب طابعًا آخر ممتازًا، وخاصًّا به هو بحيث لا يتوافر لصاحبه في نفس الفن أو الموضوع، وبذلك يتحقق للأسلوب ميزتان: ميزة عامة من حيث هو خطابة أو شعر أو كتابة، وميزة خاصة من حيث هو أثر لأديب ممتاز؛ فالخطابة لها خواصها الأسلوبية العامة التي ذكرت، وخطابة الحجاج لها فوق الخواص العامة، ما يمتاز به الحجاج في مزاجه، وخلقه، ومذهبه في الحكم وكلماته، وعباراته. والشعر كذلك ذو أسلوب مميز بالوزن والقافية والموسيقى وغيرهما، ولكن المتنبي مثلًا في أسلوبه -زيادة على ذلك- خواص في التفكير والتعبير والسلوك تفرقه عن أبي تمام والبحتري والمعري. وللكتابة أسلوب خالٍ من قيود الشعر وتقاليد الخطابة، أما الجاحظ مثلًا فيمتاز مع ذلك بلوازم في تعبيره وتصويره وإسهابه، لا تراها عند البديع مثلًا، ولا ابن العميد، ولا ابن خلدون، والأمر واضح في الكتَّاب المعاصرين، فكل من طه حسين، وأحمد أمين، والعقاد، والمازني، والبشري، له ميزاته في تفكيره وتعبيره، وطريقة عرضه الآراء، وطابع أسلوبه العام من الوضوح والقوة والجمال. ٣- على أن هذه الميزات -أو الشخصية الأدبية- لا تكون فردية فقط بل تكون كذلك اجتماعية. فنجد العصر الواحد من العصور الأدبية له طوابع عامة شائعة بين أدبائه. منها تتكون ميزاته الأدبية، أو شخصيته الأسلوبية التي يخالف بها سائر العصور. ونجد الشعب الواحد له خواصه الأدبية التي تفرقه من آخر يوافقه في لغته، وجنس أدبه. فالعصر الجاهلي له شخصيته الأدبية التي تتلخص في أنها صحراوية بدوية. خشنة، جاهلة، مضطربة، ذكية، تعتمد على الحس أكثر من غيره. وتشتق عناصرها الخيالية من المفاوز العريضة، والجبال الشماء والوعول الممتنعة، والظباء

стр. 122

وذلك مشاهد بيننا الآن، فالأدب العربي يعيش الآن في مصر، والشام، والعراق، والمغرب، وبلاد العرب، ومهاجر أمريكية، ومع ذلك نجد في كل من هذه الأقطار يخضع لثقافة أهله وبيئتهم، وأحوالهم السياسة والاجتماعية ودرجتهم في الرقي، ويتأثر أسلوبه اللفظي بذلك إلى حد كبير. ولعل الأسلوب في مصر أقواها وأبرها وأخصبها جميعًا، لما أتيح لها من معاهد كبيرة، ومكتبات كثيرة، ودراسات منظمة، وعناية بالثقافة شاملة. أما اللغات العامية في هذه الأقطار فالاختلاف فيها أوضح وأوسع مدى، لخضوعها للحياة الموضعية، واختلاف الطارئين على كل قطر، وتباين نظام الحياة ومشاهدها، وعدم خضوعها لوحدة عامة مشتركة بين هذه الشعوب، ولولا هذه اللغة الفصيحة العامة التي توحد بين الأساليب العربية في التأليف العلمي والإنشاء الأدبي لكان اختلاف الأدب قويا ولضعف التفاهم بين المتأدبين كما ضعف بين العوام في هذه البلاد المتباينة. نعم، نجدنا الآن أمام دعوة لتحقيق الوحدة العربية الثقافية أو الأدبية، وعندي أن هذه الوحدة ستتم بسرعة بتأثير المطبعة والإذاعة، وتقارب مناهج التعليم، وكثرة البعوث العلمية؛ ولكن ذلك لن يمحو أبدًا مظاهر الأدب الإقليمية إلا إذا اتحدت مواهب هذه الشعوب العربية وبيئاتهم.

стр. 123

الفصل الثاني: الأسلوب والشخصية ١- كيف يختلف الأسلوب في الموضوع الأدبي الواحد؟ ذلك راجع إلى اختلاف الأشخاص الذين يتناولون الموضوع، أو اختلاف الشخصيات. ما الشخصية؟ وما عناصرها؟ وكيف تختلف باختلاف الأفراد؟ وما مظاهر هذا الاختلاف في الأدب؟ ذلك ما نحاول بيانه في هذا الفصل وما يليه. الشخصية١ ما يميز الفرد من سواه، أو هي مجموعة الصفات الجسمية والعقلية والخلقية التي يتصف بها الإنسان، أو هي المميزات التي تفرق الشخص من الآخر خيرة كانت أو شريرة، فالتعاريف قائمة على هذه الخواص التي نجدها في فرد ولا نجدها في غيره كما هي الأول، وتكون خلقية: كالصدق، والشجاعة، والكرم أو ضد ذلك. وعقلية: كالذكاء، وصحة الاستنباط، وعمق التفكير أو عكسها. وجسمية: كاعتدال القامة، وقوة البنية، وحسن الهيئة، وما سواها وتكون اجتماعية: كالإيثار، والتحاب، والطاعة. ومزاجية: كالدموي والسوداوي، والبلغمي، والصفراوي إلى غير ذلك مما يدخل في تكون الإنسان ويميزه من سواه. وكثيرًا ما تتجلى قوة الشخصية في الذكاء والجاذبية، والحكمة والصراحة، والثقة بالنفس، والشجاعة، وقوة البيان، من تلك العناصر التي تدعو إلى المحبة والاحترام وتسمو بصاحبها إلى ذروة المجد في هذه الحياة.

