← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

فاختلفوا عليه، وكان أول من دعى المهاجرين، فقال بعضهم: خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه، وقال آخرون: إن معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ لا نرى أن تقدم بهم على هذا الوباء، فقال: ارتفعوا عني فارتفعوا عنه، ثم أمر أن (١) يدعى له الأنصار فدعوا فاستشارهم، فلم يختلف عليه منهم رجلان (٢)، وقالوا نرى أن ترجع بالناس ولا تدم بهم على هذا الوباء، فأذن عمر بالناس إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أفراراً من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها وادياً له عدوتان أحدهما خصبة والأخرى جدبة أليس إن رعيت بالخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيتها بالجدبة رعيت بقدر الله (٣)، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان مغيباً في بعض حاجاته فقال: إن عندي من هذا علماً سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا فراراً منه"، فحمد الله عمر ثم انصرف (٤)، وخطبهم على باب الجابية ليقص عليهم ويعرفهم سبب انصرافه، وقال في خطبته: "من يضلل الله فلا هادي له ومن يهد الله فلا مضل له"، فقال جاثليق (٥) النصراني: إن الله لا يضل أحداً، مرتين أو ثلاثاً،

стр. 492

فأنكر الصحابة عليه، فقال عمر ﵁ لأصحاب النبي ﷺ : ما يقول؟، قالوا: يا أمير المؤمنين يزعم أن الله لا يضل أحداً، فقال عمر: كذبت بل الله خلقك والله أضلك ثم يميتك فيدخلك النار إن شاء، أما والله لولا ولث عهد لك لضربت عنقك. فتفرق الناس وما يختلف في القدر اثنان (١). والوَلث: هو العهد الذي ليس بمحكم ولا مؤكد (٢). ومما موه به القدري أنه قال: روي أنه لما حصر عثمان ﵁ في الدار كان القوم يرمونه ويقولون: الله يرميك، فقال عثمان: كذبتم لو رماني الله ما أخطأني. والجواب أن يقال له: هذا لا يعرف في مسند. على أنا نحمله إن صح على أنهم أرادوا الله يرميك أي يبلغ السهام ويصيبك (٣) بها، فقال لهم عثمان ﵁: لو رماني الله ما أخطأني: أي لو بلغ سهامكم إلي ما أخطأني. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (٤). وتأويل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾ أي ان المؤمنين لما رجعوا من بدر جعل رجل منهم يقول: قتلت، وآخر يقول: قتلت، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ﴾، وأما الرمي فإن المشركين لما صافوا أصحاب النبي ﷺ يوم بدر دعى النبي ﷺ بثلاث قميصات من حصى الوادي ورمله فتأوله علي بن أبي طالب ﵁ فرماها في وجوه العدو، وقال: "اللهم ارعب قلوبهم وزلزل أقدامهم" فملأ الله وجوههم وأبصارهم من الرمية ولم يبق أحد منهم حتى أصابه (٥)، فانهزموا عند الرمية

стр. 493

الثالثة فتبعهم المسلمون يقتلونهم ويأسرونهم، فأنزل الله ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ (١). أي أن الله خلق الرمي بيدك يا محمد، وتولى إيصال ذلك إلى أبصارهم، فأضاف الله ذلك للنبي ﷺ إذ وقع كسباً له وأضافه إلى نفسه لكونه مخلوقاً له، وانفرد بإيصال التراب إليهم وهذا حجة لنا على القدرية.

стр. 494

٩٠ - فصل استدل القدري بدامغه بخبر لا يعرف سنده عن علي بن أبي طالب ﵁ يظن أنه حجة له وهو حجة لنا، وهو أنه قال: "روي أن علياً ﵁ لما سأله الشيخ الشامي عن مسيره إلى الشام أكان بقضاء الله وقدره؟ فقال علي ﵁: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما قطعنا وادياً ولا علونا أكمة وتلة إلا بقضاء وقدر، فقال الشيخ: عند الله (١)، أحتسب عنائي ما أرى لي من الأجر شيئاً. فقال: علي ﵇: بل أيها الشيخ قد عظم لكم الأجر على مسيركم وأنتم سائرون وعلى منصرفكم وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين، فقال الشيخ: وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا وعنهما كانا مسيرنا، فقال علي ﵁: لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً لو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب وسقط الوعد والوعيد والأمر والنهي من الله ولما كانت تأتي من الله محمدة لمحسن ولا مذمة لمسيء، ولما كان المحسن بثواب الإحسان أولى من المسيء، والمسيء بعقوبة الذنب أولى من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان وجنود الشيطان وخصماء الرحمن. إن الله أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يعص مغلوباً، ولم يطع مكرهاً، ولم يرسل الرسل هزلاً، ولم ينزل القرآن عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وعجائب الأمور باطلاً، فويل للذين كفروا، فقال الشيخ: ما القضاء والقدر اللذان ما وطئا إلا بهما؟ فقال علي ﵁ الأمر من الله والحكم، فنهض الشيخ وهو مسرور" (٢).

стр. 495

والجواب: أنا نقول للمخالف هذا الخبر كله حجة لنا وحجة عليكم إلا قوله "أمراً تخييراً" فإن الله تعالى قال: ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ (١)، وقد مضى بيان فساد قولهم إن العبد مخير (٢)، ولكن قد أثبت علي ﵁ القدر والقضاء في السير والانصراف والقضاء ينصرف إلى الخلق لقوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ (٣)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ (٤)، والمخالف لا يقول إن مسيرهم وانصرافهم كان بقضاء من الله وقدر، وإنما يقول هو يخلقهم وإنما ظن الشيخ أن علياً أراد (٥) أن الله أجبرهم على المسير والانصراف بقضاء الله وقدره وقال (٦): ": لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين ولا إليها مضطرين فاستثبته الشيخ وقال: "وكيف ذلك والقضاء والقدر ساقانا" يريد أنهما ساقانا سوقاً لا امتناع لنا عنه، فنفى علي ﵁ ذلك وأنهم ليسوا بمجبرين، فقال: "لعلك ظننت قضاء لازماً وقدراً حتماً" أي إنما وقع ذلك باختيار منكم ولو كنتم مجبرين لبطل الثواب والعقاب إلى آخر كلامه، وهذا كله حجة لنا، لأنا لا

стр. 496

نقول بالجبر وبطل أن يكون للمخالف علينا بذلك حجة، ولكن حمله على ذلك قلة بصيرته بالمذاهب وعدم البصيرة في وضع الحجج مواضعها. ثم نقول: المروي عن علي ﵁ في الصحاح أنه مر بقوم فقال له رجل منهم: يا أمير المؤمنين إن هذا يزعم أنه يصنع ما يشاء، فأقبل علي ﵁ على الرجل فقال له: هل ملكك الله شيئاً فأنت تملكه فقال: ملكني صلاتي وصومي وعتق رقبتي وطلاق امرأتي وحجي وعمرتي وما افترض علي فقال له علي: هذا الذي تزعم أنك تملكه أتملكه من دون الله أو تملكه مع الله؟ قال له الرجل: ما أدري ما تقول، قال: أكلمك بلسان عربي، وتقول ما أدري ما تقول، فأعادها علي عليه فلم يجبه الرجل، فقال له علي: إن زعمت أنك تملكه من دون الله فقد جعلت نفسك مع الله شريكاً ومالكاً وإلا فالملك لله الواحد القهار (١). وكذلك روي عن علي ﵁ أنه قال: الأعمال ثلاثة: فرائض، وفضائل، ومعاصي، وقد مضى بيانهن وأن جميعها خلق لله سبحانه (٢).

стр. 497

٩١ - فصل استدل المخالف القدري بما روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: "من أضاف إلى الله ما تبرأ عنه فقد افترى على الله". وروي عنه أنه قال: "لعن الله قوماً يحملون ذنوبهم على الله". وروي عنه أنه قال: "قاتل الله قوماً يعملون المعاصي ثم يزعمون أنها من الله". والجواب: أن هذه الأحاديث لم يذكرها علماء الحديث في الأصول التي اتفق علماء الأمصار على صحتها والاحتجاج بها، فيجب على من احتج بها إثبات السند فيها، وعلى أنا نحمل هذه الأخبار على أنه لعن قوماً قالوا إن الله أخبر الخلق على أعمالكم وهلك من قال ذلك (١). والذي ذكر أصحاب الحديث عن ابن عباس ﵁ ما قدمنا ذكره عنه. وروى عنه مجاهد أنه قيل لابن عباس: إن ناساً يقولون في القدر، فقال: "يكذبون بالقرآن لئن أخذت بشعر أحدهم لأنصونه (٢)، إن الله عز

стр. 498

وجل كان على عرشه قبل أن يخلق شيئاً، فخلق القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة إنما يجري الناس على أمر قد فرغ منه" (١). وقال ابن عباس: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن وجد الله ولم يؤمن بالقدر كان كفره نقضاً للتوحيد، ومن وحد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى لا انفصام لها" (٢). وقال عطاء بن أبي رباح: كنت عند ابن عباس، فجاء رجل فقال: يا ابن عباس: أرأيت من صدني عن الهدى وأوردني دار الضلالة والردى ألا تراه قد ظلمني؟ فقال ابن عباس: "إن كان الهدى شيئاً كان لك عنده فمنعك فقد ظلمك، وإن كان الهدى هو له يؤتيه من يشاء فلم يظلمك، قم لا تجالسني" (٣). وروي عن أبي يحيى مولى بني عفراء (٤)، قال: أتيت ابن عباس وعي رجلان من الذين يكذبون بالقدر وينكرونه، فقلت: يا ابن عباس ما تقول في القدر فإن هؤلاء أتوك ليسألوك عن القدر إن زنا وإن سرق وإن شرب، قال: فحسر قميصه حتى أخرج منكبيه فقال: يا أبا يحيى (٥)، لعلك من الذين ينكرون القدر ويكذبون به، والله لو أعلم أنك منهم أو هذين معك لجاهدتكم، إن زنا فبقدر وإن سرق (٦) وإن شرب الخمر فبقدر (٧).

стр. 499

وروى عكرمة قال: "كنت عند ابن عباس جالساً فجاء رجل فقال: يا ابن عباس أخبرني من القدرية فإن الناس قد اختلفوا عندنا بالمشرق. فقال ابن عباس: القدرية قوم يكونون في آخر الزمان دينهم الكلام، يقولون إن الله لم يقدر المعاصي على خلقه ويعذبهم على ما قدر عليهم، فأولئك هم القدرية، وأولئك هم مجوس هذه الأمة، وأولئك ملعونون على لسان النبيين أجمعين فلا تقاولوهم (١) فيفتنوكم، ولا تجالسوهم ولا تعودوا مرضاهم، ولا تشهدوا جنائزهم، أولئك أتباع الدجال لخروج الدجال أشهى إليهم من الماء البارد، فقال رجل: لا تجد علي يا ابن عباس فإني سائل مبتلى بهم، قال: قل، قال (٢): كيف صار في هذه الأمة مجوس وهذه أمة مرحومة، فقال ابن عباس: أخبرك لعل الله ينفعك، فقال: افعل، قال: إن المجوس زعمت أن الله لم يخلق شيئاً من الهوام والقذر، ولم يخلق شيئاً يضر، وإنما يخلق المنافع وكل شيء حسن (٣)، وإنما القذر (٤) هو الشر، والشر كله خلق إبليس وفعله، وقالت القدرية: إن الله لم يخلق الشر ولم يبتل به، وإبليس رأس الشر وهو مقر بأن الله خلقه. وقالت القدرية: إن الله أراد من العباد أمراً لم يكن وأخرجوه من ملكه وقدره، وأراد إبليس من العباد أمراً فكان إبليس عند القدرية أقوى وأعز، فهؤلاء القدرية، فكذبوا أعداء الله. إن الله يبتلي ويعذب على ما ابتلى وهو غير ظالم، لا يسأل عما يفعل، وبمن ويثيب وهو فعال لما يريد، ولكنهم أعداء الله ظنوا ظناً فحققوا ظنهم عند أنفسهم، وقالوا: نحن العالمون والمثابون والمعذبون بأعمالنا ليس لأحد علينا منة وذهب عليهم المن من الله والخذلان. قال سويد بن سعيد (٥): لا إله إلا

стр. 500

الله ما أوحشه من قول، وأن الله هو الهادي والمضل الراحم المعذب (١). قال عطاء: قال ابن عباس: "كلام القدرية كفر وكلام الحرورية ضلال". قال ابن عباس: "لا أعلم الحق إلا في كلام قوم ألجوا ما غاب عنهم من الأمور إلى الله ﵎، وفوضوا أمورهم إلى الله، وعلموا أن كلاً بقضاء الله وقدره" (٢). وروي أن ابن عباس ﵁ مر على قوم يتنازعون في القدر فقال: "لا تختلفوا في القدر فإنكم إن قلتم إن الله شاء لهم أن يعملوا بطاعته فخرجوا من مشيئة الله إلى مشيئة أنفسهم فقد أوهنتم الله بأعظم ملكه، وإن قلتم إن الله جبرهم على الخطايا ثم عذبهم عليها قلتم إن الله ظلمهم" (٣). قال الأوزاعي: بلغني عن ابن عباس أنه ذكر عنده قولهم في القر فقال: "ينتهي بهم رأيهم حتى يخرجوا الله من أن يكون قدر خيراً كما أخرجوه عن أن يكون قدر شراً" (٤). وروي في الصحاح عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "قال موسى ﵇: يا رب أبانا آدم الذي أخرجنا ونفسه من الجنة فأراه الله آدم ﵇ فقال له: أنت أبونا آدم؟ قال: نعم، قال: أنت الذي نفخ الله فيك من روحه وعلمك الأسماء كلها وأمر ملائكته

стр. 501

فسجدوا لك؟ ن قال: نعم، قال: فما حملك على أن أخرجتنا ونفسك من الجنة، قال له آدم: من آنت؟، قال: أنا موسى، قال: أنت نبي بني إسرائيل الذي كلمك الله من وراء حجاب لم يجعل بينك وبينه رسولاً من خلقه قال: نعم، قال: فهل وجدت في كتاب الله أن ذلك كائن قبل أن أخلق، قال: نعم، قال: فلم تلومني في شيء سبق من الله فيه القضاء قبل أن أخلق، قال النبي ﷺ : فحج آدم موسى" (١). استدل القدري بما روي عن ابن عمر أنه قال: "القدرية مجوس هذه الأمة، قيل: منهم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: الذين يعملون بالمعاصي ويزعمون أنها من الله". والجواب: أن على هذا المستدل أن يثبت هذا بسند صحيح، ولم يذكره أحد من أصحاب الحديث. وعلى أنا نحمله على أنه أراد الذين يزعمون أن الله يجبرهم على المعاصي ولا حجة له علينا بذلك. ثم نقول للذي ذكره أصحاب الحديث عن ابن عمر أن يحيى بن يعمر (٢) قال: قلت لابن عمر: إنا نسافر فنلقى قوماً يقولون لا قدر، قال: "إذا لقيت أولئك فأخبرهم أن ابن عمر منهم بريء وهم منه براء ثلاث مرات" (٣).

стр. 502

وروى ابن نافع (١) أن رجلاً قال لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن إن قوماً يتكلمون في القدر بشيء، فقال ابن عمر: "أولئك يصيرون إلى أن يكونوا مجوس هذه الأمة، فمن زعم أن مع (٢) الله قاضياً أو قادراً أو رازقاً أو مالكاً لنفسه ضراً أو نفعاً أو موتاً أو حياة أو نشوراً لعنه الله وأخرس لسانه وأعمى بصره وجعل صلاته وصيامه هباء منثوراً قطع به الأسباب وكبه على وجهه في النار" (٣). وروى نافع قال: جاء رجل إلى ابن عمر قال: يا أبا عبد الرحمن الزنا بقدر؟ قال: نعم، قال: قدره الله علي ويعذبني به؟، قال: نعم، يا بن اللخنا (٤)، لو كان عندي إنسان لأمرته أن يجأ أنفك" (٥). وعن عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب (٦)، عن علي بن أبي طالب ﵁ وقد ذكر عنده يوماً (٧) القدر، فأدخل بأصبعيه السبابة والوسطى في فيه فرقم باطن يده فقال: "أشهد أن هاتين الرقمتين كانت في أم الكتاب" (٨). وروي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب: ما تقول يا أمير المؤمنين في القدر؟ فقال: ويحك أخبرني عن رحمة الله أكانت قبل طاعة العباد أم لا؟، فقال: بلى، فالتفت علي إلى الصحابة وقال: أسلم صاحبكم بعد أن كان

стр. 503

كافراً فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أليس بالمشيئة الأولى التي أنشأ بها وقوم خلقى حتى أنا أقوم وأفعل وأقبض وأبسط وأفعل ما أشاء، فقال له علي: إنك بعد في المشيئة، أما إني أسألك عن ثلاث فإن قلت في واحدة منهن لا، كفرت، وإن قلت: نعم فأنت أنت، فمد القوم أعناقهم ليسمعوا ما يقول، فقال له الرجل: هات يا أمير المؤمنين. فقال: علي ﵁ أخبرني (١)، هل خلقك الله كما شاء أو كما شئت؟، قال: بل كما شاء، قال: فخلقك الله لما شاء أو لما شئت؟، فقال الرجل: بل لما شاء، فقال: هل تأتيه يوم القيامة بما شاء أو بما شئت؟، فقال: بل بما شاء، فقال له: قم فلا مشيئة لك" (٢). وروي أن علياً ﵁ خطب يوماً وذكر قاتله، فقال: ما يمنعه أن يقوم فيخضب هذه من هذا (٣) فقالوا (٤): يا أمير المؤمنين أما إذ عرفته فأرناه نفعل به كذا، فامتنع، قالوا: فما تقول لربك إذا قدمت عليه (٥) قال: "أقول وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم حتى توفيتني، وهم عبادك إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم" (٦)، وهذا كله يبطل القدرية.

стр. 504

وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "لأن أعض على جمرة أو أقبض عليها حتى تبرد أحب إلي من أن أقول بشيء قضاه الله ليته لم يكن" (١). وقال ابن مسعود - رضي الله - "أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فإن الشقي من شقي في بطن أمه، والسعيد من وعظ بغيره" (٢). وعن ابن الديلمي قال: "أتيت أبي بن كعب فقلت يا أمير المؤمنين إنه وقع في قلبي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه عني فقال: إن الله عزوجل لو عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم ولو رحمهم كانت رحمته خيراً لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهباً في سبيل الله ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن مت على غير ذلك دخلت النار. قال: ثم أتيت ابن مسعود فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت حذيفة فحدثني بمثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني بمثل ذلك عن النبي ﷺ (٣). وروي أن عبادة بن الصامت ﵁ لما حضرته الوفاة قال له ابنه

стр. 505

عبد الرحمن: أوصني، فقال: أجلسوني، فأجلسوه ثم قال: يا بني اتق الله ولن تتقي الله حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت النبي ﷺ يقول: "القدر على هذا من مات على غير هذا أدخله الله النار" (١). وبمثل هذا المعنى روي عن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي الدرداء، وعمران بن الحصين، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله ﵃ (٢).

стр. 506

وروي عن عائشة ﵂ أنها قالت: "إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة وإنه عند الله مكتوب من أهل النار" (١). وروي عن ابن عباس ﵁ أنه قال: كنت رديف النبي ﷺ يوماً فأخلف يده ورائي وقال: "يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك إذا استعنت فاستعن بالله، إذا سألت فاسأل الله جرى القلم بما هو كائن، فلو أن الناس اجتمعوا على أن يعطوك شيئاً لم يعطك الله لم يقدروا عليه ولو أن الناس اجتمعوا على أن يمنعوك شيئاً قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا، فاعبد الله بالصبر مع اليقين، وإن مع العسر يسراً إن مع اليسر يسراً". (٢). وروى علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: "لا يؤمن عبد حتى يؤمن بأربع يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ﷺ بعثني بالحق، ويؤمن بالموت وبالبعث بعد الموت ويؤمن بالقدر" (٣).

стр. 507

وروى سعد بن أبي وقاص أن رسول الله ﷺ قال: "من سعادة ابن آدم رضاه بما قضاه الله له، ومن شقاوة ابن آدم تركه استخارة الله، ومن شقاوة ابن آدم سخطه بما قضى الله" (١).

стр. 508

٩٢ - فصل استدل القدري بدامغه بأخبار أضافها إلى الفقهاء المشهورين من التابعين وغيرهم، مثل عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري، والشعبي (١) ومالك بن دينار (٢)، وقتادة (٣) وغيرهم، ممن لا ينكر فضلهم أحد وهم برءاء مما أضافه إليهم. ولو طولب بسند خبر من ذلك لم يقدر عليه إلا بالتخرص.

стр. 509

وأنا أذكر ما ذكره عنهم أصحاب الحديث في الأصول المشهورة عند علماء الأمصار. يروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "لو أن الله كلف العباد العمل على قدر عظمته لما قامت لذلك سماء ولا أرض ولا جبل ولا شيء من الأشياء، ولكنه أخذ منهم اليسير، ولو أراد أن لا يعصى لم (١) يخلق إبليس رأس المعصية" (٢). وقال الأوزاعي: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن له كتاباً فكان فيما كتب إليه أن يسأل الله الذي بيده القلوب يصنع بها ما يشاء من ضلالة وهدى" (٣). وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: "ما طن (٤) ذباب بين اثنين إلا بكتاب وقدر" (٥). وقال رجل للحسن البصري: لهذه أي للسماء خلق آدم أم للأرض؟، فقال: بل للأرض، فقال له: أرأيت لو اعتصم من الخطيئة فلم يعملها أكان يترك في الجنة؟ قال: سبحان الله كان له بد من أن يعملها، قال: قلت له:

стр. 510

يا أبا سعيد قوله عزوجل: ﴿مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِفَاتِنِينَ﴾ قال (١): ما أنتم عليه بمضلين إلا من قدر له أن يصلي (٢) الجحيم (٣). وعن الحسن البصري في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ (٤) فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (٥) قال: "الشرك يخلقه الله في قلوبهم" (٦). وروى تمام بن نجيح (٧) أن رجلاً أتى الحسن البصري وأخذ بعنان دابته وقال: زعمت أن من قتل مظلوماً فقد قتل في غير أجله، قال: "فمن يأكل بقية رزقه يا لكع خل الدابة، قتل في أجله"، قال: فقال الرجل: والله ما أحب أن لي بما سمعت منك اليوم ما طلعت الشمس عليه (٨). وروي عن الحسن البصري أنه قال: "الشقي من شقي في بطن أمه" (٩). وعن عاصم (١٠) قال: سمعت الحسن البصري في موضعه الذي مات فيه يقول: "إن الله قدر أجلاً وقد معه مرضاً وقدر معه معافاة، فمن كذب بالقدر فقد كذب بالقرآن، ومن كذب بالقرآن فقد كذب بالحق" (١١).

стр. 511

وعن عوف (١) قال: سمعت الحسن البصري يقول: "من كذب بالقدر فقد كذب بالإسلام، ثم قال: إن الله خلق خلقاً فخلقهم بقدره وقسم الآجال وقسم أرزاقهم بقدر والبلاء والعافية بقدر" (٢). وقال أيوب (٣): "كذب على الحسن البصري صنفان: قوم دأبهم (٤) القدر فكذبوا عليه أنه قدري لينفقوا قولهم بذلك. وقوم في قلوبهم له شنآن وبغض يقولون من قوله كذا (٥)، وليس من قوله كذا" (٦). وروي عن علي (٧) بن الحسين ﵄ (٨) - أنه قال: "إن أصحاب القدر حملوا مقدرة الله على ضعف رأيهم قالوا، لم، ولا ينبغي أن يقال لله لم" (٩). وروي أنه جاء رجل من أهل البصرة فسأل عن محمد ابن علي بن الحسين بن علي (١٠) ﵃ (١١) فقيل هو ذاك الغلام قال: فجئت

стр. 512

إليه قال: فقلت يا سيدي: إني وافد أهل البصرة إليك، وذاك أن القدر قد فشى في البصرة، وقد ارتد أكثر الناس وأريد أن أسالك عنه، قال: سل، فقلت: أحببت الخلوة، فقام ومشى معي حتى خلا، فقال لي: سل، قال قلت: الخبر؟، قال لي: "اكتب علم وقضى وقدّر وشاء (١) وأراد ورضي وأحب"، قال: قلت زدني قال: فقال لي: هكذا أخرج إلينا سل، قال: قلت: الشر؟ قال: اكتب علم وقضى وقدر وشاء وأراد ولم يرض ولم يحب، قال: قلت: زدني، قال: هكذا أخرج إلينا. قال الرجل: فرجعت إلى البصرة فنصب لي منبر في المسجد الجامع، فاجتمع الناس فقرأت عليهم ما كتب، فرجع أكثر الناس (٢). وروي أن رجلاً من الشيعة جاء إلى جعفر بن محمد الصادق (٣)، فقال: إن القدرية يقولون لنا إنكم كفار قال: فقال له: "اكتب عن الله لا يطاع قهراً، وإن الله لا يعصى قهراً، فإذا أراد الله الطاعة كانت، وإذا أراد المعصية كانت فإن عذب بحق، وإن عفا فبالفضل" (٤). وروي أن رجلاً جاء إلى زيد بن علي بن الحسين (٥) ﵃ فقال: يا زيد أنت الذي تزعم أن الله أراد أن يعصى قال له زيد: "أفيعصى عنوة" (٦).

стр. 513

وروي أن غيلان (١) قال لربيعة بن أبي (٢) عبد الرحمن (٣): يا أبا عثمان أيرضى الله أن يعصى؟، فقال له ربيعة: "أفيعصى قسراً" (٤). وروي عن محمد بن الحنفية (٥) أنه قال: "من أحب رجلاً على عدل ظهر منه وهو في علم الله من أهل النار آجره الله كما لو كان من أهل الجنة، ومن أبغض رجلاً على جور ظهر منه وهو في علم الله من أهل الجنة آجره الله كما لو كان من أهل النار" (٦). قال إياس بن معاوية (٧) لرجل من القدرية: "ما الظلم فيكم؟، قال: أن يأخذ الإنسان ما ليس له، فقلت له: فإن لله كل شيء" (٨). وقال وهب بن منبه (٩): "قرأت نيفاً وتسعين كتاباً من كتب الله فوجدت فيها كلها أن من وكل إلى نفسه شيئاً من القدر فقد كفر" (١٠).

стр. 514

وقال يزيد بن زريع (١) لعمر بن محمد العمري (٢): "رجل يثبت القدر ويعلم بقلبه أنه مؤمن به ولم يتكلم فيه، أحب إليك أو رجل مؤمن يتكلم فيه، قال: لا، والله إلا من تكلم به حتى يتبين ضلالتهم" (٣). وقال زيد بن أسلم (٤): "ما أعلم قوماً أبعد من الله عزوجل من قوم يخرجونه من مشيئته" (٥)، ثم (٦) قال زيد بن أسلم: "والله ما قالت القدرية كما قال الله عزوجل، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال النبيون، ولا كما قال أهل الجنة، ولا كما قال أهل النار، ولا كما قال أخوهم إبليس، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (٧)، وقالت الملائكة: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلاّ مَا عَلَّمْتَنَا﴾ (٨)، وقال شعيب ﵇: ﴿وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا﴾ (٩)، وقال أهل الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (١٠)، وقال أهل النار: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾ (١١). وقال أخوهم إبليس: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ (١٢) ".

стр. 515

وسئل الحسن البصري عن القدر؟ فقال: "إن الله تعالى خلق الخلق للابتلاء لم يطيعوه بإكراه ولم يعصوه بغلبة ولم يهملهم من الملك، وهو القادر على ما أقدرهم عليه، والمالك لما (١) ملكهم إياه، لأنه قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢). فإنما يأتمروا بطاعة لم يكن الله مثبطاً لهم، بل يزيدهم هدى إلى هداهم وتقوى إلى تقواهم وأن يأتمروا بالمعصية فهو القادر على أن يصرفهم إن شاء، وإن خلى بينهم وبين المعصية فمن بعد إعذار وإنذار" (٣). وقيل لمحمد بن واسع (٤): يا أبا عبد الله ما تقول في القدر؟، قال: "أقول إن الله إذا جمع الخلائق سألهم عما افترض عليهم ولم يسألوه عما قضى عليهم" (٥). وقال رجل لإياس بن معاوية إلى متى يتوالد الناس ويموتون؟ قال: "إلى أن

стр. 516

يتكامل العدتان عدة أهل الجنة وعدة أهل النار، قال: صدقت" (١). وروي أنه اصطحب مجوسي وقدري، فقال القدري للمجوسي: مالك لا تسلم، قال: إذا شاء الله أسلمت، قال له القدري: قد شاء الله أن تسلم ولكن الشيطان لا يدعك، فقال المجوسي: فأنا مع أقواهما (٢) فرجع القدري عن مقالته (٣). وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير (٤): "نظرت فإذا ابن آدم ملقي بين يدي الله تعالى وبين يدي إبليس، فإن شاء الله أن يعصمه عصمه، وإن تركه ذهب به إلى إبليس" (٥). وقال مطرف: "نظرت في هذا الأمر فإذا بدوه من الله، ونظرت فإذا تمامه على الله، ونظرت ما ملاكه؟ فإذا ملاكه الدعاء" (٦).

стр. 517

٩٣ - فصل شبهة لقدرية بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (١). ولنا عن هذه الآية جوابان: أحدهما: ما روى ابن عباس ﵄ أنه قال في تفسير هذه الآية ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ "يعني من فتح وغنيمة (٢) فمن الله، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي من بلية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي فبذنبك وأنا قدرت ذلك عليك" (٣). وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ (٤). وأصل هذا أن المنافقين كانوا إذا أصابهم فتح وغنيمة قالوا: هذا من عند الله، وإذا أصابهم بلية وهزيمة قالوا هذا من محمد ﷺ ومن شنآنه، فأخبر الله عنهم بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ ببدر يعني وهي الفتح والغنيمة ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعني القتل بأحد (٥) ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، فأكذبهم الله وقال: قل يا محمد: قُل ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾، ثم قال بعد ذلك على وجه الإنكار

стр. 518

عليهم: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ ومعناه أفمن نفسك، فحذف ألف الاستفهام وهو مراد في الكلام لدلالة الحال (١)، كقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾ (٢). ومعناه ويقولون ربنا ما خلقت هذا باطلاً فحذف ويقولون لدلالة الحال عليه. والجواب الثاني: أن الآية تقتضي أن أفعال الطاعة خلق لله لأنه أضافها إلى نفسه، والقدرية يقولون إن أفعال العباد كلها في الطاعة والمعصية خلق للعباد، فإذا ثبت ذلك لله في أفعال الطاعة ولزمهم ذلك في أفعال المعاصي لأن أحداً لم يفرق بينهما (٣). فأجاب المخالف القدري عن هذا بأن قال: إنما أضاف الحسنات إليه لأنه أمر بها وأرادها، ولم يضفها إليه لأنه خلقها، ولم يضف السيئات إليه لأنه لم يأمر بها ولم يردها ولم يخلقها (٤).

стр. 519

والجواب عن هذا أنه قد أضافها إلى نفسه بقوله تعالى: ﴿قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولا يمكن حمل إضافتها إلى نفسه هاهنا إلا على خلقه لهما وإرادته لهما لا على الأمر منه بهما، لأنه لا يأمر بالسيئات بالإجماع. ثم قال القدري بعد ذلك: وأما قوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي فمن ذنب أذنبته نفسك. وقد وافقت أيها المستدل أنه يوجد من النفوس ذنوباً لأجلها صار (١) يعاقب، وهذا تسليم منه، وقد أنطقه الله الذي أنطق كل شيء. والجواب عن قوله هذا أن يقال له: لا ننكر أن الذنب يضاف إلى المذنب لكونه مكتسباً والله خالق لحركاته فيه ويعاقب ويثاب على اكتسابه فيه لا على خلق الله، ثم نقول له: وقد وافقت أيضاً أن الله أنطق المستدل الذي أنطق كل شيء وحقيقة الإنطاق هو خلق الله المنطق فيه (٢).

стр. 520

٩٤ - فصل شبهة للقدرية في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ (١) ولهم في الآية تعلقان: أحدهما: أنه نسب المشيئة إليهم في الإيمان والكفر. والثاني: أنه خيرهم بين الإيمان والكفر (٢). ولنا على هذا جوابان: أحدهما: روي عن ابن عباس أنه قال: "من شاء الله فليؤمن ومن شاء الله فليكفر" (٣). والجواب الثاني: أن نسبة المشيئة إليهم لا يدل على أنها خلق لهم بل الله خالق لهم ولمشيئتهم، ومشيئتهم متعلقة بمشيئته (٤)، لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٥). وأما قولهم إن الله خيرهم بين الإيمان والكفر فهذا جهل منهم بصيغة الأمر وحكمته. فيقال لهم: لو كان هذا تخييراً من الله لهم لم يعذبهم على الكفر ولم يذموا عليه كما لا يعذبون ولا يذمون على التكفير بالإطعام أو الكسوة أو العتق لما خيرهم الله بذلك (٦).

стр. 521

وأما قولهم: إن الله خيرهم بين الإيمان والكفر فهذا جهل منهم بصيغة الأمر وحكمته. فيقال لهم: لو كان هذا تخييراً من اله لهم لم يعذبهم على الكفر ولم يذموا عليه كما لا يعذبون ولا يذمون على التكفير بالإطعام أو الكسوة أو العتق لما خيرهم الله بذلك (١). ويقال لهم (٢) المراد بهذا الأمر التهديد لا التخيير (٣). فأجاب القدري عن هذا وقال: أما قول المستدل إنه تهديد فيدل على أن الكفر فعلهم، إذ لو لم يكن فعلاً لهم لما تهددهم به. والجواب أن يقال: إنه تهديد بهذا كما يهددهم بقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ (٤) بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (٥) ولم يخيرهم بالعمل وإنما توعدهم على العمل بغير بطاعة. ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ (٦) قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٧) الآية. وكذلك توعدهم في هذه الآية (٨) بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، فأضاف إليهم الإيمان والكفر لأنهما كسب لهم ومحل لخلق الله ذلك فيهم، كما أضاف الأفعال إلى الأرض والفلك لأنها محل لخلق الله ذلك فيها. ثم قال (٩): وأما تعليق مشيئتهم بمشيئة الله فإنما علق مشيئتهم بمشيئته في الطاعات بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلا وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (١٠) وكذلك قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ

стр. 522

اللَّهُ﴾ (١) بالمعاصي التي وقع فيها الخلاف (٢). والجواب: أن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وإن كان مذكوراً عقب الطاعة إلا أنه مستقل بنفسه تعم مشيئته في الطاعة والمعصية، ولأن الله تعالى قال في آية أخرى: ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٣) دل على أنه إذا لم يشأ الله ذكرهم (٤) له لم يذكروه. وروي أن غيلان القدري سأل عمر بن عبد العزيز عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾ (٥). فقال له عمر بن عبد العزيز: إقرأ آخر السورة ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾. فقال غيلان: "قد كنت يا أمير المؤمنين أعمى فبصرتني وضالاً فهديتني"، فلما كان زمن هشام بن عبد الملك (٦) رجع إلى مقالته بالقدر، فقتله هشام ابن عبد الملك (٧). وقد روينا (٨) عن زيد بن أسلم أنه قال: "والله ما قالت القدرية كما قال الله ولا كما قالت الملائكة - إلى أن قال - قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ " (٩)، وهذا تصريح منه بأن الله شاء من العباد ما وقع منهم من طاعة ومعصية.

стр. 523

وروى الربيع (١) أن الشافعي ﵀ سمع قوماً يتجادلون في القدر فقال الشافعي: أخبر الله أن المشيئة له دون خلقه، والمشيئة إرادة الله، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ (٢). وروي في الصحاح أن النبي ﷺ قال: "يفتح آخر الزمان باب من القدر لا يسده شيء، يكفيكم منه أن تقولوا: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (٣) " (٤). وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: "خلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمناً وخلق فرعون في بطن أمه كافراً" (٥).

стр. 524

وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْخَاسِرِينَ (١) الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)، قال: "هم الكفار الذين خلقهم الله للنار وخلق النار لهم فزالت عنهم الدنيا وحرمت عليهم الجنة" (٣). وروى عمر أن النبي ﷺ قال: "بعثت داعياً ومبلغاً وليس إلي من الهدى شيء وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شيء" (٤).

стр. 525

٩٥ - فصل روي أن النبي ﷺ قال: "ما هلكت أمة قط إلا بالشرك بالله، وما أشركت بالله حتى يكون بدو شركها التكذيب بالقدر" (١). وروي عن عمرو بن شعيب قال: "كنت عند سعيد بن المسيب فجاءه رجل فقال: إن الناس يقولون إن الله قدر كل شيء ما خلا الأعمال، قال: فغضب غضباً لم يغضب مثله، حتى هم بالقيام ثم قال: فعلوها ويحهم لو يعلمون. أما إني قد سمعت فيهم حديثاً كفاهم شراً، قلت: وماذا (٢) يا أبا محمد رحمك الله قال: حدثني رافع بن خديج عن رسول الله ﷺ أنه قال: "سيكون في أمتي قوم يكفرون بالله وبالقرآن وهم لا يشعرون قال: قلت: يقولون ما ذا يا رسول الله، قال: يقولون: الخير من الله والشر من إبليس، ويقرأون على ذلك كتاب الله ويكفرون بالله وبالقرآن بعد الإيمان والمعرفة، فما تلقى أمتي منهم من العداوة والبغضاء، ثم يكون المسخ فيهم عاماً (٣) قردة وخنازير، ثم يكن الخسف قل من ينجو منهم، المؤمن يومئذ

стр. 526

قليل فرحه شديد غمه، ثم بكى رسول الله ﷺ حتى بكينا لبكائه قيل يا رسول الله: ما هذا البكاء، قال رحمة لهم الأشقياء، إن فيهم المجتهد وفيهم المتعبد وليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعاً. إن عامة من هلك من بني إسرائيل هلك بالتكذيب بالقدر، قيل يا رسول الله: فما الإيمان بالقدر؟، قال: أن تؤمن بالله وحده وتؤمن بالجنة والنار، وتعلم أن الله خلقهما قبل خلق الخلق، ثم خلق الخلق لهما، ثم جعل من شاء منهم للجنة، وجعل من شاء منهم للنار، وكل من يعمل على أمر قد فرغ منه وصائر لما خلق له" (١). وروي أن عيسى بن مريم لقي إبليس فقال له عيسى: "أما علمت ألا يصيبك إلا ما قدر لك، فقال إبليس: فأوف (٢) بذروة هذا الجبل فترد منه، فقال: إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده فخصمه" (٣). روى ابن عباس ﵄ قال: "قد مر رجل (٤) بمكة في أول الإسلام وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذا الريح، فأبصر سفهاء من الناس ينادون النبي ﷺ ويقولون: مجنون، فقال: لو لقيت هذا الرجل، فلقيه فقال: يا محمد إني رجل إذا رقيت من هذه الريح يشفي الله على يدي

стр. 527

من شاء، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله نحمده ونستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً (١) عبده ورسوله أما بعد: فقال: أعد علي هؤلاء الكلمات فأعادهن، فقال: لقد سمعت قول السحرة وقول الكهنة وقول الشعراء وما سمعت مثل كلمات هؤلاء، ولقد بلغت قاموس البحر (٢) أرني يدك لأبايعك على الإسلام قال: وعلى قومك، قال: وعلى قومي" أخرجه مسلم في صحيحه (٣). روى حيان بن عبيد الله التميمي عن أبيه (٤) قال: "شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ وقد أدخل عليه غيلان، فقال: ويحك يا غيلان أراني أُبَلَّغُ عنك (ويحك يا غيلان أراني أُبلغ عنك، ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك) (٥) أحقاً ما ابلغ عنك، فسكت، فقال: هات فإنك آمن فإن يكن الذي تدعو الناس إليه حقاً فأحق من دعى إلى الله الناس نحن، فسكت طويلاً، فقال له عمر: تكلم فإنك آمن وأمره أن يجلس فجلس فتكلم بلسان ذلق، فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل، ولم يكلف نفساً إلا ما آتاها، ولا يكلف (٦) الله المسافر صلاة المقيم، ولا يكلف الله المريض عمل الصحيح، ولم يكلف الله إلا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ وقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. فلما فرغ من كلام كثير قال له عمر في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله تعالى: ﴿يس (٧)

стр. 528

وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. أنت تزعم يا غيلان -كلاماً سقط من الكتاب (١) - فأسكت غيلان لا يجيبه، فقال: ما منعك أن تتكلم وقد جعلت لك الأمان، فقال غيلان: أستغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين، ادع الله لي بالمغفرة، فقال عمر: اللهم إن كان عبدك صدقك فوفقه وسدده، وإن كان كاذباً أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن نصفته وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به (٢)، فلم يتكلم زمن عمر، فلما كان يزيد بن عبد الملك لا يهتم بهذا (٣) ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام بن عبد الملك تكلم وأرسل إليه فجاء، فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر ألا تتكلم بشيء من هذا أبداً؟، قال: أقلني فوالله لا أعوده، فقال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم: قال: اقرأ، فقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال: قف على ما استعنته على أمر بيده لا يستطيعه أو على أمر بيدك؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه (٤) فحلت به دعوة عمر بن عبد العزيز ﵀ فبلغ إلى عبادة بن نُسي (٥) ما فعل هشام مع غيلان فقال عبادة: أصاب فيه والله

стр. 529

القضية والسنة، والأكثرين إليه ولأحسن رأيه" (١). وكذلك رجاء بن حيوة (٢) كتب إلى هشام بن عبد الملك: "بلغني يا أمير المؤمنين إنه وقع في نفسك شيء من قبل (٣) غيلان وصالح (٤) فوالله لقتلهما أفضل من القتل (٥) في الروم والترك (٦) ". عن حكيم بن عمير (٧) قال: قيل لعمر بن عبد العزيز إن قوماً ينكرون من القدرشيئاً، فقال عمر ﵁: "بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا، فقال قائل: هيهات، هيهات يا أمير المؤمنين لقد اتخذوه ديناً، يدعون الناس إليه، ففزع لها عمر فقال: أولئك أهل أن تُسَل ألسنتهم من أقفيتهم سلاً، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار" (٨). روي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: "طريق مظلم لا تسلكه"، فقال له: ما تقول في القدر؟ قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: ما تقول في القدر؟ قال: "سر الله فلا تكلفه" (٩).

стр. 530

وقال طاووس لرجل: "إن القدر سر الله عزوجل فلا تدخلن فيه". ولقد سمعت أبا الدرداء يحدث عن النبي ﷺ أن موسى ﵇ لما خرج من عند فرعون متغير الوجه، استقبله ملك من خزان النار وهو يقلب كفيه متعجباً لما قال له الروح الأمين: إن ربك عزوجل أرسلك إلى فرعون مع أنه قد طبع على قلبه فلا يؤمن (١)، قال جبريل (٢): فدعائي ما هو؟ قال: أمض لما أمرت، قال: صدقت ثم قال: يا موسى نحن اثنا عشر ملكاً من خزان النار قد جهدنا أن نسأل في هذا الأمر، فأوحى الله إلينا أن القدر سر الله فلا تدخلوا فيه" (٣). وفي هذا كله إبطال لما أورد هذا القدري وبيان لمن نور الله بصيرته.
следующие страницы →