← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

بخلاف مخبره وهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ (١). وقوله: إنهم لا يستحقون الذم إلا بأعمالهم إن سلمنا أن فيها ذماً فلا ننكر أنهم لايستحقون الذم ولا العقاب ولا الثواب إلا بأعمالهم، وأعمالهم خلق الله وكسب لهم لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا﴾ (٤). وقد مضى بيان الفرق بين الخلق والكسب ولكن لا يعقله إلا من جعل الله له نورا في قلبه (٥). وأما قول المخالف: إن من الناس من قال معنى قوله: ﴿ذَرَأْنَا﴾ أي ميزنا لجهنم ومنه سميت الرياح الذاريات، لأنها تفصل بين كثير من الأشياء، فغير صحيح ولا قال أحد من أهل اللغة ولا من أهل التفسير أن (ذَرَأْنَا) معناه: ميزنا، واستدلاله على ذلك بالذاريات يدل على قلة علمه بالعربية، لأن الذاريات من قولهم ذرت تذروا بغير همز ذروا فهي ذارية، والذاريات جمع ذارية وهي المفرقة للتراب (٦)، وليس كذلك ذرا فإنه مهموز يقال ذرأ يذرأ ذرءاً (٧) فهو ذارئ، والمراد به خلقنا (٨) ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي

стр. 422

ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ﴾ (١) أي خلقكم في الأرض ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي بعد الموت ومثلها قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَأُكُمْ فِيه﴾ (٢) أي يخلقكم في أرحام الأزواج (٣)، وقيل يكثركم بالتزويج (٤)، وفي الحديث عن عمر ﵁ أنه قال: "إني أظنكم آل المغيرة ذرأ النار" (٥) أي خلقها، فهذا يبطل تأويله الأول. وأما الدليل على إبطال تأويله الثاني وأنه أراد خلقناهم بعد الموت فمن وجوه: أحدها: أنه أخبر قبل هذا (٦) بقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرا﴾ الآية. فأخبر سبحانه أن من يهديه فهو المهتدي، والمراد به من يوفقه ويسدده للإيمان به وطاعته فهو المهتدي لذلكن ولا يجوز حمله على الثواب، لأن الثواب لا يسمى هدى على ما مضى (٧) ولو جاز أن يسمى الثواب هدى لم يقل هاهنا ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾، وإنما كان يقول فهو المُهدي (٨)، فلما قال المهتدي نسب

стр. 423

الاهتداء إلى المَهدي (١) ثم قال: ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ وأراد بالإضلال هاهنا ضد الهداية وهو الإضلال عن الدين ثم قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ فأخبر أن الذين أضلهم في الدنيا عن الدين هم الذين ذرأهم لجهنم، فيحمل كل خبر على فائدة متجددة ولو حملناه على صنعه بهم (٢) في الآخرة لكان الخبران خبراً (٣) عن شيء واحد. والوجه الثاني: مما يدل على أنه أراد بالذرء هو خلقهم في الدنيا أنه قال: ﴿كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ وكثيراً لفظه لفظة النكرة يدل على أنه لا يعود على نكرة متقدمة (٤) فلو كان المراد به الذين ماتوا مصرين على الكفر لأخبر عنهم بلفظ المعرفة كقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (٥). والوجه الثالث: أنه وصفهم بأنهم ليس لهم قلوب يفقهون بها، بل ختم على قلوبهم عن الهدى وعلى أسماعهم فلا تسمع آذانهم الإيمان، وعلى أبصارهم، فقال: ﴿إِنْ هُمْ إِلاّ كَالأنْعَامِ﴾، لأن الأنعام ليس لها همة غير الأكل والشرب، بل هم أضل من الأنعام، لأن الأنعام تبصر مضارها ومنافعها وهم لا يعلمون، وهذه الصفات لا تصلح إلا لمن هو (٦) من أهل الدنيا، فأما أهل النار فلا تضرب الأنعام مثلا لهم لأنها ليست دار (٧)

стр. 424

تكليف ولا ينفع فيها الاهتداء بالعقل (١) والسمع والبصر. والوجه الرابع: أنه قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ أي ولا يوصف بالغفلة إلا أهل الدنيا الذين غفلوا عن الاعتبار بما يدلهم من خلق الله على معرفته. وأما قول المخالف: بأنهم لم يكونوا في الدنيا ليس لهم قلوب ولا سمع ولا بصر، فالجواب أنه أراد أنهم لمالم ينتفعوا بالاعتبار بقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم صاروا كمن لا قلب له ولا سمع ولا بصر كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢)، فوصفهم الله بوصف من في القبور حيث لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي ﷺ وقال سبحانه: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ (٣)، فسماهم الله موتى وصما حين لم ينتفعوا بما سمعوا من النبي ﷺ وإن لم يكونوا كذلك وقال لنبيه ﷺ (تسمع) ولم يرد نفي أسماعهم في آذانهم، لأنهم قد سمعوا ذلك بآذانهم ضرورة، وإنما أراد بغض إسماع النبي ﷺ لهم (٤) الهداية لهم (٥) بما أسمعهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٦). وأما استدلال المخالف بقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً .. ﴾ الآية، فلا ننكر أن الله يحشرهم عمياً وبكماً وصماً يوم القيامة مجازاة منه على عماهم وصممهم في الدنيا عن الدين. وأما تأويل المخالف الثالث بقوله: إن الله خلقهم في الدنيا للعبادة إلا أن

