← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

قليل فرحه شديد غمه، ثم بكى رسول الله ﷺ حتى بكينا لبكائه قيل يا رسول الله: ما هذا البكاء، قال رحمة لهم الأشقياء، إن فيهم المجتهد وفيهم المتعبد وليسوا بأول من سبق إلى هذا القول وضاق بحمله ذرعاً. إن عامة من هلك من بني إسرائيل هلك بالتكذيب بالقدر، قيل يا رسول الله: فما الإيمان بالقدر؟، قال: أن تؤمن بالله وحده وتؤمن بالجنة والنار، وتعلم أن الله خلقهما قبل خلق الخلق، ثم خلق الخلق لهما، ثم جعل من شاء منهم للجنة، وجعل من شاء منهم للنار، وكل من يعمل على أمر قد فرغ منه وصائر لما خلق له" (١). وروي أن عيسى بن مريم لقي إبليس فقال له عيسى: "أما علمت ألا يصيبك إلا ما قدر لك، فقال إبليس: فأوف (٢) بذروة هذا الجبل فترد منه، فقال: إن العبد لا يبتلي ربه ولكن الله يبتلي عبده فخصمه" (٣). روى ابن عباس ﵄ قال: "قد مر رجل (٤) بمكة في أول الإسلام وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذا الريح، فأبصر سفهاء من الناس ينادون النبي ﷺ ويقولون: مجنون، فقال: لو لقيت هذا الرجل، فلقيه فقال: يا محمد إني رجل إذا رقيت من هذه الريح يشفي الله على يدي

стр. 527

من شاء، فقال رسول الله ﷺ : "الحمد لله نحمده ونستعينه من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً (١) عبده ورسوله أما بعد: فقال: أعد علي هؤلاء الكلمات فأعادهن، فقال: لقد سمعت قول السحرة وقول الكهنة وقول الشعراء وما سمعت مثل كلمات هؤلاء، ولقد بلغت قاموس البحر (٢) أرني يدك لأبايعك على الإسلام قال: وعلى قومك، قال: وعلى قومي" أخرجه مسلم في صحيحه (٣). روى حيان بن عبيد الله التميمي عن أبيه (٤) قال: "شهدت عمر بن عبد العزيز ﵀ وقد أدخل عليه غيلان، فقال: ويحك يا غيلان أراني أُبَلَّغُ عنك (ويحك يا غيلان أراني أُبلغ عنك، ويحك يا غيلان أراني أبلغ عنك) (٥) أحقاً ما ابلغ عنك، فسكت، فقال: هات فإنك آمن فإن يكن الذي تدعو الناس إليه حقاً فأحق من دعى إلى الله الناس نحن، فسكت طويلاً، فقال له عمر: تكلم فإنك آمن وأمره أن يجلس فجلس فتكلم بلسان ذلق، فقال: إن الله لا يوصف إلا بالعدل، ولم يكلف نفساً إلا ما آتاها، ولا يكلف (٦) الله المسافر صلاة المقيم، ولا يكلف الله المريض عمل الصحيح، ولم يكلف الله إلا ما جعل إليه السبيل وأعطاهم المشيئة فقال: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر﴾ وقال: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾. فلما فرغ من كلام كثير قال له عمر في آخر كلامه: يا غيلان ما تقول في قول الله تعالى: ﴿يس (٧)

стр. 528

وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾. أنت تزعم يا غيلان -كلاماً سقط من الكتاب (١) - فأسكت غيلان لا يجيبه، فقال: ما منعك أن تتكلم وقد جعلت لك الأمان، فقال غيلان: أستغفر الله وأتوب إليه يا أمير المؤمنين، ادع الله لي بالمغفرة، فقال عمر: اللهم إن كان عبدك صدقك فوفقه وسدده، وإن كان كاذباً أعطاني بلسانه ما ليس في قلبه بعد أن نصفته وجعلت له الأمان فسلط عليه من يمثل به (٢)، فلم يتكلم زمن عمر، فلما كان يزيد بن عبد الملك لا يهتم بهذا (٣) ولا ينظر فيه فتكلم غيلان، فلما ولي هشام بن عبد الملك تكلم وأرسل إليه فجاء، فقال له: أليس قد كنت عاهدت الله لعمر ألا تتكلم بشيء من هذا أبداً؟، قال: أقلني فوالله لا أعوده، فقال: لا أقالني الله إن أقلتك، هل تقرأ فاتحة الكتاب؟ قال: نعم: قال: اقرأ، فقرأ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال: قف على ما استعنته على أمر بيده لا يستطيعه أو على أمر بيدك؟ اذهبا فاقطعا يديه ورجليه واضربا عنقه واصلباه (٤) فحلت به دعوة عمر بن عبد العزيز ﵀ فبلغ إلى عبادة بن نُسي (٥) ما فعل هشام مع غيلان فقال عبادة: أصاب فيه والله

