← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

استدل المخالف على أنه لايجوز أن يفعل الله بعباده إلا ما فيه المصلحة لهم، لأنه قد ثبت عند كل عاقل أن المالك منا ليس له أن يتصرف في ملكه إلا على الوجه الحسن دون القبيح. ألا ترى أن أحداً لو بنى داراً فلما تمت

стр. 457

عمارتها أمر بإحراقها (١) بغير علة موجبة ولا غرض صحيح فإن العقلاء يلومونه، ولو اعتذر إليهم أن ذلك ملكي لم يعذروه ولعد (٢) ذنباً آخر يستوجب عليه الملامة، وكذلك لو أخذ ماله فألقاه في البحر لغير مصلحة يجتلبها ولا مضرة يدفعها، فإن العقلاء يلومونه ولا يقبلون عذره (بأنه ملكي)، فإذا لم يكن للمالك في الشاهد أن يتصرف فيما ملكه كيف شاء إلا بشرط أن يكون هناك غرض صحيح ثبت أن تعليلهم (٣) بالملك تعليل باطل. والجواب أن يقال لهذا المخالف: جمعت بين حكم ملك الله وبين حكم ملك العباد من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح، ثم يقال له: الله مالك العباد ولجميع ما خلق من غير مُمَلِّك ملكه إياه، فله أن يتصرف به كيف شاء. والعقلاء مملوكون له وليس للمملوك أن يعترض على مالكه بما صنع، وليس كذلك العباد فإن ملكهم صدر عن مالك لهم مَلَّكَهم أموالهم، وحدّ لهم فيها حدوداً ورسم عليهم فيها رسوماً فإذا فعلوا فيها غير ما أذن لهم فيها مُمَلِّكهم لحقهم الذم والتوبيخ والتعنيف، والحسن والقبح يتصور في أفعالهم لأن لهم محسناً حسنها وهو ما أذن لهم فيه، ومقبحاً قبحها لهم وهو لم يؤذن لهم فيه (٤) فبان الفرق بينهما. وأيضاً فإن المالك منا به حاجة إلى ما يملكه لاستقامة جسمه وقوام أمره فلذلك لحقه اللوم والتعنيف إذا عمل فيه ما لا مصلحة له، وقد نهى رسول الله ﷺ عن إضاعة المال (٥).

стр. 458

والله سبحانه لا حاجة به (١) إلى ما ملك من العباد وأموالهم، فبطل أن يجريا في التصرف مجرى واحداً. ويقال لهذا المخالف: أجريت الحكم من الله والحكمة من الحكيم منا مجرى واحداً، وجمعت بينهما في الحكم من غير علة تقتضي الجمع بينهما، وهذا لا يصح وهذا دأب القدرية في أصولهم الفاسدة، لأنهم شبهوا أفعال المخلوقين وأقوالهم بالله بكونهما غير مخلوقين، وقد قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهذا يقتضي أنه لا يشبهه شيء بذاته ولا بصفاته، ثم يقال له: حكمة الحكيم منا تقع (٢) عن تجربة وعن مشاورة وعن تعلم، ولا يسمى حكيماً إلا بعد أن وجدت منه الحكمة، والله سبحانه حكيم لذاته لا عن تجربة ولا عن مشاورة، بل هو موصوف بالحكمة قبل وجود الحكمة منه، وقبل وجود الواصف له بالحكمة. وأما استدلال المخالف: بمن بنى داراً ثم أمر بإحراقها. فنقول له: لو كان هذا الوصف جارياً على حكم الله لما حسن منه أن يخلق ابن آدم وصوره بأحسن من تصوير البناء في الدار، حتى إذا استكمل بنيانه خرب بناءه فيه وأماته، وقد يخلق الله ابن آدم في بطن أمه، فقبل أن يكمل خلقه يخرجه من بطن أمه، وقد يخرجه من بطن أمه كامل الخلق ميتاً، وقد يحييه المدة القريبة ثم يميته (٣)، والحكيم منا لو ابتدأ بناء دار فعمر

стр. 459

شيئاً منها ثم خربه لغير غرض (١) للحقه الذم. فإن قال المخالف: إنما وقع ذلك من الله تعالى لعلة ومصلحة علمها. قلنا: هذا لا يصح أن العلل والأغراض إنما تتصور في أفعال العباد، لأن منتهى العلل في مصالح أفعالهم موافقة إذن المُمَلِّك لهم وهو الله، وهذا لا يوجد في أفعال الله (٢)، ولو كان فعل الله الشيء لعلة لا قتضى وجود تلك العلة علة أخرى إلى ما يتسلل، فبطل أن أفعال الله لعلة مقتضية وجود الفعل منه (٣).

стр. 460

ويقال (١) للقدرية: أليس الحكيم منا لو جمع بين عبيده وجواريه في دار وبيت، وعلم أن بعضهم يزني ببعض لا محالة، لخرج بذلك عن الحكمة ولحقه اللوم من العقلاء، فلا بد أن يقولوا نعم (٢). قيل لهم: فإن الله سبحانه قد جمع بين عبيده وإمائه في دار الدنيا وعلم لا محالة أن بعضهم يزني ببعض وكان قادراً على أن يفرق بينهم في المكان، فهل يعد بذلك سفيهاً (٣) أو يخرج بذلك عن الحكمة. فإن قالوا: إنما جمع بينهم ليعرضهم لفعل ما أمرهم به في اجتناب ما حرم عليهم من الزنا ويدخلهم بذلك جنته (٤). قلنا: فقد علم أن منهم من لا يمتثل ما أمرهم به من ذلك وكان قادراً على

