← Секты и опровержения

Секты и опровержения · id 7361

الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار

العمراني

Полный текст (912 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

المعلومات، وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي وهو الخرس المعهود عندهم، فأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال. ولا يلزم على ما قلنا إذا أثبتنا لله كلاماً بحرف وصوت أن يثبت له آلة الكلام، لأنه لا يتأتى الكلام بذلك إلا من له آلة الكلام، لأنا قد أثبتنا نحن والأشعري لله السمع والبصر والقدرة وإن لم نصفه بأن له آلة ذلك، وعلى أن الله سبحانه قد أخبر أن السموات والأرض قالتا ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ (١)، وأخبر أن جهنم تقول ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ (٢) وأخبر أن الجوارح تنطق يوم القيامة بالشهادة (٣). وأخبر النبي ﷺ أن الذراع المشوية أخبرته أنها مسمومة (٤).

стр. 562

وشيء من هذا كله لا يوصف بأن له آلة الكلام فبطل قوله بذلك. وهذه أخبار رويت عن السلف: قال الربيع بن سليمان: سمعت الشافعي ﵀ يقول: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق أو القرآن بلفظي مخلوق فهو جهمي" (١). وقال أحمد بن حنبل: "اللفظية جهمية قال الله ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّه﴾ ممن يسمع" (٢). قال ابن جرير (٣): "سمعت جماعة يحكون عن أحمد بن حنبل أنه قال: "من قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال إنه غير مخلوق فهو مبتدع" (٤). وسئل إسحاق بن راهويه (٥) عن الرجل يقول: "القرآن ليس بمخلوق ولكن قراءتي إياه مخلوقة لأني أحكيه وكلامي مخلوق، فقال إسحاق: "هذه بدعة لا يقر على هذا حتى يرجع عنه" (٦). قال أبو عبيد القاسم بن سلام (٧): "كلام الله ليس بداخل في شيء من كلام الناس ولا مختلط به ولو كان يشبه (٨) في شيء من الحالات لكان القرآن

стр. 563

يقطع الصلاة لأن كل متكلم في صلاته قاطع لها، ولو قال رجل: والله لا تكلمت اليوم بشيء وقرأ القرآن لم يحنث" (١). وروي أن رجلاً سأل محمد بن إسماعيل البخاري فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في القرآن؟، فقال: "القرآن كلام الله غير مخلوق"، فقال: إن الناس يزعمون أنك تقول ليس في المصحف قرآن ولا في صدور الناس، فقال: "أستغفر الله أن يشهد علي بما لم يسمع مني أني أقول كما قال الله تعالى: ﴿وَالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ أقول في المصاحف قرآن، وفي صدور الناس (٢) قرآن، فمن قال: غير هذا فيستتاب فإن تاب وإلا فسبيله سبيل الكفر" (٣). وروي عن محمد بن جرير أنه قال: "القرآن كلام الله غير مخلوق كيف كتب وتلي وفي أي موضع وجد في اللوح المحفوظ أو في ألواح صبيان الكتاتيب مرسوماً بحجر أو في رق أو في (٤) القلب حفظ، فمن قال غير هذا أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء غير الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا أو اعتقد ذلك بقلبه فهو بالله كافر حلال الدم برئ من الله والله برئ منه قال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ فأخبر سبحانه أنه في اللوح المحفوظ وأنه مسموع من لسان محمد ﷺ وهو قرآن واحد" (٥). فهؤلاء الأئمة نقلة الأخبار والاثار، الذين شهروا بالعلم والفضل، ولو تتبعت ذكر من قال بهذا أو صرح بكفر من قال بخلق القرآن وبكفر من

стр. 564

قال بأن هذا المتلو عبارة عن القرآن لطال الكتاب، وفيمن ذكرته منهم مقنع (١).

стр. 565

وسئل أحمد بن حنبل عمن قال القرآن كلام الله ووقفوا وقالوا لا نقول إنه مخلوق ولا غير مخلوق، فقال: "هم شر ممن قال القرآن مخلوق لأنهم شكوا في دينهم" (١) ثم قال: "لولا ما وقع فيه الناس كان يسعهم السكوت ولكن حيث تكلموا فيما تكلموا لأي شيء لا يتكلمون" (٢). ومعنى قوله: لما أحدث الناس الكفر بالقول بحلق القرآن لم يسع العلماء إلا الرد عليهم والتصريح بالقول بضد قولهم بأنه غير مخلوق بلا شك ولا توقف (٣). فمن وقف كان شاكاً في دينه.

стр. 566

وقال هارون بن أبي علقمة (١): سمعت عبد الملك بن عبد العزيز الماجشون (٢) وغيره من علماء المدينة يقولون: "من وقف في القرآن بالشك فهو كافر وهو مثل من قال بخلق القرآن" (٣). وقال محمد بن مسلم (٤)، قال أبو مصعب (٥): "من قال: القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال لا أدري أنه مخلوق أو غير مخلوق فهو مثله وشر منه"، فذكرت له رجلاً كان يظهر مذهب مالك فقلت إنه أظهر الوقف، فقال: "لعنه الله ينتحل مذهبه وهو بريء منه"، فذكرت ذلك لأحمد بن حنبل فسر به وأعجبه (٦).