стр. 425

هذه اللام لام العقبة، لأنه علم أن كثيراً منهم يصير إلى جهنم فصار كأنه ما خلقهم إلا لها. والجواب: أن هذا تناقض لا يخفى على عاقل فساده، وذلك أن العبادة ثوابها، كما أن الكفر جزاؤه جهنم لو قلنا إنه خلقهم للعبادة لكان تقدير الكلام (ولقد ذرأنا للعبادة والجنة كثيراً منهم، فصار عاقبتهم إلى جهنم) وهذا يخرج من التأويل إلى التبديل الذي قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ (١) ويدل على فساد هذا أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ﴾، ليدل أنه لم يذرأ لذلك جميع المكلفين بل هو كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً﴾. وعند القدرية: أن الله خلق جميع المكلفين للعبادة، وكان ينبغي على هذا أن يقال (ولقد ذرأناهم) فصار (٢) لجهنم كثيراً من الجن والإنس وهذه اللام تسمى لام الاختصاص، كقولهم الباب للدار (٣)، وكقول الله تعالى: ﴿لَهَا سَبْعَةُ (٤) أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ (٥). وإن وافقنا أنها لام العاقبة فالمراد أن الله خلقهم للدنيا وليأمرهم بعبادته وقضى وعلم أن عاقبتهم ومآلهم إلى جهنم، كما قال: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ (٦) أي أعصر ما يؤول خمراً لا في حال عصره، كذلك هذا، فصار كقوله تعالى: ﴿فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ﴾ (٧). وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (٨)

стр. 426

فقال الفراء: "هذه لام كي وقعت مكان التمليك. والمعنى ليكون لهم عدواً وحزنا في علم الله لا في علمهم" (١). وكذلك اللام في قول الشاعر: : … فللموت ما تلد الوالدة (٢) أي للموت في علم الله لا في علمها … ويدل على صحة ما ذكرناه من التأويل ما روى أبو صالح (٣) عن ابن عباس – ﵄ قال: "الخلق أربعة، خلق للجنة لا يدخل النار منهم أحد وهم الملائكة، وخلق للنار لا يدخل الجنة منهم أحد وهم الشياطين، وخلقان بعضهم إلى الجنة وبعضهم للنار وهم الجن والإنس" (٤). وروي في الصحاح عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: "خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كتابان فقال: "أتدرون ما هذان (٥) الكتابان؟ "، فقلنا: لا، يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم

стр. 427

أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبداً"، ثم قال للذي في شماله: "هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص أبداً"، فقال الصحابة: ففيم العمل يا رسول الله ﷺ إذا كان أمر قد فرغ منه؟، قال رسول الله ﷺ : "سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة وإن عمل أي عمل، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل، ثم قال: فرغ ربك من العباد فريق في الجنة وفريق في السعير" (١). وروى أنس – ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، قيل وكيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل الموت" (٢). وفي هذا من الأخبار المذكورة ما يضيق هذا المختصر عن ذكرها. وأما استدلال هذا المخالف بقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (٣). فالجواب عن هذا من وجوه: إحداها: وهو المروي عن ابن عباس – ﵄ أنه قال: معناها إلا ليقروا له بالعبودية طوعاً وكرهاً (٤) مضاهاة لقوله تعالى: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي

стр. 428

السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً﴾ (١) ولقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ (٢)، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (٣). والوجه الثاني: أن المراد بقوله تعالى: ﴿إِلاّ لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا لآمرهم بالطاعة والعبادة وأنهاهم عن الكفر والمعاصي (٤). والثالث: أن لفظه لفظ العموم والمراد به الخصوص وأراد بذلك الذين هداهم ووفقهم لطاعته وعبادته، يدل على هذا شيئان: أحدهما: أن فيهم الأطفال والمجانين ومن خرج من عموم الآية. والثاني: أنه قال: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ﴾ فأخبر بهذه الآية أنه خلق كثيراً منهم لجهنم، ومن خلقه الله لجهنم لم يخلقه للعبادة (٥)، والقرآن لا يتناقض بل يؤيد بعضه بعضاً قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٦)، ولا ينتفي عنه الاختلاف إلا إذا حملت الآيتان على ما ذكرنا.