стр. 124

والناس يختلفون في الشخصية بين قوي وضعيف، نابه وخامل، ثابت ومتقلب، جبار صارم ورقيق وديع. ومبتكر نشيط ومقلد بليد. وقد حفظت الأخبار التاريخية بعض الصفات التي غلبت على سواها وكانت رمزًا لشخصيات أصحابها كعدل عمر. وكرم حاتم. ودهاء معاوية، وجبروت الحجاج. وشجاعة عنترة. وتكون الشخصية للرجال والنساء. والمتعلمين والجهال. والأخيار والأشرار. وللأفراد والشعوب، كالنظام الألماني، والثقة بالنفس الإنجليزية والفكاهة المصرية. والجندية التركية وهكذا. ٢- والأدب معرض لظهور الشخصية واضحة؛ فمن المقرر أن العاطفة هي التي تميز من العلم. وهي التي تبعث فيه الخلود. وتشربه شخصة الأديب١ ففي ديوان الشاعر -مثلًا- تجد مزاج الأديب. وطبعه وخلقه، ومذاهبه في الحياة. ومستوى ثقافته. وظل روحه. ونظرته إلى الحياة. وتفسيره للأشياء تفسيرًا أدبيًّا أو فلسفيًّا. كذلك تعرف نوع كلماته وجمله. طريقة تصويره وتعبيره. ولست تجد اثنين يتفقان في كل هذه الخواص أو جلها. كما وكيفا. إذ كل إنسان أمة واحدة فيما يصله بالحياة متأثرًا ومؤثرًا ذلك لأنه شخصية واحده فطرها الله ممتازة. وكونتها ملابسات بعينها. فاستقامت ذات طبيعة محدودة وخطة خاصة. وكانت هي هذا الفرد الممتاز، ونتيجة ذلك أن الأديب حين يعبر عن شخصيته تعبيرًا صادقًا يصف تجاربها ونزعاتها ومزاجها وطريقة اتصالها بالحياة ينتهي به الأمر إلى أسلوب أدبي ممتاز في طريقة التفكير والتصوير والتعبير؛ هو أسلوبه المشتق من نفسه هو: من عقله. وعواطفه. وخياله. ولغته؛

стр. 125

تلك العناصر التي لا تتوافر لغيره من الأدباء، ومن ذلك تكثر الأساليب بعدد الكتاب والمنشئين. فالجاحظ١ -مثلًا- كاتب متعمق مستقص يلح وراء المعاني، والأوصاف والخواطر لا يترك منها شيئًا. يطوع اللغة لعقله وشعوره وخياله فيوردها ألفاظًا دقيقة، ويرددها جملًا مزدوجة مقسمة، ويسهب فيها بعبارات موسيقية فياضة حتى يشتفى. يجد فيبلغ من التحقيق والإحاطة جهد العقول. ويهزل عابثًا، وداهية ماكرًا. يبكي ويسخر ما شاءت له براعته ومرونته الخلقية والدينية حتى كأن الجاحظ هو الدنيا جميعًا. وابن خلدون -في مقدمته- كاتب عالم وشيخ وقور. معني بالأسباب والنتائج، ذو عقل رياضي يعرض النظريات ويأخذ في إثباتها بعبارات متشابهة لا تخلو من الأكلاف اللفظية. والركاكة الموسيقية. فليس في روعة الجاحظ ولا صفائه واستفاضته، ولا فكاهته وعبثه الماكر. وطه حسين٢ متأثر بالجاحظ في أسلوبه، لا يهجم عليك برأيه فيلقيه إلقاء الآمر، وإنما يلقاك صديقًا لطيفًا، ثم يأخذ بيدك أو بعقلك وشعورك ويدور معك مستقصيًا المقدمات محللًا ناقدًا، يشركك معه في البحث حتى يسلمك الرأي ناضجًا ويلزمك به في حيطة واحتياط، ثم يتركك ويقف غير بعيد متحديًا لك أو ضاحكًا منك، وذلك في عبارات رقيقة عذبة، أو قوية جزلة، فيها ترديد الجاحظ وتقسيمه؛ فإذا قص أو وصف أخذ عليك أقطار الحوادث والأشياء. ودخل إلى

стр. 126

أعماق الشعور وجوانب النفوس مدققًا، مستقصيًا يخشى أن يفوته شيء، ولا يخشى الملال في شيء دقيق الشعور صافي النفس، نبيل الجدل جاد يسير مع خصمه حتى إذا آنس منه الغضب أو التدلي تركه وانصرف. أما أحمد أمين١ فرجل يريح قراءه ولا يندمج فيهم، يعرض أدلته، ويستأثر باستغلالها وينتهي إلى نتائجه، ويقدمها إليهم مستوية ناضجة بأسلوب واضح كل الوضوح، دقيق كل الدقة، ثم يعتكف دونهم ويغلق في وجوههم الباب، ويلقى الحياة بعقله أكثر من قلبه، ويقف منها على أرض من الحديد، يؤمن بالحقائق، ويؤديها بلفظها كما تعرفه الحياة الاجتماعية الواقعية ولو تورط في العامية لأنه مفتون بالاستعمال الإقليمي، وبتأثير الجو في العبارات والتراكيب. هذا، والمشيب في رأي المعري أزهار الرياض وزينتها: والشيب أزهار الشباب فما له ... يُخفى وحسن الروض في الأزهار ولكنه في رأي الشريف الرضي سيف مصلت على الرءوس تحمله بدون عناء: غالطوني عن المشيب وقالوا: ... لا ترع، إنه جلاء حسام قلت: ما أمن من على الرأس منه ... صارم الحد في يد الأيام ذلك لأن المعري فيلسوف حكيم يعرف الدنيا ويقبل قوانينها الطبيعية مهما يضمر في نفسه من سخط واستيئاس، ولكن الشريف محب للحياة، حريص على الشباب متصل بالنعيم فلما أنذره المشيب فزع وارتاع وتوقع النازلة.