стр. 567

٩٨ - فصل وقد لبست القدرية على من لا يعرف الأصول واستدلوا على خلق القرآن بقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (١) فقالوا: نقول إن القرآن محدث يفنى ويذهب كما تفنى سائر المحدثات، ولا نقول إنه مخلوق لأن الخلق يقع على الكذب قال الله تعالى: ﴿إِنْ هَذَا إِلاّ اخْتِلاقٌ﴾ (٢) أي إلا كذب، و قال سبحانه: ﴿إِنْ هَذَا إِلاّ خُلُقُ الأوَّلِينَ﴾ (٣) أي إلا كذب الأولين (٤). وهذا منهم تمويه على من لا خبرة له بمذهبهم ومعنى الحدث معنى الخلق عند المتكلمين، وقد ذكرت قبل هذا أن تحقيق مذهبهم وقولهم فيما سمع منهم (٥) من القرآن أنه خلق لهم كسائر كلامهم (٦). وأما استدلالهم بالآية قلنا عن ذلك أجوبة: أحدها: أن نقول: إنه لا يرد بالذكر هاهنا القرآن، لأن كل ذكر في القرآن أراد به القرآن فإنه معروف بالألف واللام أو ممدوح أو موصوف بأنه منزل ليفرق بينه وبين غيره بالذكر، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (٧) وقال: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (٨). وقال: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ﴾ (٩)، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ

стр. 568

الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاس﴾ (١)، وقال: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ﴾ (٢)، وقال ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ (٣)، فذكر الذكر في هذه الآية مُنَكَّراً (٤) إلا أنه مدحه بالبركة ووصفه بأنه منزل ليدل على أنه القرآن. وفي هذه الآية التي استدلوا بها ذكر منكر ولم يمدحه إلا وصفه بأنه منزل ليدل على أنه غير القرآن فيحمل على أحد معنيين: إما على النبي ﷺ لأن الله سماه ذكراً بقوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُم﴾ (٥)، ويدل على هذا التأويل أنه قال: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ﴾ فذكر أن الذكر يأتيهم، والذي يأتيهم بنفسه هو النبي ﷺ في المواعظ والتخويف من كلامه لا من كلام الله (٦)، ويدل على هذا أن قريشاً كانوا إذا سمعوا القرآن

стр. 569

قسموا آراءهم فيه، ولم يقابلوه بالضحك (١) واللعب. فدل على أن الذي ضحكوا منه ولعبوا هو ذكر غير القرآن (٢). والجواب الثاني أن يقال: لو سمعنا أنه أراد بالذكر هاهنا القرآن لم يجب كونه مخلوقاً لوصفه بالمحدث لأن المحدث ضد القديم، وقد أخبر الله سبحانه عن بعض المخلوقات أنه قديم بقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ (٣)، فلما جاز في (٤) المخلوقات ما سمى قديماً كان في القديم ما يسمى محدثاً ولا يكون مخلوقاً. والجواب الثالث: إن المحدث يقع في اللغة على الواضح الجلي، ولهذا تقول العرب: أحدث السَيْقَل (٥) السيف والمرآة إذا جلاهما، وقال جرير (٦): ضربت عند الأمام فاُرعشت … يداك وقالوا محدث غير صارم (٧) أي جلي غير قاطع.

стр. 570

والجواب الرابع: أن المحدث قد يراد به المظهر ولا يراد به المخلوق بدليل ما أخبر الله عن الخضر أنه قال لموسى ﵊: ﴿فَلا (١) تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ (٢) يعني أظهر وأبدي لا أخلق. وقال النبي ﷺ : "إن الله يحدث من أمره شيئاً وإن مما أحدث الله أن لا تتكلموا في الصلاة" (٣).

стр. 571

ومن تمويه القدرية في الاستدلال على أن القرآن مخلوق أن قالوا: ق سمى الله القرآن أمراً بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ﴾ (١)، وقال في آية أخرى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ (٢)، ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ (٣). والمفعول والمقدور عبارة عن المخلوق (٤). والجواب أنه لم يرد بالأمر هاهنا قوله، وإنما أراد به ما أحدثه الله في الأرض من الأمور، وهو نكاح النبي ﷺ لامرأة زيد بن حارثة (٥)، وعقوبته لأهل السبت من اليهود (٦) لأن العرب تسمي الشيء باسم سببه فلا مُكَوَنَ ولا مفعول إلا بأمر الله وهو قوله للشيء (كن فيكون)، والفعل يسمى أمراً. قال الشاعر: فقلت لها أمري إلى الله كله … وإني إليه في الإياب لراجع (٧) يريد فعلي وشأني، وهذا الأمر يجمع أموراً، والأمر من القول يجمع أوامر (٨). وهذا يدل على أن أمر الله الذي هو القول ليس بمخلوق قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالأرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ (٩) أي بقوله، فلو كان أمره يقوم بأمر غيره لأدى ذلك إلى ما لا يتناهى وذلك محال. واستدلوا أيضاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ (١٠) والجعل عبارة عن

стр. 572

الخلق لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً﴾ (١). والجواب: أن الجعل في القرآن يعبر به عن الخلق، ويعبر به عن التسمية وهو المراد هاهنا قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثاً﴾ (٢) أي سموهم، وذلك قوله تعالى: ﴿وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً﴾ (٣) وأراد به سموه كفيلاً. وقد قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ﴾ (٤) ولم يرد ما خلقها، وإنما أراد ما سماها، فبطل أن يكون كل جعل في القرآن عبارة عن الخلق (٥). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٦) والقرآن شيء فوجب أن يكون مخلوقاً (٧).

стр. 573

والجواب أن نقول: إن القرآن صفة لله سبحانه، وقد سمى الله نفسه شيئاً بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ (١)، فلما لم تكن ذات الله سبحانه داخلة في جملة المخلوقات، لم يكن القرآن الذي هو صفة له داخلاً في المخلوقات (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (٣)، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ (٥)، فلما سوى الله بين القرآن وبين الحديد والماء في الإنزال دل على أن حكم الجميع في الخلق واحد (٦). والجواب أن يقال: لا يمتنع أن يتفق الشيئان في الاسم لمعنى ويختلفان في الصفة لمعنى، ألا ترى أن الله سبحانه يوصف بالوجود والإنسان وغيره من الأجسام يوصف بالوجود وإن اختلفا في الخلق والجسمية (٧) وغيرهما، ويوصف الله أنه حي عالم قدير بصير سمين ويوصف الإنسان بذلك وإن اختلفا في الخلق والجسمية، ولم يكن الحديد والماء مخلوقين لكونهما

стр. 574

منزلين (١) ولو جاز لهم ذلك لجاز لغيرهم أن يدعي أن القرآن جسم كالحديد والماء لاجتماع الجميع بالوصف بالإنزال (٢). استدلت القدرية والمعتزلة بقوله: لما كان القرآن حروفاً متغايرة يدخلها التعاقب والترتيب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون من المتكلم ومن له آلة الكلام ومن كان بهذه الصفات لا يجوز أن يكون صفة لله فثبت أنه مخلوق (٣).

стр. 575

فضاق بالأشعري وابن كلاب النفس عن الجواب عن هذا، فوافقوهم أن هذا القرآن المتلو مخلوق كما قالوا، وادعوا أن هاهنا (١) قرآناً قديماً يوصف بأنه كلام الله ينتفي عنه ضده (٢) وهو المعنى القائم بنفسه فهم قائلون بخلق القرآن الذي لا يعرف المعتزلة ولا غيرهم من المسلمين قرآناً غيره. وادعت الأشعرية قرآناً وكلاماً لله لا يعقل ولم يسبقهم إلى هذا القول أحد من أهل الملل والنحل فردهم على المعتزلة بخلق القرآن تمويه وتستر بقول أصحاب الحديث، وهو مذهب مسقف باطنه الاعتزال وظاهره التستر (٣). وأما الجواب عما أورده من الاستدلال فمن وجوه: أحدها: أن يقال لهم جميعاً: ما الدليل على أن الكلام إذا كان ذا تأليف وترتيب كان مخلوقاً، فإنهم لا يجدون عليه دليلاً من كتاب الله ولا من سنة رسول الله ﷺ ولا من الإجماع ممن قبلهم من أهل العلم، فإن قالوا: لأنه (٤) بصفة كلام المخلوقين، قلنا لهم، فليس اجتماع الشيئين في صفة يدل على اجتماعها في جميع الصفات، فيلزمكم أن لا تصفوا الله بأنه متكلم لهذا المعنى (٥) كما قالت المعتزلة، ويلزم المعتزلة أن لا يصفوا الله بأنه موجود ولا شيء لأن ذلك صفات للمحدثات (٦).

стр. 576

والجواب الثاني أن يقال لهم: قد ورد الشرع بأن كلام الله مرتب، قوله تعالى ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (١) وثم للترتيب في كلام العرب، ودليل العقل إذا خالف القرآن وجب تقديم دليل الكتاب على دليل العقل. والجواب الثالث: أن أزمان المخلوقات مترتبة شيء بعد شيء، وقد أخبر الله سبحانه أنه يقول لكل شيء إرادة منها (كن) فقال سبحانه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (٢)، فأخبر أنه قال لعيسى بعد خلقه لآدم (كن) فمن قال: إنه لم يقل لكل واحد منهما عند خلقه (كن) فقد رد على الله خبره. والجواب الرابع: أن يقال لهم إنما وقع الترتيب في القرآن ويسره الله على على ألسنتنا عن النطق بغير هذا الترتيب لقوله سبحانه: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ (٣)

стр. 577

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ (١) ولا يقضي بأنه وقع مرتباً على هذا الترتيب من الله (٢)، فلا يجوز لذلك أن نقول إنه مخلوق. وأما قولهم إن النطق بالحروف والأصوات لا يكون إلا ممن تكون له آلة الكلام، فغير صحيح. وقد بينا أن الكلام قد (٣) وجد ممن لا يوصف بآلة الكلام وهو السموات

стр. 578

والأرض وأعضاء بني آدم والذراع المشوية (١)، فبطل بذلك قولهم واستدلالهم. احتجت الأشعرية بأن قالوا: لما كان سمعه بلا انخراق أذن، وبصره بلا انفتاح حدقه، وعلمه بلا فكر وجب أن يكون كلامه بلا صوت ولا حرف (٢). والجواب: أن هذا جمع بغير معنى جامع، وعلى مقتضى دليلكم هذا أن يقال لما كان سمعه بلا انخراق أذن، وبصره بلا انفتاح حدقه، وجب أن يكون كلامه بلا جارحة (٣)، وهكذا نقول (٤). احتجت الأشعرية بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٥)، وبقوله تعالى: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُم﴾ (٦)، ويقول الرجل في نفسي كلام، فدل على أن ما في نفس الإنسان يسمى قولاً (٧).

стр. 579

والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنا نعارضه بقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (١)، وكذلك قوله تعالى: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (٢)، وكذلك قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾ (٣)، فأخبر في هذه الآيات أنهم قالوا بألسنتهم قولاً لم يقولوه بقلوبهم، ولم يخبر في هذه الآية التي احتجوا بها أنهم لم (٤) يقولوا بألسنتهم ما قالوه بقلوبهم، فيجوز أن يكون المراد بالآية التي احتجوا بها أنهم زوروا قولاً بأنفسهم وقالوه بألسنتهم فسمى المزور بقلوبهم قولاً لهم لأنه يؤول (٥) إلى القول باللسان كما قال تعالى: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً﴾ (٦) فسمى العصير خمراً لأنه يؤول إليه. والجواب الثاني: يجوز أن يكون معنى قوله: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ (٧) أي قالوه بألسنتهم أسر به بعضهم إلى بعض كقوله تعالى: ﴿فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ (٨) أي يسلم بعضكم على بعض (٩) كقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (١٠) أي لا يقتل بعضكم بعضاً (١١)، والدليل عليه: أن الآية (١٢). وردت في اليهود،

стр. 580

وذلك أن قوماً منهم قالوا: اذهبوا بنا إلى محمد ﷺ فنشتمه علامية كما نشتمه في السر لننظر هل يعذبنا الله على ذلك، فجاءوا إليه فقالوا السام عليك يا محمد، يريدون الموت عليك، فقال النبي ﷺ وعليكم، فقالت عائشة ﵂: السلام عليكم يا إخوة القردة والخنازير، فقال النبي ﷺ : يا عائشة عليك بالرفق فإنه ما وضع في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه أما سمعتني قد قلت: وعليكم، فأنزل الله ﴿وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ (١). فسمى الله كلامهم بألسنتهم قولاً لهم وتوعدهم عليه بجهنم، فدل على أنه هو القول حقيقة وما في النفس لا يسمى قولاً ولا كلاماً، وإنما يسمى حديث نفس ولا يتعلق به حكم. ولهذا روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به نفسها ما لم تتكلم به" (٢)، فنفى أن يكون حديث النفس كلاماً.

стр. 581

والجواب الثالث: أن حديث التفس لا يسمى كلاماً ويدل عليه شيئان: أحدهما: أنه لو حلف رجل أن لا يكلم هذا اليوم فجلس يزور الكلام في نفسه وينظمه لم يحنث في يمينه، ولو نوى طلاق امرأته وعتق عبده لم يحكم عليه بطلاق ولا عتاق. الثاني: أنه لو كان كلاماً لما صح نفيه عن الكلام بان تقول ما تكلمت وإنما وردت ذلك في نفسي. والجواب الرابع: لو كان ما في النفس كلاماً لكان الساكت أو الأخرس إذا زور في نفسه كلاماً سمى متكلماً فيؤدي إلى كونه أخرس متكلماً أو متكلماً ساكتاً في حالة واحدة وهذا محال. والجواب الخامس: أن الله أخبر عن السماء والأرض أنهما قالتا ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾، وأخبر عن الجوارح أنها تنطق يوم القيامة، وأخبر عن جهنم أنها تقول ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾، وأخبر النبي ﷺ أن الذراع المشوية أنها قالت: (إني مسمومة فلا تأكلني)، وجميع ذلك ليس له نفس فعلم أن الكلام يتصور وجوده ممن لا نفس له (١). ويقال للأشعرية: قد قلتم إن كلام الله شيء واحد لا يتبعض، وقلتم: إن كلام الله ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وهذه المعاني متغايرة متعددة وكذلك قلتم: إن لله صفات متعددة، وهي العلم والإرادة والحياة والقدرة والسمع والبصر والكلام، فلم نفيتم أن يكون القرآن ذو السور والآيات كلاماً لله حقيقة لكونه متعدداً مترتباً. فإن قالوا إنما ينقسم الكلام إلى الأمر والنهي والخبر والاستخبار في القرآن الذي هو عبارة وحكاية عن كلام الله القائم بذاته، ولا ينقسم الكلام القائم بالذات إلى هذه المعاني (٢)، قيل لهم: من شرط العبارة والحكاية أن

стр. 582

تؤدي معنى المعبر عنه وإن كان المعنى القائم شيئاً واحداً فمن المعبر عنه بهذه (١) العبارة المفهومة وكيف تعلقت الأحكام بالعبارة دون المعبر عنه وبالمعنى دون المَعْني (٢).

стр. 583

وأيضاً فإن في القرآن ما يحتاج في فهم معناه إلى كلام أو ضح منه وهو الحروف في أوائل السور، الم، كهيعص، حم، وما أشبهه فإن كان ذلك عبارة عن كلام الله القائم بذاته (١) فهلا عبر عنه بكلام أبين منه، وهذا باطل بقوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ (٢)، فوصف (الر) بأنه الكتاب المبين. ويقال للأشعرية: هل أسمع الله موسى وأفهمه جميع كلامه أو بعض كلامه فإن قالوا: أفهمه وأسمعه جميع كلامه، فقد جعلوا موسى عالماً بما في نفس الله وعالماً بالغيب، وقد أخبر سبحانه أنه لا يعلم ما في نفسه أحد، ولا يعلم الغيب إلا هو، وأخبر سبحانه أنه لو كان البحر مداداً لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات الله، ويؤدي قولهم هذا أن موسى ﵇ قد فهم التوراة والإنجيل والفرقان، وأن المشروع بالقرآن والإنجيل كان مشروعاً على بني إسرائيل وهذا باطل بالإجماع. وإن قالوا: أسمع ﵇ وأفهمه ما شاء من كلامه، رجعوا إلى ما عليه أهل الحق وأن كلام الله ليس بشيء واحد. وإن قالوا لم يسمع الله موسى كلامه القائم بذاته وإنما أسمعه العبارة عن كلامه وهي التوراة، أدى قولهم هذا إلى معان فاسدة، منها أن الله سبحانه بعض (٣) عن كلامه، ولو جاز هذا لقيل فيجوز أن يكون لعبارته عن كلامه عبارة عنها إلى ما لا يتناهى. ومنها أن موسى يخرج عن أن يسمى كليم الله، وهذا ترك ورد لما ورد به نص القرآن وأجمع عليه المسلمون، ورجعوا بذلك إلى قول المعتزلة الذين هم حوله يدرون وعليه يعولون، وهو أن الله ما كلم موسى وإنما خلق كلاماً في الشجرة أسمعه موسى ﵇.

стр. 584

٩٩ - فصل وقد ألزم الغزالي في الاقتصاد الأشعرية ونفسه لأهل الحديث إلزامات حسنة صحيحة، وأجاب عنها بأجوبة فاسدة. منها: إن قال قائل كيف سمع موسى ﷺ كلام الله تعالى؟. فإن قلتم سمع صوتاً وحرفاً، فإذا لم يسمع كلام الله، لأن كلامه ليس بصوت ولا حرف، وإن قلتم لم يسمع صوتاً وحرفاً فكيف سمع ما ليس بحرف ولا صوت، وهذا إلزام صحيح. فأجاب عنه على قوله وقول الأشعرية وقال: سمع موسى كلام الله، وهو صفة قديمة بذات الله ليس بحرف وصوت، فقول من قال: كيف سمع ذلك كقول القائل: كيف أدركت بحاسة الذوق حلاوة السكر، وهذا القول (١) لا يستند إلى شفاية إلا بأن نسلم سكراً إلى هذا السائل حتى يذوقه فيدرك طعمه وحلاوته، وكذلك نقول لهذا السائل: لا يمكن شفاؤك إلا بأن تسمع كلام الله القديم، وهو متعذر لأن ذلك من خصائص الكليم فنحن لا نقدر على استماعه أو تشبيه (٢) ذلك بشيء من مسموعاته التي ألفها، و الأصوات (٣) لا تشبيه ما ليس بأصوات فيتعذر تفهيمه، فعلم أن هذا السؤال محال، هذا معنى قوله ومعتمده فيما أجاب (٤). ولنا عن هذا أجوبة: أحدها أن يقال: ما المعنى الجامع بين فهم حلاوة السكر، وفهم سماع موسى لكلام الله، ومحال أن يكون فهم حلاوة السكر وغيره من الطعوم المعتادة غير معلوم من غير ذوق.

стр. 585

والجواب الثاني: أن يقال لو كان فهم سماع موسى لكلام الله محالاً عند النبي ﷺ وعند الخلق، لما أخبر الله بذلك بكتابه لأنه لا يخبر بالمحال ومما لا يعقل، فإن الله أخبر نبيه ﷺ بذلك ليدل على فضيلة موسى ﷺ ، فلو كان غير معقول ولا معلوم عند الخلق لما علموا فضيلته. والجواب الثالث: أن يقال قولك إن الله أسمع موسى بغير حرف ولا صوت مخالف لما أخبر الله عن ذلك بكتابه فقال: ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (١)، فأمر الله بالاستماع إلى ما يوحى، والاستماع عند العرب لا يكون إلى صوت وحرف، ولا يكون الاستماع إلى الصفة القائمة بالذات لأن ذلك لا يعقل، ألا ترى أنه لو قال استمع إلى بصر الله وسمعه وحياته وقدرته لكان ذلك محالاً من الكلام وهي صفات قائمة بالذات، وأيضاً فإن الله أخبر عما أمره بالاستماع إليه فقال: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ فجمع بالآية بين الإخبار بأنه لا إله إلا هو، وأن الساعة آتية وأنه يخفيها وتجزي كل نفس بما تسعى، وبين أمره له بالعبادة وإقامة الصلاة لذكره، وهذه معان مختلفة. فإن قال: ليس في هذا كله دليل على أن الله أسمعه هذا الكلام على هذا النظم، قلنا: إذا لم يكن في هذا دليل على أنه أسمعه هذا النظم لم يكن قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ (٢) دليلاً على أنه كلمه ولا أنه كليمه. إلزام واعتراض ذكره الغزالي أيضاً في الاقتصاد. إن قال قائل: هل كلام الله حال في المصحف أم لا، فإن كان حالاً فكيف حل القديم في المحدث، إن قلتم لا فهو خلاف الإجماع (أن في

стр. 586

المصحف قرآن) بدليل أنه يحرم على المحدث مسه. فأجاب عن هذا وقال: كلام الله مكتوب في المصاحف محفوظ في القلوب مقروء بالألسنة، فأما الكاغد والحبر والكتابة والحرف والصوت فكلها حادثة. فإذا قلنا: إنه مكتوب في المصاحف أعني صفة القديم لم يلزم أن يكون القديم في المصحف، كما إذا (١) قلنا النار مكتوبة لم يلزم أن تكون ذات النار حالة فيه فالنار جسم حار، وعليه دلالة هي الأصوات المقطعة تقطيعاً يحصل منه النون والألف والراء، فالحار المحرق ذات النار لا نفس الدلالة، والحروف أدلة القرآن وللأدلة حرمة إذ جعل (٢) الشرع لها حرمة، لأن ما فيها دال على صفة الله (٣) هذا تحقيق قوله (٤). والجواب أن يقال: أما قولك إنه (٥) حال في المصحف عبارة غير مرضية، لأن الحلول صفة الأجسام يقال حل يحل بالمكان بضم الحاء في المستقبل إذا نزل به، وحل الدين يحل بكسر الحاء في المستقل إذا وجب (٦)، وحل

стр. 587

الشيء يحل بكسر الحاء إذا حل (١) فعله، وإنما يقال القرآن موجود (٢) في المصاحف ومكتوب ومسطور. وأما قوله إن الكاغد والحبر محدثان فلا ينكر ذلك وليس الحرف هو نفس الحبر ولا نفس الكاغد. وأما قوله: إن القرآن مكتوب في المصاحف محفوظ بالقلوب مقروء بالألسنة، فإن أراد بذلك القرآن الذي هو كلام الله حقيقة قلنا هذا صحيح وبطل أن يكون لله كلاماً قائماً بذاته لا يفارقه وكان هذا قول أصحاب الحديث. وإن أراد بذلك العبارة عن القرآن الذي هو قائم بذات الباري كان قوله هذا قولاً فارغاً لا معنى تحته غير التستر بقول أصحاب الحديث، وعليه يدل قوله إن القرآن مكتوب في المصاحف، لأنه لو صرح وقال ليس القرآن مكتوباً في المصاحف، وإنما المكتوب به أدلة القرآن لكان مخالفاً لما عليه أدلة (٣) المسلمين ولكنه سقّف (٤) قوله. والأشعرية قدموا رِجلاً إلى الاعتزال ووضعوها حيث وضعت المعتزلة أرجلهم، وأموا بالرجل الأخرى إلى حيث وضع أهل الحديث أرجلهم (٥)، وهذا مثال عقلي يفقهه من فهم قولهم.

стр. 588

ومن إلزامات الغزالي في الاقتصاد قوله: إن قال قائل هل القرآن (١) كلام الله أم لا، فإن قلتم لا فقد خرقتم الإجماع، وإن قلتم نعم فما هو سوى الحروف والأصوات. فأجاب عن هذا وقال ها هنا ثلاثة ألفاظ قراءة ومقروءة وقرآن. أما المقروء فهو كلام الله القائم بذاته، وأما القراءة فهي عبارة القارئ، وأما القرآن فهو اسم مشترك يقع على صفة الله وهو الكلام بذاته وهو الذي أراده السلف بقولهم القرآن غير مخلوق، ويقع على القراءة التي هي أفعال القارئ وهي مخلوقة (٢)، هذا تحرير قوله. والجواب أن يقال له: قد أقررت أن القرآن هو هذه السور والآيات، ودعواك أن المقروء هو كلام الله القائم بذاته، غير مسلم ولا دليل له على ذلك من كتاب ولا من سنة ولا إجماع، بل إجماع السلف أن لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو الذي جعله الله معجزة لنبيه ﷺ أن لا قرآن إلا هذا المسموع المتلو الذي جعله الله معجزة لنبيه ﷺ وشاهداً على صدقه وعلق عليه الأحكام فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ (٣)، والعرب لا تشير بقولهم (هذا) إلا إلى شيء موجود ومدعى قرآن لا لغة فيه جاهل غبي، وأما قراءة القارئ فهو تحريكه آلته وفعله المسموع المفهوم هو القرآن المجمع عليه، وأما القائم بذات الله فلا سبيل لأحد إلى العلم به ولا إلى العبارة عنه. وأيضاً فإن ذات الله ليست بمحل أن تقوم بها المعاني، والقائل بذلك مشبه (٤)، لأن الله لا يسمى إلا بما سمى به نفسه أو سماه به نبيه ﷺ أو

стр. 589

أجمع المسلمون على التسمية به، وهذه التسمية خارجة عن ذلك كله فكانت باطلة (١). ومن إلزامات الغزالي في الاقتصاد قوله: إن قال قائل أجمعت الأمة على أن القرآن معجزة للنبي ﷺ ، وأنه كلام الله وأنه سور وآيات ولها مقاطع ومفاتح، وكيف يكون للقديم مقاطع ومفاتح، وكيف يكون القديم معجزة الرسول ﷺ ، والمعجزة: فعل خارق للعادة، وكل فعل مخلوق (٢). فأجاب عن هذا بجواب تحريره ما مضى، أن القرآن اسم مشترك بين المقروء وبين الدال عليه وكلما وصفوه مما لا تحتمله الصفة القائمة، فإن (٣) المراد به العبارات الدالة عليه، وكذلك السماع الذي قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ (٤)، فالمراد به العبارة الدالة على الصفة القائمة، وسماع موسى هو كان إلى الصفة القائمة بذات الله وإلا لم يكن لموسى فضيلة على المشركين إذا كان مسموعهم واحد (٥). والجواب أن نقول: لا نسلم أن المراد بالقرآن وبقول الله وبكلام الله في جميع الإطلاقات إلا (٦) هذا المسموع المفهوم المتلو. والدليل على ذلك نص

стр. 590

الكتاب والسنة وإجماع الأمة والعقل، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ﴾ (١)، وقال في آية أخرى: ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ﴾ (٢)، وقال في آية أخرى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ (٣)، وقال في ثلاث آيات من البقرة: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَة﴾ (٤)، ولا يجوز أن يقال قال الله ما لم يقله حقيقة. وأما السنة فالخبر الذي مضى ذكره أن النبي ﷺ قال: "إن الله قرأ طه ويس قبل أن يخلق الخلق بألفي عام" (٥)، وقد ذكره الغزالي في الإحياء وهو مشهور بالسنن فأخبر النبي ﷺ أنه قرأ سورتين. وأما الإجماع فإن أحداً من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من العلماء إلى أن حدث ابن كلاب والأشعري ومن تابعهما أطلقوا اسم القرآن على هذه السور والآيات، وقالوا من قال بخلقه فهو كافر، وقد كان حدث الكلام في خلقه ولا يعرف أحد القرآن القائم بذات الله حتى أحدث ذلك ابن كلاب (٦). وأما دليل العقل: فإنا نقول لهم لم قلتم: إذا كان القرآن سوراً وآيات وله (٧) فواتح وخواتم كان مخلوقاً، فإن قالوا لأن هذا صفة الكلام المخلوق لبني آدم، قلنا لهم: هذا جمع بين الشاهد والغائب من غير دليل ومعنى موجب للجمع بينهما ولو كان هذا صحيحاً، قلنا: إن الله فاعل للأشياء

стр. 591

ورأينا في الشاهد أن كل فاعل جسم لا تجد فاعلاً غير جسم أن نقول بأن الله جسم لذلك (١)، وأيضاً فإن العقل إذا أدى إلى خلاف ما في الكتاب والسنة والإجماع وجب تقديم هذه الأدلة على العقل، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ (٢)، الآية. وقال: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ (٣)، وقد بينا أن القرآن والسنة والإجماع دل كل (٤) واحد منهما (٥) أن القرآن هو هذه السور والآيات (٦) دون ما تدعي الأشعرية بعقولهم وتأويلهم الذي يؤدي إلى خلاف ذلك.

стр. 592

١٠٠ - فصل وعندنا أن القرآن يرفع من المصاحف ومن الصدور، وأنكر الأشعري ذلك (١). والدليل على ما قلنا أن النبي ﷺ قال: "خيركم من حفظ القرآن فعمل به وعلمه الناس، وهو كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود" (٢). وروي أن النبي ﷺ قال: "ما رفع الله كلاماً أحب إليه من كلامه" (٣). وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "إقرأوا القرآن قبل أن لا تقدروا على آية منه"، فقيل وكيف نحن نعلمه أبناءنا وأبناؤنا يعلمون أبناءهم، فقال: "يسرى عليه في ليلة واحدة فينسخ من صدور الرجال والمصاحف فيصبح الناس كالبهائم لا يقدرون على آية منه" (٤). وروي عن ابن مسعود أنه قال: "أقرأني سول الله ﷺ آية فأثبتها في

стр. 593

مصحفي، فلما كان الليل جئت لأقرأها فلم أقدر على قراءتها، فعدت إلى المصحف فوجدت مكان الآية أبيض فأخبرت بذلك النبي ﷺ فقال: "أما علمت أنها رفعت البارحة" (١).

стр. 594

١٠١ - فصل اللغة توقيف عن العرب (١) قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ (٢)، والأسماء على ثلاثة أضرب: ألقاب (٣) كزيد وعمرو، وأسماء مشتقة كعالم وقادر وظالم، وأسماء وضعت للتمييز بين الأجناس كالبر والبحر وغير ذلك، والاسم مشتق من السمو والعلو.

стр. 595

وقال قوم: بل هو مشتق من السمة وهي العلامة (١). والصحيح هو الأول، لأنهم قالوا في تصغيره سُمَيْ والتصغير يرد الشيء إلى أصله. واختلف الناس في الاسم هل هو المسمى أو غيره: فذهب أحمد بن حنبل ومن تابعه إلى أن الاسم للمسمى (٢). وقال بعضهم هو صفة للمسمى. وقال بعضهم: هو علم للمسمى، والجميع واحد (٣). وقال المعتزلة: الاسم غير المسمى (٤). وقال أبو الحسن الأشعري: الاسم هو المسمى (٥).

стр. 596

ومنهم من قال: الاسم للمسمى (١). وقال بعض الناس: إذا خرج الاسم عن اللقب واسم الجنس فهو على قسمين: قسم هو المسمى كتسمية الأعيان المنفردة مثل قولنا شيء وموجود، وجوهر وحياة وعلم وقدرة وسواد وقديم ومحدث. وقسم ليس هو المسمى وإنما هو معنى يقوم به، فيكون حكمه حكم ما قام به في إيحائه للوصف، وهو على ضربين: فضرب بني على المجاز، كقولهم فلان عدل مرضي يعنون به أنه عادل ومرضي. والعدل والرضا في الحقيقة اسمان للفعل أجريا على الفاعل مجازاً، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ (٢) أي فعل من آمن بالله. والضرب الثاني: وضع للأشياء في الحقيقة، كقولك سواد وبياض وحمرة وصفرة لا سيما في الحقيقة إلا ما كان من جنسه (٣). واستدل من قال الاسم للمسمى بقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٤). فأضاف الأسماء إليه بلام الاستحقاق والشيء لا يضاف إلى نفسه.

стр. 597

وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" (١). فلو كان الاسم هو المسمى لكان لنا تسعة وتسعين رباً. وأما الدليل على من قال إن الاسم غير المسمى أن يقال: لو كان كذلك لكان الله سبحانه غير مسمى في الأزل واحد فرد موجود لأن حقيقة الغير ما جاز مفارقته صاحبه (٢) وإذا ثبت هذا فأسماء الله تعالى على ثلاثة أضرب: منها ما يرجع إلى ذاته كقولنا (الله موجود وشيء قديم). ومنها ما يرجع إلى صفات ذاته كعالم وقدير وحي وسميع وبصير، ومريد، ومتكلم. ومنها ما يرجع إلى صفات فعله كخالق، ورازق، وقابض، وباسط، وهذه الصفات لله سبحانه يستحقها في الأزل، وهو موصوف في الأزل بأنه سيخلق، ويرزق ويقبض ويبسط قبل أن يخلق ويرزق (٣).

стр. 598

وعند المعتزلة أن أسماء الله كلها مخلوقة (١). والدليل على بطلان قولهم لوكانت أسماؤه مخلوقة لم يخل إما أن يكون خلقها في ذاته أو في ذات غيره، أو لا في ذاته ولا في ذات غيره. فبطل أن يكون خلقها في ذاته؛ لأن ذاته ليست بمحل للحوادث، ولا يجوز أن يكون أحدثها في ذات غيره؛ لأنه لو كان كذلك لوجب أن يسمى أن يسمى من أحدثها فيه بشيء منها، فيسمى فرداً وصمداً، ولا يجوز أن يكون أحدثها بنفسها في غير ذات؛ لأنها صفة والصفة لا تقوم بنفسها.

стр. 599

١٠٢ - فصل قد ذكرنا في أول الكتاب أن عند أصحاب الحديث والسنة أن الله سبحانه بذاته بائن عن خلقه، على العرش استوى فوق السموات، غير مماس له، وعلمه محيط بالأشياء كلها (١).

стр. 600

وقالت الكرامية (١): إنه مماس للعرش.
следующие страницы →