стр. 429

٧٦ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا قول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ (١) وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢) وكذلك قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٣). فأمر الله الخلق أن يسألوه بأن لا يزيغ قلوبهم، ولا يجعل في قلوبهم غلاً للذين آمنوا، وأن يهديهم إلى الصراط المستقيم، ولا يجوز أن يسأل العبد من الله إلا ما يجوز وقوع ضده منه، كما أمرهم أن يسألوه المغفرة والرحمة والرزق لأنه يجوز وقوع ضد ذلك منه. ألا ترى أنه لم يأمرهم بأن يسألوا بأن لا يظلمهم لأنه لا يجوز وقوع ضده منه (٤). فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: لا حجة له بهذا، لأنه ليس فيما ذكر ما يقتضي نسبة شيء من هذه القبائح إلى الله، فكأنه يستدل بالشيء على عكس ما يدل عليه وهو غير صحيح. والجواب أن يقال لهذا المخالف: قد قدمنا أن كون تسمية المعاصي معاصي وقبائح وخبائث من العباد لكونهم مكتسبين لها لا يجب تسميتها بهذه الأسماء في حق الله لكونه خالقاً لها، ألا ترى أنه تعالى قال: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٥). والخبائث هاهنا كلُّ ما حرم أكله كالميتة والدم والكلب والخنزير، وهذه الأشياء خلقها الله، وقد سمى النبي ﷺ الكلب خبيثاً، وسمى ثمنه خبيثاً (٦).

стр. 430

فعلم أن هذه الأسامي (١) إنما تنصرف إليها بحق العباد لا في حق الله، وقد أخبر الله عن يوسف ﵇ أنه قال: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْه﴾ (٢)، وسجن يوسف ﵇ سفه منهم وليس بسفه منه، وإن أحبه وأراد، وأخبر الله عن ابني (٣) آدم أنه قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ (٤)، فأراد من أخيه قتله ليكون القاتل له من أصحاب النار، ومعلوم أن قتله سفاهة من القاتل. ولا يقال إن المقتول سفيه لكونه مريداً لقتل نفسه، فثبت بذلك كله أنه ليس كل من أراد الظلم والسفه من غيره يسمى ظالماً وسفيهاً، يؤيد ذلك أن الله يوصف بأنه يريد الطاعة من العباد، ولا يوصف لذلك بأنه مطيع، ويوصف بأنه يخلق الموت في غيره، ولا يوصف بأنه ميت، فلم (٥) يمتنع لذلك أن (٦) بإرادته المعصية من غيره وبخلقه لأفعال المعصية من العباد والظلم منهم والسفه لا يسمى ظالماً ولا سفيهاً. وأما قول المخالف: ليس في استدلالنا بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وما أشبهها من الآيات ما يدل على وجود ضد ذلك من الله، غير صحيح، لأن الزيغ في القلوب وصرفها (٧) وإمالتها عن الهدى منه (٨)، وقد أخبر الله بذلك عن فعله بمن لم يؤمن بقوله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي

стр. 431

الأرْضِ﴾ (١) ومعناه سأمنع قلوبهم وأدفعها عن العلم والتفكر في آياتي. وقوله: ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ﴾ أي الذين يرون أنهم أفضل الخلق، وأن لهم ما ليس (٢) لغيرهم وهذه الصفة لا تكون إلا الله، إلى قوله ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ ومثلها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ (٣)، فأخبر الله سبحانه أنه صرف قلوبهم عن فهم القرآن فلم يفقهوه لذلك، ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤)، فنسب الزيغ (٥) الأول إليهم لكونه كسباً لهم ووقوعه بمشيئتهم، ومشيئتهم متعلقة بمشيئة الله لقوله تعالى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٦)، ونسب الزيغ الثاني إلى نفسه ونسبه إليه لكونه خالقاً له، والزيغ الواحد لا يجوز أن يكون بعضه خلقاً لهم وبعضه خلقاً لله، لأنهم لا يقدرون على تمييز ما خلقوا (٧) من الزيغ عما خلقه الله فيهم منه. وأما قول المخالف: إن هذا الاستدلال بالعكس وهو غير صحيح، جهل منه بوجوه الاستدلال، والاستدلال (٨) من محاسن الشرع قال الله : ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (٩)، وهذا الاستدلال بالعكس لأنه أخبر أن عدم وجود الاختلاف فيه دليل على صحة أنه من الله، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (١٠) فعدم الفساد فيهما يدل على أن المدبر لهما واحد.

стр. 432

ثم قال المخالف: وأما قول (١) المستدل إنه لا يسأل من الله إلا ما يجوز وقوع ضده منه، فليس الأمر كذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿قَالَ (٢) رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (٣)، فأمر نبيه أن يسأله أن يحكم بالحق وإن كان ضده الحكم بالباطل. والجواب أن يقال: إن الله أمره أن يسأله تعجيل النصفة منه (٤) بما كذبوه فقال ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَق﴾ أي عجل حكمك بالحق ولا تؤخره، لأن لله أن يقدم ذلك وله أن يؤخره، فقتلوا يوم بدر ويوم الأحزاب ويوم أحد، ولم يسأله وهو شاك أنه يحكم بغير الحق، وإنما أمره الله أن يسأله بتعجيل ذلك منهم (٥)، كما أخبر عن نوح ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ (٦) وقد أخبر الله عن نوح أنه قال: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ (٧)، والزيادة في الضلال عن الدين، فدل على أنه يجوز وقوع ذلك من الله.