стр. 127

ومهما يكن من تأثير الوراثة أو التربية في تكوين الشخصية١، فإنا نستطيع هنا أن نذكر بعض عناصر الشخصية وما قد يكون لها من أثر في الأسلوب: ١- الطبع: فالرقيق الطبع ترق ألفاظه، وتسهل فقره، وتلين عباراته، والخشن الجافي تجزل ألفاظه، وتوجز جمله، وتقوى تعابيره. إذ كانت الطبائع تجذب إليها من التراكيب والألفاظ ما يلائمها رقة وجفاء كما نجده عند المتنبي والبحتري وعند جرير والفرزدق، والعقاد والمازني. قال القاضي الجرجاني في ذلك: "وقد كان القوم يختلفون في ذلك وتتباين فيه أحوالهم، فيرق شعر أحدهم ويصلب شعر الآخر، ويسهل لفظ أحدهم ويتوعر منطق غيره، وإنما ذلك بحسب اختلاف الطبائع وتركيب الخلق، فإن سلامة اللفظ تتبع سلامة الطبع, ودماثة الكلام بقدر دماثة الخلقة. وأنت تجد ذلك ظاهرًا في أهل عصرك وأبناء زمانك وترى الجافي الجلف منهم كز الألفاظ. معقد الكلام، وعر الخطاب. حتى إنك ربما وجدت ألفاظه في صوته ونغمته. وفي جرسه ولهجته"٢. ٢- أثر البيئة: فابن البادية المقيم في الفلاة حيث يرى الجدب الغالب والطبيعة القاحلة الجرداء. والجبال الشم. والصخور الجامدة، والوعول الممتنعة. لن يكون كابن الحاضرة المترفة الخصبة يلقى العيش رقيقًا والملبس ناعمًا. والمزارع ناضرة. والإخوان ظرفاء؛ إذ إن ذلك يطبع الذوق والشعور بطابعه. فلا يقع

стр. 128

اللسان إلا على كفائه من العبارات، فما كان عَدِيُّ بن زيد والمنخّل اليشكري كطرفة بن العبد والحارث اليشكري. ويقول الجرجاني في أعقاب كلامه السابق: "ومن شأن البداوة أن تحدث بعض ذلك، ولأجله قال النبي ﷺ : $"من بدا جفا". ولذلك تجد شعر عدي وهو جاهلي أسلس من شعر الفرزدق ورجز رؤية. وهما آهلان، لملازمة عدي الحاضرة، وإيطانه الريف وبعده عن جلافة البدو، وجفاء الأعراب، فلما ضرب الإسلام بجرانه واتسعت ممالك العرب وكثرت الحواضر، ونزعت البوادي إلى القرى ونشأ التأدب والتظرف اختار الناس من الكلام ألينه، وأسلهه، وجاوزوا الحد في طلب التسهيل حتى تسمَّحوا ببعض اللحن، وحتى خالطتهم الركاكة والعجمة وأعانهم على ذلك لين الحضارة وسهولة طباع الأخلاق فانتقلت العادة وتغّير الرسم وانتسخت هذه السنة، واحتذوا بشعرهم هذا المثال وترققوا ما أمكن، وكسوا معانيهم ألطف ما سنح من الألفاظ فصارت إذا قيست بذلك الكلام الأول تبين فيها اللين، فيظن ضعفًا فإذا أفرد عاد ذلك اللين صفاء ورونقا، وصار ما تخيلته ضعفا رشاقة ولطفا ... ". ومن شواهد آثار البيئة في الأفراد واستحالتهم ما روي أن شاعرًا بدويًّا قدم حاضرة عامرة فأكرمه صاحبها فمدحه بهذين البيتين: أنت كالدلو لا عدمناك دلوا ... من كثير العطايا قليل الذنوب أنت كالكلب في حفاظك للود ... وكالتيس في قراع الخطوب فهم بعض أعوان الأمير بقتله، فقال الأمير: خل عنه، فذلك ما وصل إليه علمه ومشهوده، ولقد توسمت فيه الذكاء فليقم بيننا زمنا، وقد لا نعدم منه شاعرًا مجيدًا، فما أقام بضع سنين في سعة عيش وبسطة حال حتى قال الشاعر الرقيق، ونسبت إليه هذه الأبيات:

стр. 129

يا من حوى ورد الرياض بخده ... وحكى قضيب الخيزران بقده دع عنك ذا السيف الذي جردته ... عيناك أمضى من مضارب حده كل السيوف قواطع إن جردت ... وحسام لحظك قاطع في غمده إن رمت تقتلني فأنت مخير ... من ذا يعارض سيدًا في عبده١ ومهما يشك في صحة هذه القصة التي تعددت رواياتها فليس من شك أن هناك جماعة من الأدباء والشعراء تغيرت آثارهم كلما تغيرت عليهم آثار البيئة. ٣- الثقافة والتربية، فالمهذب المثقف يكون أعمق تفكيرًا، وأحسن ترتيبًا للمعاني، وأحرص على جمال التصوير، وصفاء التعبير، وبذلك تعزز معانيه وتهذب عبارته، ويتوافر له الملائمة بين الألفاظ والمعاني. والجاهل الذي لم تصقله التربية أو لم يزود بثقافة كافية. يقف عند حدود الطبع ويتوجه في الغالب إلى جمال اللفظ وإشراق الديباجة لعلها تعوض عليه ما فاته من ابتكار المعاني والغوص وراء الأفكار. ولذلك وجد في الأدب العربي طبقات من كتاب العصر العباسي بلغوا بالترسل مكانة مهذبة. وتأثر شعرهم بذلك التهذيب والصقل كما يقول ابن رشيق: "والكتاب أرق الناس في الشعر طبعًا، وأملحهم تصنيعًا وأحلاهم ألفاظًا وألطفهم معاني. وأقدرهم على تصرف وأبعدهم من تكلف"٢. وليس من شك أن ثقافة الجاحظ مما يميزه من البديع والخوارزمي، وكذلك وجد شعراء المعاني الذين أغنوا بها الشعر كأبي تمام والمتنبي والرومي كما وجد الممتازون بجزالة اللفظ ورقته كالبحتري والشريف الرضي، حتى إن أبا تمام إذا