стр. 461

أن يدخلهم جنته بغير تعريضهم لعصيانه ومخالفتهم أمره، فعلمنا بذلك أنه لا يجب عليه مراعاة الأصلح لهم. ويقال للقدرية: أليس الحكيم منا لو دفع سيفاً إلى عبده فأمره أن يقتل به عدوه وأخبره ثقة لا يشك في صدقه أنه لا يقتل عدوه وإنما يقتل به ولده أو صديقه لا محالة أيخرج عن الحكمة بذلك أم لا؟ فلا بد من قوله نعم. قلنا لهم: فإن الله سبحانه قد خلق الكفار وخلق فيهم قدرة وخلق سيوفاً ملَّكهم إياها وأمرهم بالإسلام وأن يقتلوا بتلك السيوف أعداءه الذين خالفوا أمره، وهو يعلم أنهم يكفرون به ويقتلون بها أنبياءه وأولياءه. أفيخرج بذلك عن الحكمة، فبطل بذلك أن حكمة الله جارية (١) على حكمة المخلوقين (٢).

стр. 462

٨٣ - فصل ومن الأدلة لنا أن لله أن يفرض على عباده ما لا طاقة لهم به قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبَارَ﴾ (١)، ففرض الله على المؤمنين أن يقاتلوا الكفار على الإطلاق والعموم أي (٢) عدد كانوا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً﴾ وهذا أمر بلفظ الخبر (٣)، فأمر الواحد بقتال العشرة ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ (٤)، فخفف الله عنهم وأمر الواحد بقتال الاثنين. والدليل على أنه أمر أن خبر الله لا يكون بخلاف مخبره، وقد يكون الواحد منهم يغلب العشرة منا (٥)، وأيضاً فإنه قال: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ والتخفيف لا يكون إلا فيما فرض وألزم (٦). فأجاب المخالف القدري عن هذا وقال: هذا لا حجة فيه للمستدل بل الحجة عليه، لأنه لم يكلفهم إلا ما كانوا يستطيعونه في ذلك الوقت فلما علم ضعفهم فيما بعد خفف عنهم. والجواب: أن الصحابة الذين نزل فيهم ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ هم الذين نزلت فيهم الآيتان الأوليان وحالتهم واحدة في قوة

стр. 463

أجسامهم وثباتهم على القتال، وما روي أنهم كانوا على حالة قوية في الأجسام والثبات، ثم حدث عليه ضعف، بل كان (١) ثباتهم يزداد في القوة فيما أمروا، فدل على أن المراد بقوله ﴿وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ عن أن يقاتل الواحد أكثر من اثنين وقت افترض عليه أن يقاتل أكثر منهما (٢). ويدل على صحة ما ذهبنا إليه أن الله أخبر بكتابه أن الله يأمر الخلق يوم القيامة بالسجود له، ولا يجعل للكافرين استطاعة على السجود له يومئذ، فقال سبحانه ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ﴾ (٣)، فقوله: ﴿عَنْ سَاقٍ﴾ يعني عن يوم القيامة لهولها وشدتها، فيستعار الساق عن الشدة ولهذا يقال: كشفت الحرب عن ساق أي عن شدة (٤). وفي الخبر عن النبي ﷺ : "إن الله يأمر الخلق له بالسجود فيسجد له كل

стр. 464

مؤمن ومؤمنة ينحنون له حنية رجل واحد، وتقصم (١) أصلاب المنافقين. قيل يجعل في أصلابهم مثل السفافيد (٢) من الحديد فيبقى ظهره طبقاً واحداً فلا

стр. 465

يقدر على السجود (١)، قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ قيل في التفسير: يدعون إلى السجود في الدنيا مع الجماعة وهم سالمون من السفافيد (٢) (٣)، ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾ (٤)، والمراد بذلك أعين القلوب لأنه قيل ما من إنسان إلا وله أربع أعين عينان في راسه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر آخرته ودينه. فإذا أراد الله بالعبد خيراً فتح العينين فأبصر بهما (٥) وما وعده الله بالغيب، وإذا أراد

стр. 466

به سوءاً أعمى عيني قلبه (١). قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) قال الضحاك: (المؤمن له عينان في صدره بصيرتان يؤديان إلى العينين التين في الوجه، والكافر له عينان في صدره مطموستان لا يؤديان إلى عيني رأسه) (٣). قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ﴾ (٤) فعندها يصلون (٥). ويدل على صحة ما ذهبنا إليه من ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ سَيَصْلَى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ (٦) فيقال: أمر الله أبا لهب بالإيمان، وأخبر سبحانه أنه لا يؤمن وأنه سيصلى ناراً ذات لهب فقد أمر أبا لهب أن يصدقه بجميع ما أخبر به وكأنه أمره أن يؤمن بأنه لا يؤمن وأنه سيصلى ناراً ذات لهب، وكأنه قيل له صدق بأنك لا تصدق، وهذا محال، وتحقيقه أن خلاف المعلوم محال وقوعه ولكن ليس محالاً وقوعه لذاته بل محالاً لغيره، والمحال في امتناع الوقوع كالمحال

стр. 467

لذاته، فمن قال إن الكافرين الذين لم يؤمنوا ما كانوا مأمورين بالإيمان فقد جحد الشرع، ومن قال: كان الإيمان منهم متصوراً فقد اضطر إلى القول بتصوير (١) ما لا يتصور امتثاله (٢).