стр. 433

٧٧ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا أن يقال لهم: أمر الله إبليس بالسجود لأدم وأمر الكفار بالإيمان، أكان يعلم أنه يكون (١) منهم ما أمرهم به، أم كان عالماً بأنه لا يكون منهم ذلك مع إرادته لذلك منهم، فإن قالوا: كان غير عالم بأنه لا يكون منهم ذلك نسبوه إلى الجهل، وقد قال بذلك فرقة من القدرية (٢) وقد أكذبهم الله بقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر .. ﴾ (٣) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ (٤)، وإن قالوا: بل كان عالماً بأنهم لا يفعلون ما أمروا به، قلنا لهم: فإرادته لوقوع ما يعلم أنه لا يكون تقع موقع تمني الحمقى كمن (٥) يقول: ليت الله يجعلني نبياً وما أشبه ذلك. فأجاب القدري عن ذلك وقال: هذا يدل على فقد المستدل للتمييز بين الإرادة والتمني، فإن الإرادة من المعاني التي تخص بالقلوب في حق العباد، وليست من جنس الكلام، والتمني جنس من الكلام وهو قول القائل: ليت لي كذا وكذا، فكيف تكون إرادة ما لا يكون تمنياً، وعلمنا بأنه أمرهم بذلك إرادة منه لوقوع ما أمرهم به على ما مضى. والجواب: أن يقال لهذا المخالف: هذه مغالطة لا يخفى فسادها على من له أدنى بصيرة، نحن قلنا: لو كان هذا (٦) لوقع موقع التمني من الحمقى والتمني مستحيل وقوعه من الله سبحانه. وأما قول المخالف: التمني بالقول وهو قول القائل: ليت لي كذا وكذا،

стр. 434

فلا ننكر أن هذا من التمني، والتمني يقع على هذا ويقع في اللغة على التلاوة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاّ أَمَانِيّ﴾ (٢)، ويقع التمني على ما يتمناه الإنسان في نفسه ولا يتكلم به، ومنه يقال: تمنى فلان بنفسه أن يكون له كذا وكذا. وقيل: إن النبي ﷺ كان يصلي يوماً بمكة فتمنى بنفسه شيئاً من الدنيا، وكان يقرأ سورة النجم ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاّتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأخْرَى﴾ (٣)، فألقى الشيطان على لسانه، فإنهن عند الله لمن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن (٤) لترتجى، والغرانيق الملائكة (٥). فوقعت هاتان الكلمتان في آذان المشركين واستبشروا وقالوا: إن محمدا قد رجع إلى دين قومه، فلما بلغ النبي ﷺ آخر السورة سجد وسجد معه كل كافر ومسلم إلا الوليد بن المغيرة فإنه كان شيخاً كبيراً فرفع ملء كفه تراباً وسجد عليه، ففشا ذلك في الناس وأظهرهما (٦) الشيطان حتى بلغتا (٧) إلى أرض الحبشة، فلما سمع عثمان بن مظعون وعبد الله بن مسعود ومن كان معهما هنالك من الصحابة أقبلوا سراعاً، وعظم ذلك على رسول الله ﷺ ، فأتى جبريل فشكى إليه، فقرأ عليه النجم فلما قرأ هاتين الكلمتين قال جبريل: معاذ الله أما هاتين ما أنزلهما ربي ولا أمرني بهما ربك، فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: أطعت الشيطان وشركني في أمر الله، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ

стр. 435

رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاّ إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (١).

стр. 436

وهذا يدل على (١) أن لفظة التمني مشتركة، وإنما يتبرأ جبريل من ذلك ونسبها إلى الشيطان دون الله لأن الله ما أمره بذلك ولا أنزله جبريل عليه وإن كان الله قد خلقه على لسان الشيطان. ويقع التمني على السؤال أيضاً، قال النبي ﷺ : "إذا (٢) تمنى أحدكم فليكثر فإنه لا يدري ما يكتب له من أمنيته" (٣)، وقال ﷺ : "لا يتمنى أحدكم الموت لضيق نزل به فإن كان لا بد متمنياً فليقل اللهم أحيني إذا كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي" (٤). فأخبر النبي ﷺ أن الدعاء يسمى تمنياً، فعلم بذلك جهل هذا المعترض لانصراف لغة التمني إلى معان، فتصور ذلك في مسألتنا إذا أراد الله وقوع أمر يعلم أنه لا يكون وقوعه ألبتة صار من يقول اللهم اجعلني نبياً. وأما قول المخالف: إذا أمر الله بأمر علم أنه أراد وقوعه فغير صحيح،

стр. 437

لأنا قد بينا أنه أمر بما لم يرد وقوعه وهو ذبح إبراهيم ﷺ ولده وغير ذلك (١) فأغنى عن الإعادة.