стр. 130

فرغ لطبعه، وترك التكلف أتى بالعجب ودل على شخصية تجيد التفكير، وتحسن التصوير والتعبير لما ظفر به من ثقافة إسلامية جديدة أخصبت عقله، وكثرت معانيه. ولا شك أنك تجد فرقًا واضحًا جدًّا بين أدباء مصر الذين عاشوا أول هذا العصر الحديث وبين من يعيشون بيننا الآن، أولئك ضعفت ثقافتهم فكانت آثارهم لفظية وهؤلاء ظفروا بثقافة قوية متنوعة فجمعوا إلى سلامة العبارة جدة الموضوعات وثروة المعاني فصار الأدب قيمًا نافعًا. ٤- الابتكار: فمن الأدباء من يلتفت إلى نفسه، ويثق بها ويحاول أن يفتح بها أو فيها آنفاقًا من التفكير أو الشعر أو التخييل ليعرضها كما هي في أقوى أحوالها وأوضح خواصها دون تحرج أو تكلف، ثم يطوع أساليب اللغة لطريقة تفكيره وتصويره فإذا به شيء جديد وشخصية ممتازة وقد يلقى إنكارًا وعنتًا، ولكن ما دام مذهبه قويًّا خليقًا بالبقاء فإن الثورة عليه لا تكون إلا فترة تجتازها النفوس لقبول الجديد وإقراره ثم يصبح سبيلًا معبدة مسلوكة، وقانونًا متبعًا محبوبًا وقد لقي أسلوب الجاحظ إنكارًا ولكنه عاد مدرسة المتأدبين وواجه أبو نواس ثورة ثم عاد قديمًا، ووجد أبو تمام والمتنبي من أخرجهما من زمرة الشعراء. وكم يلقى المجددون من حرب المحافظين ولكن الأصلح منتصر غلاب. هولاء المبتكرون هم أصحاب الشخصيات البارزة الذين أنشئوا مدارس أدبية غيرت مجرى تاريخ النظم والنثر وبقيت خالدة على الأيام. ومما سبق يمكن ذكر الملاحظات الآتية: أولًا: أن أسلوب الكاتب أو الشاعر أو الخطيب نتيجة طبيعية لمواهبه وصورة لشخصيته هو، وإذًا لا يمكن أن يكون صادقًا، قويًّا، ممتازًا إلا إذا استمده من

стр. 131

نفسه وصاغه بلغته، وعبارته، دون تقليد سواه من الأدباء؛ لأن كل أسلوب صورة خاصة بصاحبه تبين طريقة تفكيره، وكيفية نظره إلى الأشياء وتفسيره لها وطبيعة انفعالاته، فالذاتية هي أساس تكون الأسلوب، والمقلد يفنى في غيره ويصبح شخصية منكرة ثقيلة على النفس لا تستحق عناية، ينصرف عنها الناس إلى أصلها الأول وبه يكتفون. نعم هناك كتاب كبار يستطيعون طبع عصورهم الأدبية بطابعهم والتأثير في نفوس الناشئين بقوة أدبهم وبراعة أسلوبهم، كالجاحظ والبديع قديمًا. وطه حسين، والعقاد، والرافعي، وسعد زغلول، حديثًا. ولكن ذلك لا يعفي المتأدبين من الاعتماد على أنفسهم وإظهار سماتهم الأسلوبية مع الإفادة من هؤلاء أو من بعضهم. ثانيًا: قد يبدو لبعض الناس التردد في أن الأسلوب صورة صادقة لصاحبه حين يرون حسان بن ثابت شجاعا في شعره، جبانا في عمله، والبحتري جميل الذوق، في أسلوبه. قذرًا، رث الثياب، والمتنبي كريمًا في قوله بخيلا في حياته. وهذا من غير شك تناقض واضح يعرض ما قيل هنا للرد والتجريح. ولكن الشيء الجدير بالنظر أن هذه النصوص الأدبية التي تعد مظهرًا قويًّا لميزات الأديب وسماته قد صدرت عنه في حالة نفسية خاصة هي حال الانفعال والتنبه العاطفي، وسلطان الوجدان على العقل فيقول ما يشاء بوحي الساعة، حتى إذا ثاب إلى عقله عاش بطبيعته العاقلة الأصلية دون الشاعرة الطارئة، وربما أنكرت حياته الثانية حياته الأولى مما يعد شبيهًا بانقسام الشخصية١. فالأسلوب الأدبي معرض الشخصية الانفعالية التي تسيطر على الإنسان سواء أكان منشئًا يصدر عن عواطفه