стр. 468

٨٤ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا أن الله سبحانه يفعل ما يشاء في العبد وإن لم يكن للعبد فيه مصلحة (١) قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ (٢). فأخبر سبحانه أنه إنما أملى (٣) لهم ليزدادوا إثماً، ولم يمل لهم لما فيه خير وصلاح. فأجاب المخالف القدري، وقال: لا حجة لهذا المستدل بهذه الآية، بل الحجة منها، لأنها وردت مورد الذم للكفار والوعيد، بدليل قوله في آخر الآية: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٤) لا يذمهم ولا يعذبهم إلا على فعلهم، وحذرهم الاغترار بالإملاء. ولم يكن الإملاء لخير استحقوه عند الله، وإنما أملى لهم ليرجعوا أو يتوبوا في مدة الإملاء (٥)، فأما قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ فإن هذه اللام للعاقبة. والجواب: أنا لا ننكر أنها وردت مورد الذم والوعيد، ولكن لا يدل أنهم خلقوا وأفعالهم في الإثم، بل أفعالهم خلق لله وكسب لهم (٦) على ما مضى، وأما قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ فلا ننكر أنه أمرهم بالتوبة، ولكن

стр. 469

لو قدر لهم التوبة وتفضل عليهم بالتوفيق لها لتابوا، وأما قوله: إن اللام في قوله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ أنها (١) لام العاقبة كقوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ (٢) فغير صحيح؛ لأن الله قد علم أنهم لا يتوبون، وإنما علم أنهم يكفرون وليس كذلك التقاط آل فرعون لموسى ﵇، فإنهم لم يعلموا أنه يكون لهم عدوا وحزنا، وإنما قدروا في أنفسهم التقاطه ليكون لهم قرة أعينهم وقد علم الله أنه لا يكون لهم (٣) إلا عدواً وحزناً. ويدل على صحة ما ذهبنا إليه قوله تعالى: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٤)، وهذه لام كي تقديرها: إنما يريد الله تعذيبهم. وفي الآية تقديم وتقديرها: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، وهذا قول أكثر المفسرين (٥). وقال بعضهم: أراد إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا؛ لأنهم منافقون فهم ينفقون كارهين فيعذبون بما ينفقون (٦). ويدل على صحة ما قلنا ما أخبر الله عن موسى ﷺ أن قال: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ

стр. 470

عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ (١) فأخبر الله عن موسى أنه قال إن الله ما آتاهم الزينة والأموال إلا ليضلوا عن سبيله، وهذه لام كي، وموسى أعلم بما يجوز على الله من القدرية. وأيضاً فإنه دعا عليهم بأن يشد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم فلا ينفعهم الإيمان فدل على الله شد على قلوب الكفار عن الإيمان، فلم ينكر الله عليه (٢) دعاءه بل قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ وذلك أن موسى ﵇ دعا عليهم بذلك، وهارون يؤمن على دعائه (٣) ومثل هذا أخبر الله عن نوح ﵇ أنه دعا قومه فقال: ﴿وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاّ ضَلالاً﴾ (٤)، ومعلوم أن زيادة الله في ضلالهم هو خلقه للضلالة فيهم، وأنه يعذبهم فيما خلق فيهم من زيادة الضلال، وهذا كله يبطل قول القدرية. ويدل على صحة ما قلنا قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِين نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٥) وتأويلها، بل لا يشعرون أن الذي أعطيناهم من الأموال والبنين هو شر لهم كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ (٦)، ومثلها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا (٧) خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ (٨) بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ﴾ (٩).

стр. 471

٨٥ - فصل يقال للقدرية: وأي صلاح لابن آدم في خلقه وبلوغه التكليف وتعريضه لمخالفة الأمر فيستحسن العذاب الدائم. وقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم تمنوا بأنهم لم يكونوا شيئاً، فقالت عائشة ﵂: "يا ليتني كنت حيضة في بطن أمي" (١). وقال بعضهم: "يا ليتني كنت كبشاً سميناً فذبحني أهلي وأكلوني" (٢). وروي عن موسى ﵇ أنه قال: "يا رب ما كان خيراً لابن آدم؟ فقال: لو لم أخلقه. قال: فبعد إذ خلقته ما كان خيراً؟ فقال: أن يموت صغيراً، قال: فبعد أن لم يمت صغيراً ما كان خيراً له؟ قال: أن يموت شيخاً كبيراً" (٣). فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين أحدهما أن قال: قد علمنا حكمة الله بأفعاله ولولا ما ظهر من أفعاله ما علينا حكمتهن فصح لحكمته وعدله أنه (٤) لم يخلقهم إلا لمصلحة ولا يضرنا ألا نعرف (٥) وجه المصلحة، كما نقول في طبيب (٦) حاذق في الطب أصابت ولده علة فدعاه إلى شرب دواء مر المذاق علم الولد نفعه وصلاحه لتلك العلة وإن لم يعلمه (٧) الولد.

стр. 472

والجواب الثاني: أن وجه الصلاح في خلق الله للمكلفين ظاهر وهو أنه مكنهم من الخيرات التي يتوصلون بها إلى الثواب، وأراد منهم ذلك وأمرهم به، وساقهم بالأمر والنهي والوعد والوعيد إلى ما فيه صلاحهم فكان معرضاً لهم لأجل المراتب (١) وإنما هلك منهم من هلك بسوء اختياره وإيثاره للمعصية. والجواب: أن يقال للمخالف: الله موصوف بالحكمة والعدل بذاته قبل أن يخلق الأشياء التي علم بها العباد حكمته، لأن ذلك من صفات الكمال، فهذا الذي ادعيته غير مسلم. وأما قوله إنه لم يخلقهم إلا للمصلحة وإن لم تعلم المصلحة واستدلاله بالأب الطبيب، فهذا موضع النزاع. ولا ننكر أن الله سبحانه أرحم بالعبد من الوالد لولده، وأن له عليه نعماً (٢) لا يحصيها ولا يقوم (٣) بشكرها، ومن نعمه الرحمة التي خلقها في قلوب الوالدين للولد، ولكن الإنعام منه بذلك وغيره تفضل وإنعام لا يجب عليه، وله ترك الإنعام والتفضل، ولهذا يؤلم الأطفال في المهد ويقطع أعضاءهم بأصناف العلل من الجذام وغيره، ولا يعد ذلك قبيحاً ولا ظلماً من أفعاله، بخلاف الأب فإنه لا يملك الولد ولا يفعل بعبده الذي يملك (٤) رقبته إلا ما أذن له فيه مملكه، فبطل الجمع بين حكم الله في التصرف بعباده وبين حكم الوالد الطبيب. وأما قول المخالف في جوابه الثاني: إن المصلحة في خلق المكلفين تمكينهم من الخيرات وإرادة الله منهم ذلك، فهذا موضع الخلاف ولا حجة له عليه غير مجرد الدعوى.