стр. 438

٧٨ - فصل ومن الأدلة المذكورة في الرسالة لنا قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاّ غُرُوراً﴾ (١)، وهذه صيغة الأمر، وليس بأمر إيجاب ولا إباحة ولا ندب، بل هو تسليط (من الله لإبليس على الكفار) (٢) كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾ (٣)، ويدل (٤) على أنه تسليط من الله لإبليس على الكافرين والعصاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٥) فمعنى قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ أي استخف من استطعت منهم بدعائك، ويقال: بالغناء والمزامير (٦) ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك﴾ يعني اجمع عليهم بخيل المشركين، ويقال لكل راكب يسير في معصية الله أجلب. وقوله: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ يعني كل راجل يمشي في معصية من الجن والإنس، ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوَالِ﴾ كل مال حرام، ﴿وَالأوْلاد﴾ كل ولد غير حل. قال ابن عباس ﵄: "وهم المخنثون وأولاد الزنا" (٧)، ﴿وَعِدْهُمْ﴾ ومنِّهم الغرور أن لا بعث. فأجاب المخالف القدري: إن هذا ليس بتسليط وإنما هو تهديد، هذا نكتة قوله ومعتمده.

стр. 439

والجواب عنه من وجوه: لأحدها: أن النقاش (١) قال: ليس بتهديد ولا أمر وإنما هو ذكر ما يفعله الشيطان مما لا يضر في الملك كقول القائل لمن قدر عليه: كدني بما قدرت. والوجه الثاني: مما يدل على أنه ليس بتهديد أن التهديد الذي هو بصيغة الأمر هو ما يتبعه الوعيد من الله تعالى كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً﴾ (٣) الآية. والثالث: أنه قال بعدها ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ (٤) وهذا صيغته صيغة الخبر، والمراد به منع إبليس من عبادة الصالحين عن أن يستفزهم بصوته، أو يجلب عليهم بخيله ورجله ويشاركهم في الأموال والأولاد، فدل على أنه لم ينفعه من ذلك (٥) غير عباده الصالحين، بل أرسله عليهم ولم يعصمهم منه فيكون كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزّاً﴾.

стр. 440

٧٩ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ (١). فأجاب المخالف القدري وقال: المراد بالشر ههنا ما يصيبهم من مصائب الدنيا كالمرض والموت وذهاب الأموال والأولاد. والمراد بالخير ما ينالهم من نعم الدنيا، كالخصب وسعة المال وكثرة الأموال والأولاد يدل عليه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾، والمراد بالفتنة الامتحان. والجواب: أن الشر اسم جنس يعم جميع الشر في الأعمال وغيرها، والخير اسم جنس يعم جميع الخير في الأعمال وغيرها، ويؤيد هذا قوله تعالى: ﴿الَّذِي (٢) خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ (٣). وجواب آخر وهو أن يقال للقدرية: عندكم أن الله لا يفعل بالعبد إلا ما فيه صلاح له (٤)، فإذا ثبت أنه ابتلاهم أي اختبرهم في الشر من المرض والمصائب في النفس والولد لينظر صبرهم، ويبتليهم بالخير بالنعم والخصب لينظر شكرهم فأي مصلحة لهم في تعريضهم بأن لا يصبروا أو لا يشكروا فيستوجبوا منه العقوبة، فعلم أن الأمر بخلاف ما ذكرتم وأن الله يفعل بعباده ما شاء سواء كان لهم فيه مصلحة أو مضرة (٥) ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.

стр. 441

٨٠ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (١) فأمر الله نبيه بالاستعاذة من الشر فدل على أنه مخلوق. فأجاب المخالف القدري: بأنه لا حجة بهذا لأنه لم يضف الشر إلى خلقه، وإنما أضافه إلى مخلوق ونحن نقول: إن هذه (٢) الشرور صادرة من المخلوقات. والجواب: أن الحجة لنا من الآية من وجهين: أحدها: أن ما لما لا يعقل، وما لا يعقل لا يتأتى منه الفعل بالشر ولا بالخير، فإذا أضيف الشر إليه وأخبر لله دل على أن الله خلقه، وما ينسب إليه من الشر يؤيده قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ (٣). وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: أخذ رسول الله ﷺ بيدي وأشار إلى القمر، وقال: "تعوذي بالله من شر هذا فإن هذا هو الغاسق إذا وقب" (٤)، تأويله أن شر القمر المتعوذ منه ما لحق قوماً من الكفر من أجله، فنسب الشر إليه اتساعاً وتجوزاً في الكلام. والوجه الثاني: أنه لما فسر نبيه ﷺ ن يتعوذ به من شر ما خلق دل على أنه الخالق لما يتعوذ به عنه كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٥) والله الخالق المتعوذ منه، فكذلك هذا مثله.