стр. 132

المستيقظة أم قارئًا ثارت عواطفه إثر ما قرأ من أدب قوي صادق فصدرت عنه لذلك حركات أو أعمال، أو أقوال طريفة غير مألوفة، وقد تنبه لذلك ابن الأثير١ حيث يقول ما نصه: وأعجب ما في العبارة المجازية أنها تنقل السامع عن خلقه الطبعي في بعض الأحوال حتى إنها ليسمح بها البخيل، ويشجع الجبان، ويحكم بها الطائش المتسرع، ويجد المخاطب عند سماعها نشوة كنشوة الخمر، حتى إذا قطع عنه ذلك الكلام أفاق وندم على ما كان منه من بذل مال أو ترك عقوبة أو إقدام على أمر مهول، وهذا هو السحر الحلال المستغني عن إلقاء العصا والحبال" فإذا كان ذلك شأن السامع فكيف بالمنشئ الذي صدر عنه هذا الكلام الساحر وكان ثمرة انفعاله الأصيل وعاطفته الإيجابية؟ ثالثًا: أن بيان هذه الصلة بين الأديب وأسلوبه وتوضيح جوانبها يقتضينا أن نتناولها من وجهين: الأول: أن نعرض النصوص الأدبية لجماعة من الكتاب أو الخطباء أو الشعراء أو المؤلفين. ونحاول تعرف شخصياتهم المتباينة استنباطا من هذه النصوص. والثاني: أن نفرض أننا نعرف هذه الشخصيات ثم نتبين مظاهرها المختلفة في الأسلوب: ألفاظه وتراكيبه وصورها البيانية وهذا ما نحاوله في الفصلين التاليين. وليس من شك أن هذين الوجهين شيء واحد أمام الناقد الذي لا يعرف غير النصوص الأدبية التي يدرسها؛ فالنصوص أمامنا كالدينار هو واحد ولكنه ذو وجهين؛ نرى في كل منهما شكلًا خاصًّا يخالف الآخر وإن كانت المادة واحدة

стр. 133

كذلك نحن أمام الآثار الأدبية، نقلبها على وجهين لنرى فيها من وجه شخصية الكاتب، ونتبين أثر هذه الشخصية فيها من وجه آخر. وسبب هذا اللجوء والاحتيال أننا في الأصل لا نعرف هذه الشخصيات إلا من الآثار الأدبية فنضطر إلى الوقوف عندها لمعرفة كل شيء على أنه لو أتيح لنا تعرف شخصيات الأدباء الفنية، عن طريق أخرى كالعشرة الصادقة، ثم كانوا طبيعيين في تعبيرهم، تبين لنا صدق هذه الصلة التي ندعيها بين الأدباء وبين ما ينتجون من أساليب؛ يعرف ذلك النقاد الذين عاشروا الأدباء ثم قرءوا آثارهم الأدبية، فيقولون لك: هذا هو فلان كما أعرفه في سلوكه ومزاجه، ومع هذا فلن تنسى أن الأديب حال الكتابة مثلًا، يكون خاضعًا لبعض ضروب الأنفعال أو التفكير فتجده في آثاره أقوى وأروع، وإن لم ينفصل مطلقًا عن طبعه الأصيل.

стр. 134

الفصل الثالث: دلالة الأسلوب على الشخصية أولا: في الشعر ... الفصل الثالث: دلالة الأسلوب على الشخصية نحاول في هذا الفصل أن نتعرف بعض عناصر الشخصية الأدبية من النصوص الكتابية والخطابية، والنظمية، ويلاحظ أن عناصر هذه الشخصية لا تظهر جميعها للقارئ إلا إذا درس آثار الأديب أو أكثرها، قراءة نقدية عميقة، ثم وازن بينه وبين غيره، وبخاصة في الفنون المشتركة بينهما، ليعرف كيف يختلف الأدباء في تفسير الأشياء والتعبير عما يتصورون، ومن هذا الاختلاف يفرق بين الشخصيات. وليس من المستطاع أن نورد هنا جملة صالحة لكل أديب ونجعلها معرضًا للدرس والاستنباط، فذلك من عَمِل القارئ الذي يجد في الكتب والدواوين كفايته، وحسبنا أن نورد في كل فن ثلاثة أمثلة جزئية متوخين أن تتحد في الغرض، ثم نتلمس فيها ما يميز أصحابها، على أن يكون ذلك مثالًا يقاس عليه. أولًا: في الشعر ١ قال أبو تمام يعاتب محمد بن عبد الملك الزيات: لئن همي أوجدنني في تقلبي ... مالًا لقد أفقدتني منك موئلا وإن رمت أمرًا مدبر الوجه إنني ... لأترك حظا في فنائك مقبلا

стр. 135

وإن كنت أخطو ساحة المحل إنني ... لأترك روضًا من جداك وجدولا كذلك لا يُلقي المسافر رحله ... إلى منقل حتى يحلف منقلا ولا صاحب التطواف يعمر منهلا ... وربعًا إذا لم يخل ربعًا ومنهلا ومنذ يداني أو بنائي، وهل فتى ... يحل عرى الترحال أو يترحلا فمرني بأمر أحوذي فإنني ... أرى الناس قد أثروا وأصبحت مرملًا١ فسيان عندي صادفوا لي مطعنا ... أعاب به، أو صادفوا لي مقتلا وقال البحتري يعاتب الفتح بن خاقان: يريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا٢ أكذب ظني بأن قد سخطت ... وما كنت أعهد ظني كذوبا ولو لم تكن ساخطًا لم أكن ... أذم الزمان وأشكو الخطوبا ولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئًا أو مصيبا أيصبح وردي في ساحتيـ ... ـك طرفا ومرعاي محلا جديبا٣ أبيع الأحبة بيع السوام ... وآسي عليهم حبيبًا حبيبا٤ ففي كل يوم لنا موقف ... يشقق فيه الوداع الجيوبا وما كان سخطك إلا الفراق ... أفاض الدموع وأشجى القلوبا ولو كنت أعرف ذنبًا لما كا ... ن خالجني الشك في أن أتوبا