стр. 473

وأما قوله: إنه أمرهم وساقهم بالأمر والنهي والوعد والوعيد إلى ما فيه الصلاح، فقول لا معنى تحته فإن أراد بقوله ساقهم كقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ﴾ (١) فهو الإجبار الذي يرمي به خصمه وهم براء مما رماهم به، وقد اعترف على نفسه بما أنكره على غيره، وجميع ما أورده من هذا وما أشبهه قول فارغ من المعاني المفيدة لمن تدبره. ثم قال المخالف: وأما ما حكاه عن الصحابة في تمنيهم أنهم لم يخلقوا فلم يقولوه اعتراضاً على الله في فعلهن ولو قصد أحد منهم ذلك فإنه عاص ضال لا يلتفت إليه، لأنهم يعلمون أن أحداً لا يهلك إلا بجنايته وإنما قصدوا بذلك مذمة النفس. والجواب: أنا لا نقول إنهم قصدوا الاعتراض على الله، وإنما لما خافوا على أنفسهم العطب في التقصير عما أمروا به تمنوا ما تمنت مريم بنت عمران فيما أخبر الله عنها بكتابه بقوله: ﴿لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيّاً﴾ (٢). أفتراها معترضة على الله؟. ثم قال المخالف: وأما الخبر المروي عن موسى ﵇ فلا حجة فيه، لأنه إذا ثبت بإسناد صحيح فهو خبر آحاد لا يؤخذ به، ويجب تأويله على (٣) ما يوافق أدلة العقل إن أمكن، وإلا لم يضرنا اطراحه، لأن الواجب علينا الأخذ بما دلت عليه العقول. والجواب أن يقال له: وإن كان من أخبار الآحاد فإنه موافق لظاهر القرآن وهو ما أخبر الله عزوجل عن مريم بنت عمران، وقوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً﴾ وجزاء الإثم العذاب، والعدم عن الدنيا خير من العذاب.

стр. 474

وأما قول المخالف: يجب تأويله على ما يوافق العقل وإلا وجب اطراحه، فهذا حقيقة مذهبه في رد ظواهر القرآن التي دلت على خلاف مذهبه أنه يحملها على تأويلات لا دليل عليها، والمعمول عليه اطراحها عنده لمخالفتها عقولهم الفاسدة التي بنوا عليها مذهبهم، ولهذا نهى النبي ﷺ عن مجالستهم (١)، لأن الله أمر باتباع الوحي وأمر باتباع أنبيائه ونهى عن اتباع الهوى، وعقل موسى ﵇ أكمل من عقول القدرية، فكيف يجب اطراح قوله لما أوردته القدرية عن عقولهم!.

стр. 475

٨٦ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا في الرسالة أنا نفرض الكلام مع القدرية في ثلاثة نفر خلقهم الله، فواحد منهم بلغ وآمن بالله وعمل العمل الصالح، وأطال الله عمره في العمل الصالح، فبحكم العدل عند القدرية أن الله يدخله الجنة ويرفع درجته فيها بقدر عمله. والثاني لم يبلغ الحلم بل مات صغيراً لم يعمل شيئاً من الطاعات، فبحكم العدل عندهم أن الله يدخله الجنة ولا يعطيه من الدرجات ما يعطي الأول. وأما الثالث: فإنه لم يؤمن بالله وأطال الله عمره فيدخله النار. فإذا نظر الصغير إلى ما أعطى الله الأول من الدرجات قال: يا رب لأي معنى لم تعطني من الدرجات مثل ما أعطيت الأول؟ فيقال: بحكم العدل أنك لم (١) تعمل مثل الأول، فيقول: لو أطال الله عمري كعمر الأول لعملت مثل عمله، ولكن قصر عمري فقال له: لم يكن الصلاح لك في طول العمر بل الصلاح لك في إماتتك صغيراً، فيقول حينئذ الكافر من تحت أطباق جهنم فأي صلاح لي بطول العمر فليت الله أماتني صغيراً فأرضى بمنزلة هذا الذي سخطها، ولكن الله طوَّل عمري وبلَّغني حد التكليف مع علمه أني لا أؤمن فخالفت (٢) أمره حتى صرت إلى ما صرت إليه، فتقوم الحجة لكافر على الله (٣)، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (٤) فعلمنا لذلك أن الأمر بخلاف ذلك وأن لله (٥) أن يفعل بعباده ما شاء.