стр. 442

وروى الآجري عن يوسف بن سهل الواسطي (١) أنه قال: حججت فسمعت رجلاً يقول في تلبيته "لبيك لبيك والشر ليس إليك"، فدخلت مكة فلقيت سفيان فأخبرته بالذي سمعت فما زادني على أن قال: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ (٢).

стр. 443

٨١ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة على أن، العباد غير ممكنين ولا مخيرين في أفعالهم (١) لا كما قالت (٢) القدرية (٣) قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (٤).

стр. 444

ومثلهما قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١).

стр. 445

قلنا: من الآية الأولى دليلان: أحدهما: أن الله أخبر أنه يخلق ما يشاء (١) ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاء﴾ (٢)، والمشيئة والإرادة معنى واحد (٣)، وقد وافقت القدرية على أن الله أراد الطاعة من العباد، وقد أطاعه بعضهم، فيجب على هذا أن يكون الله هو الذي خلق أفعالهم في الطاعة، فإذا سلموا ذلك في أعمال الطاعة لزمهم ذلك في أفعالهم في المعصية لأن أحداً لم يفرق بينهما. والدليل الثاني: منها ومن الآية بعدها، أنه أثبت الخيرة لنفسه ونفاها عن العباد. فأجاب القدري المخالف عن هذا وقال: يحتمل أن يكون المراد أن الله متى اختار خلق الإنسان على صورة الذكور أو الإناث أو السواد أو البياض لم يكن الإنسان اختيار شيء في خلقه سوى ذلك.

стр. 446

والجواب عن ذلك من وجوه: أحدها: أن هذا الخبر عام فيما ذكر وفي غيره من أمرهم فلا يجوز حمله على البعض من غير دليل. والثاني: أنه قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ وهذا ضمير المعرفة (١) يقع على الخلق في وجودهم على صفة يصلحون للاختيار وحال خلقهم للذكور والإناث والسواد والبياض لا يصلح منهم اختيار ولا يصلحون للاختيار (٢) عنها (٣). والثالث: أنه قال: ﴿مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ وحقيقة الأمر هو: استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه، وأضاف الأمر إليهم لأنهم المأمورون به وأراد به (٤) المأمور به، وكيفية صورهم لا تسمى أمراً حقيقة فلم يصح حمله عليه (٥). استدل المخالف على أنهم ممكنون بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ .. ﴾ (٦) الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعاً وَأَبْصَاراً .. ﴾ (٧) الآية.

стр. 447

والجواب: أنه لم يرد في الآيتين التمكن في الأفعال، بل أراد استخلفناكم بعد الماضيين بدليل قوله تعالى في الآية الأولى: ﴿فِي الأرْضِ﴾، وقال في الآية الأخرى (١) ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ أي فيما مكناهم فيه من الأموال و - أن - هاهنا زائدة (٢) ولو أراد به الأعمال لم يمكن أن تكون الأعمال التي مكن بها الأولين هي الأعمال التي مكن بها من بعدهم، لأن أعمالهم أعراض فيهم لا تقوم بغيرها، وإنما يمكن استعمالها في الأفعال بإضمار (مثل أعمالهم). ومتى أمكن حمل الكلام على الحقيقة من غير إضمار لم يحمل على ما لا يستقيم إلا بإضمار.

стр. 448

٨٢ - فصل خلق الله للعباد جائز غير واجب عليه، ولو لم يخلقهم أصلاً لم يظلمهم، وبعد أن خلقهم فبعثه الرسل إليهم أمر جائز منه ليس بواجب عليه، ولو لم يبعث إليهم رسلاً لم يظلمهم بذلك، وتكليفهم التكاليف أمر جائز منه ولو لم يكلفهم لم يظلمهم، والثواب على الطاعة أمر جائز غير واجب، ولو لم يثب المطيعين وأثاب العاصين لم يكن بذلك ظالماً (١).

стр. 449

وقالت المعتزلة: خلق الله للعباد وبعثه الرسل وتكليفه لهم أمر واجب لما فيه من المصلحة، ويجب عليه أن يثيبهم على الطاعة (١).