стр. 136

سأصبر حتى ألاقي رضا ... ك إما بعيدًا وإما قريبا أراقب رأيك حتى يصح ... وأنظر عطفك حتى يثوبا١ وقال المتنبي يعاتب سيف الدولة الحمداني: يا أعدل الناس إلا في معاملتي ... فيك الخصام وأنت الخصم والحكم أعيذها نظرات منك صادقة ... أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم وما انتفاع أخي الدنيا بناظره ... إذا استوت عنده الأنوار والظلم أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ... وأسمعت كلماتي من به صمم أنا مل جفوني عن شواردها ... ويسهر الخلق جراها ويختصم٢ وجاهل مده في جهله ضحكي ... حتى أتته يد فراسة وفم٣ إذا رأيت نيوب الليث بارزة ... فلا تظنن أن الليث يبتسم الخيل والليل والبيداء تعرفني ... والسيف والرمح والقرطاس والقلم يا من يعز علينا أن نفارقهم ... وجداننا كل شيء بعدكم عدم ما كان أخلقنا منكم بتكرمة ... لو أن أمركم من أمرنا أمم٤ إن كان سركم ما قال حاسدنا ... فما لجرح إذا أرضاكم ألم وبيننا -لو رعيتم ذاك- معرفة ... إن المعارف في أهل النهى ذمم

стр. 137

كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم ... ويكره الله ما تأتون والكرم ما أبعد العيب والنقصان من شرفي ... أنا الثريا، وذان الشيب والهرم١ هذا عتابك إلا أنه مقة ... قد ضمن الدر إلا أنه كلم٢ موضوع القصائد واحد، وهو العتاب، والأصل فيه تصوير الوفاء والبقيا على ماضي الصداقة، ثم الأسف والاستنكار لما حدث. لهذا كان موقفًا دقيقًا يحتاج إلى براعة، حتى لا يعود هجاء وقطيعة، وحتى يجمع صاحبه بين الوفاء لصديقه، والانتصار لنفسه فلا يفرط في اللوم فيعود خشنًا ثقيلًا، ولا يفرِّط في الانتصاف فيعود هيِّنًا ذليلًا. ومع هذا فقد وقف كل من هؤلاء الثلاثة موقفًا أدبيًّا يدل على شخصية واضحة ممتازة. ١- فأما أبو تمام فكان واقفًا في منتصف الطريق لم يقرب من صاحبه جدًّا ولم يبعد عنه كذلك وأخذ يعرض عليه الأمر مستأذنًا، راضيًا بما يقع، مشيرًا إلى إيثاره على سواه وهم كثير، معنيا بنفسه وبفنه يصنعه بدقة وإتقان، يوسط عقله بينه وبين صديقه. وإذا كان لا بد من ذكر ميزاته الشخصية كما تشير هذه الأبيات، فأبو تمام إنسان ذكي حذر يعتد بقلبه فيبخل به، ويؤمن بعقله فيعتمد عليه، مخلص لنفسه وفنه أكثر من عنايته بالناس، يرضى بما يكون ويقتصد في اتصاله بالحاية، قوي الطبع مؤمن بالقضاء. ٢- وأما أبو عبادة البحتري فقد تقدم إلى صاحبه يكاد يحتضنه، ويلقي بنفسه بين يديه، لولا براءته من الذنوب، واعتزازه بأن الحق في جانبه، قد

стр. 138

ملك عليه الأسف والطمع نفسه، فعجب أن يرنق ورده، صمم على البقاء حيث كان، واثقًا من ظهور الحق ومعاودة الصفاء، البحتري، إذًا رقيق الطبع جميل الذوق، لين الجانب، وفي حسن الظن بالأيام، بارع، شديد الاتصال بالحياة، قريب المثال، طبعي الفن، متفائل ليس في حذر أبي تمام ولا سخط المتنبي. ٣- وأبو الطيب شيء آخر فقد نفر من صاحبه ساخطا، متوعدا، متعاليا، يرميه بالغفلة والتحيز، معتزًا بنفسه فخورًا بخلقه وفنه، مزريًا بالرؤساء والشعراء، ولاهم ظهره غير مباليهم إذ لم يحسنوا تقديره، ولم يدركوا مكانته، وإذًا فهو يودعم نادمين، وسبب ذلك دالة له على سيف الدولة، وعرفانه مكانة نفسه، وهذه السعاية التي خضع لها أمير بني حمدان، فالمتنبي جافي الطبع، طموح، مغرور، بعيد الأمل، قليل الوسائل، ساخط على الحياة والأحياء، يؤمن بالقوة، ويعتز بها، يثق بشعره إلى أبعد حد، ولا يرى نفسه دون الملوك ولا من طراز الناس. ولعل البحتري أرق الثلاثة وأرضاهم، والمتنبي أجفاهم وأسخطهم، وأبو تمام أوسطهم وأشدهم حذرًا واحتياطا. وقد سئل الشريف الرضي عنهم فقال: "أما أبو تمام فخطيب منبر، وأما البحتري فواصف جؤذر، وأما المتنبي فقائد عسكر"١.