стр. 476

فأجاب المخالف القدري عن هذا بجوابين: أحدهما: قال إنما أمات الله الصغير، لأنه علم أنه لو بقي لأفسد دين غيره ممن يعلم أنه لولاه لما فسد، ولا يجوز في حكمته أن يبقى من هذه حاله (١) لأن فساده حينئذ يكون في حكم المضاف إلى الله ولم يعلم في بقاء الذي بلغ وكفر ومات على الكفر مفسدة لغيره وإنما فسد هو باختياره، قال: ولا يلزم على هذا إبقاء إبليس وغيره من شياطين الجن والإنس، لأن الله علم أنهم لا يضلون إلا من كان يضل بنفسه لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾. والجواب الثاني: إن الله متفضل على الخلق بخلقه لهم وببعثه لهم وبتكليفه لهم، وله أن يتفضل بالقليل من ذلك والكثير، ولا اعتراض عليه لأن الاعتراض عليه بذلك جهالة (٢)، فإذا قال الصغير لِمَ لَمْ تُبلِّغني درجة العامل؟ قيل له: لأنك لم تعمل، فإذا قال: لم يعمرني، قيل له: هو متفضل بذلك، والكافر إذا قال أبقاني مع علمه بأني أفسد. قيل له: كان بإمكانك أن تؤمن فلم تفعل، هذا نكتة قوله ومعتمده. والجواب عن جوابه الأول من وجوه: أحدها أن يقال: يجب أن يكون كل صغير أماته الله من أولاد الأنبياء وغيرهم إنما ذلك لأن الله علم أنهم لو بقوا لأفسدوا دين غيرهم، وهذا يخالف ما روي أن النبي ﷺ بكى على ابنه إبراهيم لأنه مات وهو ابن شهرين (٣) وقال النبي ﷺ : "إن أباك لنبي وإن جدك لنبي ولو بقيت لكنت

стр. 477

نبياً" (١)، ولم يقل لو بقيت لأفسدت دين غيرك. والجواب الثاني: أن يقال فكان ينبغي على هذا أن لا يميتهم حتى يقاربوا وقت الإفساد، وقد يميتهم حين يولدون ويميتهم في بطون أمهاتهم وفي ذلك تخريب لما عمر من غير معنى. والجواب الثالث: أن يقال: أفكان الله قادراً على أن يباعد بينهم في المساكن، أو يحول بينه وبين الإفساد من غير إجبار، ويعصم المفاسد عليه، ولا يميت هذا الصغير الضعيف لمصلحة هذا القوي الذي يقدر على الامتناع من إفساد هذا الصغير. والجواب الرابع: أن الإلزام الذي ألزم نفسه في إبقاء الله لإبليس وشياطين الجن إلزام صحيح، وجوابه عن ذلك بأنهم لا يضلون إلا من يعلم أنهم يضلون بأنفسهم غير صحيح. لأنه لو كان ما قاله من ذلك صحيحاً لما لحق إبليس وجنوده ذم ولا توبيخ ولا عقاب بإضلالهم (٢) الكاقرين والعاصين، لأنهم كانوا في علم الله يضلون بأنفسهم. وأما الآية التي احتج بها فقد قلنا قبل هذا، إنما تأويلها ﴿إِلاّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ﴾ إلا من سبق عليه القضاء بالضلال (٣)، وعلى جميع هذه الإلزامات

стр. 478

فإن الكافر يقول: يا رب إذا أمت هذا الصغير قبل أن يبلغ لمصلحة غيره، فهلا يا رب أمتني صغيراً لمصلحة نفسي، لأنك علمت أني لا أؤمن بك وموتي لمصلحتي أولى بالعدل من إماتة الصغير (١) لمصلحة غيره. وأما قول المخالف في جوابه الثاني: إن الله متفضل على الخلق بالخلق والإبقاء والتكليف هذا مذهب أهل الحديث، وأما مذهب أسلافه من المعتزلة (٢) فقد مضى بيانه (٣)، ولكن إذا قال هذا المخالف: إن الله لا يفعل إلا ما فيه صلاح لهم ولا يتفضل عليهم إلا بما فيه صلاح لهم، فإن هذا الكافر الذي بلغ ولم يؤمن يقول يا رب تفضلك عي يا رب بإماتتي صغيراً خير لي من إبقائك لي إلى البلوغ، وقد علمت أني لا أومن فتبقى له الحجة، والله تعالى يقول: ﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ (٤).

стр. 479

٨٧ - فصل ومن الأدلة المذكورة لنا على الله أن يفعل بالعباد ما شاء، وإن لم يكن لهم فيه مصلحة أنا نرى في الشاهد أن الله يؤلم الأطفال بالعذاب الدائم، ويصيبهم بالعلل التي تنقطع منها أوصالهم من غير جناية سبقت منهم، وكذلك الحيوان المسخر لبني آدم في الركوب والذبح والطبخ وكذلك جعل بعض بني آدم ملكاً لبعض، ولا يستحيل في العقل أن يكون المالك مملوكاً والُمسخَر مُسخِراً، هل في ذلك للعقل مجال إلا أن المالك محكم في ملكه يفعل فيه ما يشاء. فأجاب المخالف القدري عن ذلك وقال: المصلحة في ذلك هو اعتبار للمكلفين والإنعام عليهم بالركوب والذبح والتنبيه لهم بإيلام البهائم والأطفال، ثم هو يعوض المؤمنين على ما أصابهم من الآلام والمشاق أعواضاً تستحقر الآلام بجنبها، فبالاعتبار (١) تخرج الآلام عن أن تكون عبثاً، وبالعوض يخرج عن أن يكون المرض ظلماً (٢). والجواب: أن يقال: خلق الله الألم في الأطفال والبهائم ليعتبر به المكلفون فيينتبهوا به، لا مصلحة للأطفال والبهائم فيه بل المصلحة فيه لغيرهم، وعلى مقتضى قولكم إن الله يخلق في الدنيا ناراً كنار جهنم ويخلق أطفالاً وبهائم فيها ليراها المكلفون ويعتبروا بعذابهم وينبههم بذلك على عذاب جهنم في الآخرة، وأنتم لا تقولون بذلك. وأما قول المخالف: إن الله يعوض الأطفال والبهائم على ذلك بالآخرة، فالجواب عنه من وجوه: أحدها: أن قولهم هذا يؤدي إلى أن كل ذرة أو بقة أو برغوث خلقه