стр. 450

وقول من قال هذا يشهد على قائله بالشناعة، لأن الواجب إنما يكون واجباً بالأمر والنهي من الأعلى لمن هو دونه وليس فوق الله آمر ولا ناه. إذا تقرر هذا وأن (١) الله سبحانه متفضل على العباد بالخلق وبعثة الرسل والتكليف قد تفضل عليهم ولم يكلفهم من الأعمال إلا وسعهم وما لا يثقل عليهم لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاّ مَا آتَاهَا﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج﴾ (٥)،

стр. 451

وللمتفضل أن يترك التفضل بما تفضل به، فلو كلف الله العباد بما يثقل عليهم من العبادات وما لا طاقة لهم به كان ذلك جائزاً منه (١) ولا يكون ظالماً لهم، وكذلك لو لم يثبهم على عمل الطاعة لم يكن ظالماً لهم، ولو أثاب من عصاه وأدخله الجنة لم يخرج بذلك عن الحكمة (٢)، ولكنه سبحانه قد أخبر أنه ثيب المطيعين بفضل منه ويعذب الجاحدين بعدل منه، فاستحقاقه للحكمة، لذاته لا لفعله الحكمة (٣)، إذ هو موصوف بالحكة قبل أن يفعل الحكمة، وقبل أن يخلق الواصفين له بها، وثبت له أن يتصرف بالعباد كيف شاء لأنهم ملكه لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. وقالت المعتزلة والقدرية: لا يجوز من الله في الحكمة إلا ما يجوز من الحكيم مِنَّا، ولا يجوز أن يوصف الله بتكليف العبد ما لا يطيقه، وقد خلق الله المكلفين تعريضاً للمنافع لهم ليصيروا إلى أسنى المنازل، ولا يفعل بهم إلا ما فيه لهم المصلحة، وإن فعل بهم غير ذلك فقد ظلمهم (٤).

стр. 452

مفقودة

стр. 453

مفقودة

стр. 454

ودليلنا على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُم﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾ (٢)، فأمر الله الخلق أن يسألوه بأن لا يحملهم ما لا طاقة لهم به، يدل (٣) على أن له أن يحملهم ما لا طاقة لهم به. فأجاب المخالف القدري عن الآية الأولى وقال: لا حجة لهذا المستدل فيها، لأنه أخبر أنه ما أعنت أحداً، لأن من كان قاعداً في المسجد لا يجوز أن يقول (٤) لو شئت الآن لقعدت في المسجد، وعند المستدل أن الله قد خلق الكفر في أكثر الخلق وهو يسوقهم إلى النار وهو من أعظم العنت. والجواب أن يقال لهذا المجيب: هرفت قبل أن عرفت (٥) فقلت: أخبر الله أنه ما أعنت أحداً، وهكذا قلنا إنه ما أعنت العباد فيما شرع من الشرائع، وإنما أخبر أنه لو شاء لأعنت جميعهم، أي لو شاء لكلفهم ما يشق عليهم أداؤه لأن العنت المشقة يقال: عنت الفرس، يعنت عنتاً إذا حدث في قوائمه داء لأن العنت المشقة يقال: عنت الفرس يعنت عنتاً إذا حدث في قوائمه داء لا يمكنه الجري معه، وأكمة عنوت شاقة المصعد، وفلان يعنت فلاناً إذا شدد عليه وألزمه المشقة (٦). وأما قول المخالف: إذا (٧) قلنا إن الله قد خلق الكفر في الكافرين فقد أعنتهم.

стр. 455

فالجواب أنا نقول له: إن أرادت أنا قلنا: إن الله خلق فيهم الكفر وألزمهم إياه إلزاماً لا محيص لهم عنه، فقد أعنتهم بذلك، فإنا لا نقول ذلك لأنه لم يجبرهم على ذلك، بل نقول وقع الكفر منهم باكتساب منهم وخلق الله ذلك فيهم ولم يعصمهم من الشيطان ولا خل فيهم اللطف الذي خلقه في المؤمنين. وإن أردت أنا قلنا: إن الله أراد عنتهم وهلاكهم في الآخرة بما خلق فيهم من الكفر بكسبهم له فكذا نقول: لأن التوفيق والثواب إفضال منه وإنعام وله ترك الإفضال والإنعام. ثم قال المخالف: وأما استدلاله بأنه أمر الخلق بأن يسالوه ألا (١) يحملهم ما لا طاقة لهم به، فلا حجة لهم بذلك لأنه يجوز أن يأمر أن يسأله (٢) ما يعلم انه لا يفعل خلافه، وهو قوله ﴿رَبِّ (٣) احْكُمْ بِالْحَقّ﴾ (٤). والجواب: أنا قد بينا أن المراد بهذه الآية أنه أمره أن يسأله تعجيل النصر له عليهم بالحق الذي وعده إياه في الدنيا، ولم يسأله وهو شاك في أنه يحكم بغير الحق وهو الباطل (٥)، (٦).

стр. 456

استدل المخالف على أنه لايجوز أن يفعل الله بعباده إلا ما فيه المصلحة لهم، لأنه قد ثبت عند كل عاقل أن المالك منا ليس له أن يتصرف في ملكه إلا على الوجه الحسن دون القبيح. ألا ترى أن أحداً لو بنى داراً فلما تمت

стр. 457

عمارتها أمر بإحراقها (١) بغير علة موجبة ولا غرض صحيح فإن العقلاء يلومونه، ولو اعتذر إليهم أن ذلك ملكي لم يعذروه ولعد (٢) ذنباً آخر يستوجب عليه الملامة، وكذلك لو أخذ ماله فألقاه في البحر لغير مصلحة يجتلبها ولا مضرة يدفعها، فإن العقلاء يلومونه ولا يقبلون عذره (بأنه ملكي)، فإذا لم يكن للمالك في الشاهد أن يتصرف فيما ملكه كيف شاء إلا بشرط أن يكون هناك غرض صحيح ثبت أن تعليلهم (٣) بالملك تعليل باطل. والجواب أن يقال لهذا المخالف: جمعت بين حكم ملك الله وبين حكم ملك العباد من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح، ثم يقال له: الله مالك العباد ولجميع ما خلق من غير مُمَلِّك ملكه إياه، فله أن يتصرف به كيف شاء. والعقلاء مملوكون له وليس للمملوك أن يعترض على مالكه بما صنع، وليس كذلك العباد فإن ملكهم صدر عن مالك لهم مَلَّكَهم أموالهم، وحدّ لهم فيها حدوداً ورسم عليهم فيها رسوماً فإذا فعلوا فيها غير ما أذن لهم فيها مُمَلِّكهم لحقهم الذم والتوبيخ والتعنيف، والحسن والقبح يتصور في أفعالهم لأن لهم محسناً حسنها وهو ما أذن لهم فيه، ومقبحاً قبحها لهم وهو لم يؤذن لهم فيه (٤) فبان الفرق بينهما. وأيضاً فإن المالك منا به حاجة إلى ما يملكه لاستقامة جسمه وقوام أمره فلذلك لحقه اللوم والتعنيف إذا عمل فيه ما لا مصلحة له، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (٥).

стр. 458

والله سبحانه لا حاجة به (١) إلى ما ملك من العباد وأموالهم، فبطل أن يجريا في التصرف مجرى واحداً. ويقال لهذا المخالف: أجريت الحكم من الله والحكمة من الحكيم منا مجرى واحداً، وجمعت بينهما في الحكم من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح وهذا دأب القدرية في أصولهم الفاسدة، لأنهم شبهوا أفعال المخلوقين وأقوالهم بالله بكونهما غير مخلوقين، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهذا يقتضي أنه لا يشبهه شيء بذاته ولا بصفاته، ثم يقال له: حكمة الحكيم منا تقع (٢) عن تجربة وعن مشاورة وعن تعلم، ولا يسمى حكيماً إلا بعد أن وجدت منه الحكمة، والله سبحانه حكيم لذاته لا عن تجربة ولا عن مشاورة، بل هو موصوف بالحكمة قبل وجود الحكمة منه، وقبل وجود الواصف له بالحكمة. وأما استدلال المخالف: بمن بنى داراً ثم أمر بإحراقها. فنقول له: لو كان هذا الوصف جارياً على حكم الله لما حسن منه أن يخلق ابن آدم وصوره بأحسن من تصوير البناء في الدار، حتى إذا استكمل بنيانه خرب بناءه فيه وأماته، وقد يخلق الله ابن آدم في بطن أمه، فقبل أن يكمل خلقه يخرجه من بطن أمه، وقد يخرجه من بطن أمه كامل الخلق ميتاً، وقد يحييه المدة القريبة ثم يميته (٣)، والحكيم منا لو ابتدأ بناء دار فعمر

стр. 459

شيئاً منها ثم خربه لغير غرض (١) للحقه الذم. فإن قال المخالف: إنما وقع ذلك من الله تعالى لعلة ومصلحة علمها. قلنا: هذا لا يصح أن العلل والأغراض إنما تتصور في أفعال العباد، لأن منتهى العلل في مصالح أفعالهم موافقة إذن المُمَلِّك لهم وهو الله، وهذا لا يوجد في أفعال الله (٢)، ولو كان فعل الله الشيء لعلة لا قتضى وجود تلك العلة علة أخرى إلى ما يتسلل، فبطل أن أفعال الله لعلة مقتضية وجود الفعل منه (٣).

стр. 460

ويقال (١) للقدرية: أليس الحكيم منا لو جمع بين عبيده وجواريه في دار وبيت، وعلم أن بعضهم يزني ببعض لا محالة، لخرج بذلك عن الحكمة ولحقه اللوم من العقلاء، فلا بد أن يقولوا نعم (٢). قيل لهم: فإن الله سبحانه قد جمع بين عبيده وإمائه في دار الدنيا وعلم لا محالة أن بعضهم يزني ببعض وكان قادراً على أن يفرق بينهم في المكان، فهل يعد بذلك سفيهاً (٣) أو يخرج بذلك عن الحكمة. فإن قالوا: إنما جمع بينهم ليعرضهم لفعل ما أمرهم به في اجتناب ما حرم عليهم من الزنا ويدخلهم بذلك جنته (٤). قلنا: فقد علم أن منهم من لا يمتثل ما أمرهم به من ذلك وكان قادراً على
следующие страницы →