стр. 139

ثانيًا: الخطابة خطب علي بن أبي طالب في استنفار الناس إلى أهل الشام١: "أفّ لكم! لقد سئمت عتابكم، أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضًا وبالذل عن العز خلفًا؟ إذا دعوتكم إلى جهاد عدوكم دارت أعينكم كأنكم من الموت في غمرة ومن الذهول في سكرة، يرتج عليكم حواري فتعمهون٢، فكأن قلوبكم مألوسة٣، فأنتم لا تعقلون، ما أنتم لي ثقة سجيس الليالي٤، ولا زوافر٥ عز يفتقر إليكم، وما أنتم إلا كإبل ضل رعاتها، فكلما جمعت من جانب انتشرت من آخر، لبئس، لعمر الله، سعر٦ نار الحرب أنتم، تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تمتعضون، لا ينام عنكم وأنتم في غفلة ساهون. أيها الناس، إن لي عليكم حقًّا، ولكم عليَّ حق، فأما حقكم عليّ فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم٧، وتعليكم، كي لا تجهلوا. وأما حقي عليكم فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة عندما أدعوكم، والطاعة حين آمركم". وخطب معاوية حين قدم المدينة عام الجماع٨، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فإني والله ما وليتها٩ بمحبة علمتها منكم، ولا مسرة بولايتي عليكم، ولكني جالدتكم بسيفي١٠ هذه مجالدة، ولقد رضت١١ لكم

стр. 140

نفسي على عمل ابن أبي قحافة١، وأردتها على عمل عمر، فنفرت من ذلك نفارًا شديدًا، وأردتها على سنيات عثمان فأبت علي، فسلكت بها طريقًا لي ولكم فيه منفعة: مؤاكلة حسنة، ومشاربة جميلة، فإن لم تجدوني خيركم فإني خيرٌ لكم ولاية، والله ما أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن منكم إلا ما يشتفى٢ به القائل بلسانه فقد جعلت ذلك له دبر أذني٣ وتحت قدمي، وإن لم تجدوني أقوم بحقكم كله فاقبلوا مني بعضه، فإن أتاكم مني خير فاقبلوه، فإن السيل إذا جاء أثرى٤، وإن قل أغنى، وإياكم والفتنة فإنها تفسد المعيشة وتكدر النعمة". ومن خطبة زياد بالبصرة: "أما بعد، فإن الجهالة الجهلاء٥، والضلالة العمياء٦، والغي الموفى بأهله على النار، ما فيه سفهاؤكم، ويشتمل عليه حلماؤكم، من الأمور العظام ينبت فيها الصغير، ولا يتحاشى عنها الكبير، كأنكم لم تقرءوا كتاب الله ولم تسمعوا ما أعد الله من الثواب الكريم لأهل طاعته، والعذاب الأليم لأهل معصيته في الزمن السرمدي٧ الذي لا يزول، أتكونون كمن طرفت عينيه الدنيا٨

стр. 141

وسدت مسامعه الشهوات١، واختار الفانية على الباقية؟ ولا تذكرون أنكم أحدثتم في الإسلام الحدث الذي لم تسبقوا إليه: من ترككم الضعيف يقهر ويؤخذ ماله ... إني رأيت آخر هذا الأمر٢ لا يصلح إلا بما صلح به أوله: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وأني أقسم بالله لآخذن الولي بالمولى٣، والمقيم بالظاعن٤، والمقبل بالمدبر، والمطيع بالعاصي، والصحيح منكم في نفسه بالسقيم، حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد٥ أو تستقيم قناتكم٦ ... أيها الناس إنَّا أصبحنا لكم ساسة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء٧ الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أحببنا، ولكم علينا العدل فيما ولينا، فاستوجبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا أني مهما قصرت عنه فلن أقصر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء، ولا رزقًا عن إبانة، ولا مجمرًا٨ لكم بعثًا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون لكم، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم، فيشتد لذلك غيظكم، ويطوله له حزنكم.

стр. 142

ولا تدركوا له حاجتكم؛ مع أنه لو استجيب لكم فيهم لكان شرًّا لكم، أسأل الله أن يعين كلا على كل". هذه الخطب الثلاثة تدور حول الحكومة الإسلامية وإقرارها بعد الثورة التي انتهت بمقتل عثمان بن عفان، والنزاع بين علي ومعاوية، ونشأة الأحزاب السياسية وعناية معاوية وأعوانة بإقرار الحكومة في البيت الأموي. ١- فأما علي فساخط على العراقيين، يائس من صلاحهم، يرميهم بالجبن والهوان لا تجمعهم كلمة، ولا يغضبون لكرامة، ومع ذلك تراه يبين لهم هذه الصلة التي تربطه بهم. وهذه الخطبة صورة لكثير من آثاره الخطابية التي ألقاها إبان النزاع على الخلافة وهي تدل على شخصية علي، فقد كان شجاعا، قوي البأس، ذكي الفؤاد، واسع العلم، شديد الإيمان، متحرجا في الدين، حدبًا على المسلمين، حزينًا على حقه المسلوب صريحًا في القول، غلبت نزعته الدينية على كياسته السياسية حتى غلب على أمره بعكس معاوية، وكان مثله الأعلى قائمًا على الشجاعة والتحرج في الدين مع دالة على المسلمين لمكانته من الرسول وماضيه في خدمة الإسلام، لم يظفر من العراقيين بشعب يعتمد عليه ويخلص له، فعاش مجاهدًا حزينًا ومات دون تحقيق مآربه. ٢- وأما معاوية، فقد كلم أهل المدينة بلغة المنتصر الشامت، الذي يرميهم بعدم الكفاية لحسن سيرة الحكام فيهم لأنهم تغيروا وفسدت نفوسهم فلا بد من سياسة جديدة تلائم نفسيتهم الجديدة، وهي تقوم على الحيلولة بينهم وبين السياسة العليا ورضاهم بالواقع، وحلمه على سفه الكلام، واعتداده بالسلوك العملي. فهو شخصية سياسية حليمة، عملية مرنة، تصطنع الأناة، وتبرر الوسائل