стр. 480

الله ووطأتها الإبل في الطرق وقتلتها فإنه يجب على الله أن يبعثها في الآخرة على صورة يصل إليها الثواب ويجعلها في الجنة. وهذا قول يرغب عنه كل عاقل، وقد ذكر المفسرون أن الله يحشر الطير وجميع البهائم ويقتص للجماء من ذات القرن ثم يقول اله لها كوني تراباً، فتعود تراباً، فعند ذلك يقول الكافر يا ليتني كنت تراباً (١). والوجه الثاني: أن يقال إنكم اعترضتم على خصومكم وأنكرتم عليهم القول بأن الله يخلق في العباد أعمال الطاعات ويثيبهم عليها، فكيف ساغ لكم القول هاهنا بأن الله يخلق الآلام والآفات في الأطفال ويثيبهم على فعله بغير فعل منهم ولا كسب. والوجه الثالث: أن يقال من صفات الله الكرم والأفضال، وكان قادراً على أن يجزل لهم العطية من غير أن يبتليهم بألم ولا آفة، ولا يلزم على ذلك الثواب على الأفعال في التكليف، فإن الثواب على ذلك عندنا على كسبهم الأعمال وعندكم على خلقهم الأعمال. والجواب الرابع أن يقال: فما المعنى الذي اقتضى أن تكون هذه البهائم وهؤلاء الأطفال المخلوق فيهم الألم والآفة ليعتبر بذلك غيرها من المكلفين، وتكون المؤلمة هي المستحق للعوض، وما المانع أن تكون هي المستحقة للاعتبار بخلق الألم في المكلفين، ولم يخلق (٢) المكلفين بهائم وأطفالاً (٣)

стр. 481

وخلق فيهم الألم وخلق الأطفال مكلفين لعتبروا بغيرهم، فعلم أن أفعال الله لا لعلة لازمة (١). ثم قال المخالف: وما تمليك بني آدم لبعض فإن ذلك جعل جزاء للكفر وللتنفير عن الكفر. والجواب: أن الولد قد يسلم وهو تابع لأمه في الملك، وقد يكون أبوه مسلماً حراً وكيف يعاقب الإنسان على ذنب غيره، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٢)، ومع هذا فلا ننكر أن أصل الرق إنما يثبت على الكافر، ولكن أي مصلحة لولد الولد وإن بعد أن يكون مملوكاً لآدمي مثله من طريق الدين؟! فعلم بذلك أن الله يفعل بعباده ما شاء سواء كان لهم بذلك مصلحة أو لم يكن (٣).

стр. 482

٨٨ - فصل ذكر اللالكائي في مسنده (١) عن أبي (العباس) سهل (٢) بن سعد ﵁ قال: "تلا رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٣)، وغلام جالس عند رسول الله ﷺ فقال: بلى والله يا رسول الله إن عليها لأقفالها فلا يفتحها إلا الذي أقفلها، فلما ولي عمر ﵁ طلبه ليستعمله، وقال: لم يقل ذلك إلا من عقل" (٤). وعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (٥) قال: "الشقاوة والسعادة والموت" (٦).

стр. 483

وعن ابن عباس ﵁ في هذه الآية ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (١)، قال: "كتب الله أعمال بني آدم وما هم عاملون إلى يوم القيامة والملائكة يستنسخون (٢) ما يعمل بنو آدم يوماً بيوم" (٣). وعن عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٤) قال: "نجد الخير ونجد الشر" (٥). وعن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٦) قال: "قد أفلح من زكى الله نفسه وقد خاب من دسا الله نفسه فأضله" (٧). وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون﴾ (٨) قال: "علم من إبليس المعصية وخلقه لها" (٩). وقال ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ (١٠) قال: "إن الله قد (١١) خلق ابن آدم مؤمناً وكافراً، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ (١٢)، ثم

стр. 484

يعيدهم يوم القيامة كما بدأهم مؤمن وكافر" (١). وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ (٢) كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٣) "يعني من كان كافراً ضالاً فهديناه، و ﴿وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ يعني بالنور القرآن من صدق به وعمل به، ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَات﴾ يعني الكفر والضلال" (٤). وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (٥)، قال: "إذا جاء القدر خلوا عنه" (٦). وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ (٧)، قال: "فرقين فريق رحم فلا يختلف وفريق لا يرحم مختلف فمنهم شقي وسعيد" (٨). قال مالك في قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ قال: "ليكون فريق في الجنة وفريق في النار" (٩).

стр. 485

وعن مجاهد في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾، قال: "إن الله ينزل كل شيء في ليلة القدر فيمحو ما يشاء من المقادير والآجال والأرزاق، إلا الشقاء والسعادة فإنه ثابت" (١). وقال محمد بن كعب القرظي في قوله تعالى: ﴿كَلاّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ﴾ (٢) قال: "رقم الله كتاب الفجار في اسفل الأرض فهم عاملون لما قد رقم عليهم في ذلك الكتاب، ورقم كتاب الأبرار فجعل في عليين فهم يعملون (٣) بما رقم لهم في ذلك الكتاب" (٤). وعن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ (٥)، قال: "وما كان الله لعذب أقواماً وأنبياؤهم بين أظهرهم حتى يخرجهم، ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون﴾؟ يقول: ومن سبق له من الله الدخول في الإيمان وهو الاستغفار، ويقول للكافر: ﴿مَا كَانَ (٦) اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٧) فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة" (٨).

стр. 486

٨٩ - فصل ذكرت في الرسالة أن الصحابة بأجمعهم والتابعين وعلماء الأمصار كانوا يقولون إن أفعال العباد في الطاعة والمعصية خلق الله، وإن الله أراد من الخلق ما فعلوه من طاعة ومعصية. فأجاب المخالف القدري عن هذا بكلام مشوب بسفه لا يليق ذكره إلا منه ومن أسلافه. ومعتمده قوله أنه نفى أن يكون هذا قولاً للصحابة –﵃، وادعى أنهم قائلون بقول القدرية، واحتج بأخبار أضافها إليهم لا أصل لأكثرها ولا ذكرها أحد من العلماء الذين أرصدوا أنفسهم لجمع أقوال العلماء في الأصول والفروع، واختار تأويلها على وفق مذهبه وكل ذلك ليري عامة أهل السنة أن له تعلقاً بالأخبار عن الصحابة والتابعين ومن بعدهم منقولة مروية في أصول صحت روايتها عن الثقات، والكذب عليهم لا تقوم به حجة مع أن كل أحد (١) لا يجهل مذهب هذا المخالف وأسلافه من القدرية في الطعن على الصحابة فكيف يحتج بأخبارهم. وأنا أبين من أقاويل الصحابة والتابعين في ذلك ما تقر به ئاعين من يحبهم، ويرى القدوة بهم ديناً لازماً، ويبطل به قول القدرية ومن يبغضهم. ذكر اللالكائي في مسنده (٢) عن طاوس أنه قال: "أدركت ثلاثمائة من أصحاب رسول الله ﷺ يقولون كل شيء بقدر" (٣). وعن أيوب السختياني (٤) أنه قال: "أدركت الناس وما كلامهم إلا وإن قضى وإن قدر" (٥).

стр. 487

وعن عبد الله بن يزيد بن هرمز (١) أنه قال: "لقد (٢) أدركت وما بالمدينة متهم (٣) بالقدر إلا رجل من جهينة يقال له معبد" (٤). وقال أحمد ين يحيى بن (٥) ثعلب: "لا أعلم عربياً قدرياً قيل له: أيقع في قلوب العرب القول بالقدرة قال: معاذ الله ما في العرب إلا مثبت القدر خيره وشره أهل الجاهلية والإسلام وذلك في أشعارهم وكلامهم كثير" (٦). وعن عبد الملك (٧) عن (٨) عطاء (٩) قال: أتيت ابن عباس ﵄ وهو ينزع في زمزم وقد ابتلت أسافل ثيابه قلت له: قد تكلم في القدر فقال: أو قد فعلوها؟، قلت: نعم، فقال: "والله ما أنزلت هذه الآية إلا فيهم: ﴿ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (١٠)، أولئك شرار هذه الأمة" (١١).

стр. 488

قال الأوزاعي (١): "أول من تكلم بالقدر في البصرة رجل من أهل العراق يقال له سوسن كان نصرانياً فأسلم، ثم تنصر فأخذ عنه معبد الجهني وأخذ غيلان عن معبد" (٢). ومما موه به هذا المخالف القدري على العامة احتجاجه بحديث رواه عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال وقد سئل عن الكلالة؟ فقال: "أقول فيها برأيي فإن كان صواباً فمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان من ذلك" (٣). والجواب أنه لا حجة لهذا القدري بهذا الخبر بأن أبا بكر ﵁ يقول إنه يخلق أفعاله، وإنما أراد إن كان صواباً فمن الله أي فهو من دين الله، وما وفقني لإصابته وإن كان خطأ فليس من دين الله وإنما هو من كسبي ومن خطئي وأضاف ذلك إلى الشيطان على سبيل التنزيه لله (٤)، وإن كان الله خلقه، كما قال إبراهيم ﵇: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾ (٥)، فأضاف جميع هذه الأشياء إلى الله إلا المرض فإنه أضافه إلى نفسه وإن (٦) كان الله خالقاً للجميع فيه، وعلى أنه إن كان إضافة أبي بكر ﵁ للخطأ إليه وإلى إبليس يدل على أنه الفاعل (٧)،

стр. 489

لذلك فقد أضاف الصواب إلى الله، فدل ذلك على أن الله هو الخالق للصواب من اجتهاده (١). ثم نقول: المروي في الصحاح (٢) عن نافع عن ابن عمر ﵄ "أن رجلاً قال لأبي بكر الصديق ﵁: أرأيت الزنا بقدر؟، قال: نعم، فقال له الرجل: فالله قدره علي ثم يعذبني عليه؟ قال: نعم يا بن اللخنا" (٣). ومما احتج به القدري ما روي "أن كاتباً كتب لعمر ﵁: هذا ما أرى الله عمر قال: امحه واكتب هذا ما رأى عمر فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمن عمر" (٤). وروي عنه أنه أتي بسارق فقال: ما حملك على هذا؟ فقال: قضاء الله وقدره علي يا أمير المؤمنين، فقطع يده وضربه عشرين درة وقال: "قطعت يدك بسرقتك وضربتك بكذبك على الله" (٥).

стр. 490

والجواب عن الأول أنه كره إضافة الرأي إلى الله، لجواز أن يكون أخطأ برأيه على ما مضى (١). وأما حديثه الثاني: فلم يذكره أحد من أصحاب الحديث المشهورين فيجب إثبات سنده (٢)، وإن صح عنه ذلك فإنه محمول على أن السارق أنكر على عمر قطع يديه مع كون ذلك بقضاء الله وقدره (٣)، إذ لو لم يكن بقضاء الله سبحانه لا ستحق القائل به أكثر من ضرب العشرين (٤)، والذي رواه أصحاب الحديث الصحاح عن عمر ﵁ أنه قال: "اللهم إن كنت كتبتني في السعادة فأثبتني فيها، وإن كتبتني على الشقاوة فامنحني منها وأثبتني في السعادة فإنك تمحو مت تشاء وتثبت وعنده أم الكتاب" (٥). وروي أن عمر ﵁ خرج من المدينة إلى الشام ومعه جماهير الصحابة من المهاجرين والأنصار حتى قدم دمشق، فأخبر أن الطاعون وقع بالشام، فخاف عمر أن يتقدم بأصحاب النبي ﷺ ، فاستشار الصحابة بذلك

стр. 491

فاختلفوا عليه، وكان أول من دعى المهاجرين، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون: إن معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ لا نرى أن تقدم بهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني فارتفعوا عنه، ثم أمر أن (١) يدعى له الأنصار فدعوا فاستشارهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان (٢)، وقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تدم بهم على هذا الوباء، فأذن عمر بالناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها وادياً له عدوتان أحدهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت بالخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها بالجدبة رعيت بقدر الله (٣)، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان مغيباً في بعض حاجاته فقال: إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه"، فحمد الله عمر ثم انصرف (٤)، وخطبهم على باب الجابية ليقص عليهم ويعرفهم سبب انصرافه، وقال في خطبته: "من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد الله فلا مضل له"، فقال جاثليق (٥) النصراني: إن الله لا يضل أحداً، مرتين أو ثلاثاً،

стр. 492

فأنكر الصحابة عليه، فقال عمر ﵁ لأصحاب النبي ﷺ : ما يقول؟، قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحداً، فقال عمر: كذبت بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء، أما والله لولا ولث عهد لك لضربت عنقك. فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان (١). والوَلث: هو العهد الذي ليس بمحكم ولا مؤكد (٢). ومما موه به القدري أنه قال: روي أنه لما حصر عثمان ﵁ في الدار كان القوم يرمونه ويقولون: الله يرميك، فقال عثمان: كذبتم لو رماني الله ما أخطأني. والجواب أن يقال له: هذا لا يعرف في مسند. على أنا نحمله إن صح على أنهم أرادوا الله يرميك أي يبلغ السهام ويصيبك (٣) بها، فقال لهم عثمان ﵁: لو رماني الله ما أخطأني: أي لو بلغ سهامكم إلي ما أخطأني. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤). وتأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي ان المؤمنين لما رجعوا من بدر جعل رجل منهم يقول: قتلت، وآخر يقول: قتلت، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، وأما الرمي فإن المشركين لما صافوا أصحاب النبي ﷺ يوم بدر دعى النبي ﷺ بثلاث قميصات من حصى الوادي ورمله فتأوله علي بن أبي طالب ﵁ فرماها في وجوه العدو، وقال: "اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم" فملأ الله وجوههم وأبصارهم من الرمية ولم يبق أحد منهم حتى أصابه (٥)، فانهزموا عند الرمية

стр. 493

الثالثة فتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، فأنزل الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). أي أن الله خلق الرمي بيدك يا محمد، وتولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فأضاف الله ذلك للنبي ﷺ إذ وقع كسباً له وأضافه إلى نفسه لكونه مخلوقاً له، وانفرد بإيصال التراب إليهم وهذا حجة لنا على القدرية.

стр. 494

٩٠ - فصل استدل القدري بدامغه بخبر لا يعرف سنده عن علي بن أبي طالب ﵁ يظن أنه حجة له وهو حجة لنا، وهو أنه قال: "روي أن علياً ﵁ لما سأله الشيخ الشامي عن مسيره إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال علي ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قطعنا وادياً ولا علونا أكمة وتلة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: عند الله (١)، أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً. فقال: علي ﵇: بل أيها الشيخ قد عظم لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلى منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ: وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كانا مسيرنا، فقال علي ﵁: لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر والنهي من الله ولما كانت تأتي من الله محمدة لمحسن ولا مذمة لمسيء، ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، والمسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وخصماء الرحمن. إن الله أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل هزلاً، ولم ينزل القرآن عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وعجائب الأمور باطلاً، فويل للذين كفروا، فقال الشيخ: ما القضاء والقدر اللذان ما وطئا إلا بهما؟ فقال علي ﵁ الأمر من الله والحكم، فنهض الشيخ وهو مسرور" (٢).

стр. 495

والجواب: أنا نقول للمخالف هذا الخبر كله حجة لنا وحجة عليكم إلا قوله "أمراً تخييراً" فإن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (١)، وقد مضى بيان فساد قولهم إن العبد مخير (٢)، ولكن قد أثبت علي ﵁ القدر والقضاء في السير والانصراف والقضاء ينصرف إلى الخلق لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤)، والمخالف لا يقول إن مسيرهم وانصرافهم كان بقضاء من الله وقدر، وإنما يقول هو يخلقهم وإنما ظن الشيخ أن علياً أراد (٥) أن الله أجبرهم على المسير والانصراف بقضاء الله وقدره وقال (٦): ": لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين فاستثبته الشيخ وقال: "وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا" يريد أنهما ساقانا سوقاً لا امتناع لنا عنه، فنفى علي ﵁ ذلك وأنهم ليسوا بمجبرين، فقال: "لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً" أي إنما وقع ذلك باختيار منكم ولو كنتم مجبرين لبطل الثواب والعقاب إلى آخر كلامه، وهذا كله حجة لنا، لأنا لا
следующие страницы →