стр. 529

القضية والسنة، والأكثرين إليه ولأحسن رأيه" (١). وكذلك رجاء بن حيوة (٢) كتب إلى هشام بن عبد الملك: "بلغني يا أمير المؤمنين إنه وقع في نفسك شيء من قبل (٣) غيلان وصالح (٤) فوالله لقتلهما أفضل من القتل (٥) في الروم والترك (٦) ". عن حكيم بن عمير (٧) قال: قيل لعمر بن عبد العزيز إن قوماً ينكرون من القدرشيئاً، فقال عمر ﵁: "بينوا لهم وارفقوا بهم حتى يرجعوا، فقال قائل: هيهات، هيهات يا أمير المؤمنين لقد اتخذوه ديناً، يدعون الناس إليه، ففزع لها عمر فقال: أولئك أهل أن تُسَل ألسنتهم من أقفيتهم سلاً، هل طار ذباب بين السماء والأرض إلا بمقدار" (٨). روي أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب ﵁: يا أبا الحسن ما تقول في القدر؟ فقال: "طريق مظلم لا تسلكه"، فقال له: ما تقول في القدر؟ قال: بحر عميق فلا تلجه، قال: ما تقول في القدر؟ قال: "سر الله فلا تكلفه" (٩).

стр. 530

وقال طاووس لرجل: "إن القدر سر الله عزوجل فلا تدخلن فيه". ولقد سمعت أبا الدرداء يحدث عن النبي ﷺ أن موسى ﵇ لما خرج من عند فرعون متغير الوجه، استقبله ملك من خزان النار وهو يقلب كفيه متعجباً لما قال له الروح الأمين: إن ربك عزوجل أرسلك إلى فرعون مع أنه قد طبع على قلبه فلا يؤمن (١)، قال جبريل (٢): فدعائي ما هو؟ قال: أمض لما أمرت، قال: صدقت ثم قال: يا موسى نحن اثنا عشر ملكاً من خزان النار قد جهدنا أن نسأل في هذا الأمر، فأوحى الله إلينا أن القدر سر الله فلا تدخلوا فيه" (٣). وفي هذا كله إبطال لما أورد هذا القدري وبيان لمن نور الله بصيرته.

стр. 531

٩٦ - فصل قد ذكرنا أن الله سبحانه يوصف بأنه متكلم (١).

стр. 532

وقالت الجهمية والمعتزلة والقدرية: لايوصف الله بأنه متكلم (١). ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٢)، فأخبر الله تعالى أنه كلم موسى، وأتى بالمصدر توكيداً ليدل أنه كلمه بغير رسول ولا ترجمان، لأن الإنسان إذا قال: ضربت زيداً جاز أن يكون ضربه بنفسه، وجاز أن يكون ضربه غيره بأمره له، فإذا قال: ضربت زيداً ضرباً، كان ذلك خبراً عن ضربه له بنفسه. ويدل على ما قلنا ما أخبر الله سبحانه عن إبراهيم ﵊ حين كسر أصنام قومه - إلى قوله (٣) - ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُون فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فيما قال إبراهيم فقال بعضهم لبعض ﴿فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُون ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ﴾ يقول رجعوا إلى أمرهم الأول (٤) بالشرك وقالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾ (٥). والنطق عبارة عن الكلام، فدل على أن الكلام غير مستحيل من الله، إذ لو كان مستحيلاً منه الكلام لكان دليل إبراهيم منقلباً عليهن ولكان للكفار إلى إبطال حجته دليل بأن يقولوا: فإن إلهك الذي تدعونا إليه لا يوصف بالكلام أيضاً.

стр. 533

دليل ثان يقال: من أنكر أن يكون الله متكلماً، فإنه ينكر تصور الرسول منه لأن معنى الرسول هو المبلغ لكلام المُرسِل إلى المرسَل إليه، فإذا قال الرسول: أرسلني إليكم من لا يتكلم كان (١) كما لو قال أرسلني إليكم الجبل أو الماء. دليل ثالث: أن الخرس آفة ولا يجوز أن يوصف الله بالخرس، وإذا لم يوصف بالخرس تعين وصفه بالكلام لأنه ضد الخرس، كما أن الله سبحانه يوصف بالوجود لأن الوجود ضد العدم ولما لم يوصف بالعدم تعين وصفه الوجود. فإذا تقرر هذا فإن كلام الله هو القرآن، وهو هذه السور التي هي آيات لها أول وآخر، وهو القرآن المنزل بلسان العرب تكلم الله به بحروف لا كحروفنا وصوت يسمع لا كأصواتنا، وهو صفة لله قديم يقدمه غير مخلوق (٢).

стр. 534

مفقود

стр. 535

وقال جهم والمعتزلة والقدرية: هو مخلوق (١) ولا يتصور على أصلهم (٢) أن ما يتلونه من القرآن يصفونه بأنه مخلوق لله كسائر مخلوقاته من السماء والأرض، وهما من الأجسام، بل هو خلق لهم كخلقهم لجميع أقوالهم التي ينطقون بها من الشعر والنثر وسائر الكلام. وقالت الكلابية. . . . . . . . . . .

стр. 536

والأشعرية (١): كلام الله الذي ليس بمخلوق هو معنى قائم بنفسه لا يفارق ذاته، وهذا القرآن المتلو المسموع عبارة وحكاية عن الكلام القائم بنفسه، وكذلك القول عندهم في كلام البشر هو معنى قائم بذات المتكلم وهذه الحروف والأصوات المسموعة منهم عبارة عن المعنى القائم بالذات لا تسمى كلاماً حقيقة بل مجازاً أو توسعاً. والأشعرية موافقة للمعتزلة في أن هذا القرآن المتلو المسموع مخلوق (٢).

стр. 537

وزعم أن هذا القرآن كلام الله ووقفوا، وقالوا: لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق وهم الواقفة (١). وقد كان سبق لي قبل هذا الاستدلال بكتاب مختصر في هذه الرسالة في الرد على الأشعرية والقدرية (٢)، وأنا أعيد من ذلك ما يتضح به الحق لمن هداه الله إلى الرشد.

стр. 538

وأقول: الدليل على أن القرآن غير مخلوق، وأن الله تكلم بالحروف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (١). فأخبر سبحانه أنه خلق الأشياء بقوله تعالى ﴿كُن﴾ وهما حرفان، فلو كان قوله وهو ﴿كُن﴾ مخلوقاً لاقتضى أن يكون مخلوقاً بـ ﴿كُن﴾ أخرى، وكذا (٢) ﴿كُن﴾ الثانية تقتضي أن تكون مخلوقة بـ ﴿كُن﴾ إلى ما لا نهاية له. وهذا يؤدي إلى المحال (٣). ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ﴾ (٤) والأمر هو القرآن بدليل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ (٥)، ففرق سبحانه بين الخلق والأمر. فلو كان القرآن مخلوقاً لكان خلقاً، لأن المخلوق هو الخلق، والخلق هو المخلوق ولكان المعنى في الآية ألا له الخلق والخلق، وهذا خلف في الكلام (٦). ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الإنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَان﴾ (٧)، والبيان هو القرآن (٨) بدليل قوله تعالى: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ﴾ (٩)، فأخبر الله أنه خلق الإنسان وأنه علم البيان، ولم يصفه بأنه خلقه،

стр. 539

وقد ذكر الله الإنسان في القرآن في ثماني عشر آية وإجرائه خلقه، وذكر القرآن في أربع وخمسين آية ولم يذكر في شيء أنه خلقه. ومن الدليل لنا قوله تعالى: ﴿قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (١) وروى المفسرون عن ابن عباس أنه قال: "تأويله غير مخلوق" (٢). ومن الدليل على ما ذكرناه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٣) وما كان من الله فهو غير مخلوق (٤). ومن الدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ (٥). فأخبر الله سبحانه أن كلماته لا تنفذ والمخلوقات تنفذ وتفنى، وتصديق ذلك ما روى في الصحاح أن الله يقول حين يفنى الخلق يقول الله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ فيجيب الله بنفسه ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (٦).

стр. 540

وسأل رجال أبا الهذيل العلاف المعتزلي عن القرآن، فقال: مخلوق، فقال له: يموت أو يخلد، قال: لا، بل يموت، قيل له فمتى يموت القرآن، قال: إذا مات من يتلوه فهو موته، قيل: فقد أخبر الله سبحانه أه يقول بعد أهل الدنيا: لمن الملك اليوم، وهذا هو القرآن، فقال: لا أدري وبهت (١). ومن الدليل على مما قلناه ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: "القرآن كلام الله منزل غير مخلوق ومنه بدأ وإليه يعو ومن قال إنه مخلوق فهو كافر" (٢). وروي أن النبي ﷺ قال لمعاذ: "يا معاذ العرش والكرسي وحملتهما والسموات السبع وسكانها والأرضون وسكانها إلى الثرى الأسفل إلى الريح الهفافة إلى ما انتهت إليه لمخلوق ما خلا القرآن فهو كلام الله" (٣).

стр. 541

وروي عن أبي عبد الرحمن السلمي (١) أنه قال: سمعت عمر بن الخطاب ﵁ وهو يخطب على المنبر ويقول: "إن هذا القرآن كلام الله فلا أعرفن ما عظمتموه على أهوائكم، فإن الإسلام قد خضعت له رقاب الناس فدخلوه طوعاً وكرهاً قود وضعت لهم السنن فاتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم اعملوا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه" (٢). وروي عن علي بن أبي طالب ﵁ قال في التحكيم لما أنكر عليه فيه "إني لم أحكم مخلوقاً وإني حكمت القرآن" (٣). وهذا كان منه بمحضر من الصحابة فلم ينكر عليه أحد قوله بل قال شاعره: أيها الحاضرون إن علياً لم يحكم في دينه مخلوقاً … إنما حكم القرآن وقدكان بتحكيمه القرآن حقيقاً (٤) وروي عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئل علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: "ليس بخالق ولا مخلوق" (٥). وروي عن عكرمة قال: كان ابن عباس ﵁ في جنازة فلما وضع الرجل في لحده قام رجال فقال: اللهم رب القرآن اغفر له، فوثب إليه ابن عباس فقال: "مه القرآن منه" (٦).

стр. 542

وقال ابن عمر ﵁: "القرآن كلام الله غير مخلوق" (١). وروي عن حنظلة بن خويلد العنزي (٢) أن قال: أخذ عبد الله بن مسعود بيدي فلما أشرفنا على السدة (٣) إذ نظر إلى السوق فقال: "اللهم إني أسألك خبرها وخير أهلها وأعوذ بك من شرها وشر أهلها"، فمر برجل يحلف بسورة من القرآن أو آية، فغمز عبد الله بيدي فقال: "أتراه مكفراً أما إن كل آية فيها يمين" (٤). والكفارات لا تجب إذا حلف بمخلوق. وقال عمرو بن دينار (٥): "أدركت تسعة من أصحاب النبي ﷺ يقولون من قال القرآن مخلوق فهو كافر" (٦)

стр. 543

وروي عن عمرو بن دينار أنه قال: "أدركت مشائخنا والناس منذ سبعين سنة يقولون القرآن كلام الله منه بدأ وإليه يعود" (١). وكتب ملك الروم إلى أبي جعفر المنصور (٢) يسأله عن أشياء فسأله عن لا إله إلا الله أهي خالقة أم مخلوقة، فكتب إليه أبو جعفر: "ليست خالقة ولا مخلوقة ولكنها كلام اللهعزوجل " (٣). وسئل جعفر بن محمد عن القرآن أخالق هو أو مخلوق؟ فقال: "لو كان خالقاً لعبد، ولو كان مخلوقاً لنفد هو كلام الله" (٤). وروي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: "سمعت الناس منذ تسعة وأربعين عاماً يقولون من قال القرآن مخلوق فامرأته تطلق (٥) بتة، قيل له: ولم ذلك؟، قال: لأن امرأته مسلمة والمسلمة لا تكون تحت كافر" (٦). ولقد لقي ابن المبارك جماعة من التابعين مثل: سليمان التيمي (٧) وحميد الطويل (٨) وغيرهما، ولم يكن وقته رجل مثله وأكثر طلباً لعلم وأجمعه

стр. 544

له ولعله يروي عن ألف شيخ من أتباع التابعين (١). وروى الربيع عن الشافعي ﵀ أنه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق" وقال لحفص الفرد (٢) حين قال بخلق القرآن: "كفرت" (٣). قال مالك: من قال بخلق القرآن فهو زنديق يقتل" (٤). وقال الليث بن سعد: "من قال القرآن مخلوق فهو كافر (٥) ومن لم يقل هو كافر فهو كافر". ولو ذهبت إلى ذكر من قال بهذا من التابعين والعلماء الذين لا يستوحش من ذكرهم لطال الكتاب (٦)، وفيما ذكرته مقنع لمن طلب القدوة بأهل الحديث. ومن الدليل على ما قلناه أن يقال لهم: لو كان القرآن مخلوقاً لم يخل إما أن تقولوا إنه خلقه في غير محل، أو خلقه في نفسه، أو خلقه في غيره. فبطل أن يكون خلقه في غير محل لأنه صفة والصفة لا تقوم بتفسها، وبطل أن يكون خلقه في نفسه إذ يستحيل أن تكون نفسه سبحانه محلاً للمخلوقات. وبطل أن يكون خلقه في غيره إذ لو كان كذلك لوجب أن يشق لذلك الجسم الذي خلق فيه الكلام اسم من أخص أوصاف الكلام اللازمة له

стр. 545

لنفسه وأخص الكلام (١) أنه كلام ذلك الجسم، ويكون ذلك الجسم هو القائل ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وإذا بطل ذلك كله ثبت أنه غير مخلوق، بل هو صفة لذات الله سبحانه (٢).

стр. 546

٩٧ - فصل إذا تقرر ما ذكرنا أن القرآن غير مخلوق، وأن القرآن عند أصحاب الحديث هو الكتاب الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد ﷺ ، وهو القرآن العربي السور والآيات المتلو باللسان والمسموع بالآذان المعقول بالأذهان المحفوظ في الصدور المكتوب بالمصاحف بالسطور له أول وآخر وبعض، فمن قال بخلقه فهو كافر كفراً يخرجه عن الملة، لما تقدم ذكره في الفصل قبل هذا، وقد وافقنا الأشعرية على أن القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه فهو كافر، وردوا على قوله المعتزلة والقدرية إنه مخلوق (١). إلا أن الأشعرية قالوا: كلام الله الحقيقي هو معنى قائم في نفسه لا يفارقه، لا يدخل كلامه النظم والتأليف والتعاقب، ولا يكون بحرف وصوت ولا يتكلم الله بالعربية ولا بغيرها من اللغات، وليس له أول ولا آخر ولا بعض، بل هو شيء واحد لم ينزله الله على نبينا محمد ﷺ ، ولا على أحد من الأنبياء، ولا يتلى ولا يكتب ولم يسمعه أحد إلا موسى ﵇ (٢)، وهذه السور والآيات عبارة وحكاية عن كلام الله وتسمى قرآناً،

стр. 547

وكذلك التوراة عبارة عن كلام الله بلغه موسى وقومه، والإنجيل عبارة عن كلام الله بلغه عيسى قومه (١) (٢) فادعوا أن كلام الله غير القرآن وأن القرآن غير كلام الله (٣). فقولهم إن القرآن غير مخلوق تلاعب وخلف من الكلام. والدليل على أن هذا القرآن يسمى كلام الله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (٤) ولا خلاف أنه أراد حتى يسمع منك هذا القرآن فإن قبله ودخل في الإسلام فهو منكم، وإلا فأبلغه مأمنه.

стр. 548

ومن الدليل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ (١). ومعلوم أن المشركين لا سبيل لهم إلى سماع ما في نفس الله من الكلام ولا إلى تبديله. فتقرر بهذا أن المراد بهذا كله هو القرآن المتلو المسموع. ويدل على ما قلناه قوله تعالى ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوه﴾ (٢)، والمراد بكلام اله في هذه الآية التوراة، ويدل على هذا أن المتلو يسمى كلام الله قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. الآية إلى قوله تعالى: ﴿لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ (٣)، أي لا تغيير لما وعد الله أولياءه من كريم ثوابه. وأما الدليل على أن هذا المتلو يسمى قرآناُ فقوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ (٤). فالذي تحدى الله العرب أن يأتو بمثله وجعله معجزة لنبيه ﷺ واخبر أنهم لا يأتون بمثله هو هذا القرآن والسور والآيات، فأما ما في نفس الباري من الكلام فلا سبيل للعرب، ولا لأحد من الخلق إلى سماعه، ولا إلى معارضته. ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ (٥). فقال: ﴿هَذَا الْقُرْآنُ﴾ وهذه إشارة إلى شيء موجود مع النبي ﷺ ، وما في نفس الباري ليس بموجود معه، ولأن النبي ﷺ إنما أنذرهم بما يتلى في هذه السور والآيات. وأيضاً فإنه قال: ﴿وَمَنْ بَلَغ﴾ وأراد من بلغه القرآن من غاب عني أو حدث

стр. 549

بعدي فأضمر الهاء والعرب تضمر الهاء في الصلات مع "من والذي وما" فتقول: من أكرمت زيداً، أي من أكرمته زيداً، والذي أكلت خبزاً، أي الذي اكلته خبزاً، وما أخذت مالك، الذي أخذته مالك. ويدل على ما قلنا قوله تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (١) فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ (٢). والذي سمعته الجن هو القرآن والسور والآيات دون ما في نفس الباري، ويدل على ما فقلناه أن المشركين لما سمعوا من النبي صلى اله عليه وسلم القرآن سمعوه شعراً، وسموا النبي ﷺ شاعراً، فأكذبهم عزوجل فقال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ﴾ (٣)، فسمى الله (٤) ما سماه المشركون شعراً قرآناً وذكراً، هو هذه السورة والآيات. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٥)، والاستماع لا يكون إلا إلى هذه السور التي هي حروف ولا يسمع إلا الصوت أيضاً، وقوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (٦) ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (٧). وهذا يدل على أن القرآن هو هذه السور وأنه متبعض، لأنه قال: ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، بدليل قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْض﴾ (٨). وعند الأشعرية، أن القرآن لا تتبعض (٩). ويدل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ

стр. 550

لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ (١)، فسماه عربياً، وفسره ابن عباس ﵁ غير مخلوق (٢). وعند الأشعرية أن القرآن العربي مخلوق (٣). وقال في آية أخرى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤)، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ (٥). وعند الأشعري أن الله ما أنزل على نبيه القرآن، وإنما عليه مفهوم القرآن ومعنى القرآن (٦). والدليل على بطلان قوله قو الله سبحانه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلاً﴾ (٧) وقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَان﴾ (٨). فذكر الله أنه أنزل القرآن والتوراة والإنجيل، ولم يقل أنزل مفهوم القرآن ولا معناه. ويدل على أن القرآن حروف قول الله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً

стр. 551

لِلْمُتَّقِينَ﴾ (١)، ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ (٢)، ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِين﴾ (٣)، ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٤). فذكر الحروف المتصلة المقطعة في أول السور، وأخبر أنه الكتاب والقرآن وأنها منزلة. وهذا كله يبطل قول الأشعري ومن قال به. وروي أن النبي ﷺ قال: "من قرأ حرفاً من القرآن كتب الله له عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات، أما إني لا أقول الم حرف، ولكن الألف حرف واللام حرف واليم حرف" (٥). وهذا نص في موضع الخلاف. و الدليل على إثبات الصوت قول الله لموسى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٦). والله سبحانه كلمه من وراء حجاب ولا ترجمان بينهما واستماع البشر في الحقيقة لا يقع إلا للصوت (٧)، ومن زعم أن غير الصوت يجوز في المعقول أن يسمعه من كان على هذه (٨) البنية إلى دليل. وقد روى الزهري (٩) عن أبي بكر

стр. 552

بن عبد الرحمن بن الحارث (١) عن جزء (٢) بن جابر (٣) عن كعب الأحبار (٤) أنه قال: "لما كلم الله موسى كلمه بالألسنة كلها قبل لسانه فطفق موسى يقول والله يا رب ما أفقه هذا حتى كلمه بلسانه ففهمه" (٥). وروى وهب بن منبه أنه قال: "لما سمع موسى كلام الله أنس بالصوت فقال: يا رب أسمع ولا أرى مكانك فأين أنت؟، فقال: أنا فوقك وعن يمينك وعن شمالك وأمامك وخلفك ومحيط بكل شيء" (٦). وقال: "إن قوم موسى كانوا يحدقون النظر إلى أذن موسى ﵊ فقال لهم موسى: ما لكم تنظرون إلى أذني، فقالوا ننظر إلى أذن سمعت كلام الله" (٧). وروي أن النبي ﷺ قال: "يحشر الناس يوم القيامة عراة حفاة غرلاً (٨)

стр. 553

بهماً (١) فيناديهم الله بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب: أنا الملك أنا الديان" (٢). وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء فيخرون سجداً لله" (٣). وحد الصوت عندنا: هو ما يتحقق سماعه، فكل ما يتحقق سماعه صوت، وما لا يتأتى سماعه فليس بصوت. ويدل على ما قلناه ما روي: أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى (٤) قرأ سورة طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام، فلما سمعت الملائكة القرآن قالت طوبى لأمة ينزل عليهم، وطوبى لأجواف تحمل هذا،

стр. 554

وطوبى لألسنة تنطق بهذا" (١)، ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين، وقد ذكره غيره من المصنفين. وهذا يدل على فساد قول الأشعرية أن كلام الله الحقيقة (٢) ليس بسور (٣) وأنه لا ينطق بالحروف وأن الأجواف لا تحمله ولا تنطق به الألسن. وروي أن النبي ﷺ قال: "إن الرجل الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخراب" (٤). وهذا يدل على أن القرآن محفوظ بدليل قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْم﴾ (٥). ويدل على أنه مكتوب قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٦)،

стр. 555

وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ﴾ (٢). وروي أن النبي صلى الله عليه سلم قال: "لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر" (٣). وروي أن النبي ﷺ قال: "لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو" (٤)، وأراد به السفر بالمصاحف. ويدل على ما قلناه أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : لو كنت صادقاً لكلمت الله، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٥).

стр. 556

قال مجاهد: "الأنبياء على ثلاثة أصناف: نبي أوحي إليه بقلبه فحفظ عن الله، وداود ﵇ إنما حفظ الوحي بقلبه ثم زبره بكتبه ومعنى زبره أي أتقنه. ونبي كلمه الله من وراء حجاب وهو موسى ﵇. ونبي أرسل الله إليه رسولاً وهو جبريل فيوحي بإذنه ما يشاء وهو نبينا محمد ﷺ ، وقد كان جبريل يأتي إلى بعض الأنبياء في منامه وكان يأتي النبي ﷺ في اليقظة كما يأتي الرجل صاحبه" (١). وموضع الدليل لنا من هذه الآية: لو كان كلام اله لا يؤخذ إلا مخلوقاً لم يكن للنفي في (٢) هذه المعاني معنى (٣). ويقال للأشعري إذا قرأ آية من القرآن هذا قول الله أم قول البشر؟ فإن قال: هو قول الله فقد رجع إلى ما عليه السلف وأهل الحق. وإن قال: بل هو قول البشر (٤)، قلنا عن ذلك أجوبة:

стр. 557

أحدها: أن يقال له: فهذه أقوال الوليد بن المغيرة فيما أخبر الله عنه بقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، فقال الله متوعداً له على قوله هذا ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (١). فلو كان قوله بذلك صحيحاً لما توعد (٢) الله عليه. الجواب الثاني: أن يقال له: فمن البشر الذي هذا قوله، فليس أحد يدعي أن هذا قوله بل الكل منهم يقولون هذا قول الله، وإذا سمعوا القارئ بهذا الكلام قالوا صدق الله، من البشر الذي يقول ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾. والجواب الثالث: أن يقال له: إذا كان هذا من قول البشر فأت بسورة من مثله، وإن قال: بل هو كلام البشر عبارة عن كلام الله والمفهوم منه كلام الله قيل له: فمن البشر الذي سمع كلام الله القديم القائم بنفس الله فعبر عنه بهذا الكلام، فيضاف هذا الكلام إليه، ويقال هذا عبارة فلان فإن أحداً لا يدعي أنه عبارته. فإن قال هو عبارتي عن كلام الله (٣). قلنا له فحقيقة المعبر أن يسمع كلاماً فيعبر عنه، وأنت لم تسمع كلام الله حقيقة، وإنما سمعت قول معلمك فعبرت عن قول معلمك ومعلمك سمع قول معلمهن فصرت معبراً عن عبارة معلمك إلى أن يتناهى (٤) إلى الصحابة ﵃ وهو لم يسمعوا قول الله حقيقة، وإنما سمعوا عبارة النبي ﷺ عن عبارة جبريل ولا أدري عما عبر عنه جبريل (٥).

стр. 558

فقول الأشعري هذا لا يستقيم أنه عبارة عن كلام الله. وقول الأشعري: إن المفهوم من هذا الكلام كلام الله فغير صحيح لأن مفهوم كل إنسان معه ولا سبيل للخلق (١) إلى العلم بفهم ما في نفس الباري سبحانه، قال الله تعالى ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِك﴾ (٢). ولأن ما في النفس لا يسمى كلاماً حقيقة وإنما يسمى حديث نفس (٣). بدليل: أن رجلاً لو حلف بطلاق امرأته أن لا يتكلم فحدث نفسه بشيء أو نظم في نفسه كلاماً لم تطلق امرأته بإجماع الفقهاء، فدل ذلك على أن حقيقة الكلام هو المسموع المفهوم، ولا يكون ذلك إلا بحروف وصوت. ويقال الأشعري إذا قرأ آية ن كتاب الله أهذا كلام أم كلامان (٤) فإن قال بل

стр. 559

كلام، قيل له: أهو كلام الله أم كلامك؟ فإن قال: كلام الله رجع إلى ما عليه أهل الحق، وإن قال بل كلامي بان كفره لأنه خلاف المسلمين، وإن قال: كلامي أعبر به عن كلام الله. قلنا له: فكلام الله قديم (١) وكلامك محدث، فميزنا لنا كلامك لنوقع عيه الحدث (٢) عن كلام الله لنسميه قديماً، ولا سبيل له إلى ذلك بالجملة. ويقال للأشعري: ما القرآن الذي جاء به النبي ﷺ وادعى أنه كلام ربه، فقال: "من ينصرني حتى أبلغ كلام ربي" (٣)، وجعله الله معجزة لنبي ﷺ ودليلاً على صحة نبوته، أهو كلام الله القائم بذاته أم هو هذه السور والآيات؟. فإن قال هو هذه السور والآيات رجع إلى الحق وإلى ما عليه كافة المسلمين، وإن قال: بل هو المعنى القائم بذات الله، قيل له: فإن هذا ما جاء به النبي ﷺ ولا سمعه عندك (٤)، فكيف يكون معجزة له وكان للعرب أن يقولوا: إن هذا الكلام القائم بذات الله لم نسمعه فكيف تأتي بسورة من مثله، وإنما نأتي بمثل ما سمعناه (٥).

стр. 560

ويقال للأشعري: قد أقررت بأن لله سمعاً وبصراً وعلماً وقدرة وحياة وكلاماً لتنفي عنه ضد هذه الصفات، فلما كان السمع الذي أثبته لله هو السمع المعهود في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات وكذلك ضجه المنفي عنه هو المعهود في كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبته لله هو المعهود في كلام العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك

стр. 561

المعلومات، وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي وهو الخرس المعهود عندهم، فأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال. ولا يلزم على ما قلنا إذا أثبتنا لله كلاماً بحرف وصوت أن يثبت له آلة الكلام، لأنه لا يتأتى الكلام بذلك إلا من له آلة الكلام، لأنا قد أثبتنا نحن والأشعري لله السمع والبصر والقدرة وإن لم نصفه بأن له آلة ذلك، وعلى أن الله سبحانه قد أخبر أن السموات والأرض قالتا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١)، وأخبر أن جهنم تقول ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢) وأخبر أن الجوارح تنطق يوم القيامة بالشهادة (٣). وأخبر النبي ﷺ أن الذراع المشوية أخبرته أنها مسمومة (٤).

стр. 562

وشيء من هذا كله لا يوصف بأن له آلة الكلام فبطل قوله بذلك. وهذه أخبار رويت عن السلف: قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵀ يقول: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي" (١). وقال أحمد بن حنبل: "اللفظية جهمية قال الله ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه﴾ ممن يسمع" (٢). قال ابن جرير (٣): "سمعت جماعة يحكون عن أحمد بن حنبل أنه قال: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع" (٤). وسئل إسحاق بن راهويه (٥) عن الرجل يقول: "القرآن ليس بمخلوق ولكن قراءتي إياه مخلوقة لأني أحكيه وكلامي مخلوق، فقال إسحاق: "هذه بدعة لا يقر على هذا حتى يرجع عنه" (٦). قال أبو عبيد القاسم بن سلام (٧): "كلام الله ليس بداخل في شيء من كلام الناس ولا مختلط به ولو كان يشبه (٨) في شيء من الحالات لكان القرآن

стр. 563

يقطع الصلاة لأن كل متكلم في صلاته قاطع لها، ولو قال رجل: والله لا تكلمت اليوم بشيء وقرأ القرآن لم يحنث" (١). وروي أن رجلاً سأل محمد بن إسماعيل البخاري فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟، فقال: "القرآن كلام الله غير مخلوق"، فقال: إن الناس يزعمون أنك تقول ليس في المصحف قرآن ولا في صدور الناس، فقال: "أستغفر الله أن يشهد علي بما لم يسمع مني أني أقول كما قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ أقول في المصاحف قرآن، وفي صدور الناس (٢) قرآن، فمن قال: غير هذا فيستتاب فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر" (٣). وروي عن محمد بن جرير أنه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق كيف كتب وتلي وفي أي موضع وجد في اللوح المحفوظ أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسوماً بحجر أو في رق أو في (٤) القلب حفظ، فمن قال غير هذا أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء غير الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا أو اعتقد ذلك بقلبه فهو بالله كافر حلال الدم برئ من الله والله برئ منه قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فأخبر سبحانه أنه في اللوح المحفوظ وأنه مسموع من لسان محمد ﷺ وهو قرآن واحد" (٥). فهؤلاء الأئمة نقلة الأخبار والاثار، الذين شهروا بالعلم والفضل، ولو تتبعت ذكر من قال بهذا أو صرح بكفر من قال بخلق القرآن وبكفر من

стр. 564

قال بأن هذا المتلو عبارة عن القرآن لطال الكتاب، وفيمن ذكرته منهم مقنع (١).

стр. 565

وسئل أحمد بن حنبل عمن قال القرآن كلام الله ووقفوا وقالوا لا نقول إنه مخلوق ولا غير مخلوق، فقال: "هم شر ممن قال القرآن مخلوق لأنهم شكوا في دينهم" (١) ثم قال: "لولا ما وقع فيه الناس كان يسعهم السكوت ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون" (٢). ومعنى قوله: لما أحدث الناس الكفر بالقول بحلق القرآن لم يسع العلماء إلا الرد عليهم والتصريح بالقول بضد قولهم بأنه غير مخلوق بلا شك ولا توقف (٣). فمن وقف كان شاكاً في دينه.
следующие страницы →