стр. 143

في سبيل الغايات لم يتسبث بتحرج علي وسرعة غضبه، اعتمد على قوة عقله أكثر من قلبه، تلمسه حريرًا ولكنك تلبسه شوكًا وقتادًا. هذه هي الشخصية السياسية المرنة التي غلبت شخصية علي المتحرجة فكانت النتيجة انتصار البراعة الأموية على الشجاعة الهاشمية. ٣- ولكن زيادًا رفع في وجوه البصريين -والعراقيين جميعًا- سيفًا صارمًا، ولقيهم بأيد خشنة، وأقام عليهم الحجة بما عملوا من آثام ثم رسم الخطة التي يحكم بها مقلدًا عمر بن الخطاب ومتجاوزه في الشدة إذ أخذ بالشبهة وفرض النظام فرضًا فلا مفر للناس من اعتناقه، وإن تهاونوا فالسيف أو الباطل يخوضه ليصل إلى الحق. زياد -كهتلر وموسوليني ومصطفى كمال- حازم الرأي، صارم العزيمة ذكي عملي، إذا اقتنع بالرأي فرضه، حاد الذكاء واللسان، منظم التفكير حسن التدبير، هو وسط بين عمر بن الخطاب والحجاج في سياسته، مخلص لمصالح الدولة، غضب من الناس وألزمهم ما شاء ولكن عليا سخط عليهم وتحاشاهم فكان زياد أصلح حاكم للعراقيين. ويمكن تلخيص ذلك في أن عليًّا شجاع ساخط، ومعاوية سياسي بارع، وزيادًا حاكم حازم.

стр. 144

ثالثًا: الكتابة للجاحظ١ رسالة التربيع والتدوير التي كتبها إلى أحمد بن عبد الوهاب: ١- كان أحمد بن عبد الوهاب مفرط القصر ويدعي أنه مفرط الطول. كان مربعًا وتحسبه لسعة جفرته٢ واستفاظة خاصرته مدورًا، وكان جعد٣ الأطراف، قصير الأصابع، وهو في ذلك يدعي البساطة والرشاقة، وأنه عتيق٤ الوجه أخمص٥ البطن، معتدل القامة، تام العظم، وكان طويل الظهر، قصير عظم الفخذ، وهو مع قصر عظم ساقه يدعي أنه طويل الباد٦، رفيع العماد، عادي القامة، عظيم الهامة، قد أعطي البسطة في الجسم والسعة في العلم، وكان كبير السن متقادم الميلاد، وهو يدعي أنه معتدل الشباب حديث الميلاد، وكان ادعاؤه لأصناف العلم على قدر جهله بها. وتكلفه للإبانة عنها على قدر رغبته فيها. وكان كثير الاعتراض. لهجا٧ بالمراء. شديد الخلاف. كلفا بالمجاذبة متتابعا في العنود. مؤثرًا للمغالبة، مع إضلال الحجة. والجهل بموضع الشبهة. والخطرفة عند قصر الزاد والعجز عند التوقف. والمحاكمة مع الجهل بثمرة المراء ومغبة فساد القلوب، ونكد الخلاف، وما في الخوض من اللغو الداعي إلى السهو. وما في المعاندة من الإثم الداعي إلى النار. وما في المجاذبة من النكد. وما في المغالبة من فقدان الصواب. وكان قليل السماع غمرا٨ وصحفيا غفلا٩ لا ينطق عن فكر. ويثق بأول خاطر. ولا يفصل بين اعتزام الغمر واستبصار المحق. يعد أسماء الكتب ولا يفهم معانيها. ويحسد العلماء من غير أن يتعلق منهم بسبب، وليس في يده من جميع الآداب إلا الانتحال لاسم الأدب

стр. 145

أطال الله بقاءك وأتم نعمته عليك وكرامته لك، قد علمت حفظك الله أنك لا تحسد على شيء حسدك على حسن القامة، وضخم الهامة، وعلى حور العين، وجودة القد، وعلى طيب الأحدوثة، والصنعة المشكورة، وأن هذه الأمور هي مِنْ خصائصك التي بها تكلف، ومعانيك التي بها تلهج، وإنما يحسد أبقاك الله، المرء شقيقه في النسب، وشقيقه في الصناعة، ونظيره في الجوار على طارف١ قدره أو تالد حظه أو على كرم في أصل تركيبه ومجاري أعراقه، وأنت تزعم أن هذه المعاني خالصة لك، مقصورة عليك، وأنها لا تليق إلا بك ولا تسحن إلا فيك، وأن لك الكل، وللناس البعض، وأن لك الصافي، ولهم المشوب. هذا سوى الغريب الذي لا نعرفه، والبديع الذي لا نبلغه، فما هذا الغيظ الذي أنضجك؛ وما هذا الحسد الذي أكمدك؛ وما هذا الإطراق الذي قد اعتراك؛ وما هذا الهم الذي قد أضناك؟ ". ب- وكتب بديع الزمان٢ الهمداني إلى أبي الطيب في شأن شخص متغير عليه: "أنا -أطال الله بقاء الشيخ الإمام- بصير بأبناء الذنوب وأولاد الدروب٣ أعرفهم بشامةٍ؛ وأثبتهم بعلامةٍ؛ والعلامة بيني وبينهم أن يفسدوا الصنيع على صانعه؛ ويحرفوا الكلم عن مواضعه؛ ويرموا في الحكاية بهم الشكاية، ويجيلوا في الشكاية قدح النكاية٤؛ ثم لا يرون النكاية إلا السعاية
следующие